٢٣ - ٱلْمُؤْمِنُون
23 - Al-Mu'minoon (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
29
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً} قراءة العامة «مُنْزَلا» بضم الميم وفتح الزاي، على المصدر الذي هو الإنزال؛ أي أنزلني إنزالاً مباركاً. وقرأ زِرّ بن حُبيش وأبو بكر عن عاصم والمفضل «مَنزِلا» بفتح الميم وكسر الزاي على الموضع؛ أي أنزلني موضعاً مباركاً. الجوهري: المَنْزَل (بفتح الميم والزاي) النزول وهو الحلول؛ تقول: نزلت نزولاً ومَنْزَلاً. وقال:شعر : أأنْ ذكّرتك الدارُ مَنْزَلهَا جُمْلُ بكيتَ فدمعُ العين مُنْحَدرٌ سَجْلٌ تفسير : نصب «المَنْزَل» لأنه مصدر. وأنزله غيره واستنزله بمعنى. ونزله تنزيلاً؛ والتنزيل أيضاً الترتيب. قال ابن عباس ومجاهد: هذا حين خرج من السفينة؛ مثل قوله تعالى: {أية : ٱهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ} تفسير : [هود: 48]. وقيل: حين دخلها؛ فعلى هذا يكون قوله «مباركاً» يعني بالسلامة والنجاة. قلت: وبالجملة فالآية تعليم من الله عز وجل لعباده إذا ركبوا وإذا نزلوا أن يقولوا هذا؛ بل وإذا دخلوا بيوتهم وسلّموا قالوا. وروي عن عليّ رضي الله عنه أنه كان إذا دخل المسجد قال: اللهم أنزلني منزلاً مباركاً وأنت خير المنزلين.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَقُلْ } عند نزولك من الفلك {رَّبِّ أَنزِلْنِى مُنزَلاً } بضم الميم وفتح الزاي مصدر أواسم مكان وبفتح الميم وكسر الزاي مكان النزول {مُبَارَكاً } ذلك الإِنزال أو المكان {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ } ما ذكر.
ابن عبد السلام
تفسير : {أَنزِلْنِى} في السفينة {مُنزَلاً مُّبَارَكاً} بالنجاة، أو أنزلني منها منزلاً مباركاً بالماء والشجر.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه {وقل رب أنزلني منزلاً مباركاً} قال لنوح حين أنزل من السفينة. وأخرج عبد بن حميد عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ "أنزلني منزلاً" بنصب الميم وخفض الزاي. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه {وقل ربي انزلني منزلاً مباركاً وأنت خير المنزلين} قال: يعلمكم كيف تقولون إذا ركبتم، وكيف تقولون إذا نزلتم، أما عند الركوب {أية : سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون}تفسير : [الزخرف: 13] و{أية : بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم}تفسير : [هود: 41] وعند النزول {رب أنزلني منزلاً مباركاً وأنت خير المنزلين} .
ابو السعود
تفسير : {وَقُل رَّبّ أَنزِلْنِى} في السَّفينةِ أو منها {مُنزَلاً مُّبَارَكاً} أيْ إنزالاً أو موضعَ إنزالٍ يستتبعُ خيراً كثيراً. وقُرىء مَنْزلاً أي موضعَ نزولٍ {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ} أُمر عليه السَّلامُ بأنْ يشفع دعاءه بما يُطابقه من ثنائه عزَّ وجلَّ توسُّلاً به إلى الإجابةِ. وإفرادُه عليه السَّلامُ بالأمر مع شركة الكلِّ في الاستواءِ والنَّجاةِ لإظهار فضله عليه السَّلامُ والإشعارِ بأنَّ في دُعائه وثنائِه مندوحةً عمَّا عداهُ. {إِنَّ فِى ذَلِكَ} الذي ذُكر ممَّا فُعل له عليه السَّلامُ وبقومِه {لاَيَاتٍ} جليلةً يستدلُّ بها أُولو الأبصارِ ويعتبر بها ذَوُو الاعتبار {وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ} إنْ مخفَّفةٌ من أنَّ واللامُ فارقةٌ بـينها وبـين النَّافيةِ. وضميرُ الشَّأنِ محذوفٌ أي وإنَّ الشَّأنَ كُنَّا مصيبـين قومَ نوحٍ ببلاء عظيم وعقاب شديد أو مختبرين بهذه الآياتِ عبادَنا لننظر مَن يعتبرُ ويتذكَّر، كقولِه تعالى: { أية : وَلَقَدْ تَّرَكْنَـٰهَا ءايَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} تفسير : [القمر: 15] {ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ} أي من إهلاكِهم {قَرْنٍ ءَاخَرِينَ} هم عادٌ حسبما رُوي عن ابن عبِّاسٍ رضي الله عنهما وعليه أكثرُ المُفسِّرين وهو الأوفقُ لما هو المعهودُ في سائرِ السُّورِ الكريمةِ من إيراد قصَّتهم إثرَ قصَّةِ قومِ نوحٍ. وقيل: هم ثمودُ {فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ} جُعلُوا موضعاً للإرسال كما في قوله تعالى: { أية : كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِى أُمَّةٍ} تفسير : [الرعد: 30] ونحوه لا غايةً له كما في مثل قوله تعالى: { أية : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ} تفسير : [العنكبوت: 14] للإيذانِ من أوَّلِ الأمر بأنَّ مَن أُرسل إليهم لم يأتِهم من غير مكانِهم بل إنَّما نشأَ فيما بـين أظهرِهم كما ينبىءُ عنه قولُه تعالى: {رَسُولاً مّنْهُمْ} أي من جُملتهم نسباً فإنَّهما عليهما السَّلامُ كانا منهم. وأنْ في قولِه تعالى: {أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ} مفسِّرةٌ لأرسلنا لتضمُّنِه معنى القولِ أي قُلنا لهم على لسانِ الرَّسولِ: اعبدُوا الله تعالى. وقولُه تعالى: {مَا لَكُم مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} تعليلٌ للعبادة المأمور بها أو للأمرِ بها أو لوجوب الامتثال به {أَفَلاَ تَتَّقُونَ} أي عذابَه الذي يستدعيه ما أنتُم عليه من الشِّركِ والمعاصي. والكلامُ في العطفِ كالذي مرَّ في قصَّةِ نوحٍ عليه السَّلامُ.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً}. قال ابن عطاء رحمة الله عليه: أكثر المنازل بركة منـزل تسلم فيه من هواجس النفس، ووساوس الشيطان، وموبقات الهوى، وتصل فيه إلى محل القربة، ومنازل القدس، وسلامة القلب من الأهواء، والفتن، والضلالات، والبدع.
القشيري
تفسير : الإنزالُ المباركُ أن يكون بالله ولله، وعلى شهودِ الله من غير غفلة عن الله، ولا مخالفاً لأمر الله. ويقال الإنزال المبارك الاستيعاب بشهود الوصف عنك، ثم الاستغراق باستيلاء سلطان القُرْب عليك، ثم الاستهلاك بإِحداق أنوار التجلِّي حتى لا تبقى عين ولا أثر فإذا تَمَّ هذا ودام هذا فهو نزولٌ بساحات الحقيقة مبارك؛ لأنك بلا أنت... بكليتك من غير بقيةٍ أو أَثرٍ عنك.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً} اى انزلنى منزل مشاهدتك حتى اصل بركة وصالك والفوز رؤية جمالك وجلالك قال ابن عطا اكثر المنازل بركة منزل تسلم فيه من هو اجس النفس ووساوس الشيطان وموبقات الموت وتصل فيه الى محل القربة منازل القدس وسلامة القلب من الاهواء والبدع وقال الاستاذ لا تزال ---- ان يكون بالله ولله على شهود الله من غير غفلة عن الله ولا مخالفة لامر الله.
اسماعيل حقي
تفسير : {وقل ربى انزلنى} اى فى السفينة او منها، قال الكاشفى [قولى آنست كه امر بدين دعا دروقت خروج از كشتى بوده واشهر آنست كه دروقت دخول وخروج اين دعا فرموده] {منزلا مباركا} اى انزالا او مضع انزال يستتبع خيرا كثيرا وقرىء منزلا بفتح الميم اى موضع نزول والنزول فى الاصل هو الانحطاط من علو يقال نزل عن دابته ونزل فى مكان كذا حطا رحله فيه وانزله غيره {وانت خير المنزلين}، وفى الجلالين استجاب الله دعاءه حيث قال {أية : اهبط بسلام منا وبركات عليك}تفسير : فبارك فيهم بعد انزالهم من السفينة حتى كان جميع الخلق من نسل نوح ومن كان معه فى السفينة، قال لكاشفى [سلمى از ابن عطا نقل ميفر مايدكه منزل مبارك آن منزلست كه دراو ازهواجس نفسانى ووساوس شيطانى ايمن باشند وآثار قرب ازجمال قدس نازل باشد شعر : هركجا برتو انوار جمال بيشتر بركت آن منزل ازهمه منازل افزونتر در منزلى كه بارى روزى رسيده باشد باذره هاى خاكش داريم مرحبائى
الجنابذي
تفسير : {وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي} من السّفينة ومن مقام الحضور والاطلاق الى مقام الغيبة والكثرات {مُنزَلاً} قرئ من الانزال ومن النّزول وهو مصدرٌ او اسم مكانٍ او اسم زمانٍ {مُّبَارَكاً} بالبركة لى فى مالى واولادى واعوانى {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ} قد ورد قراءة هذه الآية وقت النّزول فى منزل {إِنَّ فِي ذٰلِكَ} القصص او فى ارسال نوح (ع) ودعوته واهلاك قومه {لآيَاتٍ} عديدة على المبدء وتوحيده وعلمه وقدرته وتوانيه بالنّسبة الى العاصين من خلقه ورحمته وتدبيره {وَإِن كُنَّا} اى انّه كنّا {لَمُبْتَلِينَ} يعنى كنّا قديماً ممتحنين عبادنا بالشّرّ والخير ممتحنين فى ارسال نوحٍ (ع) وتوانينا فى اهلاك قومه.
الهواري
تفسير : قوله: {وَقُل رَّبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُّبَارَكاً وَأَنتَ خَيْرُ المُنزِلِينَ}. قال مجاهد: [يقول الرب عز وجل] لنوح عليه السلام حين نزل من السفينة. وقال بعضهم: سمعت الناس إذا نزلوا منزلاً قالوا هذا القول. {إِنَّ فِي ذَلِكَ} أي: من أمر قوم نوح وغرقهم {لأيَاتٍ} لمن بعدهم. قال: {وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ} أي: بالدين، يعني ما أرسل به الرسل من عبادته، وهو تفسير الحسن. قوله: {ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ} أي: من بعد الهالكين من قوم نوح. {قَرْناً ءَاخَرِينَ} يعني عاداً. {فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ} يعني هوداً {أَنِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّن إلهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ} أي: الله، أي: فاتقوا الله. {وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِهِ الذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَآءِ الأَخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا} أي: وسّعنا عليهم في الرّزق. {مَا هَذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأكُلُ مِمَّا تَأكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ. وَلَئِنَ اطَعْتُم بَشَراً مِّثْلَكُمْ} أي: فيما يدعوكم إليه {إِنكُمْ إِذَاً لَّخَاسِرُونَ} أي: لعجزة.
اطفيش
تفسير : {وَقُل رَّبِّ} يا رب {أَنْزِلْنِي} في السفينة أو في الارض {مُنزَلاً} مصدر ميمي من انزل بمعنى انزال أو اسم مكان منه. وقرأ ابو بكر بفتح الميم وكسر الزاي مصدر ميمي بمعنى النزول مفعول مطلق وهو اسم مصدر هنا لنيابته عن الانزال. كقولك: (اغتسل غسلا) فمنزل بمعنى النزول النائب عن الانزال أو هو اسم مكان وقياس المصدر الميمي من نزل فتح الزاي. وقيل: المراد انزلني بانزال سفينتنا إذا وقفت. وقيل: المراد ان يقول إذا خرج إلى الارض (رب انزلني منزلا) وهو قول مجاهد. {مُّبَارَكاً} بسبب ذلك الانزال أو منزل لخير الدنيا والآخرة. وقيل: المراد بالبركة النجاة من الغرق وكثرة النسل بعد الانجاء {وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنِزِلِينَ} الانزال يكون من الله ومن غيره كما تنزل الضيف إذا جاءك وانزال الله خير لانه يحفظ من انزله في سائر احواله وانت إذا انزلت احدا حفظت بعض امره بقدرة الله فحفظك حفظ منه وعجزت عن حفظ باقيه وهذا ثناء مطابقة لدعاء مرتين يتبعه به مبالغة في دعائه وتوسلا به إلى اجابته وهو دعاء اهم وانفع من اهلاك قومه. وان قلت: هلا قيل: فقولوا:{أية : الحمد لله}تفسير : وقول: (لما ربنا أَنزلنا) لقوله:{أية : استويت أنت ومن معك}تفسير : فانه بمنزلة فاذا استويتم؟ قلت: هو نبيهم وامامهم فكأن قوله قولهم مع ما فيه من الاشعار بفضل النبوة واظهار كبرياء الربوبية وان رتبة تلك المخاطبة المخصوصة لا يترقى اليها الا ملك أو نبي والانزال المبارك ولو طلبه لنفسه لكنه ينزل بقومه فقط طلبه لهم ايضا. وقوله:{أية : فاذا استويت إلى المنزلين}تفسير : للسلامة وحفظ المنزل وأهله من سارق وجان ودابة مؤذية وبركة المنزل والامان من آفات البحر وعوارضه يقرأ عند طلوع السفينة ثلاثا بعد قراءة الفاتحة ثلاثا ثم يقول: يا من فلق البحر لموسى ونجى يونس من بطن الحوت وسخر الفلك والفلك والعالم كله الكفاية الكفاية الكفاية يا كافي من استكفى به ويا مجيب من دعاه يا مقبل من رجاه انت الكافي لا كافي الا انت يفعل ذلك ثلاثة ايام.
اطفيش
تفسير : {وقُل} فى جلب النفع {ربِّ أنْزلنى مَنَزلاً مباركاً وأنت خير المُنْزلين} الظاهر أنه معطوف على جواب إذا، فالظاهر أن القول قبل الخروج منها، فالمنزل المبارك من الفلك، وهى واسعة ينزل فى موضع حسن منها، والدعاء قبل دخولها، أو فى بدء دخولها وإن كان بعد النزول فى موضع منها، فالمراد إدامة البركة، وقيل: هذا دعاء أمر نوح، أن يدعو به عند الخروج منها، فكان قتادة يقول: يندب للخارج من السفينة أن يقول ذلك، والثناء على المحسن جلب لاحسانه، ومنزلا مصدر ميمى، أو اسم مكان ميمى.
الالوسي
تفسير : {وَقُل رَّبّ أَنزِلْنِى} في الفلك {مُنزَلاً} أي إنزالاً أو موضع إنزال {مُبَارَكاً} يتسبب لمزيد الخير في الدارين {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ} أي من يطلق عليه ذلك، والدعاء بذلك إذا كان بعد الدخول فالمراد إدامة ذلك الإنزال ولعل المقصود إدامة البركة، وجوز أن يكون دعاء بالتوفيق للنزول في أبرك منازلها لأنها واسعة، وإن كان قبل الدخول فالأمر واضح. وروى جماعة عن مجاهد أن هذا دعاء أمر نوح عليه السلام أن يقوله عند النزول من السفينة فالمعنى رب أنزلني منها في الأرض منزلاً الخ، وأخذ منه قتادة ندب أن يقول راكب السفينة عند النزول منها {رَّبّ أَنزِلْنِى} الخ، واستظهر بعضهم الأول إذ العطف ظاهر في أن القولين وقت الاستواء، وأعاد {قُلْ} لتعدد الدعاء، والأول متضمن دفع مضرة ولذا قدم وهذا لجلب منفعة. وأمره عليه السلام أن يشفع دعاءه ما يطابقه من ثنائه عز وجل توسلاً به إلى الإجابة فإن الثناء على المحسن يكون مستدعياً لإحسانه. وقد قالوا: الثناء على الكريم يغني عن سؤاله، وإفراده عليه السلام بالأمر مع شركة الكل في الاستواء لإظهار فضله عليه السلام وأنه لا يليق غيره منهم للقرب من الله تعالى والفوز بعز الحضور في مقام الإحسان مع الإيماء إلى كبريائه عز وجل وأنه سبحانه لا يخاطب كل أحد من عباده والإشعار بأن في دعائه عليه السلام وثنائه مندوحة عما عداه. وقرأ أبو بكر والمفضل وأبو حيوة وابن أبـي عبلة وأبان {منزلاً } بفتح الميم وفتح الزاي أي مكان نزول. وقرأ أبو بكر عن عاصم {منزلاً} بفتح الميم وكسر الزاي. قال أبو علي: يحتمل أن يكون المنزل على هذه القراءة مصدراً وأن يكون موضع نزول.
د. أسعد حومد
تفسير : (29) - وَقُلْ إِذَا سَلِمْتَ مِنَ الغَرَقِ، وَخَرَجْتَ مِنَ السَّفِينَةِ: رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَِلاً مُبَاركاً، تَطِيبُ الإِقَامَةُ فِيهِ عِنْدَ النُّزُولِ إِلَى الأَرْضِ، وَهَبْ لِي الأَمْنَ فِيهِ، وَأَنْتَ يَا رَبِّ خَيْرُ مَنْ أَنْزَلَ عِبَادَهُ المَنََازِلَ. مُنْزلاً - إِنْزَالاً أَوْ مَكَانَ إِنْزَالٍ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وفي موضع آخر قال سبحانه: {أية : قِيلَ يٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ ..} تفسير : [هود: 48] لأنك ستنزل منها وليست هي مكان معيشتك. وكذلك دعا النبي صلى الله عليه وسلم فقال كما حكى القرآن: {أية : وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ ..} تفسير : [الإسراء: 80]. فلا بُدَّ أن تذكر في النعمة المنعِمَ بها، لذلك فالذين يُصابون في نعم الله عليهم بأعين الحاسدين، ثِقْ تمام الثقة أنهم حين رأوْا نعمة الله عليهم لم يذكروا المنعِم بها، ولو أن الإنسان حين يرى نعمة من نعم الله عليه في ماله أو ولده فيقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، ووضع النعمة في حماية المنعم لضمِن دوام نعمته وسلامتها من أعين الحاسدين؛ لأنه وضعها تحت قانون الصيانة الإلهية. ومعنى: {مُنزَلاً مُّبَارَكاً ..} [المؤمنون: 29] الشيء المبارك: الذي يعطي فوق ما يتصور من حجمه، كأن يعيش شخص براتب بسيط عيشة كريمة ويُربِّي أولاده أفضل تربية، فيتساءل الناس: من أين له ذلك؟ ونقول: إنها البركة التي تحلّ في القليل فيصير كثيراً، صحيح أن الوارد قليل لكن يُكثِّره قلة المنصرف منه. وقد مثّلنا لذلك بواحد يرتزق من الحلال، فيُيسِّر الله أمره، ويقضي مصالحه بأيسر تكلفه، فإذا مرض ولده مثلاً يشفيه الله بقرص أسبرين وكوب من الشاي، ولا يفزع لمرضه؛ لأنه مطمئن القلب، راضي النفس، واثق في معونة الله. أما الذي يتكسب من الحرام ويأكل الرشوة .. الخ إنْ مرض ولده يُهرع به إلى الأطباء ويتوقع في ولده أخطر الأمراض، فإنِ ارتشى بعشرة صرف عليها مائة. وسبق أن قلنا: إن هذه البركة هي رزق السَّلْب الذي لا يزيد من دخلك، إنما يُقلِّل من مصروفاتك. وكلمة {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ} [المؤمنون: 29] أم أنه سبحانه المُنزِل الوحيد؟ الله خير المنزلين يعني: أباح أن يقال للعبد أيضاً مُنزِل حين يُنزل شخصاً في مكان مريح، كأن يُسكنه مثلاً في شقة مريحة، أو يستقبله ضيفاً عليه .. الخ. وإنْ كنتَ منزِلاً بهذا المعنى، فالله عز وجل هو خير المنزلين؛ لأنه سبحانه حين يُنزلك ينزل على قَدْره تعالى، وعلى قَدْر كرمه وعطائه. إذن: الحق - تبارك وتعالى - لم يضِنّ عليه خَلْقه أنْ يصفهم بما وصف به نفسه، فلم يضنّ عليك أنْ يصفك بالخَلْق فقال: {أية : فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ}تفسير : [المؤمنون: 14] فأثبت لك صفة الخَلْق، لأنك توجد معدوماً مع أنك تُوجده من موجود الله، كأنْ تصنع من الرمل والنار كوباً من الزجاج مثلاً، لكن ما توجده يظل جامداً على حالته لا ينمو ولا يتناسل، وليست فيه حياة، ومع ذلك سماك ربك خالقاً، وكذلك قال: {أية : وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْوَارِثِينَ} تفسير : [الأنبياء: 89] وقال: {أية : خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ} تفسير : [آل عمران: 54]. وكما أن الله عز وجل لم يضنّ عليك بهذه الصفات، فلا تضنّ عليه سبحانه بأنه خير المنزلين، وخير الوارثين، وخير الماكرين، وأحسن الخالقين. ثم يقول الحق سبحانه: {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):