٢٣ - ٱلْمُؤْمِنُون
23 - Al-Mu'minoon (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
55
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ } «ما» بمعنى الذي؛ أي أيحسبون يا محمد أن الذي نعطيهم في الدنيا من المال والأولاد هو ثواب لهم، إنما هو استدراج وإملاء، ليس إسراعاً في الخيرات. وفي خبر «أنّ» ثلاثة أقوال، منها أنه محذوف. وقال الزجاج: المعنى نسارع لهم به في الخيرات، وحذفت به. وقال هشام الضرير قولاً دقيقاً، قال: «أنما» هي الخيرات؛ فصار المعنى: نسارع لهم فيه، ثم أظهر فقال «في الخيرات»، ولا حذف فيه على هذا التقدير. ومذهب الكسائي أن «أنما» حرف واحد فلا يحتاج إلى تقدير حذف، ويجوز الوقف على قوله: «وبنين». ومن قال: «أنما» حرفان فلا بدّ من ضمير يرجع من الخبر إلى اسم «أنّ» ولم يتم الوقف على «وبنين». وقال السِّخْتِيانيّ: لا يحسن الوقف على «وبنين»؛ لأن «يحسبون» يحتاج إلى مفعولين، فتمام المفعولين «في الخيرات». قال ابن الأنباري: وهذا خطأ؛ لأن «أنّ» كافية من اسم أن وخبرها ولا يجوز أن يؤتى بعد «أن» بمفعول ثان. وقرأ أبو عبد الرحمن السُّلَمِيّ وعبد الرحمن بن أبي بكرة «يسارِع» بالياء، على أن يكون فاعله إمدادنا. وهذا يجوز أن يكون على غير حذف؛ أي يسارع لهم الأمداد. ويجوز أن يكون فيه حذف، ويكون المعنى يسارع الله لهم. وقرىء «يُسارَعُ لهم في الخيرات» وفيه ثلاثة أوجه: أحدها على حذف به. ويجوز أن يكون يُسارَع الأمدادَ. ويجوز أن يكون «لهم» اسم ما لم يسم فاعله؛ ذكره النحاس. قال المهدوِيّ: وقرأ الحرّ النحوي «نسرع لهم في الخيرات» وهو معنى قراءة الجماعة. قال الثعلبي: والصواب قراءة العامة؛ لقوله «نمدهم». {بَل لاَّ يَشْعُرُونَ} أن ذلك فتنة لهم واستدراج.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ } نعطيهم {مِن مَّالٍ وَبَنِينَ } في الدنيا.
ابن عبد السلام
تفسير : {نُمِدُّهُم} نعطيهم ونزيدهم.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {أيحسبون} قال: قريش. {إنما نمدهم به} قال: نعطيهم {من مال وبنين، نسارع لهم في الخيرات} نزيد لهم في الخير بل نملي لهم في الخير ولكن لا يشعرون. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة {أيحسبون إنما نمدهم به من مال وبنين، نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون} قال: مكر والله بالقوم في أموالهم وأولادهم، فلا تعتبروا الناس بأموالهم وأولادهم ولكن اعتبروهم بالإِيمان والعمل الصالح. وأخرج ابن جرير عن عبد الرحمن بن أبي بكرة أنه قرأ "نسارع لهم في الخيرات". وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في سننه عن الحسن؛ أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أتي بفروة كسرى فوضعت بين يديه وفي القوم سراقة بن مالك، فأخذ عمر سواريه فرمى بهما إلى سراقة، فأخذهما فجعلهما في يديه فبلغتا منكبيه فقال: الحمد لله سوارا كسرى بن هرمز في يدي سراقة بن مالك بن جعشم، أَعرابي من بني مدلج. ثم قال: اللهم إني قد علمت أن رسولك قد كان حريصاً على أن يصيب ما لا ينفقه في سبيلك وعلى عبادك فزويت عنه ذلك نظراً منك وخياراً، اللهم إني أعوذ بك أن يكون هذا مكراً منك بعمر ثم تلا {أيحسبون أَنما نمدهم به من مال وبنين، نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون} . وأخرج ابن أبي حاتم عن يزيد بن ميسرة قال: أجد فيما أنزل الله على موسى، أيفرح عبدي المؤمن أن ابسط له الدنيا وهو أبعد له مني، أو يجزع عبدي المؤمن أن أقبض عنه الدنيا وهو أقرب له مني، ثم تلا {أيحسبون أَنما نمدهم به من مال وبنين} {نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون}.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ} [الآية: 55]. قال عبد العزيز المكى: من تزين زينة فانية، فتلك الزينة تكون وبالاً عليه إلا من تزين بما يبقى من الطاعات والموافقات، والمجاهدات فإن الأنفس فانية، والأموال عادية، والأولاد فتنة، ومن تسارع فى جمعها وحفظها، وتعلق القلب بها قطعه من الخيرات أجمع، وما عند الله بطاعة أفضل من مجاهدة النفس، ومخالفتها، والتقلل من الدنيا، وقطع القلب عنها لأن المسارعة فى الخيرات هو اجتناب الشرور، وأول الشرور حُب الدنيا لأنها مزرعة الشيطان فمن طلبها أو عمرها فهو حراثه وعبده وشر من الشيطان من يعين الشيطان على عمارة داره قال الله تعالى: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي ٱلْخَيْرَاتِ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ}. وقال بعضهم: أول التسارع إلى الخيرات هو التقلل من الدنيا وترك الاهتمام للرزق، والتباعد والفرار من الجمع، والمنع واختيار القلة على الكثرة، والزهد على الرعبة، قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ} [الآية: 57]. قال بعضهم: الخشية، والإشفاق، اثنان باطنان وهما عملان من أعمال القلب، والخشية سرٌّ فى القلب والإشفاق من الخشية أخفى، وقيل: الخشية انكسار القلب بدوام الانتصاب بين يديه، ومن بعد هذه المرتبة الإشفاق، الإشفاق أرق من الخشية، وألطف والخشية أرق من الخوف، والخوف أرق من الرهبة، ولكل منها صفة وأدب ومكان.
القشيري
تفسير : هذا في شأن أصحاب الاستدراج من مَكْرِ الحقِّ بهم بتلبيس المنهاج؛ رَأَوا سَرَاباً فَظَنْوه شراباً، ودَس لهم في شهْدِهم صاباً فتوهموه عِذَاباً، وحين لقوا عَذَاباً عَلِموا أنهم لم يفعلوا صواباً.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي ٱلْخَيْرَاتِ} ان الله سبحانه امتحن الممتحنين بزنية الدنيا ولذاتها وجاهها ومالها وخيراتها ليقطعوا طرق الامتحان وحرموا الى مشاهدة الرحمن فاستلذوها واحتجبوا بها وظنو انها مال جميع الراحات وانهم مقبولون حين اعطوا هذه المقامات ولم يعلموا انها استداج لا منهاج قال تعالى {بَل لاَّ يَشْعُرُونَ} قال عبد العزيز المكى من تزين بزينة فانية قتلك الزينة تكون وبالا عليه الا من تزين بما يبقى من الطاعات والموافقات والمجاهدات فان الانفس فانية والاموال عوار والاولا فتنة فمن يسارع فى جمعها وحظها وتعلق القلب بها قطعة عن الخيرات اجمع وما عند الله بطاعة افضل من مخالفة النفس والتقلل من الدنيا وقطع القلب عنها لان المسارعة فى الخيرات هو اجتناب الشرور واول الشر ورحب الدنيا لانها مزرعة الشيطان فمن طلبها وعمرها فهو حرّاثه وعبده وشر من الشيطان من يقين الشيطان على عمارة دار وقال الله ايحسبون الأية ثم ان الله سبحانه وصف الصادقين بالخشية والخوف والايمان والتوحيد واليقين بقوله {إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ} الذين هم متعظون عظمته وجلاله بعد كونهم معاينين رؤيته ومشاهدته خائفون من الهجران والاحتجاب بشئ من الحدثان ثم قال تعالى فى وصفهم {وَٱلَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبَّهِمْ يُؤْمِنُونَ} يوقنون انها مشاهد مشاهدة قدسية وظهور صفاته وذاته ثم -----بانهم لا يوترون عليه شيئاً من الحوادث بقوله {وَٱلَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ} لا يلتفتون فى طاعته الى غيره ولا ينظرون منه الى انفسهم وحظها من الكونين ثم زاد فى وصفهم بقوله {وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} اى الذين سافروا سفر العبودية بحقائقها وشاهدوا جمال الربوبية وانوارها بنعت الخجل والوجل لعلهم بان ما انوا من الطاعات وبذل النهج والموجودات فى رؤية كبريائه وجلاله مع طاعات جميع المخلوقات اقل من ذرة ووجل قلوبهم من صولة تجلى العظمة لها قلوبها فى الغيوب حق له وارواحهم فى الملكوت والجبروت طيارة واسرارهم فى ميادين تجلى الصفات والذات فانية ثم وصفهم بالتسارع الى الخير بقوله {وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} اولئك يسارعون فى الخيرات اطلب عرضاته ووصولهم الى مشاهداته وهم فى ذلك سابقون فى الازل من الله بالسعادات الاولية والأخرية قال بعضهم فى قوله وهم من خشيته مشفقون الاشفاق والخشية اسمان باطنان وهما عملان من اعمال القلب والخشية فى القلب خفى والاشفاق من الخشية اخفى قيل الخشية انكسار القلب من دوام الانتصاب بين يديه ومن بعد هذه المرتبة الاشفاق والاشفاق ارق من الخشية والطف والخشية ارق من الخوف والخوف ارق من الرهبة ولك منها صفة ومكان وادب قال ابن عطا فى قوله والذين هم بأيات ربهم يومنون مطالعة نكون بابصار القلوب فتعلم انها فى حد الفناء وما كان بين طرفى فناء فهو فان فيومنون بالحق يفتح ابصار قلوبهم بالنظر الى المغيبات وقال الجنيد فى قوله والذين هم بربهم لا يشركون من فتش سره فراى فيه شيئا اعظم من ربه او اجل منه فقد اشرك به اذ جعل له مثلا وقال الواسطى الخائف الرجل من لا يشهد حظه بحال قال بعضهم وجل العارف من طاعته اكثر من وجله من مخالفته لان المخالفة بمحوها التوبة والطاعة تطلب تصحيحها والاخلاص والصدق فيها لذلك قال الله والذين يوتون ما اتوا الاية وقال ابو الحسن الوارث فى قوله اولئك يسارعون فى الخيرات ذلك بما تقدم من الأيات بالمسارعة الى الخيرات يبتغى درجة السابقين ويطلب مكارم الواصلين لا بالدعاوى والامهال وتضييع الاوقات من اراد الوصول الى المقامات من غير اداب رياضات ومجاهدات فقد خاب وخسر وحرم الوصول اليها بحال قال يحيى بن معاذ فى قوله اولئك يسارعون فى الخيرات الراغبون فى رضى المولى حكى عن الشبلى انه قال وصفهم بالاشفاق والخشية وذلك حين رفعهم مولاهم الى منازل اليقين حتى وصلوا من علم اليقين الى عين اليقين وشربوا من عين اليقين بكاس اليقين فشاهدوا فى مقام عين اليقين وارتفع عن قلوبهم كل شك وريب ثم ثقلهم من تلك المقامات كلها الى منازل الخوف فنازلوا الاشفاق والحذر والخشية فوجلت قلوبهم من تلوين الاحوال عليهم وهم من خشية ربهم مشفقون وقال النهر جورى هم القائمون مع الله من حيث قام لهم ومن حيث يرون قيام الله لهم فهم فى احوالهم مشفقون فى قوله تعالى {وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} ان الله سبحانه خلق النفوس الروحانية من عالم الملكوت وهى صدرت من فيض لطف صفاته فهى تحمل امانات معرفة ربوبيته وهى نطيق حمل وارد تجلى الذات والصفات اذ هى محمولة بمطايا انوار العناية والكفاية وخلق النفوس الانسانية من عالم انوار الفعل وهى صدرت من تواثير سلطان قهر القدم وهى مجبولة لحلم اثقال العبودية اذ هى محمولة بمطية ذلك القهر فكان النفوس مطايا حمل الربوبية والعبودية وهى تسعها به لابها لذلك قال عليه السَّلام حاكيا عن الله تعالى يستغنى السماوات والارض ويستغنى قلب عبدى المؤمن فاذا جاءت بنعت الاشفاق الى مشاهدة الذات والصفات بنعت العجز عن مقابلة الجبروت وعجزها عن حمل عزة الملكوت حرست عن الاعذار يعتذر صانعها بنطق ازلى بانها صادرة عن الحدثان غير مخلوقة لحمل اصل القدم قال تعالى {وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِٱلْحَقِّ} يشهد لها لا عليها {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} بان القدم بوصف القدم يكون حملها بل يكون حملها على قدر وسعها قال الحريرى لم يكلف الله العباد بمعرفته على قدره وانما كلفهم على اقدارهم فقال ولا تكلف نفسا الا وسعها ولو كلفهم على قدره ومقداره لجهلوه وما عرفوه لانه لا يعرف قدره احد سواه وقد يعرفه على الحقيقة سواه وانما القى الى الخلق منها اسما ورسما اكراما منه لهم بذلك واما المعرفة فانها التحير والتيهوهية.
اسماعيل حقي
تفسير : {أيحسبون انما نمدهم به} الهمزة لانكار الواقع واستقباحه وما موصولة اى أيظن الكفرة ان الذى نعطيهم اياه ونجعله مددا لهم {من مال وبنين} بيان للموصول وتخصيص البنين لشدة افتخارهم بهم.
الجنابذي
تفسير : {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي ٱلْخَيْرَاتِ} فيستنكفون لذلك عن وصيّك {بَل لاَّ يَشْعُرُونَ} انّه استدراجٌ لهم ومكرٌ ولذا يحسبون ويستنكفون.
اطفيش
تفسير : {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ} نقويهم به ونعطيهم اياه * {مِن مَّالٍ وَبَنِينَ} بيان لما والهاء به.
اطفيش
تفسير : ما اسم موصول، ولو وصلت بأن فى الخط لأنها كذلك فى الامام لعود هاء به إليها، فلا تكون مصدرية، قدم المال مع ان البنين، أعز لأنه المتجدد الدائم التجدد الكثير، ومر غير ذلك.
الالوسي
تفسير : {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ} أي الذي نعطيهم إياه ونجعله مدداً لهم، فما موصولة اسم (أن) ولا يضر كونها / موصولة لأنها في الإمام كذلك لسر لا نعرفه. وقوله تعالى: {مِن مَّالٍ وَبَنِينَ} بيان لها. وتقديم المال على البنين مع كونهم أعز منه قد مر وجهه.
ابن عاشور
تفسير : الأشبه أن تكون هذه الجملة بدل اشتمال من جملة { أية : فَذرهم في غمرتهم حتى حين } تفسير : [المؤمنون: 54] باعتبار أن جملة {فذرهم} تشتمل على معنى عدم الاكتراث بما هم فيه من الأحوال التي ألْهَتهم عن النظر في دعوة الإسلام وغرتهم بأنهم بمحل الكرامة على الله بما خولهم من العزة و الترف، وما تشتمل عليه من التوعد بأن ذلك له نهاية ينتهون إليها وأن الله أعطاهم ما هم فيه زمن النعمة استدراجاً لهم. وهذا كقوله تعالى { أية : وذَرْني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلاً } تفسير : [المزمل: 11] وقوله: { أية : لا يَغُرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل } تفسير : [آل عمران: 196، 197]. والاستفهام في {أيحسبون} إنكاري وتوبيخ على هذا الحسبان سواء كان هذا الحسبان حاصلاً لجميع المشركين أم غير حاصل لبعض، لأن حالهم حال من هو مظنة هذا الحسبان فينكر عليه هذا الحسبان لإزالته من نفسه أو لدفع حصوله فيها. و{أنما} هنا كلمتان (أن) المؤكدة (وما) الموصولة وكتبتا في المصحف متصلتين كما تكتب (إنما) المكسورة التي هي أداة حصر لأن الرسم القديم لم يكن منضبطاً كل الضبط وحقها أن تكتب مفصولة. والإمداد: إعطاء المدد وهو العطاء. و{من مال وبنين} بيان لــــ(ما) الموصولة. والمسارعة: التعجيل، وهي هنا مستعارة لتوخي المرغوب والحرص على تحصيله. وفي حديث عائشة أنها قالت للنبيء صلى الله عليه وسلم « حديث : ما أرى ربك إلا يسارع في هواك » تفسير : أي يعطيك ما تحبه لأن الراغب في إرضاء شخص يكون متسارعاً في إعطائه مرغوبه، ويقال: فلان يجري في حظوظك. ومتعلق {نسارع} محذوف تقديره: نسارع لهم به، أي بما نمدهم به من مال وبنين. وحذف لدلالة {نمدهم به} عليه. وظرفية (في) مجازية. جعلت {الخيرات} بمنزلة الطريق يقع فيه المسارعة بالمشي فتكون (في) قرينة مكنية. وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى: { أية : يا أيها الرسول لا يُحزنك الذين يسارعون في الكفر } تفسير : [المائدة: 41] وقوله: { أية : فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم } تفسير : [المائدة: 52] كلاهما في سورة العقود، وقوله: { أية : إنهم كانوا يسارعون في الخيرات } تفسير : في سورة الأنبياء (90). والخيرات: جمع خير بالألف والتاء، وهو من الجموع النادرة مثل سرادقات. وقد تقدم عند قوله تعالى: { أية : وأولئك لهم الخيرات } تفسير : في سورة براءة (88)، وتقدم في سورة الأنبياء (73 ـــ 90). و(بل) إضراب عن المظنون لا على الظن كما هو ظاهر بالقرينة، أي لسنا نسارع لهم بالخيرات كما ظنوا بل لا يشعرون بحكمة ذلك الإمداد وأنها لاستدراجهم وفضحهم بإقامة الحجة عليهم.
الشنقيطي
تفسير : قد أوضحنا الكلام على الآيات الموضحة لهاتين الآيتين في سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً} تفسير : [الكهف: 36] فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
د. أسعد حومد
تفسير : (55) - أَيَظُنُّ هَؤُلاَءِ المَغْرُورُونَ أَنْ مَا نُعْطِيهِمْ مِنَ الأَمْوَالِ، والأَوْلاَدِ هُوَ كَرَامَةٌ لَهُمْ عَلَيْنَا، وَإِجْلاَلٌ لأَقْدَارِهِمْ لَدَيِنَا، كَلاَّ. إِنَّ مَا نُعْطِيهِمْ هُوَ إِمْهَالٌ وَاسْتِدْرَاجٌ لَهُمْ فِي المَعَاصِي لِيَزْدادُوا إثْماً وَطُغْيَاناً. مَا نُمِدَّهُم بِهِ - مَا نَجْعَلُهُ مَدَداً لَهُمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هذه قضية شغلت كثيراً من المؤمنين حين يروْنَ الكافرين بالله مُرفَّهين مُنعّمين، في يدهم المال والنفوذ، في حين أن المؤمنين فقراء، وربما تشكّك البعض واهتزَّ إيمانه لهذه المتناقضات. ونقول لهؤلاء: لم تكن هذه صورة المؤمنين في الماضي، إنهم سادوا الدنيا بعلومهم وثقافاتهم وازدهرتْ حضارتهم على مدى ألف سنة من الزمان، فلما تخلَّوْا عن دينهم وقِيَمهم حَلَّ بهم ما هم فيه الآن. لقد تقدم علينا الآخرون؛ لأنهم أخذوا بأسباب الدنيا، وينبغي علينا نحن المسلمين أن نأخذ أيضاً بهذه الأسباب؛ لأنها من عطاء الربوبية الذي لا يُحرم منه لا مؤمن ولا كافر، فَمنْ أحسنه نال ثمرته وأخذ خيره. قال سبحانه: {أية : مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ} تفسير : [الشورى: 20]. والأسباب يد الله الممدودة لخَلْقه، فَمنْ ردَّ يد الله إليه فلا بُدَّ أن يشْقى في رحلة الحياة. وقد يكون تنعُّم هؤلاء مجرد ترف يجرُّهم إلى الطغيان، كما جاء في قوله تعالى: {أية : فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ} تفسير : [الأنعام: 44]. لذلك فالحق - تبارك وتعالى - يعالج هنا هذه المسألة: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي ٱلْخَيْرَاتِ ..} [المؤمنون: 55-56] أيظنون أن هذا خير لهم؟ لا، بل هو إمهال واستدراج ليزدادوا طغياناً. وفي موضع آخر يقول سبحانه: {أية : وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلدُّنْيَا ..} تفسير : [التوبة: 85]. وقوله تعالى: {بَل لاَّ يَشْعُرُونَ ..} [المؤمنون: 56] (بل): تفيد الإضراب عما قبلها وإثبات ما بعدها، إضراب عن مسألة تنعُّم هؤلاء؛ لأنها نعمة موقوته وزائلة، وهي في الحقيقة عليهم نقمة، لكنهم لا يشعرون، لا يشعرون أن هذه النعمة لا تعني محبتهم ورضانا عنهم، ولا يشعرون بالمكيدة وبالفخ الذي يُدبَّر لهم. وسبق أن أوضحنا أن الله تعالى حين يريد الانتقام من عدوه يُمدّه أولاً، ويُوسِّع عليه ويُعلي مكانته، حتى إذا أخذه كان أَخْذه مؤلماً وشديداً. وقوله تعالى: {نُسَارِعُ لَهُمْ فِي ٱلْخَيْرَاتِ ..} [المؤمنون: 56] المسارعة ترد في كتاب الله على مَعَانٍ: مرة يتعدَّى الفعل بإلى، مثل: {أية : وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ..} تفسير : [آل عمران: 133] ومرة يتعدى بفي، مثل: {يُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ ..} [المؤمنون: 61] فما الفرق بين المعنيين؟ سارع إلى كذا: إذا كنتَ خارجاً عنه، وتريد أن تخطو إليه خُطّىً عاجلة، لكن إنْ كنتَ في الخير أصلاً وتريد أنْ ترتقي فيه تقول: سارع في الخيرات. فالأولى يخاطب بها مَنْ لم يدخل في حيِّز الخير، والأخرى لمنْ كان مظروفاً في الخير، ويريد الارتقاء.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):