Verse. 2706 (AR)

٢٣ - ٱلْمُؤْمِنُون

23 - Al-Mu'minoon (AR)

وَقَالَ الْمَلَاُ مِنْ قَوْمِہِ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا وَكَذَّبُوْا بِلِقَاۗءِ الْاٰخِرَۃِ وَاَتْرَفْنٰہُمْ فِي الْحَيٰوۃِ الدُّنْيَا۝۰ۙ مَا ھٰذَاۗ اِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ۝۰ۙ يَاْكُلُ مِمَّا تَاْكُلُوْنَ مِنْہُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُوْنَ۝۳۳۠ۙ
Waqala almalao min qawmihi allatheena kafaroo wakaththaboo biliqai alakhirati waatrafnahum fee alhayati alddunya ma hatha illa basharun mithlukum yakulu mimma takuloona minhu wayashrabu mimma tashraboona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة» بالمصير إليها «وأترفناهم» نعمناهم «في الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون».

33

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلْمَلأُ} أي الأشراف والقادة والرؤساء. {مِن قَوْمِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱلآخِرَةِ} يريد بالبعث والحساب. {وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي ٱلْحَيـاةِ ٱلدُّنْيَا} أي وسّعْنَا عليهم نعم الدنيا حتى بَطِروا وصاروا يؤتوْن بالتُّرْفة، وهي مثل التُّحْفة. {مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ} فلا فضل له عليكم لأنه محتاج إلى الطعام والشراب كأنتم. وزعم الفرّاء أن معنى «ويشرب مما تشربون» على حذف مِن، أي مما تشربون منه؛ وهذا لا يجوز عند البصريين ولا يحتاج إلى حذف ألْبَتَّة؛ لأن «ما» إذا كان مصدراً لم يحتج إلى عائد، فإن جعلتها بمعنى الذي حذفت المفعول ولم يحتج إلى إضمار من. {وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ} يريد لمغبونون بترككم آلهتكم واتّباعكم إياه من غير فضيلة له عليكم. {أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتٌّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ} أي مبعوثون من قبوركم. و«أنّ» الأولى في موضع نصب بوقوع «يعدِكم» عليها، والثانية بدل منها؛ هذا مذهب سيبويه. والمعنى: أيعدكم أنكم مخرجون إذا متم. قال الفرّاء: وفي قراءة عبد الله «أيعدكم إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً أنكم مخرجون»؛ وهو كقولك: أظن إن خرجت أنك نادم. وذهب الفرّاء والجَرْمِيّ وأبو العباس المبرد إلى أن الثانية مكررة للتوكيد، لما طال الكلام كان تكريرها حسناً. وقال الأخفش: المعنى أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً يحدث إخراجكم؛ فـ«ـأنّ» الثانية في موضع رفع بفعل مضمر؛ كما تقول: اليوم القتال، فالمعنى اليوم يحدث القتال. وقال أبو إسحاق: ويجوز «أيعدكم إنكم إذا مِتم وكنتم تراباً وعظاماً إنكم مخرجون»؛ لأن معنى «أيعدكم» أيقول إنكم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَقَالَ ٱلْمَلاُ مِن قَوْمِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱلأَخِرَةِ } أي بالمصير إليها {وَأَتْرَفْنَٰهُمْ } نَعَّمناهم {فِي ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا مَا هَٰذآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ }.

البقاعي

تفسير : ولما كان التقدير: فلم يؤمنوا ولم يتقوا دأب قوم نوح، عطف عليه قوله: {وقال الملأ} أي الأشراف الذين تملأ رؤيتهم الصدور، فكأن ما اقترن بالواو أعظم في التسلية مما خلا منها على تقدير سؤال لدلالة هذا على ما عطف عليه. ولما كانت القبائل قد تفرغت بتفرق الألسن، قدم قوله: {من قومه} اهتماماً وتخصيصاً للإبلاغ في التسلية ولأنه لو أخر لكان بعد تمام الصلة وهي طويلة؛ ثم بين الملأ بقوله: {الذين كفروا} أي غطوا ما يعرفون من أدلة التوحيد والانتقام من المشركين {وكذبوا بلقاء الآخرة} لتكذيبهم بالبعث. ولما كان من لازم الشرف الترف، صرح به إشارة إلى أنه - لظن كونه سعادة في الدنيا - قاطع في الغالب عن سعادة الآخرة، لكونه حاملاً على الأشر والبطر والتكبر حتى على المنعم، فقال: {وأترفناهم} أي والحال أنا - بما لنا وعلى ما لنا من العظمة - نعمناهم {في الحياة الدنيا} أي الدانية الدنيئة، بالأموال والأولاد وكثرة السرور، يخاطبون أتباعهم: {ما هذا} أشاروا إليه تحقيراً له عند المخاطبين {إلا بشر مثلكم} أي في الخلق والحال؛ ثم وصفوه بما يوهم المساواة في كل وصف فقالوا: {يأكل مما تأكلون منه} من طعام الدنيا {ويشرب مما تشربون*} أي منه من شرابها فكيف يكون رسولاً دونكم! ولما كان التقدير: فلئن اتبعتموه إنكم لضالون، عطف عليه: {ولئن أطعتم بشراً مثلكم} في جميع ما ترون {إنكم إذاً} أي إذا أطعتموه {لخاسرون*} أي مغبونون لكونكم فضلتم مثلكم عليكم بما يدعيه مما نحن له منكرون؛ ثم بينوا إنكارهم بقولهم: {أيعدكم أنكم إذا متم} ففارقت أرواحكم أجسادكم {وكنتم} أي وكانت أجسادكم {تراباً} باستيلاء التراب على ما دون عظامها {وعظاماً} مجردة؛ ثم بين الموعود به بعد أن حرك النفوس إليه، وبعث بما قدمه أتم بعث عليه، فقال مبدلاً من {أنكم} الأولى إيضاحاً للمعنى: {أنكم مخرجون*} أي من تلك الحالة التي صرتم إليها، فراجعون إلى ما كنتم عليه من الحياة على ما كان لكم من الأجسام؛ ثم استأنفوا التصريح بما دل عليه الكلام من استبعادهم ذلك فقالوا: {هيهات هيهات} أي بعد بعد جداً بحيث صار ممتنعاً، ولم يرفع ما بعده به بل قطع عنه تفخيماً له، فكان كأنه قيل: لأيّ شيء هذا الاستبعاد؟ فقيل: {لما توعدون*}.

ابو السعود

تفسير : {وَقَالَ ٱلْمَلأَ مِن قَوْمِهِ} حكايةٌ لقولهم الباطل إثرَ حكاية القول الحقِّ الذي ينطق به حكايةُ إرسال الرَّسولِ بطريق العطفِ على أنَّ المرادَ حكايةُ مطلقِ تكذيبهم له عليه السَّلامُ إجمالاً لا حكايةُ ما جرى بـينه عليه السَّلامُ وبـينهم من المُحاورةِ والمُقاولةِ تفصيلاً حتَّى يُحكى بطريقِ الاستئناف المبنيِّ على السُّؤال كما ينبىءُ عنه ما سيأتي من حكايةِ سائر الأُمم أي وقال الأشرافُ من قومِه {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} في محلِّ الرَّفعِ على أنَّه صفةٌ للملأُ وُصفوا بذلك ذمًّا لهم وتنبـيهاً على غلوِّهم في الكُفرِ. وتأخيرُه عن مِن قومِه لعطفِ قوله تعالى: {وَكَذَّبُواْ بِلِقَاء ٱلآخِرَةِ} وما عُطف عليه على الصِّلةِ الأُولى أي كذَّبُوا بلقاء ما فيها من الحساب والثَّوابِ والعقاب أو بمعادِهم إلى الحياة الثَّانيةِ بالبعث {وَأَتْرَفْنَـٰهُمْ} ونعَّمناهم {فِى ٱلْحَيَاةِ ٱلدُنْيَا} بكثرةِ الأموالِ والأولادِ أي قالوا لأعقابهم مضلِّين لهم: {مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ} أي في الصِّفاتِ والأحوالِ، وإيثارُ مثلكم على مثلنا للمبالغة في تهوينِ أمرِه عليه السَّلامُ وتوهينِه {يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ} تقريرٌ للمماثلة. وما خبريةٌ. والعائدُ إلى الثَّاني منصوبٌ محذوفٌ أو مجرورٌ وقد حُذف مع الجارِّ لدلالةِ ما قبله عليه. {وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مّثْلَكُمْ} أي فيما ذُكر من الأحوالِ والصِّفات أي إنِ امتثلتُم بأوامرِه {إِنَّكُمْ إِذاً} أي على تقديرِ الاتباع {لَّخَـٰسِرُونَ} عقولَهم ومغبونون في آرائهم حيثُ أذللتُم أنفسَكم أي انظر كيف جعلُوا اتباعَ الرَّسولِ الحقِّ الذي يوصِّلُهم إلى سعادةِ الدَّارينِ خُسراناً دُون عبادةِ الأصنامِ التي لا خُسرانَ وراءها قاتلهم الله أنَّى يُؤفكون. وإذاً واقعٌ بـين اسمِ إنَّ وخبرِها لتأكيد مضمون الشَّرطِ. والجملةُ جوابٌ لقسمٍ محذوفٍ قبل إنِ الشَّرطيةِ المصدَّرةِ باللام الموطئةِ. أي وبالله لئن أطعتمُ بشراً مثلَكم إنَّكم إذاً لخاسرونَ. {أَيَعِدُكُمْ} استئنافٌ مسوق لتقرير ما قبله من اتِّباعِه عليه السَّلامُ بإنكار وقوع ما يدعُوهم إلى الإيمان واستبعاده. {أَنَّكُمْ إِذَا مِتٌّمْ} بكسر الميمِ، من ماتَ يَماتُ. وقُرىء بضمِّها من ماتَ يموتُ. {وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظـٰماً} نَخِرةً مجرَّدةً عن اللُّحوم والأعصابِ أي كان بعضُ أجزائِكم من اللَّحم ونظائرِه تُراباً، وبعضُها عظاماً. وتقديمُ التُّراب لعراقتِه في الاستبعادِ وانقلابِه من الأجزاءِ الباديةِ. أو كان متقدِّموكم تُراباً صِرفاً ومتأخِّروكم عظاماً. وقوله تعالى: {إِنَّكُمْ} تأكيد للأوَّلِ لطول الفصلِ بـينه وبـين خبرِه الذي هو قولُه تعالى: {مُّخْرَجُونَ} أي من القبورِ أحياءً كما كنتُم. وقيل: أنَّكم مخرجون مبتدأٌ وإذا مِتُم خبرُه على معنى إخراجُكم إذا متُم ثم أخبر بالجملة على أنَّكم. وقيل: رُفع أنَّكم مخرجون بفعلٍ هو جزاءُ الشَّرطِ كأنَّه قيل: إذا مِتُم وقعَ إخراجُكم ثم أُوقعتْ الجملةُ الشَّرطيةُ خبراً عن أنَّكم. والذي تقتضيهِ جزالةُ النَّظمِ الكريمِ هو الأوَّلُ. وقُرىء أيعدكم إذَا متم الخ.

اسماعيل حقي

تفسير : {وقال الملأ من قومه الذين كفروا}، قال الراغب الملأ الجماعة يجتمعون على رأى فيملأون العيون روعاءو النفوس دلالة وبهاء اى اشراف قومه الكافرين وصفوا بالكفر ذمالهم وذكره بالواو دون الفاء كمافى قصة نوح لان كلامهم لم يتصل بكلام الرسول ومعناه انه اجتمع فى الحصول ذلك القول الحق وهذا القول الباطل وشتان مابينهما، قال فى برهان القرآن قدم من قومه فى هذه الآية واخر فيما قبلها لان صلة الذين فيما قبل اقتصرت على فعل وضمير الفاعلين ثم ذكر بعده الجار والمجرور ثم الفاعل ثم المفعول وهو المقول وليس كذلك هذه فان صلة الموصول طالت بذكر الفاعل والمفعول والعطف عليه مرة اخرى فقدم الجار والمجرور لان تأخيره ملبس وتوسطه ركيك فخص بالتقديم {وكذبوا بلقاء الآخرة} اى بالمصير الى الآخرة بالبعث والحشر او بلقاء مافيها من الحساب والثواب والعقاب {واترفناهم} اى نعمناهم ووسعنا عليهم: وبالفارسية [ونعمت داده بودم ايشانرا] يقال ترف فلان اى توسع فى النعمة واترفته النعمة اطغته {فى الحياة الدنيا} بكثرة الاموال والاولاد اى قالوا لاعقابهم مضلين لهم {ما هذا} اى هود {الا بشر مثلكم} فى الصفات والاقوال البشرية {يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون} اى تشربون منه وهو تقرير للمماثلة: يعنى [بغداء محتاجست مانند شما اكر نبى بودى بايستى كه متصف بصفات ملائكة بودى نخوردى ونياشاميدى].

الجنابذي

تفسير : {وَقَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱلآخِرَةِ} قولاً كمنكرى البعث او فعلاً وحالاً كأكثر اهل كلّ زمانٍ {وَأَتْرَفْنَاهُمْ} أنعمنا عليهم بنعمة أبطرتهم {فِي ٱلْحَيـاةِ ٱلدُّنْيَا مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ} ذكروا الجملتين لتأكيد التّشابه واستغراب التّفضيل.

اطفيش

تفسير : {وَقَالَ} الواو عاطفة لما قالوا على ما قال فان المعنى ارسلناه ان يقول ذلك فقال له وقالوا له كذا ولم يقرن الذي في هود والاعراف بالواو لانه والله اعلم جواب سؤال مقدر كأنه قيل فما قال قومه فقيل قالوا كذا * {المَلأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا} نعت للملأ وقيل: للقوم {وَكَذَبُوا بِلِقَآءِ الآخِرَةِ} برجوعهم إلى الآخرة بالبعث أو بلقاء ما فيها من ثواب وعقاب * {وَأَتْرَفْنَاهُمْ} وسعنا عليهم النعم * {فِي الحَيَٰوةِ الدُّنْيَا مَا هَذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} قرروا المثلية بقولهم * {يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ} منه هو مثل (مررت بالذي مررت) اي به أو التقدير ما تشربونه اي من الماء الذي تشربون بعضه فهو مثل (من نرجو يهب) اي نرجوه.

الالوسي

تفسير : {وَقَالَ ٱلْمَلأُ} أي الأشراف {مِن قَوْمِهِ} بيان لهم، وقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِلِقَاء ٱلاْخِرَةِ} أي بلقاء ما فيها من الحساب والثواب والعقاب أو بالمعاد أو بالحياة الثانية صفة للملأ جىء بها ذماً لهم وتنبيهاً على غلوهم في الكفر، ويجوز أن تكون للتمييز إن كان في ذلك القرن من آمن من الأشراف، وتقديم {مِن قَوْمِهِ} هنا على الصفة مع تأخيره في القصة السابقة لئلا يطول الفصل بين البيان والمبين لو جىء به بعد الصفة وما في حيزها مما تعلق بالصلة مع ما في ذلك من توهم تعلقه بالدنيا أو يفصل بين المعطوف والمعطوف عليه لو جىء به بعد الوصف وقبل العطف كذا قيل. وتعقب بأنه لا حاجة إلى ارتكاب جعل {ٱلَّذِينَ} صفة للملأ وإبداء نكتة للتقديم المذكور مع ظهور جواز جعله صفة لقومه. ورد بأن الداعي لارتكابه عطف قوله تعالى: {وَأَتْرَفْنَـٰهُمْ فِى ٱلْحَيَٰوةَ ٱلدُّنْيَا} أي نعمناهم ووسعنا عليهم فيها على الصلة فيكون صفة معنى للموصوف بالموصول والمتعارف إنما هو وصف الأشراف بالمترفين دون غيرهم وكذا الحال إذا لم يعطف وجعل حالاً من ضمير {كَذَّبُواْ} وأنت تعلم أنا لا نسلم أن المتعارف إنما هو وصف الأشراف بالمترفين ولئن سلمنا فوصفهم بذلك قد يبقى مع جعل الموصول صفة لقومه بأن يجعل جملة {أَتْرَفْنَـٰهُمْ} حالاً من {ٱلْمَلأُ} بدون تقدير قد أو بتقديرها أي قال الملأ في حق رسولنا {مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ} الخ في حال إحساننا عليهم. نعم الظاهر لفظاً عطف جملة {أَتْرَفْنَـٰهُمْ} على جملة الصلة، والأبلغ معنى جعلها حالاً من الضمير لإفادته الإساءة إلى من أحسن وهو أقوى في الذم، وجىء بالواو العاطفة في {وَقَالَ ٱلْمَلأُ} هنا ولم يجأ بها بل جىء بالجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً في موضع آخر لأن ما نحن فيه حكاية لتفاوت ما بين المقالتين أعني مقالة المرسل ومقالة المرسل إليهم لا حكاية المقاولة لأن المرسل إليهم قالوا ما قالوا بعضهم لبعض وظاهر إباء ذلك الاستئناف وأما هنالك فيحق الاستئناف لأنه في حكاية المقاولة بين المرسل والمرسل إليهم واستدعاء مقام المخاطبة ذلك بين كذا في «الكشف»، ولا يحسم مادة السؤال إذ يقال معه: لم حكى هنالك المقاولة وهنا التفاوت بين المقالتين ولم يعكس؟ ومثل هذا يرد على من علل الذكر هنا والترك هناك بالتفنن بأن يقال: إنه لو عكس بأن ترك هنا وذكر هناك لحصل التفنن أيضاً، وأنا لم يظهر لي السر في ذلك، وأما الإتيان بالواو هنا والفاء في { أية : فَقَالَ ٱلْمَلَؤُاْ } تفسير : [المؤمنون: 24] في قصة نوح عليه السلام فقد قيل: لعله لأن كلام الملأ هنا لم يتصل بكلام رسولهم بخلاف كلام قوم نوح عليه السلام والله تعالى أعلم بحقائق الأمور. ولا يخفى ما في قولهم {مَا هَـٰذَا} الخ من المبالغة في توهين أمر الرسول عليه السلام وتهوينه قاتلهم الله / ما أجهلهم. وقوله تعالى: {يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ} تقرير للمماثلة، والظاهر أن {مَا} الثانية موصولة والعائد إليها ضمير مجرور حذف مع الجار لدلالة ما قبله عليه والحذف هنا مثله في قولك: مررت بالذي مررت في استيفاء الشرائط، وحسنه هنا كون {تَشْرَبُونَ} فاصلة. وفي «التحرير» زعم الفراء حذف العائد المجرور مع الجار في هذه الآية وهذا لا يجوز عند البصريين، والآية إما لا حذف فيها أو فيها حذف المفعول فقط لأن (ما) إذا كانت مصدرية لم تحتج إلى عائد وإن كانت موصولة فالعائد المحذوف ضمير منصوب على المفعولية متصل بالفعل والتقدير مما تشربونه اهـ، وهذا تخريج على قاعدة البصريين ويفوت عليه فصاحة معادلة التركيب على أن الوجه الأول محوج إلى تأويل المصدر باسم المفعول وبعد ذلك يحتاج إلى تكلف لصحة المعنى ويحتاج إلى ذلك التكلف على الوجه الثاني أيضاً إذ لا يشرب أحد من مشروبهم ولا من الذي يشربونه وإنما يشرب من فرد آخر من الجنس فلا بد من إرادة الجنس على الوجهين.

ابن عاشور

تفسير : عُطفت حكاية قول قومه على حكاية قوله ولم يؤت بها مفصولة كما هو شأن حكاية المحاورات كما بيناه غير مرة في حكاية المحاورات بــــ(قال) ونحوها دون عطف. وقد خولف ذلك في الآية السابقة للوجه الذي بيناه، وخولف أيضاً في سورة الأعراف وفي سورة هود إذ حكي جواب هؤلاء القوم رسولَهم بدون عطف. ووجه ذلك أن كلام الملأ المحكيَّ هنا غير كلامهم المحكي في السورتين لأن ما هنا كلامهم الموجَّه إلى خطاب قومهم إذ قالوا: {ما هذا إلا بشر مثلُكم يأكل مما تأكلون منه} إلى آخره خشيةً منهم أن تؤثر دعوة رسولهم في عامتهم، فرأوا الاعتناء بأن يحولوا دون تأثر نفوس قومهم بدعوة رسولهم أولى من أن يجاوبوا رسولهم كما تقدم بيانه آنفاً في قصة نوح. وبهذا يظهر وَجه الإعجاز في المواضع المختلفة التي أورد فيها صاحب «الكشاف» سؤالاً ولم يكن في جوابه شافياً وتحيّر شراحه فكانوا على خلاف. وإنما لم يعطف قول الملأ بفاء التعقيب كما ورد في قصة نوح آنفاً لأن قولهم هذا كان متأخراً عن وقت مقالة رسولهم التي هي فاتحة دعوته بأن يكونوا أجابوا كلامه بالرد والزجر فلما استمر على دعوتهم وكررها فيهم وجهوا مقالتهم المحكية هنا إلى قومهم ومن أجل هذا عطفت جملة جوابهم ولم تأت على أسلوب الاستعمال في حكاية أقوال المحاورات. وأيضاً لأن كلام رسولهم لم يُحك بصيغة القول بل حكي بــــ(أنْ) التفسيرية لِمَا تضمنه معنى الإرسال في قوله: { أية : فأرسلنا فيهم رسولاً منهم أن اعبدوا الله } تفسير : [المؤمنون: 32]. وقد حكى الله في آيات أخرى عن قوم هود وعن قوم صالح أنهم أجابوا دعوة رسولهم بالرد والزجر كقول قوم هود { أية : قالوا يا هود ما جئتنا بِبَيِّنَة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء } تفسير : [هود: 53، 54]، وقول قوم صالح { أية : قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوًّا قبل هذا أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب } تفسير : [هود: 62]. وقولُه {وقال الملأ من قومه الذين كفروا} {الذين كفروا} نعت ثان لــــ{الملأ} فيكون على وزان قوله في قصة نوح { أية : فقال الملأ الذين كفروا من قومه } تفسير : [المؤمنون: 24]. وإنما أخر النعت هنا ليتصل به الصفتان المعطوفتان من قوله: {وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم}. واللقاء: حضور أحد عند آخر. والمراد لقاء الله تعالى للحساب كقوله تعالى: { أية : واعلموا أنكم ملاقوه } تفسير : في سورة البقرة (223) وعند قوله تعالى: { أية : يا أيها الذين آمنوا إذا لَقِيتُم فِئَةً فاثبتوا } تفسير : في سورة الأنفال (45). وإضافة {لقاء} إلى {الآخرة} على معنى (في) أي اللقاء في الآخرة. والإتراف: جعلهم أصحاب ترف. والترف: النعمة الواسعة. وقد تقدم عند قوله: { أية : وارْجِعُوا إلى ما أترِفْتم فيه } تفسير : في سورة الأنبياء (13). وفي هذين الوصفين إيماء إلى أنهما الباعث على تكذيبهم رسولَهم لأن تكذيبهم بلقاء الآخرة ينفي عنهم توقع المؤاخذة بعد الموت، وثروتهم ونعمتهم تغريهم بالكبر والصلف إذ ألِفوا أن يكونوا سادة لا تبعاً، قال تعالى: { أية : وذَرْني والمكذّبين أولي النعمة } تفسير : [المزمل: 11]، ولذلك لم يتقبلوا ما دعاهم إليه رسولهم من اتقاء عذاب يوم البعث وطلبهم النجاة باتباعهم ما يأمرهم به فقال بعضهم لبعض {ولئن أطَعْتُم بشراً مثلكم إنكم إذاً لخاسرون أيَعِدُكم أنكم إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً أنكم مُخْرَجون}. و{ما هذا إلا بشر مثلكم} كناية عن تكذيبه في دعوى الرسالة لتوهمهم أن البشرية تنافي أن يكون صاحبها رسولاً من الله فأتوا بالملزوم وأرادوا لازمه. وجملة {يأكل مما تأكلون منه} في موقع التعليل والدليل للبشرية لأنه يأكل مثلهم ويشرب مثلهم ولا يمتاز فيما يأكله وما يشربه. وحذف متعلق {تشربون} وهو عائد الصلة للاستغناء عنه بنظيره الذي في الصلة المذكورة قبلها. واللام في {ولئن أطعتم} موطّئة للقسم، فجملة {إنكم إذاً لخاسرون} جواب القسم، وجواب الشرط محذوف دل عليه جواب القسم. وأقحم حرف الجزاء في جواب القسم لما في جواب القسم من مشابهة الجزاء لا سيما متى اقترن القسم بحرف شرط. والاستفهام في قوله {أيعدكم} للتعجب، وهو انتقال من تكذيبه في دعوى الرسالة إلى تكذيبه في المرسل به. وقوله {أنكم إذا متم} إلى آخره مفعول {يَعِدكم} أي يعدكم إخراجَ مُخرج إياكم. والمعنى: يعدكم إخراجكم من القبور بعد موتكم وفناء أجسامكم. وأما قوله: {أنكم مخرجون} فيجوز أن يكون إعادة لكلمة (أنكم) الأولى اقتضى إعادتها بُعْد ما بينها وبين خبرها. وتفيد إعادتها تأكيداً للمستفهم عنه استفهام استبعاد تأكيداً لاستبعاده. وهذا تأويل الجرمي والمبرد. ويجوز أن يكون {أنكم مخرجون} مبتدأ. ويكون قوله: {إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً} خبراً عنه مقدماً عليه وتكون جملة {إذا متم} إلى قوله {مخرجون} خبراً عن (أنّ) من قوله {أنكم} الأولى. وجعلوا موجب الاستبعاد هو حصول أحوال تنافي أنهم مبعوثون بحسب قصور عقولهم، وهي حال الموت المنافي للحياة، وحال الكون تراباً وعظاماً المنافي لإقامة الهيكل الإنساني بعد ذلك. وأريد بالإخراج إخراجهم أحياء بهيكل إنساني كامل، أي مخرجون للقيامة بقرينة السياق. وجملة {هيهات} بيان لجملة {يَعِدُكم} فلذلك فُصلت ولم تعطف. و{هيهات} كلمة مبنية على فتح الآخر وعلى كسره أيضاً. وقرأها الجمهور بالفتح. وقرأها أبو جعفر بالكسر. وتدل على البعد. وأكثر ما تستعمل مكررة مرتين كما في هذه الآية أو ثلاثاً كما جاء في شعر لحُميد الأرقط وجرير يأتيان. واختلف فيها أهي فعل أم اسم؛ فجمهور النحاة ذهبوا إلى أن (هيهات) اسم فعل للماضي من البُعد، فمعنى هيهات كذا: بعُد. فيكون ما يلي (هيهات) فاعلاً. وقيل هي اسم للبُعد، أي فهي مصدر جامد وهو الذي اختاره الزجاج في «تفسيره». قال الراغب: وقال البعض: غلط الزجاج في «تفسيره» واستهواه اللام في قوله تعالى: {هيهات هيهات لما توعدون}. وقيل: هيهات ظرف غير متصرف، وهو قول المبرد. ونسبه في «لسان العرب» إلى أبي علي الفارسي. قال: قال ابن جني: كان أبو علي يقول في هيهات: أنا أفتي مرة بكونها اسماً سمي به الفعل مثل صَهْ ومَهْ، وأُفتي مرة بكونها ظرفاً على قدر ما يحضرني في الحال. وفيها لغات كثيرة وأفصحها أنها بهاءين وتاء مفتوحة فتحة بناء، وأن تاءها تثبت في الوقف وقيل يوقف عليها هاء، وأنها لا تنون تنوين تنكير. وقد ورد ما بعد (هيهات) مجروراً باللام كما في هذه الآية. وورد مرفوعاً كما في قول جرير: شعر : فهيهاتَ هيهاتَ العقيقُ وأهلُهُ وهيهاتَ خِلّ بالعقيق نحاوله تفسير : وورد مجروراً بــــ(مِن) في قول حميد الأرقط: شعر : هيهاتِ من مُصبَحها هيهاتِ ههياتِ حِجْرٌ من صُنَيْبِعَاتِ تفسير : فالذي يتضح في استعمال (هيهات) أن الأصل فيما بعدها أن يكون مرفوعاً على تأويل (هيهات) بمعنى فعل ماض من البُعد كما في بيت جرير، وأن الأفصح أن يكون ما بعدها مجروراً باللام فيكون على الاستغناء عن فاعل اسم الفعل للعلم به مما يسبق (هيهات) من الكلام لأنها لا تقع غالباً إلا بعد كلام، وتجعل اللام للتبيين، أي إيضاح المراد من الفاعل، فيحصل بذلك إجمال ثم تفصيل يفيد تقوية الخبر. وهذه اللام ترجع إلى لام التعليل. وإذا ورد ما بعدها مجروراً بــــ(مِن) فــــ(مِن) بمعنى (عن) أي بَعُد عنه أو بُعداً عنه. على أنه يجوز أن تؤوّل (هيهات) مرة بالفعل وهو الغالب ومرة بالمصدر فتكون اسم مصدر مبنياً جامداً غير مشتق. ويكون الإخبار بها كالإخبار بالمصدر، وهو الوجه الذي سلكه الزجاج في تفسير هذه الآية ويشير كلام الزمخشري إلى اختياره. وجاء هنا فعل {توعدون} من (أوعد) وجاء قبله فعل {أيَعِدكم} وهو من (وَعَدَ) مع أن الموعود به شيء واحد. قال الشيخ ابن عرفة: لأن الأول: راجع إليهم في حال وجودهم فجعل وعداً، والثاني راجع إلى حالتهم بعد الموت والانعدام فناسب التعبير عنه بالوعيد اهــــ. وأقول: أحسن من هذا أنه عبَّر مرة بالوعد ومرة بالوعيد على وجه الاحتباك، فإن إعلامهم بالبعث مشتمل على وعد بالخير إن صدّقوا وعلى وعيد إن كذّبوا، فذكر الفعلان على التوزيع إيجازاً. وقوله: {إن هي إلا حياتنا الدنيا} يَجوز أن يكون بياناً للاستبعاد الذي في قوله: {هيهات لما توعدون} واستدلالاً وتعليلاً له، ولكلا الوجهين كانت الجملة مفصولة عن التي قبلها. وضمير {هي} عائد إلى ما لم يسبق في الكلام بل عائد على مذكور بعده قصداً للإبهام ثم التفصيل ليتمكن المعنى في ذهن السامع. وهذا من مواضع عود الضمير على ما بعده إذا كان ما بعده بياناً له، ولذلك يجعل الاسم الذي بعد الضمير عطف بيان. ومنه قول الشاعر أنشده في «الكشاف» المصراع الأول وأثبته الطيبي كاملاً: شعر : هي النفس ما حملتها تتحمل وللدهر أيام تجور وتعدل تفسير : وقول أبي العلاء المعري: شعر : هو الهجر حتى ما يُلم خيال وبعضُ صدود الزائرين وصال تفسير : ومبيّن الضمير هنا قوله {إلا حياتنا} فيكون الاسم الذي بعد (إلا) عطف بيان من الضمير. والتقدير: إن حياتنا إلا حياتنا الدنيا. ووصفها بالدنيا وصف زائد على البيان فلا يقدر مثله في المبيَّن. وليس هذا الضمير ضمير القصة والشأن لعدم صلاحية المقام له. ولأنه في الآية مفسَّر بالمفرد لا بالجملة وكذلك في بيت أبي العلاء. ولأن دخول (لا) النافية عليه يأبى من جعله ضمير شأن إذ لا معنى لأن يقال: لا قصة إلا حياتنا، فدخلت عليه (لا) النافية للجنس لأنه في معنى اسم جنس لتبيينه باسم الجنس وهو {حياتنا}. فالمعنى ليست الحياة إلا حياتنا هذه، أي لا حياة بعدها. والدنيا: مؤنث الأدنى، أي القريبة بمعنى الحاضرة. وضمير {حياتنا} مراد به جميع القوم الذين دعاهم رسولهم. فقولهم: {نموت ونحيا} معناه: يموت هؤلاء القوم ويحيا قوم بعدهم. ومعنى {نَحْيَا}: نولد، أي يموت من يموت ويولد من يولد، أو المراد: يموت من يموت فلا يَرجع ويحيا من لم يمت إلى أن يموت. والواو لا تفيد ترتيباً بين معطوفها والمعطوف عليه. وعقبوه بالعطف في قوله: {وما نحن بمبعوثين} أي لا نحيا حياة بعد الموت. وهو عطف على جملة {نموت ونحيا} باعتبار اشتمالها على إثبات حياة عاجلة وموت، فإن الاقتصار على الأمرين مفيد للانحصار في المقام الخطابي مع قرينة قوله: {إن هي إلا حياتنا الدنيا}. وأفاد صوغ الخبر في الجملة الاسميَّة تقوية مدلوله وتحقيقه. ثم جاءت جملة {إن هو إلا رجل افترى على الله كذباً} نتيجة عقب الاستدلال، فجاءت مستأنفة لأنها مستقلة على ما تقدمها فهي تصريح بما كني عنه آنفاً في قوله: {ما هذا إلا بشر مثلكم} وما بعده من تكذيب دعوته، فاستخلصوا من ذلك أن حاله منحصر في أنه كاذب على الله فيما ادعاه من الإرسال. وضمير {إن هو} عائد إلى اسم الإشارة من قوله: {ما هذا إلا بشر مثلكم}. فجملة {افترى على الله كذباً} صفة لــــ{رجل} وهي منصَبّ الحصر فهو من قصر الموصوف على الصفة قصر قلب إضافياً، أي لا كما يزعم أنه مرسل من الله. وإنما أجروا عليه أنه رجل متابعة لوصفه بالبشرية في قولهم: {ما هذا إلا بشر مثلكم} تقريراً لدليل المماثلة المنافية للرسالة في زعمهم، أي زيادة على كونه رجلاً مثلهم فهو رجل كاذب. والافتراء: الاختلاق. وهو الكذب الذي لا شبهة فيه للمخبِر. وتقدم عند قوله تعالى: { أية : ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب } تفسير : في سورة المائدة (103). وإنما صرحوا بأنهم لا يؤمنون به مع دلالة نسبته إلى الكذب على أنهم لا يؤمنون به إعلاناً بالتبري من أن ينخدعوا لما دعاهم إليه، وهو مقتضى حال خطاب العامة. والقول في إفادة الجملة الاسميَّة التقوية كالقول في {وما نحن بمبعوثين}.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلآخِرَةِ} {وَأَتْرَفْنَاهُمْ} {ٱلْحَيـاةِ} (33) - وَقَالَ الكُبَرَاءُ المُتْرَفُونَ مِنَ قَوْمِ هَذَا النَّبِيِّ، وَهُمُ الذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِم، وَكَذَّبُوا بِيَوْمِ القِيَامَةِ، لِمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ مِنْ قَوْمِهِمْ: إِنَّ هَذَا المُدَّعِيَ بِأَنَّ اللهَ أَرْسَلَهُ إِلَيْكُم رَسُولاً، إِنْ هُوَ إِلاَّ بَشَرٌ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ كَمَا تَفْعَلُونَ أَنْتُمْ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بشَرٌ رَسُولاً مِنَ اللهِ؟ أَتْرَفْنَاهُمْ - نَعَّمْناهُم وَوَسَّعْنَا عَلَيْهِم فَبَطِرُوا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : تكلمنا عن معنى {ٱلْمَلأُ ..} [المؤمنون: 33] وهم عَيْن الأعيان وأصحاب السلطة والنفوذ في القوم، والذين يضايقهم المنهج الإيماني، ويقضي على مكانتهم، ويقف في وجه طغيانهم وسيطرتهم واستضعافهم للخلق. {وَقَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ..} [المؤمنون: 33] تماماً كما حدث مع سابقيهم من قوم نوح {وَكَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱلآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي ٱلْحَيـاةِ ٱلدُّنْيَا ..} [المؤمنون: 33] مادة: ترف مثل فرح، نقول: ترف الرجل يترف إذا تنعّم، فإذا زِدْتَ عليها الهمزة (أترف) نقول: أترفته النعمة، أترفه الله، يعني: كانت النعمة سبب طغيان، ووسَّع الله عليه في النعمة ليتسع في الطغيان. وفي هذا المعنى ورد قوله تعالى: {َأية : فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ ..} تفسير : [الأنعام: 44] يعني من منهج الحق {َأية : فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ} تفسير : [الأنعام: 44]. ذلك، ليكون الأَخْذ أقوى وأعنف وأبلغ في الإيلام والحسرة، وسبق أن ذكرنا تشبيهاً أضحك الحاضرين كثيراً، ولله تعالى - المثل الأعلى -، قلنا: إن الله تعالى إذا أراد أنْ يُوقع معانداً لا يُوقعه من فوق الحصيرة، إنما يوقعه من فوق كرسي عالٍ ومكانة رفيعة، ليكون (الهُدْر) أقوى وأشدّ. فإن أخذ الإنسان العادي الذي لا يملك ما يتحسرعليه من مال أو جاه أو منصب، فالأمر هيِّن، أمّا حين يُرقِّيه ويُعِلي منزلته ويُترِفه في النعيم، ثم يأخذه على هذه الحال فلا شكَّ أنه أخْذ عزيز مقتدر، وهذا أشدُّ وأنكَى. إذن: أترفناهم يعني: وسَّعنا عليهم وأمددناهم بالنعم المختلفة ليزدادوا في كفرهم وطغيانهم، على حَدِّ قوله تعالى: {أية : فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّىٰ حِينٍ * أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي ٱلْخَيْرَاتِ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ} تفسير : [المؤمنون: 54-56]. إن الله تعالى يمدُّ لهؤلاء في وسائل الغيّ والانحراف ليزدادوا منها، ويتعمقوا في آثامها لنتعمق نحن في عذابهم والانتقام منهم. ثم يحكي القرآن عنهم هذه المقولة التي سارت على ألسنتهم جميعاً في كل الرسالات: {مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ..} [المؤمنون: 33] وكأن هذه الكلمة أصبحتْ لازمة من لوازم المكذِّبين للرسل المعاندين لمنهج الله، ثم يؤكدون على بشرية الرسول فيقولون: {يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ} [المؤمنون: 33] ألم يقُل كفار مكة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: {أية : مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي ٱلأَسْوَاقِ ..} تفسير : [الفرقان: 7]. سبحان الله، كأنهم يتكلمون بلسان واحد مع اختلاف الأمم وتباعد الأزمان، لكن كما يقولون: الكفر ملة واحدة.