٢٣ - ٱلْمُؤْمِنُون
23 - Al-Mu'minoon (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
21
Tafseer
الرازي
تفسير : إعلم أنه سبحانه وتعالى ذكر أن فيها عبرة مجملاً ثم أردفه بالتفصيل من أربعة أوجه: أحدها: قوله: {نُّسْقِيكُمْ مّمَّا فِى بُطُونِهَا } والمراد منه جميع وجوه الانتفاع بألبانها، ووجه الاعتبار فيه أنها تجتمع في الضروع وتتخلص من بين الفرث والدم بإذن الله تعالى، فتستحيل إلى طهارة وإلى لون وطعم موافق للشهوة وتصير غذاء، فمن استدل بذلك على قدرة الله وحكمته. كان ذلك معدوداً في النعم الدينية ومن انتفع به فهو في نعمة الدنيا، وأيضاً فهذه الألبان التي تخرج من بطونها إلى ضروعها تجدها شراباً طيباً، وإذا ذبحتها لم تجد لها أثراً، وذلك يدل على عظيم قدرة الله تعالى. قال صاحب «الكشاف» وقرىء تسقيكم بتاء مفتوحة، أي تسقيكم الأنعام وثانيها: قوله: {وَلَكُمْ فيِهَا مَنَـٰفِعُ كَثِيرَةٌ } وذلك بيعها والانتفاع بأثمانها وما يجري مجرى ذلك وثالثها: قوله: {وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ } يعني كما تنتفعون بها وهي حية تنتفعون بها بعد الذبح أيضاً بالأكل ورابعها: قوله: {وَعَلَيْهَا وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ } لأن وجه الانتفاع بالإبل في المحمولات على البر بمنزلة الانتفاع بالفلك في البحر، ولذلك جمع بين الوجهين في إنعامه لكي يشكر على ذلك ويستدل به، واعلم أنه سبحانه وتعالى لما بين دلائل التوحيد أردفها بالقصص كما هو العادة في سائر السور وهي ههنا.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فيِهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَعَلَيْهَا وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ } تقدّم القول فيهما في «النحل» والحمد لله. وفي هود قصة السفينة ونوح، وركوب البحر في غير موضع. قوله تعالى: {وَعَلَيْهَا} أي وعلى الأنعام في البر. {وَعَلَى ٱلْفُلْكِ} في البحر. {تُحْمَلُونَ } وإنما يحمل في البر على الإبل فيجوز أن ترجع الكناية إلى بعض الأنعام. وروي أن رجلاً ركب بقرة في الزمان الأوّل فأنطقها الله تعالى معه فقالت: إنا لم نخلق لهذاٰ وإنما خلقت للحرث. قوله تعالى: {مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} قرىء بالخفض ردًّا على اللفظ، وبالرفع رداً على المعنى. وقد مضى في «الأعراف». قوله تعالى: {مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ} أي يسودكم ويشرُف عليكم بأن يكون متبوعاً ونحن له تبع. {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً} أي لو شاء الله ألاّ يعبد شيء سواه لجعل رسوله مَلَكاً. {مَّا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا} أي بمثل دعوته. وقيل: ما سمعنا بمثله بشراً؛ أتى برسالة ربه. {فِيۤ آبَآئِنَا ٱلأَوَّلِينَ } أي في الأمم الماضية؛ قاله ابن عباس. والباء في «بهذا» زائدة؛ أي ما سمعنا هذا كائناً في آبائنا الأوّلين، ثم عطف بعضهم على بعض فقالوا: {إِنْ هُوَ} يعنون نوحاً {إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ} أي جنون لا يدري ما يقول. {فَتَرَبَّصُواْ بِهِ حَتَّىٰ حِينٍ} أي انتظروا موته. وقيل: حتى يستبين جنونه. وقال الفراء: ليس يراد بالحين هاهنا وقت بعينه، إنما هو كقوله: دعه إلى يومٍ مّا. فقال حين تمادوْا على كفرهم: {رَبِّ ٱنصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ} أي انتقم ممن لم يطعني ولم يسمع رسالتي. {فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ} أي أرسلنا إليه رسلاً من السماء {أَنِ ٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ} على ما تقدّم بيانه. قوله تعالى: {فَٱسْلُكْ فِيهَا} أي أدخل فيها واجعل فيها؛ يقال: سلكته في كذا وأسلكته فيه إذا أدخلته. قال عبد مناف بن رِبْع الهُذَلِيّ:شعر : حتى إذا أسلكوهم في قُتائدةٍ شَلاًّ كما تَطْرد الجَمَّالةُ الشُّرُدا تفسير : {مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ} قرأ حفص «مِن كلٍّ» بالتنوين، الباقون بالإضافة؛ وقد ذكر. وقال الحسن: لم يحمل نوح في السفينة إلا ما يلد ويبيض، فأما البق والذباب والدود فلم يحمل شيئاً منها، وإنما خرج من الطين. وقد مضى القول في السفينة والكلام فيها مستوفًى، والحمد لله.
البيضاوي
تفسير : {وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَـٰمِ لَعِبْرَةً } تعتبرون بحالها وتستدلون بها. {نُّسْقِيكُمْ مّمَّا فِي بُطُونِهَا } من الألبان أو من العلف، فإن اللبن يتكون منه فمن للتبعيض أو للإِبتداء، وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر ويعقوب {نُّسْقِيكُمْ } بفتح النون. {وَلَكُمْ فيِهَا مَنَـٰفِعُ كَثِيرَةٌ } في ظهورها وأصوافها وشعورها. {وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ } فتنتفعون بأعيانها.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَإِنَّ لَكُمْ فِى ٱلأَنْعَٰمِ } الإِبل والبقر والغنم {لَعِبْرَةً } عظة تعتبرون بها {نُّسْقِيكُمْ } بفتح النون وضمها {مِّمَّا فِى بُطُونِهَا } أي اللبن {وَلَكُمْ فيِهَا مَنَٰفِعُ كَثِيرَةٌ } من الأصواف والأوبار والأشعار وغير ذلك {وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ }.
ابن عطية
تفسير : {الأنعام} هي الإبل والبقر والضأن والمعز و"العبرة" في خلقتها وسائر اخبارها، وقرأ الجمهور "نُسقيكم" بضم النون من أسقى، ورويت عن عاصم، وقرأ نافع وعاصم وابن عامر "نَسقيكم" بفتح النون من سقى، فمن الناس من قال هما لغتان بمعنى، ومنهم من قال سقيته إذا أعطيته للشفة وأسقيته إذا جعلت له سقياً لأرض أو ثمرة ونحوه، فكأن الله تعالى جعل الأنعام لعبيده سقياً يشربون وينتجعون، وقرأ أبو جعفر "تسقيكم" بالتاء من فوق أَي تسقيكم الأنعام، و"المنافع" الحمل عليها وجلودها وأصوافها وأوبارها وغير ذلك مما يطول عده، و {الفلك}، السفن واحدها فلك الحركات في الواحد كحركات قفل والحركات في الجمع كحركات أسد وكتب.
النسفي
تفسير : {وَإِنَّ لَكُمْ فِى ٱلأَنْعَـٰمِ } جمع نعم وهي الإبل والبقر والغنم {لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ } وبفتح النون: شامي ونافع وأبو بكر وسقى وأسقى لغتان {مّمَّا فِى بُطُونِهَا } أي نخرج لكم من بطونها لبناً سائغاً {وَلَكُمْ فيِهَا مَنَـٰفِعُ كَثِيرَةٌ } سوى الألبان وهي منافع الأصواف والأوبار والأشعار {وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ } أي لحومها {وَعَلَيْهَا } وعلى الأنعام في البر {وَعَلَى ٱلْفُلْكِ } في البحر {تُحْمَلُونَ } في أسفاركم، وهذا يشير إلى أن المراد بالأنعام الإبل لأنها هي المحمول عليها في العادة فلذا قرنها بالفلك التي هي السفائن لأنها سفائن البر قال ذوا الرمة شعر : سفينة بر تحت خدي زمامها تفسير : يريد ناقته. {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ } وحِّدوه {مَا لَكُم مّنْ إِلَـٰهٍ } معبود {غَيْرُهُ } بالرفع على المحل: وبالجر على اللفظ، والجملة استئناف تجري مجرى التعليل للأمر بالعبادة {أَفَلاَ تَتَّقُونَ } أفلا تخافون عقوبة الله الذي هو ربكم وخالقكم إذا عبدتم غيره مما ليس من استحقاق العبادة في شيء
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً} الآية، لما ذكر النعم الحاصلة من الماء والنبات، ذكر بعده النعم الحاصلة من الحيوان، فذكر أنَّ فيها عبرة مجملاً ثم فصله من أربعة أوجه: أحدها: قوله: {نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهَا} المراد منه جميع وجوه الانتفاع، ووجه الاعتبار فيه أنها تجتمع في الضروع، وتخلص من بين الفرث والدم بإذن الله - تعالى - فتستحيل إلى طهارة ولون وطعم موافق للشهوة، وتصير غذاء، فَمَن استدل بذلك على قدرة الله وحكمته، فهو من النعم الدينية، ومن انتفع به فهو من النعم الدنيوية. وأيضاً: فهذه الألبان التي تخرج من بطونها إذا ذبحت لم تجد لها أثراً، وذلك دليل على عظم قدرة الله. وتقدم الكلام في "نُسْقِيكُمْ" في النحل وقُرئ "تَسْقيكُم" بالتاء من فوق مفتوحة، أي: تَسقِيكُم الأنعام. وثانيها: قوله: {وَلَكُمْ فيِهَا مَنَافِعُ} أي: بالبيع، والانتفاع بأثمانها. وثالثها: قوله - تعالى -: "ومِنْهَا تَأْكُلُونَ" أي: كما تنتفعون بها وهي حيّة تنتفعون بها بعد الذبح بالأكل. ورابعها: قوله: {وَعَلَيْهَا وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ} أي: على الإبل في البر وعلى الفلك في البحر، ولمّا بيَّن دلائل التوحيد أردفها بالقصص كما هو العادة في سائر السور قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ} الآيات. قيل: كان نوح اسمه يشكر ثم سمي نوحاً لكثرة ما نَاحَ على نفسه حين دعا على قومه بالهلاك فأهلكهم الله بالطوفان فَندم على ذلك. وقيل: لمراجعة ربه في شأن ابنه. وقيل: لأنه مر بكلب مجذوم، فقال له: اخسأ يا قبيح، فعوتب على ذلك، وقال الله تعالى: أعِبْتني إذ خلقته، أم عِبْتَ الكلب، وهذه وجوه متكلفة، لأن الأعلام لا تفيد صفة في المسمى. قوله: {يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ}: وَحِّدُوه {مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} أي: أنَّ عبادة غير الله لا تجوز إذ لا إله سواه. وقُرئ "غَيْرُهُ" بالرفع على المحل، وبالجر على اللفظ. ثم إنه لمّا لَمْ ينفع فيهم الدعاء واستمروا على عبادة غير الله حذرهم بقوله: "أَفَلاَ تَتَّقُونَ" زجرهم وتوعدهم باتقاء العقوبة لينصرفوا عما هم عليه ثم إنه تعالى حكى عنهم شبههم في إنكار نبوة نوح - عليه السلام -: وهي قولهم: {مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} وهذه الشبهة تحتمل وجهين: أحدهما: أن يقال: إنه لمّا كان سائر الناس في القوة والفهم والعلم والغنى والفقر والصحة والمرض سواء امتنع كونه رسولاً لله، لأنّ الرسول لا بُدّ وأن يكون معظماً عند الله وحبيباً له، والحبيب لا بد وأن يختص عن غير الحبيب بمزيد الدرجة والعزة، فلما انْتَفَتْ هذه الأشياء علمنا انتفاء الرسالة. والثاني: أن يقال: إن هذه الإنسان مشارك لكم في جميع الأمور، ولكنه أحب الرياسة والمتبوعية فلم يجد إليهما سبيلاً إلا بادعاء النبوة، فصار ذلك شُبهة لهم في القدح في نبوته، ويؤكد هذا الاحتمال قولهم: {يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ} أي: يطلب الفضل عليكم ويرأسكم. الشبهة الثانية: قولهم: {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً} أي: ولو شاء الله أن لا يتعبد سواه لأنزل ملائكة بإبلاغ الوحي، لأنّ بعثة الملائكة أشد إفضاء إلى المقصود من بعثة البشر، لأن الملائكة لعلو شأنهم وشدة سطوتهم، وكثرة علومهم ينقاد الخلق إليهم، ولا يشكون في رسالتهم فلمّا لم يفعل ذلك عَلِمنا أنه ما أرسل رسولاً. الشبهة الثالثة: قولهم: {مَّا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِيۤ آبَآئِنَا ٱلأَوَّلِينَ} فقولهم: "بِهَذا" إشارة إلى نوح - عليه السلام - أي: بإرسال بشر رسولاً، أو بهذا الذي يدعو إليه نوح وهو عبادة الله وحده، لأنّ آباءهم كانوا يعبدون الأوثان، وذلك أنهم كانوا لا يُعوّلون في شيء من مذاهبهم إلا على التقليد والرجوع إلى قول الآباء، فلمّا لم يجدوا في نبوة نوح - عليه السلام - هذه الطريقة حكموا بفسادها. الشبهة الرابعة: قولهم: {إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ} أي: جنون، وهذه الشبهة من باب الترويج على العوام، لأنه - عليه السلام - كان يفعل أفعالاً على خلاف عاداتهم، فكان الرؤساء يقولون للعوام إنه مجنون، فكيف يجوز أن يكون رسولاً؟ الشبهة الخامسة: قولهم: {فَتَرَبَّصُواْ بِهِ حَتَّىٰ حِينٍ}، وهذا يحتمل أن يكون متعلقاً بما قبله، أي: أنه مجنون فاصبروا إلى زمان يظهر عاقبة أمره فإن أفاق وإلا فاقتلوه. ويحتمل أن يكون كلاماً مستأنفاً، وهو أن يقولوا لقومهم: اصبروا فإنه إنه كان نبياً حقاً فالله ينصره ويقوي أمره فنتبعه حينئذ، وإن كان كاذباً فالله يخذله ويبطل أمره فحينئذ نستريح منه. واعلم أنه تعالى لم يذكر الجواب على هذه الشبه لركاكتها ووضح فسادها لأنَّ كل عاقل يعلم أنَّ الرسول لا يصير رسولاً لكونه من جنس الملك وإنما يصير رسولاً بتميزه عن غيره بالمعجزات، فسواء كان من جنس الملك أو من جنس البشر فعند ظهور المعجز عليه يجب أن يكون رسولاً، بل جعل الرسول من البشر أولى لما تقدم من أن الجنسية مظنة الألفة والمؤانسة. وأما قولهم: {يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ} فإن أرادوا إرادته لإظهار فضله حتى يلزمهم الانقياد لطاعته فهذا واجب في الرسول، وإن أرادوا أنه يترفع عليهم على سبيل التكبر فالأنبياء منزهون عن ذلك. وأما قولهم: {مَّا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا} فهو استدلال بعدم التقليد (على عدم وجود الشيء، وهو في غاية السقوط، لأنّ وجود التقليد) لا يدل على وجود الشيء، فعدمه من أين يدل على عدمه. وأما قولهم: "بِهِ جِنَّة" فكذبوا لأنهم كانوا يعلمون بالضرورة كمال عقله. وأما قولهم: "فَتَرَبَّصُوا" فضعيف، لأنه إن ظهرت الدلالة على نبوته، وهي المعجزة، وجب عليهم قبول قوله في الحال، ولا يجوز توقيف ذلك إلى ظهور دولته، لأنَّ الدولة لا تدل على الحقيقة، وإن لم يظهر المعجز لم يجز قبول قوله سواء ظهرت الدولة أو لم تظهر.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه {وإن لكم في الأنعام} قال: الابل، والبقر، والضأن، والمعز، {ولكم فيها منافع} قال: ما تنتج ومنها مركب ولبن ولحم. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي صالح رضي الله عنه في قوله {وعلى الفلك} قال: السفن.
ابو السعود
تفسير : {وَإِنَّ لَكُمْ فِى ٱلأَنْعَـٰمِ لَعِبْرَةً} بـيان النِّعم الفائضة عليهم من جهة الحيوانِ إثرَ بـيانِ النِّعم الواصلةِ إليهم من جهة الماءِ والنَّبات وقد بُـيِّن أنَّها مع كونِها في نفسِها نعمةً ينتفعون بها على وجوهٍ شَتَّىٰ عبرةٌ لا بدَّ من أنْ يعتبرُوا بها ويستدلُّوا بأحوالها على عظيم قُدرة اللَّهِ عزَّ وجلَّ وسابغ رحمته ويشكروه ولا يكفروه وخُصَّ هذا بالحيوان لما أنَّ محلَّ العبرة فيه أظهرُ ممَّا في النَّباتِ. وقولُه تعالى: {نُّسْقِيكُمْ مّمَّا فِى بُطُونِهَا} تفصيلٌ لما فيها من مواقعِ العبرةِ وما في بطونِها عبارة إمَّا عن الألبانِ فمِن تبعيضيةٌ. والمرادُ بالبطونِ الجَوفُ، أو عن العلف الذي يتكوَّن منه اللَّبنُ فمن ابتدائيةٌ والبطون على حقيقتها. وقُرىء بفتح النُّونِ وبالتَّاءِ أي تسقيكم الأنعامُ. {وَلَكُمْ فيِهَا مَنَـٰفِعُ كَثِيرَةٌ} غيرُ ما ذُكر من أصوافِها وأشعارِها {وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} فتنتفعون بأعيانها كما تنتفعون بما يحصُل منها. {وَعَلَيْهَا} أي على الأنعامِ فإنَّ الحملَ عليها لا يقتضي الحملَ على جميعِ أنواعِها بل يتحقَّقُ بالحمل على البعضِ كالإبل ونحوِها. وقيل المرادُ هي الإبلُ خاصَّة لأنَّها هي المحمولُ عليها عندهم والمناسبُ للفلك فإنَّها سفائنُ البرِّ قال ذُو الرُّمَّةِ: [الطويل] شعر : طُروقاً وجَلْبُ الرحلِ مشدودة بهِ سفينةُ بَرٍّ تحتَ خَدِّي زِمامُها تفسير : فالضَّميرُ فيهِ كما في قوله تعالى: {أية : وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدّهِنَّ } تفسير : [البقرة: 228] {وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ} أي في البرِّ والبحرِ. وفي الجمع بـينها وبـين الفُلكِ في إيقاع الحملِ عليها مبالغةٌ في تحمُّلِها للحملِ وهو الدَّاعي إلى تأخير ذكرِ هذه المنفعةِ مع كونِها من المنافعِ الحاصلةِ منها عن ذكرِ منفعةِ الأكلِ المتعلِّقة بعينِها. {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ} شروعٌ في بـيانِ إهمال الأُمم السَّابقةِ وتركهم النَّظرَ والاعتبارَ فيما عُدِّد من النِّعمِ الفائتة للحصر وعدم تذكرهم بتذكير رسلهم وما حاقَ بهم لذلك من فُنون العذاب تحذيراً للمُخاطبـين. وتقديمُ قصَّةِ نوحٍ عليه السَّلامُ على سائرِ القصصِ مما لا يخفى وجهُه، وفي إيرادِها إثرَ قوله تعالى: {وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ} [المؤمنون: 22] من حُسنِ الموقع ما لا يُوصف. والواوُ ابتدائيةٌ واللاَّمُ جوابُ قسمٍ محذوفٍ. وتصديرُ القِصَّةِ به لإظهارِ كمالِ الاعتناء بمضمونها أي وباللَّهِ لقد أرسلنا نوحاً الخ. ونسبهُ الكريمُ وكيفيَّةُ بعثهِ وكميَّةُ لبثهِ فيما بـينهم قد مرَّ تفصيله في سُورة الأعرافِ وسُورة هُودٍ {فَقَالَ} متعطِّفاً عليهم ومستميلاً لهم إلى الحقِّ {يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ} أي اعبدوه وحدَه كما يُفصح عنه قوله تعالى في سُورة هود: { أية : أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ ٱللَّهَ} تفسير : [هود: 26] وتركَ التَّقيـيدِ به للإيذان بإنَّها هي العبادةُ فقط وأما العبادة بالإشراكِ فليستْ من العبادة في شيءٍ رأساً. وقولُه تعالى: {مَا لَكُم مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} استئنافٌ مسوقٌ لتعليل العبادة المأمورِ بها أو تعليلِ الأمرِ بها. وغيرُه بالرَّفعِ صفةٌ لإلٰهٍ باعتبارِ محلِّه الذي هو الرَّفعُ على أنَّه فاعلٌ، أو مبتدأٌ خبرُه لكُم، أو محذوفٌ. ولكُم للتَّخصيصِ والتَّبـيـينِ أي ما لكُم في الوجودِ أو في العالمِ إلٰهٌ غيرُه تعالى. وقُرىء بالجرِّ باعتبار لفظه {أَفَلاَ تَتَّقُونَ} أنفسَكم عذابَه الذي يستوجبه ما أنتُم عليه من ترك عبادتهِ تعالى كما يُفصح عنه قولُه تعالى: { أية : إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} تفسير : [الأحقاف: 21] وقولُه تعالى: { أية : عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ} تفسير : [هود: 26] وقيل أفلا تخافون أنْ ترفضُوا عبادة الله الذي هو ربُّكم الخ. وليس بذاكَ وقيل أفلا تخافون أنْ يُزيل عنكم نعمَه الخ وفيهِ ما فيهِ والهمزةِ لإنكارِ الواقعِ واستقباحهِ. والفاءُ للعطفِ على مقدَّرٍ يقتضيهِ المقامُ أي أتعرفون ذلك أي مضمونَ قوله تعالى: {مَا لَكُم مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} فلا تتَّقون عذابَه بسبب إشراكِكم به في العبادة ما لا يستحقُّ الوجودَ لولا إيجادُ الله تعالى إيَّاهُ فضلاً عن استحقاقِ العبادة فالمنكر عدمُ الاتِّقاءِ مع تحقُّق ما يُوجبه، أو ألا تلاحظُون ذلكَ فلا تتَّقُونه فالمنكرُ كلا الأمرينِ فالمبالغةُ حينئذٍ في الكميَّةِ وفي الأوَّلِ في الكيفيَّةِ.
القشيري
تفسير : الإشارات منه أنَّ الكدوراتِ الهاجمةَ لا عِبْرَةَ بها ولا مبالاة؛ فإنَّ اللَّبنَ الخالصَ السائغَ يخرجُ من أخلاف الأنعام من بين ما تنطوي حواياها عليه من الوحشة، لكنه صافٍ لم يؤثر فيه منها بحُكم الجِوار، وكذلك الصفاءُ يوجد أكثره من عين الكدورة؛ إذ الحقيقة لا يتعلق بها حقٌّ ولا باطل. ومَنْ أشرفَ على سِرِّ التوحيد تحقَّقَ بأنَّ ظهور جميع الحدثان من التقدير، فتسقط عنه كلفة التمييز، فالأسرار عند ذلك تصفو، والوقت لصاحبه لا يجفو. {وَلَكُمْ فيِهَا مَنَافِعُ}: لازمةٌ لكم، ومتعدية منكم كلِّ متصلٍ بكم: شعر : إنِّي - على جَفَواتِها - بربِّها وبكلِّ متَّصِل بها مُتَوَسِّلُ
اسماعيل حقي
تفسير : {وان لكم فى الانعام} [درجهار بايان يعنى ابل وبقر وغنم] {لعبرة} لآية تعتبرون بحالها وتستدلون على عظيم قدرة خالقها ولطيف حكمته: وبالفارسية [جيزى كه بدان اعتبار كريد وبرقدرت الهى استدلال نمايند] فكأنه قيل كيف العبرة فقيل {نسقيكم} [مى اشامانيم شمارا] {مما فى بطونها} ما عبارة اما عن الالبان فمن تبعيضية والمراد بالبطون الجوف او عن العلف الذى يتكون منه اللبن فمن اتبدائيه والبطون على حقيقتها. وفى التأويلات النجمية يشير الى انه كما يخرج من بطون الانعام من بين الفرث والدم لبنا خالصا وفيه عبرة لاولى الابصار فكذلك يخرج من بين فرث الصفات النفسانية وبين دم الصفات الشيطانية لبنا خالصا من التوحيد والمحبة يسقى به ارواح الصديقين كما قال بعضهم شعر : سقانى شربة احيى فؤادى بكأس الحب من بحر الوداد تفسير : {ولكم فيها منافع كثيرة} غير ما ذكر من اصوافها واوبارها واشعارها، قال الكاشفى [ومر شماراست درايشان سودهاى بسياركه بعضى را سوار ميشويد وبرخى را بارميكنيد واز بعضى نتاج مسيتانيد وازبشم وموى ايشان بهره ميكيريد] {ومنها تأكلون} فتنتفعون باعيانها كا تنتفعون بما يحصل منها وفى الحديث "حديث : عليكم بالبان البقر فانها تؤم من كل الشجر"تفسير : اى تجمع وفى الحديث "حديث : عليكم بالبان البقر وسمنانها واياكم ولحومها فان البانها وسمنانها دوآء وشفاء ولحومها داء"تفسير : وقد صح ان النبى عليه السلام ضحى عن نسائه بالبقر، قال الحليمى هذا ليبس الحجاز ويبوسة لحم البقر ورطوبة لبنها وسمنها فكأنه يرى اختصاص ذلك به وهذا التأويلات مستحسن والا فالنبى عليه السلام لا يتقرب الى الله تعالى بالداء فهو انما قال ذلك فى البقر لتلك اليبوسة. وجواب آخر انه عليه السلام ضحى بالبقر لبيان الجواز ولعدم تيسر غيره كذا فى المقاصد الحسنة للامام السخاوى.
الطوسي
تفسير : قرأ ابن عامر ونافع وابو بكر عن عاصم "نسقيكم" بفتح النون. الباقون بضمها. قال بعضهم: هم لغتان سقيت وأسقيت، قال الشاعر: شعر : سقى قومي بني مجد واسقى نميراً والقبائل من هلال تفسير : ولا يجوز ان يكون المراد في البيت (وأسقى) مثل قوله {أية : وأسقيناكم ماء فراتاً} تفسير : لأنه لا يكون قد دعا لقومه وخاصته بدون ما دعا للاجنبي البعيد عنه. والصحيح ان سقيت للشفة واسقيت للانهار والانعام تقول: دعوت الله ان يسقيه. ومن قرأ بضم النون أراد: انا جعلنا ما في ضروعها من الالبان سقياً لكم، كما يقال: أسقيناهم نهراً إذا جعلته سقياً لهم، وهذا كأنه اعم، لان ما هو سقياً لا يمتنع أن يكون للشفة، وما يكون للشفة - فقط - يمتنع أن يكون سقياً. وما أسقانا الله من البان الانعام أكثر مما يكون للشفة ومن فتح النون جعل ذلك مختصاً به الشفاه دون المزارع والمراعي، فلم يكن مثل الماء فى قوله {أية : فأسقيناكموه} تفسير : وقوله {وأسقيناكم ماء فراتاً} لأن ذلك يصلح للامرين، ومن ثم قال {أية : وسقاهم ربهم شراباً طهوراً} تفسير : وانما قال ها هنا {مما في بطونها} وفي النحل {أية : بطونه} تفسير : لانه إذا أنث، فلا كلام لرجوع ذلك الى الانعام. وإذا ذكر فلأن النعم والانعام بمعنى واحد، ولئن التقدير: ونسقيكم من بعض ما فى بطونه. يقول الله تعالى {وإن لكم} معاشر العقلاء {في الأنعام} وهي الماشية التي تمشي على نعمة في مشيها، خلاف الحافر فى وطئها، وهي الابل والبقر والغنم {لعبرة} يعني دلالة تستدلون بها على توحيد الله، وصفاته التي يختص بها دون سواه. وقوله {نسقيكم مما في بطونها} فالسقي اعطاء ما يصلح للشرب، فلما كان الله تعالى قد أعطى العباد ألبان الأنعام، باجرائه فى ضروعها، وتمكينهم منها، من غير حظر لها، كان قد سقاهم اياها. ثم قال {ولكم فيها} يعني في الانعام {منافع كثيرة} ولذات عظيمة، ببيعها والتصرف فيها وأكل لحومها، وشرب ألبانها، وغير ذلك من الانتفاع باصوافها وأوبارها، واشعارها، وغير ذلك {ومنها تأكلون} يعني اللحم، وغيره من الألبان وما يعمل منها. ثم قال: ومن منافعها انكم تحملون عليها الاثقال في اسفاركم بأن تركبوها وتحملوا عليها اثقالكم. ومثل ذلك على الفلك، وهي السفن. ثم اقسم تعالى انه أرسل نوحاً الى قومه، يدعوهم إلى الله، ويقول لهم {اعبدوا الله} وحده لا شريك له، فانه لا معبود لكم غيره. ويحذرهم من عقابه، ويقول {أفلا تتقون} نقمة الله بالاشراك معه فى العبادة. ثم حكى أن الملأ وهم - جماعة اشراف قومه - الكفار، قال بعضهم لبعض: ليس نوح هذا إلا مخلوقاً مثلكم، وبشر مثلكم، وليس بملك {يريد أن يتفضل عليكم} فيسودكم ويترأسكم وان يكون افضل منكم {ولو شاء الله} ما قاله من توحيده واختصاصه بالعبادة {لأنزل ملائكة} عليكم يدعونكم الى ذلك. ثم قالوا {ما سمعنا بهذا} يعنى بما قال نوح، وبمثل دعوته. وقيل بمثله بشراً أتى برسالة من ربه فى اسلافنا الماضين وابائنا واجدادنا الذين تقدمونا. ثم قالوا: {إن هو إلا رجل به جنة} اي ليس هذا - يعنون نوحاً - إلا رجلا به جنة أي تعتاده غمرة تنفي عقله حتى يتخيل اليه ما يقوله ويخرجه عن حال الصحة وكمال العقل، فكان اشراف قومه يصدون الناس عن اتباعه، بما حكى الله عنهم، وقالوا: انه لمجنون يأتي بجنونه بمثل هذا. ويحتمل أن يكونوا أرادوا كأنه فى طعمه فيما يدعو اليه مجنون. ثم قال بعضهم لبعض: {تربصوا به حتى حين} اي الى وقت ما، كأنهم قالوا لهم تربصوا به الهلاك وتوقعوه.
الجنابذي
تفسير : {وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً} اعتباراً واستدلالاً على عنايته تعالى بكم وكمال حكمته وقدرته والجملة معطوفة على قوله: لقد خلقنا، او على قوله: انزلنا من السّماء فانّهما فى معنى ان يقال: انّ لكم فى خلقكم، وانّ لكم فى انزال الماء من السّماء لعبرة {نُّسْقِيكُمْ} قرئ بضمّ النّون وفتحها والجملة مستأنفة او حاليّة {مِّمَّا فِي بُطُونِهَا} من الالبان {وَلَكُمْ فيِهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ} بسبب تسخيرها لكم من الظّهور والاصواف والشّعور والاوبار والتّجمّل بها {وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} اى من لحومها وشحومها.
الأعقم
تفسير : {وإن لكم في الأنعام لعبرة} أي دلالة مؤدية إلى يقين {نسقيكم مما في بطونها} يعني ألبانها {ولكم فيها منافع كثيرة} من اللحم والشعر والجلد {ومنها تأكلون} {وعليها} يعني على الأنعام {وعلى الفلك} السفينة {تحملون} في البر والبحر {ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه} قيل: سمي نوحاً لكثرة ما ناح على نفسه عن ابن عباس، وقيل: أنه دعا على قومه بالهلاك، وقيل: لدعائه في شأن ابنه {فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} فبدأ بالتوحيد لأنه الأهم {أفلا تتقون} مخالفته ومعاصيه، وقيل: أفلا تتقون الشرك؟ {فقال الملأ الذين كفروا من قومه} يعني الأشراف وكانوا يصدون عن اتباعه {ما هذا إلاَّ بشر مثلكم يريد أن يتفضّل عليكم} أي يتشرف ويترأس فيكون له الجاة والفضل عليكم {ولو شاء الله لأنزل ملائكة} أي لو شاء الله لأنزل ملائكة ولم يرسل بشراً {ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين}، قيل: بهذا الدين، وقيل: بمثل دعوته {إن هو إلاَّ رجل به جنة} أي مجنون {فتربصوا به حتى حين} وإنما نسبوه إلى الجنون حتى حين قيل: انتظروا حتى يفيق من جنونه، وقيل: معناه احبسوه مدة ليرجع عن قوله، وقيل: إلى موته، فلما أيس منهم دعا الله سبحانه {قال رب انصرني} عليهم بإهلاكهم {بما كذبون} {فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا} بحيث يراها الرائي من عباده بعينه، وقيل: بأعين أوليائنا من الملائكة والمؤمنين فإنهم يحرسوك، وقيل: بحفظنا {ووحينا} أي أمرنا {فإذا جاء أمرنا}، قيل: نصرنا، وقيل: هو عبارة عن فوران الماء، وقيل: أمرناه بالدعاء {وفار التنور} أي علا التنور بالماء وكان ذلك علامة ومعجزة لنوح، وقيل: معناه اشتد الأمر كما يقال حمى الوطيس {فاسلك فيها من كل زوجين} أي من كل زوجين ذكر وأنثى، قال الحسن: فجمع معه من بلد وسص دون الحرسات {وأهلك} من آمن معك {إلاَّ من سبق عليه القول منهم} يعني من تقدم الوعيد عليه لأجل كفرهم كابنه وامرأته {ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون} {فإذا استويت أنت ومن معك} من المؤمنين يعني استقررت وركبت السفينة قيل: ركب معه سبعة ونوح {فقل الحمد الله الذي نجانا من القوم الظالمين} يعني احمدوا الله حيث نجاكم من أذاهم وأهلك الكافرين، قوله تعالى: {وقل رب انزلني منزلاً} قرئ بالفتح المنزل أي الموضع وبالضم، وقيل: أراد السفينة سبب النجاة، وقيل: أراد بعد الخروج من السفينة، وقيل: هو عام في كل وقت {وأنت خير المنزلين} لأن الله يحفظه ويحرسه في جميع الأحوال.
اطفيش
تفسير : {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً} آية تعتبرون بها وتستدلون * {نُسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهَا} من الالبان أو من العلف فان اللبن يتكون منه كما يعلم من سورة النحل. وقرئ بضم النون. وقرئ (تسقيكم) بمثناه فوقية مفتوحة على ان الضمير للانعام * {وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ} من الاصواف والاوبار والاشعار وغير ذلك في حياتها ومماتها * {وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} اراد لحمها بعد الموت وما يخرج من اللبن من جبن واقط ويحتمل ان يريد بالاكل الارتزاق.
اطفيش
تفسير : {وإنَّ لكُم فى الأنعام لعبرةً} تذكرة لقدرة الله سبحانه، فسر منشأها بقوله: {نسْقيكُم مما فى بطونها} ألباناً، وذلك فى المجموع، لا فى الجميع، لأن اللبن فى الاناث خاصة أو روعى الذكر أيضاً، لأنه سبب، واللبن فى الضرع لكنه يتولد مما فى البطن عن العلف، أو البطون ما خفى ما فيه، فهو الضرع {ولكم فيها منافع كثيرةٌ} كأصوافها وأوبارها وأشعارها، وما يتولد من لبنها ونتاجها، كذا قيل، وفيه أن النتاج هو هى إذا قوى، قيل: ومنها الحرث عليها، وأثمان الحمل عليها من مكثريها، وهذا فى الجملة، لأن الغنم لا يحرث عليها، ولا تكرى، ومنها أثمانها بالبيع، ومنها التزوج بأصداقها. {ومنْها تأكُلونَ} اللحم أو الأكل مطلق الانتفاع، والتقديم للفاصلة أو للحصر الاضافى، أى تأكلون منها لا من الخيل والبغال والحمير، لكن ليس المقام للتعرض للحصر.
الالوسي
تفسير : {وَإِنَّ لَكُمْ فِى ٱلأَنْعَـٰمِ لَعِبْرَةً} بيان للنعم الواصلة إليهم من جهة الحيوان إثر بيان النعم الفائضة من جهة الماء والنبات وقد بين أنها مع كونها في نفسها نعمة ينتفعون بها على وجوه شتى عبرة لا بد من أن / يعتبروا بها ويستدلوا بأحوالها على عظيم قدرة الله عز وجل وسابغ رحمته ويشكروه ولا يكفروه. وخص هذا بالحيوان لما أن محل العبرة فيه أظهر. وقوله تعالى: {نُّسْقِيكُمْ مّمَّا فِى بُطُونِهَا} تفصيل لما فيها من مواقع العبرة. وما في بطونها عبارة إما عن الألبان فمن تبعيضية والمراد بالبطون الأجواف فإن اللبن في الضروع أو عن العلف الذي يتكون منه اللبن فمن ابتدائية والبطون على حقيقتها. وأياً ما كان فضمير {بُطُونِهَا} للأنعام باعتبار نسبة ما للبعض إلى الكل لا للإناث منها على الاستخدام لأن عموم ما بعده يأباه، وقرىء بفتح النون وبالتاء أي تسقيكم الأنعام. {وَلَكُمْ فيِهَا مَنَـٰفِعُ كَثِيرَةٌ} غير ما ذكر من أصوافها وأشعارها وأوبارها {وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} الظاهر أن الأكل على معناه الحقيقي و(من) تبعيضية لأن من أجزاء الأنعام ما لا يؤكل. وتقديم المعمول للفاصلة أو للحصر الإضافي بالنسبة إلى الحمير ونحوها أو الحصر باعتبار ما في {تَأْكُلُونَ} من الدلالة على العادة المستمرة. وكان هذا بيان لانتفاعهم بأعيانها وما قبله بيان لانتفاعهم بمرافقها وما يحصل منها. ويجوز عندي ولم أر من صرح به أن يكون الأكل مجازاً أو كناية عن التعيش مطلقاً كما سمعت قبل أي ومنها ترزقون وتحصلون معايشكم.
ابن عاشور
تفسير : هذا العطف مثل عطف جملة { أية : وأنزلنا من السماء } تفسير : [المؤمنون: 18] ففيه كذلك استدلال ومنة. والعبْرة: الدليل لأنه يُعبر من مَعرفته إلى معرفة أخرى. والمعنى: إن في الأنعام دليلاً على انفراد الله تعالى بالخلق وتمام القدرة وسعة العلم. والأنعام تقدم أنها الإبل في غالب عرف العرب. وجملة {نسقيكم مما في بطونها} بيان لجملة {وإن لكم في الأنعام لعبرة} فلذلك لم تعطف لأنها في موقع المعطوف عطف البيان. والعبرة حاصلة من تكوين ما في بطونها من الألبان الدال عليه {نسقيكم}. وأما {نسقيكم} بمجردة فهو منة. وقد تقدم نظير هذه الآية مفصلاً في سورة النحل (66). وجملة {ولكم فيها منافع كثيرة} وما بعدها معطوفة على جملة {نسقيكم مما في بطونها} فإن فيه بقية بيان العبرة وكذلك الجُمل بعده. وهذه المنافع هي الأصواف والأوبار والأشعار والنَّتاج. وأما الأكل منها فهو عبرة أيضاً إذ أعدها الله صالحة لتغذية البشر بلحومها لذيذة الطعم، وألهم إلى طريقة شَيِّهَا وصلقها وطبخها، وفي ذلك منة عظيمة ظاهرة. وكذلك القول في معنى {وعليها.. تحملون} فإن في ذلك عبرة بإعداد الله تعالى إياها لذلك وفي ذلك منة ظاهرة، والحمل صادق بالركوب وبحمل الأثقال. وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر عن عاصم بفتح النون، وقرأه الباقون عدا أبا جعْفر ــــ بضم النون ــــ يقال: سقاه وأسقاه بمعنى، وقرأه أبو جعفر بتاء التأنيث مفتوحة على أن الضمير للأنعام. وعَطف {وعلى الفلك} إدماج وتهيئة للتخلص إلى قصة نوح.
الشنقيطي
تفسير : قد قدمنا الآيات الموضحة لمعنى هذه الآية، وما يستفاد منها من الأحكام الفقهية في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهَا} الآية مع بيان أوجه القراءة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلأَنْعَامِ} {مَنَافِعُ} (21) - يَذْكُرُ اللهُ تَعَالَى مَا جَعَلَ فِي الأَنْعَامِ - وَهِيَ الإِبلُ والبَقَرُ والغَنَمُ والمَاعِزُ - مِنْ مَنَافِعَ لِخَلْقِهِ، فَهُمْ يَشْرَبُونَ مِنْ أَلْبَانِهَا، وَيَأَكُلُونَ مِنْ لُحُومِهَا، وَيَلْبَسُونَ مِنْ أَصُوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وأَشْعَارِهَا، وَيَرْكَبُونَ عَلَى الإِبْلِ وَيَحْمِلُونَ أَثْقَالَهُمْ. وَقَدْ جَعَلَ اللهُ فِي خَلْقِ هَذِِهِ الأَنْعَامِ عِبْرَةً لِلنَّاسِ، وَدَلاَلَةً عَلَى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ، فَالدَّمُ الذي يَتَوَلَّدُ مِنَ الأَغْذَيَةِ يَتَحَوَّلُ فِي غُدَدِ الضْرعِ إِلَى لَبَنٍ طَيِّبِ المَذَاقِ، لَذِيذِ الطَّعْمِ، صَالِحٍ لِلتَغْذِيَةِ. الأَنْعَامُ - الإِبْلُ والبَقَرُ والغَنَمُ والمَاعِزُ. لَعِبْرَةً - لَعِظَةً وَآيَةً عَلَى القُدْرَةِ والرَّحْمَةِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الأنعام: يُراد بها الإبل والبقر، وألحق بالبقر الجاموس، ولم يُذكَر لأنه لم يكُنْ موجوداً بالبيئة العربية، والغنم وتشمل الضأن والماعز، وفي سورة الأنعام يقول تعالى: {أية : ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ ..} تفسير : [الأنعام: 143]. ويقال فيها: أنعام ونَعَم (بفتح النون والعين). والعبرة: شيء تعتبرون به وتستدلُّون به على قدرة الله وبديع صُنْعه في خَلْق الأنعام. لكن، ما العبرة في خَلْق هذه الأنعام؟ الحق - سبحانه وتعالى - تكلَّم عن خَلْق الإنسان، وأنه تعالى خلقه من صفوة وخلاصة وسلالة من الطين ومن النطفة، وهكذا في جميع أطوار خَلْقه. وفي الأنعام ترى شيئاً من هذا الاصطفاء والاختيار، فالأنعام تأكل من هنا وهناك وتجمع شتى الأنواع من المأكولات، ومن هذا الخليط يخرج الفَرْث، وهو مُنتِن لا تطيق رائحته ويتكون دم الحيوان، ومن بين الفَرْث والدم يُصفِّي لك الخالق - عز وجل - لبناً خالصاً، وهذه سلالة أيضاً وتصفية. قال تعالى: {أية : وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً سَآئِغاً لِلشَّارِبِينَ} تفسير : [النحل: 66]. ونلحظ أن الآية التي معنا تقول: {نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهَا} [المؤمنون: 21] وفي آية النحل: {أية : نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ} تفسير : [النحل: 66] ذلك لأننا نأخذ اللبن من إناث الأنعام ليس من كل الأنعام، فالمعنى {مِّمَّا فِي بُطُونِهَا} [المؤمنون: 21] أي: الإناث منها و {أية : مِّمَّا فِي بُطُونِهِ} تفسير : [النحل: 66] أي: بطون البعض؛ ولذا عاد الضمير مذكراً. وقوله: {نُّسْقِيكُمْ} [المؤمنون: 21] من سقى، وفي موضع آخر {أية : فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ} تفسير : [الحجر: 22] من الفعل أسقى. البعض يقول إنهما مترادفان، وهما ليسا كذلك لأن لكل منهما معنى، فسقى يعني: أعطاه الشراب، أمَّا أسقى فيعني جهز له ما يشربه لحين يحب أن يشرب. لذلك لما تكلَّم الحق سبحانه عن شراب الجنة، قال: {أية : وَحُلُّوۤاْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً} تفسير : [الإنسان: 21]. ولما تكلم عن ماء المطر قال سبحانه: {أية : وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ} تفسير : [الحجر: 22] يعني: جعله في مستودع لحين الحاجة إليه. كما قلنا في (مُرضِع) بالكسر، و (مُرضَع) بالفتح، فمرضع بالكسر للتي ترضع بالفعل، ومنه قوله تعالى: {أية : يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ} تفسير : [الحج: 2]. أما مرضَع بالفتح، فهي الصالحة للرضاعة. ثم يقول تعالى: {وَلَكُمْ فيِهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} [المؤمنون: 21] نلحظ أن آية النحل ركزت على مسألة تصفية اللبن من بين فَرْث ودم، أما هنا فقد ركزت على منافع أخرى للأنعام، فكل آية تأخذ جانباً من الموضوع، وتتناوله من زاوية خاصة، نوضح ذلك لمن يقولون بالتكرار في القرآن الكريم، فالآيات في الموضوع الواحد ليست تكراراً، إنما هو تأسيس بلقطات مختلفة، كل لقطة تؤدي في مكانها موقعاً من العِظَة والعبرة، بحيث إذا جمعتَ كل هذه المكررات الظاهرة تعطيك الصورة الكاملة للشيء. والمنافع في الأنعام كثيرة: منها نأخذ الصوف والوبر، وكانوا يصنعون منه الملابس والفرش والخيام، قبل أن تُعرف الملابس والمنسوجات الحديثة، ومن ملابس الصوف سُميت الصوفية لمَنْ يلبسون الثياب الخشنة، وهم الآن يصنعون من الصوف ملابس ناعمة كالحرير يرتديها المترفون. ومن منافع الأنعام أيضاً الجلود والعظام وغيرها، يقول تعالى: {أية : وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِّن جُلُودِ ٱلأَنْعَامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَىٰ حِينٍ} تفسير : [النحل: 80]. {وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} [المؤمنون: 21] أي: لحماً، وذكر اللحم في آخر هذه المنافع؛ لأنه آخر ما يمكن الانتفاع به من الحيوان، وسبق أنْ ذكرنا أن الحيوان الذي أحلّه الله لنا إذا تعرض لما يزهق روحه، فإنه يرفع لك رقبته، ويكشف لك عن موضع ذَبْحه كأنه يقول لك: أسرع واستفد مني قبل أنْ أموت. وفي لقطة أخرى لمنافع الأنعام يقول سبحانه: {أية : وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ ٱلأَنفُسِ} تفسير : [النحل: 7] إذن: كل آية تحدثت عن الأنعام تعطينا فائدة لتظل مربوطاً بالقرآن كله.
الجيلاني
تفسير : {وَإِنَّ لَكُمْ} أيها المتأملون في نعمنا، المعتبرون في أنعامنا {فِي ٱلأَنْعَامِ} والدواب التي ينعمون بها من عندنا {لَعِبْرَةً} عظيمة إلى كمال قدرتنا وجلالة نعمتنا لو تعتبرون منها إذ {نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهَا} من الأخلاط والنبات لبناً خالصاً سائغاً للشاربين، مع أنه لا مناسبة بينهما {وَلَكُمْ} أيضاً {فيِهَا} أي: في الأنعام {مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ} من ظهورها وأصوافها وأشعارها وأوبارها وغير ذلك {وَ} أيضاً {مِنْهَا تَأْكُلُونَ} [المؤمنون: 21] من لحومها تقوية لمزاجكم وتقويماً له. {وَ} بالجلمة {عَلَيْهَا} أي: على الأنعام في البر {وَعَلَى ٱلْفُلْكِ} في البحر {تُحْمَلُونَ} [المؤمنون: 22]. وبعدما عدَّد سبحانه نعمه التي أنعم بها على بني آدم، شرع في توبيخ من يكفر بها ولم يؤد حق شكرها فقال: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا} من مقام لطفنا وجودنا {نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ} حين انحرفوا عن جادة الاعتدال وانصرفوا عن الاستقامة {فَقَالَ} على مقتضى وحينا أياه منادياً إياه ليقلبوا إليه على مقتضى شفقة النبوة والرسالة وعطف الهدايا والإرشاد:{يٰقَوْمِ} أضافهم إلى نفسه إمحاضاً للنصح وإظهاراً لكمال الإشفاف {ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ} الواحد الأحد الصمد الذي {أية : لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ}تفسير : [الإخلاص: 3-4] واعلموا أنه {مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ} يعبد بالحق ويستحق بالعبادة {غَيْرُهُ أَ} تتخذون إلهاً سواه {فَلاَ تَتَّقُونَ} [المؤمنون: 23] وتحذرون عن بطشه وانتقامه بأنواع العذاب والنكال. وبعدما ظهر بدعوى الرسالة وأظهر الدعوة على الوجه المذكور: {فَقَالَ ٱلْمَلأُ} أي: الأشراف {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ} باتخاذ الأوثان والأصنام آلهة عبدوها كعبادة الله لضعفاء العوام ترويجاً لكفرهم وتحقيراً لدعوته {مَا هَـٰذَا} الرجل الحقير المدعي للرسالة والنبوة من الله {إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} بل أضعفكم حالاً وأدناكم عقلاً ومالاً {يُرِيدُ} مع حقارته ودناءته {أَن يَتَفَضَّلَ} ويتفوق {عَلَيْكُمْ} بهذه الدعوة الكاذبة والافتراء الباطل {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ} إرسال رسول {لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً} إذ هم أولى وأليق بالإرسال من عنده، ولهم مناسبةُ مع الله بخلاف من البشر، فإنهم لا مناسبةَ لهم معه سبحانه، مع أنَّا {مَّا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا} أي: برسالة البشر من الله {فِيۤ آبَآئِنَا ٱلأَوَّلِينَ} [المؤمنون: 24] أي: لم يعهد هذا في الزمان السابق أصلاً. بل {إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ} أي: ما هذا المدعي للرسالة من عند الله إلا رجلٌ عُرض له جنونُ فاختل دماغه وذهب عقله؛ فيتخبطه الشيطان ويتفوه بأمثال هذه الهذيانات المستبعدة المستحيلة {فَتَرَبَّصُواْ بِهِ} وأهملوه وانتظروا في أمره، ولا تميلوا إليه ولا تلتفتوا نحوه {حَتَّىٰ حِينٍ} [المؤمنون: 25] ليظهر لكم خبطه واختلاله، أو يفيق عما هو عليه ويعود على ما كان. ثم لما سمع منهم نوح عليه السلام ما سمع من التجهيل والتسفيه أَيس منهم وقنط عن إيمانهم فـ {قَالَ} مشتكياً إلى الله مستعيناً منه: {رَبِّ} يا من ربَّاني بأنواع الكرم وأرسلني إلى هؤلاء الضالين عن سواء سبيلك لأرشدهم وأهديهم إلى توحيدك، فبلغتُ ما أُرسلتُ به إياهم، فلم يقبلوا مني فكذبوني وسفّهوني {ٱنصُرْنِي} بإهلاكهم وتعذيبهم {بِمَا كَذَّبُونِ} [المؤمنون: 26] أي: بدل تكذيبهم إياي وسببه. {فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ} أنجازاً لما أوعدنا إياهم من العذاب والهلاك بعد تكذيبهم رسلونا وما جاء به من عندنا من الإيمان والتوحيد {أَنِ ٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ} أي: أعمال السفينة، ولا تخف عن فساها بعدم تعلمك من أحدٍ بل اصنعها {بِأَعْيُنِنَا} أي: يحفظنا إيَّاك نحفظك عن عروض الخطأ والفساد في صنعها {وَوَحْيِنَا} أي: بأمرنا وتعليمنا لك كيفية صنعها، ولا تبال بتسفيههم واستهزائهم معك ونسيتك إلى الخبط والجنون وأنواع الأذيات {فَإِذَا جَآءَ أَمْرُنَا} الوجوبي المتعلق بإغراقهم واستئصالهم {وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ} المعينُ المعهودُ، فدلق ونبع الماء منه نبعةً {فَٱسْلُكْ} وأَدْخل على الفور فيها {فِيهَا} أي: في السفينة {مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ} أي: من نوع الحيوانات اثنين ذكراً وانثى؛ إبقاءً لجميع الأنواع في العالم {وَ} اسلك أيضاً {أَهْلَكَ} ومن ينتمي إليك قرابةً وديناً {إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ} والحكم منَّا في لوح قضائنا بأنه من الهالكين {مِنْهُمْ} أي: من أهلك، أي: أَدْخِل جميع أهلك سوى من مضى قضاؤنا بغرقه وإهلاكه وهو ابنه كنعان {وَ} بعدما سبق قضاؤنا لإهلاك من كفر من أهلك {لاَ تُخَاطِبْنِي} يا نوح، ولا تدعُ إليّ في حق من سبق الحكم مني بغرقه ولا تسع {فِي} خلاص القوم {ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ} على أنفسهم بالعرض على عذابنا {إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ} [المؤمنون: 27] معدودون من عدد الغرقى الهلكى، ولا أثر لدعائك لهم بعدما صار الأمر منَّا مقضياً والحكم مبرماً.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: ومن نعمه عليكم، أن سخر لكم الأنعام، الإبل والبقر، والغنم، فيها عبرة للمعتبرين، ومنافع للمنتفعين { نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا } من لبن، يخرج من بين فرث ودم، خالص سائغ للشاربين، { وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ } من أصوافها، وأوبارها، وأشعارها، وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم { وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ } أفضل المآكل من لحم وشحم. { وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ } أي: جعلها سفنا لكم في البر، تحملون عليها أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس، كما جعل لكم السفن في البحر تحملكم، وتحمل متاعكم، قليلا [كان] أو كثيرا، فالذي أنعم بهذه النعم، وصنف أنواع الإحسان، وأدر علينا من خيره المدرار، هو الذي يستحق كمال الشكر، وكمال الثناء، والاجتهاد في عبوديته، وأن لا يستعان بنعمه على معاصيه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):