٢٣ - ٱلْمُؤْمِنُون
23 - Al-Mu'minoon (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
53
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَتَقَطَّعُواْ } أي الأتباع {أَمَرَهُمْ } دينهم {بَيْنَهُمْ زُبُراً } حال من فاعل «تقطعوا» أي أحزاباً متخالفين كاليهود والنصارى وغيرهم {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ } أي عندهم من الدين {فَرِحُونَ } مسرورون.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَتَقَطَّعُواْ} فتفرقوا أمر دينهم {زُبُراً} فرقاً وجماعات، أو كتباً أخذ كل فريق كتاباً آمن به وكفر بما سواه {بِمَا لَدَيْهِمْ} من دين وكتاب أو أموال وأولاد {فَرِحُونَ} معجبون، أو مسرورون.
البقاعي
تفسير : ولما كان من المعلوم قطعاً أن التقدير: فاتقى الأنبياء الله الذي أرسلهم وتجشموا حمل ما أرسلهم به من عظيم الثقل، فدعوا العباد إليه وأرادوا جمعهم عليه، عطف عليه بفاء السبب قوله معبراً بفعل التقطع لأنه يفيد التفرق: {فتقطعوا} أي الأمم، وإنما أضمرهم لوضوح إرادتهم لأن الآية التي قبلها قد صرحت بأن الأنبياء ومن نجا معهم أمة واحدة لا اختلاف بينها، فعلم قطعاً أن الضمير للأمم ومن نشأ بعدهم، ولذلك كان النظر إلى الأمر الذي كان واحداً أهم، فقدم قوله: {أمرهم} أي في الدين بعد أن كان مجتمعاً متصلاً {بينهم} فكانوا شيعاً، وهو معنى {زبراً} أي قطعاً، كل قطعة منها في غاية القوة والاجتماع والثبات على ما صارت إليه من الهوى والضلال، بكل شيعة طريقة في الضلال عن الطريق الأمم، والمقصد المستقيم، وكتاب زبروه في أهويتهم ولم يرحموا أنفسهم بما دعتهم إليه الهداة من الاجتماع والألفة فأهلكوها بالبغضاء والفرقة، وهو منصوب بأنه مفعول ثان لتقطع على ما مضى تخريجه في الأنبياء، وقد ظهر كما ترى ظهوراً بيناً أن هذه إشارة إلى الناجين من أمة كل نبي بعد إهلاك أعدائهم، أي إن هذه الجماعة الذين أنجيتهم معكم أمتكم، حال كونهم أمة واحدة متفقين في الدين، لا خلاف بينهم، وكما أن جماعتكم واحدة فأنا ربكم لا رب لكم غيري فاتقون ولا يخالف أحد منكم أمري ولا تختلفوا وتفترقوا لئلا أعذب العاصي منكم كما عذبت أعداءكم. ولما كان هذا مما لا يرضاه عاقل، أجيب من كأنه قال: هل رضوا بذلك مع انكشاف ضرره؟ بقوله: {كل حزب} أي فرقة {بما لديهم} أي من ضلال وهدى {فرحون*} أي مسرورون فضلاً عن أنهم راضون غير معرج الضال منهم على ما جاءت به الرسل من الهدى، ولا على الاعتبار بما اتفق لأممهم بسبب تكذيبهم من الردى. ولما أنتج هذا أن الضلال وإن وضح لا يكشفه إلا ذو الجلال، سبب عنه سبحانه قوله تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم: {فذرهم} أي اتركهم على شر حالاتهم {في غمرتهم} أي الضلاله التي غرقوا فيها {حتى حين*} أي إلى وقت ضربناه لهم من قبل أن نخلقهم ونحن عالمون بكل ما يصدر منهم على أنه وقت يسير. ولما كان الموجب لغرورهم ظنهم أن حالهم - في بسط الأرزاق من الأموال والأولاد - حال الموعود لا المتوعد، أنكر ذلك عليهم تنبيهاً لمن سبقت له السعادة، وكتبت له الحسنى وزيادة، فقال: {أيحسبون} أي لضعف عقولهم {أنما} أي الذين {نمدهم} على عظمتنا {به} أي نجعله مدداً لهم {من مال} نيسره لهم {وبنين*} نمتعهم بهم، ثم أخبر عن "أن" بدليل قراءة السلمي بالياء التحتية فقال: {نسارع لهم} أي به بإدرارنا له عليهم في سرعة من يباري آخر {في الخيرات} التي لا خيرات إلا هي لأنها محمودة العاقبة، ليس كذلك بل هو وبال عليهم لأنه استدراج إلى الهلاك لأنهم غير عاملين بما يرضي الرحمن {بل} هم يسارعون في أسباب الشرور، ولا يكون عن السبب إلا مسببه، ولكنهم كالبهائم {لا يشعرون*} أنهم في غاية البعد عن الخيرات {أية : سنستدرجهم من حيث لا يعلمون} تفسير : [القلم: 44]. ولما ذكر أهل الافتراق، أتبعهم أهل النفاق، فكان كأنه قيل: فمن الذي يكون له الخيرات؟ فأجيب بأنه الخائف من الله، فقيل معبراً بما يناسب أول السورة من الأوصاف، بادئاً بالخشية لأنها الحاملة على تجديد الإيمان: {إن الذين هم} أي ببواطنهم {من خشية ربهم} أي الخوف العظيم من المحسن إليهم المنعم عليهم {مشفقون*} أي دائمو الحذر {والذين هم بآيات ربهم} المسموعة والمرئية، لا ما كان من جهة غيره {يؤمنون*} لا يزال إيمانهم بها يتجدد شكراً لإحسانه إليهم. ولما كان المؤمن قد يعرض له ما تقدم في إيمانه من شرك جلي أو خفي، قال: {والذين هم بربهم} أي الذي لا محسن إليهم غيره وحده {لا يشركون*} أي شيئاً من شرك في وقت من الأوقات كما لم يشركه في إحسانه إليهم أحد.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة {فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا} قال: كتباً قال: وقال الحسن: تقطعوا كتاب الله بينهم فحرفوه وبدلوه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد {فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا} قال: كتب الله، حيث فرقوها قطعاً {كل حزب} يعني: كل قطعة، وهؤلاء أهل الكتاب. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد {فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا} قال: هذا ما اختلفوا فيه من الأديان {كل حزب} كل قوم {بما لديهم فرحون} معجبون برأيهم. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد {فذرهم في غمرتهم} قال: في ضلالتهم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد {فذرهم في غمرتهم} قال: في ضلالتهم {حتى حين} قال: الموت. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مقاتل {فذرهم في غمرتهم حتى حين} قال: يوم بدر.
ابو السعود
تفسير : {فَتَقَطَّعُواْ أَمْرَهُمْ} حكايةٌ لما ظهرَ من أممِ الرُّسلِ بعدَهم من مخالفةِ الأمرِ وشقِّ العَصَا. والضَّميرُ لما دلَّ عليه الأمةُ من أربابِها أو لها على التَّفسيرينِ والفاء لترتيبِ عصيانِهم على الأمرِ لزيادةِ تقبـيحِ حالِهم أي تقطَّعوا أمرَ دينِهم مع اتِّحادِه وجعلُوه قِطعاً متفرِّقةً وأدياناً مُختلفةً {بَيْنَهُمْ زُبُراً} أي قطعاً جمعُ زَبُورٍ بمعنى الفُرقةِ ويؤيِّدُه قراءةُ زُبَراً بفتحِ الباءِ جمعُ زَبرةٍ وهو حالٌ من أمرَهم أو مِن واوِ تقطَّعوا، أو مفعولٌ ثانٍ له فإنَّه متضمِّنٌ لمعنى جعلُوا وقيل: كُتُباً فيكون مفعولاً ثانياً، أو حالاً من أمرَهم عَلَى تقدير المضافِ أي مثل زُبُرٍ. وقُرىء بتخفيفِ الباءِ كرُسْلٍ في رُسُلٍ {كُلُّ حِزْبٍ} من أولئك المتحزِّبـين {بِمَا لَدَيْهِمْ} من الدِّين الذي اختارُوه {فَرِحُونَ} مُعجَبون مُعتقِدون أنَّه الحقُّ. {فَذَرْهُمْ فِى غَمْرَتِهِمْ} شُبه ما هُم فيه من الجهالة بالماء الذي يغمرُ القامةَ لأنَّهم مغمورون فيها لاعبون بها. وقُرىء غَمَراتِهم. والخطابُ لرسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، والفاءُ لترتيبِ الأمرِ بالتَّركِ على ما قبله من كونِهم فرحينَ بما لديهم فإنَّ انهماكَهم فيما هم فيه وإصرارَهم عليه من مخايل كونِهم مطبوعاً على قُلوبهم أي اتركْهُم على حالهم {حَتَّىٰ حِينٍ} هو حينِ قتلِهم أو موتِهم على الكُفرِ أو عذابهم فهو وعيدٌ لهم بعذابِ الدُّنيا والآخرةِ وتسليةٌ لرسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ونهيٌ له عن الاستعجالِ بعذابِهم والجزعِ من تأخيرهِ. وفي التَّنكيرِ والإبهام ما لا يخفى من التَّهويلِ. {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ} أي نعطيهم إيَّاه ونجعلُه مدداً لهم. فما موصولةٌ. وقولهُ تعالى: {مِن مَّالٍ وَبَنِينَ} بـيانٌ لها، وتقديمُ المالِ على البنينَ مع كونِهم أعزَّ منه قد مرَّ وجهُه في سورةِ الكهفِ لا خبرٌ لأنَّ وإنَّما الخبرُ قولُه تعالى: {نُسَارِعُ لَهُمْ فِى ٱلْخَيْرٰتِ} على حذفِ الرَّاجعِ إلى الاسمِ أي أيحسبون أنَّ الذي نمدُّهم به من المالِ والبنينَ نسارعُ به لهم فيما فيهِ خيرُهم وإكرامُهم على أنَّ الهمزةَ لإنكارِ الواقعِ واستقباحِه. وقولُه تعالى: {بَل لاَّ يَشْعُرُونَ} عطفٌ على مقدَّرٍ ينسحبُ عليه الكلامُ أي كلاَّ لا نفعلُ ذلك بل هُم لا يشعرونَ بشيءٍ أصلاً كالبهائمِ لا فطنة لهم ولا شعورَ ليتأمَّلوا ويعرفُوا أنَّ ذلكَ الإمدادَ استدراجٌ لهم واستجرارٌ إلى زيادةِ الإثمِ وهُم يحسبونَهُ مسارعةً لهم في الخيراتِ. وقُرىء يمدُّهم على الغَيبةِ وكذلك يسارعُ ويسرعُ ويُحتمل أنْ يكون فيها ضميرُ الممدِّ بهِ. وقُرىء يُسارع مبنيًّا للمفعولِ. {إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مّنْ خَشْيةِ رَبّهِمْ مُّشْفِقُونَ} استئنافٌ مسوقٌ لبـيانِ مَن له المسارعةُ في الخيرات إثرَ إقناطِ الكُفَّار عنها وإبطالِ حسبانهم الكاذبِ أي من خوفِ عذابهِ حذرون.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [الآية: 53]. قال بعضهم: فى هذه الآية ربط كل أحد بحظه فى سعاياته وحركاته، والسعيد من جذب عن حظه، ورد إلى حظ الحق فيه. قال الواسطى رحمه الله: الواقفون مع المعارف على مقدار تأثير أنوار الحق فيهم لا على قدر حركاتهم، وسعيهم لأنه ليس أحدٌ يصل إلى معروفه مجهد، ولا اجتهاد، ومن ظن أن من ساء أفعاله يوصله إلى مولاه فقد ظن باطلاً، وسبق العناية يصون الأرواح والأشباح وتوصل أهل معرفته إليه فمن اعتمد غير ذلك فقد سكن إلى غرور، وفرح بالأمانى. وهو قوله: {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} كيف يفرح بما لديه وليس يعلم بما سبق له فى مختوم العلم.
القشيري
تفسير : فمستقيم على حَقِّه، وتائه في غَيِّه، ومُصِرُّ على عصيانه وفِسْقِه، ومقيمٌ على إحسانه وصِدْقه، كُلٌّ مربوطٌ بحدِّه، موقوفٌ بما قُسِمَ له في البداية من شأنه كلٌّ ينتحل طريقَته ويَدَّعى بحسن طريقته حقيقةً، وعند صحوِ سماءِ قلوبِ أربابِ التوحيد لا غُبارَ في الطريق؛ وهم على يقين معارفهم؛ فلا رَيْبَ يتخالجهم ولا شُبْهة. وأهل الباطل في عَمَى جَهْلِهم، وغبارِ جُحْدِهم، وظلمة تقليدهم، ومحنة شكهم.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} هذا اشارة تغيير لاهل المعاملات فشكى عنهم سبحانه انهم يفرحون بمعاملاتهم ورؤية اعواضها واضاف العلة اليهم لان اعمالهم التى لديهم صفات الحدثانية ولا ينبغى للعارفين ان يفرحوا بما دون الله من العرش الى اثرى فالفرح الحقيقى ما صدر من شهود مشاهدة جلاله للارواح القدسية الملكوتية فتفرح بوصاله وروح جماله ابدا فى محل الافراح ويا لبيب افهم كلامى فان العارف الصادق اذا استغرق فى بحار المعرفة فهو اكثر من فرحه لان الفرح بما وجد من الله من قربه على قدر حاله وما بقى عنه فهو غير محدد فاذا كان بما وجد محجوبا عن الكل فما معنى الفرح بمقام واحد والوقوف علة يجب بها الاكثرون فبقى العارف من بحر الهموم ابد الان ادراكه قاصر عن البلوغ الى عزة جلاله اذ جلاله منزه عن درك المدركين واحاطة عرفان العارفين تعالى الله عن كل وهم وفهم قال بعضهم ريط كل احد بحظه فى سعاياته وحركاته و السعيد من جنى من حظه ورد الى حظ الحق فيه وقال الواسطى الواقفون مع العارف على مقدار تأثير انوار الحق فيهم لا على قدر حركتهم وسعيهم لانه ليس احد يصلى الى معروفه بجهد ولا اجتهاد ومن ظن ان شيئا من افعاله يوصله الى مولاه فقد ظن باطلا فسبق العناية بصون الاشباح والارواح وبوصل اهل معرفته اليه فمن اعتمد غير ذلك فقد سكن الى غرور فرح بالامانى وهو قوله كل حزب بما لديهم فرحون كيف يفرح بما لديه وليس يعلم ما سبق له فى محتوم العلم.
اسماعيل حقي
تفسير : {فتقطعوا امرهم بينهم} اى جعلوا امر دينهم مع اتحاده قطعا متفرقة واديانا مختلفة {زبرا} حال من امرهم اى قطعا جمع زبور بمعنى الفرقة: وبالفارسية [بارها يعنى كروه كروه شدند واختلاف كردند] {كل حزب} اى جماعة من اولئك المتحزبين {بما لديهم} من الدين الذى اختاروه {فرحون} معجبون معتقدون انه الحق، قال بعض الكبار كيف يفرح العبد با لديه وليس يعلم ماسبق له فى محتوم العلم ولا ينبغى للعارفين ان يفرحوا بما دون الله من العرش الى الثرى بل العارف الصادق اذا استغرق فى بحار المعرفة فهمومه اكثر من فرحه لما يشاهد من القصور فى الادراك، قال الشيخ سعدى [عاكفان كعبه جلالش بتقصير عبادت معترفندكه ما عبدناك حق عبادك وواصفان حليه جمالش بتحير منسوب كه ما عرفناك حق معرفتك شعر : كركسى وصف اوزمن برسد بى دل ازبى نشان جه كويد باز عاشقان كشتكان معشوقند رنيايد زكشتكان اواز
الجنابذي
تفسير : {فَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ} يعنى كان امّة كلّ رسولٍ فى زمانه امّة واحدة بواسطة مراقبة الرّسول (ع) واجتماعهم على ملّته ففرّقوا امر دينهم بعد ذهاب رسولهم باستبداد بعضهم بالرّأى وعدم انقيادهم لوصىّ رسولهم واختيار كلٍّ مذهباً ومسلكاً كما وقع ذلك فى امّة محمّد (ص) او تفرّقوا بفرقٍ مختلفةٍ لاجل امر دينهم {زُبُراً} جمع الزّبور بمعنى الفرقة، وقرئ زبراً بفتح الباء جمع الزّبرة بمعنى القطعة مثل الغرفة والغرف يعنى فرّقوا امر دينهم قطعاً مختلفة، او تفرّقوا حال كونهم فرقاً مختلفة، او هو جمع الزّبور بمعنى الكتاب يعنى جعلوا دينهم كتباً يتوسّلون بها وينصرفون عن صاحب دينهم وقالوا: كفانا كتابنا كما جعل امّة محمّد (ص) امر دينهم مستنداً الى الكتاب السّماوىّ الّذى جمعوه والى كتبهم الّتى دوّنوها لتصحيح دينهم وعلى التّقادير صحّ جعل زبراً مفعولاً ثانياً وحالاً {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} استينافٌ جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ فى مقام التّعليل يعنى تفرّقوا لانّ كلّ حزبٍ منهم كانوا بما عندهم من العلوم والمسائل والآراء معجبون فارادوا رواج ما عندهم واستنكفوا عن صاحب دينهم.
اطفيش
تفسير : {فَتَقَطَّعُوا} اي الامم صاروا قطعا متخالفين في الكفر فيهودي لم يتبع موسى ونصراني لم يتبع عيسى ومجوسي ووثني وصابئ وقيل: المراد أهل الكتاب. {أَمَرَهُمْ} دينهم {بَيْنَهُمْ زُبُراً} حال اي من الواو أو من المضاف إليه لان المضاف كجزئه اي متخالفين كذا قيل ووجهه انه جمع (زبر) بمعنى فرقة. وقيل: جمع (زبر) بمعنى كتاب. قيل: فيكون مفعولا ثانيا لتقطعوا المتضمنة معنى (جعلوا) أو حالا من امرهم على تقدير (مثل كتب). قيل: ويؤيد القول الاول قراءة ابي عمرو في رواية عنه (زبرا) بضم الزاء وفتح الباء ومعناها (فرقا) مثل (زبر الحديد). ويصح جعله مفعولا ثانيا اي (جعلوا دينهم قطعا) على هذه القراءة ايضا أو حالا من امرهم أو من الواو على كون الزبر بمعنى الكتب. فقال قتادة: انهم تنازعوا كتبا منزلة ثم حرفوا. وقال ابن زيد: (كتبا وضعوها) و (تقطعوا) بمعنى (قطعوا) ولذا تعدى لواحد (هو) أو لاثنين (هما) امرهم وزبر للتضمين. وقيل: هو مطاوع قطع لازم فقال الكوفيون امرهم تمييز محول عن الفاعل بناء على جواز تعريف تمييز. وقيل: منصوب على نزع الخافض واما بين فمتعلقة بتقطعوا أو بمحذوف حال من امرهم {كُلُّ حِزْبِ} فرقة {بِمَا لَدَيْهِمْ} عندهم من الدين {فَرِحُونَ} مسرورون متعجبون مخطِّئون لغيرهم والكل في خطأ.
اطفيش
تفسير : {فتقطَّعُوا} بسبب كفرهم، والواو للأمة بمعنى الجماعة، أو للمضاف اليها المقدر إن كان بمعنى الملة، والتفعل للمبالغة، والأصل قطعوا بالتخفيف، أو قطعوا بالشد للمبالغة، وزيدت التاء لزيادة المبالغة أو الأمة، أو لا الملة، وضميرها الجماعة على الاستخدام {أمرهم} أمر دينهم مفعول به {بينهم زبراً} قطعاً فصار أدياناً مختلفة، والواجب أن يكون توحيداً حال من أَمر أو من الواو، أَو مفعول ثان لتضمن تقطعوا معنى صيروا، والمفرد زبور بمعنى فرقة أو كتاب، أى كتباً كانهم كتبوا أديانهم. {كل حزبٍ} من أولئك المتقطعين {بما لديهم} من الأمر الذى اختاروه {فرحون} معجبون به أخطأو ا واعتقدوا خطأهم صواباً، وذلك أقبح شىء، ودخل بالمعنى فى الآية كل مذهب زائغ، وإنما يقبل الله المذهب الخالى عن البدعة، وقد كان الناس لا يعرفون إلا القرآن والسنة والاجماع والاجتهاد، لمن تأهل له، ثم كانت المذاهب والتقليد، وإنما ظهر بعضها فى آخر القرن الثانى، فإن عمر مالك عام واحد، حين مات إمامنا جابر بن زيد، إذ مات عام ستة وتسعين، ومالك ولد عام خمسة وتسعين، ومات عام مائة وتسع وسبعين، وعمر أبى حنيفة حين مات جابر خمسة عشر عاماً، لأنه ولد عام ثمانين من الهجرة، ومات عام مائة وخمسين، ولا وجود للشافعى وأحمد فى زمان جابر، لأن الشافعى ولد سنة مائة وخمسين، ومات سنة أربع ومائتين، وأحمد سنة مائة وأربع وستين، ومات عام مائتين وواحد وأربعين. وما ظهر مذهب مالك فى المغرب إلا سنة أربع مائة وخمسين بعد دخول العرب المغرب، وقبل ذلك كان مذهبه فى الحجاز، وانتشر مذهب الأوزاعى فى أواسط المائة السادسة الى أندلس، ودخل من أهل مذهب مالك أندلس يحيى بن يحيى، ويحيى بن بكر، وفرغوس ولم يعبأ بهم أحد إلا المرابطون، وأحكامه مهجورة فى اندلس، وقد هرب الشافعى الى مصر خوفاً على القتل، او العذاب، وقيد المأمون أحمد وضربه حتى غاب عقله، ومات فى سجنه، فقل ذلك بهم لقولهم بالرؤية، وقدم القرآن فأين الاتفاق على هؤلاء الأربعة. وقيل فى أمته هؤلاء الأربعة غير ما مر، وقد بينه العلامة الشيخ عبدة الحق ودخل تونس، وأمرهم أن يسألوا الفقير صاحب هذا التفسير فى كل ما أشكل، وكذا عالم قبله مثله مصرى وسبب يمل علماء مصر إلى مع تخالف المذهب، وتباعد البلاد، أنه أشكلت عليهم مسألة فى الربا، وأرسلوا الىَّ سؤالا فى مضاب، وجادلهم إنكليزى، وأرسلوا الىَّ سؤالا فأجبت لهم بما استحسنوا، وأيضاً اطلعوا على شروح النيل وغيره مما طبع فى مصر من تأليفى وقيل: أدرك مالك البلوغ فى زمان جابر.
الالوسي
تفسير : {فَتَقَطَّعُواْ أَمْرَهُمْ} الضمير لما دل عليه الأمة من أربابها إن كانت بمعنى الملة أو لها إن كانت بمعنى الجماعة، وجوز أن يراد بالأمة أولاً الملة وعند عود الضمير عليها الجماعة على أن ذلك من باب الاستخدام، والمراد حكاية ما ظهر من أمم الرسل عليهم السلام من مخالفة الأمر، والفاء لترتيب عصيانهم على الأمر لزيادة تقبيح حالهم، وتقطع بمعنى قطع كتقدم بمعنى قدم؛ والمراد بأمرهم أمر دينهم إما على تقدير مضاف أو على جعل الإضافة عهدية أي قطعوا أمر دينهم وجعلوه أدياناً مختلفة مع اتحاده، وجوز أن يراد بالتقطع التفرق، و {أمرهم} منصوب بنزع الخافض أي فتفرقوا وتحزبوا في أمرهم، ويجوز أن يكون {أمرهم} على هذا نصباً على التمييز عند الكوفيين المجوزين تعريف التمييز. {بَيْنَهُمْ زُبُراً} أي قطعاً جمع زبور بمعنى فرقة، ويؤيده / أنه قرىء {زبراً} بضم الزاي وفتح الباء فإنه مشهور ثابت في جمع زبرة بمعنى قطعة وهو حال من {أَمَرَهُمْ} أو من واو {تقطعوا} أو مفعول ثان له فإنه مضمن معنى جعلوا، وقيل: هو جمع زبور بمعنى كتاب من زبرت بمعنى كتبت وهو مفعول ثان لتقطعوا المضمن معنى الجعل أي قطعوا أمر دينهم جاعلين له كتباً. وجوز أن يكون حالاً من {أَمَرَهُمْ} على اعتبار تقطعوا لازماً أي تفرقوا في أمرهم حال كونه مثل الكتب السماوية عندهم. وقيل: إنها حال مقدرة أو منصوب بنزع الخافض أي في كتب، وتفسير {زُبُراً} بكتب رواه جماعة عن قتادة كما في «الدر المنثور»، ولا يخفى خفاء المعنى عليه ولا يكاد يستقيم إلا بتأويل فتدبر. وقرىء {زبراً} بإسكان الباء للتخفيف كرسل في رسل، وجاء {فَتَقَطَّعُواْ} هنا بالفاء إيذاناً بأن ذلك اعتقب الأمر وفيه مبالغة في الذم كما أشرنا إليه، وجاء في سورة الأنبياء [93] بالواو فاحتمل معنى الفاء واحتمل تأخر تقطعهم عن الأمر. وجاء هنا { أية : وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ } تفسير : [المؤمنون: 52] وهو أبلغ في التخويف والتحذير مما جاء هناك من قوله تعالى هناك: { أية : وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُونِ } تفسير : [الأنبياء: 92] لأن هذه جاءت عقيب إهلاك طوائف كثيرين قوم نوح والأمم الذين من بعدهم وفي تلك السورة وإن تقدمت أيضاً قصة نوح وما قبلها فإنه جاء بعدها ما يدل على الإحسان واللطف التام في قصة أيوب وزكريا ومريم فناسب الأمر بالعبادة لمن هذه صفته عز وجل قاله أبو حيان، وما ذكره أولاً غير واف بالمقصود، وما ذكره ثانياً قيل عليه: إنه مبني على أن الآية تذييل للقصص السابقة أو لقصة عيسى عليه السلام لا ابتداء كلام فإنه حينئذٍ لا يفيد ذلك إلا أن يراد أنه وقع في الحكاية لهذه المناسبة فتأمل. {كُلُّ حِزْبٍ} من أولئك المتحزبين {بِمَا لَدَيْهِمْ} من الأمر الذي اختاروه {فَرِحُونَ} مسرورون منشرحو الصدر، والمراد أنهم معجبون به معتقدون أنه الحق، وفي هذا من ذم أولئك المتحزبين ما فيه.
سيد قطب
تفسير : هذا الدرس الثالث في السورة يبدأ بتصوير حال الناس بعد أمة الرسل. تلك الحال التي جاء الرسول الأخير فوجدهم عليها. مختلفين متنازعين حول الحقيقة الواحدة التي جاءهم بها الرسل من قبل جميعاً. ويصور غفلتهم عن الحق الذي جاءهم به خاتم المرسلين ـ صلى الله عليه وسلم ـ والغمرة التي تذهلهم عن عاقبة ما هم فيه. بينما المؤمنون يعبدون الله، ويعملون الصالحات، وهم مع هذا خائفون من العاقبة، وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون.. فتتقابل صورة اليقظة والحذر في النفس المؤمنة، وصورة الغمرة والغفلة في النفس الكافرة. ثم يجول معهم جولات شتى: يستنكر موقفهم مرة، ويستعرض شبهاتهم مرة، ويلمس وجدانهم بدلائل الإيمان في أنفسهم وفي الآفاق مرة، ويأخذهم بمسلماتهم فيجعلها حجة عليهم مرة. وينتهي بعد هذه الجولات بتركهم إلى مصيرهم المحتوم. ويتوجه بالخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمضي في طريقه، لا يغضب لعنادهم، وأن يدفع السيئة بالحسنى، وأن يستعيذ بالله من الشياطين التي تقودهم إلى الضلال المبين. {فتقطعوا أمرهم بينهم زبراً، كل حزب بما لديهم فرحون. فذرهم في غمرتهم حتى حين. أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات؟ بل لا يشعرون}! لقد مضى الرسل ـ صلوات الله عليهم ـ أمة واحدة، ذات كلمة واحدة، وعبادة واحدة، ووجهة واحدة؛ فإذا الناس من بعدهم أحزاب متنازعة لا تلتقي على منهج ولا طريق. ويخرج التعبير القرآني المبدع هذا التنازع في صورة حسية عنيفة. لقد تنازعوا الأمر حتى مزقوه بينهم مزقاً، وقطعوه في أيديهم قطعاً. ثم مضى كل حزب بالمزقة التي خرجت في يده. مضى فرحاً لا يفكر في شيء، ولا يلتفت إلى شيء! مضى وأغلق على حسه جميع المنافذ التي تأتيه منها أية نسمة طليقة، أو يدخل منها أي شعاع مضيء! وعاش الجميع في هذه الغمرة مذهولين مشغولين بما هم فيه، مغمورين لا تنفذ إليهم نسمة محيية ولا شعاع منير. وحين يرسم لهم هذه الصورة يتوجه بالخطاب إلى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ: {فذرهم في غمرتهم حتى حين}.. ذرهم في هذه الغمرة غافلين مشغولين بما هم فيه، حتى يفجأهم المصير حين يجيء موعده المحتوم. ويأخذ في التهكم عليهم والسخرية من غفلتهم، إذ يحسبون أن الإملاء لهم بعض الوقت، وإمدادهم بالأموال والبنين في فترة الاختبار، مقصود به المسارعة لهم في الخيرات وإيثارهم بالنعمة والعطاء: {أيحسبون أنّما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات؟} وإنما هي الفتنة، وإنما هو الابتلاء: {بل لا يشعرون}.. لا يشعرون بما وراء المال والبنين من مصير قاتم ومن شر مستطير! وإلى جانب صورة الغفلة والغمرة في القلوب الضالة يبرز صورة اليقظة والحذر في القلوب المؤمنة: {إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون. والذين هم بآيات ربهم يؤمنون. والذين هم بربهم لا يشركون. والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون. أولـئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون}. ومن هنا يبدو أثر الإيمان في القلب، من الحساسية والإرهاف والتحرج، والتطلع إلى الكمال. وحساب العواقب. مهما ينهض بالواجبات والتكاليف. فهؤلاء المؤمنون يشفقون من ربهم خشية وتقوى؛ وهم يؤمنون بآياته، ولا يشركون به. وهم ينهضون بتكاليفهم وواجباتهم. وهم يأتون من الطاعات ما استطاعوا.. ولكنهم بعد هذا كله: {يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون} لإحساسهم بالتقصير في جانب الله، بعد أن بذلوا ما في طوقهم، وهو في نظرهم قليل. "حديث : عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أنها قالت: يا رسول الله. {الذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة} هو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر، وهو يخاف الله عز وجل؟ قال: لا يا بنت الصديق! ولكنه الذي يصلي ويصوم ويتصدق. وهو يخاف الله عز وجل ". تفسير : إن قلب المؤمن يستشعر يد الله عليه. ويحس آلاءه في كل نفس وكل نبضة.. ومن ثم يستصغر كل عباداته، ويستقل كل طاعاته، إلى جانب آلاء الله ونعمائه. كذلك هو يستشعر بكل ذرة فيه جلال الله وعظمته؛ ويرقب بكل مشاعره يد الله في كل شيء من حوله.. ومن ثم يشعر بالهيبة، ويشعر بالوجل، ويشفق أن يلقى الله وهو مقصر في حقه، لم يوفه حقه عبادة وطاعة ولم يقارب أياديه عليه معرفة وشكراً. وهؤلاء هم الذين يسارعون في الخيرات، وهم الذين يسبقون لها فينالونها في الطليعة، بهذه اليقظة، وبهذا التطلع، وبهذا العمل، وبهذه الطاعة. لا أولئك الذين يعيشون في غمرة ويحسبون لغفلتهم أنهم مقصودون بالنعمة، مرادون بالخير، كالصيد الغافل يستدرج إلى مصرعه بالطعم المغري. ومثل هذا الطير في الناس كثير، يغمرهم الرخاء، وتشغلهم النعمة، ويطغيهم الغنى، ويلهيهم الغرور، حتى يلاقوا المصير! تلك اليقظة التي يفرضها الإسلام على قلب المسلم. والتي يستجيشها الإيمان بمجرد استقراره في القلوب.. ليست أمراً فوق الطاقة، وليست تكليفاً فوق الاستطاعة. إنما هي الحساسية الناشئة من الشعور بالله والاتصال به؛ ومراقبته في السر والعلن؛ وهي في حدود الطاقة الإنسانية، حين يشرق فيها ذلك النور الوضيء: {ولا نكلف نفساً إلا وسعها ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون}.. ولقد شرع الله التكاليف وفق ما يعلم من استعداد النفوس؛ وهو محاسبهم وفق ما يعملونه في حدود الطاقة، لا يظلمون بتحميلهم ما لا يطيقون؛ ولا ببخسهم شيئاً مما يعملون، وكل ما يعملونه محسوب في سجل {ينطق بالحق} ويبرزه ظاهراً غير منقوص. والله خير الحاسبين. إنما يغفل الغافلون لأن قلوبهم في غمرة عن الحق، لم يمسسها نوره المحيي، لانشغالها عنه، واندفاعها في التيه؛ حتى تفيق على الهول، لتلقى العذاب الأليم، وتلقى معه التوبيخ والتحقير: {بل قلوبهم في غمرة من هـذا، ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون. حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون. لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون. قد كانت آياتي تتلى عليكم، فكنتم على أعقابكم تنكصون، مستكبرين به سامراً تهجرون}.. فعلة اندفاعهم فيما هم فيه ليست هي تكليفهم بما هو فوق الطاقة؛ إنما العلة أن قلوبهم في غمرة، لا ترى الحق الذي جاء به القرآن، وأنهم مندفعون في طريق آخر غير النهج الذي جاء به: {ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون}.. ثم يرسم مشهد انتباههم على الكارثة الباغتة المفاجئة: {حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون}.. والمترفون أشد الناس استغراقاً في المتاع والانحراف والذهول عن المصير. وها هم أولاء يفاجأون بالعذاب الذي يأخذهم أخذاً، فإذا هم يرفعون أصواتهم بالجؤار، مستغيثين مسترحمين (وذلك في مقابل الترف والغفلة الاستكبار والغرور) ثم ها هم أولاء يتلقون الزجر والتأنيب: {لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون}.. وإذا المشهد حاضر، وهم يتلقون الزجر والتأنيب، والتيئيس من كل نجدة ومن كل نصير، والتذكير بما كان منهم وهم في غمرتهم مستغرقون: {قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون} فتتراجعون على أعقابكم كأن ما يتلى عليكم خطر تحاذرونه، أو مكروه تجانبونه، مستكبرين عن الإذعان للحق. ثم تزيدون على هذا سوء القول وهجره في سمركم، حيث تتناولون الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وما جاء به بكلمات السوء. ولقد كانوا يطلقون ألسنتهم بهجر القول وفحشه في مجالسهم؛ وهم يتحلقون حول الأصنام في سامرهم بالكعبة. فها هو ذا القرآن يرسم لهم مشهد حسابهم على ما هم فيه؛ وهم يجأرون طالبين الغوث، فيذكرهم بسمرهم الفاحش، وهجرهم القبيح. كأنما هو واقع اللحظة، وهم يشهدونه ويعيشون فيه! وذلك على طريقة القرآن الكريم في رسم مشاهد القيامة كأنها واقع مشهود. والمشركون في تهجمهم على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعلى القرآن في نواديهم وفي سمرهم يمثلون الكبرياء الجاهلة، التي لا تدرك قيمة الحق لأنها مطموسة البصيرة عمياء، فتتخذ منه مادة للسخرية والهزء والاتهام. ومثل هؤلاء في كل زمان. وليست جاهلية العرب إلا نموذجاً لجاهليات كثيرة خلت في الزمان؛ وما تزال تظهر الآن بعد الآن! وينتقل بهم من مشهد التأنيب في الآخرة، فيعود بهم إلى الدنيا من جديد! يعود بهم ليسأل ويعجب من موقفهم ذاك الغريب.. ما الذي يصدهم عن الإيمان بما جاءهم به رسولهم الأمين؟ ما الشبهات التي تحيك في صدورهم فتصدهم عن الهدى؟ ما حجتهم في الإعراض عنه، والسمر في مجالسهم بقالة السوء فيه؟ وهو الحق الخالص والطريق المستقيم: {أفلم يدبروا القول؟ أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين؟ أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون؟ أم يقولون به جنة؟ بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون! ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن. بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون. أم تسألهم خرجاً؟ فخراج ربك خير وهو خير الرازقين. وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم. وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون}.. إن مثل ما جاء به محمد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا يملك من يتدبره أن يظل معرضاً عنه، ففيه من الجمال، وفيه من الكمال، وفيه من التناسق، وفيه من الجاذبية، وفيه من موافقة الفطرة، وفيه من الإيحاءات الوجدانية، وفيه من غذاء القلب، وفيه من زاد الفكر، وفيه من عظمة الاتجاهات، وفيه من قويم المناهج، وفيه من محكم التشريع.. وفيه من كل شيء ما يستجيش كل عناصر الفطرة ويغذيها ويلبيها {أفلم يدبروا القول} إذن؟ فهذا سر إعراضهم عنه لأنهم لم يتدبروه.. {أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين؟}.. فكان بدعاً في مألوفهم ومألوف آبائهم أن يجيئهم رسول! أو أن يجيئهم بكلمة التوحيد! وذلك تاريخ الرسالات كلها يثبت أن الرسل جاءوا قومهم تترى، وكلهم جاء بالكلمة الواحدة التي يدعوهم إليها هذا الرسول! {أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون؟}.. ويكون هذا هو سر الإعراض والتكذيب! ولكنهم يعرفون رسولهم حق المعرفة. يعرفون شخصه ويعرفون نسبه، ويعرفون أكثر من أي أحد صفاته: يعرفون صدقه وأمانته حتى لقد لقبوه قبل الرسالة بالأمين! {أم يقولون به جنة؟} كما كان بعض سفهائهم يقولون؛ وهم على ثقة أنه العاقل الكامل، الذي لا يعرفون عنه زلة في تاريخه الطويل؟ إنه ما من شبهة من هذه الشبهات يمكن أن يكون لها أصل. إنما هي كراهية أكثرهم للحق، لأنه يسلبهم القيم الباطلة التي بها يعيشون، ويصدم أهواءهم المتأصلة التي بها يعتزون: {بل جاءهم بالحق، وأكثرهم للحق كارهون}.. والحق لا يمكن أن يدور مع الهوى؛ وبالحق تقوم السماوات والأرض، وبالحق يستقيم الناموس، وتجري السنن في هذا الكون وما فيه ومن فيه: {ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن}.. فالحق واحد ثابت، والأهواء كثيرة متقلبة. وبالحق الواحد يدبر الكون كله، فلا ينحرف ناموسه لهوى عارض، ولا تتخلف سنته لرغبة طارئة. ولو خضع الكون للأهواء العارضة، والرغبات الطارئة لفسد كله، ولفسد الناس معه، ولفسدت القيم والأوضاع، واختلت الموازين والمقاييس؛ وتأرجحت كلها بين الغضب والرضى، والكره والبغض، والرغبة والرهبة، والنشاط والخمول.. وسائر ما يعرض من الأهواء والمواجد والانفعالات والتأثرات.. وبناء الكون المادي واتجاهه إلى غايته كلاهما في حاجة إلى الثبات والاستقرار والاطراد، على قاعدة ثابتة، ونهج مرسوم، لا يتخلف ولا يتأرجح ولا يحيد. ومن هذه القاعدة الكبرى في بناء الكون وتدبيره، جعل الإسلام التشريع للحياة البشرية جزءاً من الناموس الكوني، تتولاه اليد التي تدبر الكون كله وتنسق أجزاءه جميعاً. والبشر جزء من هذا الكون خاضع لناموسه الكبير؛ فأولى أن يشرع لهذا الجزء من يشرع للكون كله، ويدبره في تناسق عجيب. بذلك لا يخضع نظام البشر للأهواء فيفسد ويختل: {ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن} إنما يخضع للحق الكلي، ولتدبير صاحب التدبير. وهذه الأمة التي جاء لها الإسلام كانت أولى الأمم باتباع الحق الذي يتمثل فيه. ففوق أنه الحق هو كذلك مجد لها وذكر. وما كان لها من ذكر لولاه في العالمين: {بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون}.. وقد ظلت أمة العرب لا ذكر لها في تاريخ العالم حتى جاءها الإسلام. وقد ظل ذكرها يدوي في آذان القرون طالما كانت به مستمسكة. وقد تضاءل ذكرها عندما تخلت عنه، فلم تعد في العير ولا في النفير. ولن يقوم لها ذكر إلا يوم أن تفيء إلى عنوانها الكبير...! وبعد هذا الاستطراد بمناسبة دعواهم على الحق الذي جاءهم فأعرضوا عنه واتهموه.. يعود السياق إلى استنكار موقفهم، وإلى مناقشة الشبهات التي يمكن أن تصدهم عما جاءهم به الرسول الأمين: {أم تسألهم خرجاً؟} فهم يفرون مما تسألهم من أجر على الهداية والتعليم؟! فإنك لا تطلب إليهم شيئاً، فما عند ربك خير مما عندهم: {فخراج ربك خير وهو خير الرازقين}.. وماذا يطمع نبي أن ينال من البشر الضعاف الفقراء المحاويج وهو متصل بالفيض اللدني الذي لا ينضب ولا يغيض؛ بل ماذا يطمع أتباع نبي أن ينالوا من عرض هذه الأرض وهم معلقو الأنظار والقلوب بما عند الله الذي يرزق بالكثير وبالقليل؟ ألا إنه يوم يتصل القلب بالله يتضاءل هذا الكون كله، بما فيه وكل من فيه! ألا إنما تطلب هدايتهم إلى المنهج القويم: {وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم} يصلهم بالناموس الذي يحكم فطرتهم، ويصلهم بالوجود كله، ويقودهم في قافلة الوجود، إلى الخالق الوجود، في استقامة لا تحيد. ألا وإنهم ـ ككل من لا يؤمنون بالآخرة ـ حائدون عن النهج ضالون عن الطريق: {وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون}.. فلو كانوا مهتدين لتابعوا بقلوبهم وعقولهم أطوار النشأة التي تحتم الإيمان بالآخرة، وبالعالم الذي يسمح ببلوغ الكمال الممكن، وتحقيق العدل المرسوم. فليست الآخرة إلا حلقة من حلقات الناموس الشامل الذي ارتضاه الله لتدبير هذا الوجود. هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة، والذين تنكبوا الطريق، لا يفيدهم الابتلاء بالنعمة، ولا الإبتلاء بالنقمة. فإن أصابتهم النعمة حسبوا: {أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات} وإن أصابتهم النقمة لم تلن قلوبهم، ولم تستيقظ ضمائرهم، ولم يرجعوا إلى الله يتضرعون له ليكشف عنهم الضر، ويظلون كذلك حتى يأتيهم العذاب الشديد يوم القيامة فإذا هم حائرون يائسون. {ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون. ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون. حتى إذا فتحنا عليهم باباً ذا عذاب شديد إذا هم فيه مبلسون}.. وهذه صفة عامة لذلك الصنف من الناس، القاسية قلوبهم، الغافلين عن الله، المكذبين بالآخرة، ومنهم المشركون الذين كانوا يواجهون رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم. والاستكانة والتضرع عند مس الضر دليل على الرجوع إلى الله، والشعور بأنه الملجأ والملاذ. والقلب متى اتصل بالله على هذا النحو رق ولان، واستيقظ وتذكر، وكانت هذه الحساسية هي الحارس الواقي من الغفلة والزلل، وأفاد من المحنة وانتفع بالبلاء. فأما حين يسدر في غيه، ويعمه في ضلاله، فهو ميؤوس منه لا يرجى له صلاح، وهو متروك لعذاب الآخرة، الذي يفاجئه، فيسقط في يده، ويبلس ويحتار، وييأس من الخلاص. ثم يجول معهم جولة أخرى علها توقظ وجدانهم إلى دلائل الإيمان في أنفسهم وفي الآفاق من حولهم: {وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة. قليلاً ما تشكرون. وهو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون. وهو الذي يحيي ويميت وله اختلاف الليل والنهار. أفلا تعقلون؟}.. ولو تدبر الإنسان خلقه وهيئته، وما زود به من الحواس والجوارح، وما وهبه من الطاقات والمدارك لوجد الله، ولاهتدى إليه بهذه الخوارق الدالة على أنه الخالق الواحد. فما أحد غير الله بقادر على إبداع هذه الخلقة المعجزة في الصغير منها وفي الكبير. هذا السمع وحده وكيف يعمل؟ كيف يلتقط الأصوات ويكيفها؟ وهذا البصر وحده وكيف يبصر؟ وكيف يلتقط الأضواء والأشكال؟ وهذا الفؤاد ما هو؟ وكيف يدرك؟ وكيف يقدر الأشياء والأشكال، والمعاني والقيم والمشاعر والمدركات؟ إن مجرد معرفة طبيعة هذه الحواس والقوى وطريقة عملها، يعد كشفاً معجزاً في عالم البشر. فكيف بخلقها وتركيبها على هذا النحو المتناسق مع طبيعة الكون الذي يعيش فيه الإنسان؛ ذلك التناسق الملحوظ الذي لو اختلت نسبة واحدة من نسبه في طبيعة الكون أو طبيعة الإنسان لفقد الاتصال، فما استطاعت أذن أن تلتقط صوتاً، ولا استطاعت عين أن تلتقط ضوءاً. ولكن القدرة المدبرة نسقت بين طبيعة الإنسان وطبيعة الكون الذي يعيش فيه، فتم هذا الاتصال. غير أن الإنسان لا يشكر على النعمة: {قليلاً ما تشكرون}.. والشكر يبدأ بمعرفة واهب النعمة، وتمجيده بصفاته، ثم عبادته وحده؛ وهو الواحد الذي تشهد بوحدانيته آثاره في صنعته. ويتبعه استخدام هذه الحواس والطاقات في تذوق الحياة والمتاع بها، بحس العابد لله في كل نشاط وكل متاع. {وهو الذي ذرأكم في الأرض}.. فاستخلفكم فيها، بعد ما زودكم بالسمع والأبصار والأفئدة؛ وأمدكم بالاستعدادات والطاقات الضرورية لهذه الخلافة.. {وإليه تحشرون}.. فيحاسبكم على ما أحدثتم في هذه الخلافة من خير وشر، ومن صلاح وفساد، ومن هدى وضلال. فلستم بمخلوقين عبثا، ولا متروكين سدى؛ إنما هي الحكمة والتدبير والتقدير. {وهو الذي يحيي ويميت}.. والحياة والموت حادثان يقعان في كل لحظة، وليس إلا الله يملك الموت والحياة؛ فالبشر ـ أرقى الخلائق ـ أعجز من بث الحياة في خلية واحدة، وأعجز كذلك من سلب الحياة سلباً حقيقياً عن حي من الأحياء. فالذي يهب الحياة هو الذي يعرف سرها، ويملك أن يهبها ويستردها. والبشر قد يكونون سبباً وأداة لإزهاق الحياة، ولكنهم هم ليسوا الذين يجردون الحي من حياته على وجه الحقيقة. إنما الله هو الذي يحيي ويميت، وحده دون سواه. {وله اختلاف الليل والنهار}.. فهو الذي يملكه ويصرفه ـ كاختلاف الموت والحياة ـ وهو سنة كونية كسنة الموت والحياة. هذه في النفوس والأجساد، وهذه في الكون والأفلاك. وكما يسلب الحياة من الحي فيعتم جسده ويهمد، كذلك هو يسلب الضوء من الأرض فتعتم وتسكن. ثم تكون حياة ويكون ضياء، يختلف هذا على ذاك، بلا فتور ولا انقطاع إلا أن يشاء الله.. {أفلا تعقلون؟} وتدركون ما في هذا كله من دلائل على الخالق المدبر، المالك وحده لتصريف الكون والحياة؟ وهنا يعدل عن خطابهم وجدالهم، ليحكي مقولاتهم عن البعث والحساب، بعد كل هذه الدلائل والآيات: {بل قالوا مثل ما قال الأولون. قالوا: أئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أئنا لمبعوثون؟ لقد وعدنا نحن وآباؤنا هـذا من قبل. إن هـذا إلا أساطير الأولين}.. وتبدو هذه القولة مستنكرة غريبة بعد تلك الآيات والدلائل الناطقة بتدبير الله، وحكمته في الخلق، فقد وهب الإنسان السمع والبصر والفؤاد ليكون مسؤولاً عن نشاطه وعمله، مجزياً على صلاحه وفساده؛ والحساب والجزاء يكونان على حقيقتهما في الآخرة، فالمشهود في هذه الأرض أن الجزاء قد لا يقع، لأنه متروك إلى موعده هناك. والله يحيي ويميت؛ فليس شيء من أمر البعث بعسير، والحياة تدب في كل لحظة، وتنشأ من حيث لا يدري إلا الله. ولم يكف هؤلاء أن تقصر مداركهم عن إدراك حكمة الله، وقدرته على البعث، فإذا هم يسخرون مما يوعدون من البعث والجزاء. أن كان هذا الوعد قد قيل لهم ولآبائهم من قبل، ولم يقع بعد! {لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل. إن هذا إلا أساطير الأولين}.. والبعث متروك لموعده الذي ضربه الله له، وفق تدبيره وحكمته، لا يستقدم ولا يستأخر، تلبية لطلب جيل من أجيال الناس، أو استهتزاء جماعة من الغافلين المحجوبين! ولقد كان مشركو العرب مضطربي العقيدة، لا ينكرون الله، ولا ينكرون أنه مالك السماوات والأرض، مدبر السماوات والأرض، المسيطر على السماوات والأرض.. ولكنهم مع ذلك يشركون معه آلهة مدعاة، يقولون: إنهم يعبدونها لتقربهم من الله، وينسبون له البنات. سبحانه وتعالى عما يصفون: فهو هنا يأخذهم بمسلماتهم التي يقرون بها، ليصحح ذلك الاضطراب في العقيدة، ويردهم إلى التوحيد الخالص الذي تقود إليه ملسماتهم، لو كانوا يستقيمون على الفطرة ولا ينحرفون: {قل: لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون؟ سيقولون: لله. قل: أفلا تذكرون؟ قل: من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم؟ سيقولون: لله. قل: أفلا تتقون؟ قل: من بيده ملكوت كل شيء، وهو يجير ولا يجار عليه، إن كنتم تعلمون؟ سيقولون: لله. قل: فأنى تسحرون؟}.. وهذا الجدال يكشف عن مدى الاضطراب الذي لا يفيء إلى منطق، ولا يرتكن إلى عقل؛ ويكشف عن مدى الفساد الذي كانت عقائد المشركين قد وصلت إليه في الجزيرة عند مولد الإسلام. {قل: لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون؟}.. فهو سؤال عن ملكية الأرض ومن فيها: {سيقولون: لله}.. ولكنهم مع ذلك لا يذكرون هذه الحقيقة وهم يتوجهون بالعبادة لغير الله: {قل: أفلا تذكرون؟}. {قل: من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم}.. فهو سؤال عن الربوبية المدبرة، المصرفة للسماوات السبع والعرش العظيم. والسماوات السبع قد تكون أفلاكاً سبعة، أو مجموعات نجمية سبعة، أو سدماً سبعة، أو عوالم سبعة، أو أية خلائق فلكية سبعة. والعرش رمز للاستعلاء والهيمنة على الوجود.. فمن هو رب السماوات السبع ورب العرش العظيم؟ {سيقولون: لله} ولكنهم مع ذلك لا يخافون صاحب العرش، ولا يتقون رب السماوات السبع، وهم يشركون معه أصناماً مهينة، ملقاه على الأرض لا تريم.. {قل: أفلا تتقون}.. {قل: من بيده ملكوت كل شيء؟ وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون؟}.. فهو سؤال عن السيطرة والسطوة والسلطان. سؤال عمن بيده ملكية كل شيء ملكية استعلاء وسيطرة. ومن هو الذي يجير بقوته من يشاء فلا يناله أحد؛ ولا يملك أحد أن يجير عليه، وأن ينقذ من يريده بسوء من عباده.. من؟ {سيقولون: لله} فما لهم يصرفون عن عبادة الله؟ وما لعقولهم تنحرف وتتخبط كالذي مسه السحر: {قل: فأنى تسحرون؟}. ألا إنه الاضطراب والتخبط الذي يصاب به المسحورون! وفي اللحظة المناسبة لتقرير حقيقة ما جاءهم به الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ من التوحيد، وبطلان ما يدعونه من الولد والشريك.. في اللحظة المناسبة بعد ذلك الجدل يجيء هذا التقرير: {بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون. ما اتخذ الله من ولد، وما كان معه من إلـه. إذاً لذهب كل إلـه بما خلق، ولعلا بعضهم على بعض. سبحان الله عما يصفون. عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون}. يجيء هذا التقرير في أساليب شتى.. بالإضراب عن الجدل معهم، وتقرير كذبهم الأكيد: {بل آتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون}. ثم يفصل فيما هم كاذبون: {ما اتخذ الله من ولد، وما كان معه من إله}.. ثم يأتي بالدليل الذي ينفي دعواهم، ويصور ما في عقيدة الشرك من سخف واستحالة: {إذاً لذهب كل إله بما خلق} مستقلاً بما خلقه، يصرفه حسب ناموس خاص؛ فيصبح لكل جزء من الكون، أو لكل فريق من المخلوقات ناموس خاص لا يلتقي فيه بناموس عام يصرف الجميع. {ولعلا بعضهم على بعض} بغلبة سيطرته وتصريفه على الكون الذي لا يبقى ولا ينتظم إلا بناموس واحد، وتصريف واحد، وتدبير واحد. وكل هذه الصور لا وجود لها في الكون، الذي تشهد وحدة تكوينه بوحدة خالقه، وتشهد وحدة ناموسه بوحدة مدبره. وكل جزء فيه وكل شيء يبدو متناسقاً مع الأجزاء الأخرى بلا تصادم ولا تنازع ولا اضطراب.. {سبحان الله عما يصفون}.. {عالم الغيب والشهادة} فليس لغيره من خلق يستقل به، ويعلم من دون الله أمره. {فتعالى عما يشركون}. وعند هذا الحد يلتفت عن خطابهم وجدلهم وحكاية حالهم، إلى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يأمره أن يتوجه إلى ربه مستعيذاً به أن يجعله مع هؤلاء القوم ـ إن كان قد قدر له أن يرى تحقيق ما وعدهم به من العذاب. وأن يستعيذ به كذلك من الشياطين، فلا تثور نفسه، ولا يضيق صدره بما يقولون: {قل: رب إما تريني ما يوعدون. رب فلا تجعلني في القوم الظالمين. وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون. ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون. وقل: رب أعوذ بك من همزات الشياطين. وأعوذ بك رب أن يحضرون}.. ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في منجاة من أن يجعله الله مع القوم الظالمين حين يحل بهم العذاب الأليم، ويتحقق ما يوعدون، ولكن هذا الدعاء زيادة في التوقي؛ وتعليم لمن بعده ألا يأمنوا مكر الله، وأن يظلوا أبداً أيقاظاً، وأن يلوذوا دائماً بحماه. والله قادر على أن يحقق ما وعد به الظالمين في حياة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ: {وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون}.. ولقد أراه بعض ما وعدهم في غزوة بدر. ثم في الفتح العظيم. فأما حين نزول هذه السورة ـ وهي مكية ـ فكان منهج الدعوة دفع السيئة بالتي هي أحسن؛ والصبر حتى يأتي أمر الله؛ وتفويض الأمر لله: {ادفع بالتي هي أحسن السيئة. نحن أعلم بما يصفون}. واستعاذة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ من همزات الشياطين ودفعاتهم، وهو معصوم منها ـ زيادة كذلك في التوقي، وزيادة في الالتجاء إلى الله، وتعليم لأمته وهو قدوتها وأسوتها، أن يتحصنوا بالله من همزات الشياطين في كل حين. بل إن الرسول ليوجه إلى الاستعاذة بالله من مجرد قرب الشياطين، لا من همزاتهم ودفعاتهم: {وأعوذ بك رب أن يحضرون}.. ويحتمل أن تكون الاستعاذة من حضورهم إياه ساعة الوفاة. ويرشح لهذا المعنى ما يتلوه في السياق: {حتى إذا جاء أحدهم الموت..} على طريقة القرآن في تناسق المعاني وتداعيها..
ابن عاشور
تفسير : جيء بفاء التعقيب لإفادة أن الأمم لم يتريثوا عقب تبليغ الرسل إياهم { أية : إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون } تفسير : [المؤمنون: 52] أن تقطعوا أمرهم بينهم فاتخذوا آلهة كثيرة فصار دينهم متقطعاً قطعاً لكل فريق صنم وعبادة خاصة به. فضمير {تقطّعوا} عائد إلى الأمم المفهوم من السياق الذين هم المقصود من قوله { أية : وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون } تفسير : [المؤمنون: 52]. وضمير الجمع عائد إلى أمم الرسل يدل عليه السياق. فالكلام مسوق مساق الذم. ولذلك قد تفيد الفاء مع التعقيب معنى التفريع، أي فتفرع على ما أمرناهم به من التوحيد أنهم أتوا بعكس المطلوب منهم فيفيد الكلام زيادة على الذم تعجيباً من حالهم. ومما يزيد معنى الذم تذييله بقوله {كل حزب بما لديهم فرحون} أي وهم ليسوا بحال من يفرح. والتقطع أصله مطاوع قطع. واستعمل فعلاً متعدياً بمعنى قطع بقصد إفادة الشدة في حصول الفعل، ونظيره تخوفه السير، أي تنقصه، وتجهمه الليل وتعرفه الزمن. فالمعنى: قطعوا أمرهم بينهم قطعاً كثيرة، أي تفرقوا على نحل كثيرة فجعل كل فريق منهم لنفسه ديناً. ويجوز أن يجعل {تقطَّعوا} قاصراً أسند التقطع إليهم على سبيل الإبهام ثم ميز بقوله {أمرهم} كأنه قيل: تقطعوا أمراً، فإن كثيراً من نحاة الكوفة يجوزون كون التمييز معرفة. وقد بسطنا القول في معنى { أية : تقطعوا أمرهم بينهم } تفسير : في سورة الأنبياء (93). والأمر هنا بمعنى الشأن والحال وما صدقه أمور دينهم. والزبُر بضم الزاي وضم الموحدة كما قرأ به الجمهور جمع زبور وهو الكتاب. استعير اسم الكتاب للدين لأن شأن الدين أن يكون لأهله كتاب، فيظهر أنها استعارة تهكمية إذ لم يكن لكل فريق كتاب ولكنهم اتخذوا لأنفسهم أدياناً وعقائد لو سجلت لكانت زُبُراً. وقرأه أبو عمرو بخلاف عنه {زُبَرا} بضم الزاء وفتح الموحدة وهو جمع زُبرة بمعنى قطعة. وجملة {كل حزب بما لديهم فرحون} تذييل لما قبله لأن التقطع يقتضي التحزب فذيل بأن كل فريق منهم فرح بدينه، ففي الكلام صفة محذوفة لــــ{حزب}، أي كل حزب منهم، بدلالة المقام. والفرح: شدة المسرة، أي راضون جذلون بأنهم اتخذوا طريقتهم في الدين. والمعنى: أنهم فرحون بدينهم عن غير دليل ولا تبصر بل لمجرد العكوف على المعتاد. وذلك يومىء إليه {لديهم} المقتضي أنه متقرر بينهم من قبل، أي بالدين الذي هو لديهم فهم لا يرضون على من خالفهم ويعادونه، وذلك يفضي إلى التفريق والتخاذل بين الأمة الواحدة وهو خلاف مراد الله ولذلك ذيل به قوله { أية : وإن هذه أمتكم أمة واحدة } تفسير : [المؤمنون: 52]. وقديماً كان التحزب مسبباً لسقوط الأديان والأمم وهو من دعوة الشيطان التي يلبس فيها الباطل في صورة الحق. والحزب: الجماعة المجتمعون على أمر من اعتقاد أو عمل، أو المتفقون عليه.
د. أسعد حومد
تفسير : (53) - لَقَدْ مَضَى الرُّسُلُ عَلَيْهِم السَّلاَمُ أُمَّةً وَاحِدَةً، أَصْحَابَ عِبَادَةٍ وَاحِدَةٍ، فَإِذَا بالنَّاسِ مِنْ بَعْدِهِمْ أحْزَابٌ وَفِرَقٌ وجَمَاعَاتٌ مُتَنَازِعَةٌ لاَ تَلْتَقِي عَلَى مَنْهِجٍ وَلاَ طَرِيقٍ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُم يَحْسِبُ نَفْسَهُ مِنَ المُهْتَدِينَ فَيَفْرَحُ بِذَلِكَ، وَيُعْجَبُ بِهِ. (والمَعْنَى أَنَّهُمْ تَنَازَعُوا الأََمْرَ وَتَجَاذَبُوهُ حَتَّى مَزَّقُوهُ بَيْنَهُمْ مِزَقاً، وَقَطَّعُوهُ فِي أَيْدِيهِمْ قِطَعاً، ثُمَّ مَضَى كُلُّ حِزْبٍ بِالمزْقَةِ التي خَرَجَتْ بِيَدِهِ فَرِحاً وَهُوَ لاَ يُفَكِّرُ فِي شَيْءٍ آخَرَ). فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ - تَفَرَّقُوا فِي أَمْرِ دِينِهِمْ. زُبُراً - قِطَعاً ومِزَقاً وَأَحْزَاباً مُخْتَلِفَةً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : {زُبُراً ..} [المؤمنون: 53] يعني: قطعاً متفرقة، ومنه {أية : آتُونِي زُبَرَ ٱلْحَدِيدِ ..} تفسير : [الكهف: 96]. {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [المؤمنون: 53] يعني: كل جماعة تتعصب لرأيها وتفرح به، وكأنها على الحق وغيرها على الباطل، يريدون أن تكون لهم سلطة زمنية بين الناس، ويُصوِّرون لهم أنهم أتوْا بما لم يأت به أحد قبلهم، وتنبّهوا إلى ما غفل عنه الآخرون. {بِمَا لَدَيْهِمْ ..} [المؤمنون: 53] بالرأي الذي يريدونه، لا بالحكم الذي يرتضيه الحق سبحانه وتعالى. من ذلك قولهم: إن الصلاة في مسجد به قبر أو ضريح باطلة، وأن ذلك شرك في العبادة .. إلخ ولو أن الأمر كما يقولون فليهدموا القبر في المدينة. إن على هؤلاء الذين يثيرون مثل هذه الخلافات أنْ يتفهموا الأمور على وجهها الصحيح، حتى لا نكون من الذين قال الله عنهم: {فَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [المؤمنون: 53]. وما أفسد استقبال الأديان السابقة على الإسلام إلا مثل هذه الخلافات، وإلاّ فكل دين سبق الإسلام وخصوصاً الموسوية والعيسوية قد بشَّرَتْ بمحمد صلى الله عليه وسلم، وكانوا وهم أهل كتاب ورسالة وعلى صلة بالسماء - يجادلون أهل الكفر من عبدة الأصنام يقولون: لقد أطلَّ زمان نبي يظهر فيكم نتبعه ونقتلكم به قتل عاد وإرم. ومع ذلك: {أية : فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ ..} تفسير : [البقرة: 89] لماذا؟ لأنهم يريدون أن يحتفظوا بسلطتهم الزمنية. كيف لا ينكرون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان أحدهم يستعد لتنصيب نفسه ملكاً على المدينة يوم أنْ دخلها رسول الله، فأفسد عليه ما أراد؟
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى قصص الأنبياء والمرسلين، أتبعه بذكر أخبار الكفرة المتمردين من أقوامهم واختلافهم وتفرقهم في الدين حتى أصبحوا فرقاً وأحزاباً، ليجتنب الإِنسان طرق أهل الضلال. اللغَة: {زُبُراً} قطعاً جمع زبور وهي القطعة من الفضة أو الحديد {غَمْرَتِهِمْ} الغمرة: الحيرة والضلالة وأصله في اللغة: الماء الذي يغمر القامة {يَجْأَرُونَ} يضجون ويستغيثون وأصل الجؤار رفع الصوت بالتضرع كما يفعل الثور {تَنكِصُونَ} النكوص: الرجوع إلى الوراء {نَاكِبُونَ} نكب عن الطريق نكوباً إِذا عدل عنه ومال إلى غيره. التفسِير: {فَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً} أي تفرقت الأمم في أمر دينهم فرقاً عديدة وأدياناً مختلفة هذا مجوسي، وهذا يهودي، وهذا نصراني بعدما أُمروا بالاجتماع {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} أي كل فريق منهم مغتبط بما اتخذه ديناً لنفسه معجب به، يرى أنه المحقٌّ الرابح، وأنَّ غيره المبطل الخاسر {فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ} الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم والضمير لكفار مكة أي فاترك يا محمد هؤلاء المشركين في غفلتهم وجهلهم وضلالهم {حَتَّىٰ حِينٍ} أي إِلى حين موتهم، وهذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ووعيدٌ للمشركين {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ} أي أيظن هؤلاء الكفار أنَّ الذي نعطيهم في الدنيا من الأموال والأولاد {نُسَارِعُ لَهُمْ فِي ٱلْخَيْرَاتِ} أي هو تعجيل ومسارعة لهم في الإِحسان؟ كلاَّ ليس الأمر كما يظنون بل هو استدراجٌ لهم، واستجرارٌ إلى زيادة الإِثم ولهذا قال {بَل لاَّ يَشْعُرُونَ} أي بل هم أشباه البهائم ، لا فطنة لهم ولا شعور حتى يتفكروا في الأمر، أهو استدراج أم مسارعة في الخير؟ والآية ردٌّ على المشركين في زعمهم أن أموالهم وأولادهم دليلُ رضى الله عنهم كما حكى الله عنهم {أية : وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} تفسير : [سبأ: 35] وفي الحديث "حديث : إِن الله يعطي الدنيا لمن يُحبُّ ولمن لا يحب، ولا يعطي الدين إِلا لمن أحبَّ"تفسير : ، ولمّا ذمَّ المشركين وتوعَّدهم عقَّب ذلك بمدح المؤمنين وذكرهم بأبلغ صفاتهم فقال {إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ} أي هم من جلال الله وعظمته خائفون، ومن خوف عذابه حذرون {وَٱلَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبَّهِمْ يُؤْمِنُونَ} أي يصدِّقون بآيات الله القرآنية، وآياته الكونية وهي الدلائل والبراهين الدالة على وجوده سبحانه شعر : وفي كل شيءٍ له آيةٌ تدلُّ على أنه واحد تفسير : {وَٱلَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ} أي لا يعبدون معه غيره، بل يوحدونه ويخلصون العمل لوجهه قال الإِمام الفخر: وليس المراد منه الإِيمان بالتوحيد ونفي الشريك لله فإِن ذلك داخل في الآية السابقة، بل المراد منه نفيُ الشرك الخفي وذلك بأن يخلص في العبادة لوجه الله وطلباً لرضوانه {وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} هذه هي الصفة الرابعة من أوصاف المؤمنين أي يعطون العطاء من زكاةٍ وصدقة، ويتقربون بأنواع القربات من أفعال الخير والبر وهم يخافون أن لا تقبل منهم أعمالهم قال الحسن: إِن المؤمن جمع إِحساناً وشفقة، وإِن المنافق جمع إِساءةً وأمناً {أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} أي لخوفهم أن يكونوا قد قصَّروا في القيام بشروط الطاعات والأعمال الصالحة ولاعتقادهم أنهم سيرجعون إلى ربهم للحساب، روي "حديث : أن عائشة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الآية الكريمة فقالت {وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} أهو الذي يزني، ويسرق، ويشرب الخمر وهو يخاف الله عزَّ وجل؟ فقال لها: لا يا بنت الصِّديق! ولكنه الذي يصلي، ويصوم، ويتصدق وهو مع ذلك يخاف الله عز وجل"تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ} أي أولئك المتصفون بتلك الصفات الجليلة هم الذين يسابقون في الطاعات لنيل أعلى الدرجات لا أولئك الكفرة المجرمون {وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} أي هم الجديرون بها والسابقون إِليها قال الإِمام الفخر: واعلم أن ترتيب هذه الصفات في نهاية الحسن، فالصفة الأولى دلت على حصول الخوف الشديد، الموجب للاحتراز عما لا ينبغي، والثانية: دلت على التصديق بوحدانية الله، والثالثة: دلت على ترك الرياء في الطاعات، والرابعة: دلت على أن المستجمع لتلك الصفات الثلاثة يأتي بالطاعات مع الوجل والخوف من التقصير، وذلك هو نهاية مقامات الصدّيقين رزقنا الله الوصول إِليها {وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} أي لا نكلّف أحداً من العباد ما لا يطيق تفضلاً منّا ولطفاً. أتى بهذه الآية عقب أوصاف المؤمنين إِشارةً إِلى أن أولئك المخلصين لم يُكلفوا بما ليس في قدرتهم وأن جميع التكاليف في طاقة الإنسان {وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِٱلْحَقِّ} أي وعندنا صحائف أعمال العباد التي سطر فيها ما عملوا من خير أو شر نجازيهم في الآخرة عليها ولهذا قال {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} أي لا يظلمون من أعمالهم شيئاً بنقص الثواب أو زيادة العقاب قال القرطبي: والآية تهديد وتأمين من الحيف والظلم {بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِّنْ هَـٰذَا} أي بل قلوب الكفرة المجرمين في غطاءٍ وغفلةٍ وعماية عن هذا القرآن {وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِّن دُونِ ذٰلِكَ} أي ولهم أعمال سيئة كثيرة غير الكفر والإِشراك {هُمْ لَهَا عَامِلُونَ} أي سيعملونها في المستقبل لتحقَّ عليهم الشقاوة فقد جمعوا بين الكفر وسوء الأعمال فحقت عليهم كلمة العذاب {حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِٱلْعَذَابِ} أي حتى إِذا أخذنا أغنياءهم وكبراءهم المتنعمين في هذه الحياة بالعذاب العاجل كالجوع والقتل والأسر {إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ} أي إِذا هم يصيحون ويرفعون أصواتهم بالاستغاثة قال ابن عباس: هو الجوع الذي عذبوا به سبع سنين {لاَ تَجْأَرُواْ ٱلْيَوْمَ} أي لا تستغيثوا اليوم من العذاب {إِنَّكُمْ مِّنَّا لاَ تُنصَرُونَ} أي لا تمنعون من عذابنا فلا ينفعكم صراخ ولا استغاثة {قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} أي لقد كنتم تسمعون آيات القرآن تقرأ عليكم {فَكُنتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ} أي كنتم تنفرون عن تلك الآيات كما يذهب الناكص على عقبيه بالرجوع إِلى ورائه، وهذا تمثيلٌ لإِعراضهم عن الحق بالراجع إلى الخلف {مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ} أي مستكبرين بسبب القرآن عن الإِيمان قال ابن كثير: الضمير للقرآن كانوا يسمرون ويذكرون القرآن بالهُجْر من الكلام يقولون إِنه سحر، شعر، كهانة إِلى غير ذلك من الأقوال الباطلة وقال ابن الجوزي: الضمير عائد إلى البيت الحرام وهي كناية عن غير مذكور لشهرة الأمر والمعنى: إِنكم تستكبرون وتفتخرون بالبيت والحرم لأمنكم فيه مع خوف سائر الناس في مواطنهم، تقولون: نحن أهل الحرم فلا نخاف أحداً، ونحن أهل بيت الله وولاته، هذا مذهب ابن عباس وغيره {سَامِراً تَهْجُرُونَ} أي متحدثين ليلاً تسمرون تقولون في سمركم الهجر وهو القول الفاحش من الطعن في القرآن، وسبّ النبي عليه السلام {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ ٱلْقَوْلَ} أي أفلم يتدبروا هذا القرآن العظيم ليعرفوا بما فيه من إِعجاز النظم أنه كلام الله فيصدقوا به؟ {أَمْ جَآءَهُمْ مَّا لَمْ يَأْتِ آبَآءَهُمُ ٱلأَوَّلِينَ} أي أم جاءهم من الله بشيء مبتدع لم يأت مثله في آبائهم السابقين؟ قال أبو السعود: يعني أن مجيء الكتب من جهته تعالى إلى الرسل سنة قديمة لا يكاد يتسنى إنكاره، وأن مجيء القرآن على طريقته فمن أين ينكرونه؟ {أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ} توبيخ آخر لهم أي أم لم يعرفوا محمداً صلى الله عليه وسلم بالأمانة والصدق وحسن الأخلاق؟ وبَّخهم أولاً بترك الانتفاع بالقرآن، وثانياً بأن ما جاءهم قد جاء مثله لآبائهم الأولين وثالثاً بأنهم يعرفون محمداً صلى الله عليه وسلم ونسبه وصدقه وأمانته ورابعاً اتهامهم له بالجنون وقد علموا أنه عليه السلام أرجحهم عقلاً وأثقبهم ذهناً ولهذا قال بعده {أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ} أي أم يقولون إِن محمداً مجنون، وهذا توبيخ آخر وتعجيبٌ من تفننهم في العناد، وتلونهم في الجحود {بَلْ جَآءَهُمْ بِٱلْحَقِّ} {بَلْ} للإِضراب أي ليس الأمر كما زعموا بل جاءهم محمد بالحقِّ الساطع الذي لا مدخل فيه للباطل بوجه من الوجوه، وبالقرآن المشتمل على التوحيد وشرائع الإِسلام {وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} أي ومع وضوح الدعوة فإِنَّ أكثر المشركين يكرهون الحقَّ لما في قلوبهم من الزيغ والانحراف {وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ} أي لو كان ما كرهوه من الحقّ - الذي هو التوحيد والعدل - موافقاً لأهوائهم الفاسدة، ومتمشياً مع رغباتهم الزائغة {لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ} أي لفسد نظام العالم أجمع علويُّه وسفليُّه، وفسد من فيه من المخلوقات لفساد أهوائهم واختلافهم قال ابن كثير: وفي هذا كله تبيين عجز العباد، واختلاف آرائهم وأهوائهم، وأنه تعالى هو الكامل في جميع صفاته وأفعاله وتدبيره لخلقه {بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ} أي بل أتيناهم بما فيه فخرهم وشرفهم، وهو هذا القرآن العظيم الذي أكرمهم الله تعالى به {فَهُمْ عَن ذِكْرِهِمْ مُّعْرِضُونَ} أي فهم معرضون عن هذا القرآن العظيم وكان اللائق بهم الانقياد له وتعظيمه لأنه شرفهم وعزُّهم، وأعاد لفظ "الذكر" تعظيماً للقرآن {أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً} أي أم تسألهم يا محمد أجراً على تبيلغ الرسالة فلأجل ذلك لا يؤمنون، وفي هذا تشنيعٌ عليهم لعدم الإِيمان فمحمد لا يطلب منهم أجراً فلماذا إِذاً يكذبونه ويعادونه؟ {فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ} أي رزق الله وعطاؤه خيرٌ لك يا محمد {وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ} أي هو تعالى أفضلُ من أعطى ورزق لأنه يعطي لا لحاجة، وغيره يعطي لحاجة {وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} أي وإِنك يا محمد لتدعوهم إِلى الطريق المستقيم وهو الإِسلام الموصل إلى جنات النعيم {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ عَنِ ٱلصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ} أي وإِنَّ الذين لا يصدقون بالبعث والثواب والعقاب لعادلون عن الطريق المستقيم منحرفون عنه. البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البلاغة والبيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الاستعارة اللطيفة {فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ} أصل الغمرة الماء الذي يغمر القامة، شبَّه ما هم فيه من الجهالة والضلالة بالماء الذي يغمر الإِنسان من فرقة إلى قدمه على سبيل الاستعارة. 2- الاستفهام الإِنكاري {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ}؟. 3- حذف الرابط في {نُسَارِعُ لَهُمْ فِي ٱلْخَيْرَاتِ} حذف "به" أي نسارع لهم به في الخيرات، وحسن حذفه لاستطالة الكلام مع أمن اللبس. 4-الطباق بين {يُؤْمِنُونَ.. يُشْرِكُونَ}. 5- الاستعارة البديعة {وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِٱلْحَقِّ} النطق لا يكون إلا ممن يتكلم بلسانه، والكتاب ليس له لسان، فوصف سبحانه الكتاب بالنطق مبالغة وصفه بإِظهار البيان وإِعلان البرهان، وتشبيهاً باللسان الناطق بطريق الاستعارة. 6- جناس الاشتقاق {يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ} {أَعْمَالٌ.. هُمْ لَهَا عَامِلُونَ}. 7- الاستعارة الفائقة {فَكُنتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ} شبّه إِعراضهم عن الحق بالراجع القهقرى إلى الخلف وهو من قبيل الاستعارة التمثيلية. 8- السجع الرصين {مُّشْفِقُونَ}، {يُؤْمِنُونَ}، {يُشْرِكُونَ}، {سَابِقُونَ} الخ.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {بَيْنَهُمْ زُبُراً} معناه قِطعٌ. وزُبَرٌ معناه قِطعةٌ.
همام الصنعاني
تفسير : 1973- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {بَيْنَهُمْ زُبُراً}: [الآية: 53]، قال: كتباً.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):