Verse. 2700 (AR)

٢٣ - ٱلْمُؤْمِنُون

23 - Al-Mu'minoon (AR)

فَاَوْحَيْنَاۗ اِلَيْہِ اَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِاَعْيُنِنَا وَ وَحْيِنَا فَاِذَا جَاۗءَ اَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّوْرُ۝۰ۙ فَاسْلُكْ فِيْہَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَاَہْلَكَ اِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْہِ الْقَوْلُ مِنْہُمْ۝۰ۚ وَلَا تُخَاطِبْنِيْ فِي الَّذِيْنَ ظَلَمُوْا۝۰ۚ اِنَّہُمْ مُّغْرَقُوْنَ۝۲۷
Faawhayna ilayhi ani isnaAAi alfulka biaAAyunina wawahyina faitha jaa amruna wafara alttannooru faosluk feeha min kullin zawjayni ithnayni waahlaka illa man sabaqa AAalayhi alqawlu minhum wala tukhatibnee fee allatheena thalamoo innahum mughraqoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فأوحينا إليه أن اصنع الفلك» السفينة «بأعيننا» برأي منا وحفظنا «ووحينا» أمرنا «فإذا جاء أمرنا» بإهلاكهم «وفار التنور» للخباز بالماء وكان ذلك علامة لنوح «فاسلك فيها» أي أدخِلْ في السفينة «من كلِ زوجين» ذكر وأنثى، أي من كل أنواعهما «اثنين» ذكراً وأنثى وهو مفعول ومن متعلقة باسلك، ففي القصة أن الله تعالى حشر لنوح السباع والطير وغيرهما، فجعل يضرب بيديه في كل نوع فتقع يده اليمنى على الذكر واليسرى على الأنثى فيحملهما في السفينة، وفي قراءة كلِ بالتنوين فزوجين مفعول واثنين تأكيد له «وأهلك» زوجته وأولاده «إلا من سبق عليه القول منهم» بالإهلاك وهو زوجته وولده كنعان بخلاف سام وحام ويافث فحملهم وزوجاتهم ثلاثة، وفي سورة هود (ومن آمن وما آمن معه إلا قليل) قيل كانوا ستة رجال ونساؤهم وقبل جميع من كان في السفينة ثمانية وسبعون نصفهم رجال ونصفهم نساء «ولا تخاطبني في الذين ظلموا» كفروا بترك إهلاكهم «إنهم مغرقون».

27

Tafseer

البيضاوي

تفسير : {فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ ٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا } بحفظنا نحفظه أن تخطىء فيه أو يفسده عليك مفسد. {وَوَحْيِنَا } وأمرنا وتعليمنا كيف تصنع. {فَإِذَا جَاء أَمْرُنَا} بالركوب أو نزول العذاب. {وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ}. روي أنه قيل لنوح إذا فار الماء من التنور اركب أنت ومن معك، فلما نبع الماء منه أخبرته امرأته فركب ومحله في مسجد الكوفة عن يمين الداخل مما يلي باب كندة. وقيل عين وردة من الشام وفيه وجوه أخر ذكرتها في «هود». {فَٱسْلُكْ فِيهَا } فادخل فيها يقال سلك فيه وسلك غيره قال تعالى {أية : مَا سَلَكَكُمْ فِى سَقَرَ }تفسير : [المدثر: 42] مِن كُلّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ} من كل أمتي الذكر والأنثى واحدين مزدوجين، وقرأ حفص «مِن كُلّ» بالتنوين أي من كل نوع زوجين واثنين تأكيد. {وَأَهْلَكَ} وأهل بيتك أو من آمن معك. {إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ مِنْهُمْ } أي القول من الله تعالى بإهلاكه لكفره، وإنما جيء بعلى لأن السابق ضار كما جيء باللام حيث كان نافعاً في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ }تفسير : [الأنبياء: 101] {وَلاَ تُخَـٰطِبْنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} بالدعاء لهم بالإنجاء. {إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ} لا محالة لظلمهم بالإِشراك والمعاصي، ومن هذا شأنه لا يشفع له ولا يشفع فيه كيف وقد أمره بالحمد على النجاة منهم بهلاكهم بقوله: {فَإِذَا ٱسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلْفُلْكِ فَقُلِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى نَجَّانَا مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ } كقوله تعالى: {أية : فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ }تفسير : [الأنعام: 45] {وَقُل رَّبّ أَنزِلْنِي} في السفينة أو في الأرض. {مُنزَلاً مُّبَارَكاً } يتسبب لمزيد الخير في الدارين على قراءة أبي بكر، وقرىء «مُنزَلاً» بمعنى إنزالاً أو موضع إنزال. {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ } ثناء مطابق لدعائه أمره بأن يشفعه به مبالغة فيه وتوسلاً به إلى الإِجابة، وإنما أفرده بالأمر والمعلق به أن يستوي هو ومن معه إظهاراً لفضله وإشعاراً بأن في دعائه مندوحة عن دعائهم فإنه يحيط بهم. {إِنَّ فِي ذَلِكَ} فيما فعل بنوح وقومه. {لاَيَاتٍ } يستدل بها ويعتبر أولو الاستبصار والاعتبار. {وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ } لمصيبين قوم نوح ببلاء عظيم، أو ممتحنين عبادنا بهذه الآيات {وَإِنْ} هي المخففة واللام هي الفارقة. {ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً ءَاخَرِينَ } هم عاد أو ثمود. {فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ } هو هود أو صالح، وإنما جعل القول موضع الإِرسال ليدل على أنه لم يأتهم من مكان غير مكانهم وإنما أوحي إليه وهو بين أظهرهم. {أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ } تفسير لأرسلنا أي قلنا لهم على لسان الرسول اعبدوا الله. {أَفَلاَ تَتَّقُونَ} عذاب الله. {وَقَالَ ٱلْمَلَؤُاْ مِن قَوْمِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} لعله ذكر بالواو لأن كلامهم لم يتصل بكلام الرسول صلى الله عليه وسلم بخلاف قول قوم نوح حيث استؤنف به، فعلى تقدير سؤال. {وَكَذَّبُواْ بِلِقَاء ٱلأَخِرَةِ} بلقاء ما فيها من الثواب والعقاب، أو بمعادهم إلى الحياة الثانية بالبعث {وَأَتْرَفْنَـٰهُمْ } ونعمناهم {فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} بكثرة الأموال والأولاد. {مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ } في الصِفة والحالة. {يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ } تقرير للمماثلة و «ما» خبرية والعائد إلى الثاني منصوب محذوف أو مجرور حذف مع الجار لدلالة ما قبله عليه. {وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مّثْلَكُمْ} فيما يأمركم به. {إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَـٰسِرُونَ} حيث أذللتم أنفسكم، و {إِذَا } جزاء للشرط وجواب للذين قَاوَلُوهُمْ من قومه. {أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتٌّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظـٰماً} مجردة عن اللحوم والأعصاب. {أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ} من الأجداث أو من العدم تارة أخرى إلى الوجود، و {أَنَّكُمْ} تكرير للأول أكد به لما طال الفصل بينه وبين خبره، أو أنكم لمخرجون مبتدأ خبره الظرف المقدم، أو فاعل للفعل المقدر جواباً للشرط والجملة خبر الأول أي: أنكم إخراجكم إذا متم، أو إنكم إذا متم وقع إخراجكم ويجوز أن يكون خبر الأول محذوفاً لدلالة خبر الثاني عليه لا أن يكون الظرف لأن اسمه جثة. {هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ} بعد التصديق أو الصحة. {لِمَا تُوعَدُونَ} أو بعدما توعدون، واللام للبيان كما في {أية : هَيْتَ لَكَ }تفسير : [يوسف: 23] كأنهم لما صوتوا بكلمة الاستبعاد قيل: فما له هذا الاستبعاد؟ قالوا {لِمَا تُوعَدُونَ}. وقيل {هَيْهَاتَ} بمعنى البعد، وهو مبتدأ خبره {لِمَا تُوعَدُونَ}، وقرىء بالفتح منوناً للتنكير، وبالضم منوناً على أنه جمع هيهة وغير منون تشبيهاً بقبل وبالكسر على الوجهين، وبالسكون على لفظ الوقف وبإبدال التاء هاء.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ أَنِ ٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ } السفينة {بِأَعْيُنِنَا } بمرأى منّا وحفظنا {وَوَحْيِنَا } أمرنا {فَإِذَا جَآءَ أَمْرُنَا } بإهلاكهم {وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ } للخباز بالماء وكان ذلك علامة لنوح {فَٱسْلُكْ فِيهَا } أي ادخل في السفينة {مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ } أي ذكر وأنثى أي من كل أنواعهما {ٱثْنَيْنِ } ذكر وأنثى، وهو مفعول، و «من» متعلقة ب «اسلك». وفي القصة أن الله تعالى حشر لنوح السباع والطير وغيرهما، فجعل يضرب بِيَدَيْهِ فِي كل نوع فتقع يده اليمنى على الذكر واليسرى على الأنثى فيحملهما في السفينة وفي قراءة «كل» بالتنوين ف «زوجين» مفعول و «اثنين» تأكيد له {وَأَهْلَكَ } أي زوجته وأولاده {إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ مِنْهُمْ } بالإهلاك وهو زوجته وولده كنعان، بخلاف سام وحام ويافث فحملهم وزوجاتهم الثلاثة. وفي سورة هود{أية : وَمَنْ ءَامَنَ وَمآ ءَامَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ }تفسير : [40:11] قيل: كانوا ستة رجال ونساءُهم. وقيل: جميع من كان في السفينة ثمانية وسبعون نصفهم رجال وَنِصْفَهُم نساء {وَلاَ تُخَٰطِبْنِى فِى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } كفروا بترك إهلاكهم {إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ }.

ابن عطية

تفسير : قد تقدم القول في صفة السفينة وقدرها في سورة هود، و {الفلك} هنا مفرد لا جمع، وقوله تعالى {بأعيننا} عبارة عن الإدراك، هذا مذهب الحذاق، ووقفت الشريعة على أعين وعين ولا يجوز أن يقال عينان من حيث لم توقف الشريعة على التثنية و {وحينا} معناه في كيفية العمل ووجه البيان، وذلك أن جبريل عليه السلام نزل إلى نوح فقال له اصنع كذا وكذا لجميع حكم السفينة وما تحتاج إليه واستجن الكفار نوحاً لادعائه النبوءة بزعمهم أنها دعوى وسخروا منه لعمله السفينة على غير مجرى، ولكونها أَول سفينة إن صح ذلك، وقوله {أمرنا}، يحتمل أن يكون مصدراً بمعنى أَن نأمر الماء بالفيض ويحتمل أن يريد واحد الأمور أي هلاكنا للكفرة، وقد تقدم القول في معنى قوله {وفار التنور} والصحيح من الأقوال فيه أنه تنور الخبز وأَنها أمارة كانت بين الله تعالى وبين نوح عليه السلام وقوله {فاسلك} معناه فادخل ومنه قول الشاعر: [البسيط] شعر : حتى سلكن الشوى منهن في مسلك من نسل جوابة الآفاق مهداج تفسير : وقول الآخر: [الوافر] شعر : وكنت لزاز خصمك لم أعرد وقد سلكوك في يوم عصيب تفسير : يقال سلك وأسلك بمعنى، وقرأ حفص "من كلٍّ" بتنوين "كلٍّ"، وقرأ الباقون وأَبو بكر عن عاصم بإضافة "كلِّ" دون تنوين و"الزوجان" كل ما شأنه الاصطحاب من كل شيء كالذكر والأنثى من الحيوان ونحو النعال وغيرها كل واحد زوج للآخر هذا موقع اللفظة في اللغة، والعدديون يوقعون الزوج على الاثنين وعلى هذا أمر استعمال العامة للزوج، وقوله {وأهلك} يريد قرابته ثم استثنى {من سبق عليه القول} بأنه كافر وهو ابنه وأمرأته، ثم أمر نوح عليه السلام أَن لا يراجع ربه ولا يخاطبه شافعاً في أَحد من الظالمين، والإشارة إلى من استثنى إذ العرف من البشر الحنو على الأهل، ثم أمره تعالى بأَن يحمد ربه على النجاة من الظلمة عند استوائه وتمكنه في الفلك، ثم أمره بالدعاء في بركة المنزل، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر "مَنزِلاً" بفتح الميم وكسر الزاي وهو موضع النزول، وقرأ الباقون وحفص عن عاصم "مُنزَلاً" وهو مصدر بمعنى الإنزال بضم الميم وفتح الزاي، ويجوز أَن يراد موضع النزول وقوله {إن في ذلك لآيات}، خطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم أي أَن فيما جرى على هذه الأمم لعبراً ودلائل لمن له نظر وعقل، ثم أخبر أَنه تعالى يبتلي عباده الزمن بعد الزمن على جهة الوعيد لكفار قريش بهذا الإخبار، و {إن} عند سيبويه هي المخففة من الثقيلة واللام لام تأكيد، والفراء يقول {إن} نافية واللام بمعنى إلا و {لمبتلين} معناه لمصيبين ببلاء ومختبرين اختباراً يؤدي إلى ذلك.

ابن عبد السلام

تفسير : {التَّنُّورُ} تنور الخبز، أو أحر مكان في دارك، أو طلوع الفجر أو عَبَّر به عن شدة الأمر كقولهم: حمى الوطيس.

الثعالبي

تفسير : وقوله عزَّ وجل: {فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ ٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ فَٱسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ * فَإِذَا ٱسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلْفُلْكِ فَقُلِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ} قوله: {بِأَعْيُنِنَا}: عبارة عن الإدراك هذا مذهبُ الحُذَّاقِ، ووقفتِ الشريعةُ على أعين وعين، ولا يجوزُ أَنْ يُقال: عينان من حيثُ لم توقف الشريعة على التثنية، و {وَحْيِنَا} معناه في كيفية العمل، ووجهُ البيان لجميع حكم السفينة وما يحتاج إليه، و {أَمْرُنَا} يحتمل أنْ يكونَ واحد الأوامر، ويحتمل أن يريد واحد الأمور، والصحيح من الأقوال في {ٱلتَّنُّورُ} أنه تَنُّورُ الخبز، وأَنَّها أمارة كانت بين اللّه تعالى وبين نوح عليه السلام. وقوله: {فَٱسْلُكْ}: معناه: فأدخل؛ يقال سلك وأسلك بمعنىً، وقرأ حفص عن عاصم: {مِنْ كُلٍّ} بالتنوين، والباقون بغير تنوين، والزوجان: كُلَّ ما شأنه الاصطحابُ من كل شيءٍ؛ نحو: الذكر، والأنثى من الحيوان، ونحو: النعال وغيرها، هذا موقع اللفظة في اللغة. وقوله: {وأهْلَكَ} يريد: قرابته، ثم استثنى من سبق عليه القولُ بأَنَّهُ كافر، وهو ابنه وإمرأته، ثم أُمِرَ نوحٌ ألاَّ يراجعَ رَبَّه، ولا يخاطبَه شافعاً في أحد من الظالمين، ثم أُمِرَ بالدعاء في بركة المنزل. وقوله سبحانه: إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لآيَـٰتٍ» خطاب لِنَبِيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم ثم أخبر سبحانه أنه يبتلي عباده الزمنَ بعد الزمنِ على جهة الوعيد لِكُفَّارِ قريشٍ بهذا الإخبار، واللام في {لَمُبْتَلِينَ} لامُ تأكيدٍ، و «مبتلين»: معناهُ: مُصِيبِينَ ببلاء، ومختبرين اختباراً يؤدي إلى ذلك.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {فاسلك فيها} الآية. يقول: اجعل معك في السفينة من كل زوجين إثنين.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ أَنِ ٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا}. قال الجنيد رحمة الله عليه: من عمل على المشاهدة أورثه الله عليه الرضا لقوله تعالى: {أية : وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا}تفسير : [هود: 37].

البقلي

تفسير : قوله تعالى {فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ أَنِ ٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا} امر الله سبحانه نبيه نوحا عليه السّلام ان يصنع اعماله جميعا على وصف المراقبة والمشاهدة حتى يكون محفوظا بعصمته عن طريان القهر قال الجنيد من عامل على المشاهدة رؤية الله عليه الرضا قال الله واصنع الفلك باعيننا.

اسماعيل حقي

تفسير : {فأوحينا اليه} عند ذلك اى فاعلمناه فى خفاء فان الايحاء والوحى اعلام فى خفاء {ان اصنع الفلك} ان مفسرة لما فى الوحى من معنى القول والصنع اجادة الفعل {باعيننا} ملتبسا بحفظنا نحفظه من ان تخطىء فى صنعته او يفسده عليك مفسد يقال فلان بعينى اى احفظه واراعيه كقولك هو منى بمرأى ومسمع، قال الجنيد قدس سره من عمل على مشاهدة اورثه الله عليها الرضى قال الله تعالى {أية : واصنع الفلك باعيننا} {أية : ووحينا}تفسير : وامرنا وتعليمنا لكيفية صنعها ـ روى ـ انه اوحى اليه ان يصعنها على مثال الجؤجؤ. وفى التأويلات النجمية الهمنا الى نوح الروح ان اصنع فلك الشريعة باستصواب نظرنا وامرنا لا بنظر العقل وامر الهوى كما يعمل الفلاسفة والبراهمة {فاذا جاء امرنا} اى اذا اقترب امرنا بالعذاب {وفار التنور} [وبجوشد تنور يعنى بوقتى كه زن تونان بزد ازميان آتش آب برآيد] كما فى تفسير الفارسى. والفور شدة الغليان ويقال ذلك فى النار نفسها اذا هاجت وفى القدر وفى الغضب وفوارة الماء سميت تشبيها بغليان القدر ويقال الفور الساعة والتنور تنور الخبر ابتداء منه النبوع على خرق العادة وكان فى الكوفة موضع مسجدها كما روى انه قيل له عليه السلام اذا فار الماء من التنور اركب انت ومن معك وكان تنور آدم فصار الى نوح فلما نبع منه الماء اخبرته امرأته فركبوا {فاسلك فيها} اى ادخل فى الفلك يقال سلك فيه اى دخل وسلكه فيه اى ادخله ومنه قوله ماسلككم فى سقر {من كل} من كل امة ونوع {زوجين} فردين مزدوجين {اثنين} تأكيد والمراد الذكر والانثى [ودر تيسير كويد در كشتى نياورد مكر آنهاراكه مى زايند بابيضه مى نهند] {واهلك} منصوب بفعل معطوف على فاسلك اى واسلك اهلك والمراد به امرأته وبنوه وتأخير الاهل لما فيه من ضرب تفصيل بذكر الاستثناء وغيره {الا من سبق عليه القول منهم} اى القول باهلاك الكفرة ومنهم ابنه كنعان وامه واغلة وانما جيء بعلى لكون السابق ضارا كما جيء باللام فى قوله {أية : ان الذين سبقت لهم منا الحسنى} تفسير : لكونه نافعا {ولا تخاطبنى فى الذين ظلموا} بالدعاء وانجائهم {انهم مغرقون} مقضى عليهم بالاغراق لا محالة لظلمهم بالاشراك وسائر المعاصى ومن هذا شأنه لا يشفع له ولا يشفع فيه كيف لا وقد امر بالحمد على النجاة منهم باهلاكهم.

اطفيش

تفسير : {فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ أَنِ} مفسرة قالوا أو مصدرية {اصْنَعِ الْفُلْكَ} السفينة {بِأَعْيُنِنَا} بمرأى منا اي في موضع نراك فيه ونعلمك ولا يكون في موضع الا والله يراه ويعلمه والمراد نحفظك وايها فلا يعارض عنها ولا يفسد عمله ورد الجمع والافراد يقال: (عين الله) بمعنى حفظه وعلمه واعينه كذلك ولم ترد التثنية فلا يجوز {وَوَحِيْنَا} اي وبامرنا اياك كيف تصنع ارسل اليه جبريل وعلمه عمل السفينة وروي انه اوحى اليه ان يضعها على مثال جؤجؤة الطائر. {فَإِذَا جَآءَ أَمْرُونَا} باهلاكهم أو بالركوب فالامر بمعنى القول. وقيل: امرنا اهلاكنا {وَفَارَ التَّنُّورُ} الذي يخبز فيه وهو من حجارة. وروي انه كان عند آدم. وقيل: وهو وجه الارض وهو قول ابن عباس. وقال قتادة: أعلى موضع في الارض ومعنى (فار التنور) فاض بالماء وذلك علامة لنوح عليه السلام. وعن علي: (فار التنور) طلع الفجر. وقيل: معناه ان فوران التنور كان عند تنوير الفجر. وقيل: هو مثل للشدة كقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : حمي الوطيس"تفسير : والصحيح ان التنور تنور الخبز. وعن الشعبي كان في مسجد الكوفة عن يمين الداخل مما يلي باب كندة وعمل السفينة وسط الموضع الذي هو الآن مسجدها وهو المسجد المذكور. وقيل: كان ذلك بالشام بموضع يقال له عين وردة. وقيل: بالهند وقال لامراتة إذا فار فاخبريني واخبرته فركب {فَاسْلُكْ} ادخل {فِيهَا} في الفلك {مِن كُلِ زَوْجَيْنِ} من كل امتي زوجين امة الذكور وامة الانثى والزوج الواحد للقرون بآخر واطلاق الزوج على واحد كلام العامة. وقيل: لغة ضعيفة {اثْنَيْنِ} فردين اثنين ذكرا وانثى مفعول (لاسلك) ويكون (سلك لازما) ايضا بمعنى دخل والزوجات من كل شيء هم المزدوجان وقرأ حفص عن عاصم بتنوين كل فزوجين مفعول واثنين توكيدا ونعت مؤكد اي من كل نوع زوجين الجمل والناقة والحصان والرمك والكبش والنعجة وهكذا من كل ما يلد ويبيض (ومن) متعلقة بـ (اسلك) أو حال من اثنين ويتعين الاول في قراءة التنوين. وروي ان الله عز وجل حشر لنوح السباع والطير وغيرهما فجعل يضرب يديه في كل نوع فتقع يمناه على الذكر ويسراه على الانثى فيحملها {وَاهْلَكَ} قرابتك ومن في بيتك {إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ} وجب عليه العذاب أو الغضب او سبق عليه القول والقضاء بالهلاك {مِنْهُمْ} وهو ابنه كطن وزوجته وحمل معه اولاده الآخرين وهم سام وحام ويافث وازواجهم الثلاث. وقيل: أهله من آمن به والاستثناء منقطع و(من) واقعة على (الكفار) والضمير في (منهم) عائد على قومه مطلقا. ويصح على قول ابن الحاجب ان يقال: اهلك فعل ماض مفعول محذوف اي اهلك الله القوم الا من سبق عليه القول منهم انه لا يهلك وهو المؤمنون فعلى هذا ففي اهلك التفاوت و(من) واقعة على المؤمنين و(على) مستعملة في النفع أي (من قضى الله عليه انه لا يهلك). واصل (على) ان تستعمل في الضر كما في التفسيرين الاولين فان القول السابق في علم الله ضار لهم عكس اللام مثل {ان الذين سبقت لهم منا الحسنى ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين}. وقول عمر: ليتها كانت كفافا لا لي ولا عليّ. وجميع من في السفينة سبعة هو واولاده الثلاث وازواجهم. وقيل: ثمانية وسبعون نصفهم ذكور ونصفهم اناث. وقيل: كانت فيهم امرأة لنوح {وَلاَ تُخَاطِبْنِى فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا} اشركوا وعصوا لا تطلبني بترك اهلاكهم ومنع صاحب السؤالات ان تقول: خاطبت الله واجازه السعد التفتازاني وغيره وهو ظاهر الآية لانها تفهم اجازة الله لنوح ان يخاطبه في غير الذين ظلموا. {إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ} انما نهاه عن الدعاء للظالمين بالنجاة لظلمهم وايجاب الحكمة ان يغرقوا لمال في اغراقهم من المصلحة بعد ان امهلهم دهورا متطاولة فلم يزيدوا الا ضلالا ولم يبق الا ان يجعلوا عبرة للمعتبرين ولا تقبل الشفاعة فيهم وبالغ في ذلك في اتباعه بالامر بالحمد على اهلاكهم والنجاة في قوله {فَإِذَا اسْتَويتَ} اعتدلت {أَنتَ وَمَن مَّعَكَ} من المؤمنين وأما البهائم فغير معتبرة أو المراد بـ (من) المؤمنين والبهائم فمن على هذا مستعملة في العالم وغيره واعتبرت لانها منافع لهم ولمن يعدهم وغلبت ما فيه المنفعة على غيره منها فاوقع الحمد على نجاة المجموع بل الحمد يكون على السراء والضراء فلا تغليب {عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} وهذا كقوله:{أية : فقطع دابر القوم الذين ظلموا}تفسير : و {أية : الحمد لله رب العالمين }

اطفيش

تفسير : {فأوحَيْنا إليه} عقب ذلك بسبب ذلك {أن اصْنَع الفُلْكَ بأعْيُننا} ملتبساً بحفظنا لها عن أن يفسدوها، وعن أن تزيغ فى صنعها {وَوَحْينا} إليك بكيفية صنعها، قارنه ملك يعلمه الصنع، وتغطيتها بما لا ينفذه الماء كالقطران مع الجير {فإذا جاء} قرب جداً أو حضر ابتداء {أمرنا} عقب اتمامها، وهو واحد الأمور، وهو العذاب أو أمرنا لك بالركوب فيها. {وفار} نبع بالماء نبعاً شديداً {التَّنُّورُ} الذى من شأنه المنافرة للماء تنور آدم عند نوح، أخبرته امرأته لعنها الله بفورانه، فركبُوا وهو فى موضع مسجد الكوفة عن يمين الداخل من باب كندة، أو فى عين وردة من الشام، أو بالجزيرة قريباً من الموصل، او فى هند، أو التنور وجه الأرض، أو فار التنور عبارة عن شدة الأمر كحمى الوطيس، وشمرت الحرب عن ساق. {فاسلك} أدخل {فيها من كلٍّ زوجَين} نوعين ذكر وأنثى {اثْنَين} فرد من ذكر أو أنثى مفعول به لاسلك، ليتوالد فلا ينقطع الجنس، فحمل ديكاً وديكة ونعامة ذكراً وأنثى وغير ذلك مما يلد البيض، وجملاً وناقة، وهكذا فلم يحمل بغلاً وبغلة، لأنهما لا يتوالدان، ويكفى حمل ما يلدهما، ولم يحمل ما يتولد من الماء أو الصفونة كالذباب والدود والبق، والآية صريحة فى أن قوله تعالى: {فاسلك فيها} متقدم على صنعها، فيرد إليها قوله عز وجل: "أية : حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور"تفسير : [هود: 40] "أية : قلنا احمل فيها"تفسير : [هود: 40] رد ظاهرة بعد صنعها، وهو كذلك بأن القول قبل صنعها يتحقق، وينفذ بعد صنعها، أو ما هنا وهو القول قبل الصنع كالعدم بالنسبة إلى القول بعده لقوته، وهو ما فى الآية الأخرى، فكأنه قيل بعده، وأولى من هذا أَن القول وقع قبل وبعد تنبيهاً وتأكيداً. {وأهْلك} أى من آمن بك، ولو من غير قرابتك، كما فى هود، والعطف على اثنين، ولا يتوهم أن الأهل من الزوجين، لأن المراد اسلك فيها اثنين من كل زوجين وأهلك {إلاَّ من سبق} فى قوله تعالى وفى اللوح المحفوظ {عليه القَوْل} بالإهلاك {منهم} من القوم والاستثناء منقطع، لأن المراد بالأهل من آمن به، وإن فسرنا الأهل بقرابته، ومن تحت حكمه، كان المراد بمن سبق عليه القول زوجه وابنه الكافر، فيكون سائر من آمن به لم يذكر فى هذه الآية اكتفاء بذكره، فى غيرها ولدلاله استثناء من سبق عليه القول، لأن استثناء لكفره، وأخر الأهل عن الاثنين من كل زوجين، ولو قدمهم لطال الفصل بالاستثناء، وما اتصل به من قوله: {ولا تُخاطبنى فى الَّذين ظلمُوا إنَّهُم مُغْرقون} ولأن أهله يدخلون بأنفسهم واختيارهم مع قوله تعالى: {فاسلك فيها} والاثنان من كل زوج لا يدخلان باختيارهما، بل بادخال نوح، والمعنى لا تكلمنى فيهم بطلب انجائهم، والمراد لا تخاطبنى فيهم، وأظهر ليذكر سبب إغراقهم، وهو الظلم لأنفسهم وللمؤمنين ولنوح ولدين الله، أنهم مغرقون ولا بد أو مقضى عليهم بالإغراق فلا يتخلف، ولا يقال خاطبت الله لعدم الأدب فيه، ولعدم وروده، ولو قال لا تخاطبنى.

الالوسي

تفسير : {فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ} عقيب ذلك، وقيل: بسبب ذلك {أَنِ ٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ} {أَنِ} مفسرة لما في الوحي من معنى القول {بِأَعْيُنِنَا} ملتبساً بمزيد حفظنا ورعايتنا لك من التعدي أو من الزيغ في الصنع {وَوَحْيِنَا} وأمرنا وتعليمنا لكيفية صنعها، والفاء في قوله تعالى: {فَإِذَا جَاء أَمْرُنَا} لترتيب مضمون ما بعدها على إتمام صنع الفلك، والمراد بالأمر العذاب كما في قوله تعالى: { أية : لاَ عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ } تفسير : [هود:43] فهو واحد الأمور لا الأمر بالركوب فهو واحد الأوامر كما قيل، والمراد بمجيئه كمال اقترابه أو ابتداء ظهوره أي إذا جاء إثر تمام الفلك عذابنا، وقوله سبحانه: {وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ} بيان وتفسير لمجىء الأمر. روي أنه قيل له عليه السلام إذا فار التنور اركب أنت ومن معك وكان تنور آدم عليه السلام فصار إلى نوح عليه السلام فلما نبع منه الماء أخبرته امرأته فركبوا. واختلفوا في مكانه فقيل كان في مسجد الكوفة أي في موضعه عن يمين الداخل من باب كندة اليوم، وقيل: كان في عين وردة من الشام، وقيل: بالجزيرة قريباً من الموصل، وقيل: التنور وجه الأرض، وقيل: فار التنور مثل كحمى الوطيس، وعن علي كرم الله تعالى وجهه أنه فسر {وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ} بطلع الفجر فقيل: معناه إن فوران التنور كان عند طلوع الفجر وفيه بعد، وتمام الكلام في ذلك قد تقدم لك. {فَٱسْلُكْ فِيهَا} أي ادخل فيها يقال سلك فيه أي دخل فيه وسلكه فيه أي أدخله فيه، ومنه قوله تعالى: { أية : مَا سَلَكَكُمْ فِى سَقَرَ } تفسير : [المدثر: 42] {مِن كُلّ} أي من كل أمة {زَوْجَيْنِ} أي فردين مزدوجين كما يعرب عنه قوله تعالى: / {ٱثْنَيْنِ} فإنه ظاهر في الفردين دون الجمعين. وقرأ أكثر القراء من {كُلّ زَوْجَيْنِ} بالإضافة على أن المفعول {ٱثْنَيْنِ} أي اسلك من كل أمتي الذكر والأنثى واحدين مزدوجين كجمل وناقة وحصان ورمكة. روي أنه عليه السلام لم يحمل في الفلك من ذلك إلا ما يلد ويبيض وأما ما يتولد من العفونات كالبق والذباب والدود فلم يحمل شيئاً منه، ولعل نحو البغال ملحقة في عدم الحمل بهذا الجنس لأنه يحصل بالتوالد من نوعين فالحمل منهما مغن عن الحمل منه إذا كان الحمل لئلا ينقطع النوع كما هو الظاهر فيحتاج إلى خلق جديد كما خلق في ابتداء الأمر. والآية صريحة في أن الأمر بالإدخال كان قبل صنعه الفلك، وفي سورة [هود: 40] { أية : حَتَّىٰ إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلّ زَوْجَيْنِ } تفسير : فالوجه أن يحمل على أنه حكاية لأمر آخر تنجيزي ورد عند فوران التنور الذي نيط به الأمر التعليقي اعتناءً بشأن المأمور به أو على أن ذلك هو الأمر السابق بعينه لكن لما كان الأمر التعليقي قبل تحقق المعلق به في حق إيجاب المأمور به بمنزلة العدم جعل كأنه إنما حدث عند تحققه فحكى على صورة التنجيز. {وَأَهْلَكَ} قيل عطف على {ٱثْنَيْنِ} على قراءة الإضافة وعلى {زَوْجَيْنِ} على قراءة التنوين، ولا يخفى اختلال المعنى عليه فهو منصوب بفعل معطوف على {فَٱسْلُكْ} أي واسلك أهلك، والمراد بهم أمة الإجابة الذين آمنوا به عليه الصلاة والسلام سواء كانوا من ذوي قرابته أم لا وجاء إطلاق الأهل على ذلك، وإنما حمل عليه هنا دون المعنى المشهور ليشمل من آمن ممن ليس ذا قرابة فإنهم قد ذكروا في سورة هود والقرآن يفسر بعضه بعضاً، وعلى هذا يكون قوله تعالى: {إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ مِنْهُمْ} استثناء منقطعاً، واختار بعضهم حمل الأهل على المشهور وإرادة امرأته وبنيه منه كما في سورة هود وحينئذٍ يكون الاستثناء متصلاً كما كان هناك، وعدم ذكر من آمن للاكتفاء بالتصريح به ثمت مع دلالة ما في الاستثناء وكذا ما بعده على أنه ينبغي إدخاله، وتأخير الأمر بإدخال الأهل على التقديرين عما ذكر من إدخال الأزواج لأن إدخال الأزواج يحتاج إلى مزاولة الأعمال منه عليه السلام وإلى معاونة أهله إياه وأما هم فإنما يدخلون باختيارهم، ولأن في المؤخر ضرب تفصيل بذكر الاستثناء وغيره فتقديمه يخل بتجاوب النظم الكريم، والمراد بالقول القول بالإهلاك، والمراد بسبق ذلك تحققه في الأزل أو كتابة ما يدل عليه في اللوح المحفوظ قبل أن تخلق الدنيا، وجىء بعلى لكون السابق ضاراً كما جىء باللام في قوله تعالى: { أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ } تفسير : [الأنبياء: 101] لكون السابق نافعاً. {وَلاَ تُخَـٰطِبْنِى فِى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} أي لا تكلمني فيهم بشفاعة وإنجاء لهم من الغرق ونحوه، وإذا كان المراد بهم من سبق عليه القول فالإظهار في مقام الإضمار لا يخفى وجهه {إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ} تعليل للنهي أو لما ينبـىء عنه من عدم قبول الشفاعة لهم أي أنهم مقضي عليهم بالإغراق لا محالة لظلمهم بالإشراك وسائر المعاصي ومن هذا شأنه لا ينبغي أن يشفع له أو يشفع فيه وكيف ينبغي ذلك وهلاكه من النعم التي يؤمر بالحمد عليها كما يؤذن به قوله تعالى:

الواحدي

تفسير : {فأوحينا إليه...} الآية. مُفسَّرة في سورة هود. {فاسلك فيها} أَيْ: اُدخل في السَّفينة، والباقي مفسَّر في سورة هود. {فإذا استويت} اعتدلت في السَّفينة راكباً. الآية. {وقل رب أنزلني} منها {منزلاً} إنزالاً {مباركاً} فاستجاب الله تعالى دعاءَه حيث قال: {أية : اهبط بسلام منا وبركات عليك } تفسير : وبارك فيهم بعد إنزالهم من السَّفينة، حتى كان جميع الخلق من نسل نوحٍ [ومَنْ كان معه في السَّفينة]. {إنَّ في ذلك} الذي ذكرت {لآيات} لدلالاتٍ على قدرتنا {وإن كنا لمبتلين} مُختبرين طاعتهم بإرسال نوحٍ إليهم. {ثم أنشأنا من بعدهم} أحدثنا {قرناً آخرين} يعني: عاداً. {فأرسلنا فيهم رسولاً منهم} وهو هود. وقوله: {وأترفناهم} أَيْ: نعَّمناهم ووسَّعنا عليهم.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: فأوحينا إليه أن اصنع: أي أعلمناه بطريق سريع خفي أي اصنع الفلك. بأعيننا ووحيينا: أي بمرأى منا ومنظر، وبتعليمنا إياك صنعها. وفار التنور: تنور الخباز فار منه الماء آية بداية الطوفان. فاسلك فيها: أي أدخل في السفينة. وأهلك: أولادك ونساءك. ولا تخاطبني في الذين ظلموا: أي لا تكلمني في شأن الظالمين فإني حكمت بإغراقهم. وقل رب: أي وادعني قائلاً يا رب أنزلني منزلاً مباركاً من الأرض. إن في ذلك لآيات: أي لدلائل وعبر. وإن كنا لمبتلين: أي لمختبرين. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في ذكر قصة نوح عليه السلام مع قومه فقد جاء في الآيات السابقة أن نوحاً عليه السلام دعا ربه مستنصراً إياه لينصره على قومه الذين كذبوه قائلاً: {أية : رَبِّ ٱنصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ } تفسير : [المؤمنون: 26] فاستجاب الله تعالى دعاءه فأوحى إليه أي أعلمه بطريق الوحي الخاص {أَنِ ٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ} أي السفينة {بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا} أي بمرأى منا ومنظر وبتعليمنا إياك وجعل له علامة على بداية هلاك القوم أن يفور التنور تنور طبخ الخبز بالماء وأمره إذا رأى تلك العلامة أن يدخل في السفينة من كل زوج أي ذكر وأنثى اثنين من سائر الحيوانات التي أمكنه ذلك منه وأن يركب فهيا أيضاً أهله من زوجة وولد إلا من قضى الله بهلاكه ونهاه أن يكلمه في شأن الظالمين لأنهم مغرقون قطعاً. هذا ما تضمنته الآية الأولى [27] {فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ أَنِ ٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَآءَ أَمْرُنَا} أي بإهلاك الظالمين المشركين {وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ فَٱسْلُكْ فِيهَا} أي في السفينة {مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ} أي أزواجك وأولادك {إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ مِنْهُمْ} أَي بإهلاكهم كامرأته، {وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ} أي لا تسألني عنهم فإني مهلكهم. وقوله تعالى: {فَإِذَا ٱسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلْفُلْكِ} أي إذا ركبت واستقررْت على متن السفينة أنت ومن معك من المؤمنين فاحمدنا فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين وادعنا ضارعاً إلينا قائلاً {رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً} أي من الأرض، وَأثْن علينا خيراً فقل {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ} وقوله تعالى: {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ} أي المذكور من قصة نوح لدلائل على قدرة الله وعلمه ورحمته وحكمته ووجوب الإِيمان به وتوحيده في عبادته. وقوله: {وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ} أي مختبرين عبادنا بالخير والشر ليرى الكافر من المؤمن، والمطيع من العاصي ويتم الجزاء حسب ذلك إظهاراً للعدالة الإِلهية والرحمة الربانية. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- إثبات الوحي الإِلهي وتقرير النبوة المحمدية. 2- تقرير حادثة الطوفان المعروفة لدى المؤرخين. 3- بيان عاقبة الظلم وأنه هلاك الظالمين. 4- سنية قول بسم الله والحمد لله سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون عند ركوب الدابة أو السفينة ونحوها كالسيارة والطيارة. 5- استحباب الدعاء وسؤال الله تعالى ما العبد في حاجة إليه من خير الدنيا. 6- بيان سر ذكر قصة نوح وهو ما فيها من العظات والعبر.

د. أسعد حومد

تفسير : {تُخَاطِبْنِي} (27) - فَأَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ حِينَ اسْتَنْصَرنَا عَلَى قَوْمِهِ الكَفَرَةِ، أن اصْنَعِ السَّفِينَةَ بِأَعْيُنِنَا وَتَحْتَ حِفْظِنا وَرِعَايَتِنَا لَكَ مِنَ التَّعَدِّي عَلَيْكَ، وَتَعْلِيمِنا إِيَّاكَ طَرِيقَةَ صُنْعِها، فَإِذَا جَاءَ قَضَاؤُنَا بِإِهْلاَكِ قَوْمِكَ وَعَذَابِهِمْ، وَأَخَذَ الماءُ يَنْبُعُ مِن وَجْهِ الأَرْضِ حَتَّى وَصَلَ فِي ارْتِفَاعِهِ إِلَى التَّنُّورِ - وَهُوَ مَوْضِعُ النَّارِ - فَفَارَ، فَأَدْخِلْ فِي السَّفِينَةِ أَهْلَكَ - أَوْلاَدَكَ وَنِسَاءَهم إِلاَّ مَنْ سَبَقَتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ اللهِ أَنَّهُ هَالِكَ ضِمْنَ مَنْ سَيَهْلِكُ، فَلاَ تَحْمِلْهُ مَعَكَ -، وَأَدْخِلُ فِي السَّفِينَةِ مِنْ كُلِّ حَيَوَانٍ زَوْجَيْنِ ذَكَراً وأُنْثَى لِتَبْقَى بُذُورُ الحَيَاةِ، بَعْدَ أَنْ تَهْلِكَ الخَلاَئِقُ بالطُّوفَانِ. وأَمَرَ اللهُ تَعالَى نُوحاً بألا تَأْخُذَهُ الرأْفَةُ فِيمَنْ كَفَرَ مِنْ أًَهْلِهِ وَقَوْمِهِ وَقَضَى اللهُ بِإِهْلاَكِهِ. وَأَعْلَمَهُ تَعَالَى بِأَنَّهُ قَضَى بِأنَّهُمْ مُغْرَقُون لِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والعُتُوِّ، فَعَلَيْهِ أَنْ لاَ يَرجُوَ مِنْ رَبِّهِ إِنْجَاءَهَم. بأَعْيُنِنا - بِرِعَايَتِنَا وَحِفْظِنَا. فَارَ التَّنُّورُ - نَبَعَ الماءُ مِنْ التَّنُّورِ المَعْرُوفِ. فَاسْلُكْ فِيهَا - فَأَدْخِلْ فِي السَّفِينَةِ

الثعلبي

تفسير : {فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ أَنِ ٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ فَٱسْلُكْ فِيهَا} فأدخل فيها، يقال: سلكته في كذا وأسلكته فيه، قال الشاعر: شعر : وكنت لزاز خصمك لم أُعرّد وقد سلكوك في يوم عصيب تفسير : وقال الهذلي: شعر : حتى إذا أسلكوهم في قتائدة شلاًّ كما تطرد الجمّالة الشردا تفسير : {مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ}. قال الحسن: لم يحمل نوح في السفينة إلاّ من يلد ويبيض، فأما ما يتولد من الطين وحشرات الأرض والبق والبعوض فلم يحمل منها شيئاً. {فَإِذَا ٱسْتَوَيْتَ} اعتدلت في السفينة راكباً فيها، عالياً فوقها {أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلْفُلْكِ فَقُلِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي نَجَّانَا مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ * وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً} قرأه العامة بضم الميم على المصدر أي إنزالاً مباركاً، وقرأ عاصم برواية أبي بكر بفتح الميم وكسر الزاي أي موضعاً. {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ * إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ وَإِن كُنَّا} وقد كنّا، وقيل: وما كنا إلاّ مبتلين مختبرين إيّاهم بتذكيرنا ووعظنا لننظر ماهم عاملون قبل نزول العذاب بهم. {ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ} أي أهلكناهم وأحدّثنا من بعدهم {قَرْناً آخَرِينَ * فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ} قال المفسّرون يعني هوداً وقومه {أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ * وَقَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱلآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ} نعّمناهم ووسّعنا عليهم، والترفة: النعمة، في الحياة الدنيا {مَا هَـٰذَا} الرسول {إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ * وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ * أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظاماً} قد ذهبت اللحوم {أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ} من قبوركم أحياءً، وأعاد إنّكم لمّا طال الكلام، ومعنى وكنتم تراباً وعظاماً إنكم مخرجون.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : استجاب الله تعالى دعاء نبيه نوح - عليه السلام - في النُّصْرة على قومه، فأمره بأن يصنع الفلك. والفُلْك هي السفينة، وتُطلق على المفرد والجمع، قال تعالى: {أية : فَأَنجَيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ} تفسير : [الشعراء: 119] وقال: {أية : وَتَرَى ٱلْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} تفسير : [فاطر: 12] فدلَّتْ مرة على المفرد، ومرة على الجمع. وقوله تعالى: {بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا ..} [المؤمنون: 27] دليل على أن نوحاً - عليه السلام - لم يكن نجاراً كما يقول البعض، فلو كان نجاراً لهداه عقله إلى صناعتها، إنما هو صنعها بوحي من الله وتوجيهاته ورعايته، كما قال سبحانه: {أية : وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِيۤ} تفسير : [طه: 39] فالمعنى: اصنع الفُلْك، وسوف أوفقك إلى صناعتها، وأهديك إلى ما يجب أن يكون، وأُصحِّح لك إنْ أخطأت في وضع شيء في غير موضعه، إذن: أَمَرْتُ وأَعَنْتُ وتابعتُ. والوحي: هو خطاب الله لرسوله بخفاء. ثم يقول تعالى: {فَإِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ} [المؤمنون: 27]. وهنا لم يتعرض السياق للفترة التي صنع فيها نوح السفينة، والتي جاءت في قوله تعالى: {أية : وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ} تفسير : [هود: 38] ذلك لأنهم لا يعلمون شيئاً عن سبب صناعتها. وفي موضع آخر يُعْلِمنا - سبحانه وتعالى - عن كيفية صُنْعها فيقول: {أية : وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ} تفسير : [القمر: 13] وقلنا: إن الدُّسُر: الحبال التي تُضَمُّ بها ألواح الخشب بعضها إلى بعض شريطة أن تكون جافة، وتُضَم إلى بعضها بحكمة حتى إذا ما نزل الماء وتشرَّبت منه يزيد حجمها فتسدُّ المسام بين الألواح، كما نراهم مثلاً يصنعون براميل الزيت من شرائح الخشب. وقد صنع أحدهم سفينة من البَرْدى بهذه الطريقة، وسافر بها إلى أمريكا واستخدم فيها الحبال بدلاً من المسامير. ثم يقول سبحانه: {فَإِذَا جَآءَ أَمْرُنَا ..} [المؤمنون: 27] يعني: بإنجاء المؤمنين بك، وإهلاك المكذبين {وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ} [المؤمنون: 27] والتنور: هو الفرن الذي يخبزون فيه الخبز، ويقال: إنه كان موروثاً لنوح من أيام آدم، يفور بالماء يعني: يخرج منه الماء، وهو في الأصل محلٌّ للنار، فيخرج منه الماء وكأنه يغلي. لكن هل كل الماء سيخرج من التنور؟ الماء سيخرج من كل أنحاء الأرض وسينزل من السماء، وفوران التنور هو إيذان بمباشرة هذه العملية وبداية لها. إذا حدث هذا {فَٱسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ} [المؤمنون: 27] يعني: احمل وأدخل فيها زوجين ذكراً وأنثى من كل نوع من المخلوقات، كما في قوله تعالى: {أية : مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ} تفسير : [المدثر: 42] يعني: أدخلكم، وقال سبحانه: {أية : ٱسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ ..}تفسير : [القصص: 32] يعني: أدخلها، وقال سبحانه: {أية : كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ} تفسير : [الحجر: 12]. ومن مادة (سلك) أخذنا في أعرافنا اللغوية. نقول: سلَّك الماسورة أو العين يعني: أدخل فيها ما يزيل سدَّتها. والتنوين في {مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ ..} [المؤمنون: 27] يعني: من كل شيء نريد حِفْظ نوعه واستمراره؛ لأن الطوفان سيُغرق كل شيء، والحق - تبارك وتعالى - يريد أن يحفظ لعباده المؤمنين مُقوِّمات حياتهم وما يخدمهم من الحيوانات والأنعام وجميع أنواع المخلوقات الأخرى من كل ما يلِدُ أو يبيض. ومعنى {زَوْجَيْنِ} [المؤمنون: 27] ليس كما يظنُّ البعض أن زوج يعني: اثنين، إنما الزوج يعني فرد ومعه مثله، ومنه قوله تعالى: {أية : ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأُنثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * وَمِنَ ٱلإِبْلِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ ٱثْنَيْنِ ..} تفسير : [الأنعام: 143-144]. فسمَّى كلَّ فرد من هذه الثمانية زوجاً؛ لأن معه مثله. هذا في جميع المخلوقات، أما في البشر فلم يقُلْ زوجين، إنما قال {وَأَهْلَكَ} [المؤمنون: 27] أياً كان نوعهم وعددهم، لكن الأهلية هنا أهلية نسب، أم أهلية إيمانية؟ الأهلية هنا يُراد بها أهلية الإيمان والاتباع، بدليل أن الله تعالى شرح هذه اللقطة في آية أخرى، فقال على لسان نوح عليه السلام: {أية : فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْلِي ..} تفسير : [هود: 45]. فقال له ربه: {أية : إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} تفسير : [هود: 46] فبنوة الأنبياء بنوة عمل واتباع، فإنْ جاءت من صُلْبه فأهلاً وسهلاً، وإنْ جاءت من الغير فأهلاً وسهلاً. "حديث : لذلك النبي صلى الله عليه وسلم يقول عن سلمان الفارسي: "سلمان منا آل البيت""تفسير : فقد تعدى أن يكون مسلماً إلى أن صار واحداً من آل البيت. وكذلك أدخل فيها أهلك من النسب بدليل أنه استثنى منهم: {إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ مِنْهُمْ} [المؤمنون: 27] وكان له امرأتان، واحدة كفرت به وخانته هي وولدها كنعان، والتي ذُكرت في قول الله تعالى في سورة التحريم: {أية : ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱمْرَأَتَ نُوحٍ وَٱمْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا ..} تفسير : [التحريم: 10]. وكنعان هو الذي قال: سآوي إلى جبل يعصمني من الماء وهذه اللقطة لم تذكر هنا؛ لأن أحداث القصة جاءت مُفرَّقة في عِدَّة مواضع، بحيث لو جُمعت تعطي الصورة العامة للقصة، فإنْ قُلْتَ: فلماذا لم تأتِ مرة واحدة كما في قصة يوسف عليه السلام؟ نقول: جاءت قصة يوسف كاملة في موضع واحد ليعطينا بها الحق - سبحانه وتعالى - نموذجاً للقصة الكاملة المحبوكة التي تدل على قدرته تعالى على الإتيان بالقصة مرة واحدة لمن أراد ذلك، فإنْ أردتها كاملة فنحن قادرون على ذلك، وها هي قصة يوسف، إنما الهدف من القصص في القرآن هو تثبيت فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى: {أية : كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً} تفسير : [الفرقان: 32]؛ لأنه صلى الله عليه وسلم سيقابل مواقف تكذيب وعداء وعناد من قومه، وسيتعرض لأزمات شديدة ويحتاج إلى ما يُسلِّيه ويُثبِّته أمام هذه الأحداث. لذلك جاءت لقطات القصص القرآني في عدة مواضع لتسلية رسول الله، والتخفيف عنه كلما تعرَّض لموقف من هذه المواقف، وبجَمْع هذه اللقطات المتفرقة تتكون لديك القصة الكاملة المستوية. وقد أدخل نوح معه زوجته الأخرى المؤمنة وأولاده: سام وحام ويافث وزوجاتهم، فهؤلاء ستة ونوح وزوجه فهم ثمانية، ومعهم اثنان وسبعون من المؤمنين وأصول الإيمان الباقي مع نوح عليه السلام. ولما كان الحكم بغرق مَنْ كفر من أهله أمراً لا استئناف فيه، قال تعالى بعدها: {أية : وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ}تفسير : [هود: 37] لكن ظلموا مَنْ؟ ظلموا أنفسهم حين كفروا بالله، والحق سبحانه يقول: {أية : إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} تفسير : [لقمان: 13]. صحيح أنت حين كفرت أخذتَ حقَّ الله في أنه واحد أحد موجود، وإله لا معبود غيره، وأعطيتَه لغيره، لكن هذا الظلم لم يضر الله تعالى في شيء إنما أضرَّ بك وظلمتَ به نفسك، ومنتهى الحُمْق والسفه أن يظلم الإنسان نفسه. ثم يقول سبحانة: {فَإِذَا ٱسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلْفُلْكِ فَقُلِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ} معناه ظَهرَ المَاءُ من مَسجدِ الكُوفةِ. وقال: بالهند. ويقال: على وَجهِ الأرضِ. ويقال: طُلوعُ الفَجرِ.

همام الصنعاني

تفسير : 1965- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ}: [الآية: 27]، قال: كانت آيةً لهُمْ إذَا رأوا التنورَ قد فارَ (فيها) الماء، أن يَسْلُك فِيهَا من كل زوجين اثنين.