Verse. 2718 (AR)

٢٣ - ٱلْمُؤْمِنُون

23 - Al-Mu'minoon (AR)

ثُمَّ اَرْسَلْنَا مُوْسٰى وَاَخَاہُ ہٰرُوْنَ۝۰ۥۙ بِاٰيٰتِنَا وَسُلْطٰنٍ مُّبِيْنٍ۝۴۵ۙ
Thumma arsalna moosa waakhahu haroona biayatina wasultanin mubeenin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين» حجة وهي اليد والعصا وغيرهما من الآيات.

45

Tafseer

الرازي

تفسير : القصة الرابعة ـ قصة موسى عليه السلام اختلفوا في {الاْيَـٰتِ } فقال ابن عباس رضي الله عنهما هي الآيات التسع وهي العصا واليد والجراد والقمل والضفادع والدم وانفلاق البحر والسنون والنقص من الثمرات، وقال الحسن قوله: {بِـئَايَـٰتِنَا } أي بديننا واحتج بأن المراد بالآيات لو كانت هي المعجزات والسلطات المبين أيضاً هو المعجز فحينئذ يلزم عطف الشيء على نفسه والأقرب هو الأول لأن لفظ الآيات إذا ذكر في الرسل فالمراد منها المعجزات، وأما الذي احتجوا به فالجواب: عنه من وجوه: أحدها: أن المراد بالسلطان المبين يجوز أن يكون أشرف معجزاته وهو العصا لأنه قد تعلقت بها معجزات شتى من انقلابها حية وتلقفها ما أفكته السحرة وانفلاق البحر وانفجار العيون من الحجر بضربها بها وكونها حارساً وشمعة وشجرة مثمرة ودلواً ورشاء، فلأجل انفراد العصا بهذه الفضائل أفردت بالذكر كقوله جبريل وميكال وثانيها: يجوز أن يكون المراد بالآيات نفس تلك المعجزات وبالسلطان المبين كيفية دلالتها على الصدق، وذلك لأنها وإن شاركت سائر آيات الأنبياء في كونها آيات فقد فارقتها في قوة دلالتها على قوة موسى عليه السلام وثالثها: أن يكون المراد بالسلطان المبين استيلاء موسى عليه السلام عليهم في الاستدلال على وجود الصانع وإثبات النبوة وأنه ما كان يقيم لهم قدراً ولا وزناً. واعلم أن الآية تدل على أن معجزات موسى عليه السلام كانت معجزات هرون عليه السلام أيضاً، وأن النبوة كما أنها مشتركة بينهما فكذلك المعجزات، ثم إنه سبحانه حكى عن فرعون وقومه صفتهم ثم ذكر شبهتهم أما صفتهم فأمران أحدهما: الاستكبار والأنفة والثاني: أنهم كانوا قوماً عالين أي رفيعي الحال في أمور الدنيا، ويحتمل الاقتدار بالكثرة والقوة وأما شبهتهم فهي قولهم: {أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَـٰبِدُونَ } قال صاحب «الكشاف» لم يقل مثلينا كما قال: { أية : إِنَّكُمْ إِذاً مّثْلُهُمْ } تفسير : [النساء: 14] ولم يقل أمثالهم وقال: { أية : كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ } تفسير : [آل عمران: 110] ولم يقل أخيار أمة كل ذلك لأن الإيجاز أحب إلى العرب من الإكثار والشبهة مبنية على أمرين: أحدهما: كونهما من البشر وقد تقدم الجواب عنه والثاني: أن قوم موسى وهرون كانوا كالخدم والعبيد لهم قال أبو عبيدة العرب تسمى كل من دان لملك عابداً له ويحتمل أن يقال إنه كان يدعي الإلهية فادعى أن الناس عباده وأن طاعتهم له عبادة على الحقيقة ثم بين سبحانه أنه لما خطرت هذه الشبهة ببالهم صرحوا بالتكذيب وهو المراد من قوله: {فَكَذَّبُوهُمَا }. ولما كان ذلك التكذيب كالعلة لكونهم من المهلكين لا جرم رتبه عليه بفاء التعقيب فقال وكانوا ممن حكم الله عليهم بالغرق فإن حصول الغرق لم يكن حاصلاً عقيب التكذيب، إنما الحاصل عقيب التكذيب حكم الله تعالى بكونهم كذلك في الوقت اللائق به. أما قوله: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَـٰبَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} فقال القاضي معناه أنه سبحانه خص موسى عليه السلام بالكتاب الذي هو التوراة لا لذلك التكذيب لكن لكي يهتدوا به فلما أصروا على الكفر مع البيان العظيم استحقوا أن يهلكوا، واعترض صاحب «الكشاف» عليه فقال لا يجوز أن يرجع الضمير في لعلهم إلى فرعون وملائه لأن التوراة إنما أوتيها بنو إسرائيل بعد إغراق فرعون وملائه بدليل قوله تعالى: { أية : وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ ٱلأُولَىٰ } تفسير : [القصص: 43] بل المعنى الصحيح: ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يعملون بشرائعها ومواعظها فذكر موسى والمراد آل موسي كما يقال هاشم وثقيف والمراد قولهما.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ } تقدم. ومعنى {عَالِينَ } متكبرين قاهرين لغيرهم بالظلم؛ كما قال تعالى: {أية : إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [القصص: 4]. {فَقَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا} الآية، تقدم أيضاً. ومعنى {مِنَ ٱلْمُهْلَكِينَ} أي بالغرق في البحر.

البيضاوي

تفسير : {ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَـٰرُونَ بِـئَايَـٰتِنَا } بالآيات التسع. {وَسُلْطَـٰنٍ مُّبِينٍ } وحجة واضحة ملزمة للخصم، ويجوز أن يراد به العصا وأفرادها لأنها أول المعجزات وأمها، تعلقت بها معجزات شتى: كانقلابها حية وتلقفها ما أفكته السحرة، وانفلاق البحر وانفجار العيون من الحجر بضربهما بها، وحراستها ومصيرها شمعة وشجرة خضراء مثمرة ورشاء ودلواً، وأن يراد به المعجزات وبالآيات الحجج وأن يراد بهما المعجزات فإنها آيات للنبوة وحجة بينة على ما يدعيه النبي صلى الله عليه وسلم. {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلاَءِيْهِ فَٱسْتَكْبَرُواْ} على الإِيمان والمتابعة. {وَكَانُواْ قَوْماً عَـٰلِينَ } متكبرين. {فَقَالُواْ أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا} ثنى البشر لأنه يطلق للواحد كقوله {بَشَراً سَوِيّاً} كما يطلق للجمع كقوله: {أية : فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلبَشَرِ أَحَداً }تفسير : [مريم: 26] ولم يثن المثل لأنه في حكم المصدر، وهذه القصص كما نرى تشهد بأن قصارى شبه المنكرين للنبوة قياس حال الأنبياء على أحوالهم لما بينهم من المماثلة في الحقيقة وفساده يظهر للمستبصر بأدنى تأمل، فإن النفوس البشرية وإن تشاركت في أصل القوى والإِدراك لكنها متباينة الأقدام فيهما، وكما ترى في جانب النقصان أغبياء لا يعود عليهم الفكر برادة، يمكن أن يكون في طرف الزيادة أغنياء عن التفكر والتعلم في أكثر الأشياء وأغلب الأحوال، فيدركون ما لا يدرك غيرهم ويعلمون ما لا ينتهي إليه علمهم، وإليه أشار بقوله تعالى: {أية : قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَىَّ أَنَّمَا إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ }تفسير : [الكهف: 110] {وَقَوْمُهُمَا} يعني بني إسرائيل. {لَنَا عَـٰبِدُونَ } خادمون منقادون كالعباد. {فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُواْ مِنَ ٱلْمُهْلَكِينَ} بالغرق في بحر قلزم. {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَـٰبَ } التوراة. {لَعَلَّهُمْ} لعل بني إسرائيل، ولا يجوز عود الضمير إلى {فِرْعَوْنُ } وقومه لأن التوراة نزلت بعد إغراقهم. {يَهْتَدُونَ } إلى المعارف والأحكام. {وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ ءَايَةً } بولادتها إياه من غير مسيس فالآية أمر واحد مضاف إليهما، أو {جَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ } آية بأن تكلم في المهد وظهرت منه معجزات أخر {وَأُمَّهُ } آية بأن ولدت من غير مسيس فحذفت الأولى لدلالة الثانية عليها. {وَءَاوَيْنَٰهُمَآ إِلَى رَبْوَةٍ } أرض بيت المقدس فإنها مرتفعة أو دمشق أو رملة فلسطين أو مصر فإن قراها على الربى، وقرأ ابن عامر وعاصم بفتح الراء وقرىء «رُبَاوةَ» بالضم والكسر. {ذَاتِ قَرَارٍ } مستقر من الأرض منبسطة. وقيل ذات ثمار وزروع فإن ساكنيها يستقرون فيها لأجلها. {وَمَعِينٍ } وماء معين ظاهر جار فعيل من معن الماء إذا جرى وأصله الابعاد في الشيء، أو من الماعون وهو المنفعة لأنه نفاع، أو مفعول من عانه إذا أدركه بعينه لأنه لظهوره مدرك بالعيون وصف ماءها بذلك لأنه الجامع لأسباب التنزه وطيب المكان. { يأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيّبَـٰتِ} نداء وخطاب لجميع الأنبياء لا على أنهم خوطبوا بذلك دفعة لأنهم أرسلوا في أزمنة مختلفة بل على معنى أن كلاً منهم خوطب به في زمانه، فيدخل تحته عيسى دخولاً أولياً ويكون ابتداء كلام تنبيهاً على أن تهيئة أسباب التنعم لم تكن له خاصة، وأن إباحة الطيبات للأنبياء شرع قديم واحتجاجاً على الرهبانية في رفض الطيبات، أو حكاية لما ذكر لعيسى وأمه عند إيوائهما إلى الربوة ليقتديا بالرسل في تناول ما رزقا. وقيل النداء له ولفظ الجمع للتعظيم والطيبات ما يستلذ به من المباحات. وقيل الحلال الصافي القوام فالحلال ما لا يعصى الله فيه والصافي ما لا ينسى الله فيه والقوام ما يمسك النفس ويحفظ العقل. {وَٱعْمَلُواْ صَـٰلِحاً} فإنه المقصود منكم والنافع عند ربكم. {إِنّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ } فأجازيكم عليه. {وَإِنَّ هَـٰذِهِ} أي ولأن {هَـٰذِهِ } والمعلل به {فَٱتَّقُونِ }، أو واعلموا أن هذه، وقيل إنه معطوف على {مَا تَعْمَلُونَ } وقرأ ابن عامر بالتخفيف والكوفيون بالكسر على الاستئناف. {أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً } ملتكم ملة واحدة أي متحدة في الاعتقاد وأصول الشرائع، أو جماعتكم جماعة واحدة متفقة على الإِيمان والتوحيد في العبادة ونصب {أُمَّةً} على الحال. {وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ} في شق العصا ومخالفة الكلمة. {فَتَقَطَّعُواْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ } فتقطعوا أمر دينهم جعلوه أدياناً مختلفة، أو فتفرقوا وتحزبوا وأمرهم منصوب بنزع الخافض أو التمييز، والضمير لما دل عليه الأمة من أربابها أولها. {زُبُراً } قطعاً جمع زبور الذي بمعنى الفرقة ويؤيده القراءة بفتح الباء فإنه جمع زبرة وهو حال من أمرهم أو من الواو، أو مفعول ثان لـ {فَتَقَطَّعُواْ } فإنه متضمن معنى جعل. وقيل كتباً من زبرت الكتاب فيكون مفعولاً ثانياً، أو حالاً من أمرهم على تقدير مثل كتب، وقرىء بتخفيف الباء كرسل في {رُسُلُ }. {كُلُّ حِزْبٍ} من المتحزبين. {بِمَا لَدَيْهِمْ } من الدين. {فَرِحُونَ } معجبون معتقدون أنهم على الحق. {فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ} في جهالتهم شبهها بالماء الذي يغمر القامة لأنهم مغمورون فيها أو لاعبون بها، وقرىء في «غمراتهم». {حَتَّىٰ حِينٍ } إلى أن يقتلوا أو يموتوا. {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ} أن ما نعطيهم ونجعله لهم مدداً، {مِن مَّالٍ وَبَنِينَ } بيان لما وليس خبراً له، فإنه غير معاتب عليه وإنما المعاتب عليه اعتقادهم أن ذلك خير لهم خبره.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى أنه بعث رسوله موسى عليه السلام وأخاه هارون إلى فرعون وملئه بالآيات والحجج الدامغات والبراهين القاطعات، وأن فرعون وقومه استكبروا عن اتباعهما والانقياد لأمرهما؛ لكونهما بشرين؛ كما أنكرت الأمم الماضية بعثة الرسل من البشر، تشابهت قلوبهم فأهلك الله فرعون وملأه، وأغرقهم في يوم واحد أجمعين، وأنزل على موسى الكتاب، وهو التوراة، فيها أحكامه وأوامره ونواهيه، وذلك بعد أن قصم الله فرعون والقبط، وأخذهم أخذ عزيز مقتدر، وبعد أن أنزل الله التوراة، لم يهلك أمة بعامة، بل أمر المؤمنين بقتال الكافرين، كما قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ ٱلأُولَىٰ بَصَآئِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} تفسير : [القصص: 43].

المحلي و السيوطي

تفسير : {ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَٰرُونَ بِئَايَٰتِنَا وَسُلْطَٰنٍ مُّبِينٍ } حجّة بيّنة، وهي اليد والعصا وغيرهما من الآيات.

الماوردي

تفسير : قوله: {قَوْماً عَالِينَ} فيه أربعة أوجه: أحدها: متكبرين، قاله المفضل. الثاني: مشركين، قاله يحيى بن سلام. الثالث: قاهرين، قاله ابن عيسى. الرابع: ظالمين، قاله الضحاك. قوله: {... وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ} فيه أربعة أوجه: أحدها: مطيعون، قاله ابن عيسى. الثاني: خاضعون، قاله ابن شجرة. الثالث: مستبعدون، قاله يحيى بن سلام. الرابع: ما قاله الحسن كان بنو إسرائيل يعبدون فرعون وكان فرعون يعبد الأصنام.

ابن عطية

تفسير : {ثم} هنا على بابها لترتيب الأمور واقتضاء المهلة، و"الآيات" التي جاء بها {موسى} و {هارون} هي اليد والعصا اللتان اقترن بهما التحدي وهما "السلطان المبين"، ويدخل في عموم اللفظ سائر آياتهما كالبحر والمرسلات الست، وأما غير ذلك مما جرى بعد الخروج من البحر فليست تلك لفرعون بل هي خاصة ببني إسرائيل. و"الملأ" هنا الجمع يعم الأشراف وغيرهم، و {استكبروا}، معناه عن الإيمان بموسى وأخيه لأَنهم أنفوا من ذلك، و {عالين}، معناه قاصدين للعلو بالظلم والكبرياء، وقوله {عابدون} معناه خامدون متذللون، ومن هنا قيل لعرب الحيرة العباد لأَنهم دخلوا من بين العرب في طاعة كسرى، هذا أَحد القولين في تسميتهم والطريق المعبد المذلل وعلو هؤلاء هو الذي ذكر الله تعالى في قوله {أية : تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً} تفسير : [القصص: 83] و {من المهلكين} يريد بالغرق.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين} يعني بحجة بينة كالعصا واليد وغيرهما {إلى فرعون وملئه فاستكبروا} يعني تعظموا عن الإيمان {وكانوا قوماً عالين} يعني متكبرين قاهرين غيرهم بالظلم {قالوا} يعني فرعون وقومه {أنؤمن لبشرين مثلنا} يعنون موسى وهارون {وقومهما لنا عابدون} يعني مطيعون متذللون {فكذبوهما فكانوا من المهلكين} يعني بالغرق {ولقد آتينا موسى الكتاب} يعني التوراة {لعلهم يهتدون} يعني لكي يهتدي به قومه. قوله عزّ وجلّ {وجعلنا ابن مريم وأمه آية} يعني دلالة على قدرتنا لأنه خلقه من غير ذكر وأنطقه في المهد. فإن قلت لم قال آية ولم يقل آيتين. قلت معناه جعلنا شأنهما آية لأن عيسى ولد من غير ذكر وكذلك مريم ولدته من غير ذكر فاشتركا في هذه الآية فكانت آية واحدة {وآويناهما إلى ربوة} يعني مكان مرتفع قيل هي دمشق وقيل هي الرملة وقيل أرض فلسطين وقال ابن عباس هي بيت المقدس. قال كعب بيت المقدس أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلاً. وقيل هي مصر وسبب الإيواء أنها فرت بابنها إليها. وقوله {ذات قرار} يعني منبسطة واسعة يستقر عليها ساكنوها {معين} هو الماء الجاري الذي تراه العيون. قوله تعالى {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات} قيل أراد بالرسل محمداً صلى الله عليه وسلم وحده وقيل أراد به عيسى عليه السلام وقيل أراد جميع الرسل وأراد بالطيبات الحلال {واعملوا صالحاً} أي استقيموا على ما يوجبه الشرع {إني بما تعملون عليم} فيه تحذير من مخالفة ما أمرهم به وإذا كان الرسل مع علو شأنهم كذلك فلأن يكون تحذيراً لغيرهم أولى لما روي عن أبي هريرة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إنّ الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات} وقال {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم} ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يده إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنّى يستجاب لذلك"تفسير : أخرجه مسلم. قوله عزّ وجلّ {وإن هذه أمتكم} أي ملتكم وشريعتكم التي أنتم عليها {أمة واحدة} أي ملة واحدة وهي الإسلام {وأنا ربكم فاتقون} أي فاحذرون وقيل معناه أمرتكم بما أمرت به المرسلين قبلكم فأمركم واحد وأنا ربكم فاتقون {فتقطعوا} أي تفرقوا فصاروا فرقاً يهوداً ونصارى ومجوساً وغير ذلك من الأديان المختلفة {أمرهم} أي دينهم {بينهم وزيراً} أي فرقاً وقطعاً مختلفة وقيل معنى زبراً أي كتباً، والمعنى تمسك كل قوم بكتاب فآمنوا به وكفروا بما سواه من الكتب {كل حزب بما لديهم فرحون} أي مسرورون معجبون بما عندهم من الدين {فذرهم} الخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم {في غمرتهم} قال ابن عباس في كفرهم وضلالتهم وقيل في عمايتهم وغفلتهم {حتى حين} أي إلى أن يموتوا {أيحبسون أنما نمدهم به من مال وبنين} أي ما نعطيهم ونجعله لهم مدداً من المال والبنين في الدنيا {نسارع لهم في الخيرات} أي نعجل لهم ذلك في الخيرات ونقدمه ثواباً لأعمالهم لمرضاتنا عنهم {بل لا يشعرون} أي إن ذلك استدراج لهم ثم ذكر المسارعين في الخيرات فقال تعالى {إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون} أي خائفون، والمعنى أن المؤمنين بما هم عليه من خشية الله خائفون من عقابه. قال الحسن البصري المؤمن جمع إحساناً وخشية والمنافق جمع إساءة وأمناً {والذين هم بآيات ربهم يؤمنون} يعني يصدقون {والذين هم بربهم لا يشركون والذين يؤتون ما آتوا} أي يعطون ما أعطوا من الزكامة والصدقات. وقيل معناه يعملون ما عملوا من أعمال البر {وقلوبهم وجلة} أي خائفة أن ذلك لا ينجيهم من عذاب الله وأنّ أعمالهم لا تقبل منهم {أنهم إلى ربهم راجعون} أي إنهم يوقنون أنهم إلى الله صائرون. قال الحسن عملوا والله بالطاعات واجتهدوا فيها وخافوا أن ترد عليهم. حديث : عن عائشة قالت: "قلت يا رسول الله والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة هم الذين يشربون الخمر ويسرقون قال لا يا بنت الصدّيق ولكن هم الذين يصومون ويتصدّقون ويخافون أن لا يقبل منهم أولئك يسارعون في الخيرات"تفسير : أخرجه الترمذي.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَارُونَ} الآية. يجوز أن يكون "هَارُونَ" بدلاً، وأن يكون بياناً، وأن يكون منصوباً بإضمار أعني. واختلفوا في الآيات، فقال ابن عباس: هي الآيات التسع وهي العصا، واليد، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والبحر، والسنين، ونقص الثمرات. وقال الحسن: "بآيَاتِنَا" أي: بديننا. واحتج بأن المراد لو كان الآيات وهي المعجزات، والسلطان المبين: هو أيضاً المعجز، لزم منه عطف الشيء على نفسه. والأول أقرب، لأنّ لفظ الآيات إذا ذكر مع الرسول فالمراد به المعجزات. وأما احتجاجه فالجواب عنه من وجوه: الأول: أنّ المراد بالسلطان المبين: يجوز أن يكون أشرف معجزاته، وهي العصا، لأن فيها معجزات شتّى من انقلابها حيّة وتلقّفها ما صنع السحرة، وانفلاق البحر، وانفجار العيون من الحجر بضربهما بها، وكونها حارساً، وشمعةً، وشجرة مثمرة، ودَلْواً، ورشَاءً، فلاجتماع هذه الفضائل فيها أفردت بالذكر كقوله: "وجِبْرِيلَ ومِيكَالَ". والثاني: يجوز أن يكون المراد بالآيات نفس تلك المعجزات، وبالسلطان المبين كيفيّة دلالتها على الصدق، فلأنها وإن شاركت آيات سائر الأنبياء في كونها آيات فقد فارقتها في قوة دلالتها على قبول قول موسى - عليه السلام -. الثالث: أن يكون المراد بالسلطان المبين استيلاء موسى - عليه السلام - عليهم في الاستدلال على وجود الصانع، وإثبات النبوّة، وأنه ما كان يقيم لهم قدراً ولا وزناً. واعلم أنَّ الآية تدل على أنّ معجزات موسى كانت معجزات هارون أيضاً وأنّ النبوة مشتركة بينهما، فكذلك المعجزات. ثم قال: {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَٱسْتَكْبَرُواْ} وتعظموا عن الإيمان {وَكَانُواْ قَوْماً عَالِينَ} متكبرين قاهرين غيرهم بالظلم. قوله: "لِبَشَرَيْنِ" شر يقع على الواحد والمثنى والمجموع، والمذكر والمؤنث قال تعالى: {أية : مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ} تفسير : [يس: 15]، وقد يطابق، ومنه هذه الآية وأما إفراد "مِثْلِنَا"، فلأنه يجري مجرى المصادر في الإفراد والتذكير، ولا يؤنث أصلاً، وقد يطابق ما هو له تثنية لقوله: {أية : مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ ٱلْعَيْنِ} تفسير : [آل عمران: 13] وجمعاً كقوله: {أية : ثُمَّ لاَ يَكُونُوۤاْ أَمْثَالَكُم} تفسير : [محمد: 38]. وقيل: أريد المماثلة في البشريّة لا الكمية. وقيل: اكتفى بالواحد عن الاثنين. {وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ} جملة حالية. فصل "فَقَالُوا" يعني لفرعون وقومه {أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا} يعنون موسى وهارون {وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ} مطيعون متذللون. قال أبو عبيدة: والعرب تسمي كل من دان لِملك عابداً له ويحتمل أن يقال: إنه كان يدعي الإلهية، وإن طاعة الناس له عبادة، ولمّا خطر ببالهم هذه الشبهة صرحوا بالتكذيب، ولمّا كان التكذيب كالعلّة لهلاكهم لا جَرَم رتّبه عليه بفاء التعقيب، فقال: {فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُواْ مِنَ ٱلْمُهْلَكِينَ} أي: بالغرق (أي: فيمن حكم عليهم بالغرق) فإن الغرق لم يحصل عقيب التكذيب، (إنما حصل عقيب التكذيب) حكم الله - تعالى - عليهم بالغرق في الوقت اللائق به. قوله: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ} قيل: أراد قوم موسى، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، ولذلك أعاد الضمير من قوله: "لَعَلَّهُم" عليهم. وفيه نَظَر، إذ يجوز عود الضمير على القوم من غير تقدير إضافتهم إلى موسى، ويكون هدايتهم مترتبة على إيتاء التوراة لموسى. قال الزمخشري: لا يجوز أن يرجع الضمير في "لَعَلَّهُم" إلى فرعون وملئه لأن التوراة إنما أوتيت بنو إسرائيل بعد إغراق فرعون، بدليل قوله تعالى {أية : وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ ٱلأُولَىٰ} تفسير : [القصص: 43]. بل المعنى الصحيح ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يعملون بشرائعها، ومواعظها، فذكر موسى والمراد آل موسى كما يقال: هاشم وثقيف. والمراد قومهم.

البقاعي

تفسير : ولما كان آل فرعون قد أنكروا الإيمان لبشر مثلهم كما قال من تقدم ذكره من قوم نوح والقرن الذي بعدهم، وكانوا أترف أهل زمانهم، وأعظمهم قوة، وأكثرهم عدة، وكانوا يستعبدون بني إسرائيل، وكان قد نقل إلينا من الآيات التي أظهر رسولهم ما لم ينقل إلينا مثله لمن تقدمه، صرح سبحانه بهم، وكأن الرسالة إليهم كانت بعد فترة طويلة، فدل عليها بحرف التراخي فقال: {ثم أرسلنا} أي بما لنا من العظمة {موسى} وزاد في التسلية بقوله: {وأخاه هارون} أي عاضداً له وبياناً لأن إهلاك فرعون وآله جميعاً مع أنجاء الرسولين معاً ومن آمن بهما لإرادة الواحد القهار لإفلاح المؤمنين وخيبة الكافرين {بآياتنا} أي المعجزات، بعظمتنا لمن يباريها {وسلطان مبين*} أي حجة ملزمة عظيمة واضحة، وهي حراسته وهو وحده، وأعلاه على كل من ناواه وهم مع قوتهم ملء الأرض وعجزهم عن كل ما يرومونه من كيده، وهذه وإن كانت من جملة الآيات لكنها أعظمها، وهي وحدها كافية في إيجاب التصديق {إلى فرعون وملئه} أي وقومه. ولما كان الأطراف لا يخالفون الأشراف، عدهم عدماً، ومن الواضح أن التقدير: أن اعبدوا الله، ما لكم من إله غيره، وأشار بقوله: {فاستكبروا} إلى أنهم أوجدوا الكبر عن الاتباع فيما دعوا إليه عقب الإبلاغ من غير تأمل ولا تثبت وطلبوا أن لا يكونوا تحت أمر من دعاهم، وأشار بالكون إلى فساد جبلتهم فقال: {وكانوا قوماً} أي أقوياء {عالين*} على جميع من يناويهم من أمثالهم. ولما تسبب عن استكبارهم وعلوهم إنكارهم للاتباع قال: {فقالوا أنؤمن} أي بالله مصدقين {لبشرين} ولما كان "مثل" و "غير" قد يوصف بهما المذكر والمؤنث والمثنى والجمع دون تغيير، ولم تدع حاجة إلى التثنية قال: {مثلنا} أي في البشرية والمأكل والمشرب وغيرهما مما يعتري البشر كما قال من تقدمهم {وقومهما} أي والحال أن قومهما {لنا عابدون*} أي في غاية الذل والانقياد كالعبيد فنحن أعلى منهما بهذا، ويا ليت شعري ما لهم لما جعلوا هذا شبهة لم يجعلوا عجزهم عن إهلاك الرسل وعما يأتون به من المعجزات فرقاناً وما جوابهم عن أن من الناس الجاهل الذي لا يهتدي لشيء والعالم الذي يفوق الوصف من فاوت بينهما؟ وإذا جاز التفاوت بينهما في ذلك فلم لا يجوز في غيره؟. ولما تسبب عن هذا الإنكار التكذيب، فتسبب عنه الهلاك، قال: {فكذبوهما} أي فرعون وملؤه موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام {فكانوا} أي فرعون وآله، ونبه بصيغة المفعول على عظيم القدرة فقال: {من المهلكين*} بإغراقنا لهم على تكذيبهم إشارة إلى أنهم لم يهلكوا بأنفسهم من غير مهلك مختار بدليل إغراقهم كلهم بما كان سبب إنجاء بني إسرائيل كلهم ولم تغن عنهم قوتهم في أنفسهم ثم قوتهم على خصوص بني إسرائيل باستعبادهم إياهم، ولا ضر بني إسرائيل ضعفهم عن دفاعهم، ولا ذلهم لهم وصغارهم في أيديهم.

ابو السعود

تفسير : {ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَـٰرُونَ بِـئَايَـٰتِنَا} هي الآياتُ التِّسعُ من اليدِ والعَصَا والجرادِ والقُمَّلِ والضَّفادعِ والدَّمِ ونقصِ الثَّمراتِ والطَّاعون. ولا مساغَ لعدِّ فلقِ البحر منها إذِ المرادُ هي الآياتُ التي كذَّبوها واستكبرُوا عنها {وَسُلْطَـٰنٍ مُّبِينٍ} أي حجَّةٍ واضحةٍ مُلزمةٍ للخَصمِ، وهي إمَّا العَصَا، وإفرادُها بالذِّكرِ مع اندراجِها في الآياتِ لما أنَّها أمُّ آياتِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وأُولاها وقد تعلقتْ بها معجزاتٌ شَتَّى من انقلابِها ثُعباناً وتلقُّفها لما أفكته السَّحرةُ حسبما فُصِّل في تفسير سُورةِ طٰه، وأمَّا التَّعرُّضُ لانفلاقِ البحرِ وانفجارِ العُيون من الحجرِ بضربها وحراستِها وصيرورتِها شمعةً وشجرةً خضراءَ مثمرةً ودَلْواً ورِشَاءَ وغيرَ ذلك ممَّا ظهرَ منها من قبلُ ومن بعدُ في غير مشهدِ فرعونَ وقومِه فغيرُ ملائمٍ لمقتضى المقامِ، وأمَّا نفسُ الآياتِ كقولِه: [المتقارب] شعر : إلى الملكِ القَرمِ وابنِ الهُمامِ [وليثُ الكثيبة في المزْدَحَمْ] تفسير : الخ. عبَّر عنها بذلك على طريقةِ العطفِ تنبـيهاً على جمعها لعُنوانينِ جليلينِ وتنزيلاً لتغايرِهما منزلةَ التَّغايرِ الذَّاتيِّ. {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} أي أشرافِ قومِه خُصُّوا بالذِّكرِ لأنَّ إرسالَ بني إسرائيلَ منوطٌ بآرائِهم لا بآراءِ أعقابهم {فَٱسْتَكْبَرُواْ} عن الانقيادِ وتمرَّدوا {وَكَانُواْ قَوْماً عَـٰلِينَ} متكبِّرين مُتمرِّدين {فَقَالُواْ} عطفٌ على استكبرُوا، وما بـينهما اعتراضٌ مقرِّرٌ للاستكبارِ أي كانُوا قوماً عادتُهم الاستكبارُ والتَّمرد أي قالُوا فيما بـينهم بطريقِ المُناصحةِ: {أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا} ثَنَّى البشرَ لأنَّه يُطلقُ على الجمعِ كما في قوله تعالى: {أية : فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلبَشَرِ أَحَداً } تفسير : [مريم: 26] ولم يثنِّ المِثْلَ نظراً إلى كونِه في حكمِ المصدرِ. وهذه القصصُ كما تَرى تدلُّ على أنَّ مدار شُبَه المُنكرين للنُّبوةِ قياسُ حالِ الأنبـياءِ على أحوالِهم بناءً على جهلِهم بتفاصيلِ شؤونِ الحقيقةِ البشريَّةِ وتباينِ طبقاتِ أفرادِها في مراقي الكمالِ ومَهَاوي النُّقصانِ بحيثُ يكونُ بعضُها في أعلى عِلِّيـيِّنَ وهم المختصُّون بالنُّفوس الزكيَّةِ المؤيِّدون بالقُوَّةِ القُدسيَّةِ المتعلِّقون لصفاءِ جواهرِهم بكِلا العالمينِ الروحانيِّ والجسمانيِّ يتلقَّون من جانبٍ ويُلقون من جانبٍ ولا يعوقُهم التَّعلُّقُ بمصالحِ الخلقِ عن التَّبتلِ إلى جنابِ الحقِّ وبعضُها في أسفلِ سافلينَ كأولئك الجَهَلة الذين هم كالأنعامِ بلْ هُم أضلُّ سبـيلاً {وَقَوْمُهُمَا} يعنون بني إسرائيلَ {لَنَا عَـٰبِدُونَ} أي خادمون مُنقادون لنا كالعبـيدِ وكأنَّهم قصدُوا بذلك التَّعريضَ بشأنِهما عليهما الصَّلاةُ والسَّلامُ وحطَّ رتبتهما العليَّةِ عن منصب الرِّسالةِ من وجهٍ آخرَ غيرِ البشريَّةِ واللامُ في لنا متعلِّقةٌ بعابدون وقُدِّمت عليه رعايةً للفواصلِ. والجملةُ حالٌ من فاعلِ نُؤمنُ مؤكِّدةٌ لإنكارِ الإيمانِ لهما بناءً على زعمهم الفاسدِ المُؤَسَّسِ على قياسِ الرِّياسةِ الدِّينيةِ على الرِّياساتِ الدُّنيويَّةِ الدَّائرةِ على التَّقدُّمِ في نيل الحظوظِ الدَّنيةِ من المالِ والجاهِ كدأبِ قُريشٍ حيثُ قالُوا: { أية : لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ} تفسير : [الأحقاف: 11] وقالُوا: { أية : لَوْلاَ نُزّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانُ عَلَىٰ رَجُلٍ مّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} تفسير : [الزخرف: 31] وجهلِهم بأنَّ مناطَ الاصطفاءِ للرِّسالةِ هو السَّبقُ في حيازةِ ما ذُكر من النُّعوت العليةِ وإحرازِ المَلَكاتِ السَّنية جِبلَّةً واكتساباً.

اسماعيل حقي

تفسير : {ثم ارسلنا موسى وآخاه هارون بآياتنا} هى الآيات التسع من اليد والعصا والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ونقص الثمرات والطاعون ولامساغ لعد فلق البحر منها اذ المراد الآيات التى كذبوها {وسلطان مبين} حجة واضحة ملزمة للخصم وهى العصا وخصصها لفضلها على سائر الآيات او نفس الآيات عبر عنها بذلك على طريق العطف تنبيها على جمعها لعنوانين جليلين وتنزيلا لتغيرها منزلة التغاير الذاتى.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: "هارون": بدل من "أخاه". يقول الحق جل جلاله: {ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا} التسع؛ من اليد، والعصا، والطوفان، والجراد، والقُمَّل، والضفادع، والدم، ونقص الثمرات، والطاعون. ولا مساغ لعدّ فلق البحر منها؛ إذ المراد الآيات التي كذبُوها واستكبروا عنها، بدليل ما بعدها. {وسلطانٍ مبينٍ}؛ وحجة واضحة مُلزِمَة للخصم الإقرار بما دُعي إليه، وهي إمّا العصا، وإفرادها بالذكر مع اندراجها في الآيات؛ لأنها أبهر آياته عليه السلام، وقد تضمنت معجزات شتى؛ من انقلابها ثعباناً، وتلقفها ما أفكته السحرة، كما تقدم. وأما التعرض لانفلاق البحر وانفجار العيون من الحجر؛ بضربها، وحراستها، وصيرورتها شمعة، وشجرة خضراء مثمرة، ودلْواً ورشاء، وغير ذلك مما ظهر منها في غير مشهد فرعون وقومه، فغير ملائم لمقتضى المقام، وإمّا ما أتى به من الحجج الباهرة، فيشمل ما تقدم وغيره. {إلى فرعون وملَئه} أي: أشراف قومه، خصهم بالذكر؛ ليرتب عليه ما بعده من قوله: {فاستكبروا} عن الإنقياد وتمردوا. تكبراً وترفعاً، {وكانوا قوماً عالين}: متكبرين، متمردين، {فقالوا}، فيما بينهم، على طريق المناصحة: {أنؤمن لبشَرَيْنِ مثلنا}، "مثل" و "غير" يوصف بها الإثنان والجمع والمذكر والمؤنث، والبشر يطلق على الواحد، كقوله:{أية : بَشَراً سَوِياًّ}تفسير : [مريم: 17]، وعلى الجمع، كقوله: {أية : فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً} تفسير : [مريم: 26]، وأراد به هنا الواحد، فثناه، أي: كيف نؤمن لبشرين مثلنا في العجز والافتقار، {وقومهما لنا عابدون} أي: خادمون منقادون لنا كالعبيد، وكأنهم قصدوا بذلك التعريض بهما - عليهما السلام -, وحط رتبتهما العلية عن منصب الرسالة من وجه آخر غير البشرية، بناء على زعمهم الفاسد، من قياس الرئاسة الدينية على الرئاسات الدنيوية، الدائرة على التقدم في نيل الحظوظ الدنيوية، من المال والجاه، كدأب قريش، حيث قالوا: {أية : لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ} تفسير : [الأحقاف: 11]. {أية : وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ}تفسير : [الزخرف: 31]. وعلى جهلهم بأن مناط الاصطفاء للرسالة هو السبق في حيازة النعوت العلية، وإحراز الكمالات السنية، جِبِلَّةً او اكتساباً، {فكذبوهما} أي: فتمادوا على تكذيبهما، وأصروا، واستكبروا استكباراً، {فكانوا من المهلَكِين} بالغرق في بحر القلزم. {ولقد آتينا} بعد إهلاكهم، وإنجاء بني إسرائيل من مِلكِهم واسترقاقهم، {موسى الكتابَ}: التوراة، ولَمَّا نزلت لإرشاد قومه جُعلوا كأنهم أوتوها، فقيل: {لعلهم يهتدون} إلى الحق بالعمل بما من الشرائع والأحكام، وقيل: على حذف مضاف، أي: آتينا قوم موسى، كقوله: {أية : عَلَىٰ خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ} تفسير : [يونس: 83]، أي: من آل فرعون وملئهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: كل من طُرد وأُبعد عن ساحة رحمة الله تعالى والوصول إليه، فإنما سببه التكبر والعلو، وكل من قرب ووصل إلى الله فإنما سببه التواضع والحنو، ولذلك ورد: "حديث : لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنْ كان في قَلْبِه مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ" تفسير : . وحقيقة الكِبرِ: بَطَرُ الحَقِّ وغَمْطُ النَّاسِ، أي: إنكار الحق واحتقار الناس، وفي مدح التواضع والخمول ما لا يخفى. فمن تواضع، دون قدره، رَفَعَهُ الله فوق قدره، فالتواضع مصيدة الشرف، به يصطاد وينال، ومن أوصاف أهل الجنة: "كل ضعيف مستضعف، لو أقسم على الله لأبره في قسمه"، إلى غير ذلك من الأخبار. وكل من أنكر على أهل الخصوصية فسببه إما الحسد، أو الجهل بأن الخصوصية لا تنافي أوصاف البشرية، أو قياس الرئاسة الباطنية الدينية على الرئاسة الدنيوية، فأسقط من لا رئاسة له في الظاهر ولا جاه، أو لعدم ظهور الكرامة، وهي غير مطلوبة عند المحققين. والله تعالى أعلم. ثم ذكر عيسى عليه السلام

الجنابذي

تفسير : {ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا} التّسع او بمعجزاتنا او بأحكامنا {وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} ظاهرٍ او مظهر والمراد بالسّلطان عصاه او برهانه القولىّ او سلطنته على قهر الاعداء.

الأعقم

تفسير : {ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين} أي حجة بيّنة، وهي المعجزات التي أعطي موسى {إلى فرعون ومَلَئِهِ} يعني قومه {فاستكبروا} يعني تعظموا وتكبروا عن الإِيمان {وكانوا قوما عالين} أي متكبرين قاهرين للخلق ظلماً {فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا} هو استفهام والمراد الإِنكار {وقومهما} يعني بني إسرائيل {لنا عابدون} مطيعون لنا طاعة العبد لمولاه، وروي أنهم كانوا يعبدون فرعون {فكذّبوهما فكانوا من المهلكين} {ولقد آتينا موسى الكتاب} يعني التوراة {لعلّهم يهتدون} أي لكي يهتدون، يعني قومه {وجعلنا ابن مريم وآمه آية} ثم عطف على ما تقدم بذكر عيسى (عليه السلام) وجعلهما آية ومعجزة لعيسى (عليه السلام) {وآويناهما إلى ربوة} أي أرض مرتفعة قيل: فلسطين، وقيل: دمشق، وقيل: أرض بيت المقدس فإنها كبد الأرض وأقرب إلى السماء بثمانية عشر ميلاً عن كعب {ذات قرار ومعين} قيل: ذات استواء وسعة يستقر عليها، وقوله: {معين} ماء جاري ظاهراً {يأيها الرسل كلوا من الطيّبات} الخطاب عام للجميع، وقيل: هو خطاب لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، والطيبات قيل: الحلال، وقيل: كل ما يستطاب، وروي أن عيسى كان يأكل من غزل أمه {واعملوا صالحاً} هو أمرٌ بالطاعات {إني بما تعملون عليم} فمجازيكم بأعمالكم وفيه تحذير عن مخالفته....... بطاعته {وإن هذه أمتكم أمة واحدة} قيل: دينكم دين واحد، وقيل: خطاب للرسل وفيه حذف، أي وقلنا لهم ودينكم واحد فيما يلزمكم من التوحيد والعدل، وقيل: خطاب لهذه الأمة ان أمتكم أمة واحدة، يعني جميع الأمم في أنهم عبيد الله {وأنا ربكم} خالقكم {فاتقون} أي فاتقوا مخالفة أمري، ثم أخبر سبحانه عن الأمم فقال: {فتقطّعوا أمرهم بينهم} أي تفرقوا وتقطعوا إشارة إلى أشد الاختلاف وذلك أنهم اتبعوا علماء السوء ورؤساء القوم {زبراً}، قيل: كتباً، والمعنى تفرقوا فآمن كل فريق بكتاب وكفر بغيره كاليهود آمنوا بالتوراة وكفروا بالإِنجيل والفرقان، والنصارى آمنوا بالإِنجيل وكفروا بالتوراة والقرآن، وقيل: أحدثوا كتاباً يحتجون لمذهبهم {كل حزب بما لديهم فرحون} كل جماعة بما لديهم من دينهم فرحون مسرورون ومتعجبون {فذرهم} أي اتركهم وهذا وعيدٌ.... قيل: في كفرهم، وقيل: في عماهم، وقيل: في غفلتهم {في غمرتهم} أي وقت الموت والمعاينة، وقيل: إلى يوم القيامة، وقيل: يوم بدر {أيحسبون} يعني يظنون هؤلاء الكفار {أنما نمدهم} نعطيهم ونزيدهم {من مال وبنين} {نسارع لهم في الخيرات} يعني لما أعطوا نعيم الدنيا ظنوه ثواباً لأنهم أنكروا المعاد {بل لا يشعرون} لا يعلمون إن ذلك ليس بثواب وإنما هو ابتلاء، ولما بيَّن حال المؤمنين المسارعين في الخيرات فقال سبحانه: {إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون} خائفون {والذين هم بآيات ربهم يؤمنون} يصدقون {والذين هم بربهم لا يشركون} أي يوحدون الله ويعبدونه {والذين يؤتون ما آتوا} أي يعطون ما أعطوا من الزكاة والديون والودائع والأمانات {وقلوبهم وجلة} أي خائفة {إنهم إلى ربهم راجعون} إلى حكمه {أولئك يسارعون في الخيرات} في طاعة الله {وهم لها سابقون} يعني لما علم منهم الأعمال الصالحة حكم لهم بالسعادة، وقيل: إلى الخيرات سابقون، ولها بمعنى إليها، وقيل: من أجل الخيرات سابقون إلى الجنة.

الهواري

تفسير : قال الله: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} أي: وحجّة بينة. {إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلإِيهِ} يعني قومه {فَاسْتَكْبَرُوا} أي: عن عبادة الله {وَكَانُوا قَوْماً عَالِينَ} أي: مشركين. وقال الحسن: مستكبرين في الأرض على الناس. {فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ} كانوا قد استعبدوا بني إسرائيل ووضعوا عليهم الجزية، [وليس يعني أنهم يعبدوننا]. قال الله: {فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ المُهْلَكِينَ} أي: فأهلكهم الله بالغرق. قوله: {وَلَقَد ءَاتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ} أي: التوراة {لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} أي: لكي يهتدوا. قوله: {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ ءَايَةً} يقول: خُلِقَ لا والد له، فهو آية. ووالدته ولدته من غير رجل، فهي آية. قال: {وَءَاوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} قال بعضهم: الرّبوة بيت المقدس. وقال بعضهم: بلغنا أن كعباً قال: هي أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلاً. وقال مجاهد: الربوة بقعة في مكان مرتفع يستقر فيه الماء. وقال الحسن: الربوة: دمشق. قال: {ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ}: {قَرَارٍ} يعني المنازل، و{مَعِينٍ} يعني الماء الذي أصله من العيون، الظاهر الجاري. وقال عكرمة: المعين: الظاهر. وقال الكلبي: المعين: الجاري، وغير الجاري الذي نالته الدلاء.

اطفيش

تفسير : {ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا} كاليد والدم والضفادع وغيرها * {وَسُلْطَاناً مُّبِينٍ} واضحة وهي العصا خصها بعد تعميم لانها ام آيات موسى لاشتمالها على معجزات كانقلابها حية وتلقفها ما القته السحرة وانقلاب البحر وانفجار الحجر عيونا يضربها وكونها حارسة له وشمعة مضيئة وشجرة خضراء مثمرة ودلو وحبلا ويجوز ان يراد بالآيات جمع الآيات العصا وغيرها وبالسلطان المبين الجمع ايضا فالمراد انه ارسلهما بما هو دلائل واضحة يحتج بها ويجوز ان يراد بالآيات الحجج وبالسلطان المعجزات والعكس.

اطفيش

تفسير : {ثم أرْسلنا موسى وأخَاه هارون} تعرض قيل لأخوته إشارة إلى أنه تابع له فى ما أنزل إليه {بآياتنا} آياته التسع {وسُلْطان مبينٍ} حجة واضحة من أبان اللازم، أو مظهرة للحق من أبان المتعدى، قيل: المراد به العصا، خصها بعد تعميم لزيادتها فى الاعجاز، أو الآيات، والسلطان هن التسع، والعطف لتغاير المفهوم، لأنهن أدلة وحجة، أو ذلك تجريد، أى تولد منهن سلطان كقولك جاء زيد وأحمد، تريد واحداً وهو زيد، وعليهما فالإفراد لاتحاد المعنى، ولا يجوز أن تكون الآيات التوراة، لأنها بعد إغراق فرعون، ويجوز أن يكون السلطان المعجزات أو الآيات ما ذكر، والسلطان قوة موسى فى الجدال بالحق.

الالوسي

تفسير : {ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَـٰرُونَ بِـئَايَـٰتِنَا} أي بالآيات المعهودة وهي الآيات التسع وقد تقدم الكلام في تفصيلها وما قيل فيه. و {هَـٰرُونَ} بدل أو عطف بيان، وتعرض لإخوته لموسى عليهما السلام للإشارة إلى تبعيته له في الإرسال {وَسُلْطَـٰنٍ مُّبِينٍ} أي حجة واضحة أو مظهرة للحق، والمراد بها عند جمع العصا، وإفرادها بالذكر مع اندراجها في الآيات لتفردها بالمزايا حتى صارت كأنها شيء آخر، وجوز أن يراد بها الآيات والتعاطف من تعاطف المتحدين في الماصدق لتغاير مدلوليهما كعطف الصفة على الصفة مع اتحاد الذات وقد مر نظيره آنفاً أو هو من باب قولك: مررت بالرجل والنسمة المباركة حيث جرد من نفس الآيات سلطان مبين وعطف عليه مبالغة، والإتيان به مفرداً لأنه مصدر في الأصل أو للاتحاد في المراد، وعن الحسن أن المراد بالآيات التكاليف الدينية وبالسلطان المبين المعجز، وقال أبو حيان: يجوز أن يراد بالآيات نفس المعجزات وبالسلطان المبين كيفية دلالتها لأنها وإن شاركت آيات الأنبياء عليهم السلام في أصل الدلالة على الصدق فقد فارقتها في قوة دلالتها على ذلك وهو كما ترى، ويمكن أن يقال: المراد بالسلطان تسلط موسى عليه السلام في المحاورة والاستدلال على الصانع / عز وجل وقوة الجأش والإقدام.

ابن عاشور

تفسير : الآيات: المعجزات، وإضافتها إلى ضمير الجلالة للتنويه بها وتعظيمها. والسلطان المبين: الحجة الواضحة التي لقنها الله موسى فانتهضت على فرعون وملئه. والباء للملابسة، أي بعثناه ملابساً للمعجزات والحجة. وملأ فرعون: أهل مجلسه وعلماء دينه وهم السحرة. وإنما جعل الإرسال إليهم دون بقية أمة القبط لأن دعوة موسى وأخيه إنما كانت خطابا لفرعون وأهل دولته الذين بيدهم تصريف أمور الأمة لتحرير بني إسرائيل من استعبادهم إياهم قال تعالى: { أية : فاتِياه فَقُولا إنَّا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم } تفسير : [طه: 47]. ولم يرسلا بشريعة إلى القبط. وأما الدعوة إلى التوحيد فمقدمة لإثبات الرسالة لهم. وعطف {فاستكبروا} بفاء التعقيب يفيد أنهم لم يتأملوا الدعوة والآيات والحجة ولكنهم أفرطوا في الكبرياء، فالسين والتاء للتوكيد، أي تكبروا كبرياء شديدة بحيث لم يعيروا آيات موسى وحجته أذناً صاغية. وجملة {وكانوا قوماً عالين} معترضة بين فعل {استكبروا} وما تفرع عليه من قوله {فقالوا} في موضع الحال من فرعون وملئه، أي فاستكبروا بأن أعرضوا عن استجابة دعوة موسى وهارون وشأنهم الكبرياء والعلو، أي كان الكبر خلقهم وسجيتهم. وقد بينا عند قوله تعالى: { أية : لآياتٍ لقوم يعقلون } تفسير : في سورة البقرة (164) أن إجراء وصف على لفظ (قوم) أو الإخبار بلفظ (قوم) متبوع باسم فاعل إنما يقصد منه تمكن ذلك الوصف من الموصوف بلفظ (قوم) أو تمكنه من أولئك القوم. فالمعنى هنا: أن استكبارهم على تلقي دعوة موسى وآياته وحجته إنما نشأ عن سجيتهم من الكبر وتطبعهم. فالعلو بمعنى التكبر والجبروت. وسيجيء بيانه عند قوله: { أية : إن فرعون علا في الأرض } تفسير : في سورة القصص (4). وبين ذلك بالتفريع بقوله: {فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون} فهو متفرّع على قوله {فاستكبروا}، أي استكبر فرعون وملؤه عن اتباع موسى وهارون، فأفصحوا عن سبب استكبارهم عن ذلك بقولهم {أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون}. وهذا ليس من قول فرعون ولكنه قول بعض الملإ لبعض، ولما كانوا قد تراوضوا عليه نسب إليهم جميعاً. وأما فرعون فكان مصغياً لرأيهم ومشورتهم وكان له قول آخر حكي في قوله تعالى: { أية : وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمتُ لكم من إلٰه غيري } تفسير : [القصص: 38] فإن فرعون كان معدوداً في درجة الآلهة لأنه وإن كان بشراً في الصورة لكنه اكتسب الإلهية بأنه ابن الآلهة. والاستفهام في {أنؤمن} إنكاري، أي ما كان لنا أن نؤمن بهما وهما مثلنا في البشرية وليسا بأهل لأن يكونا ابنين للآلهة لأنهما جاءا بتكذيب إلهية الآلهة، فكان ملأ فرعون لضلالهم يتطلبون لصحة الرسالة عن الله أن يكون الرسول مبايناً للمرسل إليهم، فلذلك كانوا يتخيلون آلهتهم أجناساً غريبة مثل جسد آدمي ورأس بقرة أو رأس طائر أو رأس ابن آوى أو جسد أسد ورأس آدمي، ولا يقيمون وزناً لتباين مراتب النفوس والعقول وهي أجدر بظهور التفاوت لأنها قرارة الإنسانيَّة. وهذه الشبهة هي سبب ضلال أكثر الأمم الذين أنكروا رسلهم. واللام في قوله: {لبشرين} لتعدية فعل {نؤمن}. يقال للذي يصدّق المخبر فيما أخبر به: آمن له، فيعدى فعل (آمن) باللام على اعتبار أنه صدّق بالخبر لأجْل المخبر، أي لأجل ثقته في نفسه. فأصل هذه اللام لام العلة والأجْل. ومنه قوله تعالى: { أية : فآمن له لوط } تفسير : [العنكبوت: 26] وقوله: { أية : وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون } تفسير : [الدخان: 21]. وأما تعدية فعل الإيمان بالباء فإنها إذا علق به ما يدل على الخبر تقول: آمنت بأن الله واحد. وبهذا ظهر الفرق بين قولك: آمنت بمحمد وقولك: آمنت لمحمد. فمعنى الأول: أنك صدقت شيئاً. ولذلك لا يقال: آمنت لله وإنما يقال: آمنت بالله. وتقول: آمنت بمحمد وآمنت لمحمد. ومعنى الأول يتعلق بذاته وهو الرسالة ومعنى الثاني أنك صدقته فيما جاء به. و{مثلنا} وصف {لبشرين} وهو مما يصح التزام إفراده وتذكيره دون نظر إلى مخالفة صيغه موصوفه كما هنا. ويصح مطابقته لموصوفه كما في قوله تعالى: { أية : إن الذين تدعون من دون الله عبادٌ أمثالُكم } تفسير : [الأعراف: 194]. وهذا طعن في رسالتهما من جانب حالهما الذاتي ثم أعقبوه بطعن من جهة منشئهما وقبيلهما فقالوا: {وقومهما لنا عابدون}، أي وهم من فريق هم عباد لنا وأحط منا فكيف يسوداننا. وقوله: {عابدون} جمع عابد، أي مطيع خاضع. وقد كانت بنو إسرائيل خَوَلاً للقبط وخدماً لهم قال تعالى: { أية : وتلك نعمة تمنُّها عليّ أن عبَّدت بني إسرائيل } تفسير : [الشعراء: 22]. وتفرع على قولهم التصميمُ على تكذيبهم إياهما المحكي بقوله {فكذبوهما}، أي أرسى أمرهم على أن كذبوهما، ثم فرّعَ على تكذيبهم أن كانوا من المهلكين إذ أهلكهم الله بالغرق، أي فانتظموا في سلك الأقوام الذين أهلكوا. وهذا أبلغ من أن يقال: فأهلكوا، كما مر بنا غير مرة. والتعقيب هنا تعقيب عرفي لأن الإغراق لما نشأ عن التكذيب فالتكذيب مستمر إلى حين الإهلاك. وفي هذا تعريض بتهديد قريش على تكذيبهم رسولهم صلى الله عليه وسلم لأن في قوله: {من المهلكين} إيماء إلى أن الإهلاك سنة الله في الذين يكذبون رسله.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: بآياتنا وسلطان مبين: الآيات هي التسع الآيات وهي الحجة والسلطان المبين. وكانوا قوماً عالين: أي علوا أهل تلك البلاد قهراً واستبداداً وتحكماً. وقومهما لنا عابدون: أي مطيعون ذليلون نستخدمهم فيما نشاء وكيف نشاء. ولقد آتينا موسى الكتاب: أي التوراة. وجعلنا ابن مريم: أي عيسى حجة وبرهاناً على وجود الله وقدرته وعلمه ووجوب توحيده. إلى ربوة ذات قرار ومعين: إلى مكان مرتفع ذي استقرار وفيه ماء جار عذب وفواكه وخضر. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في ذكر نبذ من قصص الأولين للعظة والاعتبار، ولإِقامة الحجة على مشركي قريش فقال تعالى: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} أي بعد تلك الأمم الخالية أرسلنا موسى بن عمران وأخاه هارون بسلطان مبين أي بحجج وبراهين بينة دالة على صدق موسى وما يدعو إليه من عبادة الله وتوحيده فيها والخروج ببني إسرائيل إلى الأرض المباركة أرض الشام إلى فرعون ملك مصر يومئذ وملئه من أشراف قومه وعليتهم فاستكبروا عن قبول دعوة الحق وكانوا عالين على أهل تلك البلاد فاهرين لها مستبدين بها وقالوا رداً على دعوة موسى وهارون ما أخبر تعالى به في قوله: {فَقَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ} أي خاضعون مطيعون. هكذا أعلنوا متعجبين من دعوة موسى وهارون إلى الإِيمان برسالتهما فقالوا: أنؤمن لبشر من مثلنا أي كيف يكون هذا أنتبع رجلين مثلنا فنصبح نأتمر بأمرهما وننتهي بنهيهما وكيف يتم ذلك وقومهما يعنون بني إسرائيل لنا عابدون. أي خاضعون لنا ومطيعون لأمرنا ونهينا. قال تعالى: {فَكَذَّبُوهُمَا}، فيما دعواهما إليه من الإِيمان والتوحيد وإرسال بني إسرائيل معهما إلى أرض الميعاد فترتب على تكذيبهم لرسولي الله موسى وهارون هلاكهم فكانوا من المهلكين حيث أغرقهم الله أجمعين، وقوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ}، ويخبر تعالى أنه بعد إهلاك فرعون ونجاة بني إسرائيل آتى موسى التوراة من أجل هداية بني إسرائيل عليها لأنها تحمل النور والهدى. هذه أيادي الله على خلقه وآياته فيهم فسبحانه من إله عزيز رحيم. وقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ} أي جعل عيسى ووالدته مريم {آيَةً} حيث خلق عيسى من غير أب فهي آية دالة على قدرة الله وعلمه ورحمته وحكمته وهذه موجبة الإِيمان به عبادته وتوحيده والتوكل عليه والإِنابة والتوبة إليه. وقوله تعالى: {وَآوَيْنَاهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} أي أنزلنا مريم وولدها بعد اضطهاد اليهود لهما ربوة عالية صالحة للإِستقرار عليها بها فاكهة وماء عذب جار إكرام الله تعالى له ولوالدته فسبحان المنعم على عباده المكرم لأوليائه. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير نبوة كل من موسى وأخيه هارون عليهما السلام. 2- التنديد بالإِستكبار، وأنه علة مانعة من قبول الحق. 3- مظاهر قدرة الله وعلمه ورحمته في إرسال الرسل بالآيات وفي إهلاك المكذبين. 4- آية ولادة عيسى من غير أب مقررة قدرة الله تعالى على إحياء الموتى، وبعث الناس من قبورهم للحساب والجزاء.

د. أسعد حومد

تفسير : {هَارُونَ} {بِآيَاتِنَا} {وَسُلْطَانٍ} (45) - ثُمَّ بَعَثَ اللهُ تَعَالَى، بَعْدَ الرُّسُلِ الذينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ، مُوسَى وَهَارُونَ بالآيَاتِ، والحُجَجِ الدَّامِغَاتِ، والبَرَاهِينِ القَاطِعَاتِ. سُلْطَانٍ مُبِينٍٍ - بُرْهَانٍ مُبِينٍ مُظْهرٍ لِلْحَقِّ.

الثعلبي

تفسير : {ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَٱسْتَكْبَرُواْ} تعظّموا عن الإيمان {وَكَانُواْ قَوْماً عَالِينَ} متكّبرين، قاهرين غيرهم بالظلم، نظيرها {أية : إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [القصص: 4]. {فَقَالُوۤاْ} يعني فرعون وقومه {أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا} فنتّبعهما {وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ} مطيعون متذللّون، والعرب تسمّي كلّ من دان لملك عابداً له، ومن ذلك قيل لأهل الحيرة: العباد لأنّهم كانوا أهل طاعة لملوك العجم. {فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُواْ مِنَ ٱلْمُهْلَكِينَ} بالغرق {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ} التوراة {لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} لكي يهتدي بها قومه فيعملوا بما فيها {وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً} دلالة على قدرتنا، وكان حقّه أن يقول آيتين كما قال الله سبحانه {أية : وَجَعَلْنَا ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ آيَتَيْنِ}تفسير : [الإسراء: 12] واختلف النحاة في وجهها، فقال بعضهم: معناه: وجعلنا كل واحد منهما آية كما قال سبحانه {أية : كِلْتَا ٱلْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا}تفسير : [الكهف: 33] أي آتت كلّ واحدة أُكلها وقال {أية : إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ}تفسير : [المائدة: 90] ولم يقل أرجاس، وقال بعضهم: معناه: جعلنا شأنهما واحداً لأنّ عيسى ولد من غير أب، وأُمّه ولدت من غير مسيس ذكر. {وَآوَيْنَاهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ}. أخبرنا أبو صالح منصور بن أحمد المشطي قال: أخبرنا أبو محمد عبدالله بن محمد بن عبد الله الرازي قال: أخبرنا سلمان بن علي قال: أخبرنا هشام بن عمار قال: حدّثنا عبد المجيد عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب عن عبد الله بن سلام في قول الله سبحانه {وَآوَيْنَاهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} قال: دمشق، وقال أبو هريرة: هي الرملة، قتادة وكعب: بيت المقدس، قال كعب: وهي أقرب الأرض الى السماء بثمانية عشر ميلاً. ابن زيد: مصر، الضحّاك: غوطة دمشق، أبو العالية: إيليا وهي الأرض المقدسة، ويعني بالقرار الأرض المستوية والساحة الواسعة، والمعين: الماء الظاهر لعين الناظر، وهو مفعول من عانه يعينه إذا أدركه البصر ورآه، ويجوز أن يكون فعيلاً مَعَنَ يمعن فهو مَعين من الماعون. {يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ} يعني من الحلالات، يعني: وقلنا لعيسى: كلوا من الطيبات، وهذا كما يقال في الكلام للرجل الواحد: أيّها القوم كفّوا عنّا أذاكم، ونظائرها في القرآن كثيرة. قال عمرو بن شريل: كان يأكل من غزل أُمّه، وقال الحسن ومجاهد: المراد به محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. {وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَـٰذِهِ} قرأه أهل الكوفة بكسر الألف على الابتداء، وقرأ ابن عامر بفتح الألف وتخفيف النون جعل إنّ صلة مجازه: وهذه أُمتّكم، وقرأ الباقون بفتح الألف وتشديد النون على معنى هذه، ويجوز أن يكون نصباً بإضمار فعل، أي واعلموا أنّ هذه {أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} أي ملّتكم ملّة واحدة وهي دين الإسلام. {وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ * فَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً} قرأه العامة بضم الباء يعنى كتباً، جمع زبور بمعنى: دان كلّ فريق منهم بكتاب غير الكتاب الذي دان به الآخر، قاله مجاهد وقتادة، وقيل: معناه فتفرقوا دينهم بينهم كتباً أحدثوها يحتجون فيها لمذاهبهم، قاله قتادة وابن زيد، وقرأ أهل الشام بفتح الباء أي قطعاً وفرقاً كقطع الحديد، قال الله سبحانه {أية : آتُونِي زُبَرَ ٱلْحَدِيدِ}تفسير : [الكهف: 96]. {كُلُّ حِزْبٍ} جماعة {بِمَا لَدَيْهِمْ} عندهم من الدين {فَرِحُونَ} معجبون مسرورون {فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ} قال ابن عباس: كفرهم وضلالتهم، ابن زيد: عماهم، ربيع: غفلتهم {حَتَّىٰ حِينٍ} إلى وقت مجيء آجالهم. {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ} نعطيهم ونزيدهم {مِن مَّالٍ وَبَنِينَ} في الدنيا {نُسَارِعُ} نسابق {لَهُمْ فِي ٱلْخَيْرَاتِ} ومجاز الآية: أيحسبون ذلك مسارعة لهم في الخيرات، وقرأ عبد الرَّحْمن ابن أبي بكر: يُسارَع على مالم يسم فاعله، والصواب قراءة العامة لقوله سبحانه {نُمِدُّهُمْ}. {بَل لاَّ يَشْعُرُونَ} أنَّ ذلك استدراج لهم، ثمَّ بيّن المسارعين الى الخيرات فقال عزَّ من قائل {إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ * وَٱلَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبَّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَٱلَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ * وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ} يعطون ما أعطوا من الزكوات والصدقات، هذه قراءة أهل الامصار وبه رسوم مصاحفهم. أخبرنا عبد الخالق بن علي قال: أخبرنا إسماعيل بن نجية قال: حدّثنا محمد بن عمار بن عطية قال: حدَّثنا أحمد بن يزيد الحلواني قال: حدّثنا خلاد عن إبراهيم بن الزبرقان عن محمد ابن حمّاد عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها حديث : أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ {والذين يأتون ما آتوا من المجيء} . تفسير : وأخبرنا الحاكم أبو منصور حمد بن أحمد البورجاني قال: حدَّثنا علي بن أحمد بن موسى الفارسي قال: حدّثنا محمد بن الفضيل قال: حدّثنا أبو أُسامة قال: حدّثني ملك بن مغول قال: سمعت عبد الرَّحْمن بن سعيد الهمداني ذكر حديث : أنّ عائشة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} أهو الذي يزني ويشرب الخمر وهو على ذلك يخاف الله؟ قال: "لا يا ابنة الصدّيق ولكن هو الذي يصوم ويصلي ويتصدق وهو على ذلك يخاف الله سبحانه" .

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : تكررت قصة موسى - عليه السلام - كثيراً ومعه أخوه هارون، كما قال: {أية : ٱشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِيۤ أَمْرِي} تفسير : [طه: 31-32] والبعض يظن أن موسى جاء برسالة واحدة، لكنه جاء برسالتين: رسالة خاصة إلى فرعون ملخّصها: {أية : فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ ..} تفسير : [طه: 47]. وجاء له بمعجزات تثبت صِدْق رسالته من الله، ولم يكن جدال موسى لفرعون في مسألة الإيمان جزءاً من هذه الرسالة، إنما جاء هكذا عرضاً في المناقشة التي دارتْ بينهما. والرسالة الأخرى هي رسالته إلى بني إسرائيل متمثلة في التوراة. وقوله: {بِآيَاتِنَا ..} [المؤمنون: 45] قلنا: إن الآيات جمع آية، وهي الشيء العجيب الملفت للنظر الفائق على نظرائه وأقرانه، والذي يكرم ويفتخر به. والآيات إما كونية دالّة على قدرة الله في الخَلْق كالشمس والقمر .. إلخ كما قال سبحانه: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلَّيلُ وَٱلنَّهَارُ ..} تفسير : [فصلت: 37]. ومهمة هذه الآيات الكونية أنْ تلفت نظر المخلوق إلى بديع صنع الخالق وضرورة الإيمان به، فمنها نعلم أن وراء الكون البديع خالقاً وقوة تمده وتديره، فَمنْ يمدُّ هذه الشمس بهذه القوة الهائلة؟ إن التيار الكهربائي إذا أنقطع تُطْفأ هذه اللمبة، فمَنْ خلق الشمس من عدم، وأمدِّها بالطاقة من عدم؟ إذن: وراء هذا الكون قوة ما هي؟ وماذا تطلب منا؟ وهذه مهمة الرسول أنْ يُبلغنا، ويُجيب لنا عن هذه الأسئلة. وتُطلق الآية أيضاً على المعجزة التي تثبت صِدْق الرسول في البلاغ عن الله. وتُطلق الآية على آيات القرآن الحاملة للأحكام والحاوية لمنهج الله إلى خَلْقه. ثم يقول تعالى: {وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} [المؤمنون: 45] فعطف {وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} [المؤمنون: 45] على {بِآيَاتِنَا ..} [المؤمنون: 45] وهذا من عطف الصفة على الموصوف لمزيد اختصاص؛ لأن الآيات هي السلطان، فالسلطان: الحجة. والحجة على الوجود الأعلى آيات الكون، والحجة على صِدْق الرسول المعجزات، والحجة على الأحكام الآيات الحاملة لها. وسَمَّى معجزة موسى عليه السلام (العصا) سلطاناً مبيناً أي: محيطاً؛ لأنها معجزة متكررة رأينا لها عدة حالات: فهذه العصا الجافة مرة تنقلب إلى حيّة تلقَفُ الحيّات، ومرة يضرب بها البحر فينفلق، ومرة يضرب بها الحجر فيتفجر منه الماء، وفوق ذلك قال عنها: {أية : وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ} تفسير : [طه: 18]. ومن معاني السلطان: القَهْر على عمل شيء أو الإقناع بالحجة لعمل هذا الشيء، لذلك كانت حجة إبليس الوحيدة يوم القيامة أن يقول لأتباعه: {أية : وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي ..} تفسير : [إبراهيم: 22] يعني: كنتم رَهْن الإشارة، إنما أنا لا سلطان لي عليكم، لا سلطانَ قهر، ولا سلطان حجة. لذلك قال في النهاية: {أية : مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ ..} تفسير : [إبراهيم: 22] والإنسان يصرخ إذا فزَّعه أمر لا حيلة له به، فيصرخ استنفاراً لمعين يُعينه، فمَنْ أسرع إليه وأعانه يقال: أصرخه. يعني: أزال سبب صراخه.

الجيلاني

تفسير : {ثُمَّ} بعد انقراض أولئك الحمقى والهلكى {أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَارُونَ} ليكون رداءاً له وظهيراً مؤيدَين {بِآيَاتِنَا} الدالة على كمال قدرتنا ومتانة صنعنا وحكمتنا؛ لتكون معجزةً خارقةً للعادة، صادرةً عنه، ملزمةً لمن يقابله {وَ} مع ذلك قويناهما بورود {سُلْطَانٍ مُّبِينٍ} [المؤمنون: 45] أي: برهانٍ عقليٍ وحجةٍ واضحةٍ ساطعةٍ قاطعةٍ. {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} أشراف قومه، فبلّغا الموحى به إليهم، وأظهروا الدعوة عندهم {فَٱسْتَكْبَرُواْ} عن قبوله عناداً وعتواً {وَ} هم {كَانُواْ} في أنفسهم {قَوْماً عَالِينَ} [المؤمنون: 46] متجبرين متكبرين. وترقى أمر فرعون في الاستكبار إلى أن ادعى الربوبية والألوهية لنفسه {فَقَالُوۤاْ} بعدما سمعوا منهما ما سمعوا من الإيمان بالله، والدعوة إلى توحيده، والإتيان بالأعمال الصالحة، والامتثال بالأوامر والاجتناب عن النواهي المنزلة في التوراة متشاورين بينهم مستبعدين عن أمرهما منهمكين معهما مستهزئين: {أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ} ونقبل منهما قولهما مع أنهما {مِثْلِنَا} في البشرية، ولا مزيةَ لهما علينا بالمال والكمال {وَ} لا بالنسب؛ إذ {قَوْمُهُمَا} الذين انتشأ منهم {لَنَا عَابِدُونَ} [المؤمنون: 47] إلى الآن ونحن أربابهم مسلطون عليهم، فكيف نؤمن ونقاد لهما بلا شرفهما حسباً ونسباً؟!. {فَكَذَّبُوهُمَا} أشدَّ تكذيب وأنكروا عليهما، ونسبوا ما أتيا من الحجج والمعجزات إلى السحر والشعبذة، وظهروا عليهما ونسبوا ما أتيا من الحجج والمعجزات إلى السحر والشعبذة، وظهروا عليهما بأشد العدوة والخصومات {فَكَانُواْ} بالآخرة بواسطة إنكارهم وتكذيبهم {مِنَ ٱلْمُهْلَكِينَ} [المؤمنين: 48] المستأصلين بالإغراق في بحرٍ قلزم أو النيل. {وَ} اذكر يا أكمل الرسل {لَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ} من كمال جودنا ولطفنا معه {ٱلْكِتَابَ} أي: التوراة الجامع لإصلاح الظاهر والباطن {لَعَلَّهُمْ} أي: قوم موسى {يَهْتَدُونَ} [المؤمنون: 49] به إلى مقر التوحيد. {وَ} بعد انقضاء زمن موسى وانقراض أعدائه {جَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ} عيسى صلوات الرحمن عليه {وَأُمَّهُ}. رضي الله عنها. أي: كل واحدٍ منهما {آيَةً} دالةً على كمال قدرتنا وبدائع حكمتنا وغرائب صنعنا وقدرتنا، جعلنا لعيسى من الخوارق والمعجزات ما لايخفى، ولمريم أيضاً من الكرامات والإرهاصات الخارقة للعادة منها: الحمل بلا مسيس زوج، وسقوطُ الثمرة من النخلة اليابسة لأجلها في محل الشتاء، وحضورُ أنواع الأطعمة والفواكه عندها حال كونها في المحراب والأبواب مغلقة عليه مع أنها ما تشِبَّه بأطعمة الدنيا وفواكهها، وغيرُ ذلك من الإرهاصات الغريبة. {وَ} بعدما أخرجهما الجاهلون عن منزلهما {آوَيْنَاهُمَآ} أي: أرجعناهما {إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} [المؤمنونن: 50] أي: إلى مكانٍ مرتفعٍ من الأ{ض، كثيرِ المأكل والمشارب يتنعم ويترفه ساكنوها فيها بلا ترددٍ واضطرابٍ في أمر المعاش، قيل: هي بيت المقدس أو دمشق. ثم قال سبحاه مخاطباً لقاطبة رسله وأنبيائه أصالةً، ولأممهم تبعاً منادياً لهم إسقاطاً منهم الرهبانية والزهدَ المفرط المؤديَ إلى تخريب الجسد وضعفِ القوى المدركة والمحركة عن مقتضاها، وكذا جميع الآلات والجوارح المعمولة بها: {يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ} يعني: نادى سبحانه كل واحد منهم في زمانه {كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ} التي أنتجنا لكم مقدارَ ما يسدُّ جوعتكم، ويعتدلُ به مزاجكم، وأطيبُ مطاعمكم كسبُ أيديكم {وَ} بعدما اعتدل مزاجكم وقويَ قواكم {ٱعْمَلُواْ} عملاً {صَالِحاً} مقرِّباً لكم إلينا، مصلِحاً لما في نفوسكم من مفاسد الأهوية الفاسدة وتسويلات الشياطين {إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ} على وجه الإخلاص {عَلِيمٌ} [المؤمنون: 51] أُجازيكم عليه، سواءً تزهدون وتترهبون أو لا.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن حال السعداء والأشقياء بقوله تعالى: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا} [المؤمنون: 45] {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} [المؤمنون: 46] يشير إلى أن إرسال موسى الروح وأخيه هارون القلب {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ} النفس {وَمَلَئِهِ} صفاتها بما يستدل بها على وحدانيته وهو العقل والإيمان {فَٱسْتَكْبَرُواْ} أي: تمردوا على استعمال العقول في قبول الإيمان ولم يعتبروا بهما ولم يستدلوا {وَكَانُواْ قَوْماً عَالِينَ} أي: طالبين العلو والغلبة والاستيلاء على الروح والقلب، فنظروا إليهما بنظر معلوم بالوهم والخيال وحقروهما. {فَقَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ} [المؤمنون: 47] أي نستسلم {لِبَشَرَيْنِ} مخلوقين {مِثْلِنَا} في الخلفية {وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ} أي: في أوان الولادة وحالة الطفولة كانت صفات الروح إلى حد البلوغ وليستعدوا حمل أعباء التكاليف الشرعية {فَكَذَّبُوهُمَا} ولم يقبلوا دعوتهما إلى الحق {فَكَانُواْ مِنَ ٱلْمُهْلَكِينَ} بعبادة الهوى وطلب الدنيا وشهواتها. {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ} [المؤمنون: 49] أي: ألهمنا موسى الروح إلهامات ربانية {لَعَلَّهُمْ} النفس وصفاتها بها {يَهْتَدُونَ} إلى الحق تعالى وطلبه. وبقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً} [المؤمنون: 50] يشير إلى عيسى الروح الذي تولد من أمر كم بلا أب من عالم الأسباب، وهو أعظم آيات الله المخلوقة التي تدل على ذات الله معرفة؛ لأن خليفة الله وروح منه {وَآوَيْنَاهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍ} القالب، فإنه مأوى الروح الآمر بالأوامر والنواهي {ذَاتِ قَرَارٍ} أي: هو منزلهما ودار قرارهما يعني ما دام القالب يكون مأوى الروح فالروح تكون مأوى الأمر ومقره بألا يسقط عنه التكاليف {وَمَعِينٍ} وأما المعين فهو عين الحال الجارية في القلب وعلى اللسان.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : مر عليَّ منذ زمان طويل كلام لبعض العلماء لا يحضرني الآن اسمه، وهو أنه بعد بعث موسى ونزول التوراة، رفع الله العذاب عن الأمم، أي: عذاب الاستئصال، وشرع للمكذبين المعاندين الجهاد، ولم أدر من أين أخذه، فلما تدبرت هذه الآيات، مع الآيات التي في سورة القصص، تبين لي وجهه، أما هذه الآيات، فلأن الله ذكر الأمم المهلكة المتتابعة على الهلاك، ثم أخبر أنه أرسل موسى بعدهم، وأنزل عليه التوراة فيها الهداية للناس، ولا يرد على هذا، إهلاك فرعون، فإنه قبل نزول التوراة، وأما الآيات التي في سورة القصص، فهي صريحة جدا، فإنه لما ذكر هلاك فرعون قال: {أية : وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } تفسير : فهذا صريح أنه آتاه الكتاب بعد هلاك الأمم الباغية، وأخبر أنه أنزله بصائر للناس وهدى ورحمة، ولعل من هذا، ما ذكر الله في سورة " يونس " من قولة: { ثم بعثنا من بعده } أي: من بعد نوح { رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل كذلك نطبع على قلوب المعتدين * ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون } الآيات والله أعلم. فقوله { ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى } بن عمران كليم الرحمن { وَأَخَاهُ هَارُونَ } حين سأل ربه أن يشركه في أمره فأجاب سؤله. { بِآيَاتِنَا } الدالة على صدقهما وصحة ما جاءا به { وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ } أي حجة بينة من قوتها أن تقهر القلوب وتتسلط عليها لقوتها فتنقاد لها قلوب المؤمنين وتقوم الحجة البينة على المعاندين وهذا كقوله {أية : وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ } تفسير : ولهذا رئيس المعاندين عرف الحق وعاند {أية : فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ } تفسير : أي بتلك الآيات البينات {أية : فَقَالَ له فِرْعَوْنُ إِنِّي لأظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا } تفسير : فـ { قال } موسى {أية : قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزلَ هَؤُلاءِ إِلا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لأظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا } تفسير : وقال تعالى {أية : وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا } تفسير : وقال هنا { ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ } كـ " هامان " وغيره من رؤسائهم { فَاسْتَكْبَرُوا } أي تكبروا عن الإيمان بالله واستكبروا على أنبيائه { وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ } أي وصفهم العلو والقهر والفساد في الأرض فلهذا صدر منهم الاستكبار ذلك غير مستكثر منهم. { فَقَالُوا } كبرا وتيها وتحذيرا لضعفاء العقول وتمويها { أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا } كما قاله من قبلهم سواء بسواء تشابهت قلوبهم في الكفر فتشابهت أقوالهم وأفعالهم وجحدوا منة الله عليهما بالرسالة. { وَقَوْمُهُمَا } أي بنو إسرائيل { لَنَا عَابِدُونَ } أي معبدون بالأعمال والأشغال الشاقة كما قال تعالى {أية : وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ }. تفسير : فكيف نكون تابعين بعد أن كنا متبوعين؟" وكيف يكون هؤلاء رؤساء علينا؟" ونظير قولهم قول قوم نوح {أية : أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ } {أية : وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ } تفسير : من المعلوم أن هذا لا يصلح لدفع الحق وأنه تكذيب ومعاندة. ولهذا قال { فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ } في الغرق في البحر وبنو إسرائيل ينظرون. { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى } بعدما أهلك الله فرعون وخلص الشعب الإسرائيلي مع موسى وتمكن حينئذ من إقامة أمر الله فيهم وإظهار شعائره وعده الله أن ينزل عليه التوراة أربعين ليلة فذهب لميقات ربه قال الله تعالى {أية : وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الألْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ } تفسير : ولهذا قال هنا { لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ } أي بمعرفة تفاصيل الأمر والنهي والثواب والعقاب ويعرفون ربهم بأسمائه وصفاته.