Verse. 2696 (AR)

٢٣ - ٱلْمُؤْمِنُون

23 - Al-Mu'minoon (AR)

وَلَقَدْ اَرْسَلْنَا نُوْحًا اِلٰى قَوْمِہٖ فَقَالَ يٰقَوْمِ اعْبُدُوا اللہَ مَا لَكُمْ مِّنْ اِلٰہٍ غَيْرُہٗ۝۰ۭ اَفَلَا تَتَّقُوْنَ۝۲۳
Walaqad arsalna noohan ila qawmihi faqala ya qawmi oAAbudoo Allaha ma lakum min ilahin ghayruhu afala tattaqoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله» أطيعوا الله ووحدوه «مالكم من إله غيره» وهو اسم ما، وما قبله الخبر، ومن زائدة «أفلا تتقون» تخافون عقوبته بعبادتكم غيره.

23

Tafseer

الرازي

تفسير : القصة الأولى قصة نوح عليه السلام قال قوم: إن نوحاً كان اسمه يشكر، ثم سمي نوحاً لوجوه: أحدها: لكثرة ما ناح على نفسه حين دعا على قومه بالهلاك، فأهلكهم بالطوفان فندم على ذلك وثانيها: لمراجعة ربه في شأن ابنه وثالثها: أنه مر بكلب مجذوم، فقال له إخساً يا قبيح، فعوتب على ذلك، فقال الله له: أعبتني إذ خلقته، أم عبت الكلب. وهذه الوجوه مشكلة لما ثبت أن الأعلام لا تفيد صفة في المسمى. أما قوله: {ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ } فالمعنى أنه سبحانه أرسله بالدعاء إلى عبادة الله تعالى وحده، ولا يجوز أن يدعوهم إلى ذلك إلا وقد دعاهم إلى معرفته أولاً، لأن عبادة من لا يكون معلوماً غير جائزة وإنما يجوز ويجب بعد المعرفة. أما قوله: {مَا لَكُم مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ } فالمراد أن عبادة غير الله لا تجوز إذ لا إله سواه. ومن حق العبادة أن تحسن لمن أنعم بالخلق والإحياء وما بعدهما، فإذا لم يصح ذلك إلا منه تعالى فكيف يعبد ما لا يضر ولا ينفع؟ وقرىء غيره بالرفع على المحل وبالجر على اللفظ، ثم إنه لما لم ينفع فيهم هذا الدعاء واستمروا على عبادة غير الله تعالى حذرهم بقوله: {أَفَلاَ تَتَّقُونَ } لأن ذلك زجر ووعيد باتقاء العقوبة لينصرفوا عما هم عليه. ثم إنه سبحانه حكى عنهم شبههم في إنكار نبوة نوح عليه السلام. الشبهة الأولى: قولهم: {مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ } وهذه الشبهة تحتمل وجهين: أحدهما: أن يقال إنه لما كان مساوياً لسائر الناس في القوة والفهم والعلم والغنى والفقر والصحة والمرض امتنع كونه رسولاً لله، لأن الرسول لا بد وأن يكون عظيماً عند الله تعالى وحبيباً له، والحبيب لا بد وأن يختص عن غير الحبيب بمزيد الدرجة والمعزة، فلما فقدت هذه الأشياء علمنا انتفاء الرسالة والثاني: أن يقال هذا الإنسان مشارك لكم في جميع الأمور، ولكنه أحب الرياسة والمتبوعية فلم يجد إليهما سبيلاً إلا بادعاء النبوة، فصار ذلك شبهة لهم في القدح في نبوته، فهذا الاحتمال متأكد بقوله تعالى خبراً عنهم {يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ } أي يريد أن يطلب الفضل عليكم ويرأسكم كقوله تعالى: { أية : وَتَكُونَ لَكُمَا ٱلْكِبْرِيَاء فِى ٱلأَرْضِ } تفسير : [يونس:78]. الشبهة الثانية: قولهم: {وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ لاَنزَلَ مَلَـٰئِكَةً } وشرحه أن الله تعالى لو شاء إرشاد البشر لوجب أن يسلك الطريق الذي يكون أشد إفضاء إلى المقصود، ومعلوم أن بعثة الملائكة أشد إفضاء إلى هذا المقصود من بعثة البشر، لأن الملائكة لعلو شأنهم وشدة سطوتهم وكثرة علومهم، فالخلق ينقادون إليهم، ولا يشكون في رسالتهم، فلما لم يفعل ذلك علمنا أنه ما أرسل رسولاً ألبتة. الشبهة الثالثة: قولهم: {ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين} وقوله بهذا إشارة إلى نوح عليه السلام، أو إلى ما كلمهم به من الحث على عبادة الله تعالى، أي ما سمعنا بمثل هذا الكلام، أو بمثل هذا الذي يدعى وهو بشر أنه رسول الله، وشرح هذه الشبهة أنهم كانوا أقواماً لا يعولون في شيء من مذاهبهم إلا على التقليد والرجوع إلى قول الآباء، فلما لم يجدوا في نبوة نوح عليه السلام هذه الطريقة حكموا بفسادها. قال القاضي: يحتمل أن يريدوا بذلك كونه رسولاً مبعوثاً، لأنه لا يمتنع فيما تقدم من زمان آبائهم أنه كان زمان فترة، ويحتمل أن يريدوا بذلك دعاءهم إلى عبادة الله تعالى وحده، لأن آباءهم كانوا على عبادة الأوثان. الشبهة الرابعة: قولهم: {إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ } والجنة: الجنون أو الجن، فإن جهال العوام يقولون في المجنون زال عقله بعمل الجن، وهذه الشبهة من باب الترويج على العوام، فإنه عليه الصلاة والسلام كان يفعل أفعالاً على خلاف عاداتهم، فأولئك الرؤساء كانوا يقولون للعوام إنه مجنون، ومن كان مجنوناً فكيف يجوز أن يكون رسولاً. الشبهة الخامسة: قولهم: {فَتَرَبَّصُواْ بِهِ حَتَّىٰ حِينٍ } وهذا يحتمل أن يكون متعلقاً بما قبله أي أنه مجنون فاصبروا إلى زمان حتى يظهر عاقبة أمره فإن أفاق وإلا قتلتموه ويحتمل أن يكون كلاماً مستأنفاً وهو أن يقولوا لقومهم اصبروا فإنه إن كان نبياً حقاً فالله ينصره ويقوي أمره فنحن حينئذ نتبعه وإن كان كاذباً فالله يخذله ويبطل أمره، فحينئذ نستريح منه، فهذه مجموع الشبه التي حكاها الله تعالى عنهم، واعلم أنه سبحانه ما ذكر الجواب عنها لركاكتها ووضوح فسادها، وذلك لأن كل عاقل يعلم أن الرسول لا يصير رسولاً إلا لأنه من جنس الملك وإنما يصير كذلك بأن يتميز من غيره بالمعجزات فسواء كان من جنس الملك أو من جنس البشر فعند ظهور المعجز عليه يجب أن يكون رسولاً، بل جعل الرسول من جملة البشر أولى لما مر بيانه في السور المتقدمة وهو أن الجنسية مظنة الألفة والمؤانسة، وأما قولهم {يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ } فإن أرادوا به إرادته لإظهار فضله حتى يلزمهم الانقياد لطاعته فهذا واجب على الرسول، وأن إرادوا به أن يرتفع عليهم على سبيل التجبر والتكبر والانقياد فالأنبياء منزهون عن ذلك، وأما قولهم ما سمعنا بهذا فهو استدلال بعدم التقليد على عدم وجود الشيء وهو في غاية السقوط لأن وجود التقليد لا يدل على وجود الشيء فعدمه من أين يدل على عدمه، وأما قولهم به جنة، فقد كذبوا لأنهم كانوا يعلمون بالضرورة كمال عقله، وأما قولهم: فتربصوا به، فضعيف لأنه إن ظهرت الدلالة على نبوته وهي المعجزة وجب عليهم قبول قوله في الحال، ولا يجوز توقيف ذلك إلى ظهور دولته لأن الدولة لا تدل على الحقية، وإن لم يظهر المعجز لم يجز قبول قوله سواء ظهرت الدولة أو لم تظهر، ولما كانت هذه الأجوبة في نهاية الظهور لا جرم تركها الله سبحانه.

البيضاوي

تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ } إلى آخر القصص مسوق لبيان كفران الناس ما عدد عليهم من النعم المتلاحقة وما حاق بهم من زوالها. {مَا لَكُم مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} استئناف لتعليل الأمر بالعبادة، وقرأ الكسائي غيره بالجر على اللفظ. {أَفَلاَ تَتَّقُونَ} أفلا تخافون أن يزيل عنكم نعمه فيهلككم ويعذبكم برفضكم عبادته إلى عبادة غيره وكفرانكم نعمه التي لا تحصونها.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن نوح عليه السلام حين بعثه إلى قومه لينذرهم عذاب الله وبأسه الشديد، وانتقامه ممن أشرك به، وخالف أمره، وكذب رسله، {فَقَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ}؟ أي: ألا تخافون من الله في إشراككم به؟ فقال الملأ، وهم السادة والأكابر منهم: {مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ} يعنون: يترفع عليكم، ويتعاظم بدعوى النبوة، وهو بشر مثلكم، فكيف أوحي إليه دونكم؟ {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لأَنزَلَ مَلَـٰئِكَةً} أي: لو أراد أن يبعث نبياً، لبعث ملكاً من عنده، ولم يكن بشراً، ما سمعنا بهذا، أي: ببعثة البشر في آبائنا الأولين، يعنون بهذا أسلافهم وأجدادهم في الدهور الماضية. وقوله: {إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ} أي: مجنون فيما يزعمه من أن الله أرسله إليكم، واختصه من بينكم بالوحي، {فَتَرَبَّصُواْ بِهِ حَتَّىٰ حِينٍ} أي: انتظروا به ريب المنون، واصبروا عليه مدة حتى تستريحوا منه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ } أطيعوه ووحِّدُوه {مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ } وهو اسم ما وما قبله الخبر، و من زائدة {أَفَلاَ تَتَّقُونَ } تخافون عقوبته بعبادتكم غيره؟

الشوكاني

تفسير : لما ذكر سبحانه الفلك أتبعه بذكر نوح؛ لأنه أوّل من صنعه، وذكر ما صنعه قوم نوح معه بسبب إهمالهم للتفكر في مخلوقات الله سبحانه والتذكر لنعمه عليهم فقال: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ } وفي ذلك تعزية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وتسلية له ببيان أن قوم غيره من الأنبياء كانوا يصنعون مع أنبيائهم ما يصنعه قومه معه، واللام جواب قسم محذوف {فَقَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ } أي اعبدوه وحده ولا تشركوا به شيئاً كما يستفاد من الآيات الآخرة، وجملة: {مَا لَكُم مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ } واقعة موقع التعليل لما قبلها، وارتفاع {غيره} لكونه وصفاً لإلٰه على المحل؛ لأنه مبتدأ خبره لكم، أي ما لكم في الوجود إلٰه غيره سبحانه، وقرىء بالجرّ اعتباراً بلفظ إلٰه {أَفَلاَ تَتَّقُونَ } أي أفلا تخافون أن تتركوا عبادة ربكم الذي لا يستحقّ العبادة غيره، وليس لكم إلٰه سواه. وقيل: المعنى أفلا تخافون أن يرفع عنكم ما خوّلكم من النعم ويسلبها عنكم. وقيل: المعنى: أفلا تقون أنفسكم عذابه الذي تقتضيه ذنوبكم. {فَقَالَ ٱلْمَلا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ } أي قال أشراف قومه الذين كفروا به: {مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ } أي من جنسكم في البشرية، لا فرق بينكم وبينه {يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ } أي يطلب الفضل عليكم بأن يسودكم حتى تكونوا تابعين له منقادين لأمره، ثم صرّحوا بأن البشر لا يكون رسولاً فقالوا: {وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ لاَنزَلَ مَلَـٰئِكَةً } أي لو شاء الله إرسال رسول لأرسل ملائكة، وإنما عبر بالإنزال عن الإرسال؛ لأن إرسالهم إلى العباد يستلزم نزولهم إليهم {مَا سمعنا بهذا في آبائنا الأولين} أي بمثل دعوى هذا المدّعي للنبوّة من البشر، أو بمثل كلامه، وهو الأمر بعبادة الله وحده أو ما سمعنا ببشر يدّعي هذه الدعوى في آبائنا الأوّلين، أي في الأمم الماضية قبل هذا. وقيل: الباء في: {بهذا} زائدة، أي ما سمعنا هذا كائناً في الماضين، قالوا: هذا اعتماداً منهم على التقليد واعتصاماً بحبله. ولم يقنعوا بذلك حتى ضموا إليه الكذب البحت، والبهت الصراح فقالوا: {إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ } أي جنون لا يدري ما يقول: {فَتَرَبَّصُواْ بِهِ حَتَّىٰ حِينٍ } أي انتظروا به حتى يستبين أمره، بأن يفيق من جنونه فيترك هذه الدعوى، أو حتى يموت فتستريحوا منه. قال الفراء: ليس يريد بالحين هنا وقتاً بعينه إنما هو كقولهم: دعه إلى يوم ما. فلما سمع عليه الصلاة والسلام كلامهم وعرف تماديهم على الكفر وإصرارهم عليه {قَالَ رَبّ ٱنصُرْنِي} عليهم فانتقم منهم بما تشاء وكيف تريد، والباء في: {بِمَا كَذَّبُونِ } للسببية، أي: بسبب تكذيبهم إياي. {فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ } عند ذلك أي أرسلنا إليه رسولاً من السماء {أَنِ ٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ } وأن هي مفسرة لما في الوحي من معنى القول {بِأَعْيُنِنَا } أي متلبساً بحفظنا وكلاءتنا، وقد تقدّم بيان هذا في هود. ومعنى {وَوَحْيِنَا }: أمرنا لك وتعليمنا إياك لكيفية صنعها، والفاء في قوله: {فَإِذَا جَاء أَمْرُنَا } لترتيب ما بعدها على ما قبلها من صنع الفلك، والمراد بالأمر: العذاب {وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ } معطوف على الجملة التي قبله عطف النسق؛ وقيل: عطف البيان، أي إن مجيء الأمر هو فور التنور، أي تنور آدم الصائر إلى نوح، أي إذا وقع ذلك {فَٱسْلُكْ فِيهَا مِن كُلّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ } أي ادخل فيها، يقال: سلكه في كذا أدخله وأسلكته أدخلته. قرأ حفص: {من كلّ} بالتنوين، وقرأ الباقون بالإضافة، ومعنى القراءة الأولى: من كلّ أمة زوجين، ومعنى الثانية: من كل زوجين، وهما أمة الذكر والأنثى اثنين، وانتصاب {أَهْلَكَ } بفعل معطوف على {فاسلك} لا بالعطف على زوجين، أو على {اثنين} على القراءتين لأدائه إلى اختلاف المعنى، أي واسلك أهلك {إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ مِنْهُمْ } أي القول بإهلاكهم منهم {وَلاَ تُخَـٰطِبْنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } بالدعاء لهم بإنجائهم، وجملة: {إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ } تعليل للنهي عن المخاطبة أي إنهم مقضي عليهم بالإغراق لظلمهم، ومن كان هكذا فهو لا يستحق الدعاء له. {فَإِذَا ٱسْتَوَيْتَ } أي: علوت {أَنتَ وَمَن مَّعَكَ } من أهلك وأتباعك {عَلَى ٱلْفُلْكِ } راكبين عليه {فَقُلِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي نَجَّانَا مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ } أي حال بيننا وبينهم، وخلصنا منهم، كقوله: {أية : فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ}تفسير : [الأنعام: 45]. وقد تقدّم تفسير هذه القصة في سورة هود على التمام والكمال، وإنما جعل سبحانه استواءهم على السفينة نجاة من الغرق جزماً؛ لأنه قد سبق في علمه أن ذلك سبب نجاتهم من الظلمة، وسلامتهم من أن يصابوا بما أصيبوا به من العذاب. ثم أمره أن يسأل ربه ما هو أنفع له وأتمّ فائدة فقال: {وَقُل رَّبّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً } أي أنزلني في السفينة. قرأ الجمهور: {منزلاً} بضم الميم وفتح الزاي على أنه مصدر. وقرأ زرّ بن حبيش وأبو بكر عن عاصم والمفضل بفتح الميم وكسر الزاي على أنه اسم مكان. فعلى القراءة الأولى: أنزلني إنزالاً مباركاً، وعلى القراءة الثانية: أنزلني مكاناً مباركاً، قال الجوهري: والمنزل بفتح الميم والزاي النزول، وهو الحلول، تقول: نزلت نزولاً ومنزلاً. قال الشاعر:شعر : أإن ذكرتك الدار منزلها جمل بكيت فدمع العين منحدر سجل تفسير : بنصب منزلها؛ لأنه مصدر. قيل: أمره الله سبحانه بأن يقول هذا القول عند دخوله السفينة. وقيل: عند خروجه منها، والآية تعليم من الله لعباده إذا ركبوا ثم نزلوا أن يقولوا هذا القول: {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ } هذا ثناء منه على الله عزّ وجلّ إثر دعائه له. قال الواحدي: قال المفسرون: إنه أمر أن يقول عند استوائه على الفلك: الحمد لله، وعند نزوله منها: ربّ أنزلني منزلاً مباركاً، والإشارة بقوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ } إلى ما تقدّم مما قصه الله علينا من أمر نوح عليه السلام: والآيات الدلالات على كمال قدرته سبحانه، والعلامات التي يستدلّ بها على عظيم شأنه {وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ } أي لمختبرين لهم بإرسال الرسل إليهم؛ ليظهر المطيع والعاصي للناس أو للملائكة. وقيل: المعنى: إنه يعاملهم سبحانه معاملة المختبر لأحوالهم، تارة بالإرسال، وتارة بالعذاب. {ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً ءاخَرِينَ } أي من بعد إهلاكهم. قال أكثر المفسرين: إن هؤلاء الذين أنشأهم الله بعدهم هم عاد قوم هود، لمجيء قصتهم على إثر قصة نوح في غير هذا الموضع، ولقوله في الأعراف: {أية : وَٱذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ } تفسير : [الأعراف: 69]. وقيل: هم ثمود؛ لأنهم الذين أهلكوا بالصيحة. وقد قال سبحانه في هذه القصة: {أية : فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ }تفسير : [الحجر: 73 و83]. وقيل: هم أصحاب مدين قوم شعيب؛ لأنهم ممن أهلك بالصيحة {فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولاً } عدّى فعل الإرسال بفي مع أنه يتعدّى بإلى؛ للدلالة على أن هذا الرسول المرسل إليهم نشأ فيهم بين أظهرهم، يعرفون مكانه ومولده، ليكون سكونهم إلى قوله أكثر من سكونهم إلى من يأتيهم من غير مكانهم. وقيل: وجه التعدية للفعل المذكور بفي أنه ضمن معنى القول، أي قلنا لهم على لسان الرسول {ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ } ولهذا جيء بأن المفسرة. والأوّل أولى؛ لأن تضمين أرسلنا معنى قلنا لا يستلزم تعديته بفي، وجملة: {مَا لَكُم مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ } تعليل للأمر بالعبادة {أَفَلاَ تَتَّقُونَ } عذابه الذي يقتضيه شرككم. {وَقَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِهِ } أي أشرافهم وقادتهم. ثم وصف الملأ بالكفر والتكذيب فقال: {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِلِقَاء ٱلآخِرَةِ } أي كذبوا بما في الآخرة من الحساب والعقاب، أو كذبوا بالبعث {وَأَتْرَفْنَـٰهُمْ } أي وسعنا لهم نعم الدنيا فبطروا بسبب ما صاروا فيه {في الحياة الدنيا} من كثرة الأموال ورفاهة العيش {مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ } أي قال الملأ لقومهم هذا القول، وصفوه بمساواتهم في البشرية، وفي الأكل: {مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ } والشرب: {مما تشربون} منه، وذلك يستلزم عندهم أنه لا فضل له عليهم. قال الفرّاء: إن معنى {وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ } على حذف منه أي: مما تشربون منه وقيل: إن ما مصدرية، فلا تحتاج إلى عائد. {وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مّثْلَكُمْ } فيما ذكر من الأوصاف {إِنَّكُمْ إذاً لَّخَـٰسِرُونَ } أي مغبونون بترككم آلهتكم واتباعكم إياه من غير فضيلة له عليكم. والاستفهام في قوله: {أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتمْ } للإنكار، والجملة مستأنفة مقرّرة لما قبلها من تقبيح اتباعهم له. قرىء بكسر الميم من {متم}، من مات يمات كخاف يخاف، وقرىء بضمها من مات يموت، كقال يقول. {وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظـٰماً } أي كان بعض أجزائكم تراباً، وبعضها عظاماً نخرة لا لحم فيها ولا أعصاب عليها. وقيل: وتقديم التراب؛ لكونه أبعد في عقولهم. وقيل: المعنى: كان متقدّموكم تراباً، ومتأخروكم عظاماً {أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ } أي من قبوركم أحياء كما كنتم، قال سيبويه: "أنّ" الأولى في موضع نصب بوقوع أيعدكم عليها، وأن الثانية بدلّ منها. وقال الفرّاء والجرمي والمبرّد: إن "أن" الثانية مكرّرة للتوكيد، وحسن تكريرها لطول الكلام، وبمثله قال الزجاج. وقال الأخفش: "أن" الثانية في محل رفع بفعل مضمر، أي يحدث إخراجكم كما تقول: اليوم القتال، فالمعنى: اليوم يحدث القتال. {هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ } أي بعد ما توعدون، أو بعيد ما توعدون، والتكرير للتأكيد. قال ابن الأنباري: وفي هيهات عشر لغات ثم سردها، وهي مبينة في علم النحو. وقد قرىء ببعضها، واللام في {لما توعدون} لبيان المستبعد كما في قولهم: هيت لك، كأنه قيل: لماذا هذا الاستبعاد؟ فقيل: لما توعدون. والمعنى: بعد إخراجكم للوعد الذي توعدون، هذا على أن هيهات اسم فعل، وقال الزجاج: هو في تقدير المصدر، أي البعد لما توعدون، أو بعد لما توعدون، على قراءة من نوّن فتكون على هذا مبتدأ خبره: {لما توعدون}. ثم بين سبحانه إترافهم بأنهم قالوا: {إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا } أي ما الحياة إلا حياتنا الدنيا، لا الحياة الآخرة التي تعدنا بها، وجملة: {نَمُوتُ وَنَحْيَا } مفسرة لما ادّعوه من قصرهم حياتهم على حياة الدنيا. ثم صرحوا بنفي البعث، وأن الوعد به منه افتراء على الله فقالوا: {وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ * إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ ٱفتَرَىٰ عَلَىٰ ٱللَّهِ كَذِباً } أي ما هو فيما يدّعيه إلا مفتر للكذب على الله {وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ } أي بمصدّقين له فيما يقوله. {قَالَ رَبّ ٱنصُرْنِى } أي: قال نبيهم لما علم بأنهم لا يصدّقونه ألبتة: ربّ انصرني عليهم وانتقم لي منهم بسبب تكذيبهم إياي. {قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَـٰدِمِينَ } أي قال الله سبحانه مجيباً لدعائه واعداً له بالقبول لما دعا به: عما قليل من الزمان ليصبحن نادمين على ما وقع منهم من التكذيب والعناد والإصرار على الكفر. و «ما» في: {عما قليل} مزيدة بين الجارّ والمجرور للتوكيد لقلة الزمان كما في قوله: {أية : فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ } تفسير : [آل عمران: 159]. ثم أخبر سبحانه بأنها {أَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ} وحاق بهم عذابه ونزل عليهم سخطه. قال المفسرون: صاح بهم جبريل صيحة واحدة مع الريح التي أهلكهم الله بها فماتوا جميعاً. وقيل: الصيحة: هي نفس العذاب الذي نزل بهم، ومنه قول الشاعر:شعر : صاح الزمان بآل برمك صيحة خرّوا لشدّتها على الأذقان تفسير : والباء في: {بالحق} متعلق بالأخذ، ثم أخبر سبحانه عما صاروا إليه بعد العذاب النازل بهم: فقال: {فَجَعَلْنَـٰهُمْ غُثَاء } أي كغثاء السيل الذي يحمله: والغثاء ما يحمله، والغثاء: ما يحمل السيل من بالي الشجر والحشيش والقصب ونحو ذلك مما يحمله على ظاهر الماء. والمعنى: صيرهم هلكى فيبسوا كما يبس الغثاء {فَبُعْداً لّلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ } انتصاب {بعداً} على المصدرية وهو من المصادر التي لا يذكر فعلها معها، أي بعدوا بعداً، واللام لبيان من قيل له ذلك. وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {فَٱسْلُكْ فِيهَا } يقول: اجعل معك في السفينة {مِن كُلّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ }. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد: {وَقُل رَّبّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً } قال لنوح حين أنزل من السفينة. وأخرج هؤلاء عن قتادة في الآية قال: يعلمكم سبحانه كيف تقولون إذا ركبتم، وكيف تقولون إذا نزلتم. أما عند الركوب: {أية : فَسُبْحَـٰنَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَىٰ رَبّنَا لَمُنقَلِبُونَ }تفسير : [الزخرف: 13، 14]، {أية : بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ }تفسير : [هود: 41]. وعند النزول: {رَّبّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ }. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله: {قَرْناً } قال: أمة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ } قال: بعيد بعيد. وأخرج ابن جرير عنه في قوله: {فَجَعَلْنَـٰهُمْ غُثَاء } قال: جعلوا كالشيء الميت البالي من الشجر.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {مَا سَمِعْنَا بِهذَا فِي ءَابَائِنَا الأَوَّلِينَ} فيه وجهان: أحدهما: ما سمعنا بمثل دعوته. والثاني: ما سمعنا بمثله بشراً أتى برسالة من ربه. وفي أبائهم الأولين وجهان: أحدهما: أنه الأب الأدنى، لأنه أقرب، فصار هو الأول. والثاني: أنه الأب الأبعد لأنه أوّل أبٍ وَلدَك. {فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ} فيه وجهان: أحدهما: حتى يموت. الثاني: حتى يستبين جنونه.

ابن عطية

تفسير : هذا ابتداء تمثيل لكفار قريش بأمم كفرت بأنبيائها فأهلكوا، ففي ضمن ذلك الوعيد بأن يحل بهؤلاء نحو ما حل بأولئك، و"نوح" عليه السلام أول نبي أرسل إلى الناس وإدريس أول من نبيّ ولم يرسل، و {الملأ} الأشراف لأنهم عنهم يصدر الملأ وهو جمع القوم، وفي قوله {هؤلاء} استبعاد بعثة البشر وهم قوم مقرون بالملائكة وذلك لا شك متقرر عندهم من بقايا نبوءة آدم وإدريس وغيرهما. ولم يكن عن علم صحيح ولا معرفة بأخبار نبوءة والجنة جنون، {فتربصوا} معناه فاصبروا وانتظروا هلاكه، و {حتى حين} معناه إلى وقت ولم يعينوه وإنما أرادوا إلى وقت يريحكم القدر منه، ثم إن نوحاً عليه السلام دعا على قومه حين يئس منهم وإن كان دعاؤه في هذه الآية ليس بنص وإنما هو ظاهر من قوله {بما كذبون} فهذا يقتضي طلبه العقوبة وأما النصرة بمجردها فكانت تكون بردهم إلى الإيمان، وقرأ أبو جعفر وابن محيصن "ربُّ انصرني" برفع الباء وكذلك "ربُّ احكم" وشبهه.

القشيري

تفسير : كَرَّرَ قصةَ نوح لِمَا فيها من عظيم الآيات من طولِ مقامه في قومه، وشدةِ مقاساة البلاء منهم، وتمام صبره على ما استقبله في طول عمره، ثم إهلاك الله جميع مَنْ أَصَرّ على كفرانه، ثم لم يغادِرْ منهم أحداً، ولم يبال - سبحانه - بأنْ أهلك جملتهم. ولقد ذكر في القصص أن امرأةً من قومه لما أخذهم الطوفان كان لها مولودٌ، فَحَمَلَتْه وقامت حاملةً له ترفعه عن الطوفان، فلمَّا بلغ الماءُ إلى يدها رفعته إلى ما فوق رأسها - قدْرَ ما أمكنها - إبقاءً على وَلَدِها، وإشفاقاً عليه من الهلاك، إلى أن غَلَبَها الماءُ وتَلِفَتْ وولدها. فأوحى الله إلى نوح - عليه السلام - لو أني كنتُ أَرْحَمُ واحداً منهم لَرَحِمْتُ تلك المرأة وولدها. وفي الخبر أن نوحاً كان اسمه يشكر، ولكثرة ما كان يبكي أوحى الله إليه: يا نوح...إلى كم تنوح؟ فسمَّاه نوحاً. ويقال إن ذنبَه أنه مرّ يوماً بكلبٍ فقال: ما أوحشه! فأوحى الله إليه: اخلق أنت أَحْسَنَ من هذا! فكان يبكي معتذراً عن قالته تلك. وكان قومُه يلاحظونه بعين الجنون، وما زاد لهم دعوةً إلا ازدادوا على إجابته نبوةً، وما زاد لهم صفوةً إلا ازدادوا على طول المدة قسوةً على قسوة. ولما عمل السفينة ظهر الطوفان، وأدخل في السفينة أَهْلَه، تعرْض له إبليسُ - كما جاء في القصة - وقال: احْمِلْني معك في السفينة، فأبى نوح وقال: يا شقيُّ.. تطمع في حملي إياك وأنت رأسُ الكفَرَةِ؟! فقال إبليسُ: أَمَا عَلِمْتُ - يا نوحُ - أَنَّ الله أنْظَرني إلى يوم القيامة، وليس ينجو اليومَ أحدٌ إلاّ في هذه السفينة؟ فأوحى الله إلى نوح أَن احمله فكان إبليسُ مع نوح في السفينة، ولم يكن لابنه معه مكانٌ في السفينة. وفي هذا ظهور عين التوحيد وأن الحكم من الله غير معلول لأنه إن كان المعنى في أن ابنه لم يكن معه له مكان لكُفْرِه فبإبليس يُشكل... ولكنها أحكامٌ غيرُ معلولة، وجاز له - سبحانه - أن يفعل ما يريد: يَصِلُ مَنْ شاء وَيَرُدُّ مَنْ شاء.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولقد ارسلنا نوحا الى قومه} اللام جواب قسم وتصدير القصة به لاظهار كمال الاعتناء بمضمونها اى وبالله لقد ارسلنا نوحا الى قومه وجاء فى قصيدة جمال الدين شعر : من كثير الذنب نوحوا نوح نوح فى الرسل انه عمرا طويلا من قليل النطق ناح تفسير : وهو انه عليه السلام مر على كلب به جرب فقال بئس الكلب هذا ثم ندم فناح من اول عمره الى آخره {فقال} داعيا لهم الى التوحيد {ياقوم} [اى كروه من] واصله يا قومى {اعبدوا الله} وحده كما دل عليه التعليل وهو {مالكم من اله غيره} اى مالكم فى الوجود اوفى العالم غير الله فغير بالرفع صفة لآله باعتبار محله الذى هو الرفع على انه فاعل ومن زائدة او مبتدأ خبره لكم {أفلا تتقون} الهمزة لانكار الواقع واستقباحه والفاء للعطف على مقدر يستدعيه المقام اى ألا تعرفون ذلك اى مضمون قوله مالكم من اله غيره فلا تتقون عذابه بسبب اشراككم به فى العبادة مالا يستحق الوجود لولا ايجاد الله فضلا عن استحقاق العبادة فالمنكر عدم الاتقاء مع تحقق ما يوجبه، قال الكاشفى يعنى [ترسيدازعذاب وى وبعبادت غير او ميل مكنيد]. وفى التأويلات النجمية {ولقد أرسلنا نوحا} نوح الروح الى قومه من القلب والسر والنفس والقالب وجوارحه {فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من اله غيره} من الهوى والشيطان فعبادة القلب بقطع التعلقات والمحبة وعبادة السر بالتفرد بالتوحيد وعبادة النفس بتبديل الاخلاق وعبادة القالب بالتجريد وعبادة الجوارح باقامة اركان الشريعة {أفلا تتقون} بهذه العبادات عن الحرمان والخذلان وعذاب النيران.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: ذكر في الحاشية وجوهاً من المناسبة، فقال: لمّا استطرد ذكر الفلك ناسب ذكر نوح إثره، لقوله: (اصنع الفلك)، وأيضاً: هو أبو البشر الثاني، فَذُكِرَ كما ذكر أولاً آدم، في ذكر خلق الإنسان، وأيضاً في ذكر نجاة المؤمنين وفلاحهم، فناسب صدر السورة، وهلاك الكافر وهو ضد المؤمن، كما صرح بذلك في قوله في آخرها: (إنه لا يفلح الكافرون)، وفي النجاة في الفلك مناسبة للنعم المقررة قبل ذكره. هـ. (وإن كنا لمبتلين): "إنْ": مخففة، واسمها: ضمير الشأن، واللام فارقة. يقول الحق جل جلاله: {ولقد أرسلنا}: وتالله لقد أرسلنا {نوحاً إلى قومه}، وقد مرّ في الأعراف نسبه وكيفية بعثته، {فقال} لقومه حين أُرسل إليهم، متعطفاً عليهم، ومستميلاً لهم إلى الحق: {يا قوم اعبدوا الله} وحده؛ إذ العبادة مع الإشراك لا عبرة بها، فلذلك لم يقيدها هنا، وقيدها في هود، بقوله:{أية : أَن لاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ} تفسير : [هود: 26] {ما لكم من إلهٍ غيرهُ} أي: ما لكم من الوجود إله يستحق أن يُعبد غيره، فالرفع على المحل، والجر على اللفظ. {أفلا تتقون}؛ أفلا تخافون عقوبة الله، الذي هو ربكم وخالقكم، إذا عبدتم غيره مما ليس من استحقاق العبادة في شيء، أو: أفلا تخافون عذابه الذي يستوجبه ما أنتم عليه، كما يُفصح عنه قوله تعالى: {أية : إِنِّىِۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}تفسير : [الأعراف: 59]. {فقال الملأ الذين كفروا من قومه} أي: أشرافهم لعوامهم: {ما هذا إلا بشرٌ مثلكُم} في الجنس والوصف، يأكل ويشرب مثلكم، من غير فرق بينكم وبينه، {يُريد أن يتفضَّل عليكم} أي: يطلب الفضل عليكم، ويتقدمكم بادعاء الرسالة مع كونه مثلكم، والعجب منهم أنهم رضوا بالألوهية والخضوع للحَجَر، ولم يرضوا بنبوة البشر. ثم قالوا: {ولو شاء الله لأنزل ملائكة} أي: لو شاء الله إرسال الرسل لأرسل رسلاً من الملائكة. وإنما قال: لأنزل ولم يقل: لأرسل؛ لأنَّ إرسال الملائكة لا يكون إلا بطريق الإنزال، فمفعول المشيئة مطلق الإنزال، أي: لو شاء ربنا إنزال شيء من الوحي لأنزل ملائكة يرسلهم إلينا، {ما سمعنا بهذا} أي بمثل هذا الكلام، الذي هو الأمر بعبادة الله وحده، وترك عبادة ما سواه، أو: ما سمعنا بأنَّ البشر يكون رسولاً، أو بمثل نوح عليه السلام في دعوى النبوة، {في آبائنا الأولين} أي: الماضين قبل بعثة نوح عليه السلام، وإنما قالوا ذلك؛ إما من فرط عنادهم، أو لأنهم كانوا في فترة متطاولة، وقيل: معناه: ما سمعنا به أنه نبي، {إنْ هو} أي: ما هو {إلا رجل به جِنَّةٌ} أي جنون، أو جن يخبلونه، ولذلك يقول ما يقول: {فتربصوا به حتى حين} أي: انتظروا واصبروا إلى زمان حتى ينجلي أمره، فإن أفاق من جنونه، وإلا قتلتموه. {قال ربّ انصرني بما كذَّبونِ}، لمَّا أيس من إيمانهم دعا الله بالانتقام منهم، فالجملة استئناف نشأ عن سؤال، كأنه قيل: فماذا قال عليه السلام، بعدما سمع هذه الأباطيل؟ فقيل: قال، لما رآهم قد أصروا على الكفر والتكذيب، وتمادوا في الغواية والضلال، حتى أيس من إيمانهم بالكلية وقد أوحى إليه أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن: {رب انصرني} بإهلاكهم بالمرة، فهو حكاية إجمالية لقوله: {أية : لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً} تفسير : [نوح: 26]. {بما كذَّبون}؛ بسبب تكذيبهم إياي، أو بدل تكذيبهم، كقولك: هذا بذاك، أي: بدل ذاك, والمعنى: أبدلني من غم تكذيبهم سلَوة النصر عليهم. {فأوحينا إليه}؛ أجبنا دعاءه وأوحينا إليه عند ذلك {أَنِ اصنعِ الفُلكَ بأعيننا} أي: ملتبساً بحفظنا وكلاءتنا، كأنَّ معك حُفاظنا يكلؤونك بأعينهم، لئلا يتعرض لك أحد، يفسد عملك، ومنه قولهم: عليه من الله عيون كالئة، {ووَحْينا} أي: أمرنا وتعليمنا إياك صنعتها. رُوي: أنه أوحى إليه أن يصنعها مثل جُؤْجؤ الطائر. وفي القاموس جُؤجؤ - كَهُدْهُد-: الصدرُ. {فإذا جاء أَمْرُنا} أي: عذابنا بأمرنا، {وفار التنُّور} أي: فار الماء من تنور الخبز، فخرج سبب الغرق من موضع الحرق؛ ليكون أبلغ في الإنذار والإعتبار. رُوي أنه قيل لنوح: إذا رأيت الماء يفور من التنور؛ فاركب أنت وأهلك السفينة، فلما نبع الماء من التنور؛ أخبرته امرأته، فركب، وكان التنور تنورَ آدم، فصار إلى نوح، وكان من حجارة. واختلف في مكانه، فقيل: في مسجد الكوفة عن يمين الداخل، وقيل: بالشام، وقيل: بالهند. فإذا فار {فاسْلُكْ فيها}: فَأَدْخِلْ في السفينة {من كل زوجين اثنين}؛ من كل أمة اثنين مزدوجين، ذكر وأنثى. قال الحسن: لم يحمل نوح في السفينة إلا ما يلد ويبيض، فأما البق والدود والزباب، فلم يحمل منه شيئاً، وإنما يخرج من الطير. هـ. {و} احمل في السفينة {أهلَك}؛ نساءك وأولادك، أو من آمن معك، {إلا من سبق عليه القولُ منهم} أي: القول من الله بهلاكه، وهو ابنه وإحدى زوجتيه، وإنما جيء بعلى؛ لكون السابق ضاراً، كما جيء باللام في قوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ} تفسير : [الأنبياء: 101]، {أية : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ}تفسير : [الصافات: 171]؛ لكونه نافعاً، ونحوه: {أية : لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ} تفسير : [البقرة: 286]، {ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون} أي: لا تسألني نجاة الذين كفروا، إنهم مقضى عليهم بالإغراق لا محالة؛ لظلمهم بالإشراك والإصرار، ومَنْ هذا شأنه لا يُشفع له، وكأنه عليه السلام ندم على الدعاء عليهم، حين تحقق هلاكهم، فهَمَّ بمراجعة الحق فيهم؛ شفقة ورحمة، فَنُهي عن ذلك. ثم قال له: {فإِذا استويتَ أنت ومن معك على الفُلْك}؛ فإذا تمكنتم عليها راكبين {فقل الحمد لله الذي نجَّانا من القوم الظالمين}، أُمر بالحمد على هلاكهم والنجاة منهم على طريق: {أية : فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [الأنعام: 45]. ولم يقل: فقولوا، وإن كان أهله ومن معه قد استووا معه؛ لأنه نبيهم وإمامهم، فكان قوله قولَهم، مع ما فيه من الإشعار بفضل النبوة. {وقل ربِّ أنزلني} في السفينة، أو منها {مُنْزَلاً مباركاً} أي: إنزالاً مباركاً، أو موضع إنزال يستتبع خيراً كثيراً، {وأنت خير المُنزِلين}؛ خير من ينزل في كل خير، أُمر عليه السلام بأن يشفع دعاءه بما يطابقه من ثنائه عليه تعالى، توسلاً به إلى إجابة دعائه، فالبركة في السفينة: النجاة فيها، وبعد الخروج منها: كثرة النسل وتتابع الخيرات، {إِنَّ في ذلك} فيما فعل بنوح وقومه {لآياتِ}: لعبراً ومواعظ، {وإن كنا} أي: وإن الشأن والقصة كنا {لمبتلين}: مُصيبين قوم نوح ببلاء عظيم وعقاب شديد، أو: مختبرين بهذه الآيات عبادنا، لننظر من يعتبر ويذكر، كقوله: {أية : وَلَقَدْ تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} تفسير : [القمر: 15]. والله تعالى أعلم. الإشارة: تقدمت إشارة هذه القصة مراراً بتكررها، وفيها تسلية لمن أوذي من الأولياء بقول قبيح أو فعل ذميم. وقال القشيري في قوله: {وقل رب أنزلني منزلاً مباركاً}: الإنزال المبارك: أن تكون بالله ولله على شهود الله، من غير غفلة عن الله، ولا مخالفة لأمر الله. هـ. ثمَّ ذكر قصة هودٍِ أو صالح

الجنابذي

تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ} لمّا ذكر صنعه فى خلق الانسان وتدبيره لامكان بقائه ونبّهه على بقائه بعد موته ذكر غاية النّعم واصلها واشرفها وهى ارسال الرّسل للهداية الى خير السّبل ليكون بقاؤه اتمّ بقاءٍ وعلى اشرف انحاء البقاء {فَقَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} قرئ غيره بالرّفع والجرّ {أَفَلاَ تَتَّقُونَ} أى اتعبدون الاصنام فلا تتّقون سخطه.

الهواري

تفسير : قوله: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّن إلهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ فَقَالَ المَلأُ الذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} يقوله بعضهم لبعض: {يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ} أي: بالرسالة، وما له عليكم من فضل. قال: {وَلَوْ شَآءَ اللهُ لأَنْزَلَ مَلآئِكَةً} ولو أنزل ملائكة لآمنا بهم. {مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي ءَابَآئِنَا الأَوَّلِينَ} أي: أن رجلاً ادّعى النبوّة. {إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ} أي: جنون {فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ} قال بعضهم: حتى يموت، وقال بعضهم: حتى يستبين جنونه. {قَالَ} أي: نوح {رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ} وقال في آية أخرى: (أية : إِنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ) تفسير : [القمر: 10]. قال: {فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحَيِنَا فَإِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا} أي: فاحمل فيها {مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ} وقد فسّرنا ذلك في سورة هود. قوله: {وَأَهْلَكَ} أي: واحمل فيها أهلك {إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنْهُمْ} أي: ابنه الذي غرق. والقول: الغضب {وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الذِينَ ظَلَمُوا} أي: [ولا تراجعني في الذين ظلموا] {إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ}. قوله: {فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الفُلْكِ} وكان معه امرأته، وثلاثة بنين له: سام وحام ويافث، ونساؤهم، فجميع من كان في السفينة ثمانية. {فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الذِي نَجَّانَا مِنَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ} أي: المشركين. وقال في آية أخرى: (أية : وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللهِ مَجْراهَا وَمُرْسَاهَآ إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) تفسير : [هود: 41]. قال بعضهم: قد بَيَّن الله لكم ما تقولون إذا ركبتم في البر، وما تقولون إذا ركبتم في البحر، إذا ركبتم في البرّ قلتم: (أية : سُبْحَانَ الذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّآ إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ) تفسير : [الزخرف: 13-14] وإذا ركبتم في البحر قلتم: {بِسْمِ اللهِ مَجْراهَا وَمُرْسَاهَآ إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}.

اطفيش

تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ} هذا وما بعده بيان يكف ان الناس ما انعم الله عليكم * {مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} اله مبتدأ خبره الظرف قبله أو فاعل للظرف و (من) للتأكيد وغير معطوف على محل اله وقرأ الكسائي بجره عطفا على اللفظ والجملة كالتعليل اي اعبدوه انه لا اله لكم غيره * {أَفَلاَ تَتَّقُونَ} تحذرون بان ترك الاشراك والمعصية ان يزيل عنكم نعمه ويعذبكم بعبادة غيره وكفر نعمه التي لا تحصى وفيه تعريض لقريش.

الالوسي

تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ} شروع في بيان إهمال الناس وتركهم النظر والاعتبار فيما عدد سبحانه من النعم وما حاقهم من زوالها وفي ذلك تخويف لقريش. وتقديم قصة نوح عليه السلام على سائر القصص مما لا يخفى وجهه، وفي إيرادها إثر قوله تعالى: { أية : وَعَلَيْهَا وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ } تفسير : [المؤمنون:22] من حسن الموقع ما لا يوصف، وتصديرها بالقسم لإظهار كمال الاعتناء بمضمونها، والكلام في نسب نوح عليه السلام وكمية لبثه في قومه ونحو ذلك قد مر، والأصح أنه عليه السلام لم تكن رسالته عامة بل أرسل إلى قوم مخصوصين {فَقَالَ} متعطفاً عليهم ومستميلاً لهم إلى الحق {يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ} أي اعبدوه وحده كما يفصح عنه قوله تعالى في سورة [هود: 26] { أية : أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ ٱللَّهَ } تفسير : وترك التقييد به للإيذان بأنها هي العبادة فقط وأما العبادة مع الإشراك فليست من العبادة في شيء رأساً، وقوله تعالى: {مَا لَكُم مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} استئناف مسوق لتعليل العبادة المأمور بها أو تعليل الأمر بها، و {غَيْرُهُ} بالرفع صفة لإلٰه باعتبار محله الذي هو الرفع على أنه فاعل ـ بلكم ـ أو مبتدأ خبره {لَكُمْ} أو محذوف و {لَكُمْ} للتخصيص والتبيين أي ما لكم في الوجود إلٰه غيره تعالى. وقرىء {غَيْرُهُ} بالجر اعتباراً للفظ {إِلَـٰهٍ}. {أَفَلاَ تَتَّقُونَ} الهمزة لإنكار الواقع واستقباحه والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام أي أتعرفون ذلك أي مضمون قوله تعالى {مَا لَكُم مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ } فلا تتقون عذابه تعالى الذي يستوجبه ما أنتم عليه من ترك عبادته سبحانه وحده وإشراككم به عز وجل في العبادة ما لا يستحق الوجود لولا إيجاد الله تعالى إياه فضلاً عن استحقاق العبادة فالمنكر عدم الاتقاء مع تحقق ما يوجبه، ويجوز أن يكون التقدير ألا تلاحظون فلا تتقون فالمنكر كلا الأمرين فالمبالغة حينئذٍ في الكمية وفي الأول في الكيفية، وتقدير مفعول {تَتَّقُونَ} حسبما أشرنا إليه أولى من تقدير بعضهم إياه زوال النعم ولا نسلم أن المقام يقتضيه كما لا يخفى.

سيد قطب

تفسير : ينتقل في هذا الدرس من دلائل الإيمان في الأنفس والآفاق، إلى حقيقة الإيمان التي جاء بها الرسل جميعاً؛ ويبين كيف كان استقبال الناس لهذه الحقيقة الواحدة التي لا تتبدل على مدار الزمان، وتعدد الرسالات، وتتابع الرسل، من لدن نوح ـ عليه السلام ـ فإذا نحن نشهد موكب الرسل، أو امة الرسل، وهم يلقون إلى البشرية بالكلمة الواحدة، ذات المدلول الواحد، والاتجاه الواحد، حتى ليوحد ترجمتها في العربية ـ وقد قيلت بشتى اللغات التي أرسل بها الرسل إلى أقوامهم ـ فإذا الكلمة التي قالها نوح ـ عليه السلام ـ هي ذاتها بنصها يقولها كل من جاء بعده من المرسلين، فتجيب البشرية جواباً واحداً، تكاد الفاظه تتحد على مر القرون! {ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه، فقال: يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إلـه غيره. أفلا تتقون؟ فقال الملأ الذين كفروا من قومه: ما هـذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم، ولو شاء الله لأنزل ملائكة، ما سمعنا بهـذا في آبائنا الأولين. إن هو إلا رجل به جنة، فتربصوا به حتى حين}.. {يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره}.. كلمة الحق التي لا تتبدل، يقوم عليها الوجود، ويشهد بها كل ما في الوجود {أفلا تتقون؟} وتخافون عاقبة الإنكار للحقيقة الأولى التي تقوم عليها الحقائق جميعاً؟ وتستشعرون ما في إنكارها من تجن على الحق الباهر، وما يعقب التجني من استحقاق للعذاب الأليم؟ ولكن كبراء قومه من الكفار لا يناقشون هذه الكلمة؛ ولا يتدبرون شواهدها، ولا يستطيعون التخلص من النظرة الضيقة المتعلقة بأشخاصهم وبشخص الرجل الذي يدعوهم، ولا يرتفعون إلى الأفق الطليق الذي ينظرون منه إلى تلك الحقيقة الضخمة مجردة عن الأشخاص والذوات.. فإذا هم يتركون الحقيقة الكبرى التي يقوم عليها الوجود، ويشهد به كل ما في الوجود، ليتحدثوا عن شخص نوح: {فقال الملأ الذين كفروا من قومه: ما هـذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم}! من هذه الزاوية الضيقة الصغيرة نظر القوم إلى تلك الدعوة الكبيرة، فما كانوا إذن ليدركوا طبيعتها ولا ليروا حقيقتها؛ وذواتهم الصغيرة الضئيلة تحجب عنهم جوهرها، وتعمي عليهم عنصرها، وتقف حائلاً بين قلوبهم وبينها؛ فإذا القضية كلها في نظرهم قضية رجل منهم لا يفترق في شيء عنهم، يريد أن يتفضل عليهم، وأن يجعل لنفسه منزلة فوق منزلتهم! وهم في اندفاعهم الصغير لرد نوح عن المنزلة التي يتوهمون انه يعمل لها، ويتوسل إليها بدعوى الرسالة.. في اندفاعهم هذا الصغير لا يردون فضل نوح وحده، بل يردون فضل الإنسانية التي هم منها؛ ويرفضون تكريم الله لهذا الجنس؛ ويستكثرون أن يرسل الله رسولاً من البشر، إن يكن لا بد مرسلاً: {ولو شاء الله لأنزل ملائكة}.. ذلك أنهم لا يجدون في أرواحهم تلك النفحة العلوية التي تصل البشر بالملأ الأعلى؛ وتجعل المختارين من البشرية يتلقون ذلك الفيض العلوي ويطيقونه، ويحملونه إلى إخوانهم من البشر، فيهدونهم إلى مصدره الوضيء. وهم يحيلون الأمر إلى السوابق المألوفة لا إلى العقل المتدبر: {ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين}.. ومثل هذا يقع دائماً عندما يطمس التقليد على حركة الفكر وحرية القلب. فلا يتدبر الناس ما هو بين أيديهم من القضايا، ليهتدوا على ضوء الواقع إلى حكم مباشر عليها. إنما هم يبحثون في ركام الماضي عن "سابقة" يستندون إليها؛ فإن لم يجدوا هذه السابقة رفضوا القضية وطرحوها! وعند هذه الجماعات الجاحدة الخامدة أن ما كان مرة يمكن ان يكون ثانية. فأما الذي لم يكن فإنه لا يمكن أن يكون! وهكذا تجمد الحياة، وتقف حركتها، وتتسمر خطاها، عند جيل معين من {آبائنا الأولين}! ويا ليتهم يدركون أنهم جامدون متحجرون، إنما هم يتهمون دعاة التحرر والانطلاق بالجنون. وهم يدعونهم إلى التدبر والتفكر، والتخلية بين قلوبهم ودلائل الإيمان الناطقة في الوجود. فإذا هم يتلقون هذه الدعوة بالتبجح والاتهام: {إن هو إلا رجل به جنة، فتربصوا به حتى حين}.. أي إلى أن يأخذه الموت، ويريحكم منه، ومن دعوته، ومن إلحاحه عليكم بالقول الجديد! عندئذ لم يجد نوح ـ عليه السلام ـ منفذاً إلى تلك القلوب الجامدة المتحجرة؛ ولم يجد له موئلاً من السخرية والأذى، إلا أن يتوجه إلى ربه وحده، يشكو إليه ما لقيه من تكذيب ويطلب منه النصر بسبب هذا التكذيب: {قال: رب انصرني بما كذبون}.. وعندما يتجمد الأحياء على هذا النحو، وتهم الحياة بالحركة إلى الأمام، في طريق الكمال المرسوم، فتجدهم عقبة في الطريق.. عندئذ إما إن تتحطم هذه المتحجرات؛ وإما أن تدعها الحياة في مكانها وتمضي.. والأمر الأول هو الذي حدث لقوم نوح. ذلك أنهم كانوا في فجر البشرية وفي أول الطريق؛ فشاءت إرادة الله أن تطيح بهم من الطريق: {فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا، فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين، وأهلك ـ إلا من سبق عليه القول منهم ـ ولا تخاطبني في الذين ظلموا. إنهم مغرقون}.. وهكذا مضت سنة الله في تطهير الطريق من العقبات المتحجرة لتمضي الحياة في طريقها المرسوم. ولما كانت البشرية قد أسنت على عهد نوح، وجمدت كالشجرة الناشئة تعوقها الآفة عن النمو فتيبس وتعجز وهي رقيقة العود.. كان العلاج هو الطوفان، الذي يجتبُّ كل شيء، ويجرف كل شيء. ويغسل التربة، لتعاد بذرة الحياة السليمة من جديد، فتنشأ على نظافة، فتمتد وتكبر حتى حين: {فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا}.. والفلك وسيلة للنجاة من الطوفان، ولحفظ بذور الحياة السليمة كما يعاد بذرها من جديد. وقد شاء الله أن يصنع نوح الفلك بيده، لأنه لا بد للإنسان من الأخذ بالأسباب والوسائل، وبذل آخر ما في طوقه، ليستحق المدد من ربه. فالمدد لا يأتي للقاعدين المستريحين المسترخين، الذين ينتظرون ولا يزيدون شيئاً على الانتظار! ونوح قدر الله له أن يكون أبا البشر الثاني؛ فدفع به إلى الأخذ بالأسباب؛ مع رعاية الله له، وتعليمه صناعه الفلك، ليتم أمر الله، وتتحقق مشيئته عن هذا الطريق. وجعل الله له علامة للبدء بعملية التطهير الشاملة لوجه الأرض المؤوف: {فإذا جاء أمرنا وفار التنور} وانبجس منه الماء، فتلك هي العلامة ليسارع نوح، فيحمل في السفينة بذور الحياة: {فاسلك فيها من كل زوجين اثنين}.. من أنواع الحيوان والطيور والنبات المعروفة لنوح في ذلك الزمان، الميسرة كذلك لبني الإنسان {وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم} وهم الذين كفروا وكذبوا، فاستحقوا كلمة الله السابقة، وسنته النافذة، وهي الهلاك للمكذبين بآيات الله. وصدر الأمر الأخير لنوح ألا يجادل في أمر أحد، ولا يحاول إنقاذ أحد ـ ولو كان أقرب الأقربين إليه ـ ممن سبق عليهم القول. {ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون}. فسنة الله لا تحابي، ولا تنحرف عن طريقها الواحد المستقيم، من أجل خاطر ولي ولا قريب! ولا يفصل هنا ما حدث للقوم بعد هذا الأمر. فقد قضي الأمر، وتقرر: {إنهم مغرقون} ولكنه يمضي في تعليم نوح ـ عليه السلام ـ كيف يشكر نعمة ربه، وكيف يحمد فضله، وكيف يستهديه طريقه: {فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك، فقل: الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين. وقل: رب أنزلني منزلاً مباركاً، وأنت خير المنزلين}.. فهكذا يحمد الله، وهكذا يتوجه إليه، وهكذا يوصف ـ سبحانه ـ بصفاته، ويعترف له بآياته. وهكذا يتأدب في حقه العباد، وفي طليعتهم النبيون، ليكونوا أسوة للآخرين. ثم يعقب على القصة كلها، وما تتضمنه خطواتها من دلائل القدرة والحكمة: {إن في ذلك لآيات، وإن كنا لمبتلين}.. والابتلاء ألوان. ابتلاء للصبر. وابتلاء للشكر. وابتلاء للأجر. وابتلاء للتوجيه. وابتلاء للتأديب. وابتلاء للتمحيص. وابتلاء للتقويم.. وفي قصة نوح ألوان من الابتلاء له ولقومه ولأبنائه القادمين.. ويمضي السياق يعرض مشهداً آخر من مشاهد الرسالة الواحدة والتكذيب المكرور: {ثم أنشأنا من بعدهم قرناً آخرين. فأرسلنا فيهم رسولاً منهم أن اعبدوا الله ما لكم من إلـه غيره. أفلا تتقون؟ وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة، وأترفناهم في الحيـاة الدنيا: ما هـذا إلا بشر مثلكم، يأكل مما تأكلون منه، ويشرب مما تشربون. ولئن أطعتم بشراً مثلكم إنكم إذاً لخاسرون. أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم تراباً وعظاما أنكم مخرجون؟ هيهات هيهات لما توعدون! إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا، وما نحن بمبعوثين. إن هو إلا رجل افترى على الله كذباً، وما نحن له بمؤمنين. قال: رب انصرني بما كذبون. قال: عما قليل ليصبحن نادمين. فأخذتهم الصيحة بالحق فجعلناهم غثاء. فبعداً للقوم الظالمين}.. إن استعراض قصص الرسل في هذه السورة ليس للتقصي والتفصيل؛ إنما هو لتقرير الكلمة الواحدة التي جاء بها الجميع، والاستقبال الواحد الذي لقوه من الجميع. ومن ثم بدأ بذكر نوح ـ عليه السلام ـ ليحدد نقطة البدء؛ وانتهى بموسى وعيسى ليحدد النقطة الأخيرة قبل الرسالة الأخيرة. ولم يذكر الأسماء في وسط السلسلة الطويلة، كي يدل على تشابه حلقاتها بين البدء والنهاية. إنما ذكر الكلمة الواحدة في كل حلقة والاستقبال الواحد، لأن هذا هو المقصود. {ثم أنشأنا من بعدهم قرناً آخرين}.. لم يحدد من هم. وهم على الأرجح عاد قوم هود.. {فأرسلنا فيهم رسولاً منهم أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره. أفلا تتقون؟}.. ذات الكلمة الواحدة التي قالها من قبله نوح. يحكيها بالألفاظ ذاتها، مع اختلاف اللغات التي كانت تتخاطب بها القرون! فماذا كان الجواب؟ إنه الجواب ذاته على وجه التقريب: {وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقآء الآخرة، وأترفناهم في الحيـاة الدنيا: ما هـذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون. ولئن أطعتم بشراً مثلكم إنكم إذاً لخاسرون}.. فالاعتراض المكرور هو الاعتراض على بشرية الرسول. وهو الأعتراض الناشئ من انقطاع الصلة بين قلوب هؤلاء الكبراء المترفين، وبين النفخة العلوية التي تصل الإنسان بخالقه الكريم. والترف يفسد الفطرة، ويغلظ المشاعر، ويسد المنافذ، ويفقد القلوب تلك الحساسية المرهفة التي تتلقى وتتأثر وتستجيب. ومن هنا يحارب الإسلام الترف؛ ويقيم نظمه الاجتماعية على أساس لا يسمح للمترفين بالوجود في الجماعة المسلمة، لأنهم كالعفن يفسد ما حوله، حتى لينخر فيه السوس، ويسبح فيه الدود! ثم يزيد المترفون هنا إنكار البعث بعد الموت والبلى؛ ويعجبون من هذا الرسول الذي ينبئهم بهذا الأمر الغريب. {أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً أنكم مخرجون؟ هيهات هيهات لما توعدون: إن هي إلا حياتنا الدنيا، نموت ونحيا، وما نحن بمبعوثين}.. ومثل هؤلاء لا يمكن أن يدركوا حكمة الحياة الكبرى؛ ودقة التدبير في أطوارها للوصول بها إلى غايتها البعيدة. هذه الغاية التي لا تتحقق بكمالها في هذه الأرض. فالخير لا يلقى جزاءه الكامل في الحياة الدنيا. والشر كذلك. إنما يستكملان هذا الجزاء هنالك، حيث يصل المؤمنون الصالحون إلى قمة الحياة المثلى، التي لا خوف فيها ولا نصب، ولا تحول فيها ولا زوال - إلا أن يشاء الله - ويصل المرتكسون المنتكسون إلى درك الحياة السفلية التي تهدر فيها آدميتهم، ويرتدون فيها أحجاراً، أو كالأحجار! مثل هؤلاء لا يدركون هذه المعاني؛ ولا يستدلون من أطوار الحياة الأولى ـ التي سبقت في السورة ـ على أطوارها الأخيرة؛ ولا ينتبهون إلى أن القوة المدبرة لتلك الأطوار لا تقف بالحياة عند مرحلة الموت والبلى كما يظنون.. لذلك هم يستعجبون ويعجبون من ذلك الذي يعدهم أنهم مخرجون؛ ويستبعدون في جهالة أن ذلك يكون؛ ويجزمون في تبجح بأن ليس هنالك إلا حياة واحدة وموت واحد. يموت جيل ويحيا بعده جيل. فأما الذين ماتوا، وصاروا تراباً وعظاماً، فهيهات هيهات الحياة لهم، كما يقول ذلك الرجل الغريب! وهيهات هيهات البعث الذي يعدهم به، وقد صاروا عظاماً ورفاتاً! ثم إنهم لا يقفون عند هذه الجهالة، والغفلة عن تدبر حكمة الحياة التي تكشف عنها أطوارها الأولى.. لا يقفون عند هذه الجهالة، إنما هم يتهمون رسولهم بالافتراء على الله. ولا يعرفون الله إلا في هذه اللحظة، ولهذا الغرض من اتهام الرسول: {إن هو إلا رجل افترى على الله كذباً، وما نحن له بمؤمنين}.. عندئذ لم يجد الرسول إلا أن يستنصر ربه كما استنصره من قبله نوح. وبالعبارة ذاتها التي توجه بها إلى ربه نوح: {قال: رب انصرني بما كذبون}.. وعندئذ وقعت الاستجابة، بعد أن استوفى القوم أجلهم؛ ولم يعد فيهم خير يرجى بعد العناد والغفلة والتكذيب: {قال: عما قليل ليصبحن نادمين}.. ولكن حيث لا ينفع الندم، ولا يجدي المتاب: {فأخذتهم الصيحة بالحق، فجعلناهم غثاء}.. والغثاء ما يجرفه السيل من حشائش وأعشاب وأشياء مبعثرة، لا خير فيها، ولا قيمة لها، ولا رابط بينها.. وهؤلاء لما تخلوا عن الخصائص التي كرمهم الله بها، وغفلوا عن حكمة وجودهم في الحياة الدنيا، وقطعوا ما بينهم وبين الملأ الأعلى.. لم يبق فيهم ما يستحق التكريم؛ فإذا هم غثاء كغثاء السيل، ملقى بلا احتفال ولا اهتمام وذلك من فرائد التعبير القرآني الدقيق. ويزيدهم على هذه المهانة، الطرد من رحمة الله، والبعد عن اهتمام الناس: {فبعداً للقوم الظالمين}.. بعداً في الحياة وفي الذكرى. في عالم الواقع وفي عالم الضمير.. ويمضي السياق بعد ذلك في استعراض القرون: {ثم أنشأنا من بعدهم قروناً آخرين. ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون. ثم أرسلنا رسلنا تترا. كلما جآء أمة رسولها كذبوه. فأتبعنا بعضهم بعضاً، وجعلناهم أحاديث. فبعداً لقوم لا يؤمنون}.. هكذا في إجمال، يلخص تاريخ الدعوة، ويقرر سنة الله الجارية، في الأمد الطويل بين نوح وهود في أول السلسلة، وموسى وعيسى في أواخرها.. كل قرن يستوفي أجله ويمضي: {ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون}. وكلهم يكذبون: {كلما جاء أمة رسولها كذبوه}. وكلما كذب المكذبون أخذتهم سنة الله: {فأتبعنا بعضهم بعضاً}. وبقيت العبرة ماثلة في مصارعهم لمن يعتبرون: {وجعلناهم أحاديث} تتناقلها القرون. ويختم هذا الاستعراض الخاطف المجمل باللعنة والطرد والاستبعاد من العيون والقلوب: {فبعداً لقوم لا يؤمنون}. ثم يجمل قصة موسى في الرسالة والتكذيب لتتمشى مع نسق العرض وهدفه المقصود: {ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين، إلى فرعون وملئه فاستكبروا وكانوا قوماً عالين. فقالوا: أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون؟ فكذبوهما فكانوا من المهلكين}. ويبرز في هذا الاستعراض الاعتراض ذاته على بشرية الرسل: {فقالوا: أنؤمن لبشرين مثلنا}. ويزيد عليه تلك الملابسة الخاصة بوضع بني إسرائيل في مصر: {وقومهما لنا عابدون} مسخرون خاضعون. وهي أدعى ـ في اعتبار فرعون وملئه ـ إلى الاستهانة بموسى وهارون! فأما آيات الله التي معهما، وسلطانه الذي بأيديهما، فكل هذا لا إيقاع له في مثل تلك القلوب المطموسة، المستغرقة في ملابسات هذه الأرض، وأوضاعها الباطلة، وقيمها الرخيصة. وإشارة مجملة إلى عيسى ابن مريم وأمه. والآية البارزة في خلقه. وهي كآيات موسى كذب بها المكذبون. {ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون. وجعلنا ابن مريم وأمه آية، وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين}.. وتختلف الروايات في تحديد الربوة المشار إليها في هذا النص.. أين هي؟ أكانت في مصر، أم في دمشق، أم في بيت المقدس.. وهي الأماكن التي ذهبت إليها مريم بابنها في طفولته وصباه ـ كما تذكر كتبهم ـ وليس المهم تحديد موضعها، إنما المقصود هو الإشارة إلى إيواء الله لهما في مكان طيب، ينضر فيه النبت، ويسيل فيه الماء، ويجدان فيه الرعاية والإيواء. وعندما يصل إلى هذه الحلقة من سلسلة الرسالات، يتوجه بالخطاب إلى أمة الرسل؛ وكأنما هم متجمعون في صعيد واحد، في وقت واحد، فهذه الفوارق الزمانية والمكانية لا اعتبار لها أمام وحدة الحقيقة التي تربط بينهم جميعاً: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً. إني بما تعملون عليم. وإن هـذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون}.. إنه نداء للرسل ليمارسوا طبيعتهم البشرية التي ينكرها عليهم الغافلون: {كلوا من الطيبات}.. فالأكل من مقتضيات البشرية عامة، أما الأكل من الطيبات خاصة فهو الذي يرفع هذه البشرية ويزكيها ويصلها بالملأ الأعلى. ونداء لهم ليصلحوا في هذه الأرض: {واعملوا صالحاً}.. فالعمل هو من مقتضيات البشرية كذلك. أما العمل الصالح فهو الذي يميز الصالحين المختارين؛ فيجعل لعملهم ضابطاً وهدفاً، وغاية موصولة بالملأ الأعلى. وليس المطلوب من الرسول أن يتجرد من بشريته، إنما المطلوب أن يرتقي بهذه البشرية فيه إلى أفقها الكريم الوضيء، الذي أراده الله لها، وجعل الأنبياء رواداً لهذا الأفق ومثلاً أعلى. والله هو الذي يقدر عملهم بعد ذلك بميزانه الدقيق: {إني بما تعملون عليم}. وتتلاشى آماد الزمان، وأبعاد المكان، أمام وحدة الحقيقة التي جاء بها الرسل. ووحدة الطبيعة التي تميزهم. ووحدة الخالق الذي أرسلهم. ووحدة الاتجاه الذي يتجهونه أجمعين: {وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون}..

ابن عاشور

تفسير : لما كان الاستدلال والامتنان اللذان تقدماً موجهيْن إلى المشركين الذين كفروا بالنبي صلى الله عليه وسلم واعتلوا لذلك بأنهم لا يؤمنون برسالة بشر مثْلهم وسألوا إنزال ملائكة ووسموا الرسول عليه الصلاة والسلام بالجنون، فلما شابهوا بذلك قوم نوح ومن جاء بعدهم ناسب أن يضرب لهم بقوم نوح مثلٌ تحذيراً مما أصاب قوم نوح من العذاب، وقد جرى في أثناء الاستدلال والامتنان ذكر الحمل في الفلك فكان ذلك مناسبة للانتقال فحصل بذلك حسن التخلص، فيعتبر ذكر قصص الرسل إما استطراداً في خلال الاستدلال على الوحدانيَّة، وإمَّا انتقالاً كما سيأتي عند قوله تعالى: { أية : وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار } تفسير : [المؤمنون: 78]. وتصدير الجملة بلام القسم تأكيد للمضمون التهديدي من القصة، فالمعنى تأكيد الإرسال إلى نوح وما عُقِّب به ذلك. وعطف مقالة نوح على جملة إرساله بفاء التعقيب لإفادة أدائه رسالة ربه بالفور من أمْره وهو شأن الامتثال. وأمْرُهُ قومَه بأن يعبدوا الله يقتضي أنهم كانوا معرضين عن عبادة الله بأن أقبلوا على عبادة أصنامهم (وُدّ، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر) حتى أهملوا عبادة الله ونسوها. وكذلك حكيت دعوة نوح قومه في أكثر الآيات بصيغة أمر بأصل عبادة الله دون الأمر بقصر عبادتهم على الله مع الدلالة على أنهم ما كانوا ينكرون وجود الله ولذلك عقب كلامه بقوله: {ما لكم من إلٰه غيره}. ويدل على هذا قولهم: {ولو شاء الله لأنزل ملائكة} فهم مثبتون لوجود الله، فجملة {ما لكم من إلٰه غيره} في موقع التعليل للأمر بعبادته وهو تعليل أخص من المعلَّل، وهو أوقع لما فيه من الإيجاز لاقتضائه معنى: اعبدوا الله وحده. فالمعنى: اعبدوا الله الذي تركتم عبادته وهو إلٰهكم دون غيره فلا يستحق غيرُه العبادة فلا تعبدوا أصنامكم معه. و{غيرهُ} نعت لــــ{إلٰه}. قرأه الجمهور بالرفع على اعتبار محل المنعوت بــــ(غير) لأن المنعوت مجرور بحرف جر زائد، وقرأه الكسائي بالجر على اعتبار اللفظ المجرور بالحرف الزائد. وفرع على الأمر بإفراده بالعبادة استفهامُ إنكار على عدم اتقائهم عذاب الله تعالى. وقد خولفت في حكاية جواب الملإ من قومه الطريقة المألوفة في القرآن في حكاية المحاورات وهي ترك العطف التي جرى عليها قوله: { أية : وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة } تفسير : في سورة البقرة (30). فعطف هنا جواب الملإ من قومه بالفاء لوجهين: أحدهما: أنهم لم يوجهوا الكلام إليه بل تركوه وأقبلوا على قومهم يفندون لهم ما دعاهم إليه نوح. والثاني: ليُفاد أنهم أسرعوا بتكذيبه وتزييف دعوته قبل النظر. ووصفُ الملإ بأنهم الذين كفروا للإيماء إلى أن كفرهم هو الذي أنطقهم بهذا الرد على نوح، وهو تعريض بأن مثل ذلك الرد لا نُهوض له ولكنهم روّجُوا به كفرهم خشية على زوال سيادتهم. وقوله: {من قومه} صفة ثانية. وقول الملأ من قومه: {ما هذا إلاّ بشر مثلكم} خاطب به بعْضُهُم بعضاً إذ الملأ هم القوم ذوو السيادة والشَّارة، أي فقال عظماء القوم لعامتهم. وإخبارهم بأنه بشر مثلهم مستعمل كناية عن تكذيبه في دعوى الرسالة بدليللٍ من ذاته، أوهموهم أن المساواة في البشرية مانعة من الوساطة بين الله وبين خلقه، وهذا من الأوهام التي أضلت أمما كثيرة. واسم الإشارة منصرف إلى نوح وهو يقتضي أن كلام الملإ وقع بحضرة نوح في وقت دعوته، فعدلوا من اسمه العلم إلى الإشارة لأن مقصودهم تصغير أمره وتحقيره لدى عامتهم كيلا يتقبلوا قوله، وقد تقدم نظير هذا في سورة هود. وزادت هذه القصة بحكاية قولهم: {يُريد أن يتفضل عليكم} فإن سادة القوم ظنوا أنه ما جاء بتلك الدعوة إلاّ حباً في أن يَسُود على قومهم فَخَشُوا أن تزول سيادتهم وهم بجهلهم لا يتدبرون أحوال النفوس ولا ينظرون مصالح الناس ولكنهم يقيسون غيرهم على مقياس أنفسهم. فلما كانت مطامح أنفسهم حبّ الرئاسة والتوسل إليها بالانتصاب لخدمة الأصنام توهموا أن الذي جاء بإبطال عبادة الأصنام إنما أراد منازعتهم سلطانهم. والتفضل: تكلف الفَضل وطلبه، والفضل أصله الزيادة ثم شاع في زيادة الشرف والرفعة، أي يريد أن يكون أفضل الناس لأنه نسبهم كلهم إلى الضلال. وقولهم: {ولو شاء الله لأنزل ملائكة} عطف على جملة {ما هذا إلاّ بشر مثلكم} بعد أن مهدوا له بأن البشرية مانعة من أن يكون صاحبها رسولاً لله، وحذف مفعول فعل المشيئة لظهوره من جواب (لو)، أي لو شاء الله إرسال رسول لأنزل ملائكة رُسُلاً، وحَذف مفعول المشيئة جائز إذا دلت عليه القرينة، وذلك من الإيجاز، ولا يختص بالمفعول الغريب مثلما قال صاحب «المفتاح»: ألا ترى قول المعري: شعر : وإن شئت فازعُم أنّ مَن فوقَ ظهرها عَبيدُكَ واستشهِدْ إلٰهك يَشْهَدِ تفسير : وهل أغرب من هذا الزعم لو كانت الغرابة مقتضية ذكرَ مفعول المشيئة. فلما دل عليه مفعول جواب الشرط حسن حذفه من فعل الشرط. وجملة {ما سمعنا بهذا في آبائنا الأوّلين} مستأنفة قَصدوا بها تكذيب الدعوة بعد تكذيب الداعي، فلذلك جيء بها مستأنفة غير معطوفة تنبيهاً على أنها مقصودة بذاتها وليست تكملة لها قبلها، بخلاف أسلوب عطف جملة: {ولو شاء الله لأنزل ملائكة} إذ كان مضمونُها من تمام غرض ما قبلها. فالإشارة بــــ{هذا} إلى الكلام الذي قاله نوح، أي ما سمعنا بأن ليس لنا إلٰه غير الله في مدة أجدادنا، فالمقصود بالإشارة معنى الكلام لا نفسه، وهو استعمال شائع. ولما كان حرف الظرفية يقتضي زمناً تعين أن يكون مدخوله على تقدير مضاف، أي في مدة آبائنا لأن الآباء لا يصلح للظرفية. والآباء الأولون هم الأجداد. ولما كان السماع المنفي ليس سماعاً بآذانهم لكلام في زمن آبائهم بل المراد ما بلغ إلينا وقوع مثل هذا في زمن آبائنا، عُدّي فعل {سمعنا} بالباء لتضمينه معنى الاتصال. جعلوا انتفاء علمهم بالشيء حجة على بطلان ذلك الشيء، وهو مجادلة سفسطائيَّة إذ قد يكون انتفاءُ العلم عن تقصير في اكتساب المعلومات، وقد يكون لعدم وجود سبب يقتضي حدوث مثله بأن كان الناس على حق فلم يكن داع إلى مخاطبتهم بمثل ذلك، وقد كان الناس من زمن آدم على الفطرة حتى حدث الشرك في الناس فأرسل الله نوحاً فهو أول رسول أرسل إلى أهل الأرض كما ورد في حديث الشفاعة. وجملة {إنْ هو إلاّ رجلٌ به جِنَّة} استئناف بياني لأن جميع ما قالوه يثير في نفوس السامعين أن يَتَساءلوا إذا كان هذا حال دعوته في البطلان والزيف فماذا دعاه إلى القول بها؟ فيجاب بأنه أصابه خلل في عقله فطلب ما لم يكن ليناله مثلُه من التفضل على الناس كلهم بنِسْبتهم إلى الضلال فقد طمع فيما لا يطمع عاقل في مثله فدل طمعه في ذلك على أنه مجنون. والتنوين في {جِنَّة} للنوعية، أي هو متلبس بشيء من الجنون، وهذا اقتصاد منهم في حاله حيث احترزوا من أن يورطوا أنفسهم في وصفه بالخبال مع أن المشاهد من حاله ينافي ذلك فأوهموا قومهم أن به جنوناً خفيفاً لا يبدو آثاره واضحةً. وقصروه على صفة المجنون وهو قصر إضافيّ، أي ليس برسول من الله. وفرعوا على ذلك الحكم أمراً لقومهم بانتظار ما ينكشف عنه أمره بعد زمانٍ: إمَّا شِفاء من الجِنَّة فيرجع إلى الرشد، أو ازدياد الجنون به فيتضح أمره فتعلموا أن لا اعتداد بكلامه. والحين: اسم للزمان غير المحدود. والتربص: التوقف عن عمل يُراد عمله والتريثُ فيه انتظاراً لما قد يغني عن العمل أو انتظاراً لفرصة تُمكِّن من إيقاعه على أتقن كيفية لنجَاحه، وهو فعل قاصر يتعدّى إلى المفعول بالباء التي هي للتعدية ومعناها السببية، أي كان تربص المتربص بسبب مدخول الباء. والمراد: بسبب ما يطرأ عليه من أحوال، فهو على نية مضاف حذف لكثرة الاستعمال، وقد تقدم عند قوله تعالى: { أية : ويتربَّصُ بِكُمُ الدوائرَ } تفسير : في سورة براءة (98) فانظره مع ما هنا.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً} إلى قوله {وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ}. قد تقدمت الإشارة إلى ما فيه من الآيات، التي لها بيان في مواضع متعددة فأغنى ذلك عن إعادته هنا.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: اعبدوا الله: أي وحدوه بالعبادة إذ ليس لكم من إله غيره. أفلا تتقون: أي أتعبدون معه غيره فغلا تخافون غضبه وعقابه. الملأ: أي أعيان البلاد وكبراء القوم. ما هذا إلا بشر مثلكم: أي ما نوح إلا بشر مثلكم فكيف تطيعونه بقبول ما يدعوكم إليه. أن يتفضل عليكم: أي يسودكم ويصبح آمراً ناهياً بينكم. ولو شاء الله لأنزل ملائكة: أي لو شاء الله إرسال رسول لأنزل ملائكة رسلا. رجل به جنة: أي مصاب بمس من جنون. فتربصوا به حتى حين: أي فلا تسمعوا له ولا تطيعوه وانتظروا به هلاكه أو شفاءه. معنى الآيات: هذا السياق بداية عدة قصص ذكرت على إثر قصة بدأ خلق الإِنسان الأول آدم عليه السلام فقال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً} أي قبلك يا رسولنا فكذبوه. كما كذبك قومك وإليك قصته إذ قال يا قوم اعبدوا الله أي وحدوه في العبادة، ولا تعبدوا معه غيره {مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} أي إذ ليس لكم من إله غيره يستحق عبادتكم. وقوله: {أَفَلاَ تَتَّقُونَ} أي أتعبدون معه غيره أفلا تخافون غضبه عليكم ثم عقابه لكم؟. فأجابه قومه المشركون بما أخبر تعالى به عنهم في قوله: {فَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ} أي فرد عليه قوله أشرافهم وأهل الحل والعقد فيهم من أغنياء وأعيان ممن كفروا من قومه {مَا هَـٰذَا} أي نوح {إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ} أي يسود ويشرف فادعى أنه رسول الله إليكم {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ} أي أن لا نعبد معه سواه {لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً} تخبرنا بذلك {مَّا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا} أي بالذي جاء به نوح ودعا إليه من ترك عبادة آلهتنا {فِيۤ آبَآئِنَا ٱلأَوَّلِينَ} أي لم يقل به أحد من أجدادنا السابقين {إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ} أي ما نوح إلا رجل به مس من جنون، وإلا لما قال هذا الذي يقول من تسفيهنا وتسفيه آبائنا {فَتَرَبَّصُواْ بِهِ حَتَّىٰ حِينٍ} أي انتظروا به أجله حتى يموت، ولا تتركوا دينكم لأجله وهنا وبعد قرون طويلة بلغت ألف سنة إلا خمسين شكا نوح إلى ربه وطلب النصر منه فقال ما أخبر تعالى به عنه {قَالَ رَبِّ ٱنصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ} أي أهلكهم بسبب تكذيبهم إياي وانصرني عليهم. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- إثبات النبوة المحمدية بذكر أخبار الغيب التي لا تعلم إلا من طريق الوحي. 2- تقرير التوحيد بذكر دعوة الرسل أقوامهم إليه. 3- بيان سنة من سنن البشر وهي أن دعوة الحق أول من يردها الكبراء من أهل الكفر. 4- بيان كيف يرد الظالمون دعوة الحق بإتهام الدعاة بما هم براء منه كالجنون وغيره من الاتهامات كالعمالة لفلان والتملق لفلان..

القطان

تفسير : الملأ: زعماء القوم. يتفضل عليكم: يدعي الفضل والسيادة. به جِنة: مجنون. فتربصوا: فانتظِروا. بأعيننا: بحفظنا ورعايتنا. فار التنور: نبع منه الماء بقوة، والتنور: فرن خاص يخبز فيه. فاسلك: فادخل. استويت: استقررت على الفلك. لمبتلين: لمختبرين. بعد ان عدّد سبحانه ما أنعم به على عباده في نشأتهم الأولى، وفي خلْق الماء لهم لينتفعوا به، وانشاء النبات وما فيه من الثمرات، وفي خلق الحيوان وما فيه من المنافع للانسان - ذكَر هنا ان كثيراً من الأمم قد أهملوا التدبر والاعتبار في هذا، فكفروا بهذه النعم، وجهلوا قدر المنعم بها، وعبدوا غيره، وكذّبوا رسلَه الذين أُرسِلوا اليهم... فأهلكهم الله بعذاب من عنده. وفي هذا إنذارٌ وتخويف لكل من ينحرف ويكذّب ويعبد غير الله. وقد مرّت قصةُ نوح في سورة هود بتفصيلٍ أوسعَ في الآيات 25 الى 49 ومر شرحها فلا داعي لتكرار ذلك، وانما اذكر موجَزا لبحثِ قيّم اورده الدكتور موريس بوكاي في كتابه "التوراة والإنجيل والقرآن والعلم" اذ يقول ما ملخصه: "الاصحاحات 6، 7، 8، من سفر التكوين مكَّرسةٌ لرواية الطوفان، ويشكل أدقّ روايتين غير موضوعيتين جنبا الى جنب.... والحقيقة أن في هذه الاصحاحات الثلاثة تناقضاتٍ صارخة. وتقول الرواية: إن الارض تغطّت حتى قمم الجبال وأعلى منها بالماء، وتدمَّرت الحياة كلها، وبعد سنةٍ خرجَ نوح من السفينة التي رست على جبلِ أراراط بعد الانحسار. وتقول الرواية اليهودية ان مدة الطوفان أربعون يوما، وتقول الرواية الكهنوتية ان المدة مئةٌ وخمسون يوما. ومعنى هذا ان البشريَّة قد أعادت تكوينها ابتداءً من أولاد نوح وزوجاتهم.... ان المعطيات التاريخية تثبت استحالة اتفاق هذه الرواية مع المعارِف الحديثة. فإذا كان الطوفان قد حدث قبل ثلاثة قرون من زمن ابراهيم، كما يوحي بذلك نصُّ سِفر التكوين في الانساب، فإن الطوفان يكون قد وقع في القرن 21 أو 22 قبل الميلاد. وفي العصر الحديث لا يمكن تصديق هذا التاريخ، إذ من المعلوم بأن حضاراتٍ متقدمةً بقيت آثارها خالدة قد نمت في هذه الفترة في بلاد ما بين النهرين وفي مصر. فكيف يكون الطوفان قد عمّ الأرضَ جميعها!! فالنصوص التوراتية إذنْ في تعارضٍ صريح مع المعارف الحديثة. وان وجود روايتين لنفس الحدَث، هذا بالاضافة الى التضارب الذي تحويانه - يوضح بصورةٍ قطعية ان ايدي البشَر قد حوّرت الكتب التوراتية. اما القرآن الكريم فان رواية الطوفان فيه كما يبسطها تختلف تماماً عن رواية التوراة، ولا تثير أيّ نقدٍ من وجهة النظر التاريخية. وذلك لاسباب بسيطة جداً، فالقرآن لا يحدد الطوفان بزمان، ولا يذكر كارثةً حلّت بالأرض قاطبة، ولكنه يذكر عقاباً سُلِّط على قومِ نوح دون سواهم، وهذا يدل دلالةً قاطعة على ان القرأن أُنزل بنوحي من عند الله". قراءات: قرأ أبو بكر: منزلا بفتح الميم وكسر الزاي، والباقون: منزلا بضم الميم وفتح الزاي. وقرأ حفص عن عاصم: من كلِ زوجين اثنين بتنوين كل. والباقون: من كل زوجين بالاضافة.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰقَوْمِ} (23) - لَقَدْ أَرْسَلَ اللهُ تَعَالَى نُوحاً عَلَيْهِ السَّلاَمُ إِلَى قَوْمِهِ لِيَدْعُوَهُم إِلَى عِبَادَةِ اللهِ تَعَالَى، وَيُحَذِّرَهُمْ مِنْ عَذَابِ اللهِ وَبَأْسِهِ الشَّدِيدِ، وَانْتِقَامِهِ مِمَّنْ أَشْرَكَ بِهِ، وخَالَفَ أَمْرَهُ، وَكَذَّبَ رُسُلَهُ، فَقَالَ لَهُمْ: يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَلَيْسَ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ، أَفَلاَ تَخَافُونَ عِقَابَهُ فَتَحْذَرُوا أَنْ تَعْبُدُوا مَعَهُ سِوَاهُ؟

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : بعد أنْ حدَّثنا القرآن الكريم عن خَلْق الإنسان وخَلْق الحيوان، وحدثنا عن بعض نعمه التي امتنّ بها علينا تدرج بنا إلى صناعة الفُلْك؛ لأنه قد يسأل سائل: وكيف تكون هذه الفُلْك أي: تخلق كالإنسان والحيوان بالتوالد، أم تنبت كالزرع؟ فأوضح الخالق سبحانه أنها وُجدت بالوحي في قوله تعالى: {أية : فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ أَنِ ٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا} تفسير : [المؤمنون: 27]. ومعنى {أية : بِأَعْيُنِنَا}تفسير : [المؤمنون: 27] أنها صنعة دقيقة، لم يترك فيها الحق سبحانه نبيَّه يفعل ما يشاء، إنما تابعه ولاحظه ووجَّهه إلى كيفية صناعتها والمواد المستخدمة فيها، كما قال سبحانه: {أية : وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ} تفسير : [القمر: 13] وهي الحبال، كانوا يربطون بها ألواح الخشب، ويضمون بعضها إلى بعض، أو المسامير تُشَدُّ بها الألواح بعضها إلى بعض. لكن، مهما أُحكِمَتْ ألواح الخشب بعضها إلى بعض، فلا بُدَّ أنْ يظل بينها مسامّ يتسرب منها الماء، فكيف نتفادى ذلك في صناعة الفُلْك خاصة في مراحلها البدائية؟ يقولون: لا بُدَّ لصانع الفُلْك أنْ يجفف الخشب جيداً قبل تصنيعه فإذا ما نزل الخشبُ الماءَ يتشرب منه، فيزيد حجمه فيسدّ هذه المسام تماماً، ولا يتسرب منها الماء. ومن عجائب القرآن ومعجزاته في مسألة الفُلْك قوله تعالى: {أية : وَلَهُ ٱلْجَوَارِ ٱلْمُنشَئَاتُ فِي ٱلْبَحْرِ كَٱلأَعْلاَمِ} تفسير : [الرحمن: 24] يعني: كالجبال العالية. وهذه الفُلْك لم تكُنْ موجودة وقت نزول القرآن إنما أخبر الله بها، مما يدل على أنه تعالى الذي امتنّ علينا بهذه النعمة، علم ما يمكن أن يتوصل إليه الإنسان من تطور في صناعة الفلك، وأنها ستكون عالية شاهقة كالجبال. وطالما أن الكلام معنا عن الفُلْك، فطبيعي ومن المناسب أن نذكر نوحاً عليه السلام؛ لأنه أول من اهتدى بالوحي إليه إلى صناعة الفُلْك، فقال سبحانه: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ ..} [المؤمنون: 23] لما تكلّم الحق سبحانه عما في الأنعام من نِعَم وفوائد، لكنها تؤول كلها - بل والدنيا معها - إلى زوال، أراد سبحانه أن يعطينا طرفاً من الحياة الباقية والنعيم الدائم الذي لا يزول فذكر منهج الله الذي أُرسِل به نوح، وهو واحد من أولي العَزْم من الرسل. والإرسال: هو أنْ يكلِّف مُرسِل مُرْسَلاً إلى مُرْسَل إليه، فالمكلف هو الحق سبحانه، والمكلف بالرسالة نوح عليه السلام، والمرسل إليهم هم قومه، والله لا يرسل إلى قوم إلا كانوا يهمونه، وكيف لا وهم عباده وخَلْقه، وقد جعلهم خلفاء له في الأرض؟ والذي خلق خَلْقاً، أو صنع صَنْعة لا بُدَّ أنْ يضع لها قانون صيانتها، لتؤدي مهمتها في الحياة، وتقوم بدورها على الوجه الأكمل، كما مثَّلنا لذلك - ولله تعالى المثل الأعلى - بصانع الثلاجة أو التلفزيون حين يضع معه كتالوجاً يحوي تعليمات التشغيل وطريقة الصيانة وكيفية إصلاح الأعطال. فالذي خلق الإنسان وجعله خليفة له في الأرض أَوْلَى بهذا القانون وأَوْلَى بصيانة خَلْقه؛ لذلك يقول سبحانه في الحديث القدسي: "حديث : يا ابن آدم، خلقت الأشياء كلها من أجلك، وخلقتُك من أجلي، فلا تشتغل بما هو لك عما أنت له" تفسير : يعني: ما دام كل شيء من أجلك يعمل لك ويُؤدِّي مهمته، فعليك أيضاً أن تؤدي مهمتك التي خلقتُك من أجلها. لذلك وضع لك ربُّك قانون صيانتك بافعل كذا ولا تفعل كذا، فعليك أن تلتزم الأمر فتؤديه فهو سِرُّ الجمال في الكون، وسِرُّ السعادة والتوافق في حركة الحياة، وعليك أن تجتنب النهي فلا تقربه؛ لأنه سيؤدي إلى قُبْح، وسيكشف عورة من عورات المجتمع، أما الأمور التي سكت عنها فأنت حُرٌّ فيها تفعل أو لا تفعل؛ لأن ذلك لا يأتي بقبيح في المجتمع، وهذه المسائل تُسمَّى المباحات، وقد تركها الله لحريتك واختيارك. والحق - تبارك وتعالى - لما استدعى الإنسان إلى هذا الكون خلق له مقومات حياته من مُقوِّمات استبقاء الحياة من طعام وشراب وهواء واستبقاء النوع بالتناسل، وقد شمل قانون الصيانة كل هذه المقومات، فنظمها وحدد ما يحل وما يحرم. فقال: كُلْ هذه ولا تأكل هذه، واشرب هذا ولا تشرب ذاك، ولو شاهدنا المخترعين في مسائل المادة نجد الصانع يحدد مقومات صنعته، فمثلاً هذا الجهاز يعمل على 110 فولت، وهذا يعمل 220 فولت، وهذه الآلة تعمل بالبنزين، وهذه بالسولار، فلو غيَّرت في هذه المقومات تفسد الآلة ولا تؤدي مهمتها. كذلك - ولله المثل الأعلى - عليك أن تلتزم بقانون ومنهج خالقك عز وجل، ولا تَحِدْ عنه، وإلا فسد حالك وعجزتَ عن أداء مهمتك في الحياة. فإن أردنا أن تستقيم لنا الخلافة التي خلقنا الله لها وهي خلافة مُصلحة لا مُفسدة، فعلينا بقانون الصيانة الذي وضعه لنا خالقنا عز وجل. لذلك، إنْ رأيت في المجتمع عورة ظاهرة في أي ناحية من نواحي الحياة فاعلم أنها نتيجة طبيعية للخروج عن منهج الله، وتعطيل حكم من أحكامه، فمثلاً حين ترى الفقراء والجوْعى والمحاويج فاعلم أن في الأمر تعطيلاً لحكم من أحكام الله، فهم إما كسالى لا يحاولون السَّعْي في مناكب الأرض، وإما غير قادرين حرمهم القادرون واستأثروا بالثروة دونهم. البعض يقول: إذا كان الحق سبحانه قد حرَّم علينا بعض الأشياء، فلماذا خلقها؟ ويُمثِّلون لذلك بالخنزير مثلاً وبالخمر. وخطأ هؤلاء أنهم يظنون أن كل شيء خُلِق ليُؤكل، وهذا غير صحيح؛ لأن الله تعالى خلق هذه الأشياء لمهمة تؤديها في الحياة، وليس بالضرورة أنْ تُؤكل، فالخنزير خلقه الله لينظف البيئة من القاذورات، لذلك لا تراه يأكل غيرها. أما الخمر فلم تُخلق خمراً، إنما هي ثمرة العنب الحلوة التي تؤكل طازجة، أخذها الإنسان وتدخّل في هذه الطبيعة وأفسدها بتخميره، فصار الحلال بذلك محرماً. نعود إلى قول الله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ ..} [المؤمنون: 23] القوم: هم الرجال، خاصة من المجتمع، وليس الرجال والنساء، بدليل قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ ..} تفسير : [الحجرات: 11] فالنساء في مقابل القوم أي: الرجال. ومن ذلك قول الشاعر: شعر : وَمَا أََدْرِي وسَوْفَ أَخَالُ أَدْرِي أَقَوْمٌ آلُ حِصنٍ أَمْ نِسَاءُ تفسير : لكْن هل أُرسِل نوح عليه السلام إلى الرجال دون النساء؟ أُرسِل نوح إلى الجميع، لكن ذُكِر القوم لأنهم هم الذين سيحملون معه أمر الدعوة ويسيحون بها، ويُبلّغونها لمن لهم ولاية عليهم من النساء، والرجال مَنُوط بهم القيام بمهام الأمور في عمارة الكون وصلاحه. والإضافة في {قَوْمِهِ ..} [المؤمنون: 23] بمعنى اللام يعني: قوم له؛ لأن الإضافة تأتي بمعنى من مثل: أردب قمح يعني من قمح، وبمعنى في مثل: مكر الليل يعني في الليل، وبمعنى اللام مثل: قلم زيد يعني لزيد. فالمعنى هنا: قوم له؛ لأنه منهم ومأمون عليهم ومعروف لهم سيرته الأولى، فإذا قال لهم لا يتهمونه، إذن: فمن رحمة الله بالخَلْق أن يرسل إليهم واحداً منهم، كما قال سبحانه: {أية : لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ ..} تفسير : [التوبة: 128] ففي هذا إيناس وإلْفٌ للقوم على خلاف ما إنْ كان الرسول مَلَكَاً مثلاً، فإن القوم يستوحشونه ولا يأنسون إليه. لذلك، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يُسمَّى بين قومه وقبل بعثته بالصادق الأمين؛ لأنه معروف لهم ماضيه وسيرته ومُقوِّمات حياته تُشجِّع على أنْ يُصدِّقوه فيما جاء به، وكيف يصدقونه في أمر الدنيا، ولا يُصدقونه في البلاغ عن الله؟ إذن: {إِلَىٰ قَوْمِهِ} [المؤمنون: 23] أننا لم نأْتِ لكم برسول من جنس آخر، ولا من قبيلة أخرى، بل منكم، وتعرفون ماضيه وتاريخه، فتأنسون بما يجيء به، ولا تقفون منه موقف العداء. أو يكون المعنى: إلى قوم منه؛ لأنهم لا يكونون قوماً قوّامين على شئون إصلاح الحياة، إلا إذا استمعوا منهجه، فهم منه؛ لأنهم سيأخذون منه منهج الله. ثم يقول سبحانه: {فَقَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ ..} [المؤمنون: 23] (يا قوم) استمالة وتحنين لهم {ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ ..} [المؤمنون: 23] والعبادة طاعة عابد لأمر معبود، والعبادة تقتضي تكليفاً بأمر ونهي. فالألوهية تكليف وعبادة، أما الربوبية فعطاء وتربية؛ لذلك قال سبحانه {أية : هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} تفسير : [هود: 34] أي: ربكم جميعاً: ربّ المؤمن، وربّ الكافر، ربّ الطائع، ورب العاصي. وكما قلنا: الشمس والقمر والأرض والمطر .. الخ كلها تخدم الجميع، لا فرْقَ بين مؤمن وكافر؛ لأن ذلك عطاء الربوبية، وإنْ سألت الكافر الجاحد: من خلقك؟ من رزقك؟ فلن يملك إلا أن يقول: الله، إذن: فليخْزَ هؤلاء على أعراضهم، وليعلموا أنه تعالى وحده المستحق للطاعة وللعبادة. فمقتضيات الربوبية والإيمان بها تقتضي أن نؤمن بالألوهية. كما أن الطفل الصغير ينشأ بين أبيه وأمه ويشبّ، فلا يجد غيرهما يخدمه ويقضي حاجته ويُوفِّر متطلباته، بل ويزيل عنه الأذى ويسهر على راحته. كل ذلك بروح سعيدة ونفس راضية مطمئنة، ربما يجوعان لتشبع، ويعريان لتكسى، ويحرمان نفسيهما ليوفرا لك الحياة الكريمة، فإذا ما كبر الصغير وبلغ الحُلُم ومبلغ الرجال نجده يعقُّهما، ويخرج عن طاعتهما، ويأخذه من أحضانهما أصدقاء السوء، ويُزيّنون له التمرد على أبيه وأمه. ونقول لمثل هذا العاق: اخْزَ على عِرْضك واسْتَحِ، فليس هكذا يكون رد الجميل، وأين كان هؤلاء الأصدقاء يوم أنْ كنتَ صغيراً تحتاج إلى من يعولك ويميط عنك الأذى، ويسهر على راحتك؟ قد كان ينبغي عليك ألاَّ تسمع إلا لمن أحسن إليك. وهذا مثال لتوحيد الألوهية وتوحيد الربوبية - ولله المثل الأعلى - فكيف تأخذ من ربك عطاء الربوبية، ثم تتمرد عليه سبحانه في الألوهية، فتعصي أمره وتكفر بنعمه؟ كان من الواجب عليك الوفاء للنعمة. ولا بد أن تعلم أن ربك - عز وجل - مأمون عليك في التكليف بالأمر والنهي، لأنك عبده وصنعته، وأنك حين تُؤدِّي ما عليك تجاه الألوهية لا ينتفع الله سبحانه من ذلك بشيء، إنما تعود منفعتها عليك، وهكذا إذا ما رددت أمور الطاعة والعبادة والتكاليف لوجدتها تعود في النهاية أيضاً إلى عطاء الربوبية؛ لأنها تعود عليك أنت بالنفع. فنحن نأخذ الأوامر والنواهي على أنها تكاليف وأعباء يقتضيها الإيمان بالألوهية، نقول: نعم هي تكاليف من الله لكن لصالحك، فلو أنصفتَ لوجدتَ الألوهية من الربوبية، فحين يُحرِّم مثلاً عليك شرب الخمر ويحميك من فساد العقل، هل ينتفع سبحانه من ذلك بشيء؟ لذلك يقول تعالى عن هؤلاء: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ..}تفسير : [لقمان: 25]. ويقول: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ..} تفسير : [الزخرف: 87]. فما دام هو سبحانه خالقكم ورازقكم وخالق السماوات والأرض، فلماذا تعصونه؟ وهل نقص عصيانكم من مُلْكه شيئاً؟ وهل زاد في مُلْكه شيء بطاعة مَنْ أطاع؟ هل زاد في مُلْك الله بطاعة الطائعين أرض أو سماء، أو شمس أو قمر؟ إن الحق سبحانه قبل أن يخلقكم خلق لكم بصفات الكمال فيه كل مُقوِّمات حياتكم واستدعاكم إلى كون مُعَدٍّ لاستقبالكم ولمعيشتكم. إذن: فربُّكَ - عز وجل - لا تنفعه طاعة، ولا تضره معصية. لذلك يقول في الحديث القدسي: "حديث : يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم وشاهدكم وغائبكم اجتمعوا في صعيد واحد، وسألني كل واحد مسألته فأعطيتها له ما نقص ذلك مما عندي إلا كمغرز إبرة أحدكم إذا غمسه في البحر، وذلك أنِّي جواد واجد ماجد، عطائي كلام، وعذابي كلام، إنما أمري لشيء إذا أردتُه أن أقول له: كن فيكون ". تفسير : إذن: حين تطيعني فالخير لك؛ لأنك ضمنتَ بهذه الطاعة حياة أخرى خالدة باقية بعد هذه الحياة الفانية التي مهما أترفت فيها فهي إلى زوال، فإما أنْ تفوت نعيمها بالموت، وإما أنْ يفوتك بالحاجة والفقر، أما في الآخرة فالنعيم دائم بَاقٍ لا يفوتك ولا تفوته؛ لأنها نعمة لا مقطوعة ولا ممنوعة. لذلك قال سبحانه: {أية : وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} تفسير : [العنكبوت: 64] فكأن عطاء الألوهية ربوبية متعدية إلى زمن آخر غير زمن الدنيا، فلا تظن أن طاعتك ستفيدني في شيء، أو أن معصيتك ستضرني بشيء، ومن هنا قال تعالى: {أية : وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} تفسير : [النحل: 118]. وقوله تعالى: {مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} [المؤمنون: 23] أي: معبود غيره {أَفَلاَ تَتَّقُونَ} [المؤمنون: 23] هذا استفهام يحمل معنى التهديد والتوبيخ، لكن كيف يُوبِّخهم وهو لم يَزَلْ في مرحلة الأمر بعبادة الله، ولم يسمع منهم بعد بوادر الطاعة أو العصيان؟ قالوا: يبدو أنه رأى منهم إعراضاً فأمرهم بتقوى الله. والتقوى معناها أنْ تجعل بينك وبين ربك وقاية تقيك صفات جبروته وقَهْره وتحميك من أسباب بَطْشه وانتقامه، فلست مطيقاً لهذه الصفات. والوقاية التي تجعلها بينك وبين هذه الصفات هي أن تنفذ منهج الله بطاعة الأوامر واجتناب النواهي. ومن عجيب تركيبات التقوى في القرآن الكريم أنْ يقول سبحانه: {أية : وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} تفسير : [البقرة: 194] ويقول: {أية : فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ..} تفسير : [البقرة: 24] قالوا: نعم اتق الله، واتق النار؛ لأنك تتقي الله من متعلقات صفات قهره وغضبه ومنها النار، فحين تتقي الله بالمنهج فقد اتقيْتَ النار أيضاً. ثم يقول سبحانه: {فَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ ...}.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى دلائل التوحيد في خلق الإِنسان، والحيوان، والنبات، وفي خلق السماوات والأرض، وعدَّد نعمه عل عباده، ذكر هنا أمثالاً لكفار مكة من المكذبين من الأمم السابقة وما نالهم من العذاب، فابتدأ بقصة نوح، ثم بقصة هود، ثم بقصة موسى وفرعون، ثم بقصة عيسى بن مريم، وكلُّها عبر وعظات للمكذبين بالرسل والآيات. اللغَة: {جِنَّةٌ} بكسر الجيم أي جنون {فَتَرَبَّصُواْ} فانتظروا والتربص: الانتظار {مُبْتَلِينَ} مختبرين {هَيْهَاتَ} اسم فعل ماض بمعنى بَعُد قال الشاعر: شعر : تذكرت أياماً مضين من الصبا وهيهات هيهاتاً إِليك رجوعها تفسير : {غُثَآءً} الغثاء: العشب إِذا يبس، وغُثاء السيل: ما يحمله من الحشيش والقصب اليابس ونحوه {بُعْداً} هلاكاً قال الرازي: بعداً وسُحقاً ودماراً ونحوها مصادر موضوعة مواضع أفعالها قال سبيويه وهي منصوبة بأفعال لا يستعمل إٍِظهارها ومعنى {بُعْداً} بعدوا بعداً أي هلكوا {قُرُوناً} أمماً {تَتْرَا} تتابع يأتي بعضهم إِثر بعض {أَحَادِيثَ} جمع أُحدوثة كأُعجوبة وهي ما يتحدث به عجباً وتسلية {مَعِينٍ} ماء جار ظاهر للعيون {رَبْوَةٍ} الربوة: المكان المرتفع من الأرض. التفسِير: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ} أي والله لقد أرسلنا رسولنا نوحاً إِلى قومه داعياً لهم إِلى الله قال المفسرون: هذه تعزية لرسول الله صلى الله عليه وسلم بذكر هذا الرسول، ليتأسى به في صبره، وليعلم أنَّ الرسل قبله قد كُذبوا {فَقَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} أي اعبدوه وحده فليس لكم ربٌّ سواه {أَفَلاَ تَتَّقُونَ} زجرٌ ووعيد أي أفلا تخافون عقوبته بعبادتكم غيره؟ {فَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ} أي فقال أشراف قومه ورؤساؤهم الممعنون في الكفر والضلال {مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ} أي ما هذا الذي يزعم أنه رسول إِلا رجلٌ من البشر يريد أن يطلب الرياسة والشرف عليكم بدعواه النبوة لتكونوا له أتباعاً.. واعجبْ بضلال هؤلاء استبعدوا أن تكون النبوة لبشر، وأثبتوا الربوبية لحجر {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً} أي لو أراد الله أن يبعث رسولاً لبعث ملكاً ولم يكن بشراً {مَّا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِيۤ آبَآئِنَا ٱلأَوَّلِينَ} أي ما سمعنا بمثل هذا الكلام في الأمم الماضية، والدهور الخالية {إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ} أي ما هو إِلا رجلٌ به جنون {فَتَرَبَّصُواْ بِهِ حَتَّىٰ حِينٍ} أي انتظروا واصبروا عليه مدة حتى يموت {قَالَ رَبِّ ٱنصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ} أي قال نوح بعد ما يئس من إِيمانهم: ربِّ انصرني عليهم بإِهلاكهم عامةً بسبب تكذيبهم إِياي {فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ أَنِ ٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا} أي فأوحينا إِليه عند ذلك أن اصنع السفينة بمرأى منا وحفظنا {وَوَحْيِنَا} أي بأمرنا وتعليمنا {فَإِذَا جَآءَ أَمْرُنَا} أي فإِذا جاء أمرنا بإِنزال العذاب {وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ} أي فار الماء في التنور الذي يخبز فيه قال المفسرون: جعل الله ذلك علامة لنوح على هلاك قومه {فَٱسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ} أي فأدخل في السفينة من كل صنفٍ من الحيوان زوجين "ذكر وأنثى" لئلا ينقطع نسل ذلك الحيوان {وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ مِنْهُمْ} أي واحمل أهلك أيضاً إِلاّ من سبق عليه القول بالهلاك ممن لم يؤمن كزوجته وابنه {وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ} أي ولا تسألني الشفاعة للظالمين عند مشاهدة هلاكهم فقد قضيت أنهم مغرقون محكوم عليهم بالغرق {فَإِذَا ٱسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلْفُلْكِ} أي فإِذا علوت أنت ومن معك من المؤمنين على السفينة {فَقُلِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي نَجَّانَا مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} أي احمدوا الله على تخليصه إِياكم من الغرق وإِنما قال {فَقُلِ} ولم يقل فقولوا لأن نوحاً كان نبياً لهم وإِماماً فخطابه خطابٌ لهم {وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً} أي أنزلني إِنزالاً مباركاً يحفظني من كل سوء وشر قال ابن عباس: هذا حين خرج من السفينة {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ} أي أنت يا رب خير المنزلين لأوليائك والحافظين لعبادك {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ} أي إِنَّ فيما جرى على أمة نوح دلائل وعبر يستدل بها أولوا الأبصار {وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ} أي وإِنَّ الحال والشأن كنا مختبرين للعباد بإِرسال المرسلين {ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ} أي ثم أوجدنا من بعد قوم نوح قوماً آخرين يخلفونهم وهم قوم عاد {فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ} أي أرسلنا إِليهم رسولاً من عشيرتهم هو هود عليه السلام {أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} أي أعبدوه وحده ولا تشركوا به أحداً لأنه ليس لكم ربٌّ سواه {أَفَلاَ تَتَّقُونَ} أي أفلا تخافون عذابه وانتقامه إِن كفرتم؟ {وَقَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱلآخِرَةِ} أي قال أشراف قومه الكفرة المكذبون بالآخرة وما فيها من الثواب والعقاب {وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي ٱلْحَيـاةِ ٱلدُّنْيَا} أي وسَّعنا عليهم نعم الدنيا حتى بطروا ونعمناهم في هذه الحياة {مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} أي قالوا لأتباعهم مضلين لهم: ما هذا الذي يزعم أنه رسول إِلا إِنسان مثلكم {يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ} أي يأكل مثلكم ويشرب مثلكم فلا فضل له عليكم لأنه محتاج إِلى الطعام والشراب {وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ} أي ولئن أطعتموه وصدقتموه فإِنكم لخاسرون حقاً حيث أذللتم أنفسكم باتّباعه قال أبو السعود: انظر كيف جعلوا اتباع الرسول الحق الذي يوصلهم إلى سعادة الدارين خسراناً دون عبادة الأصنام التي لا خسران وراءها؟ قاتلهم الله أنَّى يؤفكون {أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظاماً} استفهام على وجه الاستهزاء والاستبعاد أي أيعدكم بالحياة بعد الموت أن تصبحوا رفاتاً وعظاماً بالية؟ {أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ} أي أنكم ستخرجون أحياء من قبوركم وكرَّر لفظ {أَنَّكُمْ} تأكيداً لأنه لمّا طال الكلام حسن التكرار {هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ} أي بعد بعُد هذا الذي توعدونه من الإِخراج من القبور، وغرضهم بهذا الاستبعاد أنه لا يكون أبداً {إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا} أي لا حياة إِلا هذه الحياة الدنيا {نَمُوتُ وَنَحْيَا} أي يموتُ بعضنا ويُولد بعضنا إِلى انقراض العصر {وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} أي لا بعث ولا نشور {إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ ٱفتَرَىٰ عَلَىٰ ٱللَّهِ كَذِباً} أي ما هو إِلا رجل كاذب يكذب على الله فيما جاءكم به من الرسالة، والإِخبار بالمعاد {وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ} أي ولسنا له بمصدقين فيما يقوله {قَالَ رَبِّ ٱنْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ} لما يئس نبيُّهم من إِيمانهم ورأى إِصرارهم على الكفر دعا عليهم بالهلاك والمعنى ربّ انصرني عليهم بسبب تكذيبهم إِياي {قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ} أي عن قريب من الزمان سيصيرون نادمين على كفرهم {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ بِٱلْحَقِّ} أي أخذتهم صيحة العذاب المدمر عدلاً من الله لا ظلماً {فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَآءً} أي هلكى كغثاء السيل قال المفسرون: صاح بهم جبريل صيحة رجفت لها الأرض من تحتهم فصاروا لشدتها غثاءً كغثاء السيل وهو الشيء التافه الحقير الذي لا ينتفع منه بشيء {فَبُعْداً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} أي فسحقاً وهلاكاً لهم بكفرهم وظلمهم، وهي جملة دعائية كأنه قال: بعداً لهم من رحمة الله وهلاكاً ودماراً لهم {ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ} أي أوجدنا من بعد هلاك هؤلاء أمماً وخلائق أخرين كقوم صالح وإِبراهيم وقوم لوط وشعيب قال ابن عباس: هم بنو إِسرائيل، وفي الكلام حذفٌ تقديره: فكذبوا أنبياءهم فأهلكناهم دلَّ عليه قوله {مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ} أي ما تتقدم أمةٌ من الأمم المهلكة عن الوقت الذي عُيّن لهلاكهم ولا تتأهر عنه {ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا} أي بعثنا الرسل متتالين واحداً بعد واحد قال ابن عباس: يتبع بعضهم بعضاً {كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ} تشنيع عليهم بكمال ضلالهم أي أنهم سلكوا في تكذيب أنبيائهم مسلك من سبقهم من الضالين المكذبين ولهذا قال {فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً} أي ألحقنا بعضهم في إِثر بعض بالهلاك والدمار {وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ} أي أخباراً تُروى وأحاديث تُذكر، يتحدث الناس بما جرى عليهم تعجباً وتسلية {فَبُعْداً لِّقَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ} أي فهلاكاً ودماراً لقومٍ لا يصدّقون الله ورسله {ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا} أي أرسلناهما بآياتنا البينات قال ابن عباس: هي الآيات التسع " العصا، اليد، الجراد" الخ {وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} أي وحجة واضحة ملزمة للخصم {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} أي أرسلناهما إلى فرعون الطاغية وأشراف قومه المتكبرين {فَٱسْتَكْبَرُواْ} أي عن الإِيمان بالله وعبادته {وَكَانُواْ قَوْماً عَالِينَ} أي متكبرين متمردين، قاهرين لغيرهم بالظلم {فَقَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا} أي أنصدق رجلين مثلنا ونتَّبعهما؟ {وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ} أي والحال أن قوم موسى وهارون منقادون لنا كالخدم والعبيد؟ {فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُواْ مِنَ ٱلْمُهْلَكِينَ} أي فكذبوا رسولينا فكانوا من المغرقين في البحر {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} أي أعطينا موسى التوراة بعد غرق فرعون وملائه ليهتدي بها بنوا إِسرائيل {وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً} أي وجعلنا قصة مريم وابنها عيسى معجزةً عظيمة تدل على كمال قدرتنا {وَآوَيْنَاهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍ} أي وجعلنا منزلهما ومأواهما إِلى مكانٍ مرتفع من أرض بيت المقدس قال ابن عباس: الربوة المكان المرتفع من الأرض، وهو أحسن ما يكون فيه النبات {ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} أي مستوية يستقر عليها وماءٍ جارٍ ظاهر للعيون قال الرازي: القرار: المستقر كل أرض مستوية مبسوطة، والمعين: الماء الظاهر الجاري على وجه الأرض، وعن قتادة: ذات ثمارٍ وماء، يعني أنه لأجل الثمار يستقر فيها ساكنوها {يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً} أي قلنا يا أيها الرسل كلوا من الحلال وتقربوا إِلى الله بالأعمال الصالحة، والنداء لكل رسولٍ في زمانه وصي به كل رسول إرشاداً لأمته كما تقول تخاطب تاجراً: يا تجار اتقوا الربا {إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} وعيدٌ وتحذير أي إِني عالم بما تعملون لا يخفى عليَّ شيء من أمركم، قال القرطبي: شمل الكل في الوعيد وإِذا كان هذا مع الرسل والأنبياء، فما ظنُّ كل الناس بأنفسهم؟ {وَإِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} أي دينكم يا معشر الأنبياء دين واحد، وملتكم ملة واحدة وهي دين الإِسلام {وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ} أي وأنا ربكم لا شريك لي فخافوا عذابي وعقابي. البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الاستعارة البديعة {ٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا} عبَّر عن المبالغة في الحفظ والرعاية بالصنع على الأعين لأن الحافظ للشيء في الأغلب يديم مراعاته بعينه فلذلك جاء بذكر الأعين بدلاً من ذكر الحفظ والحراسة على طريق الاستعارة. 2- الكناية {وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ} كناية عن الشدة كقولهم حمي الوطيس، وأطلق بعض العلماء التنور على وجه الأرض مجازاً. 3- جناس الاشتقاق {أَنزِلْنِي مُنزَلاً} و {تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ}. 4- الطباق بين {نَمُوتُ وَنَحْيَا} وكذلك بين {تَسْبِقُ.. ويَسْتَأْخِرُونَ }. 5- الجناس الناقص {أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا} لتغيير بعض الحروف مع الشكل. 6- التشبيه البليغ {فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَآءً} أي كالغثاء في سرعة زواله ومهانة حاله، حذف وجه الشبه وأداة التشبيه فصار بليغاً. 7- أسلوب الإِطناب {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}، {وَكَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱلآخِرَةِ}، {وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي ٱلْحَيـاةِ ٱلدُّنْيَا} ذماً لهم وتسجيلاً عليهم القبائح والشناعات. 8- السجع اللطيف مثل {تَتَّقُونَ}، {تَشْرَبُونَ}، {مُّخْرَجُونَ} ومثل {عَالِينَ}، {ٱلْمُهْلَكِينَ}، {قَرَارٍ وَمَعِينٍ}. فَائِدَة: لفظ البشر يطلق على الواحد والجمع، فمن إِطلاقه على الواحد {أية : فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً}تفسير : [مريم: 17] {أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا}؟ ومن إِطلاقه على الجمع {أية : فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلبَشَرِ أَحَداً} تفسير : [مريم: 26] {أية : وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ} تفسير : [المدثر: 31] أفاده صاحب الكشاف.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً} [المؤمنون: 23] أي: نوح الروح {إِلَىٰ قَوْمِهِ} [المؤمنون: 23] من القلب والسر والنفس والقالب والجوارح {فَقَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} [المؤمنون: 23] من الهوى والشيطان، فعبادة القلب بقطع التعلقات والمحبة، وعبادة السر بالتفرد بالتوحيد، وعبادة النفس بتبديل الأخلاق، وعبادة القلب بالتجريد، وعبادة الجوارح بإقامة أركان الشريعة {أَفَلاَ تَتَّقُونَ} [المؤمنون: 23] بهذه العبادات غير الحرمان والخذلان وعذاب النيران. {فَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ} [المؤمنون: 24] يعني: النفس وصفاتها {مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ} [المؤمنون: 24] أي: مخلوق {مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ} ويحكم بالسلطنة فيكم {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ} أن نعبده {لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً} بالرسالة إلينا، ويشير بهذه المقالات إلى بعض البطلة من الطلبة، فإن بعضهم يتكاسلون في الطلب ويقولون لو شاء الله سعينا في الطلب لأيدنا بالصفات الملكية والتوفيق الرباني {مَّا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا} يعني: الذي يدعونا إليه نوح الروح {فِيۤ آبَآئِنَا ٱلأَوَّلِينَ} أي: ليس هذا من تولدات آباء العناصر. {إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ} [المؤمنون: 25] يشير به إلى أن أحوال الحقيقة عند أرباب الطبيعة جنون كما قال: أن أحوال أرباب الطبيعة عند أهل الحقيقة جنون {فَتَرَبَّصُواْ بِهِ حَتَّىٰ حِينٍ} يعني إلى وقت هبوب رياح العناية.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : وهي قوله { إن في ذلك لآيات وإن كنا لمبتلين } يذكر تعالى رسالة عبده ورسوله نوح عليه السلام، أول رسول أرسله لأهل الأرض، فأرسله إلى قومه، وهم يعبدون الأصنام، فأمرهم بعبادة الله وحده، فقال: { يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ } أي: أخلصوا له العبادة، لأن العبادة لا تصح إلا بإخلاصها. { مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ } فيه إبطال ألوهية غير الله، وإثبات الإلهية لله تعالى، لأنه الخالق الرازق، الذي له الكمال كله، وغيره بخلاف ذلك. { أَفَلا تَتَّقُونَ } ما أنتم عليه من عبادة الأوثان والأصنام، التي صورت على صور قوم صالحين، فعبدوها مع الله، فاستمر على ذلك، يدعوهم سرا وجهارا، وليلا ونهارا، ألف سنة إلا خمسين عاما، وهم لا يزدادون إلا عتوا ونفورا. { فَقَالَ الْمَلأ } من قومه الأشراف والسادة المتبوعون -على وجه المعارضة لنبيهم نوح، والتحذير من اتباعه -: { مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ } أي: ما هذا إلا بشر مثلكم، قصده حين ادعى النبوة أن يزيد عليكم فضيلة، ليكون متبوعا، وإلا فما الذي يفضله عليكم، وهو من جنسكم؟ وهذه المعارضة لا زالت موجودة في مكذبي الرسل، وقد أجاب الله عنها بجواب شاف، على ألسنة رسله كما في قوله: {أية : قالوا } تفسير : أي: لرسلهم {أية : إِنْ أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ * قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ } تفسير : فأخبروا أن هذا فضل الله ومنته فليس لكم أن تحجروا على الله وتمنعوه من إيصال فضله علينا. وقالوا هنا { ولو شاء الله لأنزل ملائكة } وهذه أيضا معارضة بالمشيئة باطلة فإنه وإن كان لو شاء لأنزل ملائكة فإنه حكيم رحيم حكمته ورحمته تقتضي أن يكون الرسول من جنس الآدميين لأن الملك لا قدرة لهم على مخاطبته ولا يمكن أن يكون إلا بصورة رجل ثم يعود اللبس عليهم كما كان. وقولهم { مَا سَمِعْنَا بِهَذَا } أي بإرسال الرسول { فِي آبَائِنَا الأوَّلِينَ } وأي حجة في عدم سماعهم إرسال رسول في آبائهم الأولين؟ لأنهم لم يحيطوا علما بما تقدم فلا يجعلوا جهلهم حجة لهم وعلى تقدير أنه لم يرسل فيهم رسولا فإما أن يكونوا على الهدى فلا حاجة لإرسال الرسول إذ ذاك وإما أن يكونوا على غيره فليحمدوا ربهم ويشكروه أن خصهم بنعمة لم تأت آباءهم ولا شعروا بها ولا يجعلوا عدم الإحسان على غيرهم سببا لكفرهم للإحسان إليهم. { إِنْ هُوَ إِلا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ } أي مجنون { فَتَرَبَّصُوا بِهِ } أي انتظروا به { حَتَّى حِينٍ } إلى أن يأتيه الموت. وهذه الشبه التي أوردوها معارضة لنبوة نبيهم دالة على شدة كفرهم وعنادهم وعلى أنهم في غاية الجهل والضلال فإنها لا تصلح للمعارضة بوجه من الوجوه كما ذكرنا بل هي في نفسها متناقضة متعارضة فقوله { مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ } أثبتوا أن له عقلا يكيدهم به ليعلوهم ويسودهم ويحتاج -مع هذا- أن يحذر منه لئلا يغتر به فكيف يلتئم مع قولهم { إِنْ هُوَ إِلا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ } وهل هذا إلا من مشبه ضال منقلب عليه الأمر قصده الدفع بأي طريق اتفق له غير عالم بما يقول؟!! ويأبى الله إلا أن يظهر خزي من عاداه وعادى رسله. فلما رأى نوح أنه لا يفيدهم دعاؤه إلا فرارا { قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ } فاستنصر ربه عليهم غضبا لله حيث ضيعوا أمره وكذبوا رسوله وقال {أية : رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا } تفسير : قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ }. تفسير : { فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ } عند استجابتنا له، سببا ووسيلة للنجاة، قبل وقوع أسبابه، { أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ } أي: السفينة { بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا } أي: بأمرنا لك ومعونتنا، وأنت في حفظنا وكلاءتنا بحيث نراك ونسمعك. { فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا } بإرسال الطوفان الذي عذبوا به { وَفَارَ التَّنُّورُ } أي: فارت الأرض، وتفجرت عيونا، حتى محل النار، الذي لم تجر العادة إلا ببعده عن الماء، { فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ } أي: أدخل في الفلك من كل جنس من الحيوانات، ذكرا وأنثى، تبقى مادة النسل لسائر الحيوانات، التي اقتضت الحكمة الربانية إيجادها في الأرض، { وَأَهْلَكَ } أي: أدخلهم { إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ } كابنه، { وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا } أي: لا تدعني أن أنجيهم، فإن القضاء والقدر، قد حتم أنهم مغرقون. { فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ } أي: علوتم عليها، واستقلت بكم في تيار الأمواج، ولجج اليم، فاحمدوا الله على النجاة والسلامة. فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين، وهذا تعليم منه له ولمن معه، أن يقولوا هذا شكرا له وحمدا على نجاتهم من القوم الظالمين في عملهم وعذابهم. { وَقُلْ رَبِّ أَنزلْنِي مُنزلا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنزلِينَ } أي: وبقيت عليكم نعمة أخرى، فادعوا الله فيها، وهي أن ييسر الله لكم منزلا مباركا، فاستجاب الله دعاءه، قال الله: {أية : وَقُضِيَ الأمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } تفسير : إلى أن قال: {أية : قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ } تفسير : الآية. { إِنَّ فِي ذَلِكَ } أي: في هذه القصة { لآيَاتٍ } تدل على أن الله وحده المعبود، وعلى أن رسوله نوحا صادق، وأن قومه كاذبون، وعلى رحمة الله بعباده، حيث حملهم في صلب أبيهم نوح، في الفلك لما غرق أهل الأرض. والفلك أيضا من آيات الله، قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ } تفسير : ولهذا جمعها هنا لأنها تدل على عدة آيات ومطالب. { وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ }.