٢٣ - ٱلْمُؤْمِنُون
23 - Al-Mu'minoon (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
31
Tafseer
الرازي
تفسير : القصة الثانية ـ قصة هود أو صالح عليهما السلام اعلم أن هذه القصة هي قصة هود عليه السلام في قول ابن عباس رضي الله عنهما وأكثر المفسرين واحتجوا عليه بحكاية الله تعالى قول هود عليه السلام: { أية : وَٱذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ } تفسير : [الأعراف: 69] ومجيء قصة هود عقيب قصة نوح في سورة الأعراف وسورة هود والشعراء. وقال بعضهم المراد بهم صالح وثمود، لأن قومه الذين كذبوه هم الذين هلكوا بالصيحة، أما كيفية الدعوى فكما تقدم في قصة نوح عليه السلام وههنا سؤالات: السؤال الأول: حق {أُرْسِلَ } أن يتعدى بإلى كأخواته التي هي وجه وأنفذ وبعث فلم عدى في القرآن بإلى تارة وبفي أخرى كقوله تعالى: { أية : كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ } تفسير : [الرعد: 30] { أية : وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ } تفسير : [الأعراف: 94] {فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولاً } [المؤمنون: 32] أي في عاد، وفي موضع آخر { أية : وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا } تفسير : [هود: 50]؟ الجواب: لم يعد بفي كما عدي بإلى ولكن الأمة أو القرية جعلت موضعاً للإرسال وعلى هذا المعنى جاء بعث في قوله: { أية : وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً } تفسير : [الفرقان: 51]. السؤال الثاني: هل يصح ما قاله بعضهم أن قوله: {أَفَلاَ تَتَّقُونَ } غير موصول بالأول، وإنما قاله لهم بعد أن كذبوه، وردوا عليه بعد إقامة الحجة عليهم فعند ذلك قال لهم مخوفاً مما هم عليه {أَفَلاَ تَتَّقُونَ } هذه الطريقة مخافة العذاب الذي أنذرتكم به؟ الجواب: يجوز أن يكون موصولاً بالكلام الأول بأن رآهم معرضين عن عبادة الله مشتغلين بعبادة الأوثان، فدعاهم إلى عبادة الله وحذرهم من العقاب بسبب إقبالهم على عبادة الأوثان. ثم اعلم أن الله تعالى حكى صفات أولئك القوم وحكى كلامهم، أما الصفات فثلاث هي شر الصفات: أولها: الكفر بالخالق سبحانه وهو المراد من قوله: {كَفَرُواْ } وثانيها: الكفر بيوم القيامة وهو المراد من قوله: {وَكَذَّبُواْ بِلِقَاء ٱلآخِرَةِ } وثالثها: الانغماس في حب الدنيا وشهواتها وهو المراد من قوله: {وأترفناهم في الحياة الدنيا} أي نعمناهم فإن قيل ذكر الله مقالة قوم هود في جوابه في سورة الأعراف وسورة هود بغير واو { أية : قَالَ ٱلْمَلا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ } تفسير : [الأعراف: 66]، قالوا { أية : مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مّثْلَنَا } تفسير : [هود: 27] وههنا مع الواو فأي فرق بينهما؟ قلنا الذي بغير واو على تقدير سؤال سائل قال فما قال قومه؟ فقيل له كيت وكيت، وأما الذي مع الواو فعطف لما قالوه على ما قاله ومعناه أنه اجتمع في هذه الواقعة هذا الكلام الحق وهذا الكلام الباطل. وأما شبهات القوم فشيئان: أولهما: قولهم: {مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ }، وقد مر شرح هذه الشبهة في القصة الأولى وقوله: {مِمَّا تَشْرَبُونَ } أي من مشروبكم أو حذف منه لدلالة ما قبله عليه وهو قوله: {وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَـٰسِرُونَ } فجعلوا اتباع الرسول خسراناً، ولم يجعلوا عبادة الأصنام خسراناً، أي لئن كنتم أعطيتموه الطاعة من غير أن يكون لكم بإزائها منفعة فذلك هو الخسران وثانيهما: أنهم طعنوا في صحة الحشر والنشر، ثم طعنوا في نبوته بسبب إتيانه بذلك. أما الطعن في صحة الحشر فهو قولهم: {أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظـٰماً أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ } معادون أحياء للمجازاة، ثم لم يقتصروا على هذا القدر حتى قرنوا به الاستبعاد العظيم وهو قولهم {هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ } ثم أكدوا الشبهة بقولهم: {إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا } ولم يريدوا بقولهم نموت ونحيا الشخص الواحد، بل أرادوا أن البعض يموت والبعض يحيا، وأنه لا إعادة ولا حشر. فلذلك قالوا: {وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمَبْعُوثِينَ } ولما فرغوا من الطعن في صحة الحشر بنوا عليه الطعن في نبوته، فقالوا لما أتى بهذا الباطل فقد {ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا } ثم لما قرروا الشبهة الطاعنة في نبوته قالوا: {وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ } لأن القوم كالتبع لهم، واعلم أن الله تعالى ما أجاب عن هاتين الشبهتين لظهور فسادهما أما الشبهة الأولى: فقد تقدم بيان ضعفها وأما الثانية: فلأنهم استبعدوا الحشر، ولا يستبعد الحشر لوجهين: الأول: أنه سبحانه لما كان قادراً على كل الممكنات عالماً بكل المعلومات وجب أن يكون قادراً على الحشر والنشر والثاني: وهو أنه لولا الإعادة لكن تسليط القوى على الضعيف في الدنيا ظلماً. وهو غير لائق بالحكيم على ما قرره سبحانه في قوله: { أية : إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ } تفسير : [طه: 15] وههنا مسائل: المسألة الأولى: ثنى إنكم للتوكيد وحسن ذلك الفصل ما بين الأول والثاني بالظرف، ومخرجون خبر عن الأول. وفي قراءة ابن مسعود: {وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظـٰماً أَنَّكُمْ مُّخْرَجُون} [المؤمنون: 35]. المسألة الثانية: قرىء {هَيْهَاتَ } بالفتح والكسر، كلها بتنوين وبلا تنوين، وبالسكون على لفظ الوقف. المسألة الثالثة: هي في قوله: {إِنْ هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا } ضمير لا يعلم ما يعني به إلا بما يتلوه من بيانه وأصله: إن الحياة إلا حياتنا الدنيا، ثم وضع هي موضع الحياة، لأن الخبر يدل عليه ومنه (قول الشاعر): شعر : هي النفس ما حملتها تتحمل تفسير : والمعنى لا حياة إلا هذه الحياة، ولأن إن النافية دخلت على هي التي في معنى الحياة الدالة على الجنس فنفتها، فوازنت لا التي نفت ما بعدها نفي الجنس. واعلم أن ذلك الرسول لما يئس من قبول الأكابر والأصاغر فزع إلى ربه وقال: {رَبّ ٱنصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ } وقد تقدم تفسيره فأجابه الله تعالى فيما سأل وقال: {عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَـٰدِمِينَ } [المؤمنون: 40] والأقرب أن يكون المراد بأن يظهر لهم علامات الهلاك، فعند ذلك يحصل منهم الحسرة والندامة على ترك القبول، ويكون الوقت وقت إيمان اليأس فلا ينتفعون بالندامة، وبين تعالى الهلاك الذي أنزله عليهم بقوله: {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ بِٱلْحَقّ } وذكروا في الصيحة وجوهاً: أحدها: أن جبريل عليه السلام صاح بهم، وكانت الصيحة عظيمة فماتوا عندها وثانيها: الصيحة هي الرجفة عن ابن عباس رضي الله عنهما وثالثها: الصيحة هي نفس العذاب والموت كما يقال فيمن يموت: دعي فأجاب عن الحسن ورابعها: أنه العذاب المصطلم، قال الشاعر: شعر : صاح الزمان بآل برمك صيحة خروا لشدتها على الأذقان تفسير : والأول أولى لأنه هو الحقيقة. وأما قوله: {بِٱلْحَقّ } فمعناه أنه دمرهم بالعدل من قولك، فلان يقضي بالحق إذا كان عادلاً في قضاياه. وقال المفضل: بالحق أي بما لا يدفع، كقوله: { أية : وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقّ } تفسير : [ق: 19]. أما قوله: {فَجَعَلْنَـٰهُمْ غُثَاء } فالغثاء حميل السيل مما بلي واسود من الورق والعيدان، ومنه قوله تعالى: {فَجَعَلَهُ غُثَاء أَحْوَىٰ }. وأما قوله تعالى: {فَبُعْداً لّلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قوله: {بُعْدًا } وسحقاً ودمراً ونحوها مصادر موضوعة مواضع أفعالها، وهي من جملة المصادر التي قال سيبويه نصبت بأفعال لا يستعمل إظهارها ومعنى بعداً بعدوا، أي هلكوا يقال بعد بعداً وبعداً بفتح العين نحو رشد رشداً ورشداً بفتح الشين، والله أعلم. المسألة الثانية: قوله: {بُعْدًا } بمنزلة اللعن الذي هو التبعيد من الخير، والله تعالى ذكر ذلك على وجه الاستخفاف والإهانة لهم، وقد نزل بهم العذاب دالاً بذلك على أن الذي ينزل بهم في الآخرة من البعد من النعيم والثواب أعظم مما حل بهم حالاً ليكون ذلك عبرة لمن يجيء بعدهم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ} أي من بعد هلاك قوم نوح. {قَرْناً آخَرِينَ} قيل: هم قوم عاد. {فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ} يعني هوداً؛ لأنه ما كانت أمة أنشئت في إثر قوم نوح إلا عاد. وقيل: هم قوم ثمود «فأرسلنا فيهم رسولاً» يعني صالحاً. قالوا: والدليل عليه قوله تعالى آخر الآية «فأخذتهم الصيحة»؛ نظيرها: {أية : وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيْحَةُ} تفسير : [هود: 67]. قلت: وممن أخذ بالصيحة أيضاً أصحاب مدين قومُ شعيب، فلا يبعد أن يكونوا هم، والله أعلم. {مِّنْهُمْ} أي من عشيرتهم، يعرفون مولده ومنشأه ليكون سكونهم إلى قوله أكثر.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى أنه أنشأ بعد قوم نوح قرناً آخرين، قيل: المراد بهم عاد، فإنهم كانوا مستخلفين بعدهم، وقيل: المراد بهؤلاء ثمود؛ لقوله: {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ بِٱلْحَقِّ} وأنه تعالى أرسل فيهم رسولاً منهم، فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، فكذبوه وخالفوه، وأبوا عن اتباعه؛ لكونه بشراً مثلهم، واستنكفوا عن اتباع رسول بشري، وكذبوا بلقاء الله في القيامة، وأنكروا المعاد الجثماني، وقالوا: {أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتٌّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظـٰماً أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ } أي: بعيد بعيد ذلك {إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ ٱفتَرَىٰ عَلَىٰ ٱللَّهِ كَذِباً} أي: فيما جاءكم به من الرسالة والنذارة والإخبار بالمعاد {وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ قَالَ رَبِّ ٱنْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ} أي: استفتح عليهم الرسول، واستنصر ربه عليهم، فأجاب دعاءه {قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَـٰدِمِينَ} أي: بمخالفتك وعنادك فيما جئتهم به {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ بِٱلْحَقِّ} أي: وكانوا يستحقون ذلك من الله؛ بكفرهم وطغيانهم، والظاهر أنه اجتمع عليهم صيحة مع الريح الصرصر العاصف القوي الباردة {أية : تُدَمِّرُ كُلَّ شَىْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأْصْبَحُواْ لاَ يُرَىٰ إِلاَّ مَسَـٰكِنُهُمْ} تفسير : [الأحقاف: 25]. وقوله: {فَجَعَلْنَـٰهُمْ غُثَآءً} أي: صرعى هلكى كغثاء السيل، وهو الشيء الحقير التافه الهالك الذي لا ينتفع بشيء منه، {فَبُعْداً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ} كقوله: {أية : وَمَا ظَلَمْنَـٰهُمْ وَلَـٰكِن كَانُواْ هُمُ ٱلظَّـٰلِمِينَ} تفسير : [الزخرف: 76] أي: بكفرهم وعنادهم ومخالفة رسول الله، فليحذر السامعون أن يكذبوا رسولهم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً } قوماً {ءَاخَرِينَ } هم عاد.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يموت منا قوم ويحيا منا قوم، قاله ابن عيسى. الثاني: يموت قوم ويولد قوم، قاله يحيى بن سلام، قال الكلبي، يموت الآباء ويحيا الأبناء. الثالث: أنه مقدم ومؤخر معناه نحيا ونموت وما نحن بمبعوثين، قاله ابن شجرة. قوله: {فَجَعَلْنَاهُمْ غُثآءً} أي هلكى كالغثاء، وفي الغثاء ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه البالي من الشجر، وهذا قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة. والثاني: ورق الشجر إذا وقع في الماء ثم جف، وهذا قول قطرب. والثالث: هو ما احتمله الماء من الزبد والقذى، ذكره ابن شجرة وقاله الأخفش. {فَبُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} فيه وجهان: أحدهما: فبعداً لهم من الرحمة كاللعنة، قاله ابن عيسى. الثاني: فبعداً لهم في العذاب زيادة في الهلاك، ذكره أبو بكر النقاش.
ابن عطية
تفسير : قال الطبري رحمه الله: إن هذا "القرن" هم ثمود و"رسولهم" صالح. قال القاضي أبو محمد: وفي جل الروايات ما يقتضي أن قوم عاد أقدم إلا أَنهم لم يهلكوا بصيحة، وفي هذا احتمالات كثيرة والله أعلم، {وأترفناهم} معناه نعمناهم وبسطنا لهم الآمال والأرزاق، ومقالة هؤلاء أيضاً تقتضي استبعاد بعثة البشر وهذه الطائفة وقوم نوح لم يذكر في هذه الآيات أن المعجزة ظهرت لهم وأَنهم كذبوا بعد وضوحها ولكن ذلك مقدر معلوم وإن لم تعين لنا المعجزة والعقاب لا يتعلق بأحد إلا بعد تركه الواجب عليه، ووجوب الاتباع إنما هو بعد قيام الحجة على المرء أو على من هو المقصد، والجمهور كالعرب في معجزة القرآن والأطباء لعيسى، والسحرة لموسى، فبقيام الحجة على هؤلاء قامت على جميع من وراءهم.
النسفي
تفسير : {ثُمَّ أَنشَأْنَا } خلقنا {مّن بَعْدِهِمْ } من بعد نوح {قرناً آخرين} هم عاد قوم هود ويشهد له قول هود {أية : وَٱذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ }تفسير : [الأعراف:69] ومجيء قصة هود على أثر قصة نوح في «الأعراف» و «هود» و «الشعراء» {فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ } الإرسال يعدى بـــــ «إلى» ولم يعد بـــــ «في» هنا وفي قوله {أية : كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِى أُمَّةٍ} تفسير : [الرعد: 30] {أية : وَمَا أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ }تفسير : [الأعراف: 94] ولكن الأمة والقرية جعلت موضعا للإرسال كقول رؤبة: شعر : أرسلت فيها مصعباً ذا إقحام تفسير : {رَسُولاً } هو هود {مِنْهُمْ } من قومهم {أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ } «أن» مفسرة لـــــ {أرسلنا} أي قلنا لهم على لسان الرسول اعبدوا الله. {وَقَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِهِ } ذكر مقالة قوم هود في جوابه في «الأعراف» وهود بغير واو لأنه على تقدير سؤال سائل قال: فما قال قومه؟ فقيل له: قالوا كيت وكيت، وههنا مع الواو لأنه عطف لما قالوه على ما قاله الرسول، ومعناه أنه اجتمع في الحصول هذا الحق وهذا الباطل وليس بجواب للنبي صلى الله عليه وسلم متصل بكلامه ولم يكن بالفاء، وجيء بالفاء في قصة نوح لأنه جواب لقوله واقع عقيبه {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } صفة للملأ أو لقومه {وَكَذَّبُواْ بِلِقَاء ٱلآخِرَةِ } أي بلقاء ما فيها من الحساب والثواب والعقاب وغير ذلك {وَأَتْرَفْنَـٰهُمْ } ونعمناهم {في الحياة الدنيا} بكثرة الأموال والأولاد {مَا هَـٰذَا } أي النبي {إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ } أي منه فحذف لدلالة ما قبله عليه أي من أين يدعي رسالة الله من بينكم وهو مثلكم {وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مّثْلَكُمْ } فيما يأمركم به وينهاكم عنه {إِنَّكُمْ إِذاً } واقع في جزاء الشرط وجواب للذين قاولوهم من قومهم {لَّخَـٰسِرُونَ } بالانقياد لمثلكم، ومن حمقهم أنهم أبوا اتباع مثلهم وعبدوا أعجز منهم .
القمي النيسابوري
تفسير : القراآت: {هيهات هيهات} بكسر التاء فيهما: يزيد والوقف بالتاء لا غير وهو الصحيح عنه: وروى ابن وردان عنه بالكسر والتنوين فيهما. الباقون بفتح التاء فيهما في الحالين إلا الكسائي فإنه يقف بالهاء {تتراً} بالتنوين: ابن كثير وأبو عمرو ويزيد والوقف بالألف لا غير. الباقون بالياء في الحالين {وأن هذه} بفتح الهمزة وسكون النون: ابن عامر {وإن} بالكسر والتشديد: عاصم وحمزة وعلي وخلف. الآخرون {وأن} بالفتح والتشديد {زبراً} بفتح الباء: عباس. الآخرون بضمها. الوقوف: {آخرين} ه ج للآية مع الفاء واتصال المعنى {غيره} ط {يتقون} ه {الدنيا} لا لأن ما بعده مقول القول {مثلكم} لا لأن ما بعده صفة بشر {تشربون} ه {الخاسرون} ه {مخرجون} ه {لما توعدون} ه {بمبعوثين} ه لأن الكل مقول الكفار وباب رخصة الضرورة وجواز إتيان الآية مفتوح {بمؤمنين} ه ط {بما كذبون} ه {نادمين} ج ه للآية مع حسن الوصل تصديقاً لقوله {عما} {غثاء} ط تفخيماً للكلمة التبعيدية بالابتداء مع فاء التعقيب. {الظالمين} ه {آخرين} ه ط لأن الجملة ليست بصفة لها لأن العجز عن سبق الأجل لا يختص بهم {يستأخرون} ه ط لأن "ثم" لترتيب الأخبار. {تترا} ط منوناً قرئ أولاً للابتداء بكلما {أحاديث} ج لما ذكر في {غثاء} {لا يؤمنون} ه {مبين} ه لا لتعلق الجار {عالين} ه ج للآية مع الفاء {عابدون} ه ج لذلك {المهلكين} ه {يهتدون} ه {ومعين} ه {صالحاً} ط {عليم} ه ط لمن قرأ {وإن} بالكسر {فاتقون} ه {زبراً} ط {فرحون} ه {حين} ه {وبنين} ه لا لأن {نسارع} مفعول ثان للحسبان {الخيرات} ط {لا يشعرون} ه. التفسير: عن ابن عباس وأكثر المفسرين أن هذه القرون هم عاد قوم هود لمجيء قصتهم على أثر قصة نوح في غير هذا الموضع ولقوله تعالى في الأعراف {أية : واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح}تفسير : [الآية: 69] وقيل: إنهم ثمود لأنهم أهلكوا بالصيحة وقد قال الله تعالى في هذه القصة {فأخذتهم الصيحة} ومعنى {فأرسلنا فيهم} جعلناهم موضع إرسال وإلا فلفظة أرسل لا تعدى إلا "بإلى" وضمن الإرسال معنى القول ولهذا جيء بأن المفسرة اي قلنا لهم على لسان الرسول {اعبدوا الله} قال بعضهم: قوله {افلا تتقون} غير موصول بما قبله وإنما قاله لهم بعد أن كذبوه وردّوا عليه الحجة. والجمهور على أنه موصول لأنه دعاهم إلى الله وحذرهم عقابه إن لم يقبلوا قوله ولم يتركوا عبادة الأوثان. قال جار الله: إنما قال في هذه السورة {وقال الملأ} بالواو وفي الأعراف {أية : قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة}تفسير : [الآية: 66] بغير واو ومثله في سورة هود {أية : قالوا يا هود مَا جئتنا ببينة}تفسير : [الآية: 53] لأنه بنى الأمر في ذينك الموضعين على تقدير سؤال سائل، وفي هذه السورة أراد أنه اجتمع في الحصول هذا الحق وهذا الباطل فعطف قولهم على قوله. وقال السكاكي صاحب المفتاح: إنما قدم الجار والمجرور أعني قوله {من قومه} على وصف الملا وهم الذين كفروا لطول الصلة بالمعطوفات، ولأنه لو أخر لأوهم أن قوله {من قومه} متعلق بالدنيا. ومعنى لقاء الآخرة لقاء ما فيها من الحساب والثواب والعقاب. {و} معنى {أترفناهم} أنعمناهم بحيث شغلوا بالدنيا عن الأخرى. وقوله {مما تشربون} أي من الذي تشربونه فحذف الضمير أو حذف منه لدلالة ما قبله عليه. ثم أكدوا شبهتهم أن الرسول لا يكون من جنس البشر بقولهم {ولئن أطعتم} "واذن" واقع في جزاء الشرط وجواب لقومهم اي إنكم إذا قبلتم قول مثلكم وأطعتموه خسرتم عقولكم وأبطلتم آراءكم إذ لا ترجيح لبعض البشر على بعض في معنى الدعوة إلى طريق مخصوص هذا بيان كفرهم. ثم بين تكذيبهم بلقاء الآخرة وطعنهم في الحشر بقوله {أيعدكم} الآية. قال جار الله: ثنى {أنكم} للتوكيد وحسن ذلك الفصل بالظرف و{مخرجون} خبر الأول أو {أنكم مخرجون} مبتدأ معناه إخراجكم وخبره {إذا متم} والجملة خبر الأول أو {أنكم مخرجون} في تقدير وقع إخراجكم وهذه الجملة الفعلية جواب "إذا" والجملة الشرطية خبر الأول وفي حرف ابن مسعود {ايعدكم إذا متم} ثم أكدوا الاستفهام الإنكاري بقولهم {هيهات} ومعناه بعد وهو اسم هذا الفعل، وفي التكرير تأكيد آخر وكذا في إضمار الفاعل وتبيينه بقوله {لما توعدون} قال جار الله: اللام لبيان المستبعد ما هو بعد التصويت بكلمة الاستبعاد كما جاءت اللام في {أية : هيت لك}تفسير : [يوسف: 23] لبيان المهيت به. وقال الزجاج: هو في تقدير المصدر أي البعد لما توعدون أو بعد لما توعدون فيمن نون. ثم بين إترافهم بأنهم قالوا {إن هي إلا حياتنا} أي إلا هذه الحياة لأن "إن" النافية دخلت على "هي" العائدة إلى الحقيقة الذهنية فنفت ما بعدها نفي الجنس، وقد مر في "الأنعام". وإنما زيد في هذه السورة قوله {نموت ونحيا} لأن هذه الزيادة لعلها وقعت في كلام هؤلاء دون كلام أولئك ولم يريدوا بهذا الكلام أنفس المتكلمين وحدهم بل أرادوا أنه يموت بعض ويولد بعض وينقرض قرن ويأتي قرن آخر، ولو أنهم اعتقدوا أنهم يحيون بعد الموت لم يتوجه عليهم ذم ولناقضه قولهم {وما نحن بمبعوثين}. ثم حكى أنهم زعموا أن كل ما يدعيه هود من الاستنباء وحديث البعث وغيره افتراء على الله وأنهم لا يصدقونه ألبتة فلا جرم {قال} هو داعياً عليهم كما دعا نوح على قومه {رب انصرني بما كذبون} قال الله مجيباً له أي عما زمان قليل قصير {ليصبحن} جعل صيرورتهم {نادمين} دليلاً على إهلاكهم لأنه علم أنهم لا يندمون إلا عند ظهور سلطان العذاب ووقوع أماراته وذلك وقت إيمان الياس. وزيادة "ما" لتوكيد قصر المدة و {الصيحة} صيحة جبريل كما سلف في الأعراف وفي "هود" ومعنى {بالحق} بالعدل كقولك "فلان يقضي بالحق" وعلى اصول الاعتزال بالوجوب لأنهم قد استوجبوا الهلاك. والغثاء حميل السيل مما بلي واسودَّ من الأوراق والعيدان وغيرها، شبههم بذلك في دمارهم واحتقارهم أو في قلة الاعتناء بهم، وفي ضمن ذلك تشبيه استيلاء العذاب عليهم باستيلاء السيل على الغثاء يقلبه كيف يشاء. ثم دعا عليه بالهلاك في الدارين بقوله {فبعداً للقوم الظالمين} كما مر في سورة هود. وفيه وضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً عليهم بالظلم وعرف الظالمين لكونهم مذكورين صريحاً بخلاف ما يجيء من قوله {فبعداً لقوم لا يؤمنون} لأنهم غير مذكورين إلا بطريق الإجمال وذلك قوله {ثم أنشأنا من بعدهم قروناً آخرين} والظاهر أنهم قوم صالح ولوط وشعيب كما ورد في قصصهم على هذا الترتيب في "الأعراف" وفي "هود" وغيرهما. وعن ابن عباس أنهم بنو اسرائيل. والمعنى إنا بعد ما أخلينا الديار من المكلفين أنشأناهم وبلغناهم حد التكليف حتى قاموا مقام من كانوا قبلهم. ثم بين كمال علمه وقدرته في شأن المكلفين بقوله {ما تسبق من أمة}اي كل طائفة مجتمعة في قرن لها آجال مكتوبة في الحياة وفي الموت بالهلاك أو الإهلاك، لا يتقدمها ولا يتأخر عنها، وفي أن المقتول ميت بأجله. وقال الكعبي: معنى الاية أنهم لا يتقدمون وقت عذابهم إن لم يؤمنوا، ولا يتأخرون عنه ولا يستأصلهم إلا إذا علم منهم أنهم لا يزدادون إلا عناداً، وأنهم لا يلدون مؤمناً، وأنه لا نفع في بقائهم لغيرهم ولا ضرر على أحد في هلاكهم. ثم بين أن رسل الله كانوا بعد هذه القرون متواترين وأن شأنهم في التكذيب كان واحداً، وكانت سنة الله فيهم باتباع بعضهم بعضاً في الإهلاك. والتاء في {تترى} بدل من الواو في الوتر وهو الفرد أي أرسلناهم واحداً بعد واحد، والرسول يلابس المسرل والمرسل إليه جميعاً فلذلك جاء في القرآن "رسلنا" و "رسلهم" و"رسولها" وأحاديث يكون اسم جمع للحديث أو جمعاً له من غير لفظة، ومنه أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ويكون جمعاً للأحدوثة من لفظها كالأضحوكة والأعجوبة وهو المراد من الآية أي جعلناهم أخباراً يسمعونها ويتعجب منها لأنهم استؤصلوا فلم يبق فيهم عين ولا أثر سوى الحكاية. ثم ذكر طرفاً من قصة موسى عليه السلام. عن الحسن {بآياتنا} أي بديننا كيلا يلزم منه تكرار لأن السلطان المبين هو المعجز، والأقرب قول ابن عباس أنها الآيات التسع لأن الآيات عند ذكر الرسل يراد بها المعجزات في عرف القرآن، والسلطان هو العصا لأنها كانت أم آياته وأقدمها فخصت بالذكر لشرفها وقوة دلالتها. ويجوز أن يراد أنها آيات في أنفسها وحجة بينة بالنسبة إلى المتحدين بها، او يراد به تسلط موسى عليه السلام في الاستدلال على الصانع وأنه ما كان يقيم لهم وزناً. ثم حكى عن فرعون وقومه صفتهم وشبهتهم. أما الصفة فهي الاستكبار والعلو أي طلبوا الكبر وتكلفوه واستنكفوا عن قبول الحق وكانوا مع ذلك رفيعي الحال في أمور الدنيا غالبين قاهرين مستظهرين بالعدد والعدد، وأما الشبهة فهي إنكار كون الرسول من جنس البشر ولا سيما إذا كان قومهما وهم بنو إسرائيل خدماً وعيبداً لهم. قال أبو عبيدة: العرب تسمي كل من دان لملك عابداً له، ويحتمل أن يقال: إنه كان يدعي الإلهية فادعى للناس العبادة وإن طاعتهم عبادة على الحقيقة والبشر يقع على ا لواحد وعلى الجمع. والمثل يوصف به الاثنان والجمع والمذكر والمؤنث. ويقال أيضاً: هما مثلاه وهم أمثاله. ثم بين أنه لما خطرت هذه الشبهة ببالهم صرحوا بالتكذيب فأهلكوا لذلك وكانوا في حكم الله وعلمه كذلك. ثم حكى ما جرى على قوم موسى بعد إهلاك عدوهم {ولقد آتينا موسى الكتاب} أي التوراة {لعلهم يهتدون} ومن الناس من ظن أن هذا الضمير راجع إلى فرعون وملئه. والمعنى أنه خص موسى بالكتب لا للتكذيب ولكن يهتدوا به، فلما أصروا على الكفر مع البيان العظيم استحقوا الإهلاك وهو وهم لأن موسى لم يؤت التوراة إلا بعد إهلاك القبط بدليل قوله {أية : ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى}تفسير : [القصص: 43] وفي قوله في أول "البقرة" {وإذ نجيناكم من آل فرعون} إلى قوله {أية : وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة}تفسير : [الآية: 51] والقصة مشهورة. فالصحيح أنه ذكر موسى وأراد قومه كما يقال "هاشم وثقيف" ويراد قومهم نظيره {أية : على خوف من فرعون وملئهم}تفسير : [يونس: 83] وقد مر في آخر "يونس". ثم أجمل قصة عيسى بقوله {وجعلنا ابن مريم وأمه آية} وقد مر بيانه في آخر الأنبياء في قوله {أية : وجعلناها وابنها آية للعالمين}تفسير : [الآية: 91] قال جار الله: لو قيل آيتين لجاز لأن مريم ولدت من غير مسيس، وعيسى روح من الله ألقى إليها وقد تكلم في المهد وكان يحيى الموتى مع معجزات أخر. واللفظ محتمل للتثنية على تقدير: وجعلنا ابن مريم آية وأمه آية ثم حذفت الأولى لدلالة الثانية عليها. والأقرب حمل اللفظ على وجه الذي لا يتم إلا بمجموعها وهو الولادة على الوجه العجيب الناقض للعادة. والربوة بحركات الراء هي الأرض المرتفعة. عن كعب وقتادة وأبي العالية: هي إيليا أرض بيت المقدس وأنها كبد الأرض وأقرب إلى السماء بثمانية عشر ميلاً. وعن الحسن: فلسطين والرملة. ومثله عن أبي هريرة قال: إلزموا هذه الرملة رملة فلسطين فإنها الربوة التي ذكرها الله. وقال الكلبي وابن زيد: هي مصر. والأكثرون على أنها دمشق وغوطتها والقرار المستقر من أرض منبسطة مستوية. وعن قتادة: أراد ذات ثمار وماء يعني لأجل الثمار يستقر فيها ساكنوها والمعين الماء الظاهر الجاري على وجه الأرض من عانه إذا أدركه بعينه فوزنه "معيون" على "مفعول" وقال الفراء والزجاج: إن شئت جعلته "فعيلاً" من الماعون وهو ما سهل على معطيه من أثاث البيت ومثله قول أبي علي: المعين السهل الذي ينقاد ولا يتعاصى. وقال جار الله: ووجه من جعله "فعيلاً" أنه نفاع لظهوره وجريه من الماعون وهو المنفعة. قال المفسرون: سبب الإيواء أنها قرت بابنها عيسى إلى الربوة وبقيت بها اثنتي عشرة سنة، وإنما ذهب بها ابن عمها يوسف ثم رجعت غلى أهلها بعد ما مات ملكهم. قوله سبحانه {يا ايها الرسل} ليس على ظاهره لأنهم أرسلوا في أزمنة مختلفة وفي تأويله وجوه: أحدها الإعلام بأن كل رسول في زمانه نودي بذلك ووصى به ليعتقد السامع أن أمراً نودي له جميع الرسل حقيق أن يؤخذ به ويعمل عليه، ويؤيد هذا التأويل ما روي حديث : عن أم عبد الله أخت شداد بن أوس أنها بعثت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدح من لبن في شدة الحر عند فطره صلى الله عليه وسلم وهو صائم فرده الرسول إليها وقال: من اين لك هذا؟ فقالت: من شاة لي ثم رده وقال: من أين هذه الشاة؟ فقالت: اشتريتها بمالي فأخذه. ثم إنها جاءته وقالت: يا رسول الله لم رددته؟ فقال صلى الله عليه وسلم: بذلك أمرت الرسل أن لا تأكل إلا طيباً ولا تعمل إلا صالحاًتفسير : . وثانيها وهو قول محمد بن جرير أن المراد به عيسى وقد خاطب الواحد خطاب الجمع لشرفه وكقوله {أية : الذين قال لهم الناس}تفسير : [آل عمران: 173] والمراد نعيم بن مسعود. ووقع هذا الإعلام عند إيواء عيسى ومريم إلى الربوة فذكر على سبيل الحكاية أي آويناهما وقلنا لهما هذا أي أعلمناهما أن الرسل كلهم خوطبوا بهذا الكلام، فكلا مما رزقناكما واعملا عملاً صالحاً اقتداء بالرسل. وثالثها وهو الأظهر عندي أن المراد نبينا صلى الله عليه وسلم لأنه ذكر ذلك بعد انقضاء أخبار الرسل. ووجه اتصال الكلام بما بعده ظاهر كما نقرره، ووجه اتصاله بما قبله هو انتهاء الكلام إلى ذكر المستلذ وبالحقيقة المراد به الأمة كقوله {أية : يا أيها النبي إذا طلقتم النساء}تفسير : [الطلاق: 1] والطيب ما يستطاب ويستلذ من المآكل والفواكه أو هو الحلال. وقيل: طيبات الرزق حلال لا يعصى الله فيه، وصاف لا ينسى الله فيه، وقوام يمسك النفس ويحفظ العقل. وفي تقديم الأكل من الطيبات على الأمر بالعمل الصالح دليل على أن العمل الصالح لا بد أن يكون مسبوقاً بأكل الحلال. وفي قوله {إني بما تعملون عليم} تحذير من مخالفة هذا الأمر. وقال في سورة سبأ {أية : إني بما تعملون بصير}تفسير : [الآية: 11] وكلاهما من أسمائه تعالى إلا أنه ورد ههنا على الأصل لأن العلم أعلم وهناك راعى الفاصلة أو خصص لأن الخطاب مخصوص بآل داود. ومن قرأ {وإن} بالكسر فعلى الاستئناف، ومن قرأ بالفتح مخففاً ومشدداً فعلى حذف لام التعليل والمعلل {فاتقون} ثم من قال: الخطاب لجميع الرسل فالمشار إليه بهذه هو أصول الأديان والشرائع التي لا خلاف فيها بين الرسل وجملتها تقوى الله كما ختم به الآية. والضمير في {تقطعوا} راجع إلى أممهم. قال الكلبي ومقاتل والضحاك: يعني مشركي مكة والمجوس واليهود والنصارى. ومن قال: الخطاب لعيسى فهذه إشارة إلى ملته في وقتها. وعلى القول الأظهر بل على جميع الأقوال المشار إليه ملة الإسلام كما مر مثله في آخر سورة الأنبياء، كأنه أمر هناك بالعبادة التي هي أعم ثم أمر بالتقوى التي هي أخص ولهذا قال {فتقطعوا} بالفاء ليتوجه الذم أتم فإن المأتي به كلما كان أبعد من المأمور به كان سبب الذم اقوى، فلا يكون ترتيب التقطع على التقوى كترتبه على العبادة ولهذا أكد التقطع بقوله {زبراً} بضم الباء جمع زبور اي حال كونه كتباً مختلفة يعني جعلوا دينهم أدياناً ومذاهب شتى. ومنقرأ بفتح الباء فمعناه قطعاً استعيرت من زبر الفضة والحديد. ثم أكد الذم بقوله {كل حزب بما} اي كل فريق منهم مغتبط بما اتخذه ديناً لنفسه معجب به يرى أنه المحق الرابح وغيره المبطل الخاسر. ثم بالغ في الذم والتهديد بقوله {فذرهم في غمرتهم} وهذا الأمر مما يدل على أن المخاطب بقوله {يا أيها الرسل} هو نبينا صلى الله عليه وسلم وقد يطلق لفظ الجماعة على الواحد تعظيماً وتفخيماً كقوله {أية : إنّ إبراهيم كان أمة}تفسير : [النحل: 120] والغمرة الماء الذي يغمر القامة. قال جار الله: ضربت مثلاً لما هم مغمورون فيه من جهلهم وغايتهم، أو شبهوا باللاعبين في غمرة الماء لما هم عليه من الباطل. قلت: وأنت إذا تأملت فيما أسلفنا لك في المقدمة التاسعة من مقدمات الكتاب عرفت الفرق بين الوجهين. قال في الكشاف {إلى حين} أي إلى أن يقتلوا أو يموتوا. والتحقيق أنه الحالة التي يظهر عندها الحسرة والندامة وذلك إذا عرّفهم الله بطلان ما كانوا عليه وعرّفهم سوء منقلبهم فيشمل الموت والقبر والمحاسبة والنار، وفيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ونهي عن الجزع من تأخير عقابهم. ثم إن القوم كانوا أصحاب نعمة ورفاهية فبين الله تعالى أن ذلك الذي جعله مدداً لهم وهو المال والبنون سبب لاستدراجهم إلى زيادة الإثم نظيره في آل عمران {أية : إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً}تفسير : [الآية: 178] وما في {أنما} موصولة والرابط محذوف أي نسارع لهم فيه. وفي قوله {بل لا يشعرون} أنهم اشباه البهائم لا فطنة لهم ولا شعور حتى يتفكروا أهو استدراج أم مسارعة في الخبر. وفيه انه سبحانه أعطاهم هذه النعم ليكونوا متمكنين بها من الاشتغال بطلب الحق وحين أعرضوا عن الحق كان لزوم الحجة عليهم أقوى. التأويل: {يأكل مما تأكلون} لم يعلموا أنهم وإن كانوا يأكلون مما يأكلون ولكنهم لا يأكلون كما يأكلون. "المؤمن يأكل في معي واحد والكافر يأكل في سبعه أمعاء" {والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام} وأهل الله يأكلون ويشربون من مقام "حديث : أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني"تفسير : {وقومهما لنا عابدون} اي في حال الطفولية كانت صفات الروح والقلب عون النفس وتربيتها وتربية صفاتها لاستكمال القالب إلى حد البلوغ، والاستعداد لتحمل أعباء تكاليف الشرع {وآويناهما} يعني مريم النفس وعيسى القلب {إلى ربوة} القالب الذي فيه قرارهما ويجري فيه ماء معين الحكمة من القلب على اللسان {يا أيها الرسل} أي القوى المرسلة إلى القالب.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ}. قال الطبريُّ - رحمه اللّه -: إنَّ هذا القرنَ هم ثمودُ، قومُ صالح. قال * ع *: وفي جُلِّ الروايات ما يقتضي أن قوم عاد أقدمٌ إلاَّ أنَّهم لم يُهْلَكُوا بصيحة. قلت: وهو ظاهر ترتيب قَصَصِ القرآن أَنَّ عاداً أقدم، {وَأَتْرَفْنَـٰهُمْ} معناه نَعَّمْنَاهم، وبسطنا لهم الأموالَ والأَرْزَاقَ وقولهم: {أَيَعِدُكُمْ} استفهام على جهة الاستبعادِ و {أَنَّكُمْ}: الثانية بَدَلٌ من الأُولَى عند سيبويه، وقولهم: {هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ} استبعادٌ، وهيهات أحياناً تلي الفاعل دونَ لام تقول هيهاتَ مجيءُ زيد، أي: بعد ذلك ومنه قول جرير [الطويل] شعر : فَهَيْهَاتَ هَيْهَاتَ الْعَقِيقُ وَمَنْ بِهِ وَهَيْهَاتَ خِلٌّ بِالْعَقِيقِ نُوَاصِلُهْ تفسير : وأحياناً يكون الفاعل محذوفاً، وذلك عند وجود اللام كهذه الآية، التقدير: بعد الوجود؛ لما توعدون قال صلى الله عليه وسلم ورد بأن فيه حذف الفاعل وحذف المصدر وهو الوجود وذلك غير جائز عند البصريين، وذكر أبو البقاء: أَنَّ اللام زائدة «وما» فاعل، أي: بعد ما توعدون. قال أبو حيان: وهذا تفسير معنى لا إعراب؛ لأَنَّهُ لم تَثبُتْ مصدرِيَّةُ «هيهات»، انتهى. وقولهم: {إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا} أرادوا: أَنَّهُ لا وجودَ لنا غيرَ الوجودِ؛ وإنَّمَا تموتُ مِنَّا طائفة فتذهب، وتجيء طائفة جديدة، وهذا هو كُفْرُ الدَّهْرِيَّةِ.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ} الآيات. قال ابن عباس وأكثر المفسرين: هذه قصة هود لقوله تعالى حكاية عن هود {أية : وَٱذكُرُوۤاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ} تفسير : [الأعراف: 69]، ومجيء قصة هود عقيب قصة نوح في سورة الأعراف، وهود، والشعراء. وقال بعضهم: هي قصة صالح لأنَّ قومه الذين كذبوه هم الذين هلكوا بالصيحة وتقدم كيفية الدعوى في قصة نوح. قوله: "فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ" قال الزمخشري: فإنْ قُلْتَ: حق "أَرْسَلَ" أن يتعدى بـ "إلى" كأخواته التي هي: وَجَّهَ، وأَنْفَذَ وبَعَثَ، فما له عدي في القرآن بـ (إلى) تارة وبـ (في) أخرى كقوله: {أية : كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِيۤ أُمَّةٍ} تفسير : [الرعد: 30] {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ} تفسير : [سبأ: 34]. قُلْتُ: لم يعد بـ (في) كما عُدّي بـ (إلى)، ولم يجعل صلة مثله، ولكن الأمة أو القرية جعلت موضعاً للإرسال، كقول رؤبة: شعر : 3791- أرسلت فيها مصعباً ذا أقحام تفسير : وقد جاء (بَعَثَ) على ذلك، كقوله تعالى {أية : وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً} تفسير : [الفرقان: 51]. قوله: {أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ} يجوز أن تكون المصدرية أي: أرسلناه بأن اعبدوا الله. أي: بقوله اعبدوا، وأن تكون مفسرة. "أَفَلاَ تَتَّقُونَ" قال بعضهم: هذا الكلام غير موصول بالأول، وإنما قاله لهم بعد أن كذبوه، وردّوا عليه بعد إقامة الحجة عليهم فعند ذلك خوفهم بقوله: "أَفَلاَ تَتَّقُون" هذه الطريقة مخافة العذاب الذي أنذركم به. ويجوز أن يكون موصولاً بالكلام الأول بأن رآهم معرضين عن عبادة الله مشتغلين بعبادة الأوثان، فدعاهم إلى عبادة الله، وحذّرهم من العقاب بسبب إقبالهم على عبادة الأوثان. قوله: "وقَالَ الملأُ" قال الزمخشري: فإنْ قُلْتَ: ذكر مقالة قوم هود في جوابه في سورة الأعراف، وسورة هود بغير واو، {أية : قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ} تفسير : [الأعراف: 66] {أية : قَالُواْ يٰهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ} تفسير : [هود: 53]. وههنا مع الواو، فأيّ فرق بينهما؟ قُلْتُ: الذي بغير واو على تقدير سؤال سائل قال: فماذا قيل له؟ فقيل له: قالوا: كيت وكيت، وأمّا الذي مع الواو فعطف لما قالوه على ما قاله، ومعناه أنه اجتمع في الحصول، (أي في هذه الواقعة في) هذا الكلام الحق وهذا (الكلام) الباطل وشتان ما بينهما قال شهاب الدين: ولقائل أن يقول: هذا جواب بنفس الواقع، والسؤال باق، إذ يحسن أن يقال: لِمَ لا جعل هنا قولهم أيضاً جواباً لسؤال سائل كما في نظيرتها أو عكس الأمر. قوله {وَكَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱلآخِرَةِ} أي: بالمصير إلى الآخرة "وأَتْرَفْنَاهُم" نعمناهم ووسعنا عليهم {فِي ٱلْحَيـاةِ ٱلدُّنْيَا مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ} وقد تقدم شرح هذه الشبهة في القصة الأولى {وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ} أي: منه، فحذف العائد لاستكمال شروطه، وهو اتحاد الحرف، والمتعلق، وعدم قيامه مقام مرفوع، وعدم ضمير آخر، هذا إذا جعلناها بمعنى الّذي، فإن جعلتها مصدراً لم يحتج إلى عائد، فيكون المصدر واقعاً موقع المفعول. أي: من مشروبكم. وقال في التحرير: وزعم الفراء أن معنى "مِمَّا تَشْرَبُونَ" على حذف أي: تشربون منه. وهذا لا يجوز عند البصريين، ولا يحتاج إلى حذف ألبتة، لأن (ما) إذا كانت مصدراً لم تحتج إلى عائد، فإن جعلتها بمعنى الذي حذفت العائد، ولم تحتج إلى إضمار (من) يعني: أنه يقدر تشربونه من غير حرف جر، وحينئذ تكون شروط الحذف أيضاً موجودة ولكن تفوت المقابلة إذ قوله: "تَأْكُلُونَ مِنْهُ" فيه تبعيض، فلو قدرت هنا تشربونه من غير (من) فاتت المقابلة. ثم إن قوله: وهو لا يجوز عند البصريين ممنوع، بل هو جائز لوجود شرط الحذف. قوله: {لَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ} لمغبونون، جعلوا اتباع الرسول خسراناً ولم يجعلوا عبادة الصنم خسراناً، قال الزمخشري و"إذا" وقع في جزاء الشرط وجواب للذين قاولوهم من قولهم قال أبو حيان: وليس واقعاً في جزاء الشرط، بل واقعاً بين "إنكم" و(الخبر)، و"إنكم" و(الخبر) ليس جزاء للشرط بل ذلك جواب للقسم المحذوف قبل "إن" الشرطية (ولو كانت "إنكم" والخبر جواباً للشرط) لزمت (الفاء) في (إنكم) بل لو كان بالفاء في تركيب غير القرآن لم يكن ذلك التركيب جائزاً إلا عند الفراء، والبصريون لا يجيزونه وهو عندهم خطأ قال شهاب الدين: يعني أنه إذ توالى شرط وقسم أجيب سابقهما، والقسم هنا متقدم فينبغي أن يجاب ولا يجاب الشرط، ولو أجيب الشرط لاختلت القاعدة إلا عند بعض الكوفيين، فإنه يجيب الشرط وإن تأخر، وهو موجود في الشعر. قوله: أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ" الآية. في إعرابها ستة أوجه: أحدها: أنّ اسم أنّ الأولى مضاف لضمير الخطاب، حذف وأقيم المضاف إليه مقامه، والخبر قوله: "إِذَا متُّم"، و"أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ" تكرير، لأنَّ الأولى للتأكيد، والدلالة على المحذوف والمعنى: أنَّ إخراجكم إذا متم وكنتم. الثاني: أنَّ خبر (أنَّ) الأولى هو "مُخْرَجُونَ"، وهو العامل في "إِذَا" وكررت الثانية توكيداً لمَّا طال الفصل وإليه ذهب الجرمي والمبرد والفراء، ويدل على كون الثانية توكيداً قراءة عبد الله: {أَيَعِدُكُمْ إِذَا متُّمْ وكُنْتُمْ تُراباً وعِظَاماً أَنَّكُم مُخْرَجُونَ}. الثالث: أنّ "أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ" مؤول بمصدر مرفوع بفعل محذوف ذلك الفعل المحذوف جواب (إذا) الشرطية، و(إذا) الشرطية وجوابها المقدر خبر لـ (أنَّكُم) الأولى تقديره: يحدث أنكم مخرجون. الرابع: كالثالث في كونه مرفوعاً بفعل مقدر إلا أنَّ هذا الفعل المقدر خبر لـ (أَنَّ) الأولى وهو العامل في (إذا). الخامس: أنّ خبر الأولى محذوف لدلالة خبر الثانية عليه، فتقديره: أنكم تبعثون، وهو العامل في الظرف، و(أنَّ) الثانية وما في حيزها بدل من الأولى، وهذا مذهب سيبويه. السادس: أن يكون "أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ" مبتدأ وخبره الظرف مقدماً عليه، والجملة خبر عن (أَنَّكُمْ) الأولى، والتقدير: أيعدكم أنكم إخراجكم كائن أو مستقر وقت موتكم. ولا يجوز أن يكون العامل في "إذَا" "مُخْرَجُونَ" على كل قول لأن ما في حيز (أنَّ) لا يعمل فيما قبلها ولا يعمل فيها "متم"، لأنه مضاف إليه، و"أَنَّكُمْ" وما في حيزه في محل نصب أو جر بعد حذف الحرف إذ الأصل: أيعدكم بأنكم ويجوز أن لا يقدر حرف جر، فيكون في محل نصب فقط نحو: وعدت زيداً خيراً. قوله: "هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ". "هَيْهَاتَ" اسم فعل معناه: بَعُدَ، وكُرر للتوكيد وليست المسألة من التنازع، قال جرير: شعر : 3792- فَهَيْهَات هَيْهَاتَ العقيقُ وأهلهُ وهَيْهَاتَ خِلٌّ بالعقيقِ نُوَاصِلُه تفسير : وفسره الزجاج في عبارته بالمصدر، فقال: البُعْدُ لِمَا تُوعَدُونَ، أو بُعْدٌ لِمَا تُوعَدُون فظاهرها أنه مصدر بدليل عطف الفعل عليه، ويمكن أن يكون فسّر المعنى فقط. و"هَيْهَات" اسم لفعل قاصر برفع الفاعل، وهنا قد جاء ما ظاهره الفاعل مجروراً باللام فمنهم من جعله على ظاهره وقال "مَا تُوعدُون" فاعل به، وزيدت فيه اللام التقدير: بَعُدَ بَعُدَ ما تُوعدُون،، وهو ضعيف: إذ لم يعهد زيادتها في الفاعل. ومنهم من جعل الفاعل مضمراً لدلالة الكلام عليه، فقدره أبو البقاء: هيهات التصديق، أو: الصحة لما توعدون. وقدّره غيره: بَعُدَ إخْرَاجُكُم. و(لِمَا تُوعَدُونَ) للبيان، قال الزمخشري: لبيان المستبعد ما هو بعد التصويت بكلمة الاستبعاد كما جاءت اللام في "هَيْتَ لَكَ" لبيان المهيت به. وقال الزجاج: "البُعْدُ لِمَا تُوعَدُونَ" فجعله مبتدأ والجار بعد الخبر. قال الزمخشري: فإن قُلْتَ: (مَا تُوعَدُونَ) هو المستبعد، فمن حقه أن يرتفع بـ "هَيْهَاتَ" كما ارتفع بقوله: شعر : 3793- هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ العَقِيقُ وأَهْلُه تفسير : فما هذه اللام؟ قُلتُ: قال الزجاج في تفسيره: البعْدُ لِمَا تُوعدُونَ أو بُعْدٌ لِمَا تُوعَدُونَ فيمن نَوّن، فنزّله منزلة المصدر. قال أبو حيان: وقول الزمخشري (فمن نَوّنه نزّله منزلة المصدر) ليس بواضح، لأنهم قد نَوّنُوا أسماء الأفعال ولا نقول: إنها إذا نُوّنت تنزلت منزلة المصادر. قال شهاب الدين: الزمخشري لم يقل كذا، إنما قال: فيمن نَوَّن نزله منزلة المصدر لأجل قوله: أو بُعْد، فالتنوين علة لتقديره إياه نكرة لا لكونه منزلاً منزلة المصدر، فإنّ أسماء الأفعال ما نُوّن منها نكرة، وما لم يُنوّن معرفة نحو: صَهْ وصَهٍ يقدر الأول بالسكوت، والثاني بسكوت ما. وقال ابن عطية: طوراً تلي الفاعل دون لام، تقول: هيهات مجيء زيد أي: بَعُدَ، وأحياناً يكون الفاعل محذوفاً عند اللام، كهذه الآية، والتقدير: بَعُدَ الوجودُ لمَا تُوعَدُونَ. ولم يستجيده أبو حيان من حيث قوله: حذف الفاعل، والفاعل لا يحذف، ومن حيث إنّ فيه حذف المصدر، وهو الموجود، وإبقاء معموله وهو "لِمَا تُوعَدُون" و"هَيْهَاتَ" الثاني تأكيد للأول تأكيداً لفظياً، وقد جاء غير مؤكد كقوله: شعر : 3794- هَيْهَاتَ مَنْزِلُنَا بِنَعْفِ سُوَيْقَةٍ كانت مُبَارَكَةً على الأَيَّامِ تفسير : وقال آخر: شعر : 3795- هَيْهَاتَ نَاسٌ مِنْ أُنَاس دِيَارُهُمْ دُقَاق ودَارُ الآخِرِينَ الأَوَائِنُ تفسير : وقال رؤبة: شعر : 3796- هَيْهَاتَ مِن مُنْخَرِقٍ هَيْهَاؤُه تفسير : قال القيسي شارح أبيات الإيضاح: وهذا مثل قولك: "بَعُدَ بُعْدَهُ" وذلك أَنَّه بَنَى من هذه اللفظة (فَعْلاَلاً) فجاء به مجيء القَلْقَال والزلزَال. والألف في "هَيْهَاتَ" غير الألف في (هَيْهَاؤُه)، وهي في "هَيْهَاتَ" لام الفعل الثانية كقاف الحَقْحَقَة الثانية، وهي في (هَيْهَاؤُه) ألف الفعلال الزائدة. وفي هذه اللفظة لغات كثيرة تزيد على الأربعين، ذكر منها الصَّاغَانِي ستة وثلاثين لغة، وهي: (هَيْهَاتَ)، وأَيْهَاتَ، وهَيْهَانَ، وأَيْهَانَ وهَيْهَاه، وأَيْهَاه كل واحد من هذه الستة مضمومة الآخر ومفتوحته، ومكسورته، وكل واحدةٍ منها منوّنة وغير منوّنة، فتكون ستًّا وثلاثين. وحكى غيره: هَيْهَاك، وأَيْهَاكَ - بكاف الخطاب -، وأَيْهاء، وأَيْهَا، وهَيْهَاء، فأمّا المشهور ما قرئ به. فالمشهور "هَيْهَاتَ" بفتح التاء من غير تنوين بُني لوقوعه موقع المبني، أو لشبهه بالحرف، وتقدم تحقيق ذلك وبها قرأ العامة وهي لغة أهل الحجاز. و"هَيْهَاتاً" بالفتح والتنوين، وبها قرأ أبو عمرو في رواية هارون عنه ونسبها ابن عطية لخالد بن إلياس. و"هَيْهَاتٌ" بالضم والتنوين وبها قرأ الأحمر وأبو حيوة. وبالضم من غير تنوين، ويروى عن أبي حيوة أيضاً، فعنه فيها وجهان وافقه أبو السمال في الأولى دون الثانية. و"هَيْهَاتٍ" بالكسر والتنوين، وبها قرأ عيسى وخالد بن إلياس. وبالكسر من غير تنوين، وهي قراءة أبي جعفر وشيبة، وتُروى عن عيسى أيضاً وهي لغة تميم وأسد. و"هَيْهَاتْ" بإسكان التاء، وبها قرأ عيسى بن عمر الهمداني أيضاً وخارجة عن أبي عمرو والأعرج و"هَيْهَاه" بالهاء آخراً وصلاً ووقفاً. و"أيْهَاتَ" بإبدال الهاء همزة مع فتح التاء، وبهاتين قرأ بعض القراء فيما نقل أبو البقاء. فهذه تسع لغات قد قرئ بهنّ لم يتواتر منها غير الأولى. ويجوز إبدال الهمزة من الهاء الأولى في جميع ما تقدم فيكمل بذلك ست عشرة لغة. و"أَيْهَان" بالنون آخراً. و"أَيْهَا" بألف آخراً. فمن فتح التاء قالوا: فهي عنده اسم مفرد، ومن كسرها فهي عنده جمع تأنيث كزَيْنَبَات وهِنْدَات. ويُعْزَى هذا لسيبويه، لأنه قال: هي مثل بَيْضَات، فنسب إليه أنه جمع من ذلك، حتى قال بعض النحويين: مفردها (هَيْهَة) مثل بَيْضَة. وليس بشيء بل مفردها (هَيْهَاتَ). قالوا: وكان ينبغي على أصله أن يقال فيها: (هَيْهَيَات) بقلب ألف (هَيْهَاتَ) ياء، لزيادتها على الأربعة نحو: مَلْهَيَات، ومَغْزَيات، ومَرْمَيات، لأنها من بنات الأربعة المضعّفة من الياء من باب حَاحَيْتَ وصِيْصِية، وأصلها بوزن القَلْقلة والحَقْحَقَة فانقلبت الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصارت: هَيْهَاة كالسلْقَاة والجَعْبَاة. وإن كانت الياء التي انقلبت عنها ألف سلْقَاة وجَعْبَاة زائدة، وياء هَيْهية أصلاً، فلما جمعت كان قياسها على قولهم: أَرْطَيَاتٍ وعَلْقَيَاتٍ أن يقولوا فيها: (هَيْهَياتٍ)، إلاّ أنهم حذفوا الألف لالتقاء الساكنين لمّا كانت في آخر اسم مبني كما حذفُوها في (ذان)، و(اللَّتان) و(تان): ليفصلوا بين الألفات في أواخر المبنية، والألفات في أواخر المتمكنة، وعلى هذا حذفوها في أولات وذَوَات، لتخالف ياء حَصَيات ونَوَيات. وقالوا: من فتح تاء (هَيْهَاتَ) فحقه أن يكتبها هاء، لأنها في مفرد كتَمْرة ونَواة، ومن كسرها فحقه أن يكتبها تاء، لأنها في جمع كهِنْدَات، وكذلك حكم الوقف سواء، ولا التفات إلى لغة: كيف الإخوهْ والأخواهْ، ولا هذه ثمرت، لقلتها، وقد رسمت في المصحف بالهاء. واختلف القراء في الوقف عليها، فمنهم من اتبع الرسم فوقف بالهاء وهما الكسائي والبزيّ عن ابن كثير. ومنهم من وقف بالتاء وهم الباقون. وكان ينبغي أن يكون الأكثر على الوقف بالهاء لوجهين: أحدهما: موافقة الرسم. والثاني: أنهم قالوا: المفتوح اسم مفرد أصله هَيْهَيَة كَوَلولة وقَلْقَلة في مضاعف الرباعي، وقد تقدم أن المفرد يوقف على تاء تأنيثه بالهاء. وأمّا التنوين فهو على قاعدة تنوين أسماء الأفعال دخوله دال على التنكير، وخروجه دال على التعريف. قال القيسي: من نَوّن اعتقد تنكيرها، وتصوَّرَ معنى المصدر النكرة، كأنه قال: بُعْداً بُعْداً. ومن لم يُنوّن اعتقد تعريفها، وتصوَّر معنى المصدر المعرفة، كأنه قال: البُعْدُ البُعْدُ فجعل التنوين دليل التنكير وعدمه دليل التعريف انتهى. ولا يوجد تنوين التنكير إلا في نوعين: أسماء الأفعال وأسماء الأصوات (نحو صَهْ وصَهٍ، وبَخْ وبَخٍ، والعلم المختوم بـ (ويه)) نحو سيبويهِ وسيبويهٍ، وليس بقياس بمعنى: أنه ليس لك أن تنوّن منها ما شئت بل ما سمع تنوينه اعتقد تنكيره. والذي يقال في القراءات المتقدمة: إنّ من نوّن جعله للتنكير كما تقدم. ومن لم ينوّن جعل عدم التنوين للتعريف. ومن فتح فللخفةِ وللاتباع. ومن كسر فعلى أصل التقاء الساكنين، ومن ضم فتشبيهاً بقَبْل وبَعْد. ومن سَكّن فلأنّ أصل البناء السكون. ومن وقف بالهاء فاتباعاً للرسم، ومن وقف بالتاء فعلى الأصل سواء كُسرت التاء أو فتحت، لأنّ الظاهر أنهما سواء، وإنما ذلك من تغيير اللغات وإن كان المنقول عن مذهب سيبويه ما تقدم. هكذا ينبغي أن تعلل القراءات المتقدمة. وقال ابن عطية فيمن ضم ونوّن: إنه اسم معرب مستقل مرفوع بالابتداء، وخبره "لِمَا تُوعدُونَ" أي: البُعْد لوعدكم، كما تقول: النجح لسعيك. وقال الرازي في اللوامح: فأمَّا مَنْ رَفَعَ وَنَوَّنَ احتمل أن يكونا اسمين متمكنين مرفوعين، خبرهما من حروف الجر بمعنى: البُعْدُ لِمَا تُوعَدُونَ، والتكرار للتأكيد، ويجوز أن يكونا اسماً للفعل، والضم للبناء مثل: حُوبُ في زجر الإبل لكنه نَوّنه (لكونه) نكرة. قال شهاب الدين: وكان ينبغي لابن عطية وأبي الفضل أن يجعلاه اسماً أيضاً في حالة النصب مع التنوين على أنه مصدر واقع موقع الفعل وقرأ ابن أبي عبلة: {هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ مَا تُوعَدُونَ} من غير لام جر. وهي واضحة، مؤيدة لمدعي زيادتها في قراءة العامة. و"ما" في "لِمَا تُوعَدُونَ" تحتمل المصدرية، أي: لوعدكم، وأن تكون بمعنى الذي، والعائد محذوف، أي: توعدونه. قوله: "إنْ هِيَ" "هي" ضمير يفسره سياق الكلام، أي: إن الحياة إلا حياتنا. وقال الزمخشري: هذا ضمير لا يعلم ما يُراد به إلاَّ بما يتلوه من بيانه، وأصله: إن الحياة {إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا}، فوضع "هي" موضع "الحياة" لأنّ الخبر يدل عليها ويبينها، ومنه: هي النَّفْس تتحمل مَا حُمِّلَتْ، وهي العَرَبُ تقول ما شَاءَتْ. وقد جعل بعضهم هذا القسم مما يفسر بما بعده لفظاً ورتبةً، ونسبه إلى الزمخشري متعلقاً بما نقلناه عنه. قال شهاب الدين: ولا تعلق له في ذلك. قوله: "نَمُوتُ ونَحْيَا" جملة مفسرة لما ادّعوه من أنَّ حياتهم ما هي إلا كذا. وزعم بعضهم أنَّ فيها دليلاً على عدم الترتيب في الواو، إذ المعنى: نحيا ونموت إذ هو الواقع. ولا دليل فيها لأنّ الظاهر من معناها يموت البعض منا ويحيا آخرون وهلم جرًّا يسير إلى انقراض العصر ويخلف غيره مكانه. وقل: نموت نحن ويحيا أبناؤنا. وقيل: القوم كانوا يعتقدون الرجعة أي: نموت ثم نحيا بعد ذلك الموت. فصل اعلم أنَّ القوم طعنوا في نبوّته بكونه بشراً يأكل ويشرب، ثم جعلوا طاعته خسراناً: أي: إنكم إن أعطيتموه الطاعة من غير أن يكون لكم بإزائها نفع، فذلك هو الخسران، ثم طعنوا في صحة الحشر والنشر، فقالوا: {أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ} معادون أحياء للمجازاة، ثم لم يقتصروا على هذا القدر حتى قرنوا به الاستبعاد العظيم، فقالوا: {هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ} ثم أكدوا ذلك بقولهم: {إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا} ولم يريدوا بقولهم: "نَمُوتُ ونَحْيَا" الشخص الواحد، بل أرادوا أن البعض يموت والبعض يحيا، وأنه لا إعادة ولا حشر فلذلك قالوا: {وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} ثم بنوا على هذا فطعنوا في نبوّته وقالوا لما أتى في دينه بهذا الباطل فقد {ٱفتَرَىٰ عَلَىٰ ٱللَّهِ كَذِباً وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ}. واعلم أنَّ الله - تعالى - ما أجاب عن هاتين الشبهتين لظهور فسادهما أمّا الأولى: فتقدم الجواب عنها. وأمّا إنكارهم الحشر والنشر فجوابه، أنّه لمّا كان قادراً على كل الممكنات عالماً بكل المعلومات وجب أن يكون قادراً على الحشر والنشر، وأيضاً: فلولا الإعادة لكان تسليط القويِّ على الضعيف في الدنيا ظلماً، وهو غير لائق بالحكيم على ما تقرر في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ} تفسير : [طه: 15]. واعلم أنَّ الرسول لمّا يئس من قبول دعوته فزع إلى ربّه وقال: {رَبِّ ٱنْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ} وقد تقدّم تفسيره. فأجاب الله سؤاله وقال: {عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ}. قوله: "عَمَّا قَلِيلٍ" في (ما) هذه وجهان: أحدهما: أنّها مزيدة بين الجار والمجرور للتوكيد كما زيدت الباء نحو: "فَبِمَا رَحْمَةٍ"، وفي من نحو "مِمَّا خَطَايَاهُمْ". و"قَلِيلٍ" صفة لزمن محذوف، أي: عن زمن قليل. والثاني: أنّها غير زائدة، بل هي نكرة بمعنى شيء أو زمن، و"قَلِيلٍ" صفتها، أو بدل منها، وهذا الجار فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنّه متعلق بقوله: "لَيُصْبِحُنَّ"، أي: ليصبحن عن زمن قليل نادمين. الثاني: أنه متعلق بـ "نَادِمِين"، وهذا على أحد الأقوال في لام القسم، وذلك أنّ فيها ثلاثة أقوال: جواز تقديم معمول ما بعدها عليها مطلقاً، وهو قول الفراء وأبي عبيدة. والثاني: المنع مطلقاً، وهو قول جمهور البصريين. والثالث: التفصيل بين الظرف وعديله وبين غيرهما، فيجوز للاتساع ويمتنع في غيرهما فلا يجوز في: والله لأضربن زيداً، زيداً لأضربن لأنه غير ظرف ولا عديله. والثالث من الأوجه المتقدمة: أنّه متعلق بمحذوف تقديره: عَمّا قَلِيلٍ تنصر حذف لدلالة ما قبله عليه، وهو قوله: "رَبّ انْصُرْنِي". وقرئ: "لَتُصْبِحُنَّ" بتاء الخطاب على الالتفات، أو على أنَّ القول صدر من الرسول لقومه بذلك. قوله: "عَمَّا قَلِيلٍ" الآية معناه أنه يظهر لهم علامات الهلال فعند ذلك يحصل لهم الحسرة والندامة على ترك القبول. ثم بيّن تعالى الهلاك الذي أنزل عليهم بقوله: {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ بِٱلْحَقِّ} قيل: إن جبريل - عليه السلام - صاح بهم صيحةً عظيمةً فهلكوا. وقال ابن عباس: الصيحة الرجفة. وعن الحسن: الصيحة نفس العذاب والموت. كما يقال فيمن يموت: دعي فأجاب. وقيل: هي العذاب المصطلم، قال الشاعر: شعر : 3797- صاح الزمان بآل برمك صيحة خروا لشدتها على الأذقان تفسير : والأول أولى لأنه الحقيقة. قوله: "بالحقِّ" أي: دمرناهم بالعدل، من قولك: فلانٌ يقضي بالحق إذا كان عادلاً في قضائه. وقال المُفضل: "بالحقِّ" بما لا مدفع له كقوله: {أية : وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ} تفسير : [ق: 19]. قوله: "فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً" الجعل بمعنى: التصيير، و"غُثَاءً" مفعول ثان، والغُثَاء: قيل: هو الجفاء، وتقدم في الرعد، قاله الأخفش وقال الزجاج: هو البالي من ورق الشجر والعيدان إذا جرى السيل خالط زبده واسود، ومنه قوله: "غُثَاءً أَحْوَى" وقيل: كل ما يلقيه السيل والقدر مما لا ينتفع به، وبه يُضْربُ المثل في ذلك ولامه واو، لأنه من غَثَا الوادي يَغْثُو غَثْواً، وكذلك غَثَتِ القِدر، وأمّا غَثِيَتْ نَفْسُهُ تَغْثِي غَثَيَاناً، أي: خَبُثَتْ. فهو قريب من معناه، ولكنه من مادة الياء. وتشدد (ثاء) الغُثَاء، وتُخفَّف، وقد جمع على أَغْثَاء، وهو شاذ، بل كان قياسه أن يجمع على أغْثِية، كَأغْرِيَة، وعلى غِيثَان، كغِرْبَان، وغِلْمَان وأنشدوا لامرئ القيس: شعر : 3798- مِنَ السَّيْلِ والغُثَّاءُ فَلْكَةُ مِغْزَلِ تفسير : بتشديد الثاء، وتخفيفها، والجمع، أي: والأَغْثَاء. قوله: {فَبُعْداً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} "بُعْداً" مصدر يذكر بدلاً من اللفظ بفعله فناصبه واجب الإضمار لأنه بمعنى الدعاء عليهم، والأصل: بَعُدَ بُعْداً وبَعَداً نحو رَشُدَ رُشْداً ورَشَداً وفي هذه اللام قولان: أظهرهما: أنها متعلقة بمحذوف للبيان، كهي في سَقْياً له، وجَدْعاً له. قاله الزمخشري. والثاني: أنَّها متعلقة بـ "بُعْداً" قاله الحوفي. وهذا مردود، لأنه لا يُحفظ حذف هذه اللام، ووصول المصدر إلى مجرورها ألبتة، ولذلك منعوا الاشتغال في قوله: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَعْساً لَّهُمْ} تفسير : [محمد: 8] لأن اللام لا تتعلق بـ "تَعْساً" بل بمحذوف، وإن كان الزمخشري جَوَّز ذلك، وسيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى. فصل "فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً" صيرناهم هلكى فَيَبِسُوا يَبْسَ الغثاء من نبات الأرض، "فَبُعْداً" بمنزلة اللعن الذي هو التبعيد من الخير "لِلقَوْمِ الظَالِمِينَ" الكافرين، ذكر هذا على وجه الاستخفاف والإهانة لهم.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله {قرناً} قال: أمة.
القشيري
تفسير : تتابعت القرونُ على طريقةٍ واحدةٍ في التكذيب، وغرّهم طولُ الامهالِ، وما مكنَّهم من رَفَه العيش وخَفْض الدّعَةِ، فلم يقيسوا إلا على أنفسهم، ولم يَسْمُ لهم طَرَفٌ إلى مَنْ فوقهم في الحال والمنزلة، فقالوا: أنؤمن بمن يتردد في الأسواق، وينتفع مثلنا بوجوه الأرفاق؟ ولئن أطعنا بشراً مثلنا لَسَلَكنا سبيلَ الغَيِّ، وتَنَكَبْنا سُنَّةَ الرُّشْدِ. فأجراهم اللُّه في الإهانةِ وإحلال العقوبة بهم مجرًى واحداً، وأذاقهم عذابَ الخزْي. وأعظمُ ما دَاخَلَهم من الشُّبهةِ والاستبعادِ أمرْ الحشْرِ والنشر، ولم يرتقوا للعلم بأنَّ الإعادة كالابتداء في الجواز وعدم الاستحالة، والله يهدي مَنْ يشاء ويُغْوِي مَنْ يريد. ثم إن الله في هذه السورة ذَكَرَ قصةَ موسى عليه السلام، ثم بعده قصةَ عيسى عليه السلام، وخَصَّ كُلَّ واحدٍ منهم بآياته الباهرة ومعجزاته الظاهرة.
اسماعيل حقي
تفسير : {ثم انشأنا من بعدهم} اى اوجدنا واحداثنا من بعد اهلاك قوم نوح {قرنا آخرين} هم عاد لقوله تعالى حكاية عن هود {أية : واذكروا اذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح}تفسير : والقرن القوم المقترنون من زمن واحد اى اهل زمان واحد.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {ثم أنشأنا من بعدهم}؛ من بعد قوم نوح {قرناً} أي: قوماً {آخرين} هم عادٌ قوم هود، حسبما رُوي عن ابن عباس، ويشهد له قوله تعالى: {أية : وَٱذكُرُوۤاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ}تفسير : [الأعراف: 69]، ومجيء قصة هود على إثر قصة نوح في الأعراف وهود والشعراء، ونقل ابن عطية عن الطبري: أن المراد بهم ثمود قوم صالح، قال: والترتيب يقتضي قوم عاد، إلاَّ أنهم لم يُهلكوا بالصيحة، بل بالريح، قال في الحاشية: والظاهر أنهم صالح. كما قاله الطبري. وحمل الواحدي الصيحة على صيحة العذاب، فيتجه لذلك أنهم عاد قوم هود، وقد تقرر أن ثمود بعد عاد. ثم قال: وفي السيرة: عادٌ بن عوص بن إرَم بن سام بن نوح، وثمود بن عابر بن أرَم بن سام بن نوح. هـ. {فأرسلنا فيهم}، الإرسال يُعَدّى بإلى، ولم يُعَدَّ بها هنا وفي قوله: {أية : كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِىۤ أُمَّةٍ}تفسير : [الرعد: 30]، {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ}تفسير : [الأعراف: 94]؛ لأن الأمة والقرية جعلت موضعاً للإرسال، إيذاناً بأن المرسَل إليهم لم يأتهم من غير مكانهم، بل إنما نشأ بين أظهرهم، كما ينبىء عنه قوله: {رسولاً منهم} أي: من جملتهم نسباً، وهو: هود أو صالح، فإنهما - عليهما السلام - كانا منهم. قائلاً لهم: {أنِ اعبدوا الله ما لكم من إلهٍ غيرهُ أفلا تتقون} عذابه، الذي يقتضيه ما أنتم عليه من الشرك والمعاصي. {وقال الملأُ من قومه}، ذكر مقال قوم هود، في جوابه، في الأعراف وهود بغير "واو"؛ لأنه على تقدير سؤال سائل، قال: فما قال قومه؟ فقيل: قالوا: كيت وكيت، وهنا مع الواو؛ لأنه عطفٌ لما قالوه على ما قاله الرسول؛ ومعناه: حكاية قولهم الباطل إثر حكاية قول الرسول الحق، وليس بجواب للنبي متصل بكلامه، وجيء بالفاء في قصة نوح عليه السلام؛ لأنه جواب لقوله، واقعٌ عَقِبَه،، أي: وقال الأشراف من قومه {الذين كفروا}، وُصفوا بالكفر؛ ذَماً لهم، وتنبيهاً على غُلوِّهم فيه، {وكذَّبوا بلقاء الآخرة} أي: بلقاء ما فيها من الحساب والثواب والعقاب وغير ذلك، أو بمعادهم إلى الحياة الثانية، {وأترفناهم}: نَعَّمناهم {في الحياة الدنيا} بكثرة الأموال والأولاد، أي: قالوا لأتباعهم، مُضلين لهم: {ما هذا} النبي {إلا بشرٌ مثلُكم} في الصفة والأحوال، والاحتياج إلى القِوام، ولم يقولوا: مثلنا؛ تهويناً لأمره عليه السلام. ثم فسر المثلية بقوله: {يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون} أي: منه، فحذف؛ لدلالة ما قبله عليه، {ولئن أطعتم بشراً مثلكم} فيما يأمركم به وينهاكم عنه، {إنكم إذاً لخاسرون} بالانقياد لمثلكم، ومن حمقهم أنهم أبَوْا اتِّباع مثلهم وعبدوا أعجز منهم. {أَيعدُكُمْ أنكم إِذا مِتُّم} - بالكسر والضم -؛ من مات يُمات ويموت، {وكنتم تراباً وعظاماً} نخرة، {أنكم مُخْرَجُون}، فأنكم الثانية، توكيد للأولى؛ للفصل بينهما، والتقدير: أيعدكم أنكم مخرجون بالبعث إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً؟ {هيهات هيهاتَ}، تكرير؛ لتأكيد البُعد، وهو اسم فعل مبني على الفتح، واقع موقع بَعُد، فاعلها مضمر، أي: بعد التصديق أو الوقوع {لِما تُوعدون} من العذاب، أو فاعلها: "ما توعدون"، واللام زائدة، أي بَعُد ما تعدون من البعث، وقيل: ما توعدون من البعث. وقيل: مبتدأ، وهما اسم للبعد، و (لما توعدون): خبر، أي: بُعْدٌ بُعْدٌ لما توعدون، {إن}: ما {هِيَ إلا حياتنا الدنيا}، والضمير لا يُعْلَمُ ما يُغْنَى به إلا بما بعده من بيانه، وأصله: إن الحياةُ إلا حياتنا، وأتى بالضمير؛ حذراً من التكرير، أي: لا حياة إلا هذه الحياة التي نحن فيها، ودنت منها، {نموت ونحيا} أي: يموت بعضنا ويولد بعضٌ، إلى انقراض العصر، {وما نحن بمبعوثين} بَعد الموت، {إن}؛ ما {هو إلا رجل افترى على الله كَذِباً} فيما يدَّعيه من الإرسال، وفيما يَعدنا من البعث، {وما نحن له بمؤمنين}: بمصدِّقين بما يقول. {قال} هود، أو صالح - عليهما السلام - بعدما سلك في دعوتهم كل مسلك، متضرعاً إلى الله - عز وجل -: {ربِّ انصرني} عليهم، وانتقم منهم {بما كذَّبونِ} أي: بسبب تكذيبهم إياي وإصرارهم عليه، {قال} تعالى؛ إجابة لدعائه: {عمَّا قليلٍ} أي: عن زمان قليل، زيدت "ما"، بين الجار والمجرور؛ لتأكيد معنى القلة، أو نكرة موصوفة، أي؛ عن شيء قليل {ليصبِحُنَّ نادمين} عما فعلوا من التكذيب، وذلك عند معاينتهم العذاب. {فأخذتهم الصيحةُ}، لعلهم، حين اصابتهم الريح العقيم، أُصيبوا في تضاعيفها بصيحة هائلة من صوته. أو يراد بها: صرير الريح وصوته. وقد رُوي أن شَدَّاداً حين أتم بناء إرم، سار إليها بأهله، فلما دنا منها بعث الله عليهم صيحة من السماء، فهلكوا، وقيل: الصيحة: العذاب المصطلِم، قال الشاعر: شعر : صَاحَ الزَّمانُ بآلِ فُدَكٍ صيَحةً خَرُّوا؛ لشِدَّتها، على اْالأَذْقَانِ تفسير : وإذ قلنا: هم قوم صالح، فالصيحة صيحة جبريل عليه السلام، صاح عليهم فدمرهم. وقوله: {بالحق} أي: بالعدل من الله، يقال: فلان يقضي بالحق، أي بالعدل، أو: أخذتهم بالحق، أي: بالأمر الثابت الذي لا دفاع له، {فجعلناهم غُثاء} أي: كغثاء السيل، وهو ما يحمله من الورق والحشيش، شبههم في دمارهم بالغثاء، وهو ما يرميه السيل، من حيث أنهم مَرْمِي بهم في كل جانب وسَهْب. {فبُعداً}: فهلاكاً، يقال بَعُدَ بُعْداً، أي: هلك هلاكاً، وهو من المصادر المنصوبة بأفعال لا تظهر أفعالها، أي: فسحقاً {للقوم الظالمين}، وهو إخبار، أو دعاء، واللام؛ لبيان من دُعي عليه بالبُعد، كقوله:{أية : هَيْتَ لَكَ} تفسير : [يوسف: 23]. والله تعالى أعلم. الإشارة: من عادة الحق - سبحانه -، إذا أكب الناس على دنياهم، واتخذوا إلههم هواهم، بعث من يذكرهم بالله، فيقول لهم: اعبدوا الله، ما لكم من إله غيره، أي: أفردوه بالمحبة، واقصدوه بالوجهة، فما عبدَ الله من عبد هواه، فيقول المترفون، وهم المنهمكون في الغفلة، المحجوبون بالنعمة عن المنعم، الذين اتسعت دائرة حسهم: ما هذا الذي يعظكم، ويريد أن يخرجكم عن عوائدكم، ألا بشر مثلكم، يأكل مما تأكلون، ويشرب مما تشربون، وما دَروا أنَّ وصف البشرية لا ينافي وجود الخصوصية، فإذا تمادوا في غفلتهم، وأيس من هدايتهم، ربما دعا عليهم، فأصبحوا نادمين، حين لا ينفعهم الندم، وذلك عند نزول هواجم الحِمَامِ. وبالله التوفيق.
الطوسي
تفسير : قرأ ابو جعفر {هيهات هيهات} بكسر التاء. الباقون بفتحها. ولا خلاف فى ترك التنوين فيهما. يقول الله تعالى {إنا أنشأنا} واخترعنا، من بعد إهلاك قوم نوح بالطوفان {قوماً آخرين} والانشاء والاختراع واحد، وكلما يفعل الله تعالى، فهو إنشاء واختراع. وقد يفعل الله تعالى الفعل عن سبب بحسب ما تقتضيه المصلحة. والقرن أهل العصر لمقارنة بعضهم لبعض، ومنه قرن الكبش لمقارنته القرن الآخر، ومنه القرينة، وهي الدلالة التي تقارن الكلام. وقوله {فأرسلنا فيهم رسولاً منهم} اخبار منه تعالى انه أرسل رسولا فى القرن الذي انشاهم من بعد قوم نوح. وقال قوم: هو صالح وقيل: هود، لأنه المرسل بعد نوح {أن اعبدو الله ما لكم من إله غيره} أي ارسلناه بأن يقول لهم: اعبدوا الله وحده لا شريك له. ويقول لهم: ما لكم معبود سواه، وأن يخوفهم إذا خالفوه. ويقول لهم {أفلا تتقون} عذاب الله، واهلاكه بارتكاب معاصيه، فموضع (أن) من الاعراب نصب. وتقديره بأن اعبدوا الله، فلما حذفت الباء نصب بـ {أرسلنا}. وقوله {وقال الملأ من قومه} يعني - الاشراف، ووجوههم - قالوا لغيرهم {الذين كفروا} بالله وكذبوا بآياته وحججه وبيناته، وجحدوا {وكذبوا بلقاء الآخرة} والبعث والنشور يوم القيامة. وقوله {وأترفناهم في الحياة الدنيا} والاتراف التنعم بضروب الملاذ، وذلك أن التنعيم قد يكون بنعيم العيش، وقد يكون بنعيم الملبس، فالاتراف بنعيم العيش قال الراجز: شعر : وقد أراني بالديار مترفاً تفسير : وقوله {ما هذا إلا بشر مثلكم} أي ليس هذا الذي يدعي النبوة من قبل الله إلا بشراً مثلكم {يأكل مما تأكلون منه} من الاطعمة {ويشرب مما تشربون منه} من الاشربة. ثم قالوا لهم {لئن أطعتم بشراً مثلكم} وعلى هيئتكم وأحوالكم {إنكم إذاً لخاسرون} فجعلوا اتباع الرسول خسرانا، لأنه بشر مثلهم، ولم يجعلوا عبادة الصنم خسراناً، لانه جسم مثلهم، وهذا مناقضة ظاهرة. ثم حكى انهم قالوا لغيرهم {أيعدكم} هذا الذي يدعي النبوة من قبل الله {أنكم إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً} ورفاتاً {إنكم مخرجون} وقيل في خبر {إن} الاول قولان: احدهما - انه قوله {مخرجون} وتكون الثانية للتأكيد. والثاني - ان يكون الخبر الجملة، وتقديره: أيعدكم انكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما إخراجكم. ونظير تكرير (ان) قوله {أية : ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم} تفسير : يعني فله نار جهنم - ذكره الزجاج - إلا ان هذه الثانية عملت فى غير ما عملت فيه الأولى. وإنما هي بمنزلة المكرر في المعنى. وموضع "إنكم" الأولى نصب، وتقديره: ايعدكم بأنكم. وموضع {إن} الثانية كموضع الأولى، وانما ذكرت تأكيداً، والمعنى: أيعدكم أنكم تخرجون إذا متم، فلما بعد ما بين (ان) الأولى، والثانية بقوله {إذا كنتم تراباً وعظاماً} أعيد ذكر (أن). ثم قالوا لهم {هيهات هيهات لما توعون} من البعث، والنشور، والجزاء بالثواب والعقاب. ومعنى "هيهات" بعد الأمر جداً حتى امتنع، وهو بمنزلة (صه. ومه) إلا ان هذه الأصوات الأغلب عليها الأمر والنهي وهذا فى الخبر ونظيره (شتان) أي بعدما بينهما جداً، وانما لم تتمكن هذه الاصوات فى الأسماء يخروجها إلى شبه الافعال التي هي معانيها، وليست مع ذلك افعالا، لانه لا يضمر فيها، ولا لها تصرف الأفعال في أصلها، وانما جعلت هكذا، للافهام بما تفهم به البهيمة من الزجر بالأصوات، على هذه الجملة. وقال ابن عباس: معنى (هيهات) بعيد بعيد. والعرب تقول: (هيهات) لما تبغي، وهيهات ما تبعي، قال جرير: شعر : فهيهات هيهات العقيق ومن به وهيهات وصل بالعقيق نواصله تفسير : ويروى أيهات. وكان الكسائي: يقف بالهاء، فيقول: هيهاة، على قياس هاء التأنيث في الواحد زائدة نحو (علقاة) واختار الفراء الوقف بالتاء، لأن قبلها ساكناً، فصارت كما تقول: بنت وأخت. قال: ولأن من العرب من يخفض التاء، فدل ذلك على انها ليست بهاء التأنيث، وانما هي بمنزلة دراك، ونظار ماله. ومن وقف بالهاء جعلها كالادارة وقال الزجاج: يجوز هيهات وهيهتاً وهيهاتاً بالتنوين، وترك التنوين. قال الاخفش: يجوز فتح التاء وكسرها ومنهم من يجعل بدل الهاء همزة، فيقول: أيهات، وهي لغة تميم، غير انهم يكسرون التاء. ومن العرب من إذا جعلها فى موضع إسم قال: لم أره مذ أيهات من النهار - بضم التاء - وتنوينها. ومنهم من يجعل مكان التاء نوناً، فيقول: ايهان واحدها أيها، قال الشاعر: شعر : ومن دوني الاعيار والقيع كله وكتمان أيهاناً أشت وأبعدا
الجنابذي
تفسير : هم قوم هودٍ او قوم صالحٍ
اطفيش
تفسير : {ثُّمَ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً} قوما {آخَرِينَ} هم عاد لقول هود وهو رسولهم: {أية : واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح}تفسير : ولمجيئ قصة هود عليه السلام اثر قصة نوح في سورة الاعراف وسورة هود وسورة الشعراء.
اطفيش
تفسير : {ثمَّ أنشأنا مِنْ بعْدهِم} بعد إهلاك قوم نوح عليه السلام {قَرْناً آخرين} قوم هود عليه السلام.
الالوسي
تفسير : {ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ} أي من بعد إهلاك قوم نوح عليه السلام {قَرْناً ءاخَرِينَ} هم عاد أو ثمود.
ابن عاشور
تفسير : تعقيب قصة نوح وقومه بقصة رسول آخر، أي أخرى، وما بعدها من القصص يراد منه أن ما أصاب قوم نوح على تكذيبهم له لم يكن صدفة ولكنه سنة الله في المكذبين لرسله ولذلك لم يعيَّن القرن ولا القرون بأسمائهم. والقرن: الأمة. والأظهر أن المراد به هنا ثمود لأنه الذي يناسبه قوله في آخر القصة { أية : فأخذتهم الصيحة بالحق } تفسير : [المؤمنون: 41]، لأن ثمود أُهلكوا بالصاعقة ولقوله { أية : قال عمَّا قليللٍ لَيُصْبِحُنّ نادمين } تفسير : [المؤمنون: 40] مع قوله في سورة الحجر (83) {فأخذتهم الصيحَةُ مصبحين} فكان هلاكهم في الصباح. ولعل تخصيصهم بالذكر هنا دون عاد خلافاً لما تكرر في غير هذه الآية لأن العبرة بحالهم أظهر لبقاء آثار ديارهم بالحِجر كما قال تعالى: { أية : وإنكم لَتَمُرّونَ عليهم مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْللِ أفلا تعقلون } تفسير : [الصافات: 137، 138]. وقوله {فأرسلنا فيهم رسولاً} أي جعل الرسول بينهم وهو منهم، أي من قبيلتهم. وضمير الجمع عائد إلى {قرناً} لأنه في تأويل (الناس) كقوله { أية : وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا } تفسير : [الحجرات: 9]. وعُدِّي فعل {أرسلنَا} بــــ(في) دون (إلى) لإفادة أن الرسول كان منهم ونشأ فيهم لأن القرن لما لم يعين باسم حتى يعرف أن رسولهم منهم أو وارداً إليهم مثل لوط لأهل (سدوم)، ويونس لأهل (نينوَى)، وموسى للقبط. وكان التنبيه على أن رسولهم منهم مقصوداً إتماماً للمماثلة بين حالهم وحال الذين أرسل إليهم محمد صلى الله عليه وسلم وكلام رسولهم مثل كلام نوح. و(أنْ) تفسير لما تضمنه {أرسلنا} من معنى القول.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 31- ثم خلقنا من بعد نوح طبقة من الناس غيرهم وهم عاد. 32- فأرسلنا إليهم هودا وهو منهم، وقلنا لهم على لسانه: اعبدوا الله - وحده - فليس لكم إله يستحق العبادة غيره، وهو - وحده - الجدير بأن تخافوه، فهلا خفتم عقابه إن عصيتموه؟. 33- وقال الكبراء من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الله وما فى الآخرة من حساب وجزاء، وأعطيناهم أكبر حظ من الترف والنعيم، قالوا منكرين عليه دعوته، صادين العامة عن اتباعه: لا فرق بين هود وبينكم، فما هو إلا بشر مماثل لكم فى البشرية، يأكل من جنس ما تأكلون منه، ويشرب من جنس ما تشربون، ومثل هذا لا يكون رسولا لعدم تميزه عنكم. 34- وحذروهم فى قوة وتأكيد، فقالوا: إن أطعتم رجلا يماثلكم فى البشرية، فأنتم حقاً خاسرون لعدم انتفاعكم بطاعته. 35- وقالوا لهم أيضاً منكرين للبعث: أيعدكم - هود - أنكم تبعثون من قبوركم بعد أن تموتوا وتصيروا تراباً وعظاماً مجردة من اللحوم والأعصاب؟ 36- إن ما وعدكم به بعيد جداً، ولن يكون أبداً. 37- ليس هناك إلا حياة واحدة هى هذه الحياة الدنيا التى نجد فيها الموت والحياة يتواردان علينا، فمولود يولد وحى يموت، ولن نبعث بعد الموت أبداً. 38- ما هو إلا رجل كذب على الله، وادعى أن الله أرسله، وكذب فيما يدعو إليه، ولن نصدقه أبداً.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ثم أنشأنا من بعدهم قَرْناً آخرين: أي خلقنا من بعد قوم نوح الهالكين قوماً آخرين هم عاد قوم هود. رسولاً منهم: هو هود عليه السلام. أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره: أي قولوا لا إله إلا الله فاعبدوا الله وحده. وأترفناهم: أي أنعمنا عليهم بالمال وسعة العيش. أنكم مخرجون: أي أحياء من قبوركم بعد موتكم. هيهات هيهات: أي بَعُدَ بُعْداً كبيراً وقوعُ ما يعدكم. إن هي إلا حياتنا الدنيا: أي ما هي إلا حياتنا الدنيا وليس وراءها حياة أخرى. إن هو إلا رجل: أي ما هو إلا رجلٌ افترى على الله كذباً أي كذب على الله تعالى. معنى الآيات: هذه بداية قصة هود عليه السلام بعد قصة نوح عليه السلام أيضاً فقال تعالى: {ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ} أي خلقنا وأوجدنا من بعد قوم نوح الهالكين قوماً آخرين هم عاد قوم هود {فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ} هو هود عليه السلام بأن قال لهم: {أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} أي اعبدوا الله بطاعته وإفراده بالعبادة إذا لا يوجد لكم إله غير الله تصح عبادته إذ الخالق لكم الرازق الله وحده فغيره لا يستحق العبادة بحال من الأحوال وقوله: {أَفَلاَ تَتَّقُونَ} يحثهم على الخوف من الله ويأمرهم به قبل أن تنزل بهم عقوبته. وقوله تعالى: {وَقَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي وقال أعيان البلاد وأشرافها من قوم هود ممن كفروا بالله ورسوله وكذبوا بالبعث والجزاء في الدار الآخرة وقد أترفهم الله تعالى: بالمال وسعة الرزق فأسرفوا في الملاذ والشهوات: قالوا: وماذا قالوا؟: قالوا ما أخبرنا تعالى به عنهم بقوله: {مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} أي ما هذا الرسول إلا بشر مثلكم {يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ} من أنواع الطعام {وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ} من ألوان الشراب أي فلا فرق بينكم وبينه فكيف ترضون بسيادته عليكم يأمركم وينهاكم. وقالوا: {وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ} أي خاسرون حياتكم ومكانتكم، وقالوا: {أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظاماً} أي فنيتم وصرتم تراباً {أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ} أي أحياء من قبوركم. وقالوا: {هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ} أي بَعُد بُعْداً كبيراً ما يعدكم به هود إنها ما {هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا} أي {نَمُوتُ وَنَحْيَا} جيل يموت وجيل يحيا {وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} وقالوا: {إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ ٱفتَرَىٰ عَلَىٰ ٱللَّهِ كَذِباً} أي اختلق الكذب على الله وقال عنه أنه يبعثكم ويحاسبكم ويجزيكم بكسبكم. وقالوا {وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ} هذه مقالتهم ذكرها تعالى عنهم وهي مصرحة بكفرهم وتكذيبهم وإلحادهم وما سيقوله هود عليه السلام سيأتي في الآيات بعد. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان سنة الله تعالى في إرسال الرسل، وما تبتدىء به دعوتهم وهو لا إله إلا الله. 2- أهل الكفر لا يصدر عنهم إلا ما هو شر وباطل لفساد قلوبهم. 3- الترف يسبب كثيراً من المفاسد والشرور، ولهذا يجب أن يُحذَرْ بالاقتصاد. 4- تقرير عقيدة البعث والجزاء وإثباتها وهي ما ينكره الملاحدة هروباً من الاستقامة. 5- تُكأة عامة المشركين وهي كيف يكون الرسول رجلاَ من البشر، دفعاً للحق وعدم قبوله.
القطان
تفسير : القرن: الامة، اهل العصر الواحد، والمراد بهم هنا عاد، قوم هود، لقوله تعالى في سورة الاعراف: {وَٱذكُرُوۤاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ}. اترفناهم: وسّعنا عليهم الرزق وجعلناهم في ترف ونعيم. لخاسرون: مغبونون. هيهات: بَعُد ما توعدون وهو البعث والحساب. ليصبحن: ليصيرن. الصيحة: العذاب. غثاء: هو ما يحمله السيل من الاشياء التافهة التي لا يُنتفع بها. بعدا: هلاكا. {ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ.... }. ثم أوجدنا من بعد مَهْلَكِ قوم نوحٍ قوماً آخرين هم قومُ عاد، فأرسلْنا فيهم رسولاً منهم هو هود، وقد تقدم الكلام عليهم في سورة هود من الآية 50 الى 65، فقال لهم الرسول: اعبُدوا الله لا إله إلا هو، أفلا تخافون عذابه؟ فقال زعماء قومه من الذين كفروا وكذّبوا بالحياة الآخرة، وقد وسَّعنا الرزقَ في هذه الحياة: ما هذا الا بشر مثلكم. ولئن أطعتُم بشَرا مثلكم إذنْ أنتم خاسرون. وهذا يَعِدكم أنكم إذا متُّم وصِرتم تراباً وعظاماً بالية أنكم بعد ذلك لَمبعثون من جديدٍ، ومحاسَبون على ما قدّمتم من اعمال. وذلك غير معقول، هيهاتَ هيهاتَ لِما توعَدون. ليس هناك الا حياة واحدة هي هذه الحياة الدنيا التي نجد فيها الموت والحياة، ولن نُبعث بعد الموت أبدا. وما صاحبكم هذا الا رجلٌ كذب على الله، وادّعى أنه أرسله، وكذَب فيما يدعو اليه، ولن نصدّقه ابدا. قال هود بعد ما يئس ما إيمانهم: ربّ انصُرني عليهم وانتقمْ منهم، بسبب تكذيبهم لدعوتي. قال الله له مؤكدا وعده: سيندمون بعد قليلٍ على ما فعلوا عندما يحلُّ بهم العذاب. فأخذتْهم صيحةٌ شديدة أهلكتهم، وجعلناهم كالغُثاء الذي يجرُفُه السَّيل، فبُعداً للقوم الظالمين.
د. أسعد حومد
تفسير : {آخَرِينَ} (31) - ثُمَّ أَوْجَدَ اللهُ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ أَقْوَاماً آخَرِينَ (قَرْناً)، يَخْلفُونَهم فِي الأَرْضِ - وَقِيلَ إِنَّهُمْ قَوْمُ عَادٍ لأَنَّهُمْ كَانُوا مُسْتَخْلَفِينَ بَعْدَهُم - وَقَدْ جَاءَ فِي سُورَةِ الأَعْرَافِ مَا قَالَهُ هُودٌ عَلَيْهِ السَّلاَمِ لِقَوْمِهِ وَهُوَ يُحَذِّرُهم وَيَدْعُوهُمْ إِلَى اللهِ {أية : وَٱذكُرُوۤاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ}. تفسير : قَرْناً آخَرِينَ - أُمَماً آخَرِينَ. أُمَماً أُخْرَى وَهُمْ عَادٌ الأُولى قَوْمُ هُودٍ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أي: من بعد قوم نوح عليه السلام، وقلنا: إن القرن: الزمن الذي يجمع أُنَاساً متقاربين في مسائل الحياة، وانتهى العلماء إلى أن القرن مائة عام، أو إلى ملك مهما طال، أو رسالة مهما طالتْ، كلها تسمى قَرْناً. ثم يقول الحق سبحانه: {فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ ...}.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن فنون القرون بقوله تعالى: {ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ * فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ} [المؤمنون: 31-32] إلى قوله: {بِلِقَآءِ ٱلآخِرَةِ} [المؤمنون: 33] بحقيقة قوله تعالى: {وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي ٱلْحَيـاةِ ٱلدُّنْيَا} [المؤمنون: 33] يشير إلى أن أهل الدنيا لما وسع الله عليهم الرزق وتنعموا به واتبعوا الشهوات، واشتغلوا بملاذ الدنيا وتحصيل جاهها ومناصبها أسكرتهم محبة الدنيا بغوا في الأرض وطغوا على الرسل وقالوا لرسلهم: {مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ * وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ} [المؤمنون: 33-34] ولا يعلمون أن الرسل وأهل الله، وإن يأكلوا مما يأكل أهل الدنيا ولكن لما يأكلون كما يأكلون هؤلاء، فإنهم يأكلون كما قال الله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ ٱلأَنْعَامُ وَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ} تفسير : [محمد: 12] لأنهم يأكلون بالإسراف، وأهل الله يأكلون ولا يسرفون كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعي وَاحِدٍ وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاء" تفسير : بل أهل الله يأكلون ولا يسرفون بأفواه القلوب مما يطعمهم ربهم ويسقيهم حيث يبيتون عند ربهم. وبقوله تعالى: {أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ * هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ} [المؤمنون: 35-36] يشير إلى كمال قدرته على الهداية والضلالة ألا ترى أنه كيف أصمهم وأعمى أبصارهم، وجعل على قلوبهم أكنة أن يفقهوه حتى ردكم إلى أعظم التيه بالاستبعاد في أمر الحشر والنشر، ومن أعمى قلوبهم لم يروا أن الإعادة أهون من الابتداء، وأن الذي هو قادر ببديع فطرته على إيجاد شيء من العدم وإعدامه من الوجود يكون قادراً على إعادته ثانياً قالوا: {إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ * إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ ٱفتَرَىٰ عَلَىٰ ٱللَّهِ كَذِباً وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ * قَالَ رَبِّ ٱنْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ} [المؤمنون: 37-39] قد مرَّ من تحقيقها في الآيات المتقدمة.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : لما ذكر نوحا وقومه، وكيف أهلكهم قال: { ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ } الظاهر أنهم " ثمود " قوم صالح عليه السلام، لأن هذه القصة تشبه قصتهم. { فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ } من جنسهم، يعرفون نسبه وحسبه وصدقه، ليكون ذلك أسرع لانقيادهم، إذا كان منهم، وأبعد عن اشمئزازهم، فدعا إلى ما دعت إليه الرسل أممهم { أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ } فكلهم اتفقوا على هذه الدعوة، وهي أول دعوة يدعون بها أممهم، الأمر بعبادة الله، والإخبار أنه المستحق لذلك، والنهي عن عبادة ما سواه، والإخبار ببطلان ذلك وفساده، ولهذا قال: { أَفَلا تَتَّقُونَ } ربكم، فتجتنبوا هذه الأوثان والأصنام. { وَقَالَ الْمَلأ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } أي: قال الرؤساء الذين جمعوا بين الكفر والمعاندة، وأطغاهم ترفهم في الحياة الدنيا، معارضة لنبيهم، وتكذيبا وتحذيرا منه: { مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ } أي: من جنسكم { يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ } فما الذي يفضله عليكم؟ فهلا كان ملكا لا يأكل الطعام، ولا يشرب الشراب ، { وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ } أي: إن تبعتموه وجعلتموه لكم رئيسا، وهو مثلكم إنكم لمسلوبو العقل، نادمون على ما فعلتم. وهذا من العجب، فإن الخسارة والندامة حقيقة لمن لم يتابعه ولم ينقد له. والجهل والسفه العظيم لمن تكبر عن الانقياد لبشر، خصه الله بوحيه، وفضله برسالته، وابتلي بعبادة الشجر والحجر. وهذا نظير قولهم: {أية : قَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ } تفسير : فلما أنكروا رسالته وردوها، أنكروا ما جاء به من البعث بعد الموت، والمجازاة على الأعمال فقالوا: { أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ * هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ } أي بعيد بعيد ما يعدكم به من البعث بعد أن تمزقتم وكنتم ترابا وعظاما فنظروا نظرا قاصرا ورأوا هذا بالنسبة إلى قدرهم غير ممكن فقاسوا قدرة الخالق بقدرهم تعالى الله فأنكروا قدرته على إحياء الموتى وعجزوه غاية التعجيز ونسوا خلقهم أول مرة وأن الذي أنشأهم من العدم فإعادته لهم بعد البلى أهون عليه وكلاهما هين لديه فلم لا ينكرون أول خلقهم ويكابرون المحسوسات ويقولون إننا لم نزل موجودين حتى يسلم لهم إنكارهم للبعث وينتقلوا معهم إلى الاحتجاج على إثبات وجود الخالق العظيم؟ وهنا دليل آخر وهو أن الذي أحيا الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير وثم دليل آخر وهو ما أجاب به المنكرين للبعث في قوله {أية : بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ } تفسير : فقال في جوابهم {أية : قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأرْضُ مِنْهُمْ } تفسير : أي في البلى {أية : وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ }. تفسير : { إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا } أي يموت أناس ويحيا أناس { وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ }. { إِنْ هُوَ إِلا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ } فلهذا أتى بما أتى به من توحيد الله وإثبات المعاد {أية : فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ } تفسير : أي ارفعوا عنه العقوبة بالقتل وغيره احتراما له ولأنه مجنون غير مؤاخذ بما يتكلم به أي فلم يبق بزعمهم الباطل مجادلة معه لصحة ما جاء به فإنهم قد عرفوا بطلانه وإنما بقي الكلام هل يوقعون به أم لا؟ فبزعمهم أن عقولهم الرزينة اقتضت الإبقاء عليه وترك الإيقاع به مع قيام الموجب فهل فوق هذا العناد والكفر غاية؟" ولهذا لما اشتد كفرهم ولم ينفع فيهم الإنذار دعا عليهم نبيهم فقال { رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ } أي بإهلاكهم وخزيهم الدنيوي قبل الآخرة { قَالَ } الله مجيبا لدعوته { عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ } لا بالظلم والجور بل بالعدل وظلمهم أخذتهم الصيحة فأهلكتهم عن آخرهم. { فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً } أي هشيما يبسا بمنزلة غثاء السيل الملقى في جنبات الوادي وقال في الآية الأخرى {أية : إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ }. تفسير : { فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } أي أتبعوا مع عذابهم البعد واللعنة والذم من العالمين {أية : فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ }.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):