Verse. 2725 (AR)

٢٣ - ٱلْمُؤْمِنُون

23 - Al-Mu'minoon (AR)

وَاِنَّ ہٰذِہٖۗ اُمَّتُكُمْ اُمَّۃً وَّاحِدَۃً وَّاَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّــقُوْنِ۝۵۲
Wainna hathihi ommatukum ommatan wahidatan waana rabbukum faittaqooni

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«و» اعلموا «إنَّ هذه» أي ملة الإسلام «أمتكم» دينكم أيها المخاطبون أي يجب أن تكونوا عليها «أمة واحدة» حال لازمة وفي قراءة بتخفيف النون وفي أخرى بكسرها مشددة استئنافا «وأنا ربكم فاتقون» فاحذرون.

52

Tafseer

القرطبي

تفسير : فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَإِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} المعنى: هذا الذي تقدم ذكره هو دينكم وملتكم فالتزموه. والأمّة هنا الدِّين؛ وقد تقدم محامله؛ ومنه قوله تعالى: {أية : إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ} تفسير : [الزخرف: 23] أي على دين. وقال النابغة:شعر : حلفتُ فلم أترك لنفسك رِيبةً وهل يَأْثَمَنْ ذو أمّةٍ وهو طائع تفسير : الثانية: قرىء «وإن هذه» بكسر «إنّ» على القطع، وبفتحها وتشديد النون. قال الخليل: هي في موضع نصب لمّا زال الخافض؛ أي أنا عالم بأن هذا دينكم الذي أمرتكم أن تؤمنوا به. وقال الفرّاء: «أنّ» متعلقة بفعل مضمر تقديره: واعلموا أن هذه أمتكم. وهي عند سيبويه متعلقة بقوله: «فاتقون»؛ والتقدير فاتقون لأن أمتكم واحدة. وهذا كقوله تعالى: {أية : وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً} تفسير : [الجن: 18]؛ أي لأن المساجد لله فلا تدعوا معه غيره. وكقوله: «لإِيلاَفِ قُرَيشٍ»؛ أي فليعبدوا ربّ هذا البيت لإيلاف قريش. الثالثة: وهذه الآية تقوّي أن قوله تعالى: «يأيها الرسل» إنما هو مخاطبة لجميعهم، وأنه بتقدير حضورهم. وإذا قدرت «يأيها الرسل» مخاطبة لمحمد صلى الله عليه وسلم فَلَق اتصالَ هذه الآية واتصالَ قوله: «فتقطعوا». أما أنّ قوله: {وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ} وإن كان قيل للأنبياء فأممهم داخلون فيه بالمعنى؛ فيحسن بعد ذلك اتصال. {فَتَقَطَّعُوۤاْ} أي افترقوا، يعني الأمم، أي جعلوا دينهم أدياناً بعد ما أمروا بالاجتماع. ثم ذكر تعالى أن كلاً منهم معجب برأيه وضلالته وهذا غاية الضلال. الرابعة: هذه الآية تنظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ألاَ إنّ مَن قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملّة وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة» تفسير : الحديث. خرّجه أبو داود، ورواه الترمذي وزاد: قالوا ومن هي يا رسول الله؟ قال: «حديث : ما أنا عليه وأصحابي» تفسير : خرّجه من حديث عبد الله بن عمرو. وهذا يبيّن أن الافتراق المحذر منه في الآية والحديث إنما هو في أصول الدين وقواعده، لأنه قد أطلق عليها مِلَلاً، وأخبر أن التمسك بشيء من تلك الملل موجب لدخول النار. ومثل هذا لا يقال في الفروع، فإنه لا يوجب تعديد الملل ولا عذاب النار؛ قال الله تعالى: {أية : لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} تفسير : [المائدة: 48]. قوله تعالى: {زُبُراً} يعني كتباً وضعوها وضلالات ألّفوها؛ قاله ابن زيد. وقيل: إنهم فرّقوا الكتب فاتبعت فرقةٌ الصحفَ وفرقة التوراة وفرقة الزبور وفرقة الإنجيل، ثم حرف الكلّ وبدّل؛ قاله قتادة. وقيل: أخذ كل فريق منهم كتاباً آمن به وكفر بما سواه. و«زُبُراً» بضم الباء قراءة نافع، جمع زبور. والأعمش وأبو عمرو بخلافٍ عنه «زُبَراً» بفتح الباء، أي قطعاً كقطع الحديد؛ كقوله تعالى: {أية : آتُونِي زُبَرَ ٱلْحَدِيدِ} تفسير : [الكهف: 96]. {كُلُّ حِزْبٍ} أي فريق ومِلّة. {بِمَا لَدَيْهِمْ} أي عندهم من الدين. {فَرِحُونَ } أي معجبون به. وهذه الآية مثال لقريش خاطب محمداً صلى الله عليه وسلم في شأنهم متصلاً بقوله: {فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ} أي فذر هؤلاء الذين هم بمنزلة من تقدم، ولا يضيق صدرك بتأخير العذاب عنهم؛ فلكل شيء وقت. والغَمرة في اللغة ما يَغْمُرك ويعلوك؛ وأصله الستر؛ ومنه الغِمْر الحقد لأنه يغطّي القلب. والغَمْر الماء الكثير لأنه يغطي الأرض. وغَمْرُ الرداء الذي يشمل الناس بالعطاء؛ قال:شعر : غَمْرُ الرداء إذا تبسّم ضاحكا غَلِقتْ لضَحْكته رِقابُ المالِ تفسير : المراد هنا الحَيْرة والغفلة والضلالة. ودخل فلان في غمار الناس، أي في زحمتهم. وقوله تعالى: {حَتَّىٰ حِينٍ} قال مجاهد: حتى الموت، فهو تهديد لا توقيت؛ كما يقال: سيأتي لك يوم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَ} اعلموا { إِنَّ هَٰذِهِ }أي ملة الإِسلام {أُمَّتُكُمْ } دينكم أيها المخاطبون أي يجب أن تكونوا عليها {أُمَّةً وَاحِدَةً } حال لازمة. وفي قراءة بتخفيف النون. وفي أخرى بكسرها مشدّدة استئنافاً {وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ } فاحذرون.

ابن عطية

تفسير : قرأ عاصم وحمزة والكسائي "وإنّ" بكسر الألف وشد النون، وقرأ ابن عامر و"أن" بفتح الألف وتخفيف "أن" وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو "وأنّ هذه" بفتح الألف وتشديد "أنّ"، فالقراءة الأولى بينة على القطع، وأما فتح الألف وتشديد النون فمذهب سيبويه أنها متعلقة بقوله، آخراً {فاتقون} على تقدير ولأن، أي فاتقون لأن {أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون} وهذا عنده نحو قوله عز وجل: {أية : وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً} تفسير : [الجن: 18]. و"أن" عنده في موضع خفض وهي عند الخليل في موضع نصب لما زال الخافض، وقد عكس هذا الذي نسبت إليهما بعض الناس، وقال الفراء "أن" متعلقة بفعل مضمر تقديره واعلموا أو واحفظوا، وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق "أمةٌ واحدةٌ" بالرفع على البدل، وقرأ نافع وعاصم وأبو عمرو "أمة واحدةً" بالنصب على الحال وقيل على البدل من {هذه} وفي هذا نظر، وهذه الآية تقوي أن قوله تعالى: {أية : يا أيها الرسل} تفسير : [المؤمنون: 51]، إنما هو مخاطبة لجميعهم وأنه بتقرير حضورهم وتجيء هذه الآية بعد ذلك بتقدير وقلنا للناس، وإذا قدرت {أية : أيها الرسل} تفسير : [المؤمنون: 51] مخاطبة لمحمد عليه السلام قلق اتصال هذه واتصال قوله {فتقطعوا}، أما أن قوله {وأنا ربكم فاتقون} وإن كان قيل للأنبياء فأممهم داخلون بالمعنى فيحسن بعد ذلك اتصال {فتقطعوا}، ومعنى "الأمة" هنا الملة والشريعة والإشارة بهذه إلى الحنيفية السمحة ملة إبراهيم عليه السلام وهو دين الإسلام، وقوله {فتقطعوا} يريد الأمم أي افترقوا وليس بفعل مطاوع كما تقول تقطع الثوب بل هو فعل متعد بمعنى قطعوا ومثاله تجهمني الليل وتخوفني السير وتعرقني الزمن، وقرأ نافع "زُبراً" بضم الزاي جمع زبور، وقرأ الأعمش وأبو عمرو بخلاف "زُبَراً" بضم الزاي وفتح الباء، فأما القراءة الأولى فتحتمل معنيين أحدهما أَن الأمم تنازعت أمرها كتباً منزلة فاتبعت فرقة الصحف وفرقة التوارة وفرقة الزبور وفرقة الإنجيل ثم حرف الكل وبدل، وهذا قول قتادة، والثاني أنهم تنازعوا أمرهم كتباً وضعوها وضلالات ألفوها وهذا قول ابن زيد، وأما القراءة الثانية فمعناها فرقاً كزبر الحديد، ثم ذكر تعالى أن كل فريق منهم معجب برأيه وضلالته وهذه غاية الضلال لأن المرتاب بما عنده ينظر في طلب الحق ومن حيث كان ذكر الأمم في هذه الآية مثالاً لقريش خاطب محمداً عليه السلام في شأنهم متصلاً بقوله {فذرهم} أي فذر هؤلاء الذين هم بمنزلة من تقدم و"الغمرة"، ما عمهم من ضلالهم وفعل بهم فعل الماء الغمر لما حصل فيهم، وقرأ أبو عبد الرحمن "في غمراتهم"، و {حتى حين} أي إلى وقت فتح فيهم غير محدود وفي هذه الآية موادعة منسوخة بآية السيف، ثم وقفهم على خطأ رأيهم في أَن نعمة الله عندهم بالمال ونحوه إنما هي لرضاه عن حالهم وبين تعالى أن ذلك إنما هو إملاء واستدراج، وخبر "أن" في قوله {نسارع} بنون العظمة، وفي الكلام على هذه القراءة ضمير عائد تقديره لهم به، وقرأ عبد الرحمن بن أبي بكرة "يسارِع" بالياء من تحت وكسر الراء بمعنى أَن إمدادنا يسارع ولا ضمير مع هذه القراءة إلا ما يتضمن الفعل، وروي عن أَبي بكرة المذكور "يسارَع" بفتح الراء، وقرأ الحر النحوي "نسرع" بالنون وسقوط الألف، و {الخيرات} هنا يعم الدنيا، وقوله {بل لا يشعرون} وعيد وتهديد، والشعور مأخوذ من الشعار وهو ما يلي الإنسان من ثيابه.

ابن عبد السلام

تفسير : {أُمَّتُكُمْ} دينكم، أو جماعتكم، أو خقلكم.

النسفي

تفسير : {وَإِنَّ هَـٰذِهِ } كوفي على الاستئناف. {وأن} حجازي وبصري بمعنى ولأن أي فاتقون لأن هذه، أو معطوف على ما قبله أي بما تعملون عليم وبأن هذه. أو تقديره واعلموا أن هذه {أُمَّتُكُمْ } أي ملتكم وشريعتكم التي أنتم عليها {أُمَّةً وَاحِدَةً } ملة واحدة وهي شريعة الاسلام. وانتصاب {أمة} على الحال والمعنى وإن الدين دين واحد وهو الاسلام ومثله {أية : إِنَّ الدّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلَـٰمُ } تفسير : [آل عمران: 19] {وَأَنَاْ رَبُّكُمْ } وحدي {فَٱتَّقُونِ } فخافوا عقابي في مخالفتكم أمري {فَتَقَطَّعُواْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ } تقطع بمعنى قطع أي قطعوا أمر دينهم {زُبُراً } جمع زبور أي كتباً مختلفة يعني جعلوا دينهم أدياناً. وقيل: تفرقوا في دينهم فرقاً كلٍ فرقة تنتحل كتاباً. وعن الحسن: قطعوا كتاب الله قطعاً وحرفوه. وقرىء {زَبرا} جمع زبرة أي قطعاً {كُلُّ حِزْبٍ } كل فرقة من فرق هؤلاء المختلفين المتقطعين دينهم {بِمَا لَدَيْهِمْ } من الكتاب والدين أو من الهوى والرأي {فَرِحُونَ } مسرورون معتقدون أنهم على الحق {فَذَرْهُمْ فِى غَمْرَتِهِمْ } جهالتهم وغفلتهم {حَتَّىٰ حِينٍ } أي إلى أن يقتلون أو يموتوا. {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ } «ما» بمعنى الذي وخبر «أن» {نُسَارِعُ لَهُمْ فِى ٱلْخَيْرٰتِ } والعائد من خبر «أن» إلى اسمها محذوف أي نسارع لهم به، والمعنى أن هذا الإمداد ليس إلا استدراجاً لهم إلى المعاصي وهم يحسبونه مسارعة لهم في الخيرات ومعالجة بالثواب جزاء على حسن صنيعهم. وهذه الآية حجة على المعتزلة في مسألة الأصلح لأنهم يقولون إن الله لا يفعل بأحد من الخلق إلا ما هو أصلح له في الدين، وقد أخبر أن ذلك ليس بخير لهم في الدين ولا أصلح {بَل لاَّ يَشْعُرُونَ } بل استدراك لقوله أيحسبون أي أنهم أشباه البهائم لا شعور لهم حتى يتأملوا في ذلك أنه استدراج أو مسارعة في الخير. ثم بين ذكر أوليائه فقال

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} [الآية: 52]. قال القاسم: أى تفردت بشرف محمد صلى الله وعليه وسلم وأنا ربكم وبى محمد صلى الله عليه وسلم فاتقون أى لا تنقطعوا عنى بشىء سواى.

القشيري

تفسير : معبودكم واحدٌ ونبيُّكم واحد، وشرعكم واحد؛ فأنتم في الأصول شرعٌ سواءٌ، فلا تسلكوا ثِنْيَاتِ الطرق فتطيحوا في أودية الضلالة. وعليكم باتباع سَلَفِكم، واحذروا موافقة ابتداع خَلَفكم. {وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ} خافوا مخالفة أمري، واعرفوا عظيمَ قَدْرِي، واحفظوا في جريان التقدير سِرِّي، واستديموا بقلوبكم ذكري، تجدوا في مآلكم غفري، وتَحْظَوْا بجميلِ بِرِّي.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَإِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} اى ملة المحبة والمعرفة المفردة عن شوائب الطبيعة مقرونة ببنود الاسلام والايمان لمن تابع المصطفى بنعت الاسوة والقدوة فى جميع المعاملات والاحوال قال القسم اى تفردت بشرف محمد صلى الله عليه وسلم وانا ربكم منى شرف محمد صلى الله عليه وسلم ثم قال {فَٱتَّقُونِ} اى لا تقطعوا عنى بشئ سوا انا ربكم فاتقون اى مشاهدتى وبوصف جلال وخوف عظمتى فانا ربكم اربيكم بحسن وصالى وشرح صحبتى.

اسماعيل حقي

تفسير : {وان هذه} اى ملة الاسلام والتوحيد واشير اليها بهذه للتنبيه على كمال ظهور امرها فى الصحة والسداد وانتظامها بسبب ذلك في سلك الامور المشاهدة {امتكم} اى ملتكم وشريعتكم ايها الرسل، قال القرطبى الامة هنا الدين ومنه انا وجدنا آباءنا على امة اى على دين مجتمع {امة واحدة} حال من هذه اى ملة وشريعة متحدة فى اصول الشرائع التى لا تتبدل بتبدل الاعصار واما الاختلاف فى الفروع فلا يسمى اختلافا فى الدين فالحائض والطاهر من النساء دينهما واحد وان افترق تكليفهما، وقيل هذه اشارة الى الامم المؤمنة للرسل المعنى ان هذه جماعتكم واحدة متفقة على الايمان والتوحيد فى العبادة ولا يلائمه قوله تعالى {وانا ربكم} من غير ان يكون لى شريك فى الربوبية {فاتقون} اى فى شق العصا ومخالفة الكلمة والضمير للرسل والامم جميعا على ان الامر فى حق الرسل للتهييج والالهاب وفى حق الامم للتحذير والايجاب، وفى التفسير الكبير فيه تنبيه على ان دين الجميع واحد فيما يتصل بمعرفة الله تعالى واتقاء معاصيه.

الجنابذي

تفسير : {وَإِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ} اى دينكم او جماعتكم الآمّون لكم المؤتمّون بكم وسوق العبارة يقتضى ان يقال: هذه اممكم لكنّه تعالى لمّا جمع فى حكاية الخطاب او جمعهم فى اصل الخطاب فى العوالم العالية جمع الامم ايضاً فى لفظ الامّة فانّه يطلق على الواحد والكثير، وقرئ انّ مفتوحة الهمزة مشدّدةً ومخفّفةً بالعطف على ما تعملون او بتقدير الّلام لتعليل قوله {فَٱتَّقُونِ}، وقرئ انّ مكسورة الهمزة بالعطف على انّى بما تعملون عليمٌ {أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ} والمقصود من الآية انّا ارسلنا الرّسل وبعد ما بلّغوا واجاب لهم اممهم ووقعوا بيننا وبين عبادنا وصاروا ذوى اضافتين اضافة الينا واضافة الى عبادنا قلنا لهم: يا ايّها الرّسل انتم ائمّة لعبادنا فاعملوا الاعمال القالبيّة المرضيّة للنّفوس ولنا حتّى يتأسّى بكم اممكم ولا ينزجروا منكم ولا ينفروا عنكم وعن دينكم، واعملوا الاعمال القلبيّة الّتى بها توجّهكم الينا واستفاضتكم منّا حتّى يتمّ تربيتكم لعبادنا بحسب الظّاهر والباطن، لانّى بما تعملون من الاعمال القالبيّة والقلبيّة عليمٌ، ولانّ هذه امّتكم فليكن المنظور من اعمالكم صلاح حالهم وانا ربّكم الّذى افيض عليكم ما به قوامكم وما به صلاحكم وصلاح اممكم فاتّقون فى عدم مراقبة حال الامم وعدم التّوجّه الىّ لاخذ ما به صلاح الامم.

اطفيش

تفسير : {وَإِنَّ هَذهِ} اي ملة التوحيد {أُمَّتُكُمْ} ملتكم يا جميع الرسل * {أُمَّةً} حال مؤكدة وباعتبار وصفها بقوله * {وَاحِدةً} تكون ايضا لازمة والمراد الاتحاد في العقائد والاصول ولو اختلفت شرائعهم أو المعنى ان هذه الجماعة جماعتكم جماعة واحدة في الايمان والتوحيد وانما فتحت همزة ان لان التقدير واعلموا ان هذه أو لان العطف على ما اي وبان هذه. وقيل: لان لام التعليل مقدرة قبلها متعلقة بـ (اتقون) بعده وعلى هذا فالفاء فيه زائدة. وقرأ ابن عامر بالتخفيف. وقرأ الكوفيون بكسر الهمزة والتشديد استئنافا في جملة الكلام أو لتقدير القول فيما مر أو هنا. وقرئ برفع (امة واحدة) تعديدا للخبر * {وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} احذروا معصيتي. ومنها بل اعظمها مفارقة جماعة الآخرة ومخالفة الكلمة فائدة. قال أبو اسحاق والثعلبي في عرائس القرآن قالوا كان مولد عيسى بعد مضي اثنيتن واربعين سنة من ملك اعرطيس وخمسين سنة من ملك الاسكانين وكانت المملكة في ذلك الوقت لملوك الطوائف وكانت الرئاسة بالشام ونواحيه لقيصر ملك الروم وكان الملك عليها من قبل قيصر هردوش فلما عرف هردوش ملك بني اسرائيل خبر المسيح قصد قتله وذلك انهم نظروا إلى نجم طلع فعرفوه به فارسل الله ملكا إلى يوسف النجار واخبره بما أراد هردوش ملك بني اسرائيل وامره ان يهرب بالغلام وامه إلى مصر واوحى إلى مريم ان اهربي إلى مصر فان هردوش إن ظفر بولدك قتله فاذا مات هردوش فارجعي إلى بلدك فحملها يوسف على حمار حتى ورد مصر ومكثا فيها اثنتي عشرة سنة وهي الربوة التي ذكر الله وذكر بقية الاقوال السابقة ونسب القول بانها دمشق إلى عبدالله بن سلام والقول بانها بيت المقدس إلى قتادة وكعب قال وقال الضحاك في غوطة دمشق. وعن محمد بن علي الباقر ولد عيسى كأنه ابن شهرين ولما بلغ تسعة اشهر اخذت بيده للمعلم فقال له: قل بسم الله الرحمن الرحيم فقالها فقال له: فقل ابجد فرفع رأسه فقال هل تدري ما ابجد فعلاه بالدرة ليضربه فقال له يا معلم لا تضربني ان كنت تدري والا فاسألني افسر لك فقال الالف الله والباء بهجة الله والجيم جلال الله والدال دينه والهاء الهاوية والواو ويل لاهل النار والزاء زفير جهنم حطي حطت عنه الخطايا سعفص صاع بصاع والجزاء بالجزاء قرشت نقوشهم تجمعهم فقال ايتها المرأة خذي ولدك فقد علم علماء لا يحتاج للمؤدب. وعن ابي سعيد عنه صلى الله عليه وسلم ارسلت امه ليتعلم فقال له المعلم قل بسم الله الرحمن الرحيم قال: وما ذاك؟ قال المعلم لا ادري فقال الباء بهاء الله والسين سناؤه والميم ملكه وهو احمر إلى البياض. وقيل: لم يدهن رأسه فقط يمشي حافيا ولا بيت له ولا حلبة ولا يدخر إلى الغد.

اطفيش

تفسير : {وإنَّ هذه} أى هذه الملَّة التى هى التوحيد وخصاله، ومكارم الأخلاق، {أمتكم} ملتكم، وإشارة القرب لوضوح صحتها، وفتحت ان على تقدير لام التعليل متعلقة باتقون، والفاء صلة لا عاطفة، إذ لا يتقدم معمول المعطوف على العاطف {أمةً} حال من أمتكم {واحدةً} متحدة، لا تختلف ولا يداخلها النسخ، وقيل: الإشارة الى الأصم، أى هذه جماعتكم جماعة متحدة فيما لا ينسخ، ويضعف العطف على ما لضعف الأخبار بأن الله عليم بأن هذه أمتكم أمة واحدة، وتقدير واعلموا أن هذه الخ عطفاً على اعملوا خلاف الظاهر. {وأنا ربُّكم} لا رب غيرى، والجملة حال من المستتر فى واحدة {فاتقون} نتيجة لما قبله، وقيل الخطاب فيه وفى ربك للرسل، وأممهم.

الالوسي

تفسير : {وَإِنَّ هَـٰذِهِ} أي الملة والشريعة، وأشير إليها بهذه للإشارة إلى كمال ظهور أمرها في الصحة والسداد وانتظامها بسبب ذلك في سلك الأمور المشاهدة {أُمَّتُكُمْ} أي ملتكم وشريعتكم والخطاب للرسل عليهم السلام على نحو ما مر؛ وقيل عام لهم ولغيرهم وروي ذلك عن مجاهد، والجملة على ما قال الخفاجي عطف على جملة { أية : إِنّى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ } تفسير : [المؤمنون: 51] فالواو من المحكي، وقيل هي من الحكاية وقد عطفت قولاً على قول، والتقدير قلنا يا أيها الرسل كلوا الخ وقلنا لهم إن هذه أمتكم ولا يخفى بعده. وقيل: الواو ليست للعطف والجملة بعدها مستأنفة غير معطوفة على ما قبلها وهو كما ترى. وقوله سبحانه: {أُمَّةً وَاحِدَةً} حال مبنية من الخبر والعامل فيها معنى الإشارة أي أشير إليها في حال كونها شريعة متحدة / في الأصول التي لا تتبدل بتبدل الأعصار؛ وقيل: {هَـٰذِهِ} إشارة إلى الأمم الماضية للرسل، والمعنى إن هذه جماعتكم جماعة واحدة متفقة على الإيمان والتوحيد في العبادة. {وَأَنَاْ رَبُّكُمْ} أي من غير أن يكون لي شريك في الربوبية، وهذه الجملة عطف على جملة {إِنَّ هَـٰذِهِ} الخ المعطوفة على ما تقدم وهما داخلان في حيز التعليل للعمل الصالح لأن الظاهر أن قوله سبحانه: { أية : إِنّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ } تفسير : [المؤمنون: 51] تعليل لذلك، ولعل المراد بالعمل الصالح ما يشمل العقائد الحقة والأعمال الصحيحة، واقتضاء المجازاة والربوبية لذلك ظاهر وأما اقتضاء اتحاد الشريعة في الأصول التي لا تتبدل لذلك فباعتبار أنه دليل حقية العقائد وحقيتها تقتضي الإتيان بها والإتيان بها يقتضي الإتيان بغيرها من الأعمال الصالحة بل قيل لا يصح الاعتقاد مع ترك العمل، وعلى هذا يكون قوله تعالى: {فَٱتَّقُونِ} كالتصريح بالنتيجة فيكون الكلام نظير قولك: العالم حادث لأنه متغير وكل متغير حادث فالعالم حادث. وفي «إرشاد العقل السليم» أن ضمير الخطاب في قوله تعالى: {رَبُّكُـمْ} وفي قوله سبحانه: {فَٱتَّقُونِ} للرسل والأمم جميعاً على أن الأمر في حق الرسل للتهييج والإلهاب وفي حق الأمة للتحذير والإيجاب، والفاء لترتيب الأمر أو وجوب الامتثال به على ما قبله من اختصاص الربوبية به سبحانه واتحاد الأمة فإن كلاً منهما موجب للاتقاء حتماً، والمعنى فاتقون في شق العصا والمخالفة بالإخلال بموجب ما ذكر. وقرأ الحرميان وأبو عمرو {وأن} بفتح الهمزة وتشديد النون، وخرج على تقدير حرف الجر أي ولأن هذه الخ، والجار والمجرور متعلق باتقون، قال الخفاجي: والكلام في الفاء الداخلة عليه كالكلام في فاء قوله تعالى: { أية : فَإيَّـٰيَ فَٱرْهَبُونِ } تفسير : [النحل: 51] وهي للسببية وللعطف على ما قبله وهو { أية : ٱعْمَلُواْ } تفسير : [المؤمنون: 51] والمعنى اتقوني لأن العقول متفقة على ربوبيتي والعقائد الحقة الموجبة للتقوى انتهى، ولا يخلو عن شيء. وجوز أن تكون {أن هذه} الخ على هذه القراءة معطوفاً على { أية : مَا تَعْمَلُونَ } تفسير : [المؤمنون: 51] والمعنى أني عليم بما تعملون وبأن هذه أمتكم أمة واحدة الخ فهو داخل في حيز المعلوم. وضعف بأنه لا جزالة في المعنى عليه، وقيل: هو معمول لفعل محذوف أي واعلموا أن هذه أمتكم الخ وهذا المحذوف معطوف على { أية : ٱعْمَلُواْ } تفسير : ولا يخفى أن هذا التقدير خلاف الظاهر. وقرأ ابن عامر {وَأن} بفتح الهمزة وتخفيف النون على أنها المخففة من الثقيلة ويعلم توجيه الفتح مما ذكرنا.

ابن عاشور

تفسير : يجوز أن تكون الواو عاطفة على جملة { أية : يا أيها الرسل كلوا من الطيبات }تفسير : [المؤمنون: 51] الخ، فيكون هذا مما قيل للرسل. والتقدير: وقلنا لهم {إن هذه أمتكم أمة واحدة} الآية. ويجوز أن تكون عطفاً على قصص الإرسال المبدوءة من قوله: { أية : ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه } تفسير : [المؤمنون: 23] لأن تلك القصص إنما قصت عليهم ليهتدوا بها إلى أن شأن الرسل منذ ابتداء الرسالة هو الدعوة إلى توحيد الله بالإلهيَّة. وعلى هذا الوجه يكون سياقها كسياق آية سورة الأنبياء (92) { أية : إن هذه أمتكم أمة واحدة } تفسير : الآية. وفي هذه الآية ثلاث قراءات بخلاف آية سورة الأنبياء. فتلك اتفق القراء على قراءتها بكسر همزة (إن). فأما هذه الآية فقرأ الجمهور {وأنّ} بفتح الهمزة وتشديد النون، فيجوز أن تكون خطاباً للرسل وأن تكون خطاباً للمقصودين بالنذارة على الوجهين وفتح الهمزة بتقدير لام كي متعلقة بقوله: {فاتقون} عند من لا يرى وجود الفاء فيه مانعاً من تقديم معموله، أو متعلقة بمحذوف دل عليه {فاتقون} عند من يمنع تقديم المعمول على العامل المقترن بالفاء، كما تقدم في قوله تعالى: { أية : فإياي فارهبون } تفسير : في سورة النحل (51). والمعنى عليه: ولكون دينكم ديناً واحداً لا يتعدد فيه المعبود. وكوني ربكم فاتَّقون ولا تشركوا بي غيري، خطاباً للرسل والمراد أممهم. أو خطاباً لمن خاطبهم القرآن. وقرأه عاصم وحمزة والكسائي وخلف بكسر همزة (إنّ) وتشديد النون، فكسر همزة (إن) إما لأنها واقعة في حكاية القول على الوجه الأول، وإمَّا لأنها مستأنفة على الوجه الثاني. والمعنى كما تقدم في معنى قراءة الجمهور. وقرأ ابن عامر بفتح الهمزة وتخفيف النون على أنها مخففة من (أنّ) المفتوحة واسمها ضمير شأن محذوف وخبرها الجملة التي بعدها. ومعناه كمعنى قراءة الجمهور سواء. واسم الإشارة مراد به شريعة كل من الأنبياء أو شريعة الإسلام على الوجهين في المخاطب بهذه الآية. وتأكيد الكلام بحرف (إن) على القراءات كلها للرد على المشركين من أمم الرسل أو المشركين المخاطبين بالقرآن. وتقدم تفسير نظيرها في سورة الأنبياء، إلا أن الواقع هنا {فاتقون} وهناك { أية : فاعبدون } تفسير : [الأنبياء: 92] فيجوز أن الله أمرهم بالعبادة وبالتقوى ولكن حكى في كل سورة أمراً من الأمرين، ويجوز أن يكون الأمران وقعا في خطاب واحد، فاقتصر على بعضه في سورة الأنبياء وذكر معظمه في سورة المؤمنين بحسب ما اقتضاه مقام الحكاية في كلتا السورتين. ويحتمل أن يكون كل أمر من الأمرين: الأمر بالعبادة والأمر بالتقوى. قد وقع في خطاب مستقل تماثَل بعضُه وزاد الآخر عليه بحسب ما اقتضاه مقام الخطاب من قصد إبلاغه للأمم كما في سورة الأنبياء، أو من قصد اختصاص الرسل كما في سورة المؤمنين. ويرجح هذا أنه قد ذكر في سورة المؤمنين خطاب الرسل بالصراحة. وأيّاً مَّا كان من الاحتمالين فوجه ذلك أن آية سورة الأنبياء لم تذكر فيها رسالات الرسل إلى أقوامهم بالتوحيد عدا رسالة إبراهيم في قوله: { أية : ولقد آتينا إبراهيم رشده } تفسير : [الأنبياء: 51] ثم جاء ذكر غيره من الرسل والأنبياء مع الثناء عليهم وطال البعد بين ذلك وبين قصة إبراهيم فكان الأمر بعبادة الله تعالى، أي إفراده بالعبادة الذي هو المعنى الذي اتحدت فيه الأديان. أولى هنالك لأن المقصود من ذلك الأمر أن يبلغ إلى أقوامهم، فكان ذكر الأمر بالعبادة أولى بالمقام في تلك السورة لأنه الذي حظُّ الأمم منه أكثر. إذ الأنبياء والرسل لم يكونوا بخلاف ذلك قط فلا يقصد أمر الأنبياء بذلك إذ يصير من تحصيل الحاصل إلا إذا أريد به الأمر بالدوام. وأما آية هذه السورة فقد جاءت بعد ذكر ما أرسل به الرسل إلى أقوامهم من التوحيد وإبطال الشرك فكان حظ الرسل من ذلك أكثر كما يقتضيه افتتاح الخطاب بــــ { أية : يا أيها الرسل } تفسير : [المؤمنون: 51] فكان ذكر الأمر بالتقوى هنا أنسب بالمقام لأن التقوى لا حد لها، فالرسل مأمورون بها وبالازدياد منها كما قال تعالى في حق نبيّه { أية : يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلاً نصفه أو انقص منه قليلاً أو زد عليه } تفسير : [المزمل: 1 ـــ 4] ثم قال في حق الأمة { أية : فاقرأوا ما تيسر من القرآن } تفسير : [المزمل: 20] الآية. وقد مضى في تفسير سورة الأنبياء شيء من الإشارة إلى هذا ولكن ما ذكرناه هنا أبسط فضُمَّه إليه وعوّل عليه. وقد فات في سورة الأنبياء (92) أن نبين عربية قوله تعالى: { أية : إن هذه أمتكم أمة واحدة } تفسير : فوجب أن نشبع القول فيه هنا. فالإشارة بقوله {هذه} إلى أمر مستحضر في الذهن بيّنه الخبر والحال ولذلك أنث اسم الإشارة، أي هذه الشريعة التي أوحينا إليك هي شريعتك. ومعنى هذا الإخبار أنك تلتزمها ولا تنقص منها ولا تغير منها شيئاً. ولأجل هذا المراد جعل الخبر ما حقه أن يكون بياناً لاسم الإشارة لأنه لم يقصد به بيان اسم الإشارة بل قصد به الإخبار عن اسم الإشارة لإفادة الاتحاد بين مدلولي اسم الإشارة وخبره فيفيد أنه هو هو لا يغير عن حاله. قال الزجاج: ومثل هذه الحال من لطيف النحو وغامضه إذ لا تجوز إلا حيث يعرف الخبر. ففي قولك: هذا زيد قائماً، لا يقال إلا لمن يعرفه فيفيده قيامَه. ولو لم يكن كذلك لزم أن لا يكون زيداً عند عدم القيام وليس بصحيح. وبهذا يعلم أن ليس المقصود من الإخبار عن اسم الإشارة حقيقته بل الخبر مستعمل مجازاً في معنى التحريض والملازمة، وهو يشبه لازم الفائدة وإن لم يقع في أمثلتهم. ومنه قوله تعالى: { أية : وهذا بعلي شيخا } تفسير : [هود: 72] فإن سارّة قد علمت أن الملائكة عرفوا أن إبراهيم بعلها إذ قد بشروها بإسحاق. وإنما المعنى: وهذا الذي ترونه هو بعلي الذي يُترقب منه النسل المبشرَّ به، أي حاله ينافي البشارة، ولذلك يتبع مثل هذا التركيب بحال تبين المقصود من الإخبار كما في هذه الآية. وقد تقدم ذكر لطيفة في تلك الآية.

الشنقيطي

تفسير : قد أوضحنا معنى هاتين الآيتين، وفسرنا ما يحتاج منهما إلى تفسير وبينا الآيات الموضحة لمعناهما في سورة الأنبياء في الكلام على قوله: {أية : إِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُونِ وَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ} تفسير : [الأنبياء: 92-93] وبينا المراد بالأمة مع بعض الشواهد العربية، وبينا جميع معاني الأمة في القرآن في أول سورة هود في الكلام على قوله: {أية : وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ}تفسير : [هود: 8] الآية فأغنى ذلك عن إعادته هنا.

د. أسعد حومد

تفسير : (52) - إِنَّ دِينَكُم، يَا مَعْشَرَ الأَنْبِيَاءِ، دِينٌ وَاحِدٌ، وَمِلَّتَكُمْ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَدِينَكُمْ هُوَ الدَّعْوَةُ إِلى عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ. ثُمَّ قَالَ لَهُم اللهُ تَعَالَى إِنَّهُ رَبُّهُمْ فَعَلَيْهِم أَنْ يَعْبُدُوهُ وَحْدَهُ، وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً. وَيَتَّقُوهُ حَقَّ تُقَاتِهِ. أُمَّتُكُمْ - مِلَّتُكُمْ وَشَرِيعَتُكُم.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : بعد أن تكلَّم الحق - سبحانه وتعالى - عن المعركة بين الإيمان والكفر أراد هنا أن يتكلم عن معركة أخرى لا تقلّ خطورة عن الأولى، وهي معركة الفُرْقة والاختلاف بين صفوف المؤمنين، ليحذرنا من الخلافات التي تشقُّ عصانا، وتفُتُّ في عَضُد الأمة وتُضِعفها أمام أعدائها، ونسمعهم الآن يقولون عنَّا بعدما وصلنا إليه من شيع وأحزاب - ليتفقوا أولاً فيما بينهم، ثم يُبشِّروا بالإسلام. الأمة: الجماعة يجمعهم زمن واحد أو دين واحد، وتُطلَق على الفرد الواحد حين تجتمع فيه خصال الخير التي لا تجتمع إلا في أمة، لذلك سمَّى الله تعالى نبيه إبراهيم أمة في قوله تعالى: {أية : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} تفسير : [النحل: 120]. أما قوله سبحانه: {أية : لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً ..} تفسير : [المائدة: 48] فكيف نقول: إنها أمة واحدة؟ قالوا: لأن الدين يتكّون من أصول وعقائد، وهذه واحدة لا تختلف باختلاف الأديان، وأخلاق وفروع. وهذه تختلف من دين لآخر باختلاف البيئة؛ لأنها تأتي بما يناسب حركة الحياة في كل عصر. يقول تعالى: {أية : شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ ..} تفسير : [الشورى: 13]. إذن: فالأمة واحدة يعني في عقائدها وإن اختلفتْ في الشريعة والمنهج، والأحكام الجزئية التي تتعرض لأقضية الحياة. ومن ذلك قوله تعالى: {وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ..} [آل عمران: 50]. وكانوا في الأمم السابقة إذا وقعت نجاسة على ثوب يقطعون الموضع الذي وقعت عليه، فلما جاء الإسلام خفَّف عن الناس هذا العَنت، وشرع لهم أنْ يغسلوه فيطهر. وما دام أن أمتكم أمة واحدة {وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ} [المؤمنون: 52] يعني: اتقوا الله في هذه الأمة الواحدة وأبقوا على وحدتها، واحذروا ما يُفرِّقها من خلافات حول فروع إن اختلف البعض عليها اتهموا الآخرين بالكفر؛ لأنهم يريدون أنْ يَنْهبوا من الدين الجامع سلطة زمنية لأنفسهم. والحق - تبارك وتعالى - يقول: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ..}تفسير : [الأنعام: 159]. فالأمور التي أحكمها الله باللفظ الصريح المُحْكَم أصول لا خلافَ عليها ولا اجتهادَ فيها، وأما الأمور التي تركها سبحانه للاجتهاد فيجب أن نحترم فيها اجتهاد الآخرين، وإلا لو أراد الحق سبحانه لجعل الأمر كله مُحْكماً لا مجالَ فيه لرأي أو اجتهاد. ومعنى {وَأَنَاْ رَبُّكُمْ ..} [المؤمنون: 52] أن من عطاء ربوبيتي أنْ جعلْتُ لكم أموراً محكمة وعقائد ثابتة؛ لأن الاختلاف فيها يفسد المجتمع، وتركتُ لكم أموراً أخرى تأتون بها أو تتركونها، كُلٌّ حسب اجتهاده؛ لأن الاختلاف فيها لا يترتب عليه فساد في المجتمع، وسبق أن مثَّلنا لهذه الأمور. وقوله: {فَٱتَّقُونِ} [المؤمنون: 52] يعني: بطاعة الأمر، فما أحكمتُه فأَحْكِموه، وما جعلتُ لكم فيه اجتهاداً فاقبلوا فيه اجتهاد الآخرين. لكن، هل سمعنا قوْل الله وأطعْنَا؟ يقول سبحانه: {فَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً ...}.

الجيلاني

تفسير : {وَ} إذا علمتم أن مناط أمركم في عملكم المقرِّبة إلى ربكم على وجه الإخلاص والخضوع، فعليكم بأجمعكم أن تداوموا وتلازموا عليها {إِنَّ هَـٰذِهِ} الطريقة المعهودة المذكورة لكم من ربكم {أُمَّتُكُمْ} أي: قدوتكم وقبلتكم، موصلةُ إلى توحيد ربكم لذلك صارت {أُمَّةً وَاحِدَةً} لا تعددَّ فيها ولا اختلافَ أصلاً، وإن كانت جهاتها مختلفةً متعددةً بحسب اختلاف الشرائع والأديان على مقتضى الأعصار والأزمان {وَأَنَاْ رَبُّكُمْ} الواحد الأحد الصمد الفرد الوتر، الذي لا أكون عرضةً للتعدد والكثرة أصلاً {فَٱتَّقُونِ} [المؤمنون: 52] عن أخذي وبطشي ومتقضيات جلالي وقهري؛ إذ لا ملجأ لكم غيري. ومع ذلك {فَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ} أي: دينهم الواحد وملتهم الواحدة {زُبُراً} قِطعاً مختلفةً وأحزاباً متفاوتةً ومِلَلاً متخالفةً، يدعي كل منهم حقية دينه وملته، فصار {كُلُّ حِزْبٍ} منهم {بِمَا لَدَيْهِمْ} من الدين والملة {فَرِحُونَ} [المؤمنون: 53] مسرورون معجَبون. {فَذَرْهُمْ} بعدما تحزبوا وانحرفوا عن التوحيد وانصرفوا عن جادته، واتركهم على حالهم يعمهون {فِي غَمْرَتِهِمْ} أي: جهلهم وغوايتهم {حَتَّىٰ حِينٍ} [المؤمنون: 54] أي: حين انكشاف الغطاء عن بصائرهم والعماءِ عن أبصارهم فعاينوا العذاب، ولم يمكنهم ردّه والنجاة منه فيهلكوا صاغرين. {أَيَحْسَبُونَ} ويعتقدون أولئك الضالون المنهمكون في بحر الغفلة والضلال {أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ} ونعطيهم إمداداً لهم وإعانةً عليهم {مِن مَّالٍ} ملهٍ لنفوسهم ومشغلٍ لقلوبهم {وَبَنِينَ} [المؤمنون: 55] يستعبدون نفوسهم ويسترقون أعناقهم. {نُسَارِعُ} ونبادرُ {لَهُمْ فِي} نيل {ٱلْخَيْرَاتِ} تفضلاً منا إياهم؛ لذلك يباهون ويفتخرون بها، ويتفرقون على من دونهم لأجلهما {بَل} هو استدراجُ منا إياهم، وإمهالُ لهم كي يحصّلوا أسباب أشد العذاب وأسوأ العقوبات، ويستحقوا بواسطتها أسفل دركات النيران {لاَّ يَشْعُرُونَ} [المؤمنون: 56] الاستدراج من الكرامة، فحلموا عليها وبأهوائها، فيسعلمون مصيرهم ومنقلبهم إلى أين. ثم قال سبحانه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ} [المؤمنون: 57] خائفون حذرون متحرزون. {وَٱلَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبَّهِمْ} النازلةِ على رسله {يُؤْمِنُونَ} [المؤمنون: 58] يصدقون ويذعنون. {وَٱلَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ} [المؤمنون: 59] بل يستقلونه بالوجود ولا يثبتون لغيره وجوداً، ولا يسندون الحوادث إلى الأسباب العادية بل يسندون كلها إليه أولاً، وبالذات. {وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ} من الأعمال والصدقات ومطلق الحسنات {وَّقُلُوبُهُمْ} في حال إتيانها {وَجِلَةٌ} خائفةُ مستوحشةُ بسبب {أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} [المؤمنون: 60] بهذه الأعمال والحسنات، هل يقبل منهم أو يرد عليهم، وهم دائاً بين الخوف والرجاء خائفون عن قهره، راجون من لطفه. {أُوْلَـٰئِكَ} السعداء المحسنون الأدب مع الله، المخلصون في أعمالهم {يُسَارِعُونَ} أي: يرغبون ويبادرون {فِي ٱلْخَيْرَاتِ} وأنواع الطاعات والعبادات والحسنات، راجين أنواع الكرامات والمثوبات من الله {وَهُمْ لَهَا} أي: للحسنات وأنواع الخيرات والمبرَّات دائماً {سَابِقُونَ} [المؤمنون: 61] سارعون ساعون مبادرون. {وَ} اعلموا أيها المكلفون بأنواع التكاليف المصفية لظواهركم وبواطنكم {لاَ نُكَلِّفُ} ولا نحتمِّل {نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} أي: مقدار وسعِها وطاقتِها على ما هو مقتضى استعداداتهم وقابليتهم، وكيف نكلفهم بما لا طاقة لهم {وَلَدَيْنَا كِتَابٌ} جامعُ لجميع أحوال ما حدث وكان، ويحدث ويكون، وهو لوحُ قضائنا وحضرةُ علمنا مع أنه {يَنطِقُ بِٱلْحَقِّ} السويّّ الثابت المطابق للواقع بلا إفراط وتفريط {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} [المؤمنون: 62] بزيادة العذاب ونقصان الثواب، بل كل منهم مجزيُ بمقتضى ما ثبت فيه. والكفار من غاية انهماكهم في الغفلة والضلال ينكرون لكتابنا الجامع لجميع الكوائن والفواسد الناطق بالحق المطابق للواقع {بَلْ قُلُوبُهُمْ} التي جبلت وعاءً للإيمان والتصديق {فِي غَمْرَةٍ} أي: غطاءٍ وغشاوةٍ {مِّنْ هَـٰذَا} الطريق الذي يترتب عليه الفلاح والفوز بالنجاح، وهو طريق التوحيد والتصديق {وَلَهُمْ أَعْمَالٌ} طالحةُ على مقتضى أهويتهم الفاسدة وآرائهم الباطلة {مِّن دُونِ ذٰلِكَ} الأمر الذي تعبدنا بها عبادنا على ألسنة رسلنا {هُمْ لَهَا عَامِلُونَ} [المؤمنون: 63] وإليها متوجهون دائماً، وعن طريق الحق وسبيل التوحيد ناكبون منصرفون.