Verse. 2697 (AR)

٢٣ - ٱلْمُؤْمِنُون

23 - Al-Mu'minoon (AR)

فَقَالَ الْمَلَؤُا الَّذِيْنَ كَفَرُوْا مِنْ قَوْمِہٖ مَا ھٰذَاۗ اِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ۝۰ۙ يُرِيْدُ اَنْ يَّتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ۝۰ۭ وَلَوْ شَاۗءَ اللہُ لَاَنْزَلَ مَلٰۗىِٕكَۃً۝۰ۚۖ مَّا سَمِعْنَا بِھٰذَا فِيْۗ اٰبَاۗىِٕنَا الْاَوَّلِيْنَ۝۲۴ۚ
Faqala almalao allatheena kafaroo min qawmihi ma hatha illa basharun mithlukum yureedu an yatafaddala AAalaykum walaw shaa Allahu laanzala malaikatan ma samiAAna bihatha fee abaina alawwaleena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فقال الملأ الذين كفروا من قومه» لأتباعهم «ما هذا إلا بشرٌ مثلكم يريد أن يتفضَّل» يتشرف «عليكم» بأن يكون متبوعاً وأنتم أتباعه «ولو شاء الله» أن لا يعبد غيره «لأنزل ملائكة» بذلك لا بشراً «ما سمعنا بهذا» الذي دعا إليه نوح من التوحيد «في آبائنا الأولين» الأمم الماضية.

24

Tafseer

البيضاوي

تفسير : {فَقَالَ ٱلْمَلَؤُاْ} الأشراف. {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ } لعوامهم. {مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ } أن يطلب الفضل عليكم ويسودكم. {وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ } أن يرسل رسولاً. {لأَنزَلَ مَلَـٰئِكَةً } رسلاً. {مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِى ءَابَآئِنَا الأَوَّلِينَ} يعنون نوحاً عليه السلام أي ما سمعنا به أنه نبي، أو ما كلمهم به من الحث على عبادة الله سبحانه وتعالى ونفي إله غيره، أو من دعوى النبوة وذلك إما لفرط عنادهم أو لأنهم كانوا في فترة متطاولة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ } لأتباعهم {مَا هَٰذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ } يتشّرف {عَلَيْكُمْ } بأن يكون متبوعاً وأنتم أتباعه {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ } أن لا يعبد غيره {لأَنزَلَ مَلَٰئِكَةً } بذلك لا بشراً {مَّا سَمِعْنَا بِهَٰذَا } الذي دعا إليه نوح من التوحيد {فِي ءَابَآئِنَا ٱلأَوَّلِينَ } أي الأمم الماضية.

ابن عبد السلام

تفسير : {مَّا سَمِعْنَا} بمثل دعوته، أو ببشرٍ أتى برسالة ربه {الأَوَّلِينَ} أول أب ولدك أو أقرب آبائك إليك.

النسفي

تفسير : {فَقَالَ ٱلْمَلؤُا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ } أي أشرافهم لعوامهم {مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ } يأكل ويشرب {يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ } أي يطلب الفضل عليكم ويترأس {وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ } إرسال رسول {لأَنزَلَ مَلَـٰئِكَةً } لأرسل ملائكة {مَّا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا } أي بإرسال بشر رسولاً أو بما يأمرنا به من التوحيد وسب آلهتنا والعجب منهم أنهم رضوا بالألوهية للحجر ولم يرضوا بالنبوة للبشر {في ءَابائنا الأوَّلين * إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ } جنون {فَتَرَبَّصُواْ بِهِ حَتَّىٰ حِينٍ } فانتظروا واصبروا عليه إلى زمان حتى ينجلي أمره فإن أفاق من جنونه وإلا قتلتموه {قَالَ رَبّ ٱنصُرْنِى بِمَا كَذَّبُونِ } فلما أيس من إيمانهم دعا الله بالانتقام منهم، والمعنى أهلكهم بسبب تكذيبهم إياي إذ في نصرته إهلاكهم، أو {انصرني} بدل {ما كذبون} كقولك «هذا بذاك» أي بدل ذاك والمعنى أبدلني من غنم تكذيبهم سلوة النصرة عليهم {فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ } أي أجبنا دعاءه فأوحينا إليه {أَنِ ٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا } أي تصنعه وأنت واثق بحفظ الله لك ورؤيته إياك، أو بحفظنا وكلاءتنا كأن معك من الله حفاظاً يكلئونك بعيونهم لئلا يتعرض لك ولا يفسد عليك مفسد عملك ومنه قولهم «عليه من الله عين كالئة». {وَوَحْيِنَا } أمرنا وتعليمنا إياك صنعتها. رُوي أنه أوحي إليه أن يصنعها على مثال جؤجؤ الطائر. {فَإِذَا جَاء أَمْرُنَا } أي عذابنا بأمرنا {وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ } أي فار الماء من تنور الخبز أي أخرج سبب الغرق من موضع الحرق ليكون أبلغ في الإنذار والاعتبار. روي أنه قيل لنوح: إذا رأيت الماء يفور من التنور فاركب أنت ومن معك في السفينة، فلما نبع الماء من التنور أخبرته امرأته فركب وكان تنور آدم فصار إلى نوح وكان من حجارة. واختلف في مكانه فقيل: في مسجد الكوفة. وقيل: بالشام. وقيل: بالهند. {فَٱسْلُكْ فِيهَا } فأدخل في السفينة {مِن كُلّ زَوْجَيْنِ } من كلّ أمتي زوجين وهما أمة الذكر وأمة الأنثى كالجمال والنوق والحصن والرماك {ٱثْنَيْنِ } واحدين مزدوجين كالجمل والناقة والحصان والرمكة. روي أنه لم يحمل إلا ما يلد ويبيض من كل حفص والمفضل أي من كل أمة زوجين اثنين و {اثنين} تأكيد وزيادة بيان {وَأَهْلَكَ } ونساءك وأولادك {إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ } من الله بإهلاكه وهو ابنه وإحدى زوجتيه فجيء بـــــ «على» مع سبق الضار كما جيء باللام مع سبق النافع في قوله {أية : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ }تفسير : [الصافات: 171] ونحوها {أية : لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ }تفسير : {مِنْهُمْ وَلاَ تُخَاطِبْنِى فِى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ } ولا تسألني نجاة الذين كفروا فإني أغرقهم.

ابو السعود

تفسير : {فَقَالَ ٱلْمَلأُ} أي الأشراف {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ} وصف الملأ بما ذُكر مع اشتراك الكلِّ فيه للإيذان بكمال عراقتهم في الكُفرِ وشدَّةِ شكيمتهم فيه أي قالوا لعوامِّهم {مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ} أي في الجنسِ والوصفِ من غير فرقٍ بـينكم وبـينَه، وصفوه عليه السَّلامُ بذلك مبالغةً في وضع رتبته العالية وحطِّها عن منصب النُّبوة {يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ} أي يريدُ أنْ يطلبَ الفضلَ عليكم ويتقدَّمكم بادِّعاءِ الرَّسالةِ مع كونهِ مثلكم، وصفوه بذلك إغضاباً للمُخاطبـين عليه، عليه السَّلامُ وإغراءً لهم على معاداته عليه السَّلامُ وقولُه تعالى: {وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ لأنزَلَ مَلَـٰئِكَةً} بـيانٌ لعدم رسالة البشر على الإطلاقِ على زعمِهم الفاسدِ بعد تحقيق بشريَّتهِ عليه السَّلامُ أي لو شاء الله تعالى إرسالَ الرَّسولِ لأرسل رُسُلاً من الملائكة وإنَّما قيل لأنزل لأنَّ إرسالَ الملائكة لا يكونُ إلا بطريقِ الإنزالِ، فمفعولُ المشيئة مطلقُ الإرسالِ المفهوم من الجوابِ لا نفسُ مضمونهِ كما في قوله تعالى: {وَلَوْ شَآء لَهَدَاكُمْ} ونظائره. {مَّا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا} أي بمثل هذا الكلامِ الذي هو الأمرُ بعبادة الله خاصَّةً وتركُ عبادة ما سواه. وقيل بمثل نوحٍ عليه السَّلامُ في دعوى النُّبوة {فِى ءَابَائِنَا ٱلأَوَّلينَ} أي الماضين قبل بعثتهِ عليه السَّلامُ قالوه إمَّا لكونهم وآبائهم في فترة متطاولةٍ وإما لفرطِ غلوِّهم في التَّكذيبِ والعناد وانهماكهم في الغيِّ والفساد، وأيَّا ما كان فقولُهم هذا ينبغي أنْ يكونَ هو الصَّادُّ عنهم في مبادي دعوتهِ عليه السَّلامُ كما تُنبىءُ عنه الفاء في قوله تعالى: {فَقَالَ ٱلْمَلا} الخ وقيل معناه ما سمعنا به عليه السَّلامُ أنَّه نبـيٌّ. فالمرادُ بآبائِهم الأوَّلين الذين مضوا قبلهم في زمنِ نوحٍ عليه السَّلامُ. وقولهم المذكور هو الذي صدر عنهم في أواخرِ أمرِه عليه السَّلامُ وهو المناسب لما بعدَه من حكاية دُعائهِ عليه السَّلامُ. وقولهم {إِنْ هُوَ} أي ما هو {إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ} أي جُنونٌ أو جنٌّ يخيلونه ولذلك يقولُ ما يقولُ {فَتَرَبَّصُواْ بِهِ} أي احتمِلوه واصبِروا عليه وانتظروا {حَتَّىٰ حِينٍ} لعلَّه يُفيقُ ممَّا فيه، محمول حينئذٍ على ترامي أحوالهم في المكابرةِ والعنادِ. وإضرابِهم عمَّا وصفُوه عليه السَّلامُ به من البشرية وإرادةِ التَّفضُّلِ إلى وصفِه عليه السَّلامُ بما ترى وهم يعرفون أنَّه عليه السَّلامُ أرجحُ النَّاسِ عَقْلاً وأرزنهم قولاً. وعلى الأوَّل على تناقضِ مقالاتِهم الفاسدةِ قاتلهم اللَّهُ أنَّى يُؤفكون.

اسماعيل حقي

تفسير : {فقال الملؤا} اى الاشراف والسادة {الذين كفروا من قومه} اى قالوا لعوامهم مبالغة فى وضع الرتبة العالية وحطها عن منصب النبوة، قال الكاشفى [جون اكابر قوم اصاغر را بدين ودعوت نوح مائل ديدند ايشانرا تنفير نموده كفتند] {ماهذا} [نيست اين كس كه مى خواند بتوحيد] {الا بشر مثلكم} اى فى الجنس والوصف من غير فرق بينكم وبينه، قال الكاشفى [مانند شما درخوردن وآشاميدن وغير آن] {يريد ان يتفضل عليكم} اى يريد ان يطلب الفضل عليكم ويتقدمكم بادعاء الرسالة مع كونه مثلكم، قال فى الجلالين يتشرف عليكم فيكون افضل منكم بان يكون متبوعاً وتكونوا له تبعا كقوله وتكون لكما الكبرياء فى الارض وصفوه بذلك اغضابا للمخاطبين عليه واغراء على معاداته {ولو شاء الله لانزل ملائكة} اى لو شاء الله ارسال الرسول لارسل رسلا من الملائكة [تامرسل ازمرسل اليهم متميز بودى] وانما قيل لانزل لان ارسال الملائكة لايكون الا بطريق الانزال فمفعول المشيئة مطلق الارسال المفهوم من الجواب لا نفس مضمونه كما فى قوله ولو شاء لهداكم ونظائره. وفى التأويلات النجمية يشير بهذا الى مقالات بعض البطلة من الطلبة فان بعض يتكاسلون فى الطلب فيقولون لو شاء الله سعينا فى الطلب لايدنا بالصفات الملكية والتوفيق الربانى {ما سمعنا بهذا} اى بمثل هذا الكلام الذى هو الامر بعبادةالله خاصة {فى آبائنا الاولين} اى الماضين قبل بعثته، وفى بحر العلوم بهذا اى بارسال البشر وان جاء ذكر من الله على رجل منهم كما قال الكاشفى [مانشنوده ايم اين راكه آدمى رسول خدا تواند بود يخلقان] قالوه اما لفرط غلوهم فى التكذيب والعناد واما لكونهم وآبائهم فى فترة متطاولة يعنى [ميان ادريس وميان ايشان مدتى كذشته بود وشنوده بودندكه از اولاد آدم بيغمبرى بوده].

الجنابذي

تفسير : {فَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ} يعنى قال الرّؤساء للاتباع {مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} يعنى لا فرق بينه وبينكم حتّى يكون مستحقّاً للتّفضّل عليكم ويستحقّ الرّسالة دونكم {يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ} فيجعلكم اتباعاً لنفسه {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ} ان يرسل علينا رسولاً {لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً} للرّسالة {مَّا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا} اى بارسال رسول من البشر بما يدعوننا اليه من التّوحيد {فِيۤ آبَآئِنَا ٱلأَوَّلِينَ} حتّى لا نستغرب منه ولا ننكره.

اطفيش

تفسير : {فَقَالَ المَلأُ} الجماعة والاشراف {الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ} لغيرهم ممن هو مثلهم أو لقومهم * {مَا هَّذا إِلاَ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} آدمي مشارك لكم في الامور من الاكل والشرب وغيرهما {يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ} يطلب الفضل عليكم ويسودكم {وَلَو شَآءَ اللَّهُ} ان لا يعبد غيره وان يرسل رسولا وانما حذف مفعول شاء بعد اداة الشرط مع انه ليس من نفس جوابها لتضمن الجواب له لان انزال الملائكة المطلوب لهم انما هو للرسالة ولان لا يعبد غيره. {لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً} رسلا إلى بني آدم لا بشرا * {مَا سَمِعْنَا بِهذَا} اي بما دعا إليه نوح من التوحيد وعبادة الله أو الاشارة إلى نوح اي ما سمعنا بمثله في ادعاء النبوة والرسالة وهو بشر استغربوا منصب النبوه عن البشر واثبتوا الالوهية للحجر والاشارة إلى ما ذكره لهم من الارسال * {فِي آبَائِنا الأَوَلِينَ} اما انهم لم يسمعوا لانهم وآباءهم في فترة متطاولة والفتري لا يعذر في الشركة ويعذر في فروع العبادات واما انهم قد سمعوا لكنهم كذبوا لانهماكهم في الغي وفرطهم في دفع الحق بما امكن وبما عرض صدقا أو كذبا كما نسبوه بالجنون وقد عرفوا انه ارجح الناس عقلا.

اطفيش

تفسير : {فقال الملأ} الإشراف لعامتهم {الذين كفَروا مِن قَومِه} احتراز عن الاشراف الذين آمنوا، وهم قليل، ولم يعتبروهم لقلتهم، إذ قالوا: "أية : وما نراك اتبعك إلاَّ الذين هم أرذالنا" تفسير : [هود: 27] أو عدو من اتبعه أرذل ولو شريفاً أو اتبعه بعض الأشراف بعد قولهم: "أية : وما نراك"تفسير : [هود: 27] {ما هذا إلا بشرٌ مثلُكُم} جنساً ووصفاً، فكيف يخص عنكم بالنبوة والرسالة {يريد أن يتفضَّل عليْكُم} يزيد عليكم فى الشرف، أو يسودكم بالنبوة والرسالة، وليستأله ذلك مجرد دعوى أو إغراء على معاداته. {لو شاء الله} الإرسال إلينا، ولا بأس بهذا التقدير لوجود القرينة، ولو لم يكن من الجواب، ولا يجوز تقديره منه على القاعدة، أى ولو شاء الله الإنزال إلينا، لأن نوحاً عليه السلام لم يذكر الإنزال، بل قال: إنى رسول الله إليكم، وذلك انكار لرسالته، ويجوز أن يتعلق بقوله: "أية : اعبدوا الله"تفسير : [الأعراف: 59] أى ولو شاء الله عبادته وحده {لأنزل} من السماء، وذلك لأنها معظم محلهم {ملائكة} بالرسالة، أو بعبادته وحده {ما سَمِعنا بهذا} بما ذكر من انفراد الله بالعبادة، أو إرسال البشر أو ما سمعنا بنبوة هذا، أى نوح أو ما سمعنا باسمه، ولو كان نبياً لوجدنا اسمه قبلنا، كما قال: {فى آبائنا الأولين} من أهل زمانه سواء لفظ نوح أو غيره، وقد عاشت طويلاً.

الالوسي

تفسير : {فَقَالَ ٱلْمَلَؤُا} أي الأشراف {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ} وصف الملأ بالكفر مع اشتراك الكل فيه للإيذان بكمال عراقتهم وشدة شكيمتهم فيه، وليس المراد من ذلك إلا ذمهم دون التمييز عن أشراف آخرين آمنوا به عليه السلام إذ لم يؤمن به أحد من أشرافهم كما يفصح عنه قول: { أية : مَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا } تفسير : [هود: 27] وقال الخفاجي: يصح أن يكون الوصف بذلك للتمييز وإن لم يؤمن بعض أشرافهم وقت التكلم بهذا الكلام لأن من أهله عليه السلام المتبعين له أشرافاً؛ وأما قول: { أية : مَا نَرَاكَ } تفسير : [هود:27] الخ فعلى زعمهم أو لقلة المتبعين له من الأشراف، وأياً ما كان فالمعنى فقال الملأ لعوامهم {مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ} أي في الجنس والوصف من غير فرق بينكم وبينه وصفوه عليه السلام بذلك مبالغة في وضع رتبته العالية وحطها عن منصب النبوة، ووصفوه بقوله سبحانه: {يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ} إغضاباً للمخاطبين عليه عليه السلام وإغراءً لهم على معاداته، والتفضل طلب الفضل وهو كناية عن السيادة كأنه قيل: يريد أن يسودكم ويتقدمكم بادعاء الرسالة مع كونه مثلكم، وقيل: صيغة التفعل مستعارة للكمال فإنه ما يتكلف له يكون على أكمل وجه فكأنه قيل: يريد كمال الفضل عليكم. {وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ لأَنزَلَ مَلَـٰئِكَةً} بيان لعدم رسالة البشر على الإطلاق على زعمهم الفاسد بعد تحقيق بشريته عليه السلام أي ولو شاء الله تعالى إرسال الرسول لأرسل رسلاً من الملائكة، وإنما قيل {لأَنزَلَ} لأن إرسال الملائكة لا يكون إلا بطريق الإنزال فمفعول المشيئة مطلق الإرسال المفهوم من الجواب لا نفس مضمونه كما في قوله تعالى: { أية : وَلَوْ شَآء لَهَدَاكُمْ } تفسير : [النحل: 9] ولا بأس في ذلك، وأما القول بأن مفعول المشيئة إنما يحذف إذا لم يكن أمراً غريباً وكان مضمون الجزاء فهو ضابطة للحذف المطرد فيه لا مطلقاً فإنه كسائر المفاعيل يحذف ويقدر بحسب القرائن، وعلى هذا يجوز أن يقال: التقدير ولو شاء الله تعالى عبادته وحده لأنزل ملائكة يبلغوننا ذلك عنه عز وجل وكان هذا منهم طعن في قوله عليه السلام لهم: { أية : ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ } تفسير : [هود: 50] وكذا قوله تعالى: {مَّا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِيۤ آبَآئِنَا ٱلأَوَّلِينَ} بل هو طعن فيما ذكر على التقدير الأول أيضاً وذلك بناءً على أن {هَـٰذَا} إشارة إلى الكلام المتضمن الأمر بعبادة الله عز وجل خاصة والكلام على تقدير مضاف أي ما سمعنا بمثل هذا الكلام في آبائنا الماضين قبل بعثته عليه السلام، وقدر المضاف لأن عدم السماع بكلام نوح المذكور لا يصلح للرد فإن السماع بمثله كاف للقبول، وقيل: الإشارة إلى نفس هذا الكلام مع قطع النظر عن المشخصات فلا حاجة إلى تقدير المضاف وهو كلام وجيه؛ ثم إن قولهم هذا إما لكونهم وآبائهم في فترة وإما لفرط غلوهم في التكذيب والعناد وانهماكهم في الغي والفساد، وأياً ما كان ينبغي أن يكون هو الصادر عنهم في مبادي دعوته عليه السلام كما ينبـىء عنه الفاء الظاهرة في التعقيب في قوله تعالى: { فَقَالَ ٱلْمَلأُ} الخ. وقيل: {هَـٰذَا} إشارة إلى نوح عليه السلام على معنى ما سمعنا بخبر نبوته، وقيل: إلى اسمه وهو لفظ نوح / والمعنى لو كان نبياً لكان له ذكر في آبائنا الأولين، وعلى هذين القولين يكون قولهم المذكور من متأخري قومه المولودين بعد بعثته بمدة طويلة فيكون المراد من آبائهم الأولين من مضى قبلهم في زمنه عليه الصلاة والسلام، وصدور ذلك عنهم في أواخر أمره عليه السلام وقيل: بعد مضي آبائهم ولا يلزم أن يكون في الأواخر، وعليهما أيضاً يكون قولهم:

الواحدي

تفسير : {يريد أن يتفضل عليكم} يتشَّرف عليكم، فيكون أفضل منكم بأن يكون متبوعاً، وتكونوا له تبعاً {ولو شاء الله لأنزل ملائكة} تُبلِّغنا عنه {ما سمعنا بهذا} الذي يدعوا إليه نوحٌ {في آبائنا الأولين}. {إن هو} ما هو {إلاَّ رجلٌ به جنة} جنونٌ {فتربصوا به حتى حين} انتظروا موته حتى يموت. {قال رب انصرني} بإهلاكهم {بما كذَّبون} بتكذيبهم إيّاي.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْمَلأُ} {مَلاَئِكَةً} {ۤ آبَآئِنَا} (24) - فَقَالَ السَّادَةُ الكُبَرَاءُ مِنْ قَوْمِهِ (الملأُ): لَيْسَ نُوحٌ إِلاَ بَشَراً مِثْلَكُمْ وَهُوَ يُريدُ أَنْ يَتَرَفَّعُ عَلَيْكُمْ بِدَعْوَى النُّبُوَّةِ فَكَيْفَ أُوْحِيَ إِلَيْهِ مِنْ دُونِكُمْ وَهُوَ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ لاَ يَفْضُلكُمْ بِشَيء؟ وَلَوْ أَرَادَ اللهُ أَنْ يَبْعَثَ نَبِيَّاً لَبَعَثَ مَلَكاً مِنْ عِنْدَهِ لاَ بَشَراً، وَنَحْنُ لَمْ يَأتِنَا عَنْ أَسْلاَفِنَا وآبَائِنَا الأَوَّلِينَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللهَ يَبْعَثُ رُسُلاً مِنَ البَشَرِ، ولاَ سَمِعْنَا بِمِثْلِ مَا يَدْعُو إِلَيْهِ نُوحٌ مِنْ عِبَادَةِ إِلَهٍ وَاحِدٍ. المَلأُ - وُجوهُ القَوْمِ والسَّادَةُ. يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ - يَتَرَأَّسَ وَيَشرُفَ عَلَيْكُمْ

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الملأ: من الملء يعني: الشيء الذي يملأ الشيء، فالملأ يعني الذين يملأون العيون بشرفهم ومكانتهم وعظمتهم وأبهتِهم، ومن ذلك قولهم: فلان مِلءُ العين، أو مِلْءُ السمع والبصر، ويقولون للرجل إذا بلغ في الحُسْن مبلغاً: فلان قَيْد العيون يعني: حين تراه لا تصرف بصرك إلى غيره من شِدَّة حسنه كأنه قيَّد بصرك نحوه. أما في المقابل فيقولون: فلان تتقحمه العين ولا تراه وكأنه غير موجود. إذن: الملأ: هم الذين يملؤون صدور المجالس أُبَّهة وفخامة ووجاهة وسيادة، لكن، لماذا هؤلاء بالذات هم الذين تعصَّبوا ضده وواجهوه؟ قالوا: لأن منهج الله ما جاء إلا لإصلاح ما فسد في الكون وما استشرى فيه من شر، فالحق - تبارك وتعالى - يُنزِل منهجاً على لسان رسول أول، ويطلب من قومه أن يُبلِّغوا منهج رسولهم من بعده، لكن تأتي الغفلة على هذا المنهج فيخرج الناس عنه ويأتي خروجهم عن منهج ربهم على عِدَّة صور: فمنهم مَنْ يخرج عن منهج ربه ويصنع الذنب، إلا أنه يعاود نفسه ويراجعها ويلومها وسرعان ما يتوب ويندم، فزاجره من نفسه وواعظه من داخله، وهؤلاء الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً. ومنهم مَنْ يخرج على منهج ربه خروجاً لا رجعةَ له ولا زاجر، وهذا نسميه بلغتنا (فاقد) يعني: لم يَعُدْ له زاجر من شرع ولا من ضمير. ويبقى بعد ذلك زاجر المجتمع حين يرى مثل هؤلاء الخارجين عن منهج الحق عليه أنْ يتصدَّى لهم، ويقاطعهم ولا يودهم ولا يحترمهم، وإلا لو ظَلَّ المنحرف ومرتكب القبائح على حاله من احترام الناس وتقديرهم، ولو ظلَّ على مكانته في المجتمع لتمادى في غَيِّه وأسرف على نفسه وعلى مجتمعه فيستشري بذلك الشر في المجتمع، ويعُمّ الفساد وتشيع الفوضى. ألاَ ترى الشرع الحكيم حين جعل الدية في القتل على العاقلة يعني: عائلة القاتل، لا على القاتل وحده؟ لماذا؟ لكي يأخذوا على يد ولدهم إن انحرف أو بدَتْ عنده بوادر الاعتداء؛ لأنهم جميعاً سيحملون هذه التبعة. ونقول: خُصَّ الملأ بالذات؛ لأنهم هم المنتفعون بالشر والفساد في المجتمع، ومن مصلحتهم أنْ يستمر هذا الوضع لتبقى لهم سلطتهم الزمنية ومكانتهم؛ لذلك هم أول مَنْ يقابلون الرسالات بالجحود والنكران. ألم يقل الحق سبحانه عنهم في آية أخرى: {أية : مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا ..} تفسير : [هود: 27]. فهؤلاء الذين يُسمُّونهم أراذل هم المستضعفون والفقراء والمطحونون والمهمومون بأمور الخَلْق والدين والقيم، فما إنْ تسمع آذانهم عن رسالة إلا تلهَّفوا عليها وارتموا في أحضانها لأنها جاءت لتنقذهم؛ لذلك يكونون أول مَنْ يؤمن. وإنْ جاء المنهج لإنصاف هؤلاء، فقد جاء أيضاً لينزع من أصحاب السلطان والقهر والجبروت سلطانهم وتعاليهم، فلا بُدَّ أن يواجهوه ويعاندوه. ومعنى: {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ ..} [المؤمنون: 24] كفروا: يعني جحدوا وجود الله {مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} [المؤمنون: 24] فأول شيء صَدَّهم عن الرسول كونه بشراً، إذن: فماذا كنتم تنتظرون؟ وقد شرح هذا المعنى في قوله تعالى: {أية : وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً} تفسير : [الإسراء: 94]. ولا بُدَّ في الرسول أن يكون من جنس المرسَل إليهم؛ ليصح أن يكون لهم أُسْوة، فيقلدوه ويهتدوا به، وإلا لو جاء الرسول مَلكاً فكيف تتحقق فيه القدوة؟ وكيف تطيعونه وأنتم تعلمون أنه مَلَكٌ لا يأكل ولا يشرب ولا يتناسل، وليست لديه شهوة، ولا مُقوِّمات المعصية؟ ولنفرض أن الله نزَّل عليكم ملَكاً، فكيف ستشاهدونه وتتلقوْن عنه؟ لا بُدَّ - إذن - أن يأتيكم في صورة رجل لتتمكنوا من مشاهدته والتلقِّي عنه، وهكذا نعود في نقاش هذه المسألة إلى أنه رجل؛ لذلك قال سبحانه: {أية : وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ}تفسير : [الأنعام: 9] وتظل الشبهة باقية. إذن: من الحُمْق أن نقول بأن يكون الرسول مَلَكاً. أما قولهم: {بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} [المؤمنون: 24] نعم، هو بشر، لكن ليس كمثلكم، فأنتم كاذبون في هذه المثلية، لأنه بشر اصطفاه الله بالوحي؛ لذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يؤخذ مني فأقول: ما أنا إلا بشر مثلكم، وأُعْطَى من الله فأقول: أنا لست كأحدكم ". تفسير : ويقول تعالى لرسول الله صلى الله عليه وسلم: {أية : قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} تفسير : [فصلت: 6] ومن هنا كانت الأفضلية في أنه بَشر يُوحَى إليه، وما بشريته إلا للإيناس والإلْف. ثم يتابع الحق سبحانه مقالة هؤلاء الكافرين من قوم نوح: {يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ} [المؤمنون: 24] يتفضّل: يعني ينسب نفسه إلى الفضل والشرف والسيادة ليكون متبوعاً وهم تابعون {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ} [المؤمنون: 24] يعني: لو شاء أنْ يرسل رسولاً {لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً} [المؤمنون: 24] أي: رسلاً، وقد رَدَّ الله تعالى عليهم هذا القول، فقال تبارك وتعالى: {أية : قُل لَوْ كَانَ فِي ٱلأَرْضِ مَلاۤئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكاً رَّسُولاً}تفسير : [الإسراء: 95]. ثم يقولون: {مَّا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِيۤ آبَآئِنَا ٱلأَوَّلِينَ} [المؤمنون: 24] المراد بهذا: يعني أن يأتي مَنْ يقول اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، لأن آباءنا الأولين كانوا يعبدون الأصنام، ولم يأْتِ مَنْ يقول لنا هذا الكلام مثل نوح. وهذا دليل على أنهم مُقلِّدون للآباء، ليس لديهم تفكير واستقلال في الرأي ينظرون به إلى الأشياء نظرة الحق والعدالة، وفي موضع آخر قال تعالى عنهم: {أية : إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ} تفسير : [الزخرف: 23]. ولو تأملنا حال المجتمعات، ومنها مجتمعنا الذي نعيش فيه لوضح لنا كذب هؤلاء في ادعائهم التقليد للآباء، كيف؟ تأمل حال الأجيال المختلفة تجد كل جيل له رأيه وتطلعاته ورغباته التي ربما اختلف فيها الابن عن أبيه، فالأبناء الآن لهم رأي مستقل، فالولد يختار مثلاً الكلية التي يرغبها، الملابس التي يحبها، وإنْ خالفتْ رأي أبيه، بل ويصل الأمر إلى اتهام الآباء بالجمود والتخلف إنْ لزم الأمر، وهذا موجود في كل الأجيال. إذن: لماذا لم تقولوا في مثل هذه الأمور: إنا وجدنا آباءنا على أمة؟ لماذا كانت لكم ذاتية ورأْيٌ مستقل في أمور الدنيا دون أمور الدين؟ إنكم تتخذون الذاتية فيما يُلبِّي رغباتكم وشهواتكم وانحرافاتكم، وتتخذون التقليد فيما يُقلِّل تكليفكم؛ لأن التكليف سيُقيِّد هذه الرغبات والشهوات ويقضي على هذه الانحرفات؛ لذلك يتمرد هؤلاء على منهج الله. لذلك، نعجب لما نراه ونسمعه من حال أبنائنا اليوم، وكيف أفلتَ الزمام من الآباء والأمهات، فالشاب يسير على هواه في أمور انحرافية، فإن وجَّهه أبوه أعرض عنه واتهمه بأنه من جيل قديم وقد ذهب زمانه بلا رجعة، وقد تعدى الأمر من الأولاد إلى البنات، فصِرْن أيضاً يتمردْنَ على هذه القيم ولا يهتممن بها. فقولهم: {مَّا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِيۤ آبَآئِنَا ٱلأَوَّلِينَ} [المؤمنون: 24] وقولهم: {أية : إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ} تفسير : [الزخرف: 23] هم كاذبون أيضاً في هذه المقولة؛ لأنهم لو صَدَقوا لقلَّدوهم في كل شيء وما عليهم في أمور الدنيا وفي أمور الدين والقيم والأخلاق. لذلك الحق - تبارك وتعالى - يعالج هذه القضية في مواضع عدة من كتابه الكريم، وبأساليب مختلفة، منها قوله سبحانه: {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُوا مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ ..}تفسير : [البقرة: 170]. لأن هذا يريحهم من مشقة التكاليف، وإنْ كانت العبادة: طاعة عابد لمعبود في أمره ونهيه، فما أسهلَ عبادة الأصنام؛ لأنها آلهة كما يدعون لكن ليس لها منهج، وليس معها تكاليف، فبأيِّ شيء أمرك الصنم؟ وعن أيِّ شيء نهاك؟ وماذا أعدَّ من جزاء لمن أطاعه؟ وماذا أعدَّ من عقاب لمن عصاه، إذن: معبود بلا منهج وبلا تكاليف، وهذا دليل كذبهم في عبادة الأصنام وغيرها من آلهتهم. الم يقولوا: {أية : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ} تفسير : [الزمر: 3] فهذا حُمْق وسَفَه وجهل؛ لأن الكلام منطقياً لا يستقيم، كيف تقولون نعبدهم وليس لهم منهج، وليس لهم تكاليف، والعبادة طاعة عابد لمعبود؟ إذن: ما هو إلا خِوَاء وإفلاس عقديّ؛ لذلك يردُّ الحق - تبارك وتعالى - عليهم فيقول سبحانه: {أية : أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ} تفسير : [البقرة: 170]. وفي موضع آخر يقول - سبحانه وتعالى - عنهم: {أية : قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ ..} تفسير : [المائدة: 104] وهذه أبلغ من سابقتها، لأنهم يُصعِّدون كفرهم ويُصِرون عليه، فقولهم: {أية : بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ}تفسير : [البقرة: 170] فلربما يراجعون أنفسهم فيهتدون إلى الحق، ويخالفون الآباء. لكن هنا: {أية : حَسْبُنَا ..} تفسير : [المائدة: 104] يعني: كافينا، ولن نغيره ولن نحيد عنه؛ لذلك يأتي كل آية بما يناسبها: ففي الأولى قال تعالى رداً عليهم: {أية : أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً} تفسير : [البقرة: 170] وفي الأُخْرى قال رداً عليهم: {أية : أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً ..}تفسير : [المائدة: 104]. فذكر العقل في الأولى؛ لأن الإنسان يأتمر فيه بنفسه، وذكر في الأخرى العلم؛ لأن الإنسان في العلم يأتمر بعقله، وعقل العلم أيضاً، فالعلم - إذن - أوسع من العقل؛ لذلك ذكره مع قولهم {أية : حَسْبُنَا ..}تفسير : [المائدة: 104] الدالة على المبالغة والإصرار على الكفر. كما نلحظ عليهم في قولهم: {مَّا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا ..} [المؤمنون: 24] أن الغفلة قد استحكمت فيهم؛ لأن نوحاً عليه السلام يعتبر الجد الخامس بعد آدم عليه السلام، فبينهما فترة طويلة، فكيف ما سمعوا طوال هذه الفترة برسول أو نبي، يقول: اعبدوا الله ما لكم من إله غيره؟