Verse. 2703 (AR)

٢٣ - ٱلْمُؤْمِنُون

23 - Al-Mu'minoon (AR)

اِنَّ فِيْ ذٰلِكَ لَاٰيٰتٍ وَّاِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِيْنَ۝۳۰
Inna fee thalika laayatin wain kunna lamubtaleena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إن في ذلك» المذكور من أمر نوح والسفينة وإهلاك الكفار «لآيات» دلالات على قدرة الله تعالى «وإن» مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن «كنا لمبتلين» قوم نوح بإرساله إليهم ووعظه.

30

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ} أي في أمر نوح والسفينة وإهلاك الكافرين. {لآيَاتٍ} أي دلالات على كمال قدرة الله تعالى، وأنه ينصر أنبياءه ويهلك أعداءهم. {وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ} أي ما كنا إلا مبتلين الأمم قبلكم؛ أي مختبرين لهم بإرسال الرسل إليهم ليظهر المطيع والعاصي فيتبيّن للملائكة حالهم؛ لا أن يستجد الرب علماً. وقيل: أي نعاملهم معاملة المختبرين. وقد تقدم هذا المعنى في «البقرة» وغيرها. وقيل: «وإن كُنا» أي وقد كنا.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّ فِى ذَلِكَ } المذكور من أمر نوح والسفينة وإهلاك الكفار {لأَيَٰةٍ} دلالات على قدرة الله تعالى {وإِنْ } مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن {كُنَّا لَمُبْتَلِينَ } مختبرين قوم نوح بإرساله إليهم ووعظه.

الخازن

تفسير : {إن في ذلك} يعني الذي ذكر من أمر نوح والسفينة وإهلاك أعداء الله {لآيات} يعني دلالات على قدرتنا {وإن كنا} يعني وما كنا {لمبتلين} يعني إلا مختبرين إياهم بإرسال نوح ووعظه وتذكيره لننظر ما هم عاملون قبل نزول العذاب بهم. قوله تعالى {ثم أنشأنا من بعدهم} يعني من بعد إهلاكهم {قرناً آخرين} يعني عاداً {فأرسلنا فيه رسولاً منهم} يعني هوداً قاله أكثر المفسرين وقيل القرن ثمود والرسول صالح والأول أصح {إن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون} يعني هذه الطريقة التي أنتم عليها مخافة العذاب {وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة} يعني بالمصير إليها {وأترفناهم} يعني نعمناهم ووسعنا عليهم {في الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون ويشرب مما تشربون} يعني من مشاربكم {ولئن أطعتم بشراً مثلكم إنكم إذاً لخاسرون} يعني لمغبونون {أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً أنكم مخرجون} يعني من قبوركم أحياء {هيهات هيهات} قال ابن عباس أي بعيد بعيد {لما توعدون} استبعد القوم بعثهم بعد الموت إغفالاً منهم للتفكر في بدء أمرهم وقدرة الله على إيجادهم وأرادوا بهذا الاستبعاد أنه لا يكون أبداً {إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا} قيل معناه نحيا ونموت لأنهم كانوا ينكرون البعث وقيل يموت الآباء ويحيا الأبناء وقيل معناه يموت قوم ويحيا قوم {وما نحن بمبعوثين} يعني بعد الموت {إن هو} يعنون رسولهم {إلا رجل افترى على الله كذباً وما نحن له بمؤمنين} يعني بمصدقين بالبعث بعد الموت {قال رب انصرني بما كذبون قال عمّا قليل ليصبحن} يعني ليصيرن {نادمين} على كفرهم وتكذيبهم {فأخذتهم الصيحة بالحق} يعني صيحة العذاب وقيل صاح بهم جبريل فتصدعت قلوبهم وقيل أراد بالصيحة الهلاك {فجعلناهم غثاء} هو ما يحمله السيل من حشيش وعيدان الشجر، والمعنى صيرناهم هلكى فيبسوا يبس الغثاء من بنات الأرض {فبعداً} يعني ألزمنا بعداً من الرحمة {للقوم الظالمين}. قوله عز وجل {ثم أنشأنا من بعدهم قروناً آخرين} يعني أقواماً آخرين {ما تسبق من أمة أجلها} يعني وقت هلاكها {وما يستأخرون} يعني عن وقت هلاكهم {ثم أرسلنا رسلنا تترى} يعني مترادفين يتبع بعضهم بعضاً غير متواصلين لأن بين كل رسولين زمناً طويلاً {كلما جاء أمة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضاً} يعني بالهلاك فأهلكنا بعضهم في أثر بعض {وجعلناهم أحاديث} يعني سمراً وقصصاً يتحدث من بعدهم بأمرهم وشأنهم {فبعداً لقوم لا يؤمنون}.

البقاعي

تفسير : ولما كانت هذه القصة من أغرب القصص، حث على تدبرها بقوله: {إن في ذلك} أي الأمر العظيم الذي ذكر من أمر نوح وقومه وكذا ما هو مهاد له {لآيات} أي علامات دالات على صدق الأنبياء في أن المؤمنين هم المفلحون، وأنهم الوارثون للأرض بعد الظالمين وإن عظمت شوكتهم، واشتدت صولتهم {وإن} أي وإنا بما لنا من العظمة {كنا} بما لنا من الوصف الثابت الدال على تمام القدرة {لمبتلين*} أي فاعلين فعل المختبر لعبادنا بإرسال الرسل ليظهر في عالم الشهادة الصالحُ منهم من غيره، ثم نبتلي الصالحين منهم بما يزيد حسناتهم، وينقص سيئاتهم، ويعلي درجاتهم، ثم نجعل لهم العاقبة فنبلي بهم الظالمين بما يوجب دمارهم، ويخرب ديارهم، ويمحو آثارهم، هذه عادتنا المستمرة إلى أن نرث الأرض ومن عليها فيكون البلاء المبين. ولما بين سبحانه وتعالى تكذيبهم وما عذبهم به، وكان القياس موجباً لأن من يأتي يعدهم يخشى مثل مصرعهم، فيسلك غير سبيلهم، ويقول غير قيلهم، بين أنه لم تنفعهم العبرة، فارتكبوا مثل أحوالهم، وزادوا على أقوالهم وأفعالهم، لإرادة ذلك من الفاعل المختار، الواحد القهار، وأيضاً فإنه لما كان المقصود - مع التهديد والدلالة على القدرة والاختيار - الدلالة على تخصيص المؤمنين بالفلاح والبقاء بعد الأعداء، وكان إهلاك المترفين أدل على ذلك، اقتصر على ذكرهم وأبهمهم ليصح تنزيل قصتهم على كل من ادعى فيهم الإتراف من الكفرة، ويترجح إرادة عاد لما أعطوا مع ذلك من قوة الأبدان وعظم الأجسام، وبذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما، وإرادة ثمود لما في الشعراء والقمر مما يشابه بعض قولهم هنا، وللتعبير عن عذابهم بالصيحة ولموافقتهم لقوم نوح في تعليل ردهم بكونه بشراً، وطوى الإخبار عمن بعدهم بغير التكذيب والإهلاك لعدم الحاجة إلى ذكر شيء غيره، فقال: {ثم أنشأنا} أي أحدثنا وأحيينا وربينا بما لنا من العظمة. ولما لم يستغرقوا زمان البعد، أتى بالجار فقال: {من بعدهم قرناً} أي أمة وجيلاً. ولما كان ربما ظن ظان أنهم فرقة من المهلكين نجوا من عذاب سائرهم كما يكون في حروب سائر الملوك، عبر عن إنجائهم بإنشائهم، حقق أنهم أحدثوا بعدهم فقال: {آخرين فأرسلنا} أي فتعقب إنشاءنا لهم وتسبب عنه أن أرسلنا. ولما كان المقصود الإبلاغ في التسلية، عدي الفعل بـ "في" دلالة على أنه عمهم بالإبلاغ كما يعم المظروف الظرف، حتر لم يدع واحداً منهم إلا أبلغ في أمره فقال: {فيهم رسولاً منهم} فكان القياس يقتضي مبادرتهم لاتباعه لعلمهم بما حل بمن قبلهم لأجل التكذيب، ولمعرفتهم غاية المعرفة لكون النبي منهم، بما جعلناه عليه المحاسن، وما زيناه به من الفضائل، ولأن عزه عزهم، ولدعائه لهم إلى ما لا يخفى حسنه على عاقل، ولا يأباه منصف؛ ثم بين ما أرسل به بقوله: {أن اعبدوا الله} أي وحده لأنه لا مكافىء له، ولذا حفظ اسمه فكان لا سمي له؛ ثم علل ذلك بقوله: {ما لكم} ودل على الاستغراق بقوله: {من إله غيره}. ولما كانت المثلات قد دخلت من قبلهم في المكذبين، وأناخت صروفها بالظالمين، فتسبب عن عملهم بذلك إنكار قلة مبالاتهم في عدم تحرزهم من مثل مصارعهم، قال: {أفلا تتقون*} أي تجعلون لكم وقاية مما ينبغي الخوف منه فتجعلوا وقاية تحول بينكم وبين سخط الله.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه {إن في ذلك لآيات وإن كنا لمبتلين} قال: أي ابتلى الناس قبلكم.

اسماعيل حقي

تفسير : {ان فى ذلك} الذى ذكر مما فعل به وبقومه {لآيات} جليلة يستدل بها اولوا الابصار ويعتبر بها ذووا الاعتبار {وان كنا لمبتلين} ان مخففة من ان واللام فارقة بينها وبين النافية وضمير الشأن محذوف اى وان الشأن كنا مصيبى قوم نوح ببلاء عظيم وعقاب شديد او مختبرين بهذه الآيات عبادنا لننظر من يعتبر ويتذكر، قال الراغب اذا قيل ابتلى فلان بكذا وابلاه فذلك يتضمن امرين احدهما تعرف حاله الوقوف على ما يجهل من امره والثانى ظهور جودته ورداءته دون التعرف بحاله والوقوف على ما يجهل من امره اذا كان الله علام الغيوب انتهى. واعلم ان البلاء كالملح وان اكابر الانبياء والاولياء انما كانوا من اولى العزم ببلايا ابتلاهم الله بها فصبروا ألا ترى الى حال نوح عليه السلام كيف ابتلى الف سنة الا خمسين عاما فصبر حتى قيل له {أية : فقل الحمد لله الذى نجانا من القوم الظالمين}تفسير : : قال الحافظ شعر : كرت جونوح نبى صبرهست برغم طوفان بلا بكردد وكام هزار ساله برآيد تفسير : ثم ان نوحا عليه السلام دعا بهلاك قومه مأذونا من الله تعالى فجاء القهر الالهى اذ لم يؤثر فيهم اللطف الرحمانى والمقصود من الدعاء اظهار الضراعة وهو نافع عند الله تعالى، يحيى ابن معاذ رحمه الله [كفت عبادت قفلست كليدش دعا ودندانة كليد لقمه حلال وازجمله دعاء اواين بودى بار خدايا اكر آن نكنى كه خواهم صبربر آنجه توخواهى] وفى الآية اشارة الى ان المؤمن ينبغى له ان يطلب منزلا مباركا يبارك له فيه حيث دينه ودنياه شعر : سعد ياحب وطن كرجه حديثست صحيح نتوان مرد بسختى كه من ايجا زادم تفسير : ولو تفكرت فى احوال الانبياء و كمل الاولياء لوجدت اكثرهم مهاجرين اذ لايمن فى الاقامة بين قوم ظالمين، يقول الفقير احمد الله تعالى على نعمه المتوافرة لاسيما على المهاجرة التى وقعت مرارا وعلى المنزل وهى بلدة بروسه حيث جاء الفال بلدة طيبة ورب غفور وعلى الانجاء من القوم الظالمين حيث ان كل من عادانى ورد موعظتى هلك مع الهالكين فجاءت عاقبة الابتلاء نجاة والقهر لطفا والجلال جمالا.

الأعقم

تفسير : {إن في ذلك} قيل: قصة نوح، وقيل: ما تقدم {لآيات} لدلائل {وإن كنا لمبتلين} مختبرين بالدلالات ليعلموا صنائعهم وينكروه، وقيل: لمبتلين لمعاقبين لمن سلك سبيل قوم نوح في تكذيب الأنبياء {ثم أنشأنا من بعدهم} أي من بعد ما أهلكناهم {قرنا آخرين} جماعة من الناس {فأرسلنا فيهم رسولاً منهم} هود لأنه المبعوث بعده {أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} فبدأ أيضاً بالتوحيد، فلما لم يقبلوا منه قال: {أفلا تتقون}، قيل: الشرك، وقيل: المعاصي {وقال الملأ من قومه} يعني الأشراف {الذين كفروا} بالله {وكذّبوا بلقاء الآخرة} أي بالبعث والجزاء {وأترفناهم في الحياة الدنيا ما هذا إلاَّ بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون} {ولئن أطعتم بشراً مثلكم إنكم إذاً لخاسرون} باتباعه {أيعدكم} هذا الرسول {أنكم إذا متّم وكنتم تراباً وعظاماً} يعني صرتم بعد الموت رميماً وتراباً {أنكم مخرجون} من قبوركم {هيهات هيهات لما توعدون} قيل: بعد الهدى الذي توعدون {إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيى} قيل: نحيى حياة ثم نموت ولا إعادة، وقيل: يموت قوم منا ويحيا قوم {وما نحن بمبعوثين} بعد ذلك والله أعلم {إن هو إلاَّ رجل افترى على الله كذباً} وما نحن له بمؤمنين بمصدقين فيما يقول {قال رب انصرني بما كذبون} أي انصرني عليهم بأن يهلكهم لأجل تكذيبهم، فأجاب الله دعاءه وأخبر أنه سيهلكهم عن قريب فقال سبحانه: {قال عمَّا قليل} أي عن قليل من المدة، وما صلة {ليُصبحنّ نادمين} عن كفرهم {فأخذتهم الصيحة} صيحة العذاب، وقيل: هم ثمود صاح بهم جبريل {فجعلناهم غثاءً} أي موتاً، وقيل: هو المتفتت البالي في الشجر يحمله السيل عن ابن عباس {فبعداً للقوم الظالمين} قيل: بعداً لهم من الرحمة {ثم أنشأنا من بعدهم قروناً آخرين} يعني أحدثنا من بعدهم قروناً آخرين، أي جماعات من الناس {ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون} قيل: وعيدٌ لهم، يعني ما يسبق أحد ما قدر له وما يتأخر {ثم أرسلنا رسلنا تترى} أي متواترة تتبع بعضهم بعضاً {كل ما جاء أمةً رسولها كذبوه} فيما جاء به {فأتبعنا بعضهم بعضاً} في الإِهلاك {وجعلناهم أحاديث} أي يحدث بهم على طريق المثل في الشر فأما في الخير فلا، يعني جعلناهم أخباراً يستمر بها ويتعجب منها {فبعداً لقوم لا يؤمنون} أي فبعداً لهم من الرحمة.

اطفيش

تفسير : {إِنَّ فِى ذَلِكَ} المذكور من أمر نوح والسفينة واهلاك الكفار * {لآيَاتٍ} يستدل بها على الله وقدرته ويعتبر بها {وَإن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ} من عادتنا ابتلاء العباد كما فعلنا بقوم نوح وهو تهديد لقريش بانا نبلو العباد ببلاء عظيم. وقيل: المراد أصبنا قوم نوح ببلاء عظيم. وقيل: المراد نبتلي عبادنا بهذه الآيات هل يعتبرون ام لا؟ وقيل: مختبرين قوم نوح بارساله ووعظه وتذكير قبل نزول ذلك بهم ومعنى (ان) التوكيد لانها مخففة واللام فارقة بين النفي والاثبات وهي لام الابتداء. وقيل: غيرها. وقيل: (ان) نافيه واللام بمعنى (الا) والصحيح الاول مخففة مهملة. وقيل: عاملة في ضمير الشأن أو القصة محذوفا.

اطفيش

تفسير : {إنَّ فى ذلك} المذكور من صنع السفينة، وإنجاءه مع المؤمنين {لآيات} دلائل على ألوهيتنا، وانفرادنا بها، وقدرتنا {وإنَّ} مخففة أى إننا {كنَّا لمبتلين} اللام للتأكيد وللدلالة على أنَّ إنْ غير نافية، وقيل إن نافية واللام بمعنى إلا، أى ما كنا إلا مبتلين، وهو مردود، والمعنى معاملين عبادنا بالآيات ليتذكروا معاملة المختبر، أو مصيبين قوم نوح بعذاب شديد.

الالوسي

تفسير : {إِنَّ فِى ذَلِكَ} الذي ذكر مما فعل به عليه السلام وبقومه {لأَيَـٰتٍ} جليلة يستدل بها أولو الأبصار ويعتبر ذوو الاعتبار {وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ} إن مخففة من إن واللام فارقة بينها وبين إن النافية وليست إن نافية واللام بمعنى إلا والجملة حالية أي وإن الشأن كنا مصيبين قوم نوح ببلاء عظيم وعقاب شديد أو مختبرين بهذه الآيات عبادنا لننظر من يعتبر ويتذكر، والمراد معاملين معاملة المختبر وهذا كقوله تعالى: { أية : وَلَقَدْ تَّرَكْنَـٰهَا ءايَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ } تفسير : [القمر: 15].

ابن عاشور

تفسير : لما ذكر هذه القصة العظيمة أعقبها بالتنبيه إلى موضع العبرة منها للمسلمين فأتى بهذا الاستئناف لذلك. والإشارة إلى ما ذكر من قصة نوح مع قومه وما فيها. والآيات: الدلالات، أي لآيات كثيرة منها ما هي دلائل على صدق رسالة نوح وهي إجابة دعوته وتصديق رسالته وإهلاك مكذبيه، ومنها آيات لأمثال قوم نوح من الأمم المكذبين لرسلهم، ومنها آيات على عظيم قدرة الله تعالى في إحداث الطوفان وإنزال من في السفينة منزلاً مباركاً، ومنها آيات على علم الله تعالى وحكمته إذ قدّر لتطهير الأرض من الشرك مثلَ هذا الاستيصال العام لأهله. وإذ قدَر لإبقاء الأنواع مثلَ هذا الصنع الذي أنجى به من كل نوع زوجين ليعاد التناسل. وعُطف على جملة {إن في ذلك لآيات} جملة {وإن كنا لمبتلين} لأن مضمون {وإن كنا لمبتلين} يفيد معنى: إن في ذلك لَبَلْوى، فكأنه قيل: إن في ذلك لآيات وابتلاء وكنا مبتلين، أي وشأننا ابتلاء أوليائنا. فإن الابتلاء من آثار الحكمة الإلهيَّة لترتاض به نفوس أوليائه وتظهر مغالبتها للدواعي الشيطانيَّة فتحمد عواقب البلوى، ولتتخبَّط نفوس المعاندين وينزوي بعض شرها زماناً. والمعنى: أن ما تقدم قبلَ الطوفان من بعد بعثة نوح من تكذيب قومه وأذاهم إياه والمؤمنين معه إنما كان ابتلاء من الله لحكمته تعالى ليميّز الله للنَّاس الخبيثَ من الطيب ولو شاء الله لآمن بنوح قومُه ثم لو شاء الله لنصره عليهم من أول يوم وهذه سنَّة إلهيَّة. وفي هذا المعنى ما جاء في حديث أبي سفيان أن هرقل قال له «وكذلك الأنبياء تُبْتَلَى ثم تكون لهم العاقبة»، وفي القرآن { أية : والعاقبة للمتقين } تفسير : [القصص: 83]. والابتلاء تقدم في قوله تعالى: { أية : وإذِ ابْتَلَى إبراهيمَ ربُّه } تفسير : [البقرة: 124] وقوله: { أية : وفي ذلكُم بلاءٌ من ربكم عظيم } تفسير : في سورة البقرة (49). وفي قوله: {وإن كنا لمبتلين} تسلية للنبيء محمد صلى الله عليه وسلم على ما يلقاه من المشركين، وتعريض بتهديد المشركين بأن ما يواجِهون به الرسول صلى الله عليه وسلم لا بَقَاءَ له وإنما هو بلوى تزول عنه وتحل بهم ولكلَ حظٌّ يناسبه. ولكون هذا مما قد يغيب عن الألباب نُزّل منزلة الشيء المتردد فيه فأكد بــــ{إنْ} المخفَّفة وبفعل {كنا}. واللام هي الفارقة بين (إنْ) المؤكدة المخففة عند إهمال عملها وبين (إنْ) النافية.

د. أسعد حومد

تفسير : {لآيَاتٍ} (30) - وَإِنَّ فِيمَا فَعَلْنَاهُ بِقَوْمِ نُوحٍ، مِنْ إِهْلاَكِهِمْ إِذْ كَذَّبُوا رَسُولَنَا، وَجَحَدُوا بِآيَاتِنَا، وَكَفَرُوا بِوَحْدَانِيَّتِنَا وَعَبَدُوْا الأَصْنَامَ، لَعِبْرَةً لِقَوْمِكَ المُشْرِكِينَ يَا مُحَمَّدُ، وَحُجَّةً لَنَا عَلَيْهِم يَسْتَدِلُّونَ بِهَا عَلَى سُنَّتِنا فِي أَمْثَالِهِمْ.. لَعَلَّهُم يَزْدَجِرُونَ عَنْ كُفْرِهِمْ وَغَيِّهِم، وَيَكُفُّونَ عَنْ تَكْذِيبِهِم، وَعِنَادِهِمْ. وَقَدْ كُنَّا مُخْتَبِريهمْ بِالتَّذْكِيرِ بِهَذِهِ الآيَاتِ لَنَنْظُرَ مَاذَا يَفْعَلُونَ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ بِهِم العُقُوبَةُ (وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلين). لَمُبْتَلِينَ - لَمُخْتَبِرينَ عِبَادَنَا بِهَذِه الآيَاتِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : {فِي ذٰلِكَ ..} [المؤمنون: 30] يعني: فيما تقدم {لآيَاتٍ ..} [المؤمنون: 30] عبر وعظات وعجائب، لو فكّر فيها المرء بعقل محايد لانتهى إلى الخير {وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ} [المؤمنون: 30] فلا تظن أن الابتلاء مقصور على الظلمة والكافرين الذين أخذهم الله وأهلكهم، فقد يقع الابتلاء بمَنْ لا يستحق الابتلاء، وحين يبتلي اللهُ أهلَ الخير والصلاح فما ذلك إلا ليزداد أجرهم وتُرفع مكانتهم ويُمَحّص إيمانهم. ومن ذلك الابتلاءات التي وقعت بالمسلمين الأوائل، فإنها لم تكُنْ كراهية لهم أو انتقاماً منهم، إنما كانت تصفية لمعدنهم وإظهاراً لإيمانهم الراسخ الذي لا يتزعزع؛ لأنهم سيحملون دعوة الله إلى أنْ تقوم الساعة، فلا بُدَّ من تمحيصهم وتصفيتهم. كما قال سبحانه: {أية : أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} تفسير : [العنكبوت: 2] لا، لا بُدَّ من الابتلاء الذي يُميِّز الصادقين ممَّنْ يعبد الله على حَرْف، لا بُدَّ أن يتساقط هؤلاء من موكب الدعوة، ولا يبقى إلا المؤمنون الراسخون على إيمانهم الذين لا تزعزعهم الأحداث. إذن: المعنى {وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ} [المؤمنون: 30] يعني: أهل الإيمان الذين لا يستحقون العذاب؛ لأننا نحب أن نرفع درجاتهم ونُمحِّص إيمانهم ليكونوا أَهْلاً لدعوة الله؛ لذلك يقول الحق - تبارك وتعالى - في الحديث القدسي: "حديث : وعزتي وجلالي، لا أُخرج عبدي من الدنيا وقد أردتُ به الخير حتى أوفيه ما عمله من السيئات، من مرض في جسمه وخسارة في ماله، وفقد في ولده، فإذا بقيتْ عليه سيئة ثقَّلت عليه سكرات الموت حتى يأتيني كيوم ولدته أمه .. وعزتي وجلالي، لا أخرج عبدي من الدنيا وقد أردتُ به الشر حتى أوفيه ما عمله من الحسنات، صحةً في جسمه، وبركة في ماله وولده، فإذا بقيتْ له حسنة خففتُ عليه سكرات الموت حتى يأتيني وليست له حسنة ". تفسير : إذن: فالابتلاء كما يكون انتقاماً من الكفرة والظلمة يكون كذلك تربيباً للنفع، وتمحيصاً للإيمان، وإرادة للثواب. ثم يقول الحق سبحانه: {ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ ...}.