Verse. 2693 (AR)

٢٣ - ٱلْمُؤْمِنُون

23 - Al-Mu'minoon (AR)

وَشَجَــرَۃً تَخْــرُجُ مِنْ طُوْرِ سَيْنَاۗءَ تَنْۢبُتُ بِالدُّہْنِ وَصِبْغٍ لِّلْاٰكِلِيْنَ۝۲۰
Washajaratan takhruju min toori saynaa tanbutu bialdduhni wasibghin lilakileena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«و» أنشأنا «شجرةٌ تخرج من طور سيناء» جبل بكسر السين وفتحها ومنع الصرف للعلمية والتأنيث للبقعة «تُنبت» من الرباعي والثلاثي «بالدهن» الباء زائدة على الأول ومعدية على الثاني وهي شجرة الزيتون «وصبغ للآكلين» عطف على الدهن أي إدام يصبغ اللقمة بغمسها فيه وهو الزيت.

20

Tafseer

القرطبي

تفسير : فيه ست مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَشَجَرَةً} شجرة عطف على جنات. وأجاز الفراء الرفع لأنه لم يظهر الفعل، بمعنى وثَمّ شجرة؛ ويريد بها شجرة الزيتون. وأفردها بالذكر لعظيم منافعها في أرض الشام والحجاز وغيرهما من البلاد، وقلّة تعاهدها بالسّقي والحفر وغير ذلك من المراعاة في سائر الأشجار. {تَخْرُجُ} في موضع الصفة. {مِن طُورِ سَيْنَآءَ} أي أنبتها الله في الأصل من هذا الجبل الذي بارك الله فيه. وطورُسَيْناء من أرض الشأم وهو الجبل الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام؛ قاله ابن عباس وغيره، وقد تقدّم في البقرة والأعراف. والطور الجبل في كلام العرب. وقيل: هو مما عُرّب من كلام العجم. وقال ابن زيد: هو جبل بيت المقدس ممدود من مصر إلى أيْلة. واختُلف في سَيْناء؛ فقال قتادة: معناه الحسَن؛ ويلزم على هذا التأويل أن يُنَوَّن الطور على النعت. وقال مجاهد: معناه مبارك. وقال معمر عن فرقة: معناه شجر؛ ويلزمهم أن ينوّنوا الطور. وقال الجمهور: هو اسم الجبل؛ كما تقول جبل أُحُد. وعن مجاهد أيضاً: سَيْناء حجر بعينه أضيف الجبل إليه لوجوده عنده. وقال مقاتل؛ كل جبل يحمل الثمار فهو سيناء؛ أي حسن. وقرأ الكوفيون بفتح السين على وزن فَعْلاء، وفعلاء في كلام العرب كثير؛ يمنع من الصرف في المعرفة والنكرة؛ لأن في آخرها ألف التأنيث، وألفُ التأنيث ملازمة لما هي فيه، وليس في الكلام فِعلاء، ولكن من قرأ سِيناء بكسر السين جعله فِعلالا؛ فالهمزة فيه كهمزة حِرباء، ولم يصرف في هذه الآية لأنه جعل اسم بقعة. وزعم الأخفش أنه اسم أعجميّ. الثانية: قوله تعالى: {تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ} قرأ الجمهور «تَنبت» بفتح التاء وضم الباء، والتقدير: تنبت ومعها الدهن؛ كما تقول: خرج زيد بسلاحه. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بضم التاء وكسر الباء. واختلف في التقدير على هذه القراءة؛ فقال أبو عليّ الفارسي: التقدير تنبت جناها ومعه الدهن؛ فالمفعول محذوف. وقيل: الباء زائدة؛ مثلُ {أية : وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ} تفسير : [البقرة: 195] وهذا مذهب أبي عبيدة. وقال الشاعر:شعر : نـضـرب بـالسـيـف ونـرجـو بالـفَـرَج تفسير : وقال آخر:شعر : هنّ الحرائر لا رَبّاتُ أَخْمرة سود المحاجر لا يقرأن بالسُّوَرِ تفسير : ونحو هذا قاله أبو عليّ أيضاً؛ وقد تقدّم. وقيل: نبت وأنبت بمعنًى؛ فيكون المعنى كما مضى في قراءة الجمهور، وهو مذهب الفراء وأبي إسحاق، ومنه قول زُهير:شعر : ... حـتـى إذا أنـبـت الـبَـقْـلُ تفسير : والأصمعي ينكر أنبت، ويتّهم قصيدة زهير التي فيها:شعر : رأيتُ ذوي الحاجاتِ حَوْلَ بيوتِهم قَطِيناً بها حتى إذا أنبت البقل تفسير : أي نبت. وقرأ الزُّهْري والحسن والأعرج «تُنْبَت بالدهن» برفع التاء ونصب الباء. قال ابن جِنّي والزجاج: هي باء الحال؛ أي تُنْبَت ومعها دهنها. وفي قراءة ابن مسعود: «تخرج بالدهن» وهي باء الحال. ابنُ دَرَسْتَوَيْه: الدهن الماء اللين؛ تبنت من الإنبات. وقرأ زِرّ بن حُبَيش «تُنْبِت ـ بضم التاء وكسر الباء ـ الدهنَ» بحذف الباء ونصبه. وقرأ سليمان بن عبد الملك والأشهب «بالدهان». والمراد من الآية تعديد نعمة الزيت على الإنسان، وهي من أركان النعم التي لا غنًى بالصحة عنها. ويدخل في معنى الزيتون شجر الزيت كلّه على اختلافه بحسب الأقطار. الثالثة: قوله تعالى: {وَصِبْغٍ لِّلآكِلِيِنَ} قراءة الجمهور. وقرأت فرقة «وأصباغ» بالجمع. وقرأ عامر بن عبد قيس «ومتاعاً»؛ ويراد به الزيت الذي يصطبغ به الأكل؛ يقال: صِبغ وصباغ؛ مثلُ دِبْغ ودِباغ، ولبِس ولباس. وكل إدام يؤتدم به فهو صِبْغ؛ حكاه الهَروِيّ وغيره. وأصل الصِّبغ ما يلوّن به الثوب، وشبّه الإدام به لأن الخبز يلوّن بالصّبغ إذا غُمس فيه. وقال مقاتل: الأُدْم الزيتون، والدهن الزيت. وقد جعل الله تعالى في هذه الشجرة أُدْماً ودُهْناً؛ فالصِّبغ على هذا الزيتونُ. الرابعة: لا خلاف أن كل ما يصطبغ فيه من المائعات كالزيت والسمن والعسل والرُّبّ والخلّ وغير ذلك من الأمراق أنه إدام. وقد نصّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخل فقال: «حديث : نعم الإدام الخل» تفسير : رواه تسعة من الصحابة، سبعة رجال وامرأتان. وممن رواه في الصحيح جابر وعائشة وخارجة وعمر وابنه عبيد الله وابن عباس وأبو هريرة وسَمُرة بن جُنْدب وأنس وأم هانىء. الخامسة: واختلف فيما كان جامداً كاللحم والتمر والزيتون وغير ذلك من الجوامد؛ فالجمهور أن ذلك كله إدام؛ فمن حلف ألا يأكل إداماً فأكل لحماً أو جبنا حنِث. وقال أبو حنيفة: لا يحنث؛ وخالفه صاحباه. وقد روي عن أبي يوسف مثل قول أبي حنيفة. والبقل ليس بإدام في قولهم جميعاً. وعن الشافعي في التمر وجهان؛ والمشهور أنه ليس بإدام لقوله في التنبيه. وقيل يحنث؛ والصحيح أن هذا كله إدام. وقد روى أبو داود «حديث : عن يوسف بن عبد الله بن سلاَم قال: رأيت النبيّ صلى الله عليه وسلم أخذ كسرة من خبز شعير فوضع عليها تمرة فقال: «هذه إدام هذه»»تفسير : . وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : سيّد إدام الدنيا والآخرة اللحم»تفسير : . ذكره أبو عمر. وترجم البخاري (باب الإدام) وساق حديث عائشة؛ ولأن الإدام مأخوذ من المؤادمة وهي الموافقة، وهذه الأشياء توافق الخبز فكان إداماً. وفي الحديث عنه عليه السلام: «حديث : ائتدموا ولو بالماء»تفسير : . ولأبي حنيفة أن حقيقة الإدام الموافقة في الاجتماع على وجه لا يقبل الفصل؛ كالخل والزيت ونحوهما، وأمّا اللحم والبيض وغيرهما لا يوافق الخبز بل يجاوره كالبطيخ والتمر والعنب. والحاصل: أن كل ما يحتاج في الأكل إلى موافقة الخبز كان إداماً، وكل ما لا يحتاج ويؤكل على حدة لا يكون إداماً، والله أعلم. السادسة: روى الترمذي من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كُلُوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة»تفسير : . هذا حديث لا يعرف إلا من حديث عبد الرزاق، وكان يضطرب فيه، فربما يذكر فيه عن عمر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وربما رواه على الشك فقال: أحسِبه عن عمر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وربما قال: عن زيد بن أسلم عن أبيه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقال مقاتل: خُصّ الطّور بالزيتون لأن أوّل الزيتون نبت منها. وقيل: إن الزيتون أوّل شجرة نبتت في الدنيا بعد الطوفان. والله أعلم.

البيضاوي

تفسير : {وَشَجَرَةً } عطف على {جَنَّـٰتُ } وقرئت بالرفع على الإِبتداء أي: ومما أنشأنا لكم به شجرة. {تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاء } جبل موسى عليه الصلاة والسلام بين مصر وأيلة، وقيل بفلسطين وقد يقال له طور سينين ولا يخلو من أن يكون الطور للجبل وسيناء اسم بقعة أضيف إليها، أو المركب منهما علم له كامرىء القيس ومنع صرفه للتعريف والعجمة أو التأنيث على تأويل البقعة لا للألف لأنه فيعال كديماس من السناء بالمد وهو الرفعة، أو بالقصر وهو النور أو ملحق بفعلال كعلباء من السين إذ لا فعلاء بألف التأنيث بخلاف {سَيْنَاء } على قراءة الكوفيين والشامي ويعقوب فإنه فيعال ككيسان أو فعلاء كصحراء لا فعلال إذ ليس في كلامهم، وقرىء بالكسر والقصر. {تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ } أي تنبت ملتبساً بالدهن ومستصحباً له، ويجوز أن تكون الباء صلة معدية لـ {تنبتُ} كما في قولك: ذهبت بزيد، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب في رواية {تنبِتُ} وهو إما أن أنبت بمعنى نبت كقول زهير:شعر : رَأَيْتُ ذوي الحَاجَاتِ عِنْدَ بُيُوتِهِم قَطِيناً لَهُمْ حَتَّى إذا أَنْبَتَ البَقْلُ تفسير : أو على تقدير {تنبتُ} زيتونها ملتسباً بالدهن، وقرىء على البناء للمفعول وهو كالأول وتثمر بالدهن وتخرج بالدهن وتخرج الدهن وتنبت بالدهان. {وَصِبْغٍ لّلآكِلِيِنَ} معطوف على الدهن جار على إعرابه عطف أحد وصفي الشيء على الآخر أي: تنبت بالشيء الجامع بين كونه دهنياً يدهن به ويسرج منه وكونه إداماً يصبغ فيه الخبز أي: يغمس فيه للائتدام، وقرىء «وصباغ» كدباغ في دبغ.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَ} أنشأنا {شَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنآءَ } جبل بكسر السين وفتحها ومنع الصرف للعلميّة والتأنيث للبقعة {تُنبِتُ } من الرباعي والثلاثي {بِٱلدُّهْنِ } الباء زائدة على الأوّل ومعدّية على الثاني. وهي شجرة الزيتون {وَصِبْغٍ لِّلأَكِلِيِنَ } عطف على الدهن أي إدام يصبغ اللقمة بغمسها فيه وهو الزيت.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَشَجَرَةً} الزيتون خصت بالذكر لكثرة نفعها وقلة تعاهدها {سَيْنَآءَ} البركة كأنه قال: جبل البركة "ع"، أو الحسن المنظر أو الكثير [الشجر]، أو الجبل الذي كلم عليه موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ أو المرتفع من السناء وهو الارتفاع فيكون عربياً وعلى ما سبق سريانياً "ع" أو نبطياً، أو حبشياً {تَنبُتُ بِالدُّهْنِ} بالمطر ليصح دخول الباء. أو الزيت أي تثمر الدهن فالباء صلة. شعر : ........................ ونرجوا بالفرج تفسير : أو معناه تنبت وفيها الدهن، وهذه عبرة تشرب الماء وتنبت الدهن {وَصِبْغٍ} أدم يصطبغ به، وقيل الصبغ كل ما يؤتدم به سوى اللحم.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَشَجَرَةً} عطف على قوله: {جَنَّـٰتٍ} ويريد بها الزيتونة، وهي كثيرة في طور سيناء من أرض الشام، وهو الجَبَلُ الذي كُلِّمَ فيه موسى عليه السلام؛ قاله ابن عباس، وغيره، والـ {طُورِ}: الجبلُ في كلام العرب، واخْتُلِفَ في {سَيْنَآءَ} فقال قتادة: معناه الحُسْنُ، وقال الجمهور: هو اسم الجبل، كما تقول جبل أُحُدٍ، وقرأ الجمهور: «تَنْبُتُ» بفتح التاء وضم الباء، فالتقدير تنبت ومعها الدُّهْنُ؛ كما تقول خرج زيد بسلاحه، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: «تُنْبِتُ» بضم التاء وكسر الباء واخْتُلِفَ في التقدير على هذه القراءة، فقالت فرقة: الباءُ زائدة، كما في قوله تعالى: {أية : وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ} تفسير : [البقرة:195]، وقالت فرقة: التقدير تُنْبِتُ جناها ومعه الدُّهْنُ، فالمفعول محذوف، وقيل: نبت وأَنْبَتَ بمعنى؛ فيكونُ المعنى كما مضى في قراءة الجمهور، والمراد بالآية تعديدُ النعم على الإنسان، وباقي الآية بَيِّنٌ. وقوله سبحانه: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَالَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ * فَقَالَ ٱلْمَلَؤُا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ...} الآية: هذا ابتداءُ تمثيلٍ لكُفَّارِ قريش بأُممٍ كفرت بأنبيائها فأُهْلِكُوا، وفي ضمن ذلك الوعيدُ بأَنْ يَحُلَّ بهؤلاء نحوُ ما حَلَّ بأولٰئك، والملأ: الأشراف، والجِنَّةُ، الجنون، و {حَتَّىٰ حِينٍ} معناه إلى وقت يريحكم القَدَرُ منه، ثم إن نوحاً عليه السلام دعا على قومه حين يَئِسَ منهم، وإنْ كان دعاؤُهُ في هذه الآية ليس بِنَصٍّ؛ وإنَّما هو ظاهر من قوله: {بِمَا كَذَّبُونِ} فهذا يقتضي طلبَ العقوبة، وأَمَّا النصرة بمجردها فكانت تكون بردِّهم إلى الإيمان.

البقاعي

تفسير : ولما ذكر سبحانه ما إذا عصر كان ماء لا ينفع للاصطباح، أتبعه ما إذا عصر كان دهناً يعم الاصطباح و الاصطباغ، وفصله عنه لأنه أدل على القدرة فقال: {وشجرة} أي وأنشأنا به شجرة، أي زيتونة {تخرج من طور}. ولما كان السياق للإمداد بالنعم، ناسبه المد فقال: {سيناء} قال الحافظ عماد الدين ابن كثير: وهو طور سينين، وهو الجبل الذي كلم الله عليه موسى بن عمران عليه السلام وما حوله من الجبال التي فيها شجر الزيتون. وقال صاحب القاموس: والطور: الجبل، وجبل قرب أيلة يضاف إلى سيناء وسينين، وجبل بالشام، وقيل: هو المضاف إلى سيناء، وجبل بالقدس عن يمين المسجد، وآخر عن قبليه، به قبر هارون عليه السلام، مجبل برأس العين، - وآخر مطلّ على طبرية - انتهى. وهو اسم مركب من الاسمين، وقيل: بل هو مضاف إلى سيناء، ومعنى سيناء الحسن، وقيل: المبارك، وقيل: هو حجارة معروفة، وقيل شجر، ولعله خصه من بين الأطوار لقربه من المخاطبين أولاً بهذا القرآن، وهم العرب، ولغرابة نبت الزيتون به لأنه في بلاد الحر والزيتون من نبات الأرض الباردة، ولتمحضه لأن يكون نبته مما أنزل من السماء من الماء لعلوه جداً، وبعد من أن يدعي أن ما فيه من النداوة من الماء من البحر لأن الإمام أبا العباس أحمد ابن القاص من قدماء أصحاب الشافعي حكى في كتابه أدلة القبلة أنه يصعد إلى أعلاه في ستة آلاف مرقاة وستمائة وست وستين مرقاة، قال: وهي مثل الدرج من الصخر، فإذا انتهى إلى مقدار النصف من الطريق يصير إلى مستواه من الأرض فيها أشجار وماء عذب، في هذا الموضع كنيسة على اسم إيليا النبي عليه السلام، وفيه مغار، ويقال: إن إيليا عليه السلام لما هرب من إزقيل الملك اختفى فيه؛ ثم يصعد من هذا الموضع في الدرج حتى ينتهي إلى قلة الجبل، وفي قلبه كنيسة بنيت على اسم موسى عليه السلام بأساطين رخام، أبوابها من الصفر والحديد، وسقفها من خشب الصنوبر، وأعلى سقوفها أطباق رصاص قد أحكمت بغاية الإحكام، وليس فيها إلا رجل راهب يصلي ويدخن ويسرج قناديلها، ولا يمكن أحداً أن ينام فيها البتة، وقد اتخذ هذا الراهب لنفسه خارجاً من الكنيسة بيتاً صغيراً يأوي فيه، وهذه الكنيسة بنيت في المكان الذي كلم الله فيه موسى عليه الصلاة والسلام، وحواليه - أي حوالي الجبل - من أسفله ستة آلاف ما بين دير وصومعة للرهبان والمتعبدين، كان يحمل إليهم خراج مصر في أيام ملك الروم للنفقة على الديارات وغيرها، وليس اليوم بها إلا مقدار سبعين راهباً يأوون في الدير الذي داخل الحصن، وفي أكثرها يأوي أعراب بني رمادة، وعلى الجبل مائة صومعة، وأشجار هذا الجبل اللوز والسرو، وإذا هبطت من الطور أشرفت على عقبة تهبط منها فتسير خطوات فتنتهي إلى دير النصراني: حُصين عليه سور من حجارة منحوتة ذات شرف عليه بابان من حديد، وفي جوف هذا الدير عين ماء عذب، وعلى هذه العين درابزين من نحاس لئلا يسقط في العين أحد، وقد هيىء براتج رصاص يجري فيها الماء إلى كروم لهم حول الدير، ويقال: إن هذا الدير هو الموضع الذي رأى موسى عليه السلام فيه النار في الشجرة العليق، وقبلة من بها دبر الكعبة، وفيه يقول القائل: شعر : عجب الطور من ثباتك موسى حين ناجاك بالكلام الجليل تفسير : والطور من جملة كور مصر، منه إلى بلد قلزم على البر مسيرة أربعة أيام، ومنه إلى فسطاط مصر مسيرة سبعة أيام - انتهى كلام ابن القاص، وسألت أنا من له خبرة بالجبل المذكور: هل به أشجار الزيتون؟ فأخبرني أنه لم ير به شيئاً منها، وإنما رآها فيما حوله في قرار الأرض، وهي كثيرة وزيتونها مع كبره أطيب من غيره، فإن كان ذلك كذلك فهو أغرب مما لو كانت به، لأنه لعلوه أبرد مما سفل من الأرض، فهو بها أولى، وظهر لي - والله أعلم - أن حكمة تقدير الله تعالى أن يكون عدد الدرج ما ذكر موافقة زمان الإيجاد الأول لمكان الإبقاء الأول، وذلك أن الله تعالى خلق السماوات والأرض في ستة أيام وهو الإيجاد الأول، وكلم موسى عليه الصلاة والسلام، وكتب له الألواح في هذا الجبل، ثم أتم له التوراة وهي أعظم الكتب بعد القرآن، وبالكتب السماوية والشرائع الربانية انتظام البقاء الأول، كما سلف في الفاتحة والأنعام والكهف. ولما ذكر سبحانه إنشاء هذه الشجرة بهذا الجبل البعيد عن مياه البحار لعلوه وصلابته أو بما حوله من الأرض الحارة، ذكر تميزها عن عامة الأشجار بوجه آخر عجيب فقال: {تنبت} أي بالماء الذي لا دهن فيه أصلاً، نباتاً على قراءة الجمهور، أو إنباتاً على قراءة ابن كثير وأبي عمرو وورش عن يعقوب بضم الفوقانية، ملتبساً ثمره {بالدهن} وهو في الأصل مائع لزج خفيف يتقطع ولا يختلط بالماء الذي هو أصله فيسرج ويدهن به، وكأنه عرّفه لأنه أجلّ الأدهان وأكملها. ولما كان المأكول منها الدهن والزيتون قبل العصر، عطف إشعاراً بالتمكن فقال: {وصبغ} أي وتنبت بشيء يصبغ - أي يلون - الخبز إذا غمس فيه أو أكل به {للآكلين*} وكأنه نكره لأن في الإدام ما هو أشرف منه وألذ وإن كانت بركته مشهورة؛ روى الإمام أحمد عن أبي أسيد مالك بن ربيعة الساعدي الأنصاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة"تفسير : . وللترمذي وابن ماجه عبد بن حميد في مسنده وتفسيره كما نقله ابن كثير عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ائتدموا بالزيت وادهنوا به فإنه يخرج من شجرة مباركة"تفسير : . وقال أبو حيان: وخص هذه الأنواع الثلاثة من النخل والعنب والزيتون لأنها أكرم الشجر وأجمعها للمنافع. ولما دل سبحانه وتعالى على قدرته بما أحيا بالماء حياة قاصرة عن الروح، أتبعه ما أفاض عليه به حياة كاملة فقال: {وإن لكم في الأنعام} وهي الإبل والبقر والغنم {لعبرة} تعبرون بها من ظاهر أمرها إلى باطنه مما له سبحانه فيها من القدرة التامة على البعث وغيره؛ ثم استأنف تفصيل ما فيها من العبرة قائلاً: {نسقيكم} ولما كان الأنعام مفرداً لكونه اسم جمع، ولم يذكر ما يسقى منه، أنث الضمير بحسب المعنى وعلم أن المراد ما يكون منه اللبن خاصة وهو الإناث، فهو استخدام لأنه لو أريد جميع ما يقع عليه الاسم لذكر الضمير، فلذلك قال: {مما في بطونها} أي نجعله لكم شراباً نافعاً للبدن موافقاً للشهوة تلتذون به مع خروجه من بين الفرث والدم كما مضى في النحل {ولكم فيها} أي في جماعة الأنعام، وقدم الجار تعظيماً لمنافعها حتى كأن غيرها عدم {منافع كثيرة} باستسلامها لما يراد منها مما لا يتيسر من أصغر منها، وبأولادها وأصوفها وأوبارها، وغير ذلك من آثارها. ولما كان التقدير: تصرفونها في تلك المنافع، عطف عليه مقدماً للجار تعظيماً لمأكولها فقال: {ومنها تأكلون*} بسهولة من غير امتناع ما عن شيء من ذلك، ولو شاء لمنعها من ذلك وسلطها عليكم، ولو شاء لجعل لحمها لا ينضج، أو جعله قذراً لا يؤكل، ولكنه بقدرته وعلمه هيأها لما ذكر وذللها له. ولما كانت المفاوتة بين الحيوانات في القوى وسهولة الانقياد دالة على كمال القدرة، وكان الحمل للنفس والمتاع عليها وعلى غيرها من الحيوان من أجلّ المنافع بحيث لولا هو تعطلت أكثر المصالح، ذكره فيها مذكراً بغيرها في البر تلويحاً، وذاكراً لمحامل البحر تصريحاً، فقال مقدماً للجار عداً لحمل غيرها بالنسبة إلى حملها لعظيم وقعه عدماً: {وعليها} أي الأنعام الصالحة للحمل من الإبل والبقر في البر {وعلى الفلك} في البحر. ولما كان من المعلوم من تذليلها على كبرها وقوتها وامتناع غيرها على صغره وضعفه أنه لا فاعل لذلك إلا الله مع أن الممتن به نفس الحمل لا بالنظر إلى شيء آخر، بني للمفعول قوله: {تحملون*} بإنعامه عليكم بذلك، ولو شاء لمنعه، فتذكروا عظيم قدرته وكمال صنعته، وعظموه حق تعظيمه، واشكروه على ما أولاكم من تلك النعم، وأخلصوا له الدين، لتفلحوا فتكونوا من الوارثين. ولما كان التقدير: فلقد حملنا نوحاً ومن أردنا ممن آمن به من أولاده وأهله وغيرهم على الفلك، وأغرقنا من عانده من أهل الأرض قاطبة بقدرتنا، ونصرناه عليهم بعد ضعفه عنهم بأيدينا وقوتنا، وجعلناه وذريته هم الوارثين، وكنتم ذرية في أصلابهم، وكثرناهم حتى ملأنا منهم الأرض، دلالة على ما قدمنا من تفردنا كما أجرينا عادة هذا الكتاب الكريم بذكر عظيم البطش بعد أدلة التوحيد، وأتبعناه بعده الرسل الذين سمعتم بهم، وعرفتم بعض أخبارهم، يا من أنكر الآن رسالة البشر لإنكار رسالة هذا النبي الكريم! عطف عليه يهدد بإهلاك الماضين، للرجوع عن الكفر، ويذكر بنعمة النجاة للإقبال على الشكر، ويسلي هذا النبي الكريم ومن معه من المؤمنين لمن كذب قبله من النبيين وأوذي من أتباعهم، ويدل على أنه يفضل من عباده من يشاء بالرسالة، كما فضل طينة الإنسان على سائر الطين، وعلى أن الفلاح بالإرث والحياة الطيبة في الدارين مخصوص بالمؤمنين كما ذكر أول السورة، فذكر نوحاً لأن قصته أشهر القصص، ولأن قومه كانوا ملء الأرض، ولم تغن عنهم كثرتهم ولا نفعتهم قوتهم، ولأنه الأب الثاني بعد الأب الأول المشار إليه بالطين، ولأن نجاته ونجاة المؤمنين معه كانت بالفلك المختوم به الآية قبله، فقال: {ولقد أرسلنا} إشارة بصيغة العظمة إلى زيادة التسلية بأنه "آتاه من الآيات ما مثله آمن عليه البشر" وقام هو صلى الله عليه وسلم بذلك حق القيام {نوحاً} أي وهو الأب الثاني بعد آدم عليهما السلام {إلى قومه} وهم جميع أهل الأرض لتواصل ما بينهم لكونهم على لغة واحدة {فقال} أي فتسبب عن ذلك أن قال: {يا قوم} ترفقاً بهم {اعبدوا الله} أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له، وحده، لأنه إلهكم وحده لاستحقاقه لجميع خلال الكمال؛ واستأنف على سبيل التعليل قوله: {ما لكم} وأغْرق في النفي بما هو حق العبادة فقال: {من إله} أي معبود بحق {غيره} فلا تعبدوا سواه. ولما كانت أدلة الوحدانية والعظمة بإعطاء الثواب وإحلال العقاب في غاية الظهور لا تحتاج إلى كبير تأمل، تسبب عن ذلك إنكاره لأمنهم من مكره، والخوف من ضره، فقال: {أفلا تتقون*} أي تخافون ما ينبغي الخوف منه فتجعلوا لكم وقاية من عذابه فتعملوا بما تقتضيه التقوى من إفراده بالعبادة خوفاً من ضركم ورجاء لنفعكم {فقال} أي فتسبب عن ذلك أن كذبوه فقال: {الملأ} أي الأشراف الذين تملأ رؤيتهم الصدور عظمة. ولما كان أهل الإيمان كلهم إذ ذاك قبيلة واحدة لاجتماعهم في لسان واحد قدم قوله: {الذين كفروا} أي بالله لأن التسلية ببيان التكذيب أتم، والصلة هنا قصيرة لا يحصل بها لبس ولا ضعف في النظم بخلاف ما يأتي، وكأن أفخاذهم كانت متمايزة فزاد في الشناعة عليهم بأن عرف أنهم من أقرب الناس إليه بقوله: {من قومه ما هذا} أي نوح عليه الصلاة والسلام {إلا بشر مثلكم} أي فلا يعلم ما لا تعلمون، فأنكروا أن يكون بعض البشر نبياً، ولم ينكروا أن يكون بعض الطين إنساناً، وبعض الماء علقة، وبعض العلقة مضغة - إلى آخره، فكأنه قيل: فما حمله على ذلك؟ فقالوا: {يريد أن يتفضل} أي يتكلف الفضل بادعاء مثل هذا {عليكم} لتكونوا أتباعاً له، ولا خصوصية له به دونكم. ولما كان التقدير: فلم يرسله الله كما ادعى، عطف عليه قولهم: {ولو شاء الله} أي الملك الأعلى الإرسال إليكم وعدم عبادة غيره {لأنزل} لذلك {ملائكة} وما علموا أن القادر على تفضيل بعض الجواهر بجعلها ملائكة قادر على تفضيل ما شاء ومن شاء بما يشاء من الملائكة وغيرها. ولما كان هذا متضمناً لإنكار رسالة البشر، صرحوا به في قولهم كذباً وبهتاناً كما كذب فرعون وآله حين قالوا مثل هذا القول وكذبهم المؤمن برسالة يوسف عليه الصلاة والسلام: {ما سمعنا بهذا} أي بإرسال نبي من البشر يمنع أن يعبد غير الله بقصد التقريب إليه، فجعلوا الإله حجراً، وأحالوا كون النبي بشراً {في آبائنا الأولين*} ولا سمعنا بما دعا إليه من التوحيد.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه في قوله {من طور سيناء} قال: هو الجبل الذي نودي منه موسى. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {وشجرة تخرج} قال: هي الزيتون من {طور سيناء} قال: جبل حسن {تنبت بالدهن وصبغ للآكلين} قال: جعل الله فيها دهناً وأدماً. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه {من طور سيناء} قال: المبارك {تنبت بالدهن} قال: تثمر الزيت. وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس {وشجرة تخرج من طور سيناء} قال: هي الزيتون. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه {وشجرة} قال: هي شجرة الزيتون تنبت بالزيت فهو دهن يدهن به، وهو صبغ للآكلين يأكله الناس. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطية العوفي رضي الله عنه قال: سيناء اسم الأرض. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه قال: الطور، الجبل، وسينا، الحجارة. وفي لفظ وسينا، الشجر. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الكلبي {طور سيناء} قال: جبل ذو شجر. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {تنبت بالدهن} قال: هو الزيت يؤكل ويدهن به. وأخرج ابن جرير وابن حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله {تنبت بالدهن وصبغ للآكلين} قال: يتادمون به، ويصبغون به. وأخرج عبد بن حميد عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ "من طور سيناء" بنصب السين ممدودة مهموزة الألف "تنبت" بنصب التاء ورفع الباء. وأخرج عبد بن حميد عن سليمان بن عبد الملك أنه كان يقرأ "تنبت بالدهن" بنصب التاء ورفع الباء.

البقلي

تفسير : قال الاستاذ ماء هو صوب الرحمة يزيل به درن العصاة واثار ذلتهم وغيار عثرتهم وماء هو يسقى قلوبهم يزيل به عطش كيدهم ويحيى به اموات احق لهم فنبت فى رياض قلوبهم فنون ازهار البسط وصنوف انوار الروح وماء هو شراب المحبة فيخضر به قلوب الساحات القرب فيزيل عنها به حشمة الوصف ويسكر به قلوب فيعطلها عن التمييز ويحملها على التجانس والخطر يبذل الروح فاذا شربوا طربوا واذا طربوا لم ينالوا بما وهبوا.

اسماعيل حقي

تفسير : {وشجرة} بالنصب عطف على جنات وتخصيصها بالذكر من بين سائر الاشجار لاستقلالها بمنافع معروفة قيل هى اول شجرة نبتت بعد الطوفان وهى شجرة الزيتون، قال فى انسان العيون شجرة الزيتون تعمر ثلاثة آلاف سنة، وفى المفردات الشجر من النبت ماله ساق يقال شجرة وشجر نحو ثمره وثمر {تخرج من طور سيناء} هو جبل بين مصر وايلة نودى منه موسى عليه السلام: وبالفارسية وديكر بيافريديم براى شما درختى كه بيرون مى آيداز كوه زيبا كه جبل موسى است درميان مصر وايله] ويقال له طور سينين ومعناه الحسن او المبارك، قال اهل التفسير فاما ان يكون الطور اسم الجبل وسيناء اسم البقعة اضيف اليها او المركب منهما علم له كامرىء القيس وهو بالفتح فعلاء كصحراء فمنع صرفه للتأنيث وبالكسر فيعال كديماس من السناء بالمد وهو الرفعة او بالقصر وهو النور فمنع صرفه للتعريف والعجمة او التأنيث على تأويل البقعة لا للالف وتخصيصها بالخروج منه مع خروجها من سائر البقاع ايضا لتعظيمها ولانه المنشأ الاعلى لها، قال فى الجلالين اول ما نبت الزيتون نبت هناك {تنبت بالدهن} [مى رويد باروغن] صفة اخرى لشجرة والباء متعلقة بمحذوف وقع حالا منها اى تنبت ملتبسة به ومستصبحة له كما قال الراغب معناه تنبت والدهن موجود فيها بالقوة ويجوز كونها صلة معدية لتنبت كما فى قولك ذهبت بزيد اى تنبته بمعنى تتضمنه وتحصله فان النبات حقيقة صفة للشجرة لا للدهن {وصبغ} [نان خورش] {للآكلين} اى ادام لهم وذلك من قولهم اصطبغت بالحل وهو معطوف على الدهن جار على اعرابه عطف احد وصفى الشىء على الآخر اى تنبت بالشىء الجامع بين كونه دهنا يدهن به ويسرج به وكونه ادما يصبغ فيه الخبزاى يغمس للأئتدام ويلون به كالدبس والخل مثلا. وفى التأويلات النجمية هى شجرة الخفى الذى يخرج من طور سيناء الروح بتأثير تجلى انوار الصفات تنبت بالدهن وهو حسن الاستعداد لقبول الفيض الالهى بلا واسطة ومقر هذا الدهن هو الخفى الذى فوق الروح وهو سر بين الله وبين الروح لا تطلع عليه الملائكة المقربون وهوادام لا آكلى الكونين بقوة الهمة.

الجنابذي

تفسير : {وَشَجَرَةً} قرئ بالنّصب عطفاً على جنّات وبالرّفع خبر مبتدءٍ محذوفٍ اى من المنشآت شجرة، او مبتدء خبره تنبت بالدّهن {تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ} قرئ بفتح السّين والمدّ وبكسر السّين والمدّ والقصر، والطّور الجبل او فناء الدّار والمراد به الجبل الّذى ناجى موسى ربّه فيه، وسيناء اسم الموضع الّذى به هذا الجبل، اواسم حجارة مخصوصة فى ذلك الموضع، وقيل: المراد بالسّيناء الجبل المشجّر يعنى الكثير الشّجر، وقيل: المراد الجبل الحسن، وقيل: السّيناء بمعنى البركة، ومعنى طور سيناء جبل البركة وهو ما بين مصر وايلة، وقيل: طور سيناء جبل بالشّام، وفى اخبارنا اشارة الى انّ طور سيناء نجف الكوفة، وانّه الموضع الّذى فيه مشهد امير المؤمنين (ع) فعن الباقر (ع) انّه كان فى وصيّة امير المؤمنين (ع) ان اخرجونى الى الظّهر فاذا تصوّبت اقدامكم واستقبلتكم ريحٌ فادفنونى فهو اوّل طور سيناء، وعن الصّادق (ع): الغرّى قطعة من الجبل الّذى كلّم الله عليه موسى (ع) تكليماً، وقدّس عليه عيسى (ع) تقديساً، واتّخذ عليه ابراهيم (ع) خليلاً، واتّخذ محمّداً (ص) حبيباً، وجعله للنّبيّين مسكناً، فوالله ما سكن بعد ابويه الطّيّبين آدم ونوح (ع) اكرم من امير المؤمنين (ع)، والمراد بالشّجرة الّتى تخرج من طور سيناء شجرة الزّيتون وخصّها بالذّكر لانّها كثيرة النّفع للعرب فانّها {تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ} قرئ من الثّلاثىّ المجرّد وحينئذٍ يكون الباء للتّعدية او للمصاحبة، وقرئ تُنبت من الانبات بمعنى النّبت او متعدّياً، ويكون المفعول محذوفاً اى تنبت الثّمر بالدّهن {وَصِبْغٍ} اى ادام فانّ ثمرها ادام {لِّلآكِلِيِنَ} قيل: المراد شجرة الزّيتون وهو مثل رسول الله (ص) وامير المؤمنين (ع) فالطّور الجبل والسّيناء الشّجرة.

الهواري

تفسير : قوله: {وَشَجَرَةً} أي: وأنبتنا لكم بذلك الماء شجرة {تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ} وهي الزيتونة. والطور الجبل، وسيناء: الحسن، كقوله: (أية : وَطُورِ سِينِينَ)تفسير : [التين: 2] الجبل الحسن. وبعضهم يقول: سيناء: المبارك، أي: الجبل المبارك، يعني جبل بيت المقدس. قوله: {تَنبُتُ بِالدُّهْنِ} [قال مجاهد: تثمر بالدهن] {وَصِبْغٍ لِّلأَكِلِينَ} أي: هو دهن يدهن به، وهو صبغ يصبغ به الآكلون. [أي: يأتدمون به]. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الزيت من شجرة مباركة فائتدموا به وادهنوا به ". تفسير : قوله: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً} أي: لآية {نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهَا} يعني اللبن. {وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ} أي: في ألبانها وظهورها، وكل ما ينتفع به منها. قوله: {وَمِنْهَا تَأكُلُونَ} يعني لحومها. قوله: {وَعَلَيْهَا} أي: وعلى الإِبل {وَعَلَى الفُلْكِ} أي: السفن {تُحْمَلُونَ} وقد يقال: إنها سفن البَرّ. وقال في آية أخرى: {وَءَايَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتِهُمْ فِي الفُلْكِ المَشْحُونِ} أي: الموقر، (أية : وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ) تفسير : [سورة يس: 41-42] يعني الإِبل. عدلت بالسفن. وقال في آية أخرى: (أية : وَجَعَل لَكُم مِّنَ الفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ) تفسير : [الزخرف: 12].

اطفيش

تفسير : {وَشَجَرَةً} عطف على جنات. وقرئ بالرفع مبتدأ محذوف الخبر اي (ومما انشأنا لكم به شجرة) وهي الزيتون {تَخْرُجُ مِن طُورِ سِيْنَآءَ} تنبت منه وترتفع للسماء أو (من) بمعنى في والزيتون كثير في طور سيناء من ارض الشام وطور سيناء اسم جبل موسى بين مصر وأيلة مركب كامرئ القيس نودي موسى منه. وقيل: جبل بفلسطين ويقال له ايضا طور سينين وليس اسما له ولكن الطور الجبل وسيناء بقعة هو فيها. وعن قتادة سيناء الحسن اي جبل الحسن وقيل البركة أي جبل البركة. والجمهور ان سيناء هو الجبل كقولك جبل احد وسيناء لفظة نبطية أو حبشية أو سريانية أقوال. وقيل: معناه جبل الالتفاف بالشجر أو سيناء معناه الجبل الملتف به. وقيل: كل جبل فيه اشجار مثمرة يسمى سيناء وسينين وسيناء بمعنى الجبل الذي هو كذلك أو بمعنى اشجار كأنه قيل جبل اشجار. وقيل: سيناء حجارة بقرب الجبل وسيناء عجمي فمنع الصرف للعجمة والعلمية اما على انه جبل أو بقعة فظاهر واما على انه بمعنى الحسن أو نحوه فلعله علم على الحسن مثلا وليس الفه للتأنيث لانه ليس في الكلام فعلاء بكسر الفاء بل عند بعضهم هو فيعلال من السناء بالمد وهو الرفعة أو بالقصر وهو النور فلا يقال انه عربي منع الصرف لالف التأنيث نعم يصح ان يقال منع للعجمة والتأنيث للتأويل بالبقعة وللعلمية العربية مع التأنيث فانه إذا قلنا انه من السناء فالسناء عربي لا عجمي. ويجوز ان يكون ملحقا بفعلاء كعلياء بناء على ان (الف الالحاق) تمنع الصرف يكون من السين. وفتح الكوفيون وابن عامر والشامي ويعقوب بفتح السين على وزن فيعال أو فعلاء كصحراء لافعلال بفتح الفاء لعدمه في كلامهم. وقرئ بالكسر والقصر. وعن مجاهد الطور الجبل بالسريانية. وقال الضحاك: بالنبطية {تُنْبِتُ بِالدُّهْنِ} قيل الباء للمصاحبة متعلقة بمحذوف حال من الضمير المستتر والمعنى تنبت وفيها الدهن فانها في حال النبت فيها مقدمة الدهن. وقيل: للتعليل أو للتعدية أي تنبت الدهن أو للمصاحبة على تقدير مضاف اي ينبت ثمرها مصاحبا للدهن. وقرأ ابن كثير وابو عمرو ويعقوب في رواية بضم التاء وكسر الباء فالباء في (بالدهن) زائدة اي تنبت الدهن وفائدة الزيادة تأكيدا نبات الدهن حتى كأنه لازم أو غير زائدة فالمفعول محذوف وهي متعلقة بمحذوف حال منه أو من المستتر اي تنبت زيتونها بالدهن أي مصاحبا أو مصاحبة للدهن أو انبت لموافقة المجرد بمعنى نبت فيكون فيه ما في القراءة الاولى سمع انبت البقل بالرفع بمعنى نبت البقل ذكر بعض ذلك ابن هشام والكواشي. وقرئ بالبناء للمفعول فالباء للمصاحبة أو للتعليل. وقرئ تنبت بالدهان بضم الباء وقرأ ابن مسعود تخرج الدهن وصبغ الاكلين. وقرئ تخرج بالدهن. وقرأ ابيّ تثمر بالدهن. وروي ان شجرة الزيتون هي أول ما نبت بعد الطوفان. وقيل: تبقى في الارض نحو ثلاثة آلاف سنة {وَصَبْغٍ لِّلآكِلِينَ} غمس لهم اي يغمسون الخبز أو غيره في زيتها للائتدام. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : شجرة مباركة فائتدموا به ودهنوا به"تفسير : وهو ايضا افضل ما يتضح به (والصبغ) معطوف على الدهن وليس احدهما مصدرا بل كلاهما ذات فالدهن ما يدهن به كالاكل بضم الهمزة بمعنى ما يؤكل والصبغ ما يصبغ فيه كالذبح بكسر الذال بمعنى ما يذبح وفيه دلالة على الوصيفة وكأنه قيل تنبت بما هو جامع بين كونه يدهن به وكونه يصبغ فيه. وقرأ الاعمش (وصبغا) بالنصب عطفا على الدهن المجرور بباء زائدة ان كان يقرأ (تنبت) بضم التاء وكسر الباء أو على المفعول المحذوف ان كان يقرأ كذلك والباء غير زائدة اي تنبت ثمرها وصبغا او على محل الدهن ولو كانت الباء غير زائدة بناء على جواز العطف على المحل ولو كان لا يظهر في الفصيح أو تظهر إلى معنى جعل الهمزة مكان الباء في قراءة ضم باء تنبت وقرئ وصباغ.

اطفيش

تفسير : {وشجرة} عطف على جنات، وهى شجرة الزيت، خصت لاستقلالها بمنافع معروفة، وهى أول شجرة نبتت بعد الطوفان، وتعمر ألف عام، وقيل ثلاثة آلاف، وفى موضع الجامع الكبير فى تونس شجرة منه فنسب اليها، وزعم أهل تونس أن زيتونة امرأة، وهو خطأ وعظمها بقوله: {تَخْرج من طُور سَيْناء} أو خصة لأنه منشأها الأصلى، وهو جبل موسى الذى ناجى ربه فيه، ونزلت فيه التوراة بين مصر، وأيلة أو فى فلسطين من أرض الشام، وسيناء شجر، وقيل بقعة، ويقال: مات الشجر بالطوفان، وأول شجرة نبتت بعده شجرة الزيت، والشجر الثلاث، أكرم الشجر وأفضلها، وأجمعها للمنافع، ومنع الصرف لألف التأنيث، أو للعلمية والعجمة على أنه نبطى، أو حبشى، ومعناه الحسن المبارك، أو للعلمية وتأنيث البقعة. {تنبت بالدهن} مع الدهن، وذلك لأنه فى ضمنها أو الباء للتعدية أى تنبت الدهن، ولا بأس به، ولو كان إنبات الدهن غير معروف والدهن عصارةكل ما فيه دسم {وصِبْغِ للآكلينَ} يغمس فيه الخبز بعصارة الزيتون يدهن بها، ويغمس فيها ما يؤكل كقولك: جاء زيد العاقل والعالم، أى الجامع بين العقل والعلم، وقيل الدهن الزيت والصبغ الزيتون، سمى إساغة الخبز به صبغاً، والمعروف أن الصبغ المائع الذى يساغ به، وروى أنه صلى الله عليه وسلم طبخ له لسان شاة بزيت فأكل منه، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : كلوا الزيت وادهنو به فإنه شفاء من سبعين داء منها الجذام"تفسير : وإنه يخرج من شجرة مباركة ويقال: الدهن به فى البلاد الباردة ضار، وكثرة دهن الرأس به خطر على البصر.

الالوسي

تفسير : {وَشَجَرَةً} بالنصب عطف على { أية : جَنَّـٰتُ } تفسير : [المؤمنون:19]، وقرىء بالرفع على أنه مبتدأ خبره محذوف، والأولى تقديره مقدماً أي أنشأنا لكن شجرة {تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاء} وهو جبل موسى عليه السلام الذي ناجى ربه سبحانه عنده وهو بين مصر وأيلة، ويقال لها اليوم العقبة، وقيل بفلسطين من أرض الشام، ويقال له طور سينين، وجمهور العرب على فتح سين سيناء والمد، وبذلك قرأ عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ويعقوب وأكثر السبعة وهو اسم للبقعة. والطور اسم للجبل المخصوص أو لكل جبل وهو مضاف إلى {سَيْنَاء } كما أجمعوا عليه. ويقصد تنكيره على الأول كما في سائر الأعلام إذا أضيفت، وعلى الثاني يكون طور سيناء كمنارة المسجد. وجوز أن يكون كامرىء القيس بمعنى أنه جعل مجموع المضاف والمضاف إليه علماً على ذلك العلم، وقيل سيناء اسم لحجارة بعينها أضيف الجبل إليها لوجودها عنده، وروي هذا عن مجاهد وفي «الصحاح» طور سيناء جبل بالشام وهو طور أضيف إلى سيناء وهو شجر. وقيل هو اسم الجبل. والإضافة من إضافة العام إلى الخاص كما في جبل أحد. وحكي هذا القول في «البحر» عن الجمهور لكن صحح القول بأنه اسم البقعة. وهو ممنوع من الصرف للألف / الممدودة فوزنه فعلاء كصحراء، وقيل: منع من الصرف للعلمية والعجمة، وقيل: للعلمية والتأنيث بتأويل البقعة ووزنه فيعال لا فعلال إذ لا يوجد هذا الوزن في غير المضاعف في كلام العرب إلا نادراً كخزعال لظلع الإبل حكاه الفراء ولم يثبته أبو البقاء. والأكثرون على أنه ليس بعربـي بل هو إما نبطي أو حبشي وأصل معناه الحسن أو المبارك، وجوز بعض أن يكون عربياً من السناء بالمد وهو الرفعة أو السنا بالقصر وهو النور. وتعقبه أبو حيان بأن المادتين مختلفتان لأن عين السناء أو السنا نون وعين سيناء ياء. ورد بأن القائل بذلك يقول إنه فيعال ويجعل عينه النون وياءه مزيدة وهمزته منقلبة عن واو، وقرأ الحرميان وأبو عمرو والحسن {سَيْنَاء} بكسر السين والمد وهي لغة لبني كنانة وهو أيضاً ممنوع من الصرف للألف الممدودة عند الكوفيين لأنهم يثبتون أن همزة فعلاء تكون للتأنيث. وعند البصريين ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة أو العلمية والتأنيث لأن ألف فعلاء عندهم لا تكون للتأنيث بل للإلحاق بفعلال كعلباء وحرباء وهو ملحق بقرطاس وسرداح وهمزته منقلبة عن واو أو ياء لأن الإلحاق يكون بهما، وقال أبو البقاء: همزة سيناء بالكسر أصل مثل حملاق وليست للتأنيث إذ ليس في الكلام مثل حمراء والياء أصل إذ ليس في الكلام سناء، وجوز بعضهم أن يكون فيعالاً كديماس، وقرأ الأعمش {سينا} بالفتح والقصر، وقرىء {سينا} بالكسر والقصر فألفه للتأنيث إن لم يكن أعجمياً. والمراد بهذه الشجرة شجرة الزيتون وتخصيصها بالذكر من بين سائر الأشجار لاستقلالها بمنافع معروفة. وقد قيل هي أول شجرة نبتت بعد الطوفان وتعمر كثيراً، ففي «التذكرة» أنها تدوم ألف عام ولا تبعد صحته لكن علله بقوله: لتعلقها بالكوكب العالي وهو بعيد الصحة. وفي «تفسير الخازن» قيل تبقى ثلاثة آلاف سنة وتخصيصها بالوصف بالخروج من الطور مع خروجها من سائر البقاع أيضاً وأكثر ما تكون في المواضع التي زاد عرضها على ميلها واشتد بردها وكانت جبلية ذا تربة بيضاء أو حمراء لتعظيمها أو لأنه المنشأ الأصلي لها، ولعل جعله للتعظيم أولى فيكون هذا مدحاً لها باعتبار مكانها. وقوله تعالى: {تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ} مدحاً لها باعتبار ما هي عليه في نفسها، والباء للملابسة والمصاحبة مثلها في قولك: جاء بثياب السفر وهي متعلقة بمحذوف وقع حالاً من ضمير الشجرة أي تنبت ملتبسة بالدهن وهو عصارة كل ما فيه دسم. والمراد به هنا الزيت وملابستها به باعتبار ملابسة ثمرها فإنه الملابس له في الحقيقة. وجوز أن تكون الباء متعلقة بالفعل معدية له كما في قولك: ذهبت بزيد كأنه قيل: تنبت الدهن بمعنى تتضمنه وتحصله. ولا يخفى أن هذا وإن صح إلا أن إنبات الدهن غير معروف في الاستعمال. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وسلام وسهل ورويس والجحدري {تُنبِتُ} بضم التاء المثناة من فوق وكسر الباء على أنه من باب الإفعال، وخرج ذلك على أنه من أنبت بمعنى نبت فالهمزة فيه ليست للتعدية وقد جاء كذلك في قول زهير: شعر : رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم قطينا لهم حتى إذا أنبت البقل تفسير : وأنكر ذلك الأصمعي وقال: إن الرواية في البيت نبت بدون همزة مع أنه يحتمل أن تكون همزة أنبت فيه إن كانت للتعدية بتقدير مفعول أي أنبت البقل ثمره أو ما يأكلون، ومنهم من خرج ما في الآية على ذلك وقال: التقدير تنبت زيتونها بالدهن، والجار والمجرور على هذا في موضع الحال من المفعول أو من الضمير / المستتر في الفعل؛ وقيل: الباء زائدة كما في قوله تعالى: { أية : وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ } تفسير : [البقرة:195] ونسبة الإنبات إلى الشجرة بل وإلى الدهن مجازية قال الخفاجي: ويحتمل تعدية أنبت بالباء لمفعول ثان. وقرأ الحسن والزهري وابن هرمز {تنبت} بضم أوله وفتح ما قبل آخره مبنياً للمفعول، والجار والمجرور في موضع الحال، وقرأ زر بن حبيش {تنبت} من الأفعال {الدهن} بالنصب وقرأ سليمان بن عبد الملك والأشهب {بالدهان} جمع دهن كرماح جمع رمح، وما رووا من قراءة عبد الله (تخرج الدهن) وقراءة أبـي (تثمر بالدهن) محمول على التفسير على ما في «البحر» لمخالفته سواد المصحف المجمع عليه ولأن الرواية الثابتة عنهما كقراءة الجمهور. {وَصِبْغٍ لّلأَكِلِيِنَ} معطوف على الدهن، ومغايرته له التي يقتضيها العطف باعتبار المفهوم وإلا فذاتهما واحدة عند كثير من المفسرين وقد جاء كثيراً تنزيل تغاير المفهومين منزلة تغاير الذاتين، ومنه قوله: شعر : إلى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم تفسير : والمعنى تنبت بالشيء الجامع بين كونه دهن يدهن به ويسرح منه وكونه إداماً يصبغ فيه الخبز أي يغمس للائتدام قال في «المغرب» يقال: صبغ الثوب بصبغ حسن وصباغ ومنه الصبغ والصباغ من الإدام لأن الخبز يغمس فيه ويلون به كالخل والزيت، وظاهر هذا اختصاصه بكل إدام مائع وبه صرح في «المصباح». وصرح بعضهم بأن إطلاق الصبغ على ذلك مجاز، ولعل في كلام «المغرب» نوع إشارة إليه. وروي عن مقاتل أنه قال: الدهن الزيت والصبغ والزيتون وعلى هذا يكون العطف من عطف المتغايرين ذاتاً وهو الأكثر في العطف، ولا بد أن يقال عليه إن الصبغ الإدام مطلقاً وهو ما يؤكل تبعاً للخبز في الغالب مائعاً كان أم جامداً والزيتون أكثر ما يأكله الفقراء في بلادنا تبعاً للخبز والأغنياء يأكلونه تبعاً لنحو الأرز وقلما يأكلونه تبعاً للخبز، وأنا مشغوف به مذ أنا يافع فكثيراً ما آكله تبعاً واستقلالاً، وأما الزيت فلم أر في أهل بغداد من اصطبغ منه وشذ من أكل منهم طعاماً هو فيه وأكثرهم يعجب ممن يأكله ومنشأ ذلك قلة وجوده عندهم وعدم الفهم له فتعافه نفوسهم. وقد كنت قديماً تعافه نفسي وتدريجاً ألفته والحمد لله تعالى، فقد كان صلى الله عليه وسلم يأكله، وصح أنه صلى الله عليه وسلم طبخ له لسان شاة بزيت فأكل منه، وأخرج أبو نعيم في «الطب» عن أبـي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : كلوا الزيت وادهنوا به فإنه شفاء من سبعين داء منها الجذام » تفسير : وأخرج الترمذي في الأطعمة عن عمر رضي الله تعالى عنه مرفوعاً « حديث : كلوا الزيت وادهنوا به فإنه يخرج من شجرة مباركة » تفسير : لكن قال بعضهم: هذا الأمر لمن قدر على استعماله ووافق مزاجه وهو كذلك فلا اعتراض على من لم يوافق مزاجه في عدم استعماله بل الظاهر حرمة استعماله عليه إن أضر به كما قالوا بحرمة استعمال الصفراوي للعسل ولا فرق في ذلك بين الأكل والادهان فإن الادهان به قد يضر كالأكل، قال ابن القيم: الدهن في البلاد الحارة كالحجاز من [آكد] أسباب حفظ الصحة وإصلاح البدن وهو كالضروري لأهلها وأما في البلاد الباردة فضار وكثرة دهن الرأس بالزيت فيها فيه خطر على البصر انتهى. وقرأ عامر بن عبد الله {وصباغاً} وهو بمعنى صبغ كما مرت إليه الإشارة ومنه دبغ ودباغ. ونصبه بالعطف على موضع {بِٱلدُّهْنِ} وفي «تفسير ابن عطية»: وقرأ عامر بن عبد قيس (ومتاعاً للآكلين) وهو محمول على التفسير.

الشنقيطي

تفسير : قوله: وشجرة: معطوف على: جنات من عطف الخاص على العام. وقد قدمنا مسوغه مراراً: أي فأنشأنا لكم به جنات، وأنشأنا لكم به شجرة تخرج من طور سيناء وهي شجرة الزيتون، كما أشار له تعالى بقوله {أية : يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ}تفسير : [النور: 35] الآية، والدهن الذي تنبت به: هو زيتها المذكور في قوله: {أية : يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ}تفسير : [النور: 35] ومع الاستضاءة منه، فهي صيغ للآكلين: أي إدام يأتدمون به، وقرأ هذا الحرف: نافع، وابن كثير، وأبو عمرو: سيناء بكسر السين، وقرأ الباقون: تنبت بفتح التاء، وضم الباء مضارع: نبت الثلاثي، وعلى هذه القراءة، فلا إشكال في حرف الباء في قوله: بالدهن: أي تنبت مصحوبة بالدهن الذي يستخرج من زيتونها، وعلى قراءة ابن كثير وأبي عمرو، ففي الباء إشكال، وهو أن أنبت الرباعي يتعدى بنفسه، ولا يحتاج إلى الباء وقد قدمنا النكتة في الإتيان بمثل هذه الباء في القرآن، وأكثرنا من أمثلته في القرآن، وفي كلام العرب في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى {أية : وَهُزِّىۤ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ}تفسير : [مريم: 25] الآية، ولا يخفى أن أنبت الرباعي، على قراءة ابن كثير، وأبي عمرو هنا: لازمة لا متعدية المفعول، وأنبت تتعدى، وتلزم فمن تعديها قوله تعالى: {أية : يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ ٱلزَّرْعَ وَٱلزَّيْتُونَ}تفسير : [النحل: 11] الآية وقوله تعالى: {أية : فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ ٱلْحَصِيدِ}تفسير : [ق: 9] ومن لزومها قراءة ابن كثير، وأبي عمرو المذكورة، ونظيرها من كلام العرب قول زهير: شعر : رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم قطيناً بها حتى إذا أنبت البقل تفسير : فقوله: أنبت البقل لازم بمعنى: نبت، وهذا هو الصواب في قراءة: تنبت بضم التاء. خلافاً لمن قال: إنها مضارع أنبت المتعدي: وأن المفعول محذوف: أي تنبت زيتونها، وفيه الزيت. وقال ابن كثير: الطور: هو الجبل، وقال بعضهم: إنما يسمى طوراً إذا كان فيه شجر، فإن عرى عن الشجر، سمي جبلاً لا طوراً. والله أعلم. وطور سيناء: هو طور سنين، وهو الجبل الذي كلم الله عليه موسى بن عمران عليه السلام، وما حوله من الجبال، التي فيها شجر الزيتون اهـ محل الغرض من كلام ابن كثير. وفي حديث أبي أسيد مالك بن ربيعة الساعدي الأنصاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة" تفسير : رواه أحمد ورواه الترمذي، وغيره عن عمر، والظاهر أنه لا يخلو من مقال، وقال فيه العجلوني في كشف الخفاء ومزيل الإلباس رواه أحمد والترمذي وابن ماجه عن عمر وابن ماجه فقط عن أبي هريرة، وصححه الحاكم على شرطهما ثم قال: وفي الباب عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم. اهـ منه والعلم عند الله تعالى.

الواحدي

تفسير : {وشجرة تخرج} يعني: الزَّيتون {من طور سيناء} يعني: جبلاً معروفاُ، أوَّل ما ينبت الزَّيتون ينبت هناك {تنبت بالدهن} لأنَّه يتَّخذ الدُّهن من الزَّيتون {وصبغ} إدامٍ {للآكلين}.

د. أسعد حومد

تفسير : (20) - وَيُخْرِجُ اللهُ تَعَالَى بِهَذَا الماءِ أيضاً شَجَرَةَ الزَّيْتُونِ، وَهِيَ شَجَرَةٌ تَنْبُتُ فِي جَبَلِ طُورِ سينَاءَ، الذي كَلَّمَ اللهُ تَعَالَى فِيهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ. وَشَجَرَةُ الزَيْتُونِ المُبَارَكَةُ يُسْتَخْرَجُ مِنْ ثَمَرِهَا الزَّيْتُ (تَنْبُتُ بالدُّهْنِ)، وَيَكُونُ زَيْتُها إِدْماً يُؤْتَدَمُ بِهِ فِي الطَّعَامِ (وَصِبغٍ لِلآكِلِينَ). (وَفِي الحَدِيثِ: حديث : كُلوا الزَّيْتَ وادَّهِنُوا بِهِ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍتفسير : ). (أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ). شَجَرَةً تَنْبُتُ بالدُّهْنِ -شَجَرَةَ الزَّيْتُونِ التي يَلْتَبِسُ ثَمَرُهَا بالزَّيْتِ. صِبْغٍ لِلآكِلِينَ - إِدَامٍ لَهُمْ يُغْمَسُ فِيهِ الخُبْزُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الطور: جبل منسوب إلى سيناء، وسيناء مكان حسن؛ لأن الله بارك فيها، والطور كلَّم الله عليه موسى، فهو مكان مبارك، كما بارك الله أرض بيت المقدس فقال: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَا ٱلَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ}تفسير : [الإسراء: 1]. ومعنى {تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ} [المؤمنون: 20] الدهن هو الدَّسَم، والمراد هنا شجرة الزيتون التي يستخرجون منها الزيت المعروف {وَصِبْغٍ لِّلآكِلِيِنَ} [المؤمنون: 20] يعني: يتخذونه إداماً يغمسون فيه الخبز ويأكلونه، وهو من أشْهَى الأكلات وألذّها عند مَنْ يزرعون الزيتون في سيناء وفي بلاد الشام، وقد ذُقْنا هذه الأكْلة الشهيرة في لبنان، عندما ذهبنا إليها في موسم حصاد الزيتون.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {مِن طُورِ سَيْنَآءَ} قال: الطُّورُ: الجَبلُ. وسيناءُ اسمُ موضعٍ.

همام الصنعاني

تفسير : 1963- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {طُورِ سَيْنَآءَ}: [الآية: 20]، قال: جَبَلٌ حَسَنٌ، قال معمر، وقال الكلبي: جبل ذو شجر. 1964- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ}: [الآية: 20]، قال: الزيتون.