Verse. 2722 (AR)

٢٣ - ٱلْمُؤْمِنُون

23 - Al-Mu'minoon (AR)

وَلَقَدْ اٰتَيْنَا مُوْسَى الْكِتٰبَ لَعَلَّہُمْ يَہْتَدُوْنَ۝۴۹
Walaqad atayna moosa alkitaba laAAallahum yahtadoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولقد آتينا موسى الكتاب» التوراة «لعلهم» قومه بني إسرائيل «يهتدون» به من الضلالة، وأوتيها بعد هلاك فرعون وقومه جملة واحدة.

49

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ} يعني التوراة؛ وخصّ موسى بالذكر لأن التوراة أنزلت عليه في الطور، وهارون خليفة في قومه. ولو قال: «ولقد آتيناهما» جاز؛ كما قال: {أية : وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ ٱلْفُرْقَانَ} تفسير : [الأنبياء: 48].

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَٰبَ } التوراة {لَعَلَّهُمْ } أي قومه بني إسرائيلَ {يَهْتَدُونَ } به من الضلالة، وأوتيها بعد هلاك فرعون وقومه جملة واحدة.

ابن عطية

تفسير : {الكتاب} التوراة، و {لعلهم} يريد بني إسرائيل لأن التوراة إنما نزلت بعد هلاك فرعون والقبط، والترجي في "لعل" في حيز البشر أَي كان من فعلنا معهم ما يرجو معه ابن آدم إيمانهم وهداهم والقضاء قد حتم بما حتم، و {ابن مريم}، عيسى عليه السلام وقصتهما كلها آية عظمى بمجموعها وهي آيات مع التفصيل وأخذها من كلا الوجهين متمكن، و"آوى" معناه ضم واستعمل اللفظة في الأماكن أي أقررناهما، و"الربوة" المرتفع من الأرض، وقرأ جمهور الناس "رُبوة" بضم الراء، وقرأ عاصم وابن عامر بفتحها وهي قراءة الحسن وأبي عبد الرحمن، وقرأ ابن عباس ونصر عن عاصم بكسرها، وقرأ محمد بن إسحاق "رُباوة" بضم الراء، وقرأ الأشهب العقيلي بفتحها، وقرأت فرقة بكسرها وكلها لغات قرىء بها، و"القرار"، التمكن فمعنى هذا أَنها مستوية بسيطة للحرث والغراسة قاله ابن عباس، وقال قتادة "القرار" هنا الحبوب والثمار، ومعنى الآية أنها من البقاع التي كملت خصالها فهي أَهل أَن يستقر فيها وقد يمكن أَن يستقر على الكمال في البقاع التي ماؤها آبار فبين بعد أَن ماء هذه الربوة يرى معيناً جارياً على وجه الأرض قاله ابن عباس وهذا كمال الكمال، و"المعين"، الظاهر الجري للعين فالميم زائدة وهو الذي يعاين جريه لا كالبئر ونحوه، وكذلك أدخل الخليل وغيره هذه اللفظة في باب. ع، ي، ن، وقد يحتمل أن تكون من قولهم معن الماء إذا كثر، ومنه قولهم المعن المعروف والجود، فالميم فاء الفعل، وأنشد الطبري على هذا قول عبيد بن الأبرص: شعر : واهية أو معين ممعن وهضبة دونها لهوب تفسير : وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يرحم الله هاجر لو تركت زمزم لكانت عيناً معيناً تفسير : ، وهذا يحتمل الوجهين، وهذه الربوة هي الموضع الذي فرت إليه مريم حين استحيت في قصة عيسى عليه السلام وهو الذي قيل لها فيه {أية : قد جعل ربك تحتك سريا} تفسير : [مريم: 24] هذا قول بعض المفسرين واختلف الناس في موضع الربوة فقال: ابن المسيب سعيد: هي الغوطة بدمشق وهذا أشهر الأقوال لأن صفة الغوطة أنها {ذات قرار ومعين} على الكمال، وقال أبو هريرة هي الرملة من فلسطين وأسنده الطبري عن كريب البهزي عن النبي عليه السلام، ويعارض هذا القول أن الرملة ليس يجري بها ماء البتة وذكره الطبري وضعف القول به، وقال كعب الأحبار "الربوة" بيت المقدس وزعم أن في التوراة أن بيت المقدس أقرب الأرض إلى السماء وأنه يزيد على أَعلى الأرض ثمانية عشر ميلاً. ع ويترجح أن "الربوة" بيت لحم من بيت المقدس لأن ولادة عيسى هنالك كانت، وحينئذ كان الإيواء، وقال ابن زيد "الربوة" بأرض مصر وذلك أنها رُبا يجيء فيض النيل إليها فيملأ الأرض ولا ينال تلك الربا وفيها القرى وبها نجاتها ع ويضعف هذا القول أنه لم يرو أَن عيسى عليه السلام ومريم كاناً بمصر ولا حفظت لهما بهما قصة وقوله {يا أيها الرسل}، يحتمل أن يكون معناه وقلنا يا أيها الرسل فتكون هذه بعض القصص التي ذكر وكيفما حول المعنى فلم يخاطبوا قط مجتمعين، وإنما خوطب كل واحد في عصره، وقالت فرقة: الخطاب بقوله {يا أيها الرسل} لمحمد عليه السلام، ثم اختلفت فقال بعضها: أقامه مقام الرسل كما قال: الذين قال لهم الناس، وقيل غير هذا مما لا يثبت مع النظر، والوجه في هذا أن يكون الخطاب لمحمد وخرج بهذه الصيغة ليفهم وجيزاً أن هذه المقالة قد خوطب بها كل نبي أو هي طريقتهم التي ينبغي لهم الكون عليها وهذا كما تقول لتاجر يا تجار ينبغي أن تجتنبوا الربا فأنت تخاطبه بالمعنى، وقد اقترن بذلك أَن هذه المقالة تصلح لجميع صنفه، وقال الطبري: الخطاب بقوله {يا أيها الرسل} لعيسى، وروي أنه كان يأكل من غزل أمه، والمشهور عنه أَنه كان يأكل من بقل البرية، ووجه خطابه لعيسى ما ذكرناه من تقدير لمحمد صلى الله عليه وسلم، و {الطيبات} هنا الحلال ملذة وغير ذلك، وفي قوله {إني بما تعلمون عليم} تنبيه ما على التحفظ وضرب من الوعيد بالمباحثة صلى الله على جميع رسله وأنبيائه وإذا كان هذا معهم فما ظن كل الناس بأنفسهم.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَـٰبَ} يعني: التوراة، و {لَعَلَّهُمْ} يريد: بني إسرائيل؛ لأَنَّ التوراة إنَّما نزلت بعد هلاكِ فرعونَ والقِبْطِ، والربوة: المُرْتَفِعُ من الأرض، والقرار: التَّمَكُّنُ، وَبَيِّنٌ أَنَّ ماء هذه الربوة يرى معيناً جارياً على وجه الأرض؛ قاله ابن عباس، والمعين: الظاهِرُ الجري للعينِ، فالميم زائدة، وهو الذي يُعَايَنُ جريُه، لا كالبئرِ ونحوِهِ، ويحتمل أن يكون من قولهم: معن الماء إذَا كَثُرَ، وهذه الربوة هي الموضع الذي فَرَّتْ إليه مريمُ وقتَ وضع عيسى عليه السلام هذا قولُ بعضِ المفسرين، واختلف الناسُ في موضع الربوة، فقال ابن المُسَيِّبِ: هي الغُوطَةُ بدمشق وهذا أشهر الأقوال؛ لأَنَّ صفة الغُوطَةِ أَنَّها ذات قرار ومعين على الكمال. وقال كَعْبُ الأَحْبَارِ: الربوة بيت المَقْدِسِ، وزعم أَنَّ في التوراة أَنَّ بيتَ المقدس أَقْرَبُ الأرض إلى السماء وأَنَّهُ يزيد على الأرض ثمانية عشر ميلاً. قال * ع *: ويترجَّحُ: أَنَّ الربوة في بَيْتِ لَحْمٍ من بيت المقدس؛ لأَنَّ ولادة عيسى هنالك كانت، وحينئذٍ كان الإيواءُ، وقال ٱبن العربيِّ في «أحكامه»: اختلف الناس في تعيين هذه الربوة على أقوال منها: ما تُفسِّرُ لغةً ومنها: ما تُفَسَّرُ نقلاً، فيفتقر إلى صحة سندهِ إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلاَّ أَنَّ ها هنا نُكْتَةً، وذلك أَنَّه إذا نُقِلَ لِلنَّاسِ نَقْلَ تواتر أَنَّ هذا موضِعُ كذا، وأَنَّ هذا الأَمرَ جرى كذا ـــ وقع العلم به، ولَزِمَ قبولهُ, لأَنَّ الخبر المتواتر ليس من شرطه الإِيمانُ، وخبرَ الآحاد لا بدَّ من كون المُخْبِرِ به بصفة الإيمان؛ لأَنَّهُ بمنزلة الشاهد، والخَبَرَ المتواتر بمنزلة العيانِ، وقد بَيَّنَا ذلك في «أصول الفقه»، والذي شاهدتُ عليه الناسَ ورأيتهم يعينونه تعيينَ تواترٍ ـــ مَوْضِعٌ في سفح الجبل في غربيِّ دمشق، انتهى، وما ذكره: من أَنَّ التواتُرَ ليس من شرطه الإيمانُ هذا هو الصحيح، وفيه خلاف إلاَّ أَنَّا لا نُسَلِّم أَنَّ هذا متواتر؛ لاختلال شرطه، انظر «المنتهى» لابن الحاجب.

البقاعي

تفسير : ولما كان ضلال قومهما الذين استنقذناهم من عبودية فرعون وقومه أعجب، وكان السامع متشوفاً إلى ما كان من أمرهم بعد نصرهم، ذكر ذلك مبتدئاً له بحرف التوقع مشيراً إلى حالهم في ضلالهم تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: {ولقد آتينا} أي بعظمتنا {موسى الكتاب} أي الناظم لمصالح البقاء الأول بل والثاني. ولما كان كتابهم لم ينزل إلا بعد هلاك فرعون كما هو واضح لمن تأمل أشتات قصتهم في القرآن، وكان حال هلاك القبط معرفاً أن الكتاب لبني إسرائيل، اكتفى بضميرهم فقال: {لعلهم} اي قوم موسى وهارون عليهما السلام {يهتدون*} أي ليكون حالهم عند من لا يعلم العواقب حال من ترجى هدايته، فأفهم جعلهم في ذلك في مقام الترجي أن فيهم من لم يهتد؛ قال ابن كثير: وبعد أن أنزل التوراة لم تهلك أمة بعامة بل أمر المؤمنين بقتال الكافرين - انتهى. ولا يبعد على هذا أن يكون الضمير في {لعلهم} للقرون الحادثة المدلول عليها بقوله {قروناً} وربما أرشد إلى ذلك قوله تعالى: {أية : ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون}تفسير : [القصص: 43] وقد ختم الهلاك العام بالإغراق كما فتح به، والنبيان اللذان وقع ذلك لهما دعا كل منهما على من عصاه، وكلاهما مثله النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر في الشدة على العصاة بعمر رضي الله عنه الذي أطاعه النيل وأطاع جيشه الدجلة. ولما كان من ذكر كلهم قد ردوا من جاءهم لإشعارهم استبعادهم لأن يكون الرسل بشراً، وكان بنو إسرائيل الذين أعزهم الله ونصرهم على عدوهم وأوضح لهم الطريق بالكتاب قد اتخذوا عيسى - مع كونه بشراً - إلهاً، اتبع ذلك ذكره تعجيباً من حال المكذبين في هذا الصعود بعد ذلك نزول في أمر من أرسلوا إليهم، وجرت على أيديهم الآيات لهدايتهم، فقال: {وجعلنا} أي بعظمتنا {ابن مريم} نسبه إليها تحقيقاً لكونه لا أب له، وكونه بشراً محمولاً في البطن مولوداً لا يصلح لرتبة الإلهية؛ وزاد في حقيق ذلك بقوله: {وأمه} وقال: {آية} إشارة إلى ظهور الخوارق على أيديهما حتى كأنهما نفس الآية، فلا يرى منها شيء إلا وهو آية، ولو قال: آيتين، لكان ربما ظن أنه يراد حقيقة هذا العدد، ولعل في ذلك إشارة إلى أنه تكملت به آية القدرة على إيجاد الإنسان بكل اعتبار من غير ذكر ولا أنثى كآدم عليه السلام، ومن ذكر بلا أنثى كحواء عليها السلام، ومن أنثى بلا ذكر كعيسى عليه السلام، ومن الزوجين كبقية الناس، والمراد أن بني إسرائيل - مع الكتاب الذي هو آية مسموعة والنبي الذي هو آية مرئية - لم يهتد أكثرهم. ولما كان أهل الغلو في عيسى وأمه عليهما الصلاة والسلام ربما تشبثوا من هذه العبارة بشيء، حقق بشريتهما واحتياجهما المنافي لرتبة الإلهية فقال: {وآويناهما} أي بعظمتنا لما قصد ملوك البلاد الشامية إهلاكهما {إلى ربوة} أي مكان عال من الأرض، وأحسن ما يكون النبات في الأماكن المرتفعة، والظاهر أن المراد بها عين شمس في بلاد مصر؛ قال ابن كثير: قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ليس الربى إلا بمصر والماء حين يرسل تكون الربى عليها القرى، ولولا الربى غرقت القرى، وروي عن وهب بن منبه نحو هذا - انتهى. {ذات قرار} أي منبسط صالح لأن يستقر فيه لما فيه من المرافق {ومعين} أي ماء ظاهر للعين، ونافع كالماعون، فرع اشتق من أصلين، ولم يقدر من خالفه من الملوك وغيرهم على كثرتهم وقوتهم على قتله لا في حال صغره، ولا في حال كبره، كما مضى نقله عن الإنجيل وصدقة عليه القرآن، مع كونه مظنة لتناهي الضعف بكونه، من أنثى فقط ولا ناصر له إلا الله، ومع ذلك فأنجح الله أمره وأمر من اتبعه، وخيب به الكافرين، ورفعه إليه ليؤيد به هذا الدين في آخر الزمان، ويكون للمؤمنين حينئذ فلاح لم يتقدمه مثله، وكان ذلك من إحسان خالقه ونعمته عليه. ذكر شيء من دلائل كونه آية من الإنجيل: قال يوحنا أحد المترجمين للإنجيل وأغلب السياق لمتى فإني خلطت كلام المترجمين الأربعة: ولما قرب عيد المظال قال إخوة يسوع أي الاثني عشر تلميذاً - له: تحول من ههنا إلى يهوذا ليرى تلاميذك الأعمال التي تعمل لأنه ليس أحد يعمل شيئاً سراً فيجب أن يكون علانية إذ كنت تعمل هذه الأشياء فأظهر نفسك للعالم، فقال لهم يسوع: أما وقتي فلم يبلغ، وأما وقتكم فإنه مستعد في كل حين، لم يقدر العالم أن يبغضكم وهم يبغضونني لأني أشهد عليهم أن أعمالهم شريرة، اصعدوا أنتم إلى هذا العيد، فإني لا أصعد الآن، ثم قال: ولما انتصف أيام العيد صعد يسوع إلى الهيكل فبدأ يعلم، وكان اليهود ويتعجبون ويقولون: كيف يحسن هذا الكتاب ولم يعلمه أحد، فقال: تعليمي ليس هو لي، بل للذي أرسلني، فمن أحب أن يعمل مرضاته فهو يعرف تعليمي هو من الله أو من عندي؟ من يتكلم من عنده إنما يطلب المجد لنفسه، وأما الذي يطلب مجد الذي أرسله فهو صادق وليس فيه ظلم، أليس موسى أعطاكم الناموس وليس فيكم أحد يعمل بالناموس، ثم قال: وفي اليوم العظيم الذي هو آخر العيد كان يسوع قائماً ينادي: كل من يؤمن بي كما قالت الكتب تجري من بطنه أنهار ماء الحياة، وإن الجمع الكثير سمعوا كلامه فقالوا: هذا نبي حقاً، وآخرون قالوا: هذا هو المسيح، وآخرون قالوا: ألعل المسيح من الجليل يأتي؟ أليس قد قال الكتاب: إنه من نسل داود، من بيت لحم قرية داود خاصة يأتي المسيح، فوقع بين الجموع خوف من أجله، قال متى: حينئذ جاء إلى يسوع من يروشليم كتبة وفريسيون قائلين: لماذا تلاميذك يتعدون وصية المشيخة إذ لا يغسلون أيديهم عند أكلهم؛ وقال مرقس: ثم اجتمع إليه الفريسيون وبعض الذين جاؤوا من يروشليم فنظروا إلى تلاميذه يأكلون الطعام بغير غسل أيديهم، لأن الفريسيين وكل اليهود لا يأكلون إلا بغسل أيديهم تمسكاً بتعليم شيوخهم والذين يشترونه من الأسواق إن لم يغسلوه لا يأكلونه، وأشياء أخر كثيرة تمسكوا بها من غسل كؤوس وأواني ومصاغ وأسرة، وسأله الكتبة والفريسيون: لم تلاميذك لا يسيرون على ما وصّت به المشيخة قال متى: فأجابهم وقال: لماذا أنتم تتعدون وصية الله من أجل سننكم، ألم يقل الله: أكرم أباك وأمك، والذي يقول كلاماً رديئاً في أبيه وأمه يستأصل بالموت، وأنتم تقولون: من قال لأبيه أو لأمه. إن القربان شيء ينتفع به، فلا يكرم أباه وأمه، فأبطلتم كلام الله من تلقاء روايتكم؛ قال مرقس: وتفعلون كثيراً مثل هذا - انتهى. يا مراؤون حسناً يثني وقال مرقس: نعماً يثني عليكم أشعيا قائلاً: إن هذا لاشعب قرب مني ويكرمني بشفتيه، وقلبه بعيد عني، يعبدونني باطلاً ويعلّمون تعليم وصايا الناس. ودعا الجمع وقال لهم: اسمعوا وافهموا، ليس ما يدخل الفم ينجس الإنسان، لكن الذي يخرج من الفم ينجس الإنسان، حينئذ جاء إليه تلاميذه وقالوا: اعلم أن الفريسيين لما سمعوا الكلام شكوا، فأجابهم وقال: كل غرس لا يغرسه أبي السماوي يقلع، دعوهم فإنهم عميان يقودهم عميان، أجابه بطرس وقال: فسر لنا المثل! فقال: حتى أنتم لا تفهمون؟ أما تعلمون أن كل ما يدخل إلى الفم يصل إلى البطن وينطرد إلى المخرج، فأما الذي يخرج من الفم فهو يخرج من القلب، هذا الذي ينجس الإنسان، لأنه يخرج من القلب الفكر الشرير: القتل الزنى الفسق السرقة وشهادة الزور التجديف، هذا هو الذي ينجس الأنسان، وأما الأكل بغير غسل الأيدي وفليس ينجس الإنسان، وقال مرقس: إن كل ما كان خارجاً يدخل إلى فم الإنسان لا يقدر أن ينجسه لأنه لا يصل إلى القلب، بل إلى الجوف ويذهب إلى خارج، والذي يخرج من الإنسان هو الذي ينجس الإنسان، لأنه من داخل تخرج أفكار السوء: فجور الزنى قتل سرقة شره شر غش فسق عين شريرة تجديف تعاظم جهل، هذا كله شر من داخل يخرج وينجس الإنسان انتهى. وفيه مما لا يجوز إطلاقه في شرعنا: الأب - كما تقدم غير مرة. ولما بين أن عيسى عليه السلام على منهاج إخوانه من الرسل في الأكل والعبادة، وجميع الأحوال، زاد في تحقيق ذلك بياناً لمن ضل بأن اعتقد فيه ما لا يليق به، فقال مخاطباً لجميعهم بعد إهلاك من عاندهم من قومهم على وجه يشمل ما قبل ذلك رداً لمن جعله موجباً لإنكار الرسالة، وتبكيتاً لمن ابتدع الرهبانية من أمة عيسى عليه السلام، إعلاماً بأن كل رسول قيل له معنى هذا الكلام فعمل به، فكانوا كأنهم نودوا به في وقت واحد، فعبر بالجمع ليكون أفخم له فيكون أدعى لقبوله: {يا أيها الرسل} من عيسى وغيره {كلوا} أنتم ومن نجيناه معكم بعد إهلاك المكذبين. ولما علو عن رتبة الناس، فلم يكونوا أرضيين، لم يقل {أية : مما في الأرض} تفسير : [البقرة: 168] وعن رتبة الذين آمنوا، لم يقل {أية : من طيبات ما رزقناكم} تفسير : [البقرة: 172] ليكنوا عابدين نظراً إلى النعمة أو حذراً من النقمة، كما مضى بيانه في سورة البقرة، بل قال: {من الطيبات} أي الكاملة التي مننت عليكم بخلقها لكم وإحلالها وإزالة الشبه عنها وجعلها شهية للطبع، نافعة للبدن، منعشة للروح، وذلك ما كان حلاًّ غير مستقذر لقوله تعالى {أية : يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث}تفسير : [الأعراف: 157]. ودل سبحانه على أن الحلال عون على الطاعة بقوله: {واعملوا صالحاً} أي سراً وجهراً غير خائفين من أحد، فقد أهلكت عدوكم وأورثتكم أرضكم، ولم يقيد عملكم بشكر ولا غيره، إشارة إلى أنه لوجهه ليس غير، فإنهم دائماً في مقام الشهود، في حضرة المعبود، والغنى عن كل سوى حتى عن الغنى، ثم حثهم على دوام المراقبة بقوله: {إني بما} أي بكل شيء {تعملون عليم*} أي بالغ العلم. ولما كان هذا تعليلاً لما سبقه من الأمر، عطف على لفظه قوله: {وإن} بالكسر في قراءة الكوفيين، وعلى معناه لما كان يستحقه لو أبرزت لام العلة من الفتح في قراءة غيرهم {هذه} أي دعوتكم أيها الأنبياء المذكورين إجمالاً وتفصيلاً وملتكم المجتمعة على التوحيد أو الجماعة التي أنجيتها معكم من المؤمنين {أمتكم} أي مقصدكم الذي ينبغي أن لا توجهوا هممكم إلى غيره أو جماعة أتباعكم حال كونها {أمة واحدة} لا شتات فيها أصلاً، فما دامت متوحدة فهي مرضية {وأنا ربكم} أي المحسن إليكم بالخلق والرزق وحدي، فمن وحدني نجا، ومن كثر الأرباب هلك. ولما كان الخطاب في هذه السورة كلها للخلص من الأنبياء ومن تبعهم من المؤمنين، قال: {فاتقون*} أي اجعلوا بينكم وبين غضبي وقاية من جمع عبادي بالدعاء إلى وحدانيتي بلا فرقة أصلاً، بخلاف سورة الأنبياء المصدرة بالناس فإن مطلق العبارة أولى بدعوتها.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولقد آتينا موسى} اى بعد اهلاكهم وانجاء بنى اسرائيل من ايديهم {الكتاب} التوراة {لعلهم} لعل بنى اسرائيل {يهتدون} الى طريق الحق بالعمل بما فيها من الشرائع والاحكام.

الجنابذي

تفسير : {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ} كتاب النّبوّة واحكامها او التّوراة {لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} اى لعلّ قومه او لعلّ فرعون وقومه وهذا يوافق تفسير الكتاب بالنّبوّة واحكامها.

اطفيش

تفسير : {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ} التوراة المراد بموسى قومه كما يقول هاشم وتريد قومه كما ارجع عليهم الضمير في قوله * {لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} أو المراد بموسى وحده لا قومه والضمير لقومه والمراد بموسى هو وقومه والضمير لقومه ولا يجوز ان يرجع الضمير لفرعون وقومه لان التوراة أوتيها بعد اغراقهم.

اطفيش

تفسير : {ولقد آتيْنا موسى الكتاب} التوراة بعد إهلاكهم، وانجاء بنى إسرائيل {لعلهم} لعل قومه بنى إسرائيل، أو لقد آتينا قوم موسى الكتاب، أو موسى قومه كما تسمى القبيلة باسم ابيها، ولو كان موسى ليس أباً لهم وهو بعيد، ولم يقل: ولقد آتينا موسى وهارون الكتاب، مع أن الكلام قيل فيهما اقتصاراً على من أنزل عليه تحقيقاً، ولأن انزاله فى الطور وهارون مع بنى اسرائيل حين الانزال، لا فى الطور {يهْتَدُون} علماً وعملاً.

الالوسي

تفسير : {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا} بعد إهلاكهم وإنجاء بني إسرائيل من مملكتهم {مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ} أي التوراة، وحيث كان إيتاؤه عليه السلام إياها لإرشاد قومه إلى الحق كما هو شأن الكتب الإلٰهية جعلوا كأنهم أوتوها فقيل: {لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} أي إلى طريق الحق علماً وعملاً لما تضمنته من الاعتقاديات والعمليات. وجوز أن يكون الكلام على تقدير مضاف أي آتينا قوم موسى وضمير {لَعَلَّهُمْ} عائد عليه، وقيل أريد بموسى عليه السلام قومه كما يقال تميم وثقيف للقبيلة. وتعقب بأن المعروف في مثله إطلاق أبـي القبيلة عليهم وإطلاق موسى عليه السلام على قومه ليس من هذا القبيل وإن كان لا مانع منه، ولم يجعل ضمير {لَعَلَّهُمْ} لفرعون وملئه لظهور أن التوراة إنما نزلت بعد إغراقهم لبني إسرائيل وقد يستشهد على ذلك بقوله تعالى: { أية : وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ ٱلأُولَىٰ } تفسير : [القصص: 43] بناء على أن المراد بالقرون الأولى ما يعم فرعون وقومه ومن قبلهم من المهلكين كقوم نوح وهود لا ما يخص من قبلهم من الأمم المهلكين لأن تقييد الأخبار بإتيانه عليه السلام الكتاب بأنه بعد إهلاك من تقدم من الأمم معلوم فلو لم يدخل فرعون وقومه لم يكن فيه فائدة كما قيل، ولم يذكر هٰرون مع موسى عليهما السلام اقتصاراً على من هو كالأصل في الإيتاء، وقيل لأن الكتاب نزل بالطور وهٰرون عليه السلام كان غائباً مع بني إسرائيل.

ابن عاشور

تفسير : لما ذُكرت دعوة موسى وهارون لفرعون وملئه وما ترتب على تكذيبهم من إهلاكهم أكملت قصة بعثة موسى بالمهم منها الجاري ومن بعثة من سلف من الرسل المتقدم ذكرهم وهو إيتاء موسى الكتاب لهداية بني إسرائيل لحصول اهتدائهم ليبني على ذلك الاتعاظ بخلافهم على رسلهم في قوله بعد ذلك { أية : فَتَقَطَّعوا أمرَهم بينهم زُبُراً } تفسير : [المؤمنون: 53] فإن موعظة المكذبين رسولهم بذلك أولى. وهنا وقع الإعراض عن هارون لأن رسالته قد انتهت لاقتصاره على تبليغ الدعوة لفرعون وملئه إذ كانت مقام محاجّة واستدلال فسأل موسى ربه إشراك أخيه هارون في تبليغها لأنه أفصح منه لساناً في بيان الحجة والسلطان المبين. والتعريف في {الكتاب} للعهد، وهو التوراة. ولذلك كان ضمير {لعلهم يهتدون} ظاهر العَوْد إلى غير مذكور في الكلام بل إلى معلوم من المقام وهم القوم المخاطبون بالتوراة وهم بنو إسرائيل فانتساق الضمائر ظاهر في المقام دون حاجة إلى تأويل قوله: {آتينا موسى} بمعنى: آتينا قوم موسى، كما سلكه في «الكشاف». و(لعل) للرجاء، لأن ذلك الكتاب من شأنه أن يترقب من إيتائه اهتداء الناس به.

الواحدي

تفسير : {ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون} لكي يهتدي به قومه. {وجعلنا ابن مريم وأُمَّه آية} دلالةً على قدرتنا {وآويناهما إلى ربوة} يعني: بيت المقدس، وهو أقرب الأرض إلى السَّماء {ذات قرار} أرضٍ مستويةٍ، وساحةٍ واسعةٍ {ومعين} ماءٍ ظاهرٍ. وقيل: هي دمشق. {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات} هذا خطابٌ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، والمراد به أنَّ الله تبارك وتعالى كأنه أخبر أنَّه قد قال لجميع الرُّسل قبله هذا القول، وأمرهم بهذا، والمعنى: كلوا من الحلال. {وإنَّ هذه أمتكم أمة واحدة} أَيْ: ملَّتكم أيُّها الرُّسل ملَّةٌ واحدةٌ، وهي الإِسلام {وأنا ربكم} شرعتها لكم [وبيَّنتها لكم] {فاتقون} فخافون. {فتقطعوا أمرهم بينهم} يعني: المشركين واليهود والنَّصارى {زبراً} فرقاً {كلُّ حزب} جماعةٍ {بما لديهم} بما عندهم من الدِّين {فرحون} مُعجبون مسرورون.

د. أسعد حومد

تفسير : {آتَيْنَا} {ٱلْكِتَابَ} (49) - وَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى التَّوْرَاةََ عَلَى مُوسَى (الكِتَابَ)، وَفِيهَا أَحْكَامٌ، وَأَوَامِرُ، وَنَواهٍ مِنَ اللهِ، لِيَسْتَهْدِيَ بَنُو إِسْرَائِيلَ بِمَا جَاءَ فِيهَا مِنَ الحَقِّ، وَيَعْمَلُوا بِمَا فِيهَا مِنَ الشَّرائِعِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : {ٱلْكِتَابَ ..} [المؤمنون: 49] أي: التوراة، وفيه منهج الهداية {لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} [المؤمنون: 49] أي: يأخذون الطريق الموصّل للغاية الشريفة المفيدة من أقصر طريق. ثم يقول الحق سبحانه: {وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً ...}.