Verse. 2724 (AR)

٢٣ - ٱلْمُؤْمِنُون

23 - Al-Mu'minoon (AR)

يٰۗاَيُّہَا الرُّسُلُ كُلُوْا مِنَ الطَّيِّبٰتِ وَاعْمَلُوْا صَالِحًا۝۰ۭ اِنِّىْ بِمَا تَعْمَلُوْنَ عَلِيْمٌ۝۵۱ۭ
Ya ayyuha alrrusulu kuloo mina alttayyibati waiAAmaloo salihan innee bima taAAmaloona AAaleemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يا أيها الرسل كلوا من الطيبات» الحلالات «واعلموا صالحاً» من فرض ونفل «إني بما تعملون عليم» فأجازيكم عليه.

51

Tafseer

الرازي

تفسير : إعلم أن ظاهر قوله: {يا أيها الرسل} خطاب مع كل الرسل وذلك غير ممكن لأن الرسل إنما أرسلوا متفرقين في أزمنة متفرقة مختلفة فكيف يمكن توجيه هذا الخطاب إليهم، فلهذا الإشكال اختلفوا في تأويله على وجوه: أحدها: أن المعنى الإعلام بأن كل رسول فهو في زمانه نودي بهذا المعنى ووصى به ليعتقد السامع أن أمراً نودي له جميع الرسل ووصوا به حقيق بأن يؤخذ به ويعمل عليه وثانيها: أن المراد نبينا عليه الصلاة والسلام لأنه ذكر ذلك بعد انقضاء أخبار الرسل، وإنما ذكر على صيغة الجمع كما يقال للواحد أيها القوم كفوا عني أذاكم ومثله { أية : ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ } تفسير : [آل عمران: 173] وهو نعيم بن مسعود كأنه سبحانه لما خاطب محمداً صلى الله عليه وسلم بذلك بين أن الرسل بأسرهم لو كانوا حاضرين مجتمعين لما خوطبوا إلا بذلك ليعلم رسولنا أن هذا التثقيل ليس عليه فقط، بل لازم على جميع الأنبياء عليهم السلام وثالثها: وهو قول محمد بن جرير أن المراد به عيسى عليه السلام لأنه إنما ذكر ذلك بعدما ذكر مكانه الجامع للطعام والشراب ولأنه روى أن عيسى عليه السلام كان يأكل من غزل أمه، والقول الأول أقرب لأنه أوفق للفظ الآية، ولأنه روي عن أم عبد الله أخت شداد بن أوس أنها بعثت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدح من لبن في شدة الحر عند فطره وهو صائم حديث : فرده الرسول إليها وقال من أين لك هذا؟ فقالت من شاة لي، ثم رده وقال: من أين هذه الشاة؟ فقالت اشتريتها بمالي فأخذه. ثم إنها جاءته وقالت: يا رسول الله لم رددته؟ فقال عليه السلام بذلك أمرت الرسل أن لا يأكلوا إلا طيباً ولا يعملوا إلا صالحاًتفسير : . أما قوله تعالى: {مّنَ ٱلطَّيّبَاتِ } ففيه وجهان: الأول: أنه الحلال وقيل طيبات الرزق حلال وصاف وقوام فالحلال الذي لا يعصى الله فيه، والصافي الذي لا ينسى الله فيه والقوام ما يمسك النفس ويحفظ العقل والثاني: أنه المستطاب المستلذ من المأكل والفواكه فبين تعالى أنه وإن ثقل عليهم بالنبوة وبما ألزمهم القيام بحقها، فقد أباح لهم أكل الطيبات كما أباح لغيرهم. واعلم أنه سبحانه كما قال المرسلين { يأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيّبَـٰتِ } فقال للمؤمنين: {يـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيّبَاتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ }، واعلم أن تقديم قوله: {كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيّبَـٰتِ } على قوله: {وَٱعْمَلُواْ صَـٰلِحاً } كالدلالة على أن العمل الصالح لا بد وأن يكون مسبوقاً بأكل الحلال، فأما قوله: {إِنّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ } فهو تحذير من مخالفة ما أمرهم به وإذا كان ذلك تحذيراً للرسل مع علو شأنهم فبأن يكون تحذيراً لغيرهم أولى. أما قوله: {وَإِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وٰحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ } فقد فسرناه في سورة الأنبياء وفيه مسألتان: المسألة الأولى: المعنى أنه كما يجب اتفاقهم على أكل الحلال والأعمال الصالحة فكذلك هم متفقون على التوحيد وعلى الإتقاء من معصية الله تعالى. فإن قيل لما كانت شرائعهم مختلفة فكيف يكون دينهم واحداً؟ قلنا المراد من الدين ما لا يختلفون فيه من معرفة ذات الله تعالى وصفاته، وأما الشرائع فإن الاختلاف فيها لا يسمى اختلافاً في الدين، فكما يقال في الحائض والطاهر من النساء إن دينهن واحد وإن افترق تكليفهما فكذا ههنا، ويدل على ذلك قوله: {وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ } فكأنه نبه بذلك على أن دين الجميع واحد فيما يتصل بمعرفة الله تعالى واتقاء معاصيه فلا مدخل للشرائع، وإن اختلفت في ذلك. المسألة الثانية: قرىء وإن بالكسر على الاستئناف وإن بمعنى ولأن وإن مخففة من الثقيلة وأمتكم مرفوعة معها. أما قوله تعالى: {فَتَقَطَّعُواْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً } فالمعنى فإن أمم الأنبياء عليهم السلام تقطعوا أمرهم بينهم وفي قوله: {فَتَقَطَّعُواْ } معنى المبالغة في شدة اختلافهم والمراد بأمرهم ما يتصل بالدين. أما قوله {زُبُراً } فقرىء زبراً جمع زبور أي كتباً مختلفة يعني جعلوا دينهم أدياناً وزبراً قطعاً استعيرت من زبر الفضة والحديد وزبراً مخففة الباء كرسل في رسل قال الكلبي ومقاتل والضحاك يعني مشركي مكة والمجوس واليهود والنصارى. أما قوله تعالى: {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ } فمعناه أن كل فريق منهم مغتبط بما اتخذه ديناً لنفسه معجب به يرى المحق أنه الرابح، وأن غيره المبطل الخاسر، ولما ذكر الله تعالى تفرق هؤلاء في دينهم أتبعه بالوعيد، وقال: {فَذَرْهُمْ فِى غَمْرَتِهِمْ } حتى حين الخطاب لنبينا صلى الله عليه وسلم يقول: فدع هؤلاء الكفار في جهلهم والغمرة الماء الذي يغمر القامة فكأن ما هم فيه من الجهل والحيرة صار غامراً ساتراً لعقولهم، وعن علي عليه السلام: {فِى غمراتهم حَتَّىٰ حِينٍ } وذكروا في الحين وجوهاً: أحدها: إلى حين الموت وثانيها: إلى حين المعاينة وثالثها: إلى حين العذاب، والعادة في ذلك أن يذكر في الكلام، والمراد به الحالة التي تقترن بها الحسرة والندامة، وذلك يحصل إذا عرفهم الله بطلان ما كانوا عليه وعرفهم سوء منقلبهم، ويحصل أيضاً عند المحاسبة في الآخرة، ويحصل عند عذاب القبر والمساءلة فيجب أن يحمل على كل ذلك. ولما كان القوم في نعم عظيمة في الدنيا جاز أن يظنوا أن تلك النعم كالثواب المعجل لهم على أديانهم، فبين سبحانه أن الأمر بخلاف ذلك، فقال: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي ٱلْخَيْرٰتِ } قرىء يمدهم ويسارع بالياء والفاعل هو الله سبحانه وفي المعنى وجهان: أحدهما: أن هذا الإمداد ليس إلا استدراجاً لهم في المعاصي، واستجراراً لهم في زيادة الإثم وهم يحسبونه مسارعة في الخيرات وبل للاستدراك لقوله: {أَيَحْسَبُونَ } يعني بل هم أشباه البهائم لا فطنة لهم ولا شعور حتى يتفكروا في ذلك، أهو استدراج أم مسارعة في الخير، وهذه الآية كقوله: { أية : وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوٰلُهُمْ وَأَوْلَـٰدُهُمْ } تفسير : [التوبة: 85] روي عن يزيد بن ميسرة: أوحى الله تعالى إلى نبي من الأنبياء «أيفرح عبدي أن أبسط له الدنيا وهو أبعد له مني، ويجزع أن أقبض عنه الدنيا وهو أقرب له مني» ثم تلا: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ } وعن الحسن: لما أتى عمر بسوار كسرى فأخذه ووضعه في يد سراقة فبلغ منكبه. فقال عمر اللهم إني قد علمت أن نبيك عليه الصلاة والسلام، كان يحب أن يصيب مالاً لينفقه في سبيلك، فزويت ذلك عنه نظراً. ثم إن أبا بكر كان يحب ذلك، اللهم لا يكن ذلك مكراً منك بعمر. ثم تلا: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ } الوجه الثاني: وهو أنه سبحانه إنما أعطاهم هذه النعم ليكونوا فارغي البال، متمكنين من الاشتغال بكلف الحق، فإذا أعرضوا عن الحق والحالة هذه، كان لزوم الحجة عليهم أقوى، فلذلك قال: {بَل لاَّ يَشْعُرُونَ }.

القرطبي

تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأولى: روى الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أيّها الناس إن الله طيّب لا يَقْبَل إلا طيباً وإنّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ } وقال تعالى: {يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم} ـ ثم ذكر ـ الرجلَّ يُطيل السّفر أشعث أغبر يمدّ يديه إلى السماء يا رب يا ربِّ ومَطْعَمُه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغُذِيَ بالحرام فأنَّى يستجاب لذلك».تفسير : الثانية: قال بعض العلماء: والخطاب في هذه الآية للنبيّ صلى الله عليه وسلم، وأنه أقامه مقام الرسل؛ كما قال: {أية : ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ} تفسير : [آل عمران: 173] يعني نُعيم بن مسعود. وقال الزجاج: هذه مخاطبة للنبيّ صلى الله عليه وسلم، ودلّ الجمع على أن الرسل كلهم كذا أمروا؛ أي كلوا من الحلال. وقال الطبريّ: الخطاب لعيسى عليه السلام؛ روي أنه كان يأكل من غزل أمه. والمشهور عنه أنه كان يأكل من بقل البَرِّيّة. ووجه خطابه لعيسى ما ذكرناه من تقديره لمحمد صلى الله عليه وسلم تشريفاً له. وقيل: إن هذه المقالة خوطب بها كل نبيّ؛ لأن هذه طريقتهم التي ينبغي لهم الكون عليها. فيكون المعنى: وقلنا يا أيها الرسل كلوا من الطيبات؛ كما تقول لتاجر: يا تجار ينبغي أن تجتنبوا الربا؛ فأنت تخاطبه بالمعنى. وقد اقترن بذلك أن هذه المقالة تصلح لجميع صنفه، فلم يخاطبوا قطّ مجتمعين صلوات الله عليهم أجمعين، وإنما خوطب كل واحد في عصره. قال الفرّاء: هو كما تقول للرجل الواحد: كُفُّوا عنا أذاكم. الثالثة: سوّى الله تعالى بين النبيّين والمؤمنين في الخطاب بوجوب أكل الحلال وتجنب الحرام، ثم شمل الكل في الوعيد الذي تضمنه قوله تعالى: {إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} صلى الله على رسله وأنبيائه. وإذا كان هذا معهم فما ظن كل الناس بأنفسهم. وقد مضى القول في الطيبات والرزق في غير موضع، والحمد لله. وفي قوله عليه السلام: «يمد يديه» دليل على مشروعية مدّ اليدين عند الدعاء إلى السماء؛ وقد مضى الخلاف في هذا والكلام فيه والحمد لله. وقوله عليه السلام «فأنَّى يستجاب لذلك» على جهة الاستبعاد؛ أي أنه ليس أهلاً لإجابة دعائه لكن يجوز أن يستجيب الله له تفضلاً ولطفاً وكرماً.

ابن كثير

تفسير : يأمر تعالى عباده المرسلين عليهم الصلاة والسلام أجمعين بالأكل من الحلال، والقيام بالصالح من الأعمال، فدل هذا على أن الحلال عون على العمل الصالح، فقام الأنبياء عليهم السلام بهذا أتم القيام، وجمعوا بين كل خير قولاً وعملاً، ودلالةً ونصحاً، فجزاهم الله عن العباد خيراً. قال الحسن البصري في قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ} قال: أما والله ما أمركم بأصفركم ولا أحمركم، ولا حلوكم ولا حامضكم، ولكن قال: انتهوا إلى الحلال منه. وقال سعيد بن جبير والضحاك: {كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ} يعني: الحلال. وقال أبو إسحاق السبيعي عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل: كان عيسى بن مريم يأكل من غزل أمه، وفي الصحيح: «حديث : وما من نبي إلا رعى الغنم» تفسير : قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: «حديث : نعم وأنا كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة»تفسير : . وفي الصحيح: «حديث : إن داود عليه السلام كان يأكل من كسب يده»تفسير : . وفي الصحيحين: «حديث : إن أحب الصيام إلى الله صيام داود، وأحب القيام إلى الله قيام داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وكان يصوم يوماً، ويفطر يوماً، ولا يفر إذا لاقى».تفسير : وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع، حدثنا أبو بكر بن أبي مريم عن ضَمْرة بن حبيب: أن أم عبد الله أخت شداد بن أوس قال: بعثت إلى النبي صلى الله عليه وسلم بقدح لبن عند فطره وهو صائم، وذلك في أول النهار وشدة الحر، فرد إليها رسولها: «حديث : أنى كانت لك الشاة؟»تفسير : فقالت: اشتريتها من مالي، فشرب منه، فلما كان من الغد، أتته أم عبد الله أخت شداد فقالت: يا رسول الله بعثت إليك بلبن، مرثية لك من طول النهار، وشدة الحر، فرددت إلي الرسول فيه، فقال لها: «حديث : بذلك أمرت الرسل: أن لا تأكل إلا طيباً، ولا تعمل إلا صالحاً»تفسير : . وقد ثبت في "صحيح مسلم" و"جامع الترمذي" و"مسند الإمام أحمد" واللفظ له، من حديث فضيل بن مرزوق عن عدي بن ثابت عن أبي حازم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : يا أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ وَٱعْمَلُواْ صَـٰلِحاً إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ}، وقال: {يـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ} ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب فأنى يستحاب لذلك؟» تفسير : وقال الترمدي: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث فضيل بن مرزوق. وقوله: {وَإِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً} أي: دينكم يا معشر الأنبياء دين واحد، وملة واحدة، وهو الدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ولهذا قال: {وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ} وقد تقدم الكلام على ذلك في سورة الأنبياء، وأن قوله: {أُمَّةً وَٰحِدَةً} منصوب على الحال. وقوله: {فَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً} أي: الأمم الذين بعثت إليهم الأنبياء {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} أي: يفرحون بما هم فيه من الضلال؛ لأنهم يحسبون أنهم مهتدون، ولهذا قال متهدداً لهم ومتوعداً: {فَذَرْهُمْ فِى غَمْرَتِهِمْ} أي: في غيهم وضلالهم {حَتَّىٰ حِينٍ} أي: إلى حين حينهم وهلاكهم؛ كما قال تعالى: {أية : فَمَهِّلِ ٱلْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً} تفسير : [الطارق: 17] وقال تعالى: {أية : ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ ٱلأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [الحجر: 3]. وقوله: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ } يعني: أيظن هؤلاء المغرورون أن ما نعطيهم من الأموال والأولاد؛ لكرامتهم علينا، ومعزتهم عندنا؟ كلا، ليس الأمر كما يزعمون في قولهم: {أية : نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَٰلاً وَأَوْلَـٰداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ } تفسير : [سبأ: 35] لقد أخطؤوا في ذلك، وخاب رجاؤهم، بل إنما نفعل بهم ذلك، استدراجاً وإنظاراً وإملاء، ولهذا قال: {بَل لاَّ يَشْعُرُونَ} كما قال تعالى: {أية : فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا}تفسير : [التوبة: 55] الآية. وقال تعالى: {أية : إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً} تفسير : [آل عمران: 178] وقال تعالى: {أية : فَذَرْنِى وَمَن يُكَذِّبُ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ وَأُمْلِى لَهُمْ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ} تفسير : [القلم: 44 ــــ 45] الآية، وقال: {أية : ذَرْنِى وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً ــــ إلى قوله ــــ عَنِيدًا} تفسير : [المدثر: 11 ــــ 16] وقال تعالى: {أية : وَمَآ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ بِٱلَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَزَآءُ ٱلضِّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ وَهُمْ فِي ٱلْغُرُفَاتِ آمِنُونَ} تفسير : [سبأ: 37] الآية، والآيات في هذا كثيرة. قال قتادة في قوله: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ} قال: مكر والله بالقوم في أموالهم وأولادهم، يابن آدم فلا تعتبر الناس بأموالهم وأولادهم، ولكن اعتبرهم بالإيمان والعمل الصالح. وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا أبان بن إسحاق عن الصباح بن محمد عن مرة الهمداني، حدثنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا لمن أحب، فمن أعطاه الله الدين، فقد أحبه، والذي نفس محمد بيده لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه، ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه» تفسير : قالوا: وما بوائقه يا رسول الله؟ قال: «حديث : غشمه وظلمه، ولا يكسب عبد مالاً من حرام فينفق منه فيبارك له فيه، ولا يتصدق به فيقبل منه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار، إن الله لا يمحو السيىء بالسيىء ولكن يمحو السيىء بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث».

المحلي و السيوطي

تفسير : { يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ } الحلالات {وَٱعْمَلُواْ صَٰلِحاً } من فرض ونفل {إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ } فأجازيكم عليه.

الماوردي

تفسير : قوله: {وإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدةً} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: دينكم دين واحد، قاله الحسن، ومنه قول الشاعر: شعر : حلفت فلم أترك لنفسك ريبةً وهل يأتَمن ذو أمة وهو طائع تفسير : الثاني: جماعتكم جماعة واحدة، حكاه ابن عيسى. الثالث: خلقكم خلق واحد. قوله: {فَتَقَطَّعُواْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ} فيه وجهان: أحدهما: ففرقوا دينهم بينهم قاله الكلبي. الثاني: انقطع تواصلهم بينهم. وهو محتمل. {زُبُراً} فيه تأويلان: أحدهما يعني قطعاً وجماعات، قاله مجاهد، والسدي، وتأويل من قرأ بفتح الباء. الثاني: يعني، كتباً، قاله قتادة، وتأويل من قرأ بضم الباء ومعناه، أنهم تفرقوا الكتب، فأخذ كل فريق منهم كتاباً، آمن به وكفر بما سواه. {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} فيه وجهان: أحدهما: كل حزب بما تفردوا به من دين وكتاب فرحون. والثاني: كل حزب بما لهم من أموال وأولاد فرحون. وفي فرحهم وجهان: أحدهما: أنه سرورهم. والثاني: أنها أعمالهم. قوله عز وجل: {فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ} فيها أربعة تأويلات: أحدها: في ضلالتهم، وهو قول قتادة. والثاني: في عملهم، وهو قول يحيى بن سلام. والثالث: في حيرتهم، وهو قول ابن شجرة. والرابع: في جهلهم، وهو قول الكلبي. {حَتَّى حِينٍ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: حتى الموت. والثاني: حتى يأتيهم ما وعدوا به، وهو يوم بدر. والثالث: أنه خارج مخرج الوعيد كما تقول للتوعد: لك يوم، وهذا قول الكلبي. قوله عز وجل: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ} أي نعطيهم ونزيدهم من أموال وأولاد. {نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ} فيه وجهان: أحدهما: نجعله في العامل خيراً. والثاني: أنما نريد لهم بذلك خيراً. {بَل لاَّ يَشْعُرُونَ} فيه وجهان: أحدهما: بل لا يشعرون أنه استدراج. والثاني: بل لا يشعرون أنه اختبار.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {يَٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ وَٱعْمَلُواْ صَـٰلِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} يحتمل أنْ يكون معناه: وقلنا يا أيها الرسلُ، وقالت فرقة: الخطاب بقوله: {يَٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ} للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم. قال * ع *: والوجه في هذا أَنْ يكون الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وخرج بهذه الصيغة، لِيُفْهَمَ وجيزاً أَنَّ المقالة قد خُوطِبَ بها كُلُّ نبيٍّ، أو هي طريقتُهم التي ينبغي لهم الكونُ عليها؛ كما تقول لعالم: يا علماءٌ إنَّكُم أَئمَّةٌ يُقْتَدَى بكم؛ فتمسكوا بعلمكم، وقال الطبريُّ: الخطاب لعيسَى عليه السلام. قلت: والصحيح في تأويل الآية: أَنَّه أمر للمُرْسَلِينَ كما هو نَصٌّ صريح في الحديث الصحيح؛ فلا معنى للتردد في ذلك وقد روى مسلم والترمذيُّ عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنَّ اللّهَ طَيِّب وَلاَ يَقْبَلُ إلاَّ طَيِّباً، وَإنَّ اللّهَ أَمَرَ المُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ المُرْسَلِينَ، فَقَالَ: {يَٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ وَٱعْمَلُواْ صَـٰلِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [المؤمنون:الآية51]. وقال: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ} [البقرة:172]. ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ أَغْبَر، يَمُدُّ يَدَيْهِ إلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حرامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وغُذِّيَ بِالْحَرَامِ؛ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟!» تفسير : اهـــ. وقوله تعالى: {وَإِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ * فَتَقَطَّعُواْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}، وهذه الآية تُقَوَّى أَنَّ قوله تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ} إنَّما هو مخاطبة لجميعهم، وأَنَّه بتقدير حضورهم، وإذا قُدِّرَتْ: {يَٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ} مخاطبةً للنبي صلى الله عليه وسلم ـــ قَلِقَ اتصالُ هذه واتصال وقولِهِ: {فَتَقَطَّعُواْ}، ومعنى الأُمَّةِ هنا: المِلّةُ والشريعة، والإِشارة بهذه إلى الحنيفية السمحة مِلَّةِ إبراهيم عليه السلام، وهو دين الإِسلام. وقوله سبحانه: {فَتَقَطَّعُوا} يريد الأمم، أي: افترقوا، وليس بفعل مُطَاوِعٍ؛ كما تقول: تقطع الثوبُ؛ بل هو فعل مُتَعَدٍّ بمعنى قطعوا، وقرأ نافع: «زُبُراً» جمع زبور، وهذه القراءة تحتمل معنيين. أحدهما: أَنَّ الأممَ تنازعت كتباً مُنَزَّلَةً فَاتَّبَعَتْ فرقة الصُّحُفَ، وفرقة التوراة، وفرقة الإنجِيلَ، ثم حَرَّفَ الكُلُّ وَبَدَّلَ، وهذا قول قتادة ـــ والثاني: أنَّهم تنازعوا أمرهم كتباً وضعوها وضلالةً ألَّفُوها؛ قاله ابن زيد، وقرأ أبو عمرو بخلاف: «زُبَراً» بضم الزاي وفتح الباء، ومعناها: فرقاً كزبر الحديد، ومن حيث كان ذكرُ الأمم في هذه الآية مثالاً لقريش ـــ خاطب اللّه سبحانه نَبِيَّه محمداً صلى الله عليه وسلم في شأنهم مُتَّصلاً بقوله: {فَذَرْهُمْ} أي: فذِرْ هؤلاء الذين هم بمنزلة مَنْ تقدم، والغمرة: ما عَمَّهُمْ من ضلالهم وفُعِلَ بهم فعلَ الماء الغمر بما حصل فيه، والخيراتُ هنا نَعِمُ الدنيا. وقوله سبحانه: {وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ...} الآية: أسند الطبريُّ عن عائشة أنها قالت: «حديث : قلتُ: يا رسولَ اللّه، قوله تعالى: {يُؤْتُونَ مَا آتَوا} أَهي في الذي يَزْنِي وَيَسْرِقُ؟ قال: لا، يَا بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ، بَلْ هِيَ في الرَّجُلِ يَصُومُ وَيَتَصَدَّقُ وَقَلْبُهُ وَجِلٌ، يَخَافُ أَلاَّ يُتَقَبَّلَ مِنْهُ»تفسير : . قال * ع *: ولا نظرَ مع الحديث، والوَجَلُ: نحو الاشفاق والخوف، وصورة هذا الوَجِلِ إمَّا المُخَلِّطُ؛ فينبغي أنْ يكونَ أبداً تحت خوف من أنْ يكونَ ينفذ عليه الوعيد بتخليطه، وإمَّا التَّقِيُّ أوِ التائب، فخوفه أمرَ الخاتمة وما يطلع عليه بعد الموتِ، وفي قوله تعالى: {أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَٰجِعُونَ}: تنبيهٌ على الخاتمة، وقال الحسن: معناه الذين يفعلون ما يفعلون من البِرِّ، ويخافون أَلاَّ يُنْجِيَهُم ذلك من عذاب رَبِّهِم، وهذه عبارة حسنة، ورُوِيَ عن الحَسَنِ أيضاً أَنَّهُ قال: المؤمن يجمع إحساناً وشفقةً، والمنافِقُ يجمع إساءَةً وأمناً. قلت: ولهذا الخَطْبِ العظيم أطال الأولياءُ في هذه الدار حُزْنَهُمْ وأجروا على الوجنات مدامعهم. قال ابن المبارك في «رقائقه»: أخبرنا سفيان قال: إنما الحُزْنُ على قَدْرِ البصيرة. قال ابن المبارك: وأخبرنا مالك بن مغول عن رجل عن الحسن قال: ما عُبِدَ اللّهُ بمثل طُولِ الحُزْنِ، وقال ابن المبارك أيضاً: أخبرنا مسعر عن عبد الأعلى التَّيْمِيِّ قال: أَنَّ مَنْ أُوتي من العلم ما لا يُبْكِيهِ لَخَلِيقٌ أَلاَّ يكونَ أُوتِيَ علماً ينفعه؛ لأَنَّ اللّه تعالى نَعَتَ العلماءَ فقال: {أية : إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ}تفسير : إلى قوله: {أية : وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ} تفسير : [الإسراء:107-109]، انتهى.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ} الآية. اعلم أنَّ هذا خطاب مع كل الرسل، وذلك غير ممكن، لأنّ الرّسل إنّما أرسلوا متفرقين في أزمنة مختلفة، فلهذا تأوّلوه على وجوه: فقيل: معناه الإعلام بأن كلّ رسول نُودي في زمانه بهذا المعنى، ووصي به، ليعتقد السامع أن أمراً نودي له جميع الرسل، ووصوا به، حقيق أن يؤخذ ويعمل عليه. وقال الحسن ومجاهد وقتادة والسدي والكلبي وجماعة: أراد به محمداً - عليه السلام - وحّده على مذهب العرب في مخاطبة الواحد بلفظ الجماعة كقولك للواحد: أيُّها القوم كُفُّوا عنّا أذاكم ولأنه ذكر ذلك بعد انقضاء أخبار الرسل. وقال ابن جرير: المراد عيسى - عليه السلام - لأنه إنما ذكر بعد ذكره مكانه الجامع للطعام والشراب، ولأنه روي "أنّ عيسى عليه الصلاة والسلام كان يأكل من غزل أمه". والأول أقرب، لأنه أوفق للفظ، ولأنه حديث : روي عن أم عبد الله أخت شدّاد بن أوس أنها بعثت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدح لبن في شدّة الحر عند فطره وهو صائم فردّه الرسول إليها وقال: "من أين لَكِ هذا؟"، فقالت: من شاةٍ لي، فقال: "من أين هذه الشاة؟"، فقالت: اشتريتُها بِمَالي، فأخذه، ثم إنها جاءته فقالت: يا رسول الله لِمَ رَدَدته؟ فقال - عليه السلام -: "بذلك أمرت الرسل أن لا تأكل إلاّ طيباً ولا تعمل إلاّ صالحاً" . تفسير : واختلفوا في الطيّب، فقيل: هو الحلال. وقيل: هو المستطاب المستلذ من المأكل. قوله: {وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً} يجوز أن يكون "صالحاً" نعتاً لمصدر محذوف أي: واعملوا عملاً صالحاً من غير نظر إلى ما يعملونه، كقولهم: يُعطي ويمنع. ويجوز أن يكون مفعولاً به، وهو واقع على نفس المعمول. {إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} وهذا تحذير من مخالفة ما أمرهم به، وإذا كان تحذيراً للرسل مع علو شأنهم، فبأن يكون تحذيراً لغيرهم أولى. قوله: {وَإِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} قرأ ابن عامر وحده "وأن هذه" بفتح الهمزة وتخفيف النون. والكوفيون بكسرها والتثقيل. والباقون بفتحها والتثقيل. فأمّا قراءة ابن عامر فهي المخففة من الثقيلة، وسيأتي توجيه الفتح في الثقيلة، فيتضح معنى قراءته. وأمّا قراءة الكوفيين فعلى الاستئناف. وأمّا قراءة الباقين ففيها ثلاثة أوجه: أحدها: أنّها على حذف اللام أي: ولأنّ هذه، فلمّا حذف حرف الجَرّ جَرَى الخلاف المشهور، وهذه اللام تتعلق بـ "اتّقون". والكلام في الفاء كالكلام في قوله: {أية : وَإِيَّايَ فَارْهَبُون} تفسير : [البقرة: 40]. الثاني: أنها منسوقة على "بِمَا تَعْمَلُون" أي: إنِّي عليم بما تعملون وبأنّ هذه، فهذه داخلة في حيز المعلوم. الثالث: أنّ في الكلام حذفاً تقديره: واعلموا أن هذه أمتكم. وتقدّم {فَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً} وما قيل فيها. فصل المعنى: وأن هذه ملتكم وشريعتكم التي أنتم عليها أمةً واحدةً، أي: ملة واحدة وهي الإسلام. فإن قيل: لمّا كانت شرائعهم مختلفة فكيف يكون دينهم واحداً؟ فالجواب: أنّ المراد من الدين ما لا يختلفون من أصول الدين من معرفة ذات الله وصفاته، وأما الشرائع فإن الاختلاف فيها لا يُسمّى اختلافاً في الدين، فكما يقال في الحائض والطاهر من النساء: إن دينهن واحد وإن افترق تكليفهما فكذا هنا. وقيل: المعنى: أمرتكم بما أمرت به المرسلين من قبلكم، وأمركم واحد. {وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ} فاحذرون، {فَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ} أي: تفرقوا فصاروا فرقاً يهوداً، ونصارى، ومجوساً. "زُبُراً" أي: فرقاً وقطعاً مختلفة، واحدها (زَبُور)، وهو الفرقة والطائفة، ومثلها "الزُّبْرَة" وجمعها "زُبَر" ومنه {أية : زُبَرَ الحَدِيدِ} تفسير : [الكهف: 96]. وقرأ بعض أهل الشام: "زُبَراً" بفتح الباء. وقال مجاهد وقتادة "زُبراً" أي: كتباً، أي: دان كلّ فريق بكتاب غير الكتاب الذي دان به الآخر. وقيل: جعلوا كتبهم قطعاً آمنوا بالبعض وكفروا بالبعض وحرّفوا البعض {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} بما عندهم من الدين معجبون مسرورون. ولما ذكر تفرقهم في دينهم أتبعه بالوعيد وقال: {فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ} وهذا خطاب لنبينا - عليه السلام -، أي: دع هؤلاء الكفار في جهلهم. قوله: "في غَمْرتِهِمْ" مفعول ثان لـ "ذَرْهُمْ" أي: اتركهم مستقرين "في غَمْرَتِهِمْ" ويجوز أن يكون ظرفاً للترك، والمفعول الثاني محذوف. والغمرة في الأصل الماء الذي يغمر القامة، والمغمر الماء الذي يَغْمُر الأرض ثم استعير ذلك للجهالة، فقيل: فلانٌ في غمرة والمادة تدل على الغطاء والاستتار ومنه الغُمر - بالضم - لمن لم يجرب الأمور، وغُمَار الناس وخمارهم زحامهم، والغِمْر - بالكسر - الحقد، لأنه يغطي القلب، فالغمرات الشدائد، والغامر: الذي يلقي نفسه في المهالك. وقال الزمخشري: الغمرة الماء الذي يغمر القامة، فضربت لهم مثلاً لما هم فيه من جهلهم وعَمَايَتِهم، او شبهوا باللاعبين في غمرة الماء لِمَا هُمْ عليه من الباطل كقوله: شعر : 3800- كَأَنَّنِي ضَارِبٌ في غَمْرَةٍ لَعِب تفسير : وقرأ أمير المؤمنين وأبو حيوة وأبو عبد الرحمن "غمراتهم" بالجمع، لأنَّ لكل منهم غمرة تخصه. وقراءة العامة لا تأبى هذا المعنى، فإنه اسم جنس مضاف. قوله: "حَتَّى حِين" أي إلى أن يموتوا. وقيل: إلى حين المعاينة. وقيل: إلى حين العذاب. ولمّا كان القوم في نعم عظيمة في الدنيا جاز أن يظنوا أنّ تلك النعم كالثواب المعجل لهم إلى أديانهم، فبيّن سبحانه أنّ الأمر بخلاف ذلك فقال: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ} أي: أن ما نعطيهم ونجعله مدداً لهم من المال والبنين في الدنيا لـ {نُسَارِعُ لَهُمْ فِي ٱلْخَيْرَاتِ} أي: نعجل لهم في الخيرات، ونقدّمها ثواباً بأعمالهم لمرضاتنا عنهم {بَل لاَّ يَشْعُرُونَ} أنّ ذلك استدراج لهم. قوله: "أَنَّما نُمِدُّهُمْ" في "مَا" ثلاثة أوجه: أحدها: أنها بمعنى الذي، وهي اسم (أنَّ) و(نُمِدُّهُمْ بِهِ) صلتها وعائدها محذوف، و(مِنْ مَالٍ) حال من الموصول أو بيان له، فيتعلق بمحذوف، و(نُسَارعُ) خبر (أنَّ) والعائد من هذه الجملة إلى اسم (أنَّ) محذوف تقديره: نسارع لهم به أو فيه إلا أنّ حذف مثله قليل. وقيل: الرابط بين هذه الجملة باسم "أنَّ" هو الظاهر الذي قام مقام المضمر من قوله: "في الخَيْرَاتِ"، إذ الأصل نُسَارع لهم فيه، فأوقع الخيرات موقعه تعظيماً وتنبيهاً على كونه من الخيرات، وهذا يتمشّى على مذهب الأخفش، إذ يرى الربط بالأسماء الظاهرة وإن لم يكن بلفظ الأوَّل، فيجيز زيد الذي قام أبو عبد الله، إذا كان أبو عبد الله كنية زيد، وتقدّمت منه أمثلة. قال أبو البقاء: ولا يجوز أن يكون الخبر (مِنْ مَالٍ)، لأنه (إذا) كان من مال فلا (يعاب عليهم ذلك، وإنّما) يُعاب عليهم اعتقادهم أن تلك الأموال خيرٌ لهم. الثاني: أن تكون (ما) مصدرية فَيَنْسَبِك منها ومما بعدها مصدر، هو اسم (أنّ)، و"نُسَارع" هو الخبر، وعلى هذا فلا بدّ من حذف (أنْ) المصدرية قبل "نُسَارعُ"، ليصح الإخبار، تقديره: أن نُسَارعَ. فلمّا حذفت (أنْ) ارتفع المضارع بعدها، والتقدير: أيحسبون أن إمدادنا لهم من كذا مسارعةً مِنَّا لهم في الخيرات. الثالث: أنها مهيئة كافة، وبه قال الكسائي في هذه الآية، وحينئذ يوقف على (وَبَنِينَ)، لأنّه قد حصل بعد فعل الحسبان نسبة من مسند ومسند إليه نحو: حسبتُ إنّما ينطلق عمرو وإنّما تقوم أنت. وقرأ يحيى بن وثاب: "إِنَّمَا" بكسر الهمزة على الاستئناف، ويكون حذف مفعول الحسبان اقتصاراً واختصاراً. وابن كثير في رواية "يَمدُّهُمْ" بالياء، وهو الله تعالى، وقياسه أن يقرأ "يُسَارع" أيضاً. وقرأ السلمي وابن أبي بكرة "يُسَارع" بالياء وكسر الراء، وفي فاعله وجهان: أحدهما: الباري تعالى. والثاني: ضمير (ما) الموصولة إن جعلناها بمعنى (الذي)، أو على المصدر إن جعلناها مصدرية، وحينئذ يكون "يُسَارعُ لَهُمْ" الخبر. فعلى الأوّل يحتاج إلى تقدير عائد أي: يُسَارعُ الله لهم به أو فيه وعلى الثاني لا يحتاج إذ الفاعل ضمير (ما) الموصولة. وعن (ابن) أبي بكرة المتقدم أيضاً "يُسَارع" بالياء مبنياً للمفعول و"في الخَيْرَاتِ" هو القائم مقام الفاعل، والجملة خبر (أنّ) والعائد محذوف على ما تقدّم. وقرأ الحسن: "نُسْرِعُ" بالنون من أسْرَعَ، وهي كـ "نُسَارع" فيما تقدم. و{بَل لاَّ يَشْعُرُونَ} إضراب عن الحسبان المستفهم عنه استفهام تقريع، وهو إضراب انتقال، والمعنى: أنهم أشباه البهائم لا شعور لهم حتى يتفكروا في ذلك الإمداد، أهو استدراج أم مسارعة في الخير روى يزيد بن ميسرة قال: أوحى الله - تعالى - إلى نبيّ من الأنبياء: "حديث : أيفرح عبدي أن أبسط له في الدنيا وهو أبعد له منّي، ويجزع أن أقبض عنه الدنيا وهي أقرب له منّي" تفسير : ثم تلا {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ}.

السيوطي

تفسير : أخرج أحمد ومسلم والترمذي وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : يا أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً {واعملوا صالحاً إني بما تعملون عليم} وقال {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم} ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي من الحرام، يمد يديه إلى السماء، يا رب يا رب، فأنى يستجاب لذلك ". تفسير : وأخرج أحمد في الزهد وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه عن أم عبد الله أخت شداد بن أوس أنها " حديث : بعثت إلى النبي صلى الله عليه وسلم بقدح لبن عند فطره وهو صائم، فرد إليها رسولها، أنى لك هذا اللبن؟ قالت: من شاة لي. فرد إليها رسولها، انى لك الشاة؟ فقالت: اشتريتها من مالي. فشرب منه. فلما كان من الغد أتته أم عبد الله فقالت: يا رسول الله بعثت إليك بلبن فرددت إلي الرسول فيه فقال لها: بذلك أُمِرَتْ الرسل قبلي أن لا تأكل إلا طيباً ولا تعمل إلا صالحاً ". تفسير : وأخرج عبدان في الصحابة عن حفص بن أبي جبلة "حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات} الآية. قال: ذاك عيسى ابن مريم يأكل من غزل أمه"تفسير : مرسل حفص تابعي. وأخرج سعيد بن منصور عن حفص الفزاري مثله موقوفاً عليه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية عن أبي ميسرة عن عمر بن شرحبيل في قوله {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات} قال: كان عيسى ابن مريم عليه السلام يأكل من غزل أمه. وأخرج البيهقي في الشعب عن جعفر بن سليمان عن ثابت بن عبد الوهاب بن أبي حفص قال: أمسى داود عليه السلام صائماً، فلما كان عند إفطاره أتى بشربة لبن فقال: من أين لكم هذا اللبن؟ قالوا: من شاتنا. قال: ومن أين ثمنها؟ قالوا: يا نبي الله من أين تسأل؟ قال: إنا معاشر الرسل أُمِرْنا أن نأكل من الطيبات ونعمل صالحاً. وأخرج الحكيم الترمذي عن حنظلة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ما جاءني جبريل إلا أمرني بهاتين الدعوتين. اللهم ارزقني طيباً، واستعملني صالحاً ". تفسير : وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في قوله {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً} قال: هذه للرسل ثم قال للناس عامة و {أية : إن هذه أمتكم أمة واحدة}تفسير : [الأنبياء: 92] يعني. دينكم دين واحد.

ابو السعود

تفسير : {يـٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيّبَـٰتِ} حكايةٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم على وجهِ الإجمالِ لما خُوطب به كلُّ رسولٍ في عصرِه، جيءَ بها إثرَ حكايةِ إيواءِ عِيْسى عليه السَّلامُ وأمِّه إلى الرَّبوةِ إيذاناً بأنَّ ترتيبَ مبادي التَّنعم لم يكن من خصائصِه عليه السَّلامُ بل إباحةُ الطَّيباتِ شرعٌ قديمٌ جرى عليه جميعُ الرُّسلِ عليهم السَّلامُ ووُصفوا به. أي وقُلنا لكلِّ رسولٍ كُلْ من الطَّيباتِ واعملْ صالحاً، فعبَّر عن تلك الأوامرِ المُتعدِّدةِ المتعلِّقةِ بالرُّسلِ بصيغةِ الجمعِ عند الحكايةِ إجمالاً للإيجازِ. وفيه من الدِّلالةِ على بُطلان ما عليهِ الرَّهابنةُ من رفضِ الطَّيباتِ ما لا يَخْفى. وقيل: حكايةٌ لما ذُكر لعيسَى عليه السَّلامُ وأمِّه عند إيوائِهما إلى الرَّبوةِ ليقتديَا بالرُّسلِ في تناولِ ما رُزقا. وقيل: نداءٌ وخطابٌ له والجمعُ للتَّعظيمِ. وعن الحسنِ ومُجاهدٍ وقَتَادةَ والسُّدِّيِّ والكَلْبـيِّ رحمهم الله تعالى أنَّه خطابٌ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم وحدَهُ على دأبِ العربِ في مخاطبةِ الواحدِ بلفظِ الجمعِ. وفيه إبانةٌ لفضلِه وقيامِه مقامَ الكلِّ في حيازةِ كمالاتِهم. والطَّيباتُ ما يُستطاب ويُستلذُّ من مباحاتِ المأكلِ والفواكِه حسبما يُنبىء عنه سياقُ النَّظمِ الكريمِ، فالأمرُ للتَّرفيهِ {وَٱعْمَلُواْ صَـٰلِحاً} أي عملاً صالحاً فإنَّه المقصودُ منكم والنَّافعُ عند ربِّكم {إِنّى بِمَا تَعْمَلُونَ} من الأعمالِ الظَّاهرةِ والباطنةِ {عَلِيمٌ} فأجازيكم عليهِ. {وَإِنَّ هَـٰذِهِ} استئنافٌ داخلٌ فيما خُوطب به الرُّسلُ عليهم السَّلامُ على الوجهِ المذكورِ مسوقٌ لبـيانِ أنَّ ملَّة الإسلامِ والتَّوحيدِ ممَّا أُمر به كافَّةُ الرُّسلِ عليهم السَّلامُ والأممِ. وإنَّما أُشير إليها بهذه للتَّنبـيهِ على كمالِ ظُهور أمرِها في الصِّحَّة والسَّدادِ وانتظامِها بسببِ ذلكَ في سلكِ الأمور المُشاهَدةِ {أُمَّتُكُمْ} أي ملَّتُكم وشريعتُكم أيُّها الرُّسل {أُمَّةً وَاحِدَةً} أي مِلَّةً وشريعةً متَّحدةً في أصولِ الشَّرائعِ التي لا تتبدلُ بتبديلِ الأعصارِ. وقيل: هذه إشارةٌ إلى الأممِ المؤمنةِ للرُّسلِ، والمعنى إنَّ هذه جماعتُكم جماعةً واحدةً متَّفقةً على الإيمانِ والتَّوحيدِ في العبادةِ {وَأَنَاْ رَبُّكُمْ} من غيرِ أنْ يكونَ لي شريكٌ في الرُّبوبـيَّةِ. وضميرُ المُخاطَب فيه وفي قوله تعالى: {فَٱتَّقُونِ} أي في شقِّ العَصَا والمخالفةِ بالإخلالِ بمواجبِ ما ذُكر من اختصاصِ الرُّبوبـيةِ بـي للرُّسلِ والأممِ جميعاً على أنَّ الأمرَ في حقِّ الرُّسلِ للتَّهيـيجِ والإلهابِ وفي حقِّ الأممِ للتَّحذيرِ والإيجابِ. والفاءُ لترتيبِ الأمرِ أو وجوبِ الامتثالِ به على ما قبلَه من اختصاصِ الرُّبوبـيةِ به تعالى واتِّحادِ الأمَّةِ، فإنَّ كُلاًّ منهما موجبٌ للاتِّقاءِ حَتْماً. وقُرىء وأنَّ هذه بفتحِ الهمزةِ على حذفِ اللامِ أي ولأنَّ هذه أمَّتُكم أمةً واحدةً وأنا ربُّكم فاتَّقون أي إنْ تتَّقونِ فاتَّقونِ، كما مرَّ في قوله تعالى: { أية : وَإِيَّـٰىَ فَٱرْهَبُونِ} تفسير : [البقرة: 40] وقيل: على العطفِ على مَا، أي إنِّي عليمٌ بأنَّ أمَّتَكم أمَّةٌ الخ. وقيل: على حذفِ فعلٍ عاملٍ فيه أي اعلمُوا أنَّ هذه أمَّتُكم الخ. وقُرىء وأنْ هذه على أنَّها مخففةٌ مِن أنّ.

التستري

تفسير : قوله: {كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً}[51] يعني كلوا من الحلال قواماً مع حفظ الأدب. والقوام ما يمسك به النفس، ويحفظ فيه القلب والأدب فيه شكر المنعم، وأدنى الشكر أن لا تعصيه بنعمة.

السلمي

تفسير : قوله عزّ وعلا: {يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً}. قال سهل رحمه الله: الطيبات الحلال، وفى الأكل آداب أربع.. الحلال، والصافى، والقوام، والأدب، فالحلال الذى لا يعصى الله فيه، والصافى الذي لا ينسى الله فيه، والقوام لا يمسك به النفس، ويحفظ العقل والأدب شكر المنعم. وقال سهل: أمروا أن يأكلوا حلالاً ولا يشبعوا طغيانًا، والصالحات من الأعمال آداب الأمر بالفرض والسنة واجتناب النهى ظاهرًا، وباطنًا.

القشيري

تفسير : كلوا من الطيبات مما أَحلَّ لكم وأباح، وما هو محكوم بأنَّه طيب، على شريطة مطابقة رُخصَةِ الشريعة - مما كان حلالاً في وقتهم، مطلقاً مأذوناً لهم فيه. وكذلك أعمالهم الصالحة ما كان موافقة لأمر الله في زمانهم بفنون طاعاتهم في أفعالهم وعقائدهم وأحوالهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {ياايها الرسل كلوا من الطيبات} خطاب لجميع الرسل لا على انهم خوطبوا بذلك دفعة لانهم ارسلوا متفرقين فى ازمنة مختلفة بل على معنى ان كل رسول منهم خوطب به فى زمانه ونودى ووصى ليعلم السامع ان اباحة الطيبات للرسل شرع قديم وان امرا نودى له جميع الانبياء ووصوا به حقيق ان يؤخذ به ويعمل عليه اى وقلنا لكل رسول كل من الطيبات واعمل صالحا فعبر عن تلك الاوامر المتعدد المتعلقة بالرسل بصيغة الجمع عند الحكاية اجمالا للايجاز، وقال بعضهم انه خطاب لرسول الله وحده على دأب العرب فى مخاطبة الواحد بلفظ الجمع للتعظيم وفيه ابانة لفضله وقيامه مقام الكل فى حيازة كمالاتهم شعر : وقد جمع الرحمن فيك لمعاجزا آنكه خوبان همه دارند تو تنها دارى تفسير : والطيبات مايستطاب ويستلذ من مباحات المآكل والفواكه {واعملوا صالحا} اى عملا صالحا فانه المقصود منكم والنافع عند ربكم وهذا الامر للوجوب بخلاف الاول وفيه رد وهدم لما قال بعض المبيحين من ان العبد اذا بلغ غاية المحبة وصفا قلبه واختار الايمان على الكفر من غير نفاق سقط عنه الاعمال الصالحة من العبادات الظاهرة وتكون عبادته التفكر وهذا كفر وضلال فان اكمل الناس فى المحبة والايمان هم الرسل خصوصا حبيب الله مع ان التكاليف بالاعمال الصالحة والعبادات فى حقهم اتم واكمل {انى بما تعملون} من الاعمال الظاهرة والباطنة {عليم} فاجازيكم عليه، وفى الآية دلالة على بطلان ما عليه الرهابنة من رفض الطيبات يعنى على تقدير اعتقادهم بان ليس فى دينهم اكل الطيبات، واعلم ان تأخير ذكر العمل الصالح يدل على ان تكون نتيجته اكل الحلال: وفى المثنوى شعر : علم وحكمت زايد ازلقمه حلال عشق ورقت آيد ازلقمه حلال جون زلقمه توحسد بينى ودام جهل وغفلت زايد آنرا دان حرام هيج كندم كارى وجو بردهد ديده اسبى كه كره خر دهد لقمه تخمست وبرش انديشها لقمه بحر وكوهرش انديشها زايد ازلقمه حلال اندر دهان ميل خدمت عزم رفتن آن جهان تفسير : قال الراغب اصل الطيب ماتستلذه الحواس والنفس والطعام الطيب فى الشرع ما كان متناولا من حيث ما يجوز وبقدر ما يجوز من المكان الذى يجوز فانه متى كان كذلك كان طيبا عاجلا وآجلا لا يستوخم والا فانه وان كان طيبا عاجلا لم يطب آجلا وفى الحديث "حديث : ان الله طيب لا يقبل الا طيبا"تفسير : : قال صاحب روضة الاخبار شعر : فرموده لقمه كه دراصل نباشد حلال زونقتد مرد مكر درضلال قطره باران توجون صاف نيست كوهر درياى توشفاف نيسث تفسير : وكان عيسى عليه السلام يأكل من غزل امه وكان رزق نبينا عليه السلام من الغنائم وهو اطيب الطيبات ـ روى ـ عن اخت شداد انها بعثت الى رسول الله بقدح من لبن فى شدة الحر عند حظره وهو صائم فرده اليها وقال من اين لك هذا فقالت من شاة لى ثم رده وقال من اين هذه الشاة فقالت اشتريتها بمالى فاخذه ثم انها جاءته وقالت يا رسول الله لم رددته فقال بذلك امرت الرسل ان لا يأكلوا الا طيبا ولا يعملوا الا صالحا، قال الامام الغزالى رحمه الله اذا كان ظاهر الانسان الصلاح والستر فلا حرج عليك فى قبول صلاته وصدقته ولا يلزمك البحث بان تقول قد فسد الزمان فان هذا سوء ظن بذلك الرجل المسلم بل حسن الظن بالمسلمين مأمور به، قال ابو سليمان الدارانى رحمه الله لان اصوم النهار وافطر الليل على لقمة حلال احب الى من قيام الليل وصوم النهار وحرام على شمس التوحيد ان تحل قلب عبد فى جوفه لقمة حرام ثم ان اكل الطيبات وان رخص فيه لكنه قد يترك قطعا للطبيعة عن الشهوات، قال ابو الفرج بن الجوزى ذكر القلب فى المباحات يحدث له ظلمه فكيف تدبير الحرام اذا غير المسك الماء منع الوضوء به فكيف ولوغ الكلب ولذا قال بعض الكبار من اعتاد بالمباحات حرم لذة المناجاة اللهم اجعلنا من اهل التوجه والمناجاة.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (وإن هذه): مَن كسره استأنف، ومَن فتحه حذف اللام، أي: فاتقون؛ لأنَّ هذه، أو معطوف على ما قبله: (بما تعملون عليم)، وبأن هذه، أو بتقدير: واعلموا أن هذه. و(زُبُراً): حال من: "أَمْرهم"، أو من "واو" (تقطعوا)، و (نُسارع): خبر "أن"، و "ما": موصولة. يقول الحق جل جلاله: {يا أيها الرسل كُلوا من الطيبات}، هذا النداء والخطاب ليسا على ظاهرهما؛ لأنهم أرسلوا متفرقين في أزمنة مختلفة، وإنما المعنى: الإعلام بأنَّ كل رسول في زمانه نُودي بذلك، ووصي به؛ للإيذان بأن إباحة الطيبات شرعٌ قديم، جرى عليه جميع الرسل - عليهم الصلاة والسلام - وَوُصّوا به، أي: وقلنا لكل رسول: كُلْ من الطيبات واعمل صالحاً. فعبَّر عن تلك الأوامر المتعددة المتعلقة بالرسل بصيغة الجمع؛ للإيجاز، وفيه من الدلالة على بطلان ما عليه الرهابنة من رفض الطيبات ما لا يخفى. قاله أبو السعود. وقيل: خطاب لعيسى عليه السلام؛ لاتصال الآية به، وكان يأكل من غزل أمه، وهو من أطيب الطيبات، وقيل لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ لفضله وقيامه مقام الكل، وكان يأكل من الغنائم، وما رزقه الله من غير اختيار على الله، والجمع: للتعظيم فيهما، والطيبات: ما يُستطاب ويُستلذ من مباحات المآكل والفواكه، حسبما يُنبىء عنه سياق النظم الكريم. {واعملوا} عملاً {صالحاً}، فإنه المقصود منكم؛ شكراً لما أُسدي إليكم، ولا تشتغلوا بالنعم عن طاعة المنعم وشهوده، {إني بما تعملون} من الأعمال الظاهرة والباطنة، {عليم}، فأجازيكم عليه، وفيه تهديد للمذكورين، فما بالك بغيرهم ممن ألهته النعم عن شهود المنعم وشكره؟! {وإن هذه أمتكم} أي: ملتكم وشريعتكم التي أنتم عليها {أمةً واحدة} أي: ملة واحدة، متحدة في أصول الشرائع، التي لا تُبدل بتبدل الأعصار، وهو التوحيد وما يتبعه من أصول العقائد. {وأنا ربكم} من غير أن يكون لي شريك في الربوبية، {فاتقون}: فخافوا عتابي في مخالفتكم أمري، أو في شق العصا، والمخالفة بالإخلال بمواجب ما ذكر من اختصاص الربوبية بي. والخطاب للرسل والأمم جميعاً، على أن الأمر في حق الرسل للتهييج، وفي حق الأمم للتحذير. قيل: وجاء هنا: "فاتقون"، الذي هو أبلغ في التخويف والتحذير من قوله في الأنبياء: {أية : فَاعْبُدُونِ}تفسير : [الأنبياء: 92]؛ لأن هذه جاءت عقب إهلاك طوائف كثيرين، وفي الأنبياء، وإن تقدمت أيضاً قصة نوح وما قبلها، فإنه جاء بعدها ما يدل على الإحسان واللطف التام، في قصة أيوب ويونس وزكريا ومريم، فناسب الأمر بالعبادة لمن هذه صفته. ثم قال تعالى: {فتقطَّعوا أمرهم} أي: فتفرقوا في أمر دينهم مع اتحاده، وجعلوه قطعاً متفرقة، وأدياناً مختلفة، {بينهم زُبراً} أي: قطعاً - جمع زَبور، بمعنى الفرقة، ويؤيده قراءة من قرأ: (زُبَراً) بفتح الباء، جمع زُبْرة؛ كغُرْفة، أي: قطعاً مختلفة، كلٌّ ينتحل كتاباً، وقيل: جمع زَبور، بمعنى كتاب، أي: كل فريق يزعم أن له كتاباً يتمسك به. وعن الحسن: قطعوا كتاب الله قطعاً وحرَّفوه، والأول أقرب، أي: تفرقوا في أصل الدين فرقاً، وتحزبوا أحزاباً، {كل حزب} من أولئك المتحزبين {بما لديهم} من الدين الذي اختاروه، أو من الهوى والرأي، {فَرِحُون}: مُعجبُون، يعتقدون أنه الحق. {فذَرهم في غمرتهم}؛ في جهالتهم وغفلتهم، شبَّه ما هم فيه من الجهالة بالماء الذي يغمر القامة؛ لأنهم مغمورون فيها، سابحون في بحر الجهالة، والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم؛ إيذاناً بأنهم مطبوع على قلوبهم، أي: اتركهم على حالهم {حتى حين}: حتى نأمرك فيهم بما شئتُ من الجهاد أو غيره، أو: إلى أن يُقتلوا أو يموتوا على الكفر، أو: إلى وقت حلول العذاب بهم. فهو تهديد وتسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ونهى عن استعجال عذابهم، وفي التنكير والإبهام ما لا يخفى من التهويل. {أيحسبون أنما نُمِدُّهم به} أي: نعطيهم إياه ونجعله مدداً لهم، {من مالٍ وبنين}؛ "من": بيان، أي: أيظنون أن الذي نمدهم به من الأموال والبنين، {نُسارعُ لهم} بذلك {في الخيرات بل لا يشعرون} أنه استدراج، قيل: استدراك لقوله: {أيحسبون} أي: بل هم أشباه البهائم، لا شعور لهم حتى يتأملوا في ذلك، هل هو استدراج أو مسارعة في الخيرات؟ وحاصل المعنى: أن هذا الإمداد ليس إلا استدراجاً لهم إلى المعاصي، وهم يحسبونه مسارعة لهم في الخيرات، ومعاملة لهم بالثواب، جزاء على حسن صنيعهم. وهذه الآية حجة على المعتزلة في مسألة الأصلح؛ لأنهم يقولون: إن الله - تعالى - لا يفعل بأحد من الخلق إلا ما هو أصلح له في الدين، وقد أخبر أن ذلك لا خير لهم فيه ولا صلاح، والله تعالى أعلم. الإشارة: تناول الطيبات وما تشتهيه النفس من أنواع الملذوذات، مباح في الشرع قديماً وحديثاً، إن كان من وجه مباح وقارنه الشكر؛ لأن الحق تعالى ما خلق ذلك إلا لعباده؛ ليشكروه ويحمدوه، ويتذكروا بذلك نعيم الجنان، الذي لا يفنى ولا يزول، وما هذا النعيم الدنيوي إلا أنموذج من نعيم الآخرة، قال تعالى: {أية : فَمَا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا فِى ٱلآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ} تفسير : [التوبة: 38]. هذا باعتبار عامة المسلمين، وأما الخاصة؛ من العُبَّاد والزهاد والمريدين السائرين، فهم يجتنبون ما تجنح إليه النفس، ويتعلق به القلب؛ خوفاً من الإشتغال بذلك عن العبادة أو السير؛ لأن القلب إذا توجه لأمر أعرض عن الآخر، فإذا توجه إلى طلب الشهوات أعرض عن الله، وتَفَتَّر عن السير، وتَكَبَّل عن النهوض إلى الحضرة. ولذلك قال في الحِكَم: "كيف يشرق قلب: صُورُ الأكوان منطبعة في مرآته؟ أم كيف يرحل إلى الله وهو مُكَبَّل بشهواته؟ أم كيف يدخل حضرة الله وهو لم يتطهر من جنابة غفلاته؟ أم كيف يرجو أن يفهم دقائق الأسرار وهو لم يتب من هفواته؟" وقال بعضهم: لَدغُ الزنابير على الأجسام المَقرحة، أيسر من لدغ الشهوات على القلوب المتوجهة. هـ. وأما خاصة الخاصة؛ وهم العارفون المتمكنون، فهم مع مولاهم، يأخذون من يده ما يعطيهم؛ لأن قلوبهم قد استغرقتها الأنوار، فلم يبق فيها متسع للأغيار، قد تهذبت نفوسهم، واطمأنت بالله قلوبهم، فلا تلتفت إلى غير مولاها. وبالله التوفيق. وقوله تعالى: {فتقطعوا أمرهم بينهم...} إلخ، الاختلاف، إن كان التوحيد وما يرجع إليه من أصول العقائد، فهو مذموم، وهو الذي نعاه الله على الكفرة المتحزبة، وأمَّا إن كان في الفروع فهو مشروع، كاختلاف الشرائع والمذاهب، ولذلك قال - عليه الصلاة والسلام-: "حديث : اختلاف أمتي رحمة" تفسير : ، وقال بعض الصوفية: ما زالت الصوفية بخير ما تنافروا، فإن توافقوا فلا خير فيهم.هـ. والمراد بالتنافر - في حقهم - التناصح، وإنكار بعضهم على بعض؛ إذا رأى من أحد عيباً، فإن سكتوا عن بعضهم، وتوافقوا على مساوئ بعضهم بعضاً، فلا خير فيهم، وأما قلوبهم فهي متوافقة مؤتلفة. وقوله تعالى: {كل حزب بما لديهم فرحون}، أما أهل الحق فهم فرحون؛ لسلوكهم على المنهاج المستقيم، المُفضي إلى رضوان الله ورحمته، وأما أهل الباطل فزين لهم الشيطان أعمالهم؛ ليتمكنوا من التقرر عليه حتى ينفذ مراد الله فيهم، ولو تحققوا أنهم على باطل لم يمكن قرارهم عليه، فتبطل حكمته وقهريته، وكل من أقامه الحق - تعالى - في حرفة أو خُطة، زينها الله - تعالى - في قلبه حتى يقوم بها، وكذلك أهل الأسباب من أرباب الدليل والبرهان، مع أهل التجريد من أهل الشهود والعيان، لو علموا بمقام أهل العيان ما أقاموا في الأسباب، ولتجردوا كلهم، فتبطل الحكمة الإلهية. وكان إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه يقول: (لو يعلم الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف): فسبحان من قرَّب قوماً وأبعد قوما، {وهم يحسبون أنهم يُحسنون صُنعا}. والله تعالى أعلم وأحكم. ثمَّ ذكر أهل التقرب إثر بيان أهل البعد

الطوسي

تفسير : قرأ اهل الكوفة وابن عامر {وإن} بكسر الهمزة، وخفف ابن عامر النون وسكنها. وقرأ الباقون بفتح الهمزة مشددة النون. قال قوم: هذا خطاب لعيسى (ع) حكاه الله تعالى، قالوا: وذلك لما جرى ذكره كأنه قال: يا عيسى {كلوا من الطيبات} وقال: آخرون: هو خطاب للنبي (صلى الله عليه وسلم) خاصة خاطبه بلفظ الجمع، كما يقال للرجل الواحد: أيها القوم كفوا عنا. وقال قوم: لما ذكر بعض الانبياء، كأنه قال: وقلنا لهم {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات} والأكل تناول الطعام بالفم، ومضغه وابتلاعه. وصورة "كلوا" صورة الأمر، والمراد به الاباحة. وأصل "كلوا" أؤكلوا، فحذفت الهمزة تخفيفاً لكثرة الاستعمال. والمعنى مفهوم، لأنه من الاكل. و {الطيبات} الحلال، وقيل: هو المستلذ. فعلى الوجه الأول يكون أمراً بنفل، لأن تقديره كلوا من الحلال على الوجه الذي يستحق به الحمد. وعلى الثاني يكون على الاباحة، كما قال تعالى {أية : قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق}. تفسير : وقوله {واعملوا صالحاً} أمر من الله لهم بأن يعملوا الطاعات، واجباتها ونوافلها. والصلاح الاستقامة، على ما تدعو اليه الحكمة. وقال قوم: انما هذا حكاية لما قيل لجميع الرسل. وهو الوجه. وقال آخرون: المعنى وقلنا لعيسى {يا أيها الرسل} على الجمع على ما ذكرناه من المثال. وقوله {وإن هذه أمتكم} موضع {إن} نصب، لان تقديره، ولان {هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون} أي لهذه فاتقون. وقيل: موضعه الجر بالعطف على {بما تعملون عليم}. ومن كسر الهمزة استأنف الكلام. ومعنى الأمة - ها هنا - الملة سماها بذلك للاجماع عليها بأمر الله. وقال الحسن وابن جريج: معنى {وإن هذه أمتكم أمة واحدة} أي دينكم دين واحد. وقيل: جماعتكم جماعة واحدة فى الشريعة التي نصبها الله لكم. ونصب {أمة واحدة} على الحال. وقال الجبائي: معناه {وإن هذه أمتكم أمة واحدة} في أنهم عبيد الله، وخلقه وتدبيره. وقوله {فتقطعوا أمرهم بينهم زبراً} فالزبر الكتب - في قول الحسن وقتادة ومجاهد وابن زيد - وهو جمع زبور، كرسول ورسل. والمعنى تفرقوا كتباً دانوا بها، وكفروا بما سواها، كاليهود دانوا بالتوراة وكفروا بالانجيل، والقرآن. وكالنصارى دانوا بالانجيل وكفروا بالقرآن. ومن قرأ {زبراً} بفتح الباء، وهو ابن عامر فمعناها جماعات، لانه جمع زبرة، وزبر، كبرمة وبرم. وقوله {كل حزب بما لديهم فرحون} أي كل طائفة بما عندها تفرح لاعتقادها بأن الحق معها. فقال الله تعالى لنبيه {فذرهم} يا محمد {في غمرتهم} أي جهلهم وضلالتهم. وقيل: في حيرتهم. وقيل: فى غفلتهم. والمعاني متقاربة {حتى حين} أي حين وقت الموت. وقيل: حين العذاب. ثم قال تعالى منكراً عليهم {أيحسبون} أي يظنون هؤلاء الكفار {أنما نمدهم به من مال وبنين} تمام الكلام أحد شيئين: احدهما - أيحسبون ان الذي نمدهم به من اجل مالهم وبنيهم، بل إنما نفعل ذلك لما فيه من المصلحة. والثاني - أن يكون فيه حذف، وتقديره أيحسبون أن الذي نمدهم به من المال والبنين حق لهم أو لكرامتهم عندنا، لا، بل نفعل ذلك لما فيه من المصلحة التي ذكرناها، ويكون قوله {نسارع لهم في الخيرات} ابتداء كلام، ولا يجوز أن يكون الانكار وقع لظنهم ان ذلك مسارعة لهم فى الخيرات، لأنه تعالى قد سارع لهم في الخيرات، بما فعل بهم من الأموال والبنين، لما لهم فى ذلك من اللطف والمصلحة. والغرض في ذلك ان يعرفوا الله ويؤدوا حقوقه {بل لا يشعرون} أي وهم لا يشعرون بذلك، ولا يفهمونه لتفريطهم في ذلك. والمسارعة تقديم العمل فى اوقاته التي تدعوا الحكمة الى وقوعه فيه، وهي سرعة العمل. ومثله المبادرة. وانما بني على (مفاعلة) لان الفعل كأنه يسابق فعلا آخر. والخيرات المنافع التي يعظم شأنها، ونقيضها الشرور. وهي المضار التي يشتد أمرها. والشعور العلم الذي يدق معلومه، وفهمه على صاحبه دقة الشعر. وقيل: هو العلم من جهة المشاعر، وهي الحواس، ولهذا لا يوصف الله تعالى به. وقيل: نسارع لهم فى الخيرات أي نقدم لهم ثواب اعمالهم لرضانا عنهم، ومحبتنا إياهم، كلا، ليس الأمر كذلك، بل نفعله ابتلاء في التعبد لهم.

الجنابذي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ} حال بتقدير القول او جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ بتقدير القول كأنّه قيل: ما قال الله للرّسل سواء كان الخطاب لمجموعهم دفعة فى عالم الجمع وهو عالم الارواح، او كان الخطاب لكلّ واحد واحد فى زمانه لكنّه تعالى جمعهم فى الحكاية، وقيل: انّه خطابٌ لمحمّدٍ (ص) من دون تقدير القول والاتيان بالجمع لجريه على طريقة العرف فى مخاطبة الواحد مخاطبة الجمع، وقد مضى مكرّراً انّ الاكل لا اختصاص له بما يعرفه العرف اكلاً بل ادراك كلّ مدرك وفعل كلّ عضو وتحريك كلّ محرّك وتحرّك كلّ متحرّك اكل له ولمّا كان مراتب الانسان كثيرة كان طيّبات كلّ مرتبة من جهتها الخلقيّة ما كانت ملائمة ملذّة لها ومن جهتها الحقّيّة ما كانت مباحة مكسوبة بأمر الله مرضيّة لله سواء كانت موافقة لسائر المراتب او لم تكن {وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً} ليس المراد به فرداً مالا على التّعيين فانّ الانبياء ان لم يكونوا مأمورين بجميع الصّالحات كانوا مأمورين باكثرها، ولم يكتف تعالى من سائر عباده بفردٍ ما من الصّالحات فكيف بالانبياء فالمراد اعملوا صالحاً عظيماً فانّ التّنوين والتّنكير فى امثاله بعد ما علم انّه ليس المراد به فرداً ما امّا ان يكون للتّحقير او للتّعظيم، والتّحقير ايضاً منافٍ لامر الانبياء (ع) فالمراد هو التّعظيم والصّالح العظيم الّذى لا صالح الاّ بصلاحه هو الولاية فعلى هذا ينبغى ان يفسّر الآية هكذا: يا ايّها الرّسل كلوا من الطّيّبات الّتى هى ارزاق الاعضاء والقوى والمدارك من الاعمال القالبيّة الشّرعيّة والنّفسانيّة النّبويّة واعملوا صالحاً عظيماً هو الولاية والتّوجّهات والاستعدادات والالهامات والمشاهدات المتعلّقة بها {إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ} من الاعمال القالبيّة والقلبيّة {عَلِيمٌ} ويجوز ان يكون الخطاب للرّسل ويكون المقصود بالحكم اممهم من قبيل ايّاك اعنى واسمعى يا جارة، او يكون الامم مقصودين معهم.

فرات الكوفي

تفسير : {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات51} قال: حدّثني جعفر بن محمد بن سعيد معنعناً: عن أبي مريم قال: سمعت أبان بن تغلب قال سألت جعفر بن محمد عليه السلام عن قول الله تعالى [أ، ب: عز ذكره]: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات} قال: الرزق الحلال.

الهواري

تفسير : قوله: {يَآأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ} أي: الحلال من الرزق {وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} أي: هكذا أمر الله الرسل. قوله: {وَأَنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} قال بعضهم: ملة واحدة. وقال بعضهم: أي: دينكم دين واحد؛ يعني الإِسلام، وإن كانت الشرائع مختلفة. قال الله: (أية : لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً) تفسير : [المائدة: 48] قال: {وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} أي: لا تعبدوا غيري. قوله: {فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُراً} هم أهل الكتاب، تقطَّعوا كتاب الله بينهم وحرّفوه، وبدّلوا كتاباً كتبوه على ما حرّفوا. وهي تقرأ على وجهين: زبَراً وزبُراً. فمن قرأها زبَراً: [بفتح الباء] قال: قطعاً. ومن قرأها زبُراً [بضم الباء] قال: كتباً. وهي كقوله: (أية : إِنَّ الذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً) تفسير : [الأنعام: 159]. {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ} أي: بما عندهم مما اختلفوا فيه {فَرِحُونَ} أي: راضون. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : افترقت بنو إسرائيل على سبعين فرقة، واحدة في الجنة وسائرها في النار، ولتفترقن هذه الأمة على إحدى وسبعين فرقة واحدة في الجنة وسائرها في النار . تفسير : ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : لتتبعن سنن من كان قبلكم ذراعاً بذراع وشبراً بشبر، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه. قيل: يا رسول الله، أهم اليهود والنصارى؟ قال: فمن إذاً .

اطفيش

تفسير : {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ} اي قلنا يا ايها الرسل هذا النداء والخطاب بعده ليسا على ظاهرهما لان الرسل في ازمنة مختلفة وانما المراد الاعلام بان كل رسول في زمانه نودي وخوطب وذلك ابلغ طريق فان امرا نودي له جمع الرسل وخوطبوا به لجدير ان يؤخذ به وفي ذلك اشارة إلى ان تهيئة اسباب النعم لم يكن له خاصة وان اباحة الطيبات المرسل شرع قديم واحتجاج على الرهبانية في رفض الطيبات أو حكاية لما ذكر لعيسى وامه عند ايوائهما إلى الربوة ليقتديا بالرسل في تناول ما رزقا. وعندنا وعند المعتزلة كلام الله تعالى حادث مخلوق ومذهب غيرنا وغيرهم قديم غير مخلوق فاجازوا ان يكون النداء والخطاب قبل خلق الخلق على تقدير وجوده بعد والذي ذكره اصحابنا في علم الكلام امتناع امر ونهي في الازل واختلاف في آمر وناه على معنى انه سيأمر وينهى. ومذهب المعتزلة منع ذلك كله. وقالت فرقه: النداء والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم والجمع اما تعظيم له واما كما تقول للعالم الواحد يا علماء انكم أئمة يقتدى بكم فتمسكوا بعلمكم وعلى هذا الشق عياض ولا يقدر القول على الشقين. وقال الطبري: الخطاب لعيسى ويجرى فيه الشقان والصحيح القول الاول ويليه الشق الثاني في القولين الاخيرين. وعن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الله طيب لا يقبل الا طيبا وان الله امر المؤمنين بما امر به المرسلين فقال: {يَا أَيُّهَا الرُّسْلُ كُلُواْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلونَ عَلِيمٌ} وقال {أية : يا أَيها الذين ءآمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم}تفسير : ثم ذكر "حديث : الرجل يطيل السفر أَشعث أَغبر يمد يده إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فانى يستجاب لذلك"تفسير : والمراد بالطيبات ما يستلذ من المباحات وقيل الحلال الصافي القوام فالحلال ضد الحرام وتلتحق به الشبهة المحققة على خلف فيها والصافي ما لا ينسى فيه الله والقوا مما تقوم به الذوات والعقل. وذكر بعضهم ان طيبات الرزق حلال وهو ما لا يعصى الله فيه وصاف وقوام وهما ما ذكرته والعمل الصالح الفرض والنفل وذكر انه يعلم ما يعملون فيجازيهم وليس يضيع وفي هذا تحذير من مخالفة ما اثروا به.

الالوسي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيّبَـٰتِ} حكاية لرسول الله صلى الله عليه وسلم على وجه الإجمال لما خوطب به كل رسول في عصره جيء بها إثر حكاية إيواء عيسى وأمه عليهما السلام إلى الربوة إيذاناً بأن ترتيب مبادي النعم لم تكن من خصائص عيسى عليه السلام بل إباحة الطيبات شرع قديم جرى عليه جميع الرسل عليهم السلام ووصوا به أي وقلنا لكل رسول كل من الطيبات واعمل صالحاً فعبر عن تلك الأوامر المتعددة المتعلقة بالرسل بصيغة الجمع عند الحكاية إجمالاً للإيجاز أو حكاية لما ذكر لعيسى وأمه عليهما السلام عند إيوائهما إلى الربوة ليقتديا بالرسل في تناول ما رزقا كأنه قبل آويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين وقلنا أو قائلين لهما هذا أي اعلمناهما أو معلميهما أن الرسل كلهم خوطبوا بهذا فكلا واعملا اقتداء بهم، وجوز أن يكون نداء لعيسى عليه السلام وأمراً له بأن يأكل من الطيبات، فقد جاء في حديث مرسل عن حفص / ابن أبـي جبلة عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه قال في قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ} الخ: ذاك عيسى ابن مريم كان يأكل من غزل أمه. وعن الحسن ومجاهد وقتادة والسدي والكلبـي أنه نداء لرسول الله صلى الله عليه وسلم وخطاب له والجمع للتعظيم واستظهر ذلك النيسابوري، وما وقع في «شرح التلخيص» تبعاً للرضي من أن قصد التعظيم بصيغة الجمع في غير ضمير المتكلم لم يقع في الكلام القديم خطأ لكثرته في كلام العرب مطلقاً بل في جميع الألسنة وقد صرح به الثعالبـي في «فقه اللغة». والمراد بالطيبات على ما اختاره شيخ الإسلام وغيره ما يستطاب ويستلذ من مباحات المأكل والفواكه، واستدل له بأن السياق يقتضيه والأمر عليه للإباحة والترفيه وفيه إبطال للرهبانية التي ابتدعتها النصارى، وقيل المراد بالطيبات ما حل والأمر تكليفي، وأيد بتعقيبه بقوله تعالى: {وَٱعْمَلُواْ صَـٰلِحاً} أي عملاً صالحاً، وقد يؤيد بما أخرجه أحمد في «الزهد» وابن أبـي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه عن أم عبد الله أخت شداد بن أوس رضي الله تعالى عنها أنها بعثت إلى النبـي صلى الله عليه وسلم بقدح لبن عند فطره وهو صائم فرد إليها رسولها أنى لك هذا اللبن؟ قالت: من شاة لي فرد إليها رسولها أنى لك الشاة؟ فقالت: اشتريتها من مالي فشرب منه عليه الصلاة والسلام فلما كان من الغد أتته أم عبد الله فقالت: يا رسول الله بعثت إليك بلبن فرددت إليَّ الرسول فيه فقال صلى الله عليه وسلم لها: « حديث : بذلك أمرت الرسل قبلي أن لا تأكل إلا طيباً ولا تعمل إلا صالحاً » تفسير : وكذا بما أخرجه مسلم والترمذي وغيرهما عن أبـي هريرة قال: « حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أيها الناس إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً وإن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيّبَـٰتِ وَٱعْمَلُواْ صَـٰلِحاً} وقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيّبَاتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ} [البقرة: 172] ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر ومطمعه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذى بالحرام يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب فأنى يستجاب لذلك » تفسير : وتقديم الأمر بأكل الحلال لأن أكل الحلال معين على العمل الصالح. وجاء في بعض الأخبار أن الله تعالى لا يقبل عبادة من في جوفه لقمة من حرام، وصح «أيما لحم نبت من سحت فالنار أولى به». ولعل تقديم الأمر الأول على تقدير حمل الطيب على ما يستلذ من المباحات لأنه أوفق بقوله تعالى: { أية : وَآوَيْنَاهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ } تفسير : [المؤمنون: 50] وفي الأمر بعده بالعمل الصالح حث على الشكر. {إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} من الأعمال الظاهرة والباطنة {عَلِيمٌ} فأجازيكم عليه. وفي «البحر» أن هذا تحذير للرسل عليهم السلام في الظاهر والمراد أتباعهم.

ابن عاشور

تفسير : يتعيَّن تقدير قول محذوف اكتفاء بالمقول، وهو استئناف ابتدائي، أي قلنا: يا أيها الرسل كلوا. والمحكي هنا حكي بالمعنى لأن الخطاب المذكور هنا لم يكن موجهاً للرسل في وقت واحد بضرورة اختلاف عصورهم. فالتقدير: قلنا لكل رسول مِمَّنْ مضَى ذكرُهم كُلْ من الطيبات واعمل صالحاً إني بما تعمل عليم. وذلك على طريقة التوزيع لمدلول الكلام وهي شائعة في خطاب الجماعات. ومنه: ركب القوم دوابَّهم. والغرض من هذا بيان كرامة الرسل عند الله ونزاهتهم في أمورهم الجسمانيَّة والروحانيَّة، فالأكل من الطيبات نزاهة جسميَّة والعمل الصالح نزاهة نفسانيَّة. والمناسبة لهذا الاستئناف هي قوله: { أية : وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين } تفسير : [المؤمنون: 50] وليحصل من ذلك الرد على اعتقاد الأقوام المعلّلين تكذيبهم رسلهم بعلة أنهم يأكلون الطعام كما قال تعالى في الآية السابقة { أية : ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون } تفسير : [المؤمنون: 33]، وقال: { أية : وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق } تفسير : [الفرقان: 7]، وليبطل بذلك ما ابتدعه النصارى من الرهبانيَّة. وهذه فوائد من الاستدلال والتعليم كان لها في هذا المكان الوقع العظيم. والأمر في قوله: {كلوا} للإباحة، وإن كان الأكل أمراً جبلِّياً للبشر إلا أن المراد به هنا لازمه وهو إعلام المكذبين بأن الأكل لا ينافي الرسالة وأن الذي أرسل الرسل أباح لهم الأكل. وتعليق {من الطيبات} بكسب الإباحة المستفادة من الأمر شرط أن يكون المباح من الطيبات، أي أن يكون المأكول طيّباً. ويزيد في الرد على المكذبين بأن الرسل إنما يجتنبون الخبائث ولا يجتنبون ما أحل الله لهم من الطيبات. والطيبات: ما ليس بحرام ولا مكروه. وعطف العمل الصالح على الأمر بأكل الطيبات إيماء إلى أن همة الرسل إنما تنصرف إلى الأعمال الصالحة، وهذا كقوله تعالى { أية : ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناحٌ فيما طَعمُوا إذا ما اتَّقَوْا وآمنوا وعملوا الصّالحات } تفسير : [المائدة: 93] المراد به ما تناولوه من الخمر قبل تحريمها. وقوله: {إني بما تعملون عليم} تحريض على الاستزادة من الأعمال الصالحة لأن ذلك يتضمن الوعد بالجزاء عنها وأنه لا يضيع منه شيء، فالخبر مستعمل في التحريض.

الشنقيطي

تفسير : أمر جل وعلا في هذه الآية الكريمة رسله عليهم الصلاة والسلام مع أن الموجود منهم، وقت نزولها واحد، وهو نبينا صلى الله عليه وسلم، بالأكل من الطيبات: وهي الحلال الذي لا شبهة فيه على التحقيق، وأن يعملوا العمل الصالح، وذلك يدل على أن الأكل من الحلال له أثر في العمل الصالح، وهو كذلك، وهذا الذي أمر به الرسل في هذه الآية الكريمة، أمر به المؤمنين من هذه الأمة التي هي خير الأمم، وذلك في قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَٱشْكُرُواْ للَّهِ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}تفسير : [البقرة: 172] والآية تدل على أن كل رسول أمر في زمنه بالأكل من الحلال، والعمل الصالح، وتأثير الأكل من الحلال في الأعمال معروف. وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يا أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وأن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [المؤمنون: 51] وقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 172] ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر. ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام، وغذي بالحرام يمد يديه إلى السماء، يا رب يا رب فأنى يستجاب له" تفسير : وهو يدل دلالة واضحة أن دعاءه الذي من أعظم القرب لم ينفعه، لأنه لم يأكل من الحلال ولم يشرب منه، ولم يركب منه.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: كلوا من الطيبات: أي من الحلال. واعملوا صالحاًَ: أي بأداء الفرائض وكثير من النوافل. وإن هذه أمتكم: أي ملتكم الإِسلامية. فاتقون: أي بامتثال أمري واجتناب نهيي. فتقطعوا أمرهم: أي اختلفوا في دينهم فأصبحوا طوائف هذه يهودية وتلك نصرانية. في غمرتهم: أي في ضلالتهم. نسارع لهم: أي نعجل. بل لا يشعرون: أن ذلك استدراج منا لهم. معنى الآيات: بعد أن أكرم الله تعالى عيسى ووالدته بما أكرمهما به من إيوائهما إلى ربوة ذات قرار ومعين خاطب عيسى عبده ورسوله قائلاً: {يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ} أي الحلال فكان عيسى عليه السلام يأكل من غزل أمه إذا كانت تغزل الصوف بأجرة فكانا يأكلان من ذلك أكلا من الطيب كما أمرهما الله تعالى وقوله: {وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً} كلوا من الحلال واعملوا صالحاً بأداء الفرائض والإِكثار من النوافل، وقوله: {إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} فيه وعد بأن الله تعالى سيثيبهم على ما يعلمون من الصالحات. وقوله: {وَإِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ} أعلمهم أن ملتهم وهي الدين الإِسلامي دين واحد فلا ينبغي الاختلاف فيه واعلمهم أيضاً أنه ربهم أي مالك أمرهم والحاكم عليهم فليبتغوه بفعل ما أمرهم به وترك ما نهاهم عنه، لينجوا من عذابه ويظفروا برحمته ودخول جنته. وقوله تعالى: {فَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ} أي دينهم {زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} أي فرقوا دينهم فرقاً فذهبت كل فرقة بقطعة منه وقسموا الكتاب إلى كتب فهذه يهودية وهذه نصرانية واليهودية فرق والنصرانية فرق والإِنجيل أصبح أناجيل متعددة وصارت كل جماعة فرحة بما عندها مسرورة به لا ترى الحق إلاَّ فيه.. {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} وهنا أمر الله رسوله أن يتركهم في غمرة ضلالتهم إلى حين أن ينزل بهم ما قضى به الرب تعالى على أهل الاختلاف في دينه {فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّىٰ حِينٍ} إذ قال له في سورة الأنعام {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ}تفسير : [الآية: 159] وفيه من التهديد ما فيه. وهذا الذي نعاه تعالى على تلك الأمم قد وقعت فيه أمة الإِسلام فاختلفوا في دينهم مذاهب وطرقاً عديدة، وياللأسف وقد حلت بهم المحن ونزل بهم البلاء نتيجة ذلك الخلاف. وقوله: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ} مع اختلافهم وانحرافهم مسارعة لهم منا في الخيرات لا بل ذلك استدراج لهم ليهلكوا ولكنهم لا يشعرون بذلك. لشدة غفلتهم واستيلاء غمرة الضلالة عليهم. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- وجوب الأكل من الحلال، ووجوب الشكر بالطاعة لله ورسوله. 2- الإِسلام دين البشرية جمعاء ولا يحل الاختلاف فيه بل يجب التمسك به وترك ما سواه. 3- حرمة الاختلاف في الدين وأنه سبب الكوارث والفتن والمحن. 4- إذا انحرفت الأمة عن دين الله، ثم رزقت المال وسعة العيش كان ذلك استدراجاً لها، ولم يكن إكراماً من الله لها دالاً على رضى ربها عنها بل ما هو إلا فتنة ليس غير.

القطان

تفسير : أُمتكم: ملّتكم وشريعتكم. فتقطعوا: تفرقوا وتمزقوا. زُبُرا: قطعا وجماعات واحدها زُبْرة. فذرهم: دعهم واتركهم. في غمرتهم: في جهلهم، وأصل الغمرة الماءُ الذي يغمر القامة ويسترها. حتى حين: الى ان يموتوا فيستحقوا العذاب. {يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} هذا نداءٌ لجميع الرسُل في كل زمان ومكان، ان يأكلوا من الحلال الطيب، وان يعملوا في هذه الدنيا ويعمُروها، فالعملُ من مقتضيات البشرية. فالرسُل كلُّهم يتلقَّون من عند الله، لا فرقَ بين أحدٍ منهم والآخر. وهذا النداء، وإن كان موجَّهاً الى الرسُل والأنبياء فانه ايضاً لأممهم جميعاً. فهو نداء لجميع الناس في جميع الأقطار أن يأكلوا من الحلال الطيب، وان يعمروا هذه الارضَ، بالأعمال الصالحة. ثم قال في ختام الآية: {إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} لا يخفى عليَّ شيء منها، وأنا مجازيكم على ما تعملون. {وَإِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ} يقرر الله تعالى في هذه الآية وَحدةَ الأديان، وأنها كلّها من عنده، غايتها واحدة، هي الدعوةُ إلى عبادة الله وحدَه لا شريكَ له، والعملُ على إحياء هذه الأرض، والجدّ والكدّ في سبيل الأمة وتماسكها ووحدتها. وفي هذا دليل كبير على وَحدة الدين، وأن الأديان جميعَها من عند الله، لكن الأمم اختلفت وخالف الناسُ رسُلَهم واتبعوا أهواءهم فبدّلوا وغيّروا وتفرقوا شِيعاً واحزاباً، كما قال: {فَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}. فتفرّق أتباع الرسُل والأنبياء فِرقاً وأحزابا، وأصبح كلّ فريقٍ معجَباً بنفسه، فرِحاً بما عنده، معتقدا أنه على الحق وحده. فبعد ان كان الرسل أمةً واحدة ذاتَ كلمة واحدة وعبادة واحدة تفَرّق الناس من بعدِهم شيعاً واحزابا لا تلتقي على منهج ولا طريق. {فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّىٰ حِينٍ}. الخطابُ للنبيّ الكريم عليه صلواتُ الله وسلامه، فاترك الكافرين يا محمد في جَهالتهم وغفلتِهم ما دمتَ قد أدَّيتَ رسالتك، حتى يقضيَ الله فيهم فيفاجئهم المصيرُ حينَ يجيء موعده المحتوم. قراءات: قرأ اهل الكوفة: وإِنَّ امتكم بكسر الهمزة. وقرأ ابن عامر: وان بكسر الهمزة وسكون النون. والباقون: وان بفتح الهمزة وتشديد النون. ثم بين خطأهم فيما يظنون من أن سعةَ الرزق في الدنيا علامةُ رضا الله عنهم في الآخرة فقال: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي ٱلْخَيْرَاتِ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ}. أيظن هؤلاء المغرورون ان المقصود مما نعطيهم من الأموال والأولاد والرزقِ الواسع هو المسارعةُ بالخيرات لهم! إنما هي فتنةٌ لهم وابتلاء، إنهم لا يشعرون أنني غيرُ راضٍ عنهم، ولا أن هذه النعم استدراجٌ منّي لهم، ثم وراءها المصيرُ المظلم.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰأَيُّهَا} {ٱلطَّيِّبَاتِ} {صَالِحاً} (51) - يَأْمُرُ اللهُ عِبَادَهُ المُرْسَلِينَ بالأَكْلِ مِنَ الحَلاَلِ الطَّيِّبِ، والقِيَامِ بِالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ شُكْراً للهِ عَلَى نِعَمِهٍ عَلَيْهِمْ، فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الحَلاَلَ عَوْنٌ عَلَى العَمَلِ الصَّالِحِ، والرُّسلُ كَانُوا يَأْكُلُونَ مِن كَسْبِ أَيْدِيهِمْ، وَقَالَ لَهُم اللهُ تَعَالَى: إِنَّهُ عَالِمٌ بِمَا يَعْمَلُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْهُ وَقَدْ قَامَ الرُّسُلُ عَلَيْهِم السَّلاَمُ بِأَمْرِ اللهِ أًَتَمَّ قِيَامٍ وَجَمَعُوا بَيْنَ كُلِّ خَيْرٍ قَوْلاً وَعَمَلاً وَدَلاَلَةً وَنُصْحاً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : لكن، كيف يخاطب الحق - تبارك وتعالى - الرسل جميعاً في وقت واحد؟ نقول: لأن القرآن الكريم هو كلام الله القديم، لم يأْتِ خاصاً بمحمد صلى الله عليه وسلم، وإنْ نزل عليه فهو إذن خطاب لكل رسول جاء. وبعد أن أمرهم الحق سبحانه بالأكل من الطيب أمرهم بالعمل الصالح: {وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً ..} [المؤمنون: 51] ثم يقول سبحانه: {إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [المؤمنون: 51] كأن الحق سبحانه يقول: اسمعوا كلامي فيما آمركم به، فأنا عليم وخبير بكل ما يُصلحكم؛ لأنني الخالق الذي أعلم كيف تستقيم بنيتكم للحركة الصالحة للخير، ولا تستقيم بنيتكم للحركة الصالحة للخير إلا إذا أخذتم المطعم من الحلال الطيب. وكما قلنا: إن صانع الآلة يضع لها الوقود المناسب لتشغيلها، وإلاّ تعطلتْ عن أداء مهمتها. فلكي تؤدي الصالح في حركة حياتك عليك أنْ تبدأ بالمطْعَم الطيب الذي يبني ذراتك من الحلال، فيحدث انسجاماً بين هذه الذرات، وتعمل معاً متعاونة غير متعاندة، وإن انسجمتْ ذراتُك وتوافقتْ أعانتك على الصالح. فإنْ دخل الحرام إلى طعامك وتلوثتْ به ذراتُك تنافرتْ وتعاندت، كما لو وضعتَ للآلة وقوداً غير ما جُعِل لها، فافهموا هذه القضية؛ لأنني أنا الخالق فآمِنُوا لي كما تؤمنون بقدرة الصانع حين يصنع لكم صناعة، ويضع لكم قانون صيانتها. إذن: أمر الحق سبحانه أولاً رسله بالأكل من الطيبات؛ لأن العمل الصالح يحتاج إلى جهاز سليم متوافق من داخله؛ لذلك في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم أن أم عبد الله أخت شداد بن أوس، أرسلت إلى النبي في يوم صامه وهو حارّ شيئاً من اللبن يفطر عليه، وهو صلى الله عليه وسلم يعلم أنها فقيرة لا تَملك شيئاً فأرسل إليها: من أين لك هذا اللبن؟ فأرسلت إليه: من شاة عندي، فبعث إليها: ومن أين لك بالشاة؟ قالت: اشتريتها بمال دبّرته. فشرب رسول الله من اللبن. وإنْ كنا نحن لا نتحرى في مَطْعمنا كُلَّ هذا التحري، لكن هذا رسول الله الذي يُنفذ منهج الله كما جاءه، وعلى أكمل وجه. وفي الحديث الشريف: "حديث : أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [المؤمنون: 51] وقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ..} [البقرة: 172] ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذِّي بالحرام، فأنَّى يُستجاب لذلك؟ ". تفسير : نعم، كيف يُستجاب له وهو يدعو الله بجهاز إرسال فاسد مُشوّش دَنَّسه وخالطه الحرام؟ وفي حديث سيدنا سعد رضي الله عنه لما قال لرسول الله: يا رسول الله ادْعُ الله لي أنْ أكون مُستجاب الدعوة، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : يا سعد أطِبْ مطعمك تكُنْ مُستجاب الدعوة ". تفسير : ثم يُذيِّل الحق سبحانه هذه الآية بقوله تعالى: {إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [المؤمنون: 51] يعني: أعلم ما يُصلحكم، وما يجلب لكم الخير. ثم يقول الحق سبحانه: {وَإِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ...}.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : وقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً} [المؤمنون: 51] يشير إلى أن المأكول إذا كان مما أحل لهم ومما هو محكوم بأنه طيب من لوَث الإسراف والشهوات بأمر الشرع لا بأمر الطبع يكون من نتائجه الأعمال الصالحات {إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [المؤمنون: 51] بنياتكم وأحوال معاملاتكم {وَإِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} [المؤمنون: 52] أي: في الإنسانية على طبيعة واحدة وأمر أمتكم وعللكم في الظلومية والجهولية علة واحدة {وَأَنَاْ رَبُّكُمْ} أي: مربيكم ومعالجتكم بعلاج الشرائع {فَٱتَّقُونِ} أي خافون وأطيعوا أمري في المعالجات بعلاج الشرائع {فَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً} [المؤمنون: 53] أي: فتفرقوا في قبول المعالجة والتداوي، فمنهم مستقيم على حق المعالجة مقيم على التداوي على وفق علاج طبيبهم، ومنهم تائه في غيِّه مُصرٌّ على ترك المعالجة وعصيان الطبيب، {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} أي: كل مربوط بحده موقوف على ما قسم له في البداية من نشأته كل ينتحل طريقة ويدعي بحسن طريقه حقيقة وهو فرحان بها، وعند صحو سماء قلوب أرباب التوحيد لا غبار في الطريق وهم على يقين معارفهم فلا ريب ولا شبهة تتعالج، وأهل البدع والأهواء في عمى جهلهم وغبار جحدهم وظلمة تقليدهم وغمرة شكهم. {فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ} [المؤمنون: 54] من الشك وخذلانهم في الغفلة {حَتَّىٰ حِينٍ} إلى أن تداركهم العناية الأزلية أو إرادتهم القهارية في الهلاك {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي ٱلْخَيْرَاتِ} [المؤمنون: 55-56] المنجيات {بَل لاَّ يَشْعُرُونَ} أنهم مطرودون عن الحضرة بسياط القهر في صورة اللطف، فرأوه سراباً ظنوه شراباً، وفعلاً في شهودهم صواباً، فتوهموا عذاباً، وحين لقوا عذاباً علموا أنهم لم يفعلوا صواباً. ثم أخبر عن المؤمنين المشفقين، بقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ} [المؤمنون: 57] يشير إلى إطراق السريرة في حال الوقوف بين يدي الله بشواهد الأدب واستيلاء سلطان الهيبة في الحضور والغيبة {وَٱلَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبَّهِمْ يُؤْمِنُونَ} أي: بما تكاشف لهم من شواهد الحق والسر والعلانية {وَٱلَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ} [المؤمنون: 59] أي: في التوجه إلى حضرته بصدق الطلب لا يلتفتون إلى ما سواه من الدنيا والآخرة ومن أعظم الشرك ملاحظة الخلق في الرد والقبول والفرح بمدحهم والانكسار بذمهم، وأيضاً قصور النظر في المسار والمضار على الأسباب عند انقطاع النظر عن الله في أنه المسبب. قال الله تعالى: {أية : وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ} تفسير : [يوسف: 106] يعني: إنهم يتوهمون أن حصول الشفاء من شرب الدواء والشبع من الطعام، فإذا كان الشرب مستكناً يرد اليقين عن توهم شيء من الخذلان إلا من التقدير فحينئذ يتقي من الشرك {وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} بهذه الأقدام ومنقطعون عن {أُوْلَـٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ} [المؤمنون: 60] أي: هم المتوجهون إلى الله تعالى المعرضون عمن سواه المسارعون بقدم الصدق والسعي الجميل على حسب ما سبقت لهم من الله الحسنة {وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} على قدر سبق العناية. بقوله تعالى: {وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} [المؤمنون: 62] يشير إلى أنه تعلى جعل نفس الإنسان مستعدة لحمل ما كفلها بحمله كما كلف الناس أن يقولوا: لا إله إلا الله، وهم قادرون على قولها وأمرهم بقبول دعوة الأنبياء ما بعثهم وما هم بعاجزين عنها وليس هذا من قبيل تكليف ما لا يطاق لأنه أطاقه كثير من الناس {وَلَدَيْنَا كِتَابٌ} يعني: أم الكتاب {يَنطِقُ بِٱلْحَقِّ} أي: بأنهم قادرون على ذلك {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} لما أخذوا بترك ما أمروا وهم قادرون على إتيانه.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذا أمر منه تعالى لرسله بأكل الطيبات، التي هي الرزق الطيب الحلال، وشكر الله، بالعمل الصالح، الذي به يصلح القلب والبدن، والدنيا والآخرة. ويخبرهم أنه بما يعملون عليم، فكل عمل عملوه، وكل سعي اكتسبوه، فإن الله يعلمه، وسيجازيهم عليه أتم الجزاء وأفضله، فدل هذا على أن الرسل كلهم، متفقون على إباحة الطيبات من المآكل، وتحريم الخبائث منها، وأنهم متفقون على كل عمل صالح وإن تنوعت بعض أجناس المأمورات، واختلفت بها الشرائع، فإنها كلها عمل صالح، ولكن تتفاوت بتفاوت الأزمنة. ولهذا، الأعمال الصالحة، التي هي صلاح في جميع الأزمنة، قد اتفقت عليها الأنبياء والشرائع، كالأمر بتوحيد الله، وإخلاص الدين له، ومحبته، وخوفه، ورجائه، والبر، والصدق، والوفاء بالعهد، وصلة الأرحام، وبر الوالدين، والإحسان إلى الضعفاء والمساكين واليتامى، والحنو والإحسان إلى الخلق، ونحو ذلك من الأعمال الصالحة، ولهذا كان أهل العلم، والكتب السابقة، والعقل، حين بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم، يستدلون على نبوته بأجناس ما يأمر به، وينهى عنه، كما جرى لهرقل وغيره، فإنه إذا أمر بما أمر به الأنبياء، الذين من قبله، ونهى عما نهوا عنه، دل على أنه من جنسهم، بخلاف الكذاب، فلا بد أن يأمر بالشر، وينهى عن الخير. ولهذا قال تعالى للرسل: { وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أمَّةً } أي: جماعتكم -يا معشر الرسل- جماعة { وَاحِدَةً } متفقة على دين واحد، وربكم واحد. { فَاتَّقُونِ } بامتثال أوامري، واجتناب زواجري. وقد أمر الله المؤمنين بما أمر به المرسلين، لأنهم بهم يقتدون، وخلفهم يسلكون، فقال: {أية : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ } تفسير : فالواجب من كل المنتسبين إلى الأنبياء وغيرهم، أن يمتثلوا هذا، ويعملوا به، ولكن أبى الظالمون المفترقون إلا عصيانا، ولهذا قال: { فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا } أي: تقطع المنتسبون إلى اتباع الأنبياء { أَمْرُهُمْ } أي: دينهم { بَيْنَهُمْ زُبُرًا } أي: قطعا { كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ } أي: بما عندهم من العلم والدين { فَرِحُونَ } يزعمون أنهم المحقون، وغيرهم على غير الحق، مع أن المحق منهم، من كان على طريق الرسل، من أكل الطيبات، والعمل الصالح، وما عداهم فإنهم مبطلون. { فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ } أي: في وسط جهلهم بالحق، ودعواهم أنهم هم المحقون. { حَتَّى حِينٍ } أي: إلى أن ينزل العذاب بهم، فإنهم لا ينفع فيهم وعظ، ولا يفيدهم زجر، وكيف يفيد من يزعم أنه على الحق، ويطمع في دعوة غيره إلى ما هو عليه؟. { أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ } أي: أيظنون أن زيادتنا إياهم بالأموال والأولاد، دليل على أنهم من أهل الخير والسعادة، وأن لهم خير الدنيا والآخرة؟ وهذا مقدم لهم، ليس الأمر كذلك. { بَل لا يَشْعُرُونَ } أنما نملي لهم ونمهلهم ونمدهم بالنعم، ليزدادوا إثما، وليتوفر عقابهم في الآخرة، وليغتبطوا بما أوتوا {أية : حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً }.