٢٣ - ٱلْمُؤْمِنُون
23 - Al-Mu'minoon (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
50
Tafseer
الرازي
تفسير : القصة الخامسة ـ قصة عيسى وقصة مريم عليهما السلام اعلم أن ابن مريم هو عيسى عليه السلام جعله الله تعالى آية بأن خلقه من غير ذكر وأنطقه في المهد في الصغر وأجرى على يديه إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى، وأما مريم فقد جعلها الله تعالى آية لأنها حملته من غير ذكر. وقال الحسن تكلمت مريم في صغرها كما تكلم عيسى عليه السلام وهو قولها: { أية : هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إنَّ ٱللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ } تفسير : [آل عمران: 37] ولم تلقم ثدياً قط، قال القاضي إن ثبت ذلك فهو معجزة لزكريا عليه السلام لأنها لم تكن نبية، قلنا القاضي إنما قال ذلك لأن عنده الإرهاص غير جائز وكرامات الأولياء غير جائزة وعندنا هما جائزان فلا حاجة إلى ما قال، والأقرب أنه جعلهما آية بنفس الولادة لأنه ولد من غير ذكر وولدته من دون ذكر فاشتركا جميعاً في هذا الأمر العجيب الخارق للعادة والذي يدل على أن هذا التفسير أولى وجهان: أحدهما: أنه تعالى قال: {وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ ءَايَةً } لأن نفس الإعجاز طهر فيهما لا أنه ظهر على يدهما وهذا أولى من أن يحمل على الآيات التي ظهرت على يده نحو إحياء الموتى وذلك لأن الولادة فيه وفيها آية فيهما وكذلك أن نطقا في المهد وما عدا ذلك من الآيات ظهر على يده لا أنه آية فيه الثاني: أنه تعالى قال آية ولم يقل آيتين، وحمل هذا اللفظ على الأمر الذي لا يتم إلا بمجموعهما أولى وذلك هو أمر الولادة لا المعجزات التي كان عيسى عليه السلام مستقلاً بها. أما قوله تعالى: {وآويناهما إلى ربوة ذات قرار} أي جعلنا مأواهما الربوة والربوة والرباوة في راءيهما الحركات الثلاث وهي الأرض المرتفعة، ثم قال قتادة وأبو العالية هي إيلياء أرض بيت المقدس، وقال أبو هريرة رضي الله عنه إنها الرملة. وقال الكلبي وابن زيد هي بمصر وقال الأكثرون إنها دمشق وقال مقاتل والضحاك هي غوطة دمشق، والقرار المستقر من (كل) أرض مستوية مبسوطة، وعن قتادة ذات ثمار وماء، يعني أنه لأجل الثمار يستقر فيها ساكنوها والمعين الماء الظاهر الجاري على وجه الأرض. فنبه سبحانه على كمال نعمه عليها بهذا اللفظ على اختصاره. ثم في المعين قولان: أحدهما: أنه مفعول لأنه لظهوره يدرك بالعين من عانه إذا أدركه بعينه وقال الفراء والزجاج إن شئت جعلته فعيلاً من الماعون ويكون أصله من المعن والماعون فاعول منه قال أبو علي والمعين السهل الذي ينقاد ولا يتعاصى والماعون ما سهل على معطيه، ثم قالوا وسبب الإيواء أنها فرت بإبنها عيسى إلى الربوة وبقيت بها اثنتي عشرة سنة، وإنما ذهب بهما ابن عمها يوسف ثم رجعت إلى أهلها بعد أن مات ملكهم، وههنا آخر القصص، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً} تقدم في «الأنبياء» القول فيه {وَآوَيْنَاهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} الربوة المكان المرتفع من الأرض؛ وقد تقدم في «البقرة». والمراد بها هاهنا في قول أبي هريرة فلسطين. وعنه أيضاً الرملة؛ وروي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقال ابن عباس وابن المسيِّب وابن سَلاَم: دمشق. وقال كعب وقتادة: بيت المقدس. قال كعب: وهي أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر مِيلاً. قال:شعر : فكنت هَمِيداً تحت رَمْس برَبْوَة تَعاوَرُني ريحٌ جنوبٌ وشَمْألُ تفسير : وقال ابن زيد: مصر. وروى سالم الأفطس عن سعيد بن جُبير «وآويناهما إلى ربوة» قال: النَّشز من الأرض. {ذَاتِ قَرَارٍ} أي مستوية يُستقر عليها. وقيل: ذات ثمار، ولأجل الثمار يَستقر فيها الساكنون. {وَمَعِينٍ } ماء جارٍ ظاهر للعيون. يقال: مَعِين ومُعُن؛ كما يقال: رغيف ورُغُف؛ قاله علي بن سليمان. وقال الزجاج: هو الماء الجاري في العيون؛ فالميم على هذا زائدة كزيادتها في مبيع، وكذلك الميم زائدة في قول من قال إنه الماء الذي يرى بالعين. وقيل: إنه فعيل بمعنى مفعول. قال علي بن سليمان: يقال مَعَن الماء إذا جرى فهو معين ومَعْيُون. ابن الأعرابي: معن الماء يَمْعَن مُعونا إذا جرى وسَهُل، وأمعن أيضاً وأمعنته، ومياه مُعْنان.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن عبده ورسوله عيسى بن مريم عليهما السلام: أنه جعلهما آية للناس، أي: حجة قاطعة على قدرته على ما يشاء، فإنه خلق آدم من غير أب ولا أم، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر، وخلق بقية الناس من ذكر وأنثى. وقوله: {وَءَاوَيْنَـٰهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} قال الضحاك عن ابن عباس: الربوة: المكان المرتفع من الأرض، وهو أحسن ما يكون فيه النبات، وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة. قال ابن عباس: وقوله: {ذَاتِ قَرَارٍ} يقول: ذات خصب {وَمَعِينٍ} يعني: ماء ظاهراً، وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة. وقال مجاهد: ربوة مستوية، وقال سعيد بن جبير: {ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} استوى الماء فيها. وقال مجاهد وقتادة: {وَمَعِينٍ} الماء الجاري. ثم اختلف المفسرون في مكان هذه الربوة: من أي أرض هي؟ فقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ليس الربى إلا بمصر، والماء حين يسيل يكون الربى عليها القرى، ولولا الربى، غرقت القرى، وروي عن وهب بن منبه نحو هذا، وهو بعيد جداً. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرىء، حدثنا سفيان، عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب في قوله تعالى: {وَءَاوَيْنَـٰهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} قال: هي دمشق، قال: وروي عن عبد الله بن سلام والحسن وزيد بن أسلم وخالد بن معدان نحو ذلك. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع عن إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس: {ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} قال: أنهار دمشق. وقال ليث بن أبي سليم عن مجاهد: {وَءَاوَيْنَـٰهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍ} قال: عيسى بن مريم وأمه حين أويا إلى غوطة دمشق وما حولها. وقال عبد الرزاق عن بشر بن رافع عن أبي عبد الله بن عم أبي هريرة قال: سمعت أبا هريرة يقول في قول الله تعالى: {إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} قال: هي الرملة من فلسطين. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن يوسف الفريابي، حدثنا رواد بن الجراح، حدثنا عباد بن عباد الخواص أبو عتبة، حدثنا السيباني عن ابن وعلة عن كريب السحولي عن مرة البَهْزِي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لرجل: «حديث : إنك تموت بالربوة» تفسير : فمات بالرملة، وهذا حديث غريب جداً. وأقرب الأقوال في ذلك ما رواه العوفي عن ابن عباس في قوله: {وَءَاوَيْنَـٰهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} قال: المعين الماء الجاري، وهوالنهر الذي قال الله تعالى: {أية : قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً} تفسير : [مريم: 24] وكذا قال الضحاك وقتادة {إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} وهو بيت المقدس، فهذا ــــ والله أعلم ــــ هو الأظهر؛ لأنه المذكور في الآية الأخرى والقرآن يفسر بعضه بعضاً، وهذا أولى ما يفسر به، ثم الأحاديث الصحيحة، ثم الآثار.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ } عيسى {وَأُمَّهُ ءَايَةً} لم يقل آيتين، لأن الآية فيهما واحدة: ولادته من غيرفحل {وَءَاوَيْنَاهُمَآ إِلى رَبْوَةٍ } مكان مرتفع وهو بيت المقدس، أو دمشق، أو فلسطين، أقوال {ذَاتِ قَرَارٍ } أي مستوية يستقرّ عليها ساكنوها {وَمَعِينٍ }أي ماء جار ظاهر تراه العيون.
الماوردي
تفسير : قوله: {وَجَعَلْنَا ابْنَ مرْيَمَ وَأُمَّهُ ءَايَةً} فآيته أن خلق من غير ذكر وآيتها أن حملت من غير بعل، ثم تكلم في المهد فكان كلامه آية له، وبراءة لها. {وَءَاوَيْنَا هُمَآ إِلَى رَبْوَةٍ} الآية. الربوة ما ارتفع من الأرض وفيه قولان: أحدهما: أنها لا تسمى ربوة إلا إذا اخضرت بالنبات وربت، وإلاّ قيل نشز اشتقاقاً من هذا المعنى واستشهاداً بقول الله تعالى: {أية : كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ} تفسير : [البقرة: 65] ويقول الشاعر: شعر : طوى نفسه طيّ الحرير كأنه حوى جنة في ربوة وهو خاشع تفسير : الثاني: تسمى ربوة وإن لم تكن ذات نبات قال امرؤ القيس: شعر : فكنت هميداً تحت رمس بربوة تعاورني ريحٌ جنوب وشمألُ تفسير : وفي المراد بها هنا أربعة أقاويل: أحدها: الرملة، قاله أبو هريرة. الثاني: دمشق، قاله ابن جبير. الثالث: مصر، قاله ابن زيد. الرابع: بيت المقدس. قاله قتادة، قال كعب الأحبار، هي أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلاً. وفي: {ذَاتِ قَرَارٍ} أربعة أوجه: أحدها: ذات استواء، قاله ابن جبير. الثاني: ذات ثمار، قاله قتادة. الثالث: ذات معيشة تقرهم، قاله الحسن. الرابع: ذات منازل تستقرون فيها، قاله يحيى بن سلام. وفي {مَعَينٍ} وجهان: أحدهما: أنه الجاري، قاله قتادة. الثاني: أنه الماء الطاهر، قاله عكرمة ومنه قول جرير: شعر : إن الذين غروا بلبك غادروا وشلاً بعينك ما يزال معينا تفسير : أي ظاهراً، في اشتقاق المعين ثلاثة أوجه: أحدها: لأنه جار من العيون، قاله ابن قتيبة فهو مفعول من العيون. الثاني: أنه مشتق من المعونة. الثالث: من الماعون.
ابن عبد السلام
تفسير : {ءَايَةً} بخلقه من غير والد وكلامه في المهد ببراءة أمه {رَبْوَةٍ} المكان المرتفع إذا اخضر بالنبات فإن لم يكن فيه فهو نشز، أو ربوة وإن لم يكن به نبات والمراد بها الرملة، أو دمشق، أو مصر، أو بيت المقدس، قال كعب: هي أقرب إلى السماء بثمانية عشر ميلاً. {قَرَارٍ} استواء، أو ثمار، أو معيشة تقوتهم "ح"، أو منازل يستقرون فيها {وَمَعِينٍ} الماء الجاري، أو الظاهر، اشتق من العيون لجريانه منها فهو مفعول من العيون، أو من المعونة، أو الماعون.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً} والمراد عيسى - عليه السلام - وأمه "آيَةً" دلالة على قدرتنا. ولم يقل آيتين قيل: معناه جعلنا شأنهما آية. وقيل المعنى كل واحدٍ آية كقوله: {أية : كِلْتَا ٱلْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا} تفسير : [الكهف: 33]. قال المفسرون: معنى كون عيسى وأمه آية أنه خُلِقَ من غير ذكر، وأنطقه في المهد في الصغر، وأجرى على يده إبراء الأَكْمَه والأبرص، وإحياء الموتَى وأمّا مريم فلأنها حملت من غير ذَكَر. وقال الحسن: تكلّمت مريم في صغرها كما تكلّم عيسى وهو قولها: {أية : هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إنًّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} تفسير : [آل عمران: 37]، ولم تلقم ثدياً قط. قال ابن الخطيب: والأقرب أن جعلهما آيةً هو نفس الولادة، لأنه ولد من غير ذكر وولدته من دون ذكر فاشتركا جميعاً في هذا الأمر العجيب الخارق للعادة، ويدل على هذا وجهان: الأول: قوله: {وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً} لأن نفس المعجز ظهر منهما، لا أنَّه ظهر على يديهما، لأنَّ الولادة فيه وفيها بخلاف الآيات التي ظهرت على يده. الثاني: قوله: {آيَةً} ولم يقل آيتين، وحمل هذا اللفظ على الأمر الذي لا يتمّ إلا بمجموعهما أولى، وذلك هو الولادة لا المعجزات التي كانت لعيسى. قوله: {وَآوَيْنَاهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍ} "الرُّبْوَة" و"الرُّبَاوة" في رَائهما الحركات الثلاثة، وهي الأرض المرتفعة. قال عطاء عن ابن عباس: هي بيت المقدس، وهو قول قتادة وأبي العالية وكعب قال كعب: هي أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلاً. وقال أبو هريرة: إنها الرَّمْلَة. وقال السدي: أرض فلسطين. وقال عبد الله بن سلام: هي دمشق، وهو قول سعيد بن المسيب ومقاتل والضحاك. وقال الكلبي وابن زيد: هي مصر. والقَرار: المستقر من أرض مستوية منبسطة. وقال قتادة: ذات ثمارٍ وماء، أي: لأجل الثمار يستقر فيها ساكنوها. قوله: "وَمَعِينٍ" صفة لموصوف محذوف، أي: وماء معين. وفيه قولان: أحدهما: أن ميمه زائدة، وأصله مَعْيُون. أي: مبصر بالعين فَأُعلّ إعلال مَبِيع وبابه وهو مثل قولهم: كَبْدتُه، أي ضربت كَبده، ورأسته أي: أصبت رأسه، وعنْتُه أي: أدركته بعيني ولذلك أدخله الخليل في مادة ع ي ن. والثاني: أن الميم أصلية، ووزنه (فَعِيل) مشتق من المَعْن. واختلف في المعين، فقيل: هو الشيء القليل، ومنه: المَاعُون. وقيل: هو من مَعنَ الشيء معانة أي: كثر، قال جرير: شعر : 3799- إنَّ الَّذِينَ غَدَوْا بِلُبِّكَ غَادَرُوا وَشَلاً بِعَيْنِكَ لا يزالُ مَعِينَا تفسير : وقال الراغب: هو من مَعَن الماء جرى، وسُمي مَجَارِي الماء مُعْنان، وأمْعَن الفرس تباعد في عَدْوه، وأمْعَن بِحَقِّي: ذهب به، وفلانٌ معن في حاجته يعني: سريعاً فكلّه راجع إلى معنى الجري والسرعة. وفي المعين قولان: أحدهما: أنّه مفعول، لأنه لظهوره مدرك بالعين من عانه: إذا أدركه بعينه. وقال الفراء والزجاج: إن شِئْتَ جعلته (فَعِيلاً) من المَاعون، ويكون أصله من المَعْن والمَاعون فاعُول منه. قال أبو علي: والمعين: السهل الذي ينقاد ولا يتعاصى، والماعون ما سهل على معطيه. قالوا: وسبب الإيواء أنها فرّت بابنها عيسى إلى الربوة وبقيت بها اثنتي عشرة سنة، وإنما ذهب بها ابن عمها يوسف، ثم رجعت إلى أهلها بعدما مات ملكهم.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه {وجعلنا ابن مريم وأمه آية} قال: ولدته مريم من غير أب هو له. وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس رضي الله عنه في قوله {وجعلنا ابن مريم وأمه آية} قال:عبرة. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه {وآويناهما} قال: عيسى وأمه. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه {وآويناهما} قال: عيسى وأمه حين أويا إلى الغوطة وما حولها. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما {وآويناهما إلى ربوة} الآية. قال: {الربوة} المستوى {والمعين} الماء الجاري، وهو النهر الذي قال الله {أية : قد جعل ربك تحتك سَرياًّ} تفسير : [مريم: 24]. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما {وآويناهما إلى ربوة} قال: هي المكان المرتفع من الأرض، وهي أحسن ما يكون فيه النبات {ذات قرار} ذات خصب {ومعين} ماء ظاهر. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه {إلى ربوة} قال: مستوية {ذات قرار ومعين} قال: ماء جار. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن عساكر عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في الآية قال {الربوة} المكان المرتفع وهو لبيت المقدس {والمعين} الماء الظاهر. وأخرج عبد بن حميد وعبد الرزاق وابن جرير وابن عساكر عن قتادة رضي الله عنه {وآويناهما إلى ربوة} قال: كنا نحدث أن الربوة بيت المقدس {ذات قرار} ذات ثمر كثير {ومعين} ماء جار. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن عساكر عن وهب بن منبه رضي الله عنه {وآويناهما إلى ربوة} قال: هي مصر. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد {وآويناهما إلى ربوة} قال: وليس الربى إلا بمصر. والماء حين يرسل يكون الربى عليها القرى لولا الربى لغرقت تلك القرى. وأخرج ابن عساكر عن زيد بن اسلم رضي الله عنه {وآويناهما إلى ربوة} قال: هي الإسكندرية. وأخرج ابن عساكر من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس أن عيسى ابن مريم أمسك عن الكلام بعد أن كلمهم طفلاً حتى بلغ ما يبلغ الغلمان ثم أنطقه الله بعد ذلك بالحكمة والبيان، فلما بلغ سبع سنين أسلمته أمه إلى رجل يعلمه كما يعلم الغلمان فلا يعلمه شيئاً إلا بدره عيسى إلى علمه قبل أن يعلمه إياه فعلمه أبا جاد فقال عيسى: ما أبو جاد؟ قال المعلم: لا أدري. فقال عيسى: كيف تعلمني ما لا تدري فقال المعلم: إذن فعلمني. فقال له عيسى: فقم من مجلسك فقَام. فجلس عيسى مجلسه فقال: سلني؟ فقال المعلم: ما أبو جاد؟ فقال عيسى: ألف، آلاء الله باءِ بهاء الله، جيم بهجة الله وجماله، فعجب المعلم فكان أول من فسر أبا جاد عيسى عليه السلام، وكان عيسى يرى العجائب في صباه إلهاماً من الله، ففشا ذلك في اليهود وترعرع عيسى فهمت به بنو إسرائيل فخافت أمه عليه، فأوحى الله إليها: أن تنطلق به إلى أرض مصر فذلك قوله {وجعلنا ابن مريم وأمه آية} فسئل ابن عباس: ألا قال آيتان، وهما آيتان: فقال ابن عباس: إنما قال آية، لأن عيسى من آدم ولم يكن من أب لم يشاركها في عيسى أحد فصار (آية واحدة) {وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين} قال: يعني أرض مصر. وأخرج وكيع والفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وتمام الرازي في فضائل النبوّة وابن عساكر بسند صحيح عن ابن عباس في قوله {إلى ربوة} قال: أنبئنا بأنها دمشق. وأخرج ابن عساكر عن عبد الله بن سلام في قوله:{وآويناهما إلى ربوة} قال: هي دمشق. وأخرج ابن عساكر عن يزيد بن سخبرة الصحابي قال: دمشق هي الربوة المباركة. وأخرج ابن عساكر بسند ضعيف عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تلا هذه الآية {وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين} "حديث : قال: أتدرون أين هي؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هي بالشام بأرض يقال لها الغوطة، مدينة يقال لها دمشق هي خير مدن الشام ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن سعيد بن المسيب {وآويناهما إلى ربوة} قال: هي دمشق. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وابن مردويه وابن عساكر عن مرة البهزي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : الرملة الربوة ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو نعيم وابن عساكر عن أبي هريرة في قوله {وآويناهما إلى ربوة} قال: هي الرملة في فلسطين، وأخرجه ابن مردويه من حديثه مرفوعاً. وأخرج الطبراني وابن السكن وابن منده وأبو نعيم وابن عساكر من طرق عن الأقرع بن شفي العكي رضي الله عنه قال حديث : "دخل عليَّ النبي صلى الله عليه وسلم في مرض يعودني فقلت: لا أحسب إلا أني ميت من مرضي. قال: "كلا لتبقين، ولتهاجرن منها إلى أرض الشام وتموت وتدفن بالربوة من أرض فلسطين. فمات في خلافة عمر رضي الله عنه ودفن بالرملة". تفسير : وأخرج ابن عساكر عن قتادة عن الحسن في قوله {وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين} قال: هي أرض ذات أشجار وأنهار يعني أرض دمشق. وفي لفظ قال: ذات ثمار وكثرة ماء هي دمشق.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} جعل الله عيسى وامه مشكاتى انوار قدسه ومراتى تجلى جلاله وجماله ليصراء الصديقين ونظار المقربين واوهما الى ربوة تلال مشاهد القدم ذات قرار الاسرار العارفين ومعين سوق ابحار الكرم التى شرباتها تحيى الاسهار من موت الفناء وتبلغها الى حياة البقاء ثم خاطب روحه وكلمته باسم الجمع لان كان مجامع اخلاق جميع الانبياء والرسل ويمكن ان هذا خطاب مع سيد الرسل محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم وهو اليق بذلك لانه بحر الله بنشق منها انهار الانبياء والرسل ثم امره باكل الحلال بقوله {يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ} الاشارة الى خوان دنا فتدلى ومشاهدة الا على بين كان قاب قوسين او ادنى جلال مشاهدته ورحال جماله جلال للعارفين حيث لا يدخل فيه علة الحرمان ولا فيه مخائيل الشيطان فطلب منه بعد اكل مرائد المشاهدة العمل الصالح وهو التبرى من الحدثان و تلاشى النفس بنعت المعرفة فى جمال الوهيته بقوله {وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً} فلما دنا من قرب القرب ووصل الى اسرار السر فرد القدم عن علة الحدث بقوله عليه السَّلام لا احصى ثناء عليك انت كما اثنيت على نفسك كل عيسى من ربوة المشاهدة وفائدة القربة فلما راى سطوات الديمومية شملت وجوده افنى نفسه لثبوت العمل الصالح عن ادراك وعزته بشرط الحقيقة بقوله تعلم ما فى نفسى ولا اعلم ما فى نفسك قال سهل الطيبات الجلال والصالحات من الاعمال أداب الامر بالفرض والسنة واجتناب النهى باطنا وظاهرا.
اسماعيل حقي
تفسير : {وجعلنا ابن مريم} اى عيسى {وامه ءاية} دالة على عظم قدرتنا بولادته منها من غير مسيس بشر فالآية امر واحد مضاف اليهما او جعلنا ابن مريم آية بان تكلم فى المهد فظهرت منه معجزات جمة وامه آية بانها ولدته من غير مسيس فحذف الاولى لدلالة الثانية عليها، قال فى العيون آية اى عبرة لبنى اسرائيل بعد موسى لان عيسى تكلم فى المهد واحيى الموتى ومريم ولدته من غير مسيس وهما آيتان قطعا فيكون هذا من قبيل الاكتفاء بذكر احداهما انتهى، وتقديمه عليه السلام لاصالته فيما ذكر من كونه آية كما ان تقديم امه فى قوله {أية : وجعلناها وابنها ءاية للعالمين}تفسير : لاصالتها فيما نسب اليها من الاحصان والنفخ ـ وروى ـ ان رسول الله عليه السلام صلى الصبح بمكة فقرأ سورة المؤمنين فلما اتى على ذكر عيسى وامه اخذته شرقة فركع اى شرق بدمعه فعى بالقرآءة {وآويناهما الى ربوة} [ وجاى داديم مادر وبسررا وقتى كه ازيهود فرار كردند وباز آورديم بسوى ربوة از زمين بيت المقدس] اى انزلناهما الى مكان مرتفع من الارض وجعلناه مأواهما ومنزلهما وهى ايليا ارض بيت المقدس فانها مرتفعة وانها كبد الارض واقربها الى السماء بثمانية عشر ميلا على مايروى عن كعب، وقال الامام السهيلى اوت مريم بعيسى طفلا الى قرية من دمشق يقال لها ناصرة وبناصرة تمسى النصارى واشتق اسمهم منها، قال الكاشفى [آورداندكه مريم بابسر وبسر عم خود يوسف بن ماتان دوازده سال دران موضع بسر بردند وطعام عيسى ازبهاى ريسمان بودكه كه مادرش مى رشت وميفروخت]، يقول الفقير فيه اشارة الى ان غزل القطن والكتان ونحوهما لكونه من اعمال خيار النساء احب من غزل القز ونحوه على ما أكب عليه اهل بروسة والديارالتى يحصل فيها دود القز مع ان القز من زين اهل الدنيا وبه غالبا شهرة اربابها وافتخارهم {ذات قرار} [خداوند قرار يعنى مقرى منبسط وسهل كه برو آرام توان كرفت] وقيل ذات ثمار وزروع فان ساكنيها يستقرون فيها لاجلها، قال الراغب قرّ فى المكان يقر قرارا اذا ثبت ثبوتا خامدا واصله من القر وهو البرد لاجل ان البرد يقتضى السكون والحريقتضى الحركة {ومعين} وماء معين ظاهر جار فعيل من معن الماء اذا جرى وقيل من العين والميم زائدة ويسمى الماء الجارى معيناً لظهوره وكونه مدركا بالعيون وصف ماء تلك الربوة بذلك للايذان بكونه جامعا لفنون المنافع من الشرب وسقى ما يسقى من الحيوان والنبات بغير كلفة والتنزه بمنظره الحسن المعجب ولولا ان يكون الماء الجارى لكان السرور الاوفر فائتا وطيب المكان مفقودا ولا مرّ ماجاء الله بذكر الجنات مشفوعا بذكر الماء الجارى من تحتها مسوقين على قران واحد ومن احاديث المقاصد الحسنة "حديث : ثلاث يجلون البصر النظر الى الخضرة والى الماء الجارى والى الوجه الحسن"تفسير : اى ما يحل النظر اليه فان النظر الى الامرد الصبيح ممنوع، قال الشيخ سعدى فى حق من يديم النظر الى النقاش عند نظر النقش شعر : جراطفل يكروزه هوشش نبرد كه درصنع ديدن جه بالغ جه خرد محقق همى بيند اندر ابل كه در خوب رويان جين وجكل تفسير : وهما علمان لبلدتين من بلاد الترك يكثر فيهما المحابيب. وفى التأويلات النجمية قوله {وجعلنا ابن مريم وامه آية} يشير به الى عيسى الروح الذى تولد من امركن بلا اب من عالم الاسباب وهو اعظم آية من آيات الله المخلوقة التى تدل على ذات الله ومعرفته لانه خليفة الله وروح منه {و آويناهما الى ربوة} اى ربوة القالب فانه مأوى الروح ومأوى الامر بالاوامر والنواهى {ذات قرار ومعين} هو منزلهما ودار قرارهما يعنى ما دام القالب يكون مأوى الروح ومقره يكون مأوى الامر ومقره بان لاتسقط عنه التكاليف واما المعين فهو عين الحكمة الجارية من القلب على اللسان انتهى، اللهم يامعين اجعلنا من اهل المعين.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {وجعلنا ابنَ مريَم وأمه آيةً} دالة على كمال قدرتنا؛ بولادته منها من غير مسيس بشر، ووحَّدها؛ لأن الأعجوبة فيهما واحدة. أو المراد: وجعلنا ابن مريم آية وأمه آية، فحذفت الأولى؛ لدلالة الثانية عليها، أي: وجعلنا ابن مريم وحده، من غير أن يكون له أب، آية، وأمه، من حيث أنها وَلدت من غير ذَكَر، آية، وتقديمه عليه السلام؛ لأصالته فيما ذَكَر من كونه آية, كما أن تقديم أمه في قوله تعالى: {أية : وَجَعَلْنَاهَا وَٱبْنَهَآ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ}تفسير : [الأنبياء: 91]، لأصالتها فيما نسب إليها من الإحصان والنفخ. {وآويناهما} أي: جعلنا مأويهما ومنزلهما {إلى ربوةٍ} أي: أرض مرتفعة، وهو بيت المقدس؛ فإنها كبد الأرض، وأقرب الأرض إلى السماء، بمعنى أنه يزيد علوها على علو الأرض، فينتقصُ بُعدها عن السماء عن بُعد غيرها منها بثمانية عشر ميلاً، كما جاء، ولعل ذلك سر كونها أرض الحشر، وكون الإسراء وقع منها. قاله المحشي، وقيل: دمشق، وقيل: فلسطين، والرملة. {ذات قرارٍ}؛ مستقر من الأرض، مستوية منبسطة، سهلة، أو ذات ثمار، يستقر؛ لأجل ثمارها، ساكنوها فيها، {ومَعِين} أي: ماء معين، ظاهر، جارٍ، فقيل: من معن، إذا جرى، أو مدرك بالعين لظهوره, من عانه, إذا أدركه بعينه, أو من الماعون, وهو النفع؛ لأنه نفاع لظهوره وجريه. والله تعالى أعلم. الإشارة: كان عيسى عليه السلام منقطعاً عن هذا العالم، متبتلاً زاهداً، لم يتخذ في هذه الدنيا قراراً، ولم يبن فيها مسكناً ولا داراً، فكان آية للعباد والزهاد من الرجال. كما أن أمه كانت آية للنساء العابدات، في التبتل والانقطاع، فآواهما إلى ربوة التقريب والاصطفاء، ذات قرار وتمكين ومصافاة ووفاء، وجعل، جل جلاله، أولياءه على قدم أنبيائه، فمنهم على قدم نوح عليه السلام في القوة ونفوذ الهمة، مهما دعا على أحد هلك. ومنهم على قدم إبراهيم عليه السلام في الشفقة والرحمة وعلو الهمة، وتحقيق التوحيد، وإمام أهل التفريد، ومنهم على قدم موسى عليه السلام في المناجاة والمكالمة والقوة والعزم، ومنهم على قدم عيسى عليه السلام في الزهد والانقطاع، ومنهم على قدم نبينا محمد - عليه الصلاة والسلام -؛ وهو الجامع لما افترق في غيره، وهو قطب الدائرة، نفعنا الله بهم جميعاً. ولما كان حل الانبياء بالشام التي هي ذات قرار وإنعام أمرهم بالأكل من ملك النعم
الجنابذي
تفسير : {وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً} فانّ مريم (ع) كانت من اوّل بلوغها آية الله لانّها كانت متعبّدة غير ملتفتةٍ الى الدّنيا وملاذّها، يأتيها رزقها من الله يأتيها فاكهة الصّيف فى الشّتاء وفاكهة الشّتاء فى الصّيف وحملت من غير مسيس بشرٍ، وكان مدّة حملها اقصر مدّةٍ؛ ساعة او اكثر بيسير، فانّها لم يظهر على احدٍ انّها كانت حاملة وحملت من غير زوال بكارتها وكون عيسى (ع) آية لا حاجة فيه الى التّفصيل {وَآوَيْنَاهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍ} مكانٍ مرتفعٍ، وقرئ الرّبوة بضمّ الرّاء وفتحها، وقرئ رباوة بضمّ الرّاء وكسرها، والرّبوة والرّباوة بتثليث الرّاء فيهما المرتفع من الارض {ذَاتِ قَرَارٍ} للماء بانبساطها واستوائها او للنّاس بسبب انّ من كان فيها ومن دخلها يستقرّون فيها لحسن مكانها ووفور النّعم فيها {وَمَعِينٍ} اى ذات ماءٍ جارٍ من معن الماء اذا جرى، او من الماعون بمعنى المعروف، او اسم مفعول من العين بمعنى المدرك بالعيون لظهورها وارتفاعها والمراد بها بيت المقدس او دمشق او رملة فلسطين او مصر، وعن ابى جعفر (ع) وابى عبدالله (ع) انّها حيرة الكوفة وسوادها والقرار مسجد الكوفة والمعين الفرات.
اطفيش
تفسير : {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ} عيسى * {وَأُمَّهُ} مريم * {آيَةً} لم يقل آيتين لان الآية امر واحد مضاف إليهما وهو ولادته من غير فحل أو المراد جعلنا ابن مريم آية بان تكلم في المهد واحياء الموتى باذن الله وفعل غير ذلك وامه آية بان ولدته من غير مسيس فحذفت الاولى لدلالة الثانية أو بالعكس أو المراد آيتين أو آيات ولكن لما كان الكل مقصود به شيء واحد وهو الدلالة على الله افردت * {وَأَوَيْنَاهُمَآ} ضممناهما {إلَى رَبْوَةٍ} قال كعب وابن عباس مكان مرتفع وهو ارض بيت المقدس فانها مرتفعة والسماء منخفض إليها. وعن مجاهد الربوة مكان يستقر فيه الماء. وعن الحسن دمشق وهو قول ابن المسيب قيل وهو اشهر الاقوال لانها ذات قرار ومعين على الكمال كما قال الله سبحانه وتعالى. وعن الحسن فلسطين والرملة. وعن ابي هريرة فلسطين قال الزموا هذه الرملة رملة فلسطين فانها الربوة التي ذكر الله. وقيل: مصر فان قراها على الربا. وقرأ ابن عامر وعاصم بفتح الراء وقرأ رباوة بضم الراء وقرئ رباوة بكسرها. قال عياض: ويترجح ان الربوة في بيت لحم من بيت المقدس لان ولادة عيسى عليه السلام هنالك كانت. قال ابن العربي: والذي شاهدت عليه الناس ورأيتهم يعينونه تعيين تواتر ووصفا في سفح الجبل في غربي دمشق (انتهى). وسبب الايواء انها فرت بابنها إلى الربوة {ذَاتِ قَرَارٍ} صاحبة استواء يستقر عليها ساكنوها فهي ذات منازل أو القرار للموضع المستوي {وَمَعِينٍ} ماء معين اي ظاهر جار من الماعون وهو المنفعة لانه نفاع أو من معن الماء بمعنى كثر أو اجرى ما بعد فورته فعيل باماله الميم وزيادة الياء أو ماء ظاهر تراه العين فالميم زائدة والياء اصل أو منقلبة عن واو مفعول واصله معيون كمبيع اصله مبيوع يقال عانه اي رآه بعينه كركبه إذا ضربه بركبته. وعن قتادة ذات ثمار وماء وهو تفسير معنى لا لغة يعنى لاجل إنها ذات ثمار وماء يستقر فيها ساكنوها.
اطفيش
تفسير : {وجَعَلنا ابْن مَرْيم وأمَّه} معاً {آيةً} واحدة إذ ولدته بلا أب، أو أفردت الآية لتقدير جعلنا حال ابن مريم وأمه آية، أو جعلنا ابن مريم وأمه ذوى آية، أو جعلنا ابن مريم آية إذ تكلم صغيراً، وأحياء الموتى، وأشفى المرضى كبيراً وأمه آية إذ ولدته بلا أب، وإذ قالت فى شأن الرزق "أية : هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب"تفسير : [آل عمران: 37] وقدم لأصالته فى ما ذكر من الآية، وقدمت فى وجعلناها وابنها الخ لأصالتها فى الإحصان والنفخ. {وأويناهما} جعلناهما يذْهبان {الى رَبْوةٍ} مرتفع دون الجبل وهى دمشق كما روى عن ابن عباس، ويزيد بن شجرة الصحابى موقوفاً، وعن أبى امامة مرفوعاً وقيل رملة فلسطين، قال مرة البهزى: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : الربوة الرملة"تفسير : وقيل: بيت المقدس، وهو كبد الأرض بينه وبين السماء ثمانية عشر ميلا، كما روى عن كعب الأحبار، ولا يصح هذا القرب، وقيل مصر، ويقال: كل قرية منها على ربوة لئلا يغرقها النيل إذا زاد، وقيل: الاسكندرية، وليس كذلك، وشهر أنه ولد فى بيت لحم، أمرها الله عز وجل أَن تذهب به الى الربوة لئلا يقتله هيرودس فذهب بهما يوسف النجار، ولما مات هيرودس ردهما الى بيت لحم، ولما استخلف ابنه أرشلاوس خاف عليه وذهب بهما الى تخوم الخليل، وسكن مدينة تسمى ناصرة من أرض الشام. {ذات قرار} استقرار للناس لحسنها، وانبساطها، وزروعها وثمارها، {ومعين} ماء معين أي جار، يقال: معن أى جرى، وأصله الإبعاد فى الشىء، كما يقال: أمعن النظر أو قد كثر، والميم أصل والياء زائد، أو ماء على وجه الأرض تراه العين، فالميم زائد والياء أصل، والأصل معيون، {يا أيها الرسُل كلُوا} الخ مفعول لحال محذوفة محكية من نامن قوله: "جعلنا" أو قوله: "آوينا" أى قائلين فيما مضى قبل عيسى، لكل رسول فى زمانه يا أيها الرسول كل، فاقتد يا محمد بهم فى هذا الأكل، أو مفعول لقول مستأنف، أى قلنا فيما مضى لكل رسول يا أيها الرسول كل أو مستأنف مراد فيه بالرسل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم تعظيماً،ولا يختصر ذلك فى كلام العرب بالضمير نحو: "ربِّ ارجعون" أو يقدر تعظيماً كذلك قائلين لعيسى يا أيها الرسل، لاتصال الآية بذكر عيسى عليه السلام، وكان ياكل من غزل أمه، وهو أطيب كسب، والأمر للإباحة نهياً عن الرهبانية التى ابتدعها النصارى، إذا قلنا المراد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، أو مطلق الرسل، وقلنا الطيبات فى قوله: {من الطيبات} المستلذات، والشراب مستتبع للأكل، وإن قلنا: الحلال، فالأمر نهى عن أكل الحرام، وقوله: {واعملوا صالحاً} أنسب به، ويجوز أن يكون أمراً بالشكر على المستلذات، وفى حديث مرسل: ان عيسى يأكل من غزل أمه، ولعل هذا فى صغره، ثم بعد يأكل من البرية، وروى "حديث : أن أم عبد الله أخت شداد بن اوس بعثت لبناً اليه صلى الله عليه وسلم عند إفطاره، فقال: من أين؟ فقالت له: من شاتى، فقال: أنى لك الشاة؟ قالت: اشتريتها من مالى فشرب منه، فقالت له من الغد: لم قلت ذلك؟ فقال: أمرت الرسل قبلى أن لا تأكل إلاَّ طيباً ولا تعمل إلا صالحاً"تفسير : وهذا نص فى ان الطيب الحلال، وأن المشروب كالمأكول، ولا ينافى ذلك، ما روى أنه نهى أن يسأل من أين هذا الطعام، لأن هذا تبليغ وتحذير، والنهى تحذير عن التخرج، وقدم الأكل لأن به الحياة، وفيها يكون العمل، ولأن الحلال يعين على اصلاح العمل، وإن فسر بالمستلذات كان تقديم الأكل أنسب بالقرار والمعين. {إنى بما تعْمَلون} أيها الرسل، ولعل المراد بالذات أممهم {عليمٌ} فأجازيكم.
الالوسي
تفسير : {وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ ءايَةً} أية آية دالة على عظيم قدرتنا بولادته منها من غير مسيس بشر، فالآية أمر واحد مشترك بينهما فلذا أفردت، وجوز أن يكون الكلام على تقدير مضاف أي جعلنا حال ابن مريم وأمه آية أو جعلنا ابن مريم وأمه ذوي آية وأن يكون على حذف آية من الأول لدلالة الثاني عليه أو بالعكس أي جعلنا ابن مريم آية لما ظهر فيه عليه السلام من الخوارق كتكلمه في المهد بما تكلم صغيراً وإحيائه الموتى وإبرائه الأكمه والأبرص وغير ذلك كبيراً وجعلنا أمه آية بأن ولدت من غير مسيس، وقال الحسن: إنها عليها / السلام تكلمت في صغرها أيضاً حيث قالت: { أية : هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إنَّ ٱللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ } تفسير : [آل عمران: 37] ولم تلتقم ثدياً قط، وقال الخفاجي: لك أن تقول: إنما يحتاج إلى توجيه إفراد الآية بما ذكر إذا أريد أنها آية على قدرة الله تعالى أما إذا كانت بمعنى المعجزة أو الإرهاص فلا لأنها إنما هي لعيسى عليه السلام لنبوته دون مريم اهـ. ولا يخفى ما فيه والوجه عندي ما تقدم، والتعبير عن عيسى عليه السلام بابن مريم وعن مريم بأمه للإيذان من أول الأمر بحيثية كونهما آية فإن نسبته عليه السلام إليها مع أن النسب إلى الآباء دالة على أن لا أب له أي جعلنا ابن مريم وحدها من غير أن يكون له أب وأمه التي ولدته خاصة من غير مشاركة الأب آية، وتقديمه عليه السلام لأصالته فيما ذكر من كونه آية كما قيل إن تقديم أمه في قوله تعالى: { أية : وَجَعَلْنَـٰهَا وَٱبْنَهَا ءايَةً لّلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [الأنبياء: 91] لأصالتها فيما نسب إليها من الإحصان والنفخ. ثم اعلم أن الذي أجمع عليه الإسلاميون أنه ليس لمريم ابن سوى عيسى عليه السلام. وزعم بعض النصارى قاتلهم الله تعالى أنها بعد أن ولدت عيسى تزوجت بيوسف النجار وولدت منه ثلاثة أبناء، والمعتمد عليه عندهم أنها كانت في حال الصغر خطيبة يوسف النجار وعقد عليها ولم يقربها ولما رأى حملها بعيسى عليه السلام هم بتخليتها فرأى في المنام ملكاً أوقفه على حقيقة الحال فلما ولدت بقيت عنده مع عيسى عليه السلام فجعل يربيه ويتعهده مع أولاد له من زوجة غيرها فأما هي فلم يكن يقربها أصلاً. والمسلمون لا يسلمون أنها كانت معقوداً عليها ليوسف ويسلمون أنها كانت خطيبته وأنه تعهدها وتعهد عيسى عليه السلام ويقولون: كان ذلك لقرابته منها. {وَءاوَيْنَـٰهُمَا} أي جعلناهما يأويان {إِلَىٰ رَبْوَةٍ} هي ما ارتفع من الأرض دون الجبل. واختلف في المراد بها هنا فأخرج وكيع وابن أبـي شيبة وابن المنذر وابن عساكر بسند صحيح عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: {إِلَىٰ رَبْوَةٍ} أنبئنا أنها دمشق، وأخرج ابن عساكر عن عبد الله بن سلام وعن يزيد بن شجرة الصحابـي وعن سعيد بن المسيب وعن قتادة عن الحسن أنهم قالوا: الربوة هي دمشق، وفي ذلك حديث مرفوع أخرجه ابن عساكر عن أبـي أمامة بسند ضعيف. وأخرج جماعة عن أبـي هريرة أنه قال: هي الرملة من فلسطين، وأخرج ذلك ابن مردويه من حديثه مرفوعاً، وأخرج الطبراني في «الأوسط» وجماعة عن مرة البهزي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الربوة الرملة، وأخرج ابن جرير وغيره عن الضحاك أنه قال: هي بيت المقدس، وأخرج هو وغيره أيضاً عن قتادة أنه قال: كنا نحدث أن الربوة بيت المقدس، وذكروا عن كعب أن أرضه كبد الأرض وأقربها إلى السماء بثمانية عشر ميلاً ولذا كان المعراج ورفع عيسى عليه السلام منه، وهذا القول أوفق بإطلاق الربوة على ما سمعت من معناها، وأخرج ابن المنذر وغيره عن وهب وابن جرير وغيره عن ابن زيد الربوة مصر، وروي عن زيد بن أسلم أنه قال: هي الإسكندرية، وذكروا أن قرى مصر كل واحدة منها على ربوة مرتفعة لعموم النيل في زيادته جميع أرضها فلو لم تكن القرى على الربى لغرقت. وذكر أن سبب هذا الإيواء أن ملك ذلك الزمان عزم على قتل عيسى عليه السلام ففرت به أمه إلى أحد هذه الأماكن التي ذكرت كذا في «البحر»، ورأيت في «إنجيل متى» أن عيسى عليه السلام لما ولد في بيت لحم في أيام هيرودس الملك وافى جماعة من / المجوس من المشرق إلى أورشليم يقولون: أين المولود ملك اليهود فقد رأينا نجمه في المشرق وجئنا لنسجد له فلما سمع هيرودس اضطرب وجمع رؤساء الكهنة وكتبة الشعب فسألهم أين يولد المسيح؟ فقالوا: في بيت لحم فدعا المجوس سراً وتحقق منهم الزمان الذي ظهر لهم فيه النجم وأرسلهم إلى بيت لحم وقال لهم: اجهدوا في البحث عن هذا المولود فإذا وجدتموه فأخبروني لأسجد له معكم فذهبوا فوجدوه مع مريم فسجدوا وقربوا القرابين ورأوا في المنام أن لا يرجعوا إلى هيرودس فذهبوا إلى كورتهم ورأى يوسف في المنام ملكاً يقول له قم فخذ الطفل وأمه واهرب إلى مصر وكن هناك حتى أقول لك فإن هيرودس قد عزم على أن يطلب الطفل ليهلكه فقام وأخذ الطفل وأمه ليلاً ومضى إلى مصر وكان هناك إلى وفاة هيرودس فلما توفي رأى يوسف الملك في المنام يقول له: قم فخذ الطفل وأمه واذهب إلى أرض إسرائيل فقد مات من يطلب نفس الطفل فقام وأخذهما وجاء إلى أرض إسرائيل فلما سمع أن أرشلاوس قد ملك على اليهودية بعد أبيه هيرودس خاف أن يذهب هناك فأخبر في المنام وذهب إلى تخوم الجليل فسكن في مدينة تدعى ناصرة اهـ، فإن صح هذا كان الظاهر أن الربوة في أرض مصر أو ناصرة من أرض الشام والله تعالى أعلم. وقرأ أكثر القراء {ربوة} بضم الراء وهي لغة قريش. وقرأ أبو إسحٰق السبيعي {ربوة} بكسرها، وابن أبـي إسحٰق {رباة} بضم الراء وبالألف، وزيد بن علي رضي الله تعالى عنهما والأشهب العقيلي والفرزدق والسلمي في نقل صاحب «اللوامح» بفتحها وبالألف. وقرىء بكسرها وبالألف. {ذَاتِ قَرَارٍ} أي مستقر من أرض منبسطة، والمراد أنها في واد فسيح تنبسط به نفس من يأوى إليه، وقال مجاهد: ذات ثمار وزروع، والمراد أنها محل صالح لقرار الناس فيه لما فيه من الزروع والثمار وهو أنسب بقوله تعالى: {وَمَعِينٍ} أي وماء معين أي جار، ووزنه فعيل على أن الميم أصلية من معن بمعنى جرى، وأصله الإبعاد في الشيء ومنه أمعن النظر. وفي «البحر» معن الشيء معانة كثر أو من الماعون، وإطلاقه على الماء الجاري لنفعه، وجوز أن يكون وزنه مفعول كمخيط على أن الميم زائدة من عانه أدركه بعينه كَرَكَبَهُ إذا ضربه بركبته وإطلاقه على الماء الجاري لما أنه في الأغلب يكون ظاهراً مشاهداً بالعين، ووصف الماء بذلك لأنه الجامع لانشراح الصدر وطيب المكان وكثرة المنافع.
ابن عاشور
تفسير : لما كانت آية عيسى العظمى في ذاته في كيفيَّة تكوينه كان الاهتمام بذكرها هنا، ولم تذكر رسالته لأن معجزة تخليقه دالة على صدق رسالته. وأما قوله {وأمه} فهو إدماج لتسفيه اليهود فيما رموا به مريم عليها السلام فإن ما جعله الله آية لها ولابنها جعلوه مطعناً ومغمزاً فيهما. وتنكير {آية} للتعظيم لأنها آية تحتوي على آيات. ولما كان مجموعها دالاً على صدق عيسى في رسالته جعل مجموعها آية عظيمة على صدقه كما علمتَ. وأما قوله: {وآويناهما إلى رُبوة} فهو تنويه بهما إذ جعلهما الله محل عنايته ومظهر قدرته ولطفه. والإيواء: جعل الغير آوياً، أي ساكناً. وتقدم عند قوله: { أية : أو آوي إلى ركن شديد } تفسير : في سورة هود (80) وعند قوله: { أية : سآوي إلى جبل يعصمني من الماء } تفسير : في سورة هود (43). والرُبوة بضم الراء: المرتفع من الأرض. ويجوز في الراء الحركات الثلاث. وتقدم في قوله تعالى: { أية : كمثل جنة بربوة } تفسير : في البقرة (265). والمراد بهذا الإيواء وحي الله لمريم أن تنفرد بربوة حين اقترب مخاضُها لتلد عيسى في منعزل من الناس حفظاً لعيسى من أذاهم. والقرار: المكث في المكان، أي هي صالحة لأن تكون قراراً، فأضيفت الربوة إلى المعنى الحاصل فيها لأدنى ملابسة وذلك بما اشتملت عليه من النخيل المثمر فتكون في ظله ولا تحتاج إلى طلب قوتها. والمعين: الماء الظاهر الجاري على وجه الأرض، وهو وصف جرى على موصوف محذوف، أي ماء معين، لدلالة الوصف عليه كقوله: { أية : حملناكم في الجارية } تفسير : [الحاقة: 11]. وهذا في معنى قوله في سورة مريم (24 ـــ 26) { أية : قد جعل رَبّك تَحْتَكِ سَريّاً وهُزّي إليك بجذْع النخلة تَسَّاقطْ عليك رُطَباً جَنِيَّاً فَكُلِي واشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً }.
د. أسعد حومد
تفسير : {آيَةً} {وَآوَيْنَاهُمَآ} (50) - يَقُولُ تَعَالَى إِنَّهُ جَعَلَ عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ مَرْيَمَ بِنْتَ عِمرَانَ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ، آيَةً للنَّاسِ، وَبُرْهَاناً قَاطِعاً عَلَى قُدْرَتِهِ تَعَالَى عَلَى مَا يَشَاءُ، فَقَدْ أَوْجَدَ عِيسَى مِنْ غَيْرِ أب، خِلاَفاً لِمَا جَرَتْ بِهِ العَادَةُ، وَأَنْطَقَهُ وَهُوَ فِي المَهْدِ، وَأَبْرَأَ عَلَى يَدَيْهِ الأًَكْمَه والأَبْرَصَ، وَأَحْيَا المَوْتَى بِإِذْنِ رَبِّهِ، وَجَعَلَهُ وأُمَّهُ يَنْزِلاَنِ فِي مَكَانٍ مِنَ الأَرْضِ (رَبْوَةٍ) تَطِيبُ فِيهِ الإِقَامَةُ وَيَحْسنُ فِيهِ النَّبَاتُ، فِيهِ المَاءُ والخُضْرَةُ. المَعِين - المَاءُ الجَارِي. ذَاتِ قَرَار - ذَاتِ خِصْب. آوَيْنَاهُما - صَيَّرْنَاهُمَا وَأًَوْصَلْنَاهُمَا.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : بعد أن أعطانا هذه اللقطة الموجزة من قصة موسى وهارون انتقل إلى المسيح ابن مريم، والقرآن في حديثه عن عيسى عليه السلام مرة يقول: ابن مريم، ومرة يقول: عيسى بن مريم. وتسمية عيسى عليه السلام بأمه هي التي جعلتْ سيدتنا وسيدة نساء العالمين مريم ساعة تُبشَّر بغلام تستنكر ذلك، وتقول: كيف ولم يمسسني بشر؟ ولم يخطر ببالها أنها يمكن أنْ تتزوّج وتُنجب، لماذا؟ لأن الله سماه ابن مريم، وما دام سماه بأمه، إذن: فلن يكون له أب. وليس أصعب على الفتاة من أن تجد نفسها حاملاً ولم يمسسها رجل؛ لأن عِرْض الفتاة أغلى وأعزّ ما تملك، لذلك مهّد الحق - تبارك وتعالى - لهذه المسألة، وأعدَّ مريم لاستقبالها، وأعطاها المناعة اللازمة لمواجهة هذا الأمر العجيب، كما نفعل الآن في التطعيم ضد الأمراض، وإعطاء المناعة التي تمنع المرض. فلما دخل زكريا - عليه السلام - على مريم فوجد عندها رزقاً لم يأْتِ به، وهو كفيلها والمسئول عنها، سألها: {أية : أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ..} تفسير : [آل عمران: 37] وكان هذا الردّ من مريم عن فَهْم تام لقضية الرزق، ولم يكُنْ كلام دراويش، بدليل أنها قالت بعدها: {أية : إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} تفسير : [آل عمران: 37]. وفي هذا الموقف درس لكل أب ولكل وليّ أمر ورب أسرة أن يسأل أهل بيته عن كل شيء يراه في بيته ولم يأْتِ هو به، حتى لا يدعَ لأولاده فرصة أنْ تمتد أيديهم إلى ما ليس لهم. لقد انتفع زكريا - عليه السلام - بهذا القول وانتبه إلى هذه الحقيقة، نعم زكريا يعلم أن الله يرزق مَنْ يشاء بغير حساب، لكن ذلك العلم كان معلومة في حاشية الشعور، فلما سمعها من مريم خرجتْ إلى بُؤرة شعوره، وعند ذلك دعا الله أن يرزقه الولد وقد بلغ من الكِبَر عِتياً، وامرأته عاقر. وكذلك انتفعت بها مريم حين أحسَّتْ بالحمل دون أن يمسسْها بشر فاطمأنتْ؛ لأن الله يرزق مَنْ يشاء بغير حساب. وقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ ..} [المؤمنون: 50] فأخبر سبحانه عن المثنى بالمفرد {آيَةً ..} [المؤمنون: 50] لأنهما مشتركان فيها: مريم آية لأنها أنجبت من غير زوج، وعيسى آية لأنه وُلِد من غير أب، فالآية إذن لا تكون في أحدهما دون الآخر، وهما فيها سواء. لذلك يراعي النص القرآني هذه المساواة فيُقَدِّم عيسى في آية: {وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً ..} [المؤمنون: 50] ويقدم مريم في آية أخرى: {أية : وَجَعَلْنَاهَا وَٱبْنَهَآ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ} تفسير : [الأنبياء: 91] هذه العدالة في النص لأنهما سواء في الخبرية لا يتميز أحدهما على الآخر. والآية هي الأمر العجيب الذي يُثبت لنا طلاقة قدرة الخالق في الخَلْق، وحتى لا يظن البعض أن مسألة الخَلْق مسألة (ميكانيكية) من أب وأم، لذلك كان وجه العجب في خَلْق عيسى أن يخرج عن هذه القاعدة ليجعله الله دليلاً على قدرته تعالى، فإنْ أراد أنْ يخلق خلق من العدم، أو من أب فقط، أو من أم فقط، وحتى في اكتمال العنصرين يوجد الأب والأم، لكن لا يوجد الإنجاب، إذن: المسألة إرادة لله عز وجل، وطلاقة لقدرة إلهية لا حدودَ لها. يقول سبحانه: {أية : لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً ..} تفسير : [الشورى: 50]. والآن نلاحظ أن البعض يحاول منع الإنجاب بشتى الوسائل، لكن إنْ قُدِّر له مولود جاء رغم أنف الجميع، ورغم إحكام وسائل منع الحمل التي تفننوا فيها. ثم يقول سبحانه: {وَآوَيْنَاهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} [المؤمنون: 50] من الطبيعي بعد أن حملتْ مريم بهذه الطريقة أنْ تُضطهد من قومها وتُطارد، بل وتستحي هي من الناس وتتحاشى أن يراها أحد، ألا ترى قوله تعالى عن ابنة شعيب: {أية : فَجَآءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى ٱسْتِحْيَآءٍ ..} تفسير : [القصص: 25] على استحياء، لأنها ذهبت لاستدعاء فتىً غريب عنها، فما بالك بمريم حين يراها القوم حاملاً وليس لها زوج؟ إنها مسألة أصعب ما تكون على المرأة. لذلك لما سئل الإمام محمد عبده وهو في باريس: بأيِّ وجه قابلتْ عائشة قومها بعد حادثة الإفك؟ فألهمه الله الجواب وهداه إلى الصواب، فقال: بالوجه الذي قابلتْ به مريمُ قومَها وقد جاءتْ تحمل ولدها؛ ذلك لأنهم أرادوا أنْ يأخذوها سُبة ومطعناً في جبين الإسلام. ولما كانت مريم بهذه الصفة تولاها الله ودافع عنها، فهذا يوسف النجار وكان خطيب مريم حين يرى مسألة حَمْلها، وهو أَغْير الناس عليها بدل أنْ يتشكك فيها ويتهمها يتحوّل قلبه عليها بالعطف، كما قال تعالى: {أية : وَاعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ..} تفسير : [الأنفال: 24]. فإذا به يخدمها ويحنُو عليها؛ لأن الله أنزل المسألة على قلبه منزل الرضا، وكل ما قاله في مجادلة مريم وفي الاستفسار عَمَّا حدث بطريقة مهذبة: يا مريمُ أرأيتِ شجرة بدون بذرة؟ فضحكتْ مريم وقد فهمت ما يريد وقالت: نعم الشجرة التي أنبتت أول بذرة إنه كلام أهل الإيمان والفهم عن الله. لذلك آواها الله وولدها {وَآوَيْنَاهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} [المؤمنون: 50] وساعةَ تسمع كلمة الإيواء تفهم أن شخصاً اضطر إلى مكان يلجأ إليه ويأوي إليه، وكذلك كانت مريمُ مضطرة تحتاج إلى مكان يحتويها وهي مضطهدة من قومها. ولا بُدَّ في مكان الإيواء هذا أنْ تتوفر فيه مُقوِّمات الحياة، خاصة لمثل مريم التي تستعد لاستقبال وليدها، ومقومات الحياة: هواء وماء وطعام. فانظر كيف أعدَّ الحق - سبحانه وتعالى - لمريم مكان الإيواء: {وَآوَيْنَاهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍ ..} [المؤمنون: 50] وهي المكان العالي عن الأرض المنخفض عن الجبل، فهو معتدل الجو؛ لأنه بين الحرارة في الأرض المستوية والبرودة في أعلى الجبل. {ذَاتِ قَرَارٍ ..} [المؤمنون: 50] يعني: توفرتْ لها أسباب الاستقرار من ماء وطعام، فالماء يأتيها من أعلى الجبال ويمرُّ عليها ماءً معيناً، يعني: تراه بعينك، والطعام يأتيها من ثمار النخلة التي نزلت يجوارها. ومعلوم أن الربوة هي أنسب الأماكن حيث يمر عليها الماء من أعلى، ولا يتبقى فيها مياه جوفية تضرُّ بمزروعاتها؛ لأنها تتصرف في الأرض المنخفضة عنها. لذلك ضرب لنا الحق - تبارك وتعالى - المثل للأرض الخصبة التي تؤتي المحصول الوافر، فقال: {أية : وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ ..} تفسير : [البقرة: 265]. إذن: اختار الله تعالى لمريم القرار الذي تتوفر فيه مقومات الحياة على أعلى مستوى بحيث لا تحتاج أن تنتقل منه إلى غيره. وبعد ذلك يتكلم الحق - سبحانه وتعالى - عن قضية عامة بعد أن تكلَّم عن القرار ومُقوِّمات الحياة، وهي الطعام والشراب والهواء، فناسب ذلك أن يتكلم سبحانه عن المطعم: {يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَآوَيْنَاهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} معناه ضَمَمناهُما يعني عِيسى وأُمهُ عليهما السلام. ورُبْوَةٌ: مكانٌ مرتفعٌ. ويقال رَبْوةٌ بالفتح والمَعينُ: المَاء الظاهرُ وذَلِكَ بدِمشق. ويقال: بمِصر.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: وامتننا على عيسى ابن مريم، وجعلناه وأمه من آيات الله العجيبة، حيث حملته وولدته من غير أب، وتكلم في المهد صبيا، وأجرى الله على يديه من الآيات ما أجرى، { وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ } أي: مكان مرتفع، وهذا -والله أعلم- وقت وضعها، { ذَاتِ قَرَارٍ } أي: مستقر وراحة { وَمَعِينٍ } أي: ماء جار، بدليل قوله: {أية : قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ } تفسير : أي: تحت المكان الذي أنت فيه، لارتفاعه، {أية : سَرِيًّا } تفسير : أي: نهرا وهو المعين {أية : وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا }.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 696 : 4 : 7 - سفين عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب في قوله {وَآوَيْنَاهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} قال، هي دمشق. [الآية 50].
همام الصنعاني
تفسير : 1968- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ}: [الآية: 50]، قال: ذات ثمار وماء، وهي بيت المقدس. 1969- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيّب، في قوله تعالى: {رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} [الآية: 50]، قال: هي دمشق {ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} الغوطة. 1970- حدّثنا عبد الرزاق: قال: أنبأنا معمر، وقال قتادة، عن كعب: بيت المقدس أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلاً. 1971- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً}: [الآية: 50]، قال: ولدت من غير أَب هو له. 1972- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا بشر بن رافع عن عبد الله بن عم أبي هريرة، قال: سمعت أبا هريرة يقول في قول الله تعالى: {رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ}: [الآية: 50]، قال: هي الرملة من فلسطين.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):