٢٣ - ٱلْمُؤْمِنُون
23 - Al-Mu'minoon (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
26
Tafseer
الرازي
تفسير : أما قوله: {رَبِّ ٱنصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ } ففيه وجوه: أحدها: أن في نصره إهلاكهم فكأنه قال أهلكهم بسبب تكذيبهم إياي وثانيها: انصرني بدل ما كذبوني كما تقول هذا بذاك أي بدل ذلك ومكانه، والمعنى أبدلني من غم تكذيبهم سلوة النصر عليهم وثالثها: انصرني بإنجاز ما وعدتهم من العذاب وهو ما كذبوه فيه حين قال لهم: { أية : إِنّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } تفسير : [الأعراف: 59] ولما أجاب الله دعاءه قال: {فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ ٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا } أي بحفظنا وكلئنا كأن معه من الله حافظاً يكلؤه بعينه لئلا يتعرض له ولا يفسد عليه مفسد عمله، ومنه قولهم: عليه من الله عين كالئة، وهذه الآية دالة على فساد قول المشبهة في تمسكهم بقوله عليه السلام: « حديث : إن الله خلق آدم على صورته » تفسير : لأن ثبوت الأعين يمنع من ذلك، واختلفوا في أنه عليه السلام كيف صنع الفلك فقيل إنه كان نجاراً وكان عالماً بكيفية اتخاذها، وقيل إن جبريل عليه السلام علمه عمل السفينة ووصف له كيفية اتخاذها، وهذا هو الأقرب لقوله {بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا }. أما قوله: {فَإِذَا جَاء أَمْرُنَا } فاعلم أن لفظ الأمر كما هو حقيقة في طلب الفعل بالقول على سبيل الاستعلاء، فكذا هو حقيقة في الشأن العظيم، والدليل عليه أنك إذا قلت هذا أمر بقي الذهن يتردد بين المفهومين وذلك يدل على كونه حقيقة فيهما وتمام تقريره مذكور في كتاب المحصول في الأصول، ومن الناس من قال: إنما سماه أمراً على سبيل التعظيم والتفخيم، مثل قوله: { أية : فقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً } تفسير : [فصلت:11]. أما قوله: {وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ } فاختلفوا في التنور، فالأكثرون على أنه هو التنور المعروف. روي أنه قيل لنوح إذا رأيت الماء يفور من التنور فاركب أنت ومن معك في السفينة، فلما نبع الماء من التنور أخبرته امرأته فركب، وقيل كان تنور آدم وكان من حجارة فصار إلى نوح، واختلف في مكانه، فعن الشعبي في مسجد الكوفة عن يمين الداخل مما يلي باب كندة، وكان نوح عليه السلام عمل السفينة في وسط المسجد، وقيل بالشام بموضع يقال له عين وردة وقيل بالهند القول الثاني: أن التنور وجه الأرض عن ابن عباس رضي الله عنهما الثالث: أنه أشرف موضع في الأرض أي أعلاه عن قتادة والرابع: {وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ } أي طلع للفجر عن علي عليه السلام، وقيل إن فوران التنور كان عند طلوع الفجر والخامس: هو مثل قولهم حمى الوطيس والسادس: أنه الموضع المنخفض من السفينة الذي يسيل الماء إليه عن الحسن رحمه الله والقول الأول هو الصواب لأن العدول عن الحقيقة إلى المجاز من غير دليل لا يجوز، واعلم أن الله تعالى جعل فوران التنور علامة لنوح عليه السلام حتى يركب عنده السفينة طلباً لنجاته ونجاة من آمن به من قومه. أما قوله: {فَٱسْلُكْ فِيهَا } أي أدخل فيها يقال سلك فيه أي دخل فيه وسلك غيره وأسلكه {مِن كُلّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ } أي من كل زوجين من الحيوان الذي يحضره في الوقت اثنين الذكر والأنثى لكي لا ينقطع نسل ذلك الحيوان، وكل واحد منهما زوج لا كما تقوله العامة من أن الزوج هو الاثنان، روي أنه لم يحمل إلا ما يلد ويبيض، وقرىء من كل بالتنوين، أي من كل أمة زوجين، واثنين تأكيد وزيادة بيان. أما قوله: {وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ مِنْهُمْ } أي وأدخل أهلك ولفظ على إنما يستعمل في المضار. قال تعالى: { أية : لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ } تفسير : [البقرة: 286] واعلم أن هذه الآية تدل على أمرين أحدهما: أنه سبحانه أمره بإدخال سائر من آمن به وإن لم يكن من أهله، وقيل المراد بأهله من آمن دون من يتصل به نسباً أو سبباً وهذا ضعيف. وإلا لما جاز استثناء قوله: {إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ } والثاني: أنه قال: {وَلاَ تُخَـٰطِبْنِي فِى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } يعني كنعان فإنه سبحانه لما أخبر بإهلاكهم وجب أن ينهاه عن أن يسأله في بعضهم لأنه إن أجابه إليه، فقد صير خبره الصدق كذباً، وإن لم يجبه إليه كان ذلك تحقيراً لشأن نوح عليه السلام فلذلك قال: {إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ } أي الغرق نازل بهم لا محالة. أما قوله: {فَإِذَا ٱسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلْفُلْكِ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان في السفينة ثمانون إنساناً، نوح وامرأته سوى التي غرقت، وثلاثة بنين: سام وحام ويافث، وثلاث نسوة لهم، واثنان وسبعون إنساناً فكل الخلائق نسل من كان في السفينة. أما قوله: {فَقُلِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى نَجَّانَا مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: إنما قال: {فَقُلْ } ولم يقل فقولوا لأن نوحاً كان نبياً لهم وإماماً لهم، فكان قوله قولاً لهم مع ما فيه من الإشعار بفضل النبوة وإظهار كبرياء الربوبية، وأن رتبة تلك المخاطبة لا يترقى إليها إلا ملك أو نبي. المسألة الثانية: قال قتادة علمكم الله أن تقولوا عند ركوب السفينة { أية : بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا } تفسير : [هود: 41] وعند ركوب الدابة { أية : سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ } تفسير : [الزخرف: 13] وعند النزول {أية : وَقُل رَّبّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ } تفسير : [المؤمنون: 29] قال الأنصاري: وقال لنبينا { أية : وَقُل رَّبّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ } تفسير : [الإسراء: 80] وقال: { أية : فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءانَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ } تفسير : [النحل: 98] كأنه سبحانه أمرهم أن لا يكونوا عن ذكره وعن الاستعاذة به في جميع أحوالهم غافلين. المسألة الثالثة: هذه مبالغة عظيمة في تقبيح صورتهم حيث أتبع النهي عن الدعاء لهم الأمر بالحمد على إهلاكهم والنجاة منهم كقوله تعالى: { أية : فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [الأنعام: 45] وإنما جعل سبحانه استواءهم على السفينة نجاة من الغرق لأنه سبحانه كان عرفه أنه بذلك ينجيه ومن تبعه، فيصح أن يقول: {نَجَّانَا } من حيث جعله آمناً بهذا الفعل ووصف قومه بأنهم الظالمون لأن الكفر منهم ظلم لأنفسهم لقوله: { أية : إِنَّ ٱلشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } تفسير : [لقمان: 13] ثم إنه سبحانه بعد أن أمره بالحمد على إهلاكهم أمره بأن يدعو لنفسه فقال: {وَقُل رَّبّ أَنزِلْنِى مُنزَلاً مُّبَارَكاً } وقرىء {مُنزَلاً } بمعنى إنزالاً أو موضع إنزال كقوله ليدخلنهم مدخلاً يرضونه. واختلفوا في المنزل على قولين: أحدهما: أن المراد هو نفس السفينة فمن ركبها خلصته مما جرى على قومه من الهلاك والثاني: أن المراد أن ينزله الله بعد خروجه من السفينة من الأرض منزلاً مباركاً والأول أقرب لأنه أمر بهذا الدعاء في حال استقراره في السفينة، فيجب أن يكون المنزل ذلك دون غيره. ثم بين سبحانه بقوله: {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ } أن الإنزال في الأمكنة قد يقع من غير الله كما يقع من الله تعالى وإن كان هو سبحانه خير من أنزل لأنه يحفظ من أنزله في سائر أحواله ويدفع عنه المكاره بحسب ما يقتضيه الحكم والحكمة، ثم بين سبحانه أن فيما ذكره من قصة نوح وقومه لآيات ودلالات وعبراً في الدعاء إلى الإيمان والزجر عن الكفر فإن إظهار تلك المياه العظيمة ثم الإذهاب بها لا يقدر عليه إلا القادر على كل المقدورات، وظهور تلك الواقعة على وفق قول نوح عليه السلام يدل على المعجز العظيم وإفناء الكفار وبقاء الأرض لأهل الدين والطاعة من أعظم أنواع العبر. أما قوله: {وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ } فيمكن أن يكون المراد، وإن كنا لمبتلين فيما قبل، ويحتمل أن يكون وإن كنا لمبتلين فيما بعد، وهذا هو الأقرب لأنه كالحقيقة في الاستقبال، وإذا حمل على ذلك احتمل وجوهاً: أحدها: أن يكون المراد المكلفين في المستقبل أي فيجب فيمن كلفناه أن يعتبر بهذا الذي ذكرناه وثانيها: أن يكون المراد لمعاقبين لمن سلك في تكذيب الأنبياء مثل طريقة قوم نوح وثالثها: أن يكون المراد كما نعاقب من كذب بالغرق وغيره فقد نمتحن بالغرق من لم يكذب على وجه المصلحة لا على وجه التعذيب، لكي لا يقدر أن كل الغرق يجري على وجه واحد.
البيضاوي
تفسير : {قَالَ } بعدما أيس من إيمانهم. {رَبّ ٱنصُرْنِي} بإهلاكهم إو بإنجاز ما وعدتهم من العذاب. {بِمَا كَذَّبُونِ} بدل تكذيبهم إياي أو بسببه.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عن نوح عليه السلام أنه دعا ربه ليستنصره على قومه، كما قال تعالى مخبراً عنه في الآية الأخرى: {أية : فَدَعَا رَبَّهُ أَنُّى مَغْلُوبٌ فَٱنتَصِرْ } تفسير : [القمر: 10] وقال ههنا: {رَبِّ ٱنصُرْنِى بِمَا كَذَّبُونِ} فعند ذلك أمره الله تعالى بصنعة السفينة، وإحكامها وإتقانها، وأن يحمل فيها من كل زوجين اثنين، أي: ذكراً وأنثى من كل صنف من الحيوانات والنباتات والثمار وغير ذلك، وأن يحمل فيهاأهله، {إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ مِنْهُمْ} أي: من سبق عليه القول من الله بالهلاك، وهم الذين لم يؤمنوا به من أهله؛ كابنه وزوجته، والله أعلم. وقوله: {وَلاَ تُخَـٰطِبْنِى فِى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ} أي: عند معاينة إنزال المطر العظيم، لا تأخذنك رأفة بقومك وشفقة عليهم، وطمع في تأخيرهم لعلهم يؤمنون، فإني قد قضيت أنهم مغرقون على ما هم عليه من الكفر والطغيان، وقد تقدمت القصة مبسوطة في سورة هود بما يغني عن إعادة ذلك ههنا. وقوله: {فَإِذَا ٱسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلْفُلْكِ فَقُلِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى نَجَّانَا مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ} كما قال: { أية : وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلأَنْعَـٰمِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُواْ عَلَىٰ ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُواْ سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ} تفسير : [الزخرف: 12 ــــ 14] وقد امتثل نوح عليه السلام هذا، كما قال تعالى: {أية : وَقَالَ ٱرْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْرَيٰهَا وَمُرْسَٰهَا} تفسير : [هود: 41] فذكر الله تعالى عند ابتداء سيره، وعند انتهائه، وقال تعالى: {وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِى مُنزَلاً مُّبَارَكاً وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ}. وقوله: {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ} أي: إن في هذا الصنيع، وهو إنجاء المؤمنين وإهلاك الكافرين، لآيات، أي: لحججاً ودلالات واضحات على صدق الأنبياء فيما جاؤوا به عن الله تعالى، وأنه تعالى فاعل لما يشاء، قادر على كل شيء، عليم بكل شيء. وقوله: {وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ} أي: لمختبرين للعباد بإرسال المرسلين.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالَ } نوح {رَبِّ ٱنصُرْنِى } عليهم {بِمَا كَذَّبُونِ }أي بسبب تكذيبهم إياي بأن تهلكهم، قال تعالى مجيباً دعاءه:
الماوردي
تفسير : قوله: {وَفَارَ التَّنُّورَ} فيه أربعة أقاويل: أحدها: تنور الخابزة، قاله الكلبي. الثاني: أنه آخر مكان في دارك، قاله أبو الحجاج. الثالث: أنه طلوع الفجر، قاله علي رضي الله عنه. الرابع: أنه مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لاشتداد الأمر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : الآن حَمِيَ الوَطِيسُ" تفسير : قاله ابن بحر. قوله تعالى: {وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً} قراءة الجمهور بضم الميم وفتح الزاي، وقرأ عاصم في رواية بكر بفتح الميم وكسر الزاي والفرق بينهما أن المُنزَلَ بالضم فعل النزول وبالفتح موضع النزول. {وَأَنتَ خَيْرٌ الْمُنزِلِينَ} في ذلك قولان: أحدهما: أن نوحاً قال ذلك عند نزوله في السفينة فعلى هذا يكون قوله مباركاً يعني بالسلامة والنجاة. الثاني: أنه قاله عند نزوله من السفينة، قاله مجاهد. فعلى هذا يكون قوله مباركاً يعني بالماء والشجر.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ ٱنصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ} أي: أعِنّي على هلاكهم بتكذيبهم إياي (كأنه قال: أهلكهم بسبب تكذيبهم). وقيل: انصرني بدل ما كذبون كما تقول: هذا بذاك، أي بدل ذاك ومكانه. وقيل: انصرني بإنجاز ما وعدتهم من العذاب، وهو ما كذبوه فيه حين قال لهم: {أية : إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} تفسير : [الأعراف: 59]. ولمَّا أجاب الله دعاءه قال: {فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ أَنِ ٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا} أي: بحفظنا وكلائنا، كان معه من الله حُفّاظاً يكلأونه بعيونهم لئلا يتعرض له ولا يفسد عليه عمله. قيل: كان نوح نجاراً، وكان عالماً بكيفية اتخاذ الفلك. وقيل: إن جبريل - عليه السلام - علّمه السفينة. وهذا هو الأقرب لقوله: "بأَعْيُنِنَا وَوَحْينَا". {فَإِذَا جَآءَ أَمْرُنَا}. واعلم أن لفظ الأمر كما هو حقيقة في طلب الفعل بالقول على سبيل الاستعلاء، فكذا هو حقيقة في الشأن العظيم، لأن قولك: هذا أمر تردد الذهن بين المفهومين فدل ذلك على كونه حقيقة فيهما. وقيل: إنما سماه أمراً تعظيماً وتفخيماً كقوله: {أية : قَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً} تفسير : [فصلت: 11]. قوله: "وَفَارَ التَّنُّور" تقدم الكلام في التنور في سورة هود. "فَاسْلُكْ فِيهَا" أي: ادخل فيها. يقال: سَلَك فيه دَخَلَهُ، وسَلَكَ غيره وأَسْلَكَهُ {مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ} أي: من كل زوجين من الحيوان (الذي يحضره في الوقت اثنين الذكر والأنثى لكيلا ينقطع نسل ذلك الحيوان) وكل واحد منهما زَوْج، لا كما تقوله العامة: إنَّ الزوجَ هو الاثنان. روي أنه لم يحمل إلاّ ما يَلِدُ ويَبيضُ. وقرئ: "مِنْ كُلٍّ" بالتنوين و"اثْنَيْن" تأكيد وزيادة بيان "وَأهْلَكَ" أي: وأدْخل أَهْلَك {إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ} ولفظ (على) إنما يستعمل في المضارّ قال تعالى: {أية : لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ} تفسير : [البقرة: 286]. وهذه الآية تدل على أمرين: أحدهما: أنه تعالى أمره بإدخال سائر مَنْ آمَنَ به، وإن لم يكن من أهله. وقيل: المراد بأهله من آمَنَ دون من يتعمل به نسباً أو حسباً. وهذا ضعيف، وإلاّ لما جاز الاستثناء بقوله: {إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ}. والثاني: قال: {وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ} يعني: كنعان، فإنه - سبحانه - لَمَّا أخبر بإهلاكهم، وجب أن ينهاه عن أن يسأله في بعضهم. لأنه إن أجابه إليه، فقد صيّر خبره الصادق كذباً، وإن لم يجبه إليه، كان ذلك تحقيراً لشأن نوح - عليه السلام -، فلذلك قال: "إِنَّهُم مُغْرَقُونَ" أي: الغرق نازل بهم لا محالة. قوله: {فَإِذَا ٱسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلْفُلْكِ} اعتدلت أنت ومن معك على الفلك، قال ابن عباس: كان في السفينة ثمانون إنساناً، نوح وامرأته سِوَى التي غرقت، وثلاثة بنين، سام، وحام، ويافث، وثلاثة نسوة لهم، واثنان وسبعون إنساناً، فكل الخلائق نسل من كان في السفينة. روى سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "حديث : وُلِد لنوح ثلاثة أولاد سَام، وحَام، ويَافِث، فأمّا سام فأبو العرب وفارس والروم، وأما يافث فأبو يأجوج ومأجوج والبربر، وأما حام فأبو هذه الجلدة السوداء ويأجوج ومأجوج بنو عم الترك ". تفسير : قال ابن الجوزي: وُلِد لحام كوش، ونبرش، وموغع، وبوان، ووُلِد لكوش نمرود، وهو أول النماردة، مَلِك بعد الطوفان ثلاثمائة سنة، وعلى عهده قسّمت الأرض، وتفرَّق الناس واختلفت الألسن، ونمرود إبراهيم الخليل، ومن وَلد نبرش الحرير، ومن وَلد مُوغع يأجوج ومأجوج، ومن وَلد بوان الصقالبة، والنوبة، والحبشة، والهند، والسند. ولما اقتسم أولاد نوح الأرض، نزل بنو حام مجرى الجنوب والدبور، فجعل الله فيهم الأدمة، وبياضاً قليلاً، ولهم أكثر الأرض، وروي أن فالغ أبو غابر قسم الأرض بين أولاد نوح بعد موت نوح، فنزل سام سرة الأرض فكانت فيهم الأدمة والبياض، ونزل بنو يافث مجرى الشمال والصبا فكانت فيهم الحمرة والشقرة، ونزل بنو حام مجرى الجنوب والدبور فتغيرت ألوانهم. روى ابن شهاب قال: قيل لعيسى ابن مريم - عليه السلام - أَحْيِ حام بن نوح - فقال: أروني قبره. فأروه، فقام، فقال: يا حام بن نوح احْيَ بإذن الله - عزّ وجلّ - فَلَمْ يَخْرُج، ثم قالها الثانية، فخرج، وإذا شِقّ رأسه ولحيته أبيض، فقال: ما هذا، قال: سمعتُ الدعاء الأول فظننتُ أنه من الله - تعالى - فشاب له شقي، ثم سمعت الدعاء الثاني فعلمت أنه من الدنيا فخرجتُ، قال: مذ كم مِتَّ؟ قال: منذ أربعة آلاف سنة، ما ذهبت عنّي سكرة الموت حتى الآن. وروي أن الذي أحياه عيسى ابن مريم سام بن نوح، والله أعلم. وروي عن النمر بن هلال قال: الأرض أربعة وعشرون ألف فرسخ فاثنا عشر ألف للسودان، وثمانية للروم، وثلاثة للفرس وألف للعرب قال مجاهد: ربع من لا يلبس الثياب من السودان مثل جميع الناس. قوله: {فَقُلِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي نَجَّانَا مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} الكافرين، وإنما قال: "فَقُل" ولم يقل: فقولوا، لأنّ نوحاً كان نبياً لهم وإمامهم، فكان قوله قولاً لهم مع ما فيه من الإشعار بفضل النبوة وإظهار كبرياء الربوبية، وأن رتبة ذلك المخاطب لا يترقى إليها إلا ملك أو نبي. قال قتادة: علمكم الله أن تقولوا عند ركوب السفينة: {أية : بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا} تفسير : [هود: 41]، وعند ركوب الدابة: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا} تفسير : [الزخرف: 13]، وعند النزول: {أية : وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً} تفسير : [المؤمنون: 29]. قال الأنصاري: وقال لنبينا: {أية : وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ} تفسير : [الإسراء: 80]، وقال: {أية : فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْآنَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ} تفسير : [النحل: 98] فكأنه - تعالى - أمرهم أن لا يغفلوا عن ذكره في جميع أحوالهم. قوله: {وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً} قرأ أبو بكر بفتح ميم (مَنْزِلاً) وكسر الزاي، والباقون بضم الميم وفتح الزاي و(المَنْزل) و(المُنْزَل) كل منهما يحتمل أن يكون اسم مصدر، وهو الإنزال أو النزول، وأن يكون اسم مكان النزول أو الإنزال، إلا أنّ القياس "مُنْزَلاً" بالضم والفتح لقوله: "أَنْزِلْنِي". وأما الفتح والكسر فعلى نيابة مصدر الثلاثي مناب مصدر الرباعي كقوله: {أية : أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً} تفسير : [نوح: 17]، وتقدم نظيره في "مُدْخَل" و"مَدْخَل" في سورة النساء واختلفوا في المنزل، فقيل: نفس السفينة، وقيل: بعد خروجه من السفينة منزلاً من الأرض مباركاً. والأول أقرب، لأنه أُمِرَ بهذا الدعاء حال استقراره، فيكون هو المنزل دون غيره. ثم قال: {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ}، وذلك أن الإنزال في الأمكنة قد يقع من غير الله كما يقع من الله، لأنه يحفظ من أنزله في سائر أحواله. ثم بين تعالى أنّ فيما ذُكِر من قصة نوح وقومه "آيات" دلالات وعبر في الدعاء إلى الإيمان، والزجر عن الكفر، فإنّ إظهار تلك المياه العظيمة، ثم إذهابها لا يقدر عليه إلا القادر على كل المقدورات، وظهور تلك الواقعة على وفق قول نوح - عليه السلام - يدل على المعجز العظيم، وإفناء الكفار، وبقاء الأرض لأهل الطاعة من أعظم أنواع العبر. قوله: {وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ} "إِنْ" مخففة، و"اللام" فارقة. وقيل: "إِنْ" نافية و"اللام" بمعنى "إِلاَّ" وتقدم ذلك مراراً فعلى الأول معناه: وقد كنا، وعلى الثاني: ما كنا إلا مبتلين، فيجب على كل مكلَّف أن يعتبر بهذا الذي ذكرناه. وقيل: المراد لمعاقبين من كذب الأنبياء، وسلك مثل طريقة قوم نوح. وقيل: المراد كما عاقب بالغرق من كذب فقد نمتحن من لم يكذب على وجه المصلحة لا على وجه التعذيب، لكيلا يقدر أن كل الغرق يجري على وجه واحد.
ابو السعود
تفسير : {قَالَ} استئنافٌ مبنيٌّ على سؤالٍ نشأ من حكايةِ كلامِ الكَفَرةِ كأنَّه قيل فماذا قال عليه السَّلامُ بعدما سمع منهم هذه الأباطيلَ فقيل قال لمَّا رآهم قد أصرُّوا على الكفر والتَّكذيبِ وتمادَوا في الغواية والضَّلالِ حتَّى يئسَ من إيمانهم بالكلِّيةِ وقد أوحى اللَّهُ إليه أنه لنْ يؤمنَ من قومك إلاَّ مَن قد آمنَ {رَبّ ٱنصُرْنِى} بإهلاكهم بالمرَّةِ فإنَّه حكاية إجماليَّةٌ لقوله عليه السَّلامُ. {أية : رَّبّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ دَيَّاراً }تفسير : [نوح: 26] الخ {بِمَا كَذَّبُونِ} أي بسبب تكذيبهم إيَّاي أو بدل تكذيبهم {فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ} عند ذلك {أَنِ ٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ} أنْ مفسِّرة لما في الوحي من معنى القول {بِأَعْيُنِنَا} ملتبساً بحفظِنا وكلاءتِنا كأنَّ معه عليه السَّلامُ منه عزَّ وعلا حُفَّاظاً وحُرَّاساً يكلؤونه بأعينهم من التَّعدِّي أو من الزَّيغِ في الصَّنعةِ. {وَوَحْيِنَا} وأمرِنا وتعليمنا لكيفيَّة صُنعها والفاء في قوله تعالى: {فَإِذَا جَاء أَمْرُنَا} لترتيب مضمون ما بعدها على تمام صُنع الفُلك. والمرادُ بالأمر العذابُ كما في قوله تعالى: { أية : لاَ عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ} تفسير : [هود: 43] لا الأمرُ بالرُّكوبِ كما قيل وبمجيئه كمالُ اقترابهِ أو ابتداءُ ظهورهِ. أي إذا جاء إثرَ تمامِ الفُلكِ عذابُنا وقوله تعالى: {وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ} عطفُ بـيانٍ لمجيء الأمر. رُوي أنَّه قيل له عليه السَّلامُ إذا فار الماءُ من التَّنُّورِ اركبْ أنت ومن معك وكان تنُّور آدمَ عليه السَّلامُ فصار إلى نوحٍ عليه السَّلامُ فلمَّا نبع منه الماء أخبرتْهُ امرأتهُ فركبُوا. واختُلف في مكانه فقيل كان في مسجدِ الكوفةِ أي في موضعه عن يمينِ الدَّاخلِ من باب كِندة اليوم وقيل كان في عين وَردة من الشَّامِ. وقد مرَّ تفصيلُه في تفسير سُورة هودٍ عليه السَّلامُ {فَٱسْلُكْ فِيهَا} أي أدْخِلْ فيها يقال سَلَك فيه أي دَخَلَ فيه وسَلَكه فيه أي أدْخَلَه فيه. ومنه قوله تعالى: {أية : مَا سَلَكَكُمْ فِى سَقَرَ } تفسير : [المدثر: 42] {مِن كُلّ} أي من كلِّ أمِّةٍ {زَوْجَيْنِ} أي فردينِ مزدوجينِ كما يُعرب عنه قوله تعالى: {ٱثْنَيْنِ} فإنَّه نصٌّ في الفردين دون الجمعينِ أو الفريقينِ. وقُرىء بالإضافةِ على أنَّ المفعولَ اثنينِ أي من كلِّ أمتي زوجينِ وهُما أمَّة الذَّكرِ وأُمَّة الأُنثى كالجمالِ والنُّوقِ والحصنِ والرماك. وهذا صريحٌ في أنَّ الأمر كان قبل صُنعه الفُلكَ. وفي سُورةِ هودٍ: { أية : حَتَّىٰ إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلّ زَوْجَيْنِ} تفسير : [هود: 40] فالوجهُ أنْ يحملَ إمَّا على أنَّه حكايةٌ لأمرٍ آخرَ تنجيزيَ ورد عند فَوَران التَّنُّورِ الذي نِيط به الأمرُ التَّعليقيُّ اعتناءً بشأن المأمور به أو على أنَّ ذلك هو الأمرُ السَّابقُ بعينه لكن لمَّا كان الأمرُ التَّعليقيُّ قبل تحقُّقِ المعلَّقِ به في حقِّ إيجابِ المأمورِ به بمنزلة العدم جُعل كأنَّه إنَّما حدث عند تحقُّقهِ فحُكي على صورةِ التَّنجيزِ وقد مرَّ في تفسيرِ قوله تعالى: { أية : وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لآدَمَ} تفسير : [الإسراء: 61] . {وَأَهْلَكَ} منصوبٌ بفعل معطوف على فاسلُك لا بالعطف على زوجينِ أو اثنين على القراءتينِ لأدائه إلى اختلالِ المعنى أي واسلُك أهلَك، والمرادُ به امرأتُه وبنُوه. وتأخيرُ الأمر بإدخالهم عمَّا ذُكر من إدخال الأزواجِ فيها لكونِه عريقاً فيما أُمر به من الإدخال فإنَّه محتاجٌ إلى مزاولة الأعمال منه عليه السَّلامُ بل إلى معاونةٍ من أهلِه وأتباعِه. وأمَّا هم فإنَّما يدخلونَها باختيارِهم بعد ذلك ولأنَّ في المؤخَّرِ ضربُ تفصيلٍ بذكر الاستثناء وغيرِه فتقديمُه يؤدِّي إلى الإخلالِ بتجاوبِ أطرافِ النَّظمِ الكريمِ {إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ مِنْهُمْ} أي القولُ بإهلاكِ الكَفَرةِ وإنَّما جيء بعلى لكون السَّابقِ ضارًّا كما جيء باللامِ في قوله تعالى: { أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ} تفسير : [الأنبياء: 101] لكونِه نافعاً {وَلاَ تُخَـٰطِبْنِى فِى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} بالدُّعاءِ لإنجائهم {إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ} تعليلٌ للنَّهيِ أو لما ينبىءُ عنه من عدم قبول الدُّعاءِ أي إنَّهم مقضيٌّ عليهم بالإغراقِ لا محالةَ لظُلمهم بالإشراك وسائر المَعَاصي. ومَن هذا شأنُه لا يُشفعُ له ولا يُشفَّعُ فيه كيف لا وقد أُمر بالحمدِ على النَّجاةِ منهم بهلاكِهم بقوله تعالى: {فَإِذَا ٱسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ} أي من أهلِك وأشياعِك {عَلَى ٱلْفُلْكِ فَقُلِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى نَجَّانَا مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ} على طريقةِ قوله تعالى: { أية : فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} تفسير : [الأنعام: 45].
اسماعيل حقي
تفسير : {قال} نوح بعدما ايس من ايمانهم {رب} [اى بروردكار من] {انصرنى} باهلاكهم بالكلية {بما كذبون} اى بسبب تكذيبهم اياى او بدل تكذيبهم.
الطوسي
تفسير : قرأ ابو بكر عاصم {منزلا} بفتح الميم. الباقون بضمها. من فتح الميم جعله اسم المكان أو مصدراً ثلاثياً. ومن ضم الميم، فلانه مصدر (أنزل إنزالا) لقوله {أنزلني} ومثله {أية : أدخلني مدخل صدق} تفسير : ولو قرئ {وأنت خير المنزلين} لكان صواباً بتقدير أنت خير المنزلين به، كما تقول: أنزلت حوائجي بك. وقرا حفص عن عاصم {من كلّ زوجين} منوناً على تقدير اسلك فيها زوجين اثنين من كل، اي من كل جنس، ومن كل الحيوان، كما قال تعالى {ولكل وجهة} اي لكل انسان قبلة {أية : هو موليها} تفسير : لان (كلا، وبعضاً) يقتضيان مضافاً إليهما. الباقون بالاضافة إلى {زوجين} ونصب {اثنين} على انه مفعول به يقول الله تعالى ان نوحاً (ع) لما نسبه قومه الى الجنة، وذهاب العقل، ولم يقبلوا منه، دعا الله تعالى، فقال {رب انصرني بما كذبون} أي اعني عليهم، فالنصرة المعونة على العدو. فأجاب الله تعالى دعاءه. وأهلك عدوه، فأغرقهم ونجاه من بينهم بمن معه من المؤمنين. وقوله {بما كذبون} يقتضي أن يكون دعا عليهم بالاهلاك جزاء على تكذيبهم إياه. فقال الله تعالى انا {أوحينا إليه أن اصنع الفلك} وهو السفينة {بأعيننا} وقيل في معناه قولان: احدهما - بحيث نراها، كما يراها الرائي من عبادنا بعينه، ليتذكر انه يصنعها، والله (عز وجل) يراه. الثاني - بأعين أوليائنا من الملائكة والمؤمنين، فانهم يحرسونك من منع مانع لك. وقوله {ووحينا} أي باعلامنا إياك كيفية فعلها. وقوله {فإذا جاء أمرنا} يعني إذا جاء وقت اهلاكنا لهم {وفار التنور} روي انه كان جعل الله تعالى علامة وقت الاهلاك فوران التنور بالماء. فقال له: اذا جاء ذلك الوقت {فاسلك فيها} يعني فى السفينة، وكان فوران الماء من التنور المسجور بالنار، معجزة لنوح (ع) ودلالة على صدقه، وأكثر المفسرين على أنها التنور التي يخبز فيها. وروي عن علي (ع) انه أراد طلوع الفجر. ويقال: سلكته وأسلكته، فيه لغتان، كما قال الشاعر: شعر : وكنت لزاز خصمك لم أعرّد وقد سلكوك فى يوم عصيب تفسير : وقال الهذلي: شعر : حتى إذا أسلكوهم فى قتائدة شلا كما تطرد الجمالة الشردا تفسير : وقيل: سلكته فيه حذف، لان تقديره سلكت به فيه. ومعنى {فأسلك فيها} احمل فيها وادخل الى السفينة {من كل زوجين اثنين} أي من كل زوجين، من الحيوان. اثنين: ذكراً وانثى. والزوج واحد له قرين من جنسه وقوله {واهلك} أي اجمل اهلك معهم، يعني الذين آمنوا معك {إلا من سبق عليه القول} بالاهلاك منهم {ولا تخاطبني في الذين ظلموا} اي لا تسلني فى الظالمين أنفسهم بالاشراك معي فـ {إنهم مغرقون} هالكون. ثم قال له {فإذا استويت أنت} يا نوح {ومن معك على الفلك} واستقررتم فيه وعلوتم عليه، وتمكنتم منه فقل شكراً لله {الحمد لله الذي نجانا} وخلصنا {من القوم الظالمين} لنفوسهم بجحدهم توحيد الله. وقل داعياً {رب أنزلني منزلاً مباركاً وأنت خير المنزلين} وقال الجبائي: المنزل المبارك هو السفينة. وقال مجاهد: قال ذلك حين خرج من السفينة. وقال الحسن: كان فى السفينة. سبعة انفس من المؤمنين، ونوح ثامنهم. وقيل: ستة. وقيل: ثمانين. وقيل: انه هلك كل ما كان على وجه الأرض إلا من نجامع نوح فى السفينة. وقال الحسن: كان طول السفينة الفاً ومئتي ذراع، وعرضها ستمائة ذراع. وكانت مطبقة تسير بين ماء السماء وبين ماء الارض. ثم قال تعالى {إن في ذلك} يعني فيما اخبرناك به وقصصنا عليك {لآيات} ودلالات للعقلاء، يستدلون بها على توحيد الله وصفاته {وإن كنا لمبتلين} أي وإن كنا مختبرين عبادنا بالاستدلال على خالقهم بهذه الآيات، ومعرفته وشكره على نعمه عليهم، وبعبادته وطاعته وتصديق رسله.
اطفيش
تفسير : {قَالَ} نوح بعد اياسه من ايمانهم * {رَبِّ انصُرْنِي} يا رب انصرني عليهم باهلاكهم {بِمَا كَذَّبُونِ} بسبب تكذيبهم فما مصدرية او اسم اي بالتكذيب الذي كذبوني اياه وانصرني بانجاز ما وعدتهم من العذاب وهو ما كذبوه فيه حين قال:{أية : اني اخاف عليكم عذاب يوم عظيم}تفسير : أو الباء للبدلية اي انصرني بدل ما كذبوني اي ابدلني من غم تكذيبهم سلوة النصر عليهم.
الالوسي
تفسير : {قَالَ} استئناف بياني كأنه قيل: فماذا قال عليه السلام بعد ما سمع منهم هذه الأباطيل؟ فقيل: قال لما رآهم قد أصروا على ما هم فيه وتمادوا على الضلال حتى يئس من إيمانهم بالكلية وقد أوحى إليه { أية : وَأُوحِىَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ } تفسير : [هود: 36] {رَبّ ٱنصُرْنِى} بإهلاكهم بالمرة بناءً على أنه حكاية إجمالية لقوله عليه السلام: { أية : رَّبّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ دَيَّاراً } تفسير : [نوح: 26] الخ، والباء في قوله تعالى: {بِمَا كَذَّبُونِ} للسببية أو للبدل و(ما) مصدرية أي بسبب تكذيبهم إياي أو بدل تكذيبهم، وجوز أن تكون الباء آلية و(ما) موصولة أي انصرني بالذي كذبوني به وهو العذاب الذي وعدتهم إياه ضمن قولي: { أية : إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } تفسير : [الأعراف: 59] وحاصله انصرني بإنجاز ذلك، ولا يخفى ما في حذف مثل هذا العائد من الكلام. وقرأ أبو جعفر وابن محيصن {رَبّ} بضم الباء ولا يخفى وجهه.
ابن عاشور
تفسير : استئناف بياني لأن ما حكي عن صدهم الناس عن تصديق دعوة نوح وما لفقوه من البهتان في نسبته إلى الجنون، مما يثير سؤال مَن يسأل عمَّاذا صنع نوح حين كذّبه قومه فيجاب بأنه قال: {رب انصرني} الخ. ودعاؤه بطلب النصر يقتضي أنه عَدّ فعلَهم معه اعتداءً عليه بوصفِه رسولاً من عند ربه. والنصر: تغليب المعتدَى عليه على المعتدي، فقد سأل نوح نصراً مجملاً كما حكي هنا، وأعلمه الله أنه لا رجاء في إيمان قومه إلاّ مَن آمن منهم كما جاء في سورة هود، فلا رجاء في أن يكون نصره برجوعهم إلى طاعته وتصديقه واتِّباع ملته، فسأل نوح حينذاك نصراً خاصاً وهو استئصال الذين لم يؤمنوا كما جاء في سورة نوح (26، 27) { أية : وقال نوح ربّ لا تَذَرْ على الأرض من الكافرين دَيَّاراً إنك إن تَذَرهمُ يُضِلّوا عبادك }. تفسير : فالتعقيب الذي في قوله تعالى هنا: {فأوحينا إليه} تعقيب بتقدير جمل محذوفة كما علمت، وهو إيجاز في حكاية القصة كما في قوله تعالى: { أية : أن أضربْ بعصاكَ البَحْرَ فانفلق } تفسير : الخ في سورة الشّعراء (63). والباء في {بما كَذّبون} سببية في موضع الحال من النصر المأخوذ من فعل الدعاء، أي نصراً كائناً بسبب تكذيبهم، فجعل حظ نفسهِ فيما اعتدوا عليه مُلغىً واهتم بحظ الرسالة عن الله لأن الاعتداء على الرسول استخفاف بمن أرسله. وجملة {أن اصنع} جملة مفسره لِجملة {أوحينا} لأن فعل {أوحينا} فيه معنى القول دون حروفه، وتقدم نظير جملة { أية : واصنع الفلك بأعيننا ووحينا } تفسير : في سورة هود (37). وفرع على الأمر بصنع الفلك تفصيل ما يفعله عند الحاجة إلى استعمال الفلك فوُقِّت له استعماله بوقت الاضطرار إلى إنجاء المؤمنين والحيوان. وتقدم الكلام على معنى {فار التنور} ومعنى { أية : زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول } تفسير : في سورة هود (40). والزوج: اسم لكل شيء له شيء آخر متصل به بحيث يجعله شَفعا في حالة مَّا. وتقدم في سورة هود. وإنما عبر هنالِك بقوله: { أية : قلنا احمل فيها } تفسير : [هود: 40] وهنَا بقوله: {فاسلُك فيها} لأن آية سورة هود حكت ما خاطبه الله به عند حدوث الطوفان وذلك وقت ضيق فأُمرّ بأن يحمل في السفينة من أراد الله إبقاءهم، فأسند الحمل إلى نوح تمثيلاً للإسراع بإركاب ما عُيِّن له في السفينة حتَّى كأنّ حاله في إدخاله إيَّاهم حالُ من يحمل شيئاً ليضعه في موضع، وآية هذه السورة حكت ما خاطبه الله به من قبل حدوث الطوفان إنباء بما يفعله عند حدوث الطوفان فأمَره بأنه حينئذ يدخل في السفينة من عَيَّن الله إدخالهم، مع ما في ذلك من التفنن في حكاية القصة. ومعنى {اسلك} أدخِل، وفعل (سلك) يكون قاصراً بمعنى دخل ومتعدياً بمعنى أدخل ومنه قوله تعالى: { أية : ما سَلَكَكُم في سَقَر } تفسير : [المدثر: 42]. وقول الأعشى: شعر : كما سلَك السَّكِّيَّ في الباب فَيْتَقُ تفسير : وتقدم الكلام على مثل قوله: { أية : ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون } تفسير : في سورة هود (37). وقرأ الجمهور {من كل زوجين} بإضافة {كل} إلى {زوجين}. وقرأه حفص بالتنوين {كلَ} على أن يكون {زوجين} مفعولَ {فاسلك}، وتنوين {كل} تنوين عوض يُشعرُ بمحذوف أضيف إليه {كل}. وتقديره: من كل ما أمرتك أن تحمله في السفينة.
د. أسعد حومد
تفسير : (26) - وَبَعْدَ أَنْ دَعَاهُمْ نُوحٌ مُدَّةً طَوِيلَةً سِرّاً وَجَهْراً، لَيْلاً وَنَهَاراً، وَلَمْ يَرَ مِنهُمْ إِلاَ عِنَاداً وَإِصْراراً عَلَى الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، أَدْرَكَ أَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ رَجَاءَ فِيهِمْ، فَدَعَا رَبَّهُ مُسْتَنصِراً بِهِ عَلَيْهِم {فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَٱنتَصِرْ}، وَهُنَا يَقُولُ تَعَالَى: إِنَّ نُوحاً دَعَا رَبَّهُ لِيَنْصُرَهُ عَلَى قَوْمِهِ المُكَذِّبِينَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : بعد أنْ كذَّبه قومه دعا الله أن ينصره {بِمَا كَذَّبُونِ} [المؤمنون: 26] يعني: انصرني بسبب تكذيبهم، واجعل تكذيبهم لا مدلولَ له فينتصر عليهم رغم تكذيبهم، أو: يا رب عوِّضني بتكذيبهم نصراً، يعني: أبْدِلني من كذبهم نصراً، كما تقول: اشتريت كذا بكذا، فأخذت هذا بدل هذا. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: {فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ أَنِ ٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَآءَ أَمْرُنَا ...}.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {قَالَ رَبِّ ٱنصُرْنِي} [المؤمنون: 26] على تسخيرهم وتأديبهم {بِمَا كَذَّبُونِ * فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ} [المؤمنون: 27] أي: ألهمنا إلى نوح الروح {أَنِ ٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ} [المؤمنون: 27] أي: فلك الشريعة {بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا} أي: باستصواب نظرنا وأمرنا لا بنظر عقولكم، وأمر هواكم، كما يعمل الفلاسفة والبراهمة {فَإِذَا جَآءَ أَمْرُنَا} [المؤمنون: 27] بجذبات العناية {وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ} [المؤمنون: 27] تنور قلوبكم بماء الحكمة {فَٱسْلُكْ فِيهَا} [المؤمنون: 27] أي: في فلك الشريعة للعبور على بحر الحقيقة {مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ} [المؤمنون: 27] من الصفات النفسانية والشيطانية؛ لأن السالك يحتاج إليها في سلوك الطريق إلى الله تعالى قوله تعالى: {زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ} يشير إلى قدر يسير منها إذا كانت مغلوبة لا تمرد فيها، وفي شرح الاحتياج بها طول {وَأَهْلَكَ} أي الصفات الإنسانية الروحانية {إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ مِنْهُمْ} وهي النفس الأمارة بالسوء {وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ} [المؤمنون: 27] أي: من الصفات الذميمة {إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ} [المؤمنون: 27] أي: النفس الأمارة وصفاتها الذميمة، دعهم مغرقون في بحر الرياضة والمجاهدة فلا سبيل لهم إلى الخلاص منها إلا بقدر ما ذكرنا من زوجين اثنين {فَإِذَا ٱسْتَوَيْتَ} يا نوح الروح في سفينة الشريعة {أَنتَ وَمَن مَّعَكَ} من القلب والسر. {عَلَى ٱلْفُلْكِ فَقُلِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي نَجَّانَا مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} [المؤمنون: 28] أي: من النفس وصفاتها الذميمة بالالتجاء إلى سفينة الشريعة، {وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً} [المؤمنون: 29] وهو مقعد الصدق [المؤمنون: 29]، {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ} بأنك لا تنزل وفدك إلا بأعلى مراتب قربك {إِنَّ فِي ذٰلِكَ} [المؤمنون: 30] أي: الذي ذكرناه من الحقائق والدقائق {لآيَاتٍ} دلالات إلى الحضرة {وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ} أرباب الصورة بالمعاني الظاهرة لئلا يطلع على هذه الحقائق إلا أهلها.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):