Verse. 2730 (AR)

٢٣ - ٱلْمُؤْمِنُون

23 - Al-Mu'minoon (AR)

اِنَّ الَّذِيْنَ ہُمْ مِّنْ خَشْـيَۃِ رَبِّہِمْ مُّشْفِقُوْنَ۝۵۷ۙ
Inna allatheena hum min khashyati rabbihim mushfiqoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إن الذين هم من خشية ربهم» خوفهم منه «مشفقون» خائفون من عذابه.

57

Tafseer

الرازي

تفسير : إعلم أنه تعالى لما ذم من تقدم ذكره بقوله: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِى ٱلْخَيْرٰتِ } ثم قال: {بَل لاَّ يَشْعُرُونَ } بين بعده صفات من يسارع في الخيرات ويشعر بذلك وهي أربعة: الصفة الأولى: قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مّنْ خَشْيةِ رَبّهِمْ مُّشْفِقُونَ } والإشفاق يتضمن الخشية مع زيادة رقة وضعف، فمنهم من قال: جمع بينهما للتأكيد، ومنهم من حمل الخشية على العذاب، والمعنى الذين هم من عذاب ربهم مشفقون، وهو قول الكلبي ومقاتل، ومنهم من حمل الإشفاق على أثره وهو الدوام في الطاعة، والمعنى الذين هم من خشية ربهم دائمون في طاعته، جادون في طلب مرضاته. والتحقيق أن من بلغ في الخشية إلى حد الإشفاق وهو كمال الخشية، كان في نهاية الخوف من سخط الله عاجلاً، ومن عقابة آجلاً، فكان في نهاية الاحتراز عن المعاصي. الصفة الثانية: قوله: {وَٱلَّذِينَ هُم بِـئَايَـٰتِ رَبَّهِمْ يُؤْمِنُونَ } واعلم أن آيات الله تعالى هي المخلوقات الدالة على وجوده، والإيمان بها هو التصديق بها، والتصديق بها إن كان بوجودها فذلك معلوم بالضرورة، وصاحب هذا التصديق لا يستحق المدح، وإن كان بكونها آيات ودلائل على وجود الصانع فذلك مما لا يتوصل إليه إلا بالنظر والفكر، وصاحبه لا بد وأن يصير عارفاً بوجود الصانع وصفاته، وإذا حصلت المعرفة بالقلب حصل الإقرار باللسان ظاهراً وذلك هو الإيمان. الصفة الثالثة: قوله: {وَٱلَّذِينَ هُم بِرَبّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ } وليس المراد منه الإيمان بالتوحيد ونفي الشريك لله تعالى لأن ذلك داخل في قوله: {وَٱلَّذِينَ هُم بِـئَايَـٰتِ رَبَّهِمْ يُؤْمِنُونَ } بل المراد منه نفي الشرك الخفي، وهو أن يكون مخلصاً في العبادة لا يقدم عليها إلا لوجه الله تعالى وطلب رضوانه والله أعلم. الصفة الرابعة: قوله: {وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا ءاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ } معناه يعطون ما أعطوا فدخل فيه كل حق يلزم إيتاؤه سواء كان ذلك من حق الله تعالى: كالزكاة والكفارة وغيرهما، أو من حقوق الآدميين: كالودائع والديون وأصناف الإنصاف والعدل، وبين أن ذلك إنما ينفع إذا فعلوه وقلوبهم وجلة، لأن من يقدم على العبادة وهو وجل من تقصيره وإخلاله بنقصان أو غيره، فإنه يكون لأجل ذلك الوجل مجتهداً في أن يوفيها حقها في الأداء. وسألت عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: {وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا ءاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ } أهو الذي يزني ويشرب الخمر ويسرق وهو على ذلك يخاف الله تعالى؟ فقال عليه الصلاة والسلام: « حديث : لا يا ابنة الصديق، ولكن هو الرجل يصلي ويصوم ويتصدق وهو على ذلك يخاف الله تعالى » تفسير : . واعلم أن ترتيب هذه الصفات في نهاية الحسن، لأن الصفة الأولى دلت على حصول الخوف الشديد الموجب للاحتراز عما لا ينبغي. والصفة الثانية: دلت على ترك الرياء في الطاعات. والصفة الثالثة: دلت على أن المستجمع لتلك الصفات الثلاثة يأتي بالطاعات مع الوجل والخوف من التقصير، وذلك هو نهاية مقامات الصديقين رزقنا الله سبحانه الوصول إليها، فإن قيل: أفتقولون إن قوله: {وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ } يرجع إلى يؤتون، أو يرجع إلى كل ما تقدم من الخصال؟ قلنا بل الأولى أن يرجع إلى الكل لأن العطية ليست بذلك أولى من سائر الأعمال، إذ المراد أن يؤدي ذلك على وجل من تقصيره، فيكون مبالغاً في توفيته حقه، فأما إذا قرىء {وَٱلَّذِينَ يَأْتُونَ مَا ءاتَواْ } فالقول فيه أظهر، إذ المراد بذلك أي شيء أتوه وفعلوه من تحرز عن معصية وإقدام على إيمان وعمل، فإنهم يقدمون عليه مع الوجل، ثم إنه سبحانه بين علة ذلك الوجل وهي علمهم بأنهم إلى ربهم راجعون، أي للمجازاة والمساءلة ونشر الصحف وتتبع الأعمال، وأن هناك لا تنفع الندامة، فليس إلا الحكم القاطع من جهة مالك الملك. ثم إنه سبحانه لما ذكر هذه الصفات للمؤمنين المخلصين قال بعده: {أُوْلَـئِكَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرٰتِ } وفيه وجهان: أحدهما: أن المراد يرغبون في الطاعات أشد الرغبة فيبادرونها لئلا تفوت عن وقتها ولكيلا تفوتهم دون الاحترام. والثاني: أنهم يتعجلون في الدنيا أنواع النفع ووجوه الإكرام، كما قال: { أية : فَـاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلأَخِرَةِ } تفسير : [آل عمران: 148]. { أية : وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين } تفسير : [العنبكوت: 27] لأنهم إذا سورع لهم بها فقد سارعوا في نيلها وتعجلوها، وهذا الوجه أحسن طباقاً للآية المتقدمة، لأن فيه إثبات ما نفي عن الكفار للمؤمنين وقرىء يسرعون في الخيرات. أما قوله: {وَهُمْ لَهَا سَـٰبِقُونَ } فالمعنى فاعلون السبق لأجلها أو سابقون الناس لأجلها أو وهم لها سابقون أي ينالونها قبل الآخرة حيث عجلت لهم في الدنيا، ويجوز أن يكون خبراً بعد خبر. والمعنى وهم لها كما يقال أنت لها وهي لك، ثم قال سابقون أي وهم سابقون.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ } لما فرغ من ذكر الكفرة وتوعّدهم عقّب ذلك بذكر المؤمنين المسارعين في الخيرات ووعدهم، وذكر ذلك بأبلغ صفاتهم. و{مُّشْفِقُونَ} خائفون وجِلون مما خوّفهم الله تعالى. {وَٱلَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبَّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَٱلَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} قال الحسن: يؤتون الإخلاص ويخافون ألا يقبل منهم. وروى الترمذي «حديث : عن عائشة رضي الله عنها زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية {وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} قالت عائشة: أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ قال: «لا يا بنت الصديق ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدّقون وهم يخافون ألا يقبل منهم أولئك الذين يسارعون في الخيرات»»تفسير : . وقال الحسن: لقد أدركنا أقواماً كانوا من حسناتهم أن ترد عليهم أشفق منكم على سيئاتكم أن تعذبوا عليها. وقرأت عائشة رضي الله عنها وابنُ عباس والنَّخَعِيّ «والذين يأتون ما أتوا» مقصوراً من الإتيان. قال الفرّاء: ولو صحت هذه القراءة عن عائشة لم تخالف قراءة الجماعة؛ لأن الهمز من العرب من يلزم فيه الألف في كل الحالات إذا كتب؛ فيكتب سُئل الرجل بألف بعد السين، ويستهزئون بألف بين الزاي والواو، وشيءٌ وشيٍ بألف بعد الياء، فغير مستنكر في مذهب هؤلاء أن يكتب «يؤتون» بألف بعد الياء، فيحتمل هذا اللفظ بالبناء على هذا الخط قراءتين «يؤتون ما آتوا» و«يأتون ما أتوا». وينفرد ما عليه الجماعة باحتمال تأويلين: أحدهما: والذين يعطون ما أعطوا من الزكاة والصدقة وقلوبهم خائفة. والآخر: والذين يؤتون الملائكة الذين يكتبون الأعمال على العباد ما آتوا وقلوبهم وجلة؛ فحُذِف مفعولٌ في هذا الباب لوضوح معناه؛ كما حذف في قوله عز وجل: {أية : فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} تفسير : [يوسف: 49] والمعنى يعصرون السمسم والعنب؛ فاختزِل المفعول لوضوح تأويله. ويكون الأصل في الحرف على هجائه الموجود في الإمام «يأتون» بألف مبدلة من الهمزة فكتبت الألف واواً لتآخي حروف المد واللين في الخفاء؛ حكاه ابن الأنباري. قال النحاس: المعروف من قراءة ابن عباس «والذين يأتون ما أتوا» وهي القراءة المروية عن النبيّ صلى الله عليه وسلم وعن عائشة رضي الله عنها، ومعناها يعملون ما عملوا؛ كما رُوي في الحديث. والوجَل نحو الإشفاق والخوف؛ فالتقِيّ والتائب خوْفه أمر العاقبة وما يطلع عليه بعد الموت. وفي قوله: {أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} تنبيه على الخاتمة. وفي صحيح البخاري: «حديث : وإنما الأعمال بالخواتيم» تفسير : وأما المخلِّط فينبغي له أن يكون تحت خوفٍ من أن ينفَّذ عليه الوعيد بتخليطه. وقال أصحاب الخواطر: وَجَل العارف مِن طاعته أكثر وجلاً من وجله من مخالفته؛ لأن المخالفة تمحوها التوبة، والطاعة تطلب بتصحيح الغرض. {أَنَّهُمْ} أي لأنهم، أو من أجل «أنهم إلى ربهم راجعون».

البيضاوي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ } من خوف عذابه. {مُشْفِقُونَ} حذرون.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ} أي: هم مع إحسانهم وإيمانهم وعملهم الصالح مشفقون من الله، خائفون منه، وجلون من مكره بهم؛ كما قال الحسن البصري: إن المؤمن جمع إحساناً وشفقة، وإن الكافر جمع إساءة وأمناً {وَٱلَّذِينَ هُم بِـآيَـٰتِ رَبَّهِمْ يُؤْمِنُونَ} أي: يؤمنون بآياته الكونية والشرعية، كقوله تعالى إخباراً عن مريم عليها السلام: {أية : وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَـٰتِ رَبَّهَا وَكُتُبِهِ} تفسير : [التحريم: 12] أي: أيقنت أن ما كان، إنما هو عن قدر الله وقضائه، وما شرعه الله فهو إن كان أمراً، فمما يحبه ويرضاه، وإن كان نهياً، فهو مما يكرهه ويأباه، وإن كان خيراً فهو حق، كما قال الله: {وَٱلَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ} أي: لا يعبدون معه غيره، بل يوحدونه، ويعلمون أنه لا إله إلا الله أحداً صمداً، لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، وأنه لا نظير له، ولا كفء له. وقوله: {وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَٰجِعُونَ} أي: يعطون العطاء وهم خائفون وجلون أن لا يتقبل منهم؛ لخوفهم أن يكونوا قد قصروا في القيام بشرط الإعطاء، وهذا من باب الإشفاق والاحتياط، كما قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا مالك بن مغول، حدثنا عبد الرحمن بن سعيد بن وهب عن عائشة: أنها قالت: يا رسول الله الذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة، هو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر، وهو يخاف الله عز وجل؟ قال: «حديث : لا يا بنت الصديق، ولكنه الذي يصلي ويصوم ويتصدق، وهو يخاف الله عز وجل» تفسير : وهكذا رواه الترمذي وابن أبي حاتم من حديث مالك بن مِغْول، به بنحوه، وقال: «حديث : لا يا بنت الصديق، ولكنهم الذين يصلون ويصومون ويتصدقون، وهم يخافون ألا يتقبل منهم {أُوْلَـٰئِكَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ}» تفسير : وقال الترمذي: وروي هذا الحديث من حديث عبد الرحمن بن سعيد عن أبي حازم، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو هذا، وهكذا قال ابن عباس ومحمد بن كعب القرظي والحسن البصري في تفسير هذه الآية. وقد قرأ آخرون هذه الآية: "والذينَ يُؤْتُونَ ما ءَاتوا وقلوبُهم وجِلةٌ" أي: يفعلون ما يفعلون وهم خائفون، وروي هذا مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأها كذلك. قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا صخر بن جويرية، حدثنا إسماعيل المكي، حدثنا أبو خلف مولى بني جمح: أنه دخل مع عبيد بن عمير على عائشة رضي الله عنها، فقالت: مرحباً بأبي عاصم، ما يمنعك أن تزورنا أو تلم بنا؟ فقال: أخشى أن أملك، فقالت: ما كنت لتفعل؟ قال: جئت لأسألك عن آية من كتاب الله عز وجل: كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها؟ قالت: أية آية؟ قال: {ٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءاتَواْ} أو {الذينَ يأتونَ ما أتوا} فقالت: أيتهما أحب إليك؟ فقلت: والذي نفسي بيده لإحداهما أحب إلي من الدنيا جميعاً، أو الدنيا وما فيها. قالت: وما هي؟ فقلت: {الذينَ يأتونَ ما أتوا} فقالت: أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك كان يقرؤها، وكذلك أنزلت، ولكن الهجاء حرف، فيه إسماعيل بن مسلم المكي وهو ضعيف، والمعنى على القراءة الأولى، وهي قراءة الجمهور السبعة، وغيرهم أظهر؛ لأنه قال: {أُوْلَـٰئِكَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ وَهُمْ لَهَا سَـٰبِقُونَ} فجعلهم من السابقين، ولو كان المعنى على القراءة الأخرى، لأوشك أن لا يكونوا من السابقين، بل من المقتصدين أو المقصرين، والله أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ } خوفهم منه {مُشْفِقُونَ } خائفون من عذابه.

الشوكاني

تفسير : لما نفي سبحانه الخيرات الحقيقية عن الكفرة المتنعمين أتبع ذلك بذكر من هو أهل للخيرات عاجلاً وآجلاً فوصفهم بصفات أربع: الأولى: قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مّنْ خَشْيةِ رَبّهِمْ مُّشْفِقُونَ } الإشفاق: الخوف، تقول: أنا مشفق من هذا الأمر، أي خائف. قيل: الإشفاق هو الخشية، فظاهر ما في الآية التكرار. وأجيب بحمل الخشية على العذاب، أي من عذاب ربهم خائفون، وبه قال الكلبي ومقاتل. وأجيب أيضاً بحمل الإشفاق على ما هو أثر له: وهو الدوام على الطاعة، أي الذين هم من خشية ربهم دائمون على طاعته. وأجيب أيضاً بأن الإشفاق كمال الخوف فلا تكرار. وقيل: هو تكرار للتأكيد. والصفة الثانية: قوله: {وَٱلَّذِينَ هُم بِـئَايَـٰتِ رَبَّهِمْ يُؤْمِنُونَ } قيل: المراد بالآيات: هي التنزيلية. وقيل: هي التكوينية. وقيل: مجموعهما. قيل: وليس المراد بالإيمان بها: هو التصديق بوجودها فقط. فإن ذلك معلوم بالضرورة ولا يوجب المدح، بل المراد: التصديق بكونها دلائل وأن مدلولها حق. والصفة الثالثة: قوله: {وَٱلَّذِينَ هُم بِرَبّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ } أي يتركون الشرك تركاً كلياً ظاهراً وباطناً. والصفة الرابعة: قوله: {وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا ءاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبّهِمْ رٰجِعُونَ } أي يعطون ما أعطوا وقلوبهم خائفة من أجل ذلك الإعطاء يظنون أن ذلك لا ينجيهم من عذاب الله، وجملة: {وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ } في محل نصب على الحال، أي والحال أن قلوبهم خائفة أشدّ الخوف. قال الزجاج: قلوبهم خائفة لأنهم إلى ربهم راجعون، وسبب الوجل هو أن يخافوا أن لا يقبل منهم ذلك على الوجه المطلوب، لا مجرّد رجوعهم إليه سبحانه. وقيل: المعنى: أن من اعتقد الرجوع إلى الجزاء والحساب وعلم أن المجازي والمحاسب هو الربّ الذي لا تخفى عليه خافية لم يخل من وجل. وقرأت عائشة وابن عباس والنخعي "يَأْتُونَ مَا أَتَواْ" مقصوراً من الإتيان. قال الفراء: ولو صحت هذه القراءة لم تخالف قراءة الجماعة؛ لأن من العرب من يلزم في الهمز الألف في كل الحالات. قال النحاس: ومعنى هذه القراءة: يعملون ما عملوا. والإشارة بقوله: {أُوْلَـٰئِكَ } إلى المتصفين بهذه الصفات، ومعنى {يُسَـٰرِعُونَ فِي ٱلْخَيْرٰتِ }: يبادرون بها. قال الفرّاء والزجاج: ينافسون فيها، وقيل: يسابقون، وقرىء: "يسرعون". {وَهُمْ لَهَا سَـٰبِقُونَ } اللام للتقوية، والمعنى: هم سابقون إياها. وقيل: اللام بمعنى إلى، كما في قوله: {أية : بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا } تفسير : [الزلزلة: 5]. أي أوحى إليها، وأنشد سيبويه قول الشاعر:شعر : تجانف عن أهل اليمامة ناقتي وما قصدت من أهلها لسوائكا تفسير : أي إلى سوائكا. وقيل: المفعول محذوف، والتقدير: وهم سابقون الناس لأجلها. ثم لما انجر الكلام إلى ذكر أعمال المكلفين ذكر لهما حكمين: الأوّل: قوله: {وَلاَ نُكَلّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا } الوسع هو: الطاقة، وقد تقدّم بيان هذا في آخر سورة البقرة. وفي تفسير الوسع قولان: الأوّل: أنه الطاقة، كما فسره بذلك أهل اللغة. الثاني: أنه دون الطاقة، وبه قال مقاتل والضحاك والكلبي. والمعتزلة قالوا: لأن الوسع إنما سمي وسعاً؛ لأنه يتسع على فاعله فعله ولا يضيق عليه، فمن لم يستطع الجلوس فليوم إيماء، ومن لم يستطع الصوم فليفطر. وهذه الجملة مستأنفة للتحريض على ما وصف به السابقون من فعل الطاعات المؤدّي إلى نيل الكرامات ببيان سهولته وكونه غير خارج عن حدّ الوسع والطاقة، وأن ذلك عادة الله سبحانه في تكليف عباده، وجملة: {وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِٱلْحَقّ } من تمام ما قبلها من نفي التكليف بما فوق الوسع والمراد بالكتاب: صحائف الأعمال، أي عندنا كتاب قد أثبت فيه أعمال كل واحد من المكلفين على ما هي عليه، ومعنى {يَنطِقُ بِٱلْحَقّ }: يظهر به الحق المطابق للواقع من دون زيادة ولا نقص، ومثله قوله سبحانه: {أية : هَـٰذَا كِتَـٰبُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } تفسير : [الجاثية: 29]. وفي هذا تهديد للعصاة وتأنيس للمطيعين من الحيف والظلم. وقيل: المراد بالكتاب: اللوح المحفوظ، فإنه قد كتب فيه كل شيء. وقيل: المراد بالكتاب: القرآن، والأوّل أولى. وفي هذه الآية تشبيه للكتاب بمن يصدر عنه البيان بالنطق بلسانه، فإن الكتاب يعرب عما فيه كما يعرب الناطق المحق، وقوله: {بِٱلْحَقّ }، يتعلق بـ {ينطق} أو بمحذوف هو حال من فاعله، أي ينطق ملتبساً بالحق، وجملة: {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } مبينة لما قبلها من تفضله وعدله في جزاء عباده، أي لا يظلمون بنقص ثواب أو بزيادة عقاب، ومثله قوله سبحانه: {أية : وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا }تفسير : [الكهف: 49]، ثم أضرب سبحانه عن هذا فقال: {بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مّنْ هَـٰذَا } والضمير للكفار، أي بل قلوب الكفار في غمرة غامرة لها عن هذا الكتاب الذي ينطق بالحق، أو عن الأمر الذي عليه المؤمنون، يقال غمره الماء: إذا غطاه، ونهر غمر: يغطي من دخله، والمراد بها هنا: الغطاء والعمه أو الحيرة والعمى، وقد تقدّم الكلام على الغمرة قريباً {وَلَهُمْ أَعْمَـٰلٌ مّن دُونِ ذٰلِكَ } قال قتادة ومجاهد: أي لهم خطايا لا بدّ أن يعملوها من دون الحق. وقال الحسن وابن زيد: المعنى: ولهم أعمال رديئة لم يعملوها من دون ما هم عليه لا بدّ أن يعملوها فيدخلون بها النار، فالإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إما إلى أعمال المؤمنين، أو إلى أعمال الكفار، أي لهم أعمال من دون أعمال المؤمنين التي ذكرها الله، أو من دون أعمال الكفار التي تقدّم ذكرها من كون قلوبهم في غفلة عظيمة مما ذكر، وهي فنون كفرهم ومعاصيهم التي من جملتها ما سيأتي من طعنهم في القرآن. قال الواحدي: إجماع المفسرين وأصحاب المعاني على أن هذا إخبار عما سيعملونها من أعمالهم الخبيثة التي كتبت عليهم لا بدّ لهم أن يعملوها، وجملة: {هُمْ لَهَا عَـٰمِلُونَ } مقرّرة لما قبلها، أي واجب عليهم أن يعملوها فيدخلوا بها النار لما سبق لهم من الشقاوة لا محيص لهم عن ذلك. ثم رجع سبحانه إلى وصف الكفار فقال: {حَتَّىٰ إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِٱلْعَذَابِ } حتى هذه هي التي يبتدأ بعدها الكلام، والكلام هو الجملة الشرطية المذكورة، وهذه الجملة مبينة لما قبلها، والضمير في: {مترفيهم} راجع إلى من تقدّم ذكره من الكفار. والمراد بالمترفين: المتنعمين منهم، وهم الذين أمدهم الله بما تقدم ذكره من المال والبنين، أو المراد بهم الرؤساء منهم. والمراد بالعذاب هو: عذابهم بالسيف يوم بدر، أو بالجوع بدعاء النبيّ صلى الله عليه وسلم عليهم حيث قال: "حديث : اللّهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف"تفسير : . وقيل: المراد بالعذاب: عذاب الآخرة؛ ورجح هذا بأن ما يقع منهم من الجؤار إنما يكون عند عذاب الآخرة، لأنه الاستغاثة بالله ولم يقع منهم ذلك يوم بدر ولا في سني الجوع، ويجاب عنه بأن الجؤار في اللغة: الصراخ والصياح. قال الجوهري: الجؤار مثل الخوار. يقال: جأر، الثور يجأر أي صاح. وقد وقع منهم ومن أهلهم وأولادهم عندما أن عذبوا بالسيف يوم بدر، وبالجوع في سني الجوع، وليس الجؤار ها هنا مقيد بالجؤار الذي هو التضرّع بالدعاء حتى يتم ما ذكره ذلك القائل، وجملة: {إذا هم يجأرون} جواب الشرط، وإذا هي الفجائية، والمعنى: حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب فاجئوا بالصراخ. ثم أخبر سبحانه أنه يقال لهم حينئذٍ على جهة التبكيت: {لاَ تَجْـئَرُواْ ٱلْيَوْمَ } فالقول مضمر، والجملة مسوقة لتبكيتهم وإقناطهم وقطع أطماعهم، وخصص سبحانه المترفين مع أن العذاب لاحق بهم جميعاً واقع على مترفيهم وغير مترفيهم؛ لبيان أنهم بعد النعمة التي كانوا فيها صاروا على حالة تخالفها وتباينها، فانتقلوا من النعيم التامّ إلى الشقاء الخالص، وخصّ اليوم بالذكر للتهويل، وجملة: {إِنَّكُمْ مّنَّا لاَ تُنصَرُونَ } تعليل للنهي عن الجؤار، والمعنى: إنكم من عذابنا لا تمنعون ولا ينفعكم جزعكم. وقيل المعنى: إنكم لا يلحقكم من جهتنا نصرة تمنعكم مما دهمكم من العذاب. ثم عدّد سبحانه عليهم قبائحهم توبيخاً لهم فقال: {قَدْ كَانَتْ ءَايَـتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ } أي في الدنيا؛ وهي آيات القرآن {فَكُنتُمْ عَلَىٰ أَعْقَـٰبِكُمْ تَنكِصُونَ } أي ترجعون وراءكم، وأصل النكوص: أن يرجع القهقرى، ومنه قول الشاعر:شعر : زعموا أنهم على سبل الحق وأنا نكص على الأعقاب تفسير : وهو هنا استعارة للإعراض عن الحق، وقرأ عليّ بن أبي طالب: "على أدباركم" بدل: {عَلَىٰ أَعْقَـٰبِكُمْ تَنكِصُونَ } بضم الكاف، وعلى أعقابكم متعلق {بتنكصون} أو متعلق بمحذوف وقع حالاً من فاعل تنكصون {مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ } الضمير في: {به} راجع إلى البيت العتيق، وقيل: للحرم، والذي سوّغ الإضمار قبل الذكر اشتهارهم بالاستكبار به وافتخارهم بولايته والقيام به، وكانوا يقولون: لا يظهر علينا أحد لأنا أهل الحرم وخدّامه. وإلى هذا ذهب جمهور المفسرين. وقيل: الضمير عائد إلى القرآن، والمعنى: أن سماعه يحدث لهم كبراً وطغياناً فلا يؤمنون به. قال ابن عطية: وهذا قول جيد. وقال النحاس: القول الأوّل أولى وبينه بما ذكرنا. فعلى القول الأوّل يكون {به} متعلقاً بـ {مستكبرين}، وعلى الثاني يكون متعلقاً بـ {سَـٰمِراً } لأنهم كانوا يجتمعون حول البيت بالليل يسمرون، وكان عامة سمرهم ذكر القرآن والطعن فيه، والسامر كالحاضر في الإطلاق على الجمع. قال الواحدي: السامر: الجماعة يسمرون بالليل، أي يتحدّثون، ويجوز أن يتعلق {بِهِ } بقوله: {تَهْجُرُونَ } والهجر بالفتح: الهذيان، أي تهذون في شأن القرآن، ويجوز أن يكون من الهجر بالضم، وهو الفحش. وقرأ ابن مسعود وابن عباس وابن عمر وأبو حيوة: "سمرا" بضم السين وفتح الميم مشدّدة، وقرأ زيد بن علي وأبو رجاء (سمارا) ورويت هذه القراءة عن ابن عباس، وانتصاب {سامرا} على الحال، إما من فاعل {تنكصون} أو من الضمير في {مستكبرين} وقيل: هو مصدر جاء على لفظ الفاعل، يقال: قوم سامر، ومنه قول الشاعر:شعر : كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا أنيس ولم يسمر بمكة سامر تفسير : قال الراغب: ويقال: سامر وسمار، وسمر وسامرون. قرأ الجمهور: "تهجرون" بفتح التاء المثناة من فوق وضم الجيم. وقرأ نافع. وابن محيصن بضم التاء وكسر الجيم من أهجر، أي أفحش في منطقه. وقرأ زيد بن علي وابن محيصن وأبو نهيك بضم التاء وفتح الهاء وكسر الجيم مشدّدة مضارع هجر بالتشديد. وقرأ ابن أبي عاصم كالجمهور إلا أنه بالياء التحتية، وفيه التفات. وقد أخرج الفريابي وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وابن ماجه، وابن أبي الدنيا في نعت الخائفين، وابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله، قول الله: {وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ } أهو الرجل يسرق ويزني ويشرب الخمر وهو مع ذلك يخاف الله؟ قال: حديث : لا، ولكنه الرجل يصوم ويتصدق ويصلي، وهو مع ذلك يخاف الله أن لا يتقبل منه»تفسير : . وأخرج ابن أبي الدنيا وابن جرير، وابن الأنباري في المصاحف وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قالت عائشة: يا رسول الله، فذكر نحوه. وأخرج عبد الرزاق عن ابن عباس في قوله: {وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا ءَاتَواْ } قال: يعطون ما أعطوا. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله: {وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ } قال: يعملون خائفين. وأخرج الفريابي وابن جرير عن ابن عمر {وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا ءاتَواْ } قال: الزكاة. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن عائشة: {وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا ءاتَواْ } قالت: هم الذين يخشون الله ويطيعونه. وأخرج عبد بن حميد عن ابن أبي مليكة قال: قالت عائشة: لأن تكون هذه الآية كما أقرأ أحبّ إليّ من حمر النعم، فقال لها ابن عباس: ما هي؟ قالت: {ٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا ءَاتَواْ } وقد قدّمنا ذكر قراءتها ومعناها. وأخرج سعيد بن منصور وابن مردويه عنها، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قرأ: {وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا ءَاتَواْ } مقصوراً من المجيء. وأخرج سعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد، والبخاري في تاريخه، وابن المنذر وابن أبي شيبة، وابن الأنباري في المصاحف، والدارقطني في الأفراد، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن عبيد بن عمير؛ أنه سأل عائشة: كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية: {وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا ءَاتَواْ }؟ قالت: أيتهما أحبّ إليك؟ قلت: والذي نفسي بيده لأحدهما أحبّ إليّ من الدنيا وما فيها جميعاً، قالت: أيهما؟ قلت: "ٱلَّذِينَ يَأْتُونَ مَا ءاتَواْ" فقالت: أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرؤها كذلك، وكذلك أنزلت، ولكن الهجاء حرّف. وفي إسناده إسماعيل بن عليّ وهو ضعيف. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {أُوْلَـٰئِكَ يُسَـٰرِعُونَ فِي ٱلْخَيْرٰتِ وَهُمْ لَهَا سَـٰبِقُونَ } قال: سبقت لهم السعادة من الله. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مّنْ هَـٰذَا } يعني بالغمرة: الكفر والشك {وَلَهُمْ أَعْمَـٰلٌ مّن دُونِ ذٰلِكَ } يقول: أعمال سيئة دون الشرك {هُمْ لَهَا عَـٰمِلُونَ } قال: لا بدّ لهم أن يعملوها. وأخرج النسائي عنه: {حَتَّىٰ إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِٱلْعَذَابِ } قال: هم أهل بدر. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله: {إذا هم يجأرون} قال: يستغيثون، وفي قوله: {فَكُنتُمْ عَلَىٰ أَعْقَـٰبِكُمْ تَنكِصُونَ } قال: تدبرون، وفي قوله: {سَـٰمِراً تَهْجُرُونَ } قال: تسمرون حول البيت وتقولون هجراً. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه {مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ } قال: بحرم الله أنه لا يظهر عليهم فيه أحد. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عنه أيضاً: {سَـٰمِراً تَهْجُرُونَ } قال: كانت قريش يتحلقون حلقاً يتحدّثون حول البيت. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ: {مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَـٰمِراً تَهْجُرُونَ } قال: كان المشركون يهجرون برسول الله صلى الله عليه وسلم في القول في سمرهم. وأخرج النسائي وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن ابن عباس قال: إنما كره السمر حين نزلت هذه الآية: {مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَـٰمِراً تَهْجُرُونَ }.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} فيه وجهان: أحدهما: يعني الزكاء. الثاني: أعمال البر كلها. {وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} أي خائفة. قال بعض أصحب الخواطر: وجل العارف من طاعته أكثر من وجِلِه من مخالفته لأن المخالفة تمحوها التوبة، والطاعة تطلب لتصحيح الغرض. {أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} فيه وجهان: أحدهما: يخافون ألا ينجوا من عذابه إذا قدموا عليه. الثاني: يخافون أن لا تقبل أعمالهم إذا عرضت عليهم. روته عائشة مرفوعاً. قوله عز وجل: {أُوْلئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ} يحتمل وجهين: أحدهما: يستكثرون منها لأن المسارع مستكثر. الثاني: يسابقون إليها لأن المسارع سابق. {وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} فيه وجهان: أحدهما: وهم بها سابقون إلى الجنة. الثاني: وهم إلى فعلها سابقون. وفيه وجه ثالث: وهم لمن تقدمهم من الأمم سابقون، قاله الكلبي.

ابن عطية

تفسير : لما فرغ ذكر الكفرة وتوعدهم عقب ذلك ذكر المؤمنين ووعدهم وذكرهم بأبلغ صفاتهم، و"الإشفاق" أبلغ التوقع والخوف، و {من}، في قوله {من خشية} هي لبيان جنس الإشفاق، والإشفاق إنما هو من عذا ب الله، و {من}، في قوله {من عذاب} هي لابتداء غاية و"الآيات" تعم القرآن وتعم العبر والمصنوعات التي لله وغير ذلك مما فيه نظر واعتبار وفي كل شيء له آية، ثم ذكرهم تعالى من الطرف الآخر وهو نفي الإشراك لأن لكفار قريش أن يقولوا ونحن نؤمن بآيات ربنا ويريدون نصدق بأنه المخترع الخالق فذكر تعالى نفي الإشراك الذي لا حظ لهم فيه بسبب أصنامهم، وقوله {والذين يؤتون ما آتوا} على قراءة الجمهور، يعطون ما أعطوا وقال الطبري: يريد الزكاة المفروضة وسائر الصدقة، وروي نحوه عن ابن عمر ومجاهد ع وإنما ضمهم إلى هذا التخصيص أن العطاء مستعمل في المال على الأغلب، قال ابن عباس وابن جبير: هو عام في جميع أعمال البر، وهذا أحسن كأنه قال: والذين يعطون من أنفسهم في طاعة الله ما بلغه جهدهم، وقرأت عائشة أم المؤمنين وابن عباس وقتادة والأعمش "يأتون ما أتوا" ومعناه يفعلون ما فعلوا ورويت هذه القراءة عن النبي صلى الله عليه وسلم وذهبت فرقة إلى أن معناه من المعاصي، وذهبت فرقة إلى أن ذلك في جميع الأعمال طاعتها ومعصيتها وهذا أمدح، وأسند الطبري عن عائشة أنها قالت يا رسول الله قوله تعالى {يؤتون ما آتوا} هي في الذي يزني ويسرق قال "حديث : لا يا بنت أبي بكر بل هي في الرجل يصوم ويتصدق وقلبه وجل يخاف أن لا يتقبل منه ". تفسير : قال القاضي أبو محمد: ولا نظر مع الحديث، و"الوجل" نحو الإشفاق والخوف وصورة هذا الوجل أما المخلط فينبغي أن يكون أبداً تحت خوف من أن يكون ينفذ عليه الوعيد بتخليطه، وأما التقي والتائب فخوفه أمر الخاتمة وما يطلع عليه بعد الموت، وفي قوله تعالى {أنهم إلى ربهم راجعون} تنبيه على الخاتمة، وقال الحسن: معناه الذين يفعلون ما يفعلون من البر ويخافون أن لا ينجيهم ذلك من عذاب ربهم ع وهذه عبارة حسنة، وروي عن الحسن أيضاً أنه قال: المؤمن يجمع إحساناً وشفقة والمنافق يجمع إساءة وأمناً، وقرأ الجمهور "أنهم" بفتح الألف والتقدير بأنهم أو لأنهم أو من أجل أنهم ويحتمل أن يكون قوله {وجلة} عاملة في "أن" من حيث إنها بمعنى خائفة. وقرأ الأعمش "إنهم" بالكسر على إخبار مقطوع في ضمنه تخويف، ثم أخبر تعالى عنهم بأنهم يبادرون إلى فعل الخيرات، وقرأ الجمهور "يسارعون" وقرأ الحر النحوي "يسرعون وأنهم إليها سابقون"، وهذا قول بعضهم في قوله لها، وقالت فرقة: معناه وهم من أجلها سابقون، فالسابق على هذا التأويل هو إلى رضوان الله تعالى وعلى الأول هو إلى الخيرات، وقال الطبري عن ابن عباس: المعنى سبقت لهم السعادة في الأزل فهم لها ورجحه الطبري بأن اللام متمكنة في المعنى.

النسفي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مّنْ خَشْيةِ رَبّهِمْ مُّشْفِقُونَ } أي خائفون {وَٱلَّذِينَ هُم بِـئَايَـٰتِ رَبَّهِمْ يُؤْمِنُونَ } أي بكتب الله كلها لا يفرقون بين كتبه كالذين تقطعوا أمرهم بينهم وهم أهل الكتاب {وَٱلَّذِينَ هُم بِرَبّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ } كمشركي العرب {وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا ءاتَواْ } أي يعطون ما أعطوا من الزكاة والصدقات. وقريء {يأتون ما أتوا} بالقصر أي يفعلون ما فعلوا {وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ } خائفة أي لا تقبل منهم لتقصيرهم {أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبّهِمْ رٰجِعُونَ } الجمهور على أن التقدير لأنهم وخبر {إن الذين} {أُوْلَـئِكَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرٰتِ } يرغبون في الطاعات فيبادرونها {وَهُمْ لَهَا سَـٰبِقُونَ } أي لأجل الخيرات سابقون إلى الجنات أو لأجلها سبقوا الناس. {وَلاَ نُكَلّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا } أي طاقتها يعني أن الذي وصف به الصالحون غير خارج عن حد الوسع والطاقة، وكذلك كل ما كلفه عباده وهو رد على من جوز تكليف ما لا يطاق {وَلَدَيْنَا كِتَابٌ } أي اللوح أو صحيفة الأعمال {يَنطِقُ بِٱلْحَقّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } لا يقرؤون منه يوم القيامة إلا ما هو صدق وعدل لا زيادة فيه ولا نقصان، ولا يظلم منهم أحد بزيادة عقاب أو نقصان ثواب أو بتكليف ما لا وسع له به {بَلْ قُلُوبُهُمْ فِى غَمْرَةٍ مّنْ هَـٰذَا } بل قلوب الكفرة في غفلة غامرة لها مما عليه هؤلاء الموصوفون من المؤمنين {وَلَهُمْ أَعْمَـٰلٌ مّن دُونِ ذٰلِكَ } أي ولهم أعمال خبيثة متجاوزة متخطية لذلك أي لما وصف به المؤمنون {هُمْ لَهَا عَـٰمِلُونَ } وعليها مقيمون لا يفطمون عنها حتى يأخذهم الله بالعذاب {حَتَّىٰ إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ } متنعميهم {بِٱلْعَذَابِ } عذاب الدنيا وهو القحط سبع سنين حين دعا عليهم النبي عليه الصلاة والسلام، أو قتلهم يوم بدر. و «حتى» هي التي يبتدأ بعدها الكلام والكلام الجملة الشرطية {إذا هم يجئرون} يصرخون استغاثة والجؤار الصراخ باستغاثة فيقال لهم

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {تهجرون} بضم التاء وكسر الجيم: نافع. الآخرون بفتح التاء وضم الجيم {خرجاً فخرج} بغير الالف فيهما: ابن عامر كلاهما بالألف حمزة وعلي وخلف. الباقون بحذف الألف من الأول وإثباتها في الثاني {فتحنا} بالتشديد: يزيد {سيقولون الله} الثانية والثالثة: أبو عمرو وسهل ويعقوب. الآخرون باللام فيهما كالأول حملا على المعنى لأن قولك "من رب هذا" "ولمن هذا" في معنى واحد. الوقوف: {مشفقون} ه لا {يؤمنون} لا {يشركون} ه لا {راجعون} ه لا لأن الكل معطوفات على اسم "إن" والخبر {أولئك} الجملة {سابقون} ه لا {يظلمون} ه {عاملون} ه {يجأرون} ه لا لحق القول {لا تنصرون} ه {تنكصون} ه لا لأن ما بعده حال {مستكبرين} ه قد قيل: على جعل الجار والمجرور مفعول {سامراً} أو مفعول {تهجرون} ه {الأولين} ه {منكرون} ه لصورة الاستفهام وهو العطف {جنة} ط {كارهون} ه {فيهن} ط {معرضون} ه ط لأن الاستفهام إنكار {خير} ز وقد قيل: بناء على أن الواو للابتداء والحال أوجه. {الرازقين} ه {مستقيم} ه {الناكبون} ه {يعمهون} ه {يتضرعون} ه {مبلسون} ه {والأفئدة} ط {تشكرون} ه {تحشرون} ه {والنهار} ط {تعقلون} ه {الأوّلون} ه {لمبعوثون} ه {الأوّلين} ه {تعملون} ه {لله} ط {تذكرون} ه {العظيم} ه {لله} ط {تتقون} ه {تعلمون} ه {لله} ط {تسحرون} ه {لكاذبون} ه. التفسير: إنه سبحانه لما نفى الخيرات الحقيقية عن الكفرة المتنعمين أتبعه ذكر من هو أهل للخيرات عاجلاً وآجلاً فوصفهم بصفات أربع: الأولى الإشفاق من خشية ربهم وظاهره ينبئ عن تكرار، لأن الإشفاق يتضمن الخشية فمنهم من قال: جمع بينهما للتأكيد، ومنهم من حمل الخشية على العذاب أي من عذاب ربهم مشفقون وهو قول الكلبي ومقاتل، ومنهم من حمل الإشفاق على اثره وهو الدوام في الطاعة. والمعنى الذين هم من خشيته دائمون على طاعته جادّون في طلب مرضاته. ومنهم من قال: الإشفاق كمال الخوف اي هم من سخط الله عاجلاً ومن عقابه آجلاً في نهاية الخوف، ويلزم ذلك أن يكونوا في غاية الاحتراز عن المعاصي. وفيه أنهم إذا كانوا خائفين من الخشية فلأن يخافوا من عدم الخشية أولى. الثانية قوله {والذين هم بآيات ربهم يؤمنون} والظاهر أنها القرآن. وقيل: هي المخلوقات الدالة على وجود الصانع. وليس المراد التصديق بوجودها فقط فإن ذلك معلوم بالضرورة فلا يوجب المدح، بل التصديق بكونها دلائل موصلة إلى العرفان ويتبعه الإقرار اللساني ظاهراً. الثالثة التبري عما سوى الله ظاهراً وباطناً بأن لايشرك به طرفة عين. الرابعة قوله {والذين يؤتون ما آتوا} أي يعطون ما أعطوا {وقلوبهم وجلة} خائفة في شأن ذلك الإعطاء. ثم علل ذلك الوجل بقوله {أنهم} اي لأنهم {إلى ربهم راجعون} فإن من اعتقد الرجوع إلى الجزاء والمساءلة ونشر الصحف وتتبع الأعمال وعلم أن المجازي هو الذي لا يخفى عليه الضمائر والسرائر لم يخل عمله من حسن النية وخلوص الطوية بحيث يكون أبعد عن الرياء وأدخل في الإخلاص. والظاهر أن هذا الإيتاء مختص بالزكاة والتصدق، ويحتمل أن يراد إعطاء كل فعل أو خصلة أي إتيانها يؤيده ما روي حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ {ويأتون ما أتوا} أي يفعلون ما فعلوا. وعن عائشة أنها قالت: قلت يا رسول الله هو الذي يزني ويسرق ويشرب الخمر وهو على ذلك يخاف الله؟ قال: لا يا بنت الصديق ولكن هو الذي يصلي ويصوم ويتصدق وهو على ذلك يخاف الله أن لا يقبل منه. تفسير : وفي قوله {يسارعون في الخيرات} معنيان: أحدهما يرغبون في الطاعات اشد الرغبة فيبادرونها، والثاني أنهم يتعجلون في الدنيا وجوه المنافع والإكرام لأنهم إذا سورع بها لهم فقد سارعوا في نيلها. قال جار الله: وهذا الوجه أحسن طباقاً للآية المتقدمة لأن فيه إثبات ما نفى عن الكفار للمؤمنين. وقال في قوله {وهم لها سابقون} إنه متروك المفعول أو منويه أي فاعلون السبق لأجلها أو سابقون الناس لأجلها، والمراد إياها سابقون كقولك "هو لزيد ضارب" بمعنى "هو زيداً ضارب" جئت باللام لضعف عمل اسم الفاعل ولا سيما فيما قبله، والمعنى أنهم ينالون الخيرات قبل الأخرى حيث عجلت لهم في الدنيا. وجوّز أن يكون {لها سابقون} خبرين أحدهما بعد الآخر كقولك "هذا هو" لهذا الأمر أي صالح له. وحين أنجر الكلام إلى ذكر أعمال المكلفين ذكر حكمين لهما الأوّل قوله {ولا نكلف نفساً إلا وسعها} وفي الوسع قولان: أحدهما أنه الطاقة والآخر أنه دون الطاقة وهو قول المعتزلة ومقاتل والضحاك والكلبي، لأنه اتسع فيه على المكلف ولم يضيق مثاله إن لم يستطيع أن يصلي قائماً فليصل قاعداً وإلا فليوم إيماء. وفيه أن هذا الذي وصف به الصالحين غير خارج من وسعهم. الثاني قوله {ولدينا كتاب ينطق} والمراد ينطقه إثبات كل عمل فيه وهو اللوح أو صحيفة الأعمال لا يقرأون منها يوم القيامة إلا ما هو صدق وعدل. والبحث بين الأشاعرة والمعتزلة في مثل هذا المقام معلوم. أما قوله {بل قلوبهم في غمرة من هذا} ففيه طريقان: أحدهما رادع إلى الكفار والمعنى بل قلوب الكفار في غفلة غامرة لها من هذا الذي بيناه في القرآن، أو من هذا الذي ينطق بالحق أو الذي عليه هؤلاء المؤمنون. {ولهم أعمال} متجاوزة لذلك الذي وصف به المؤمنون كمتابعة الهوى وطلب الدنيا والإعراض عن المولى. {هم لها عاملون} في الحال على سبيل الاعتياد لا يفطمون عنها حتى يأخذهم العذاب أو في الاستقبال لأنها مبينة في علم الله مكتوبة في اللوح عليهم أن يعملوا بها حكم الشقاء الأزلي. وثانيهما وهو اختيار أبي مسلم أن هذه الآيات من صفات المشفقين كأنه سبحانه قال بعد وصفهم {ولا نكلف نفساً إلا وسعها} ونهايته ما أتى به هؤلاء. {ولدينا كتاب} يحفظ أعمالهم. {بل قلوبهم في غمرة من هذا} الذي وصفناهم به أهو مقبول عند الله أم مردود {ولهم أعمال} من {دون ذلك} الذي وصف {هم لها عاملون} وهي النوافل السرية والأعمال القلبية. ثم إنه رجع إلى وصف الكفار بقوله {حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب} وهو عذاب الآخرة أو قتلهم يوم بدر أو الجوع حين دعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: حديث : اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسنيّ يوسفتفسير : . فابتلاهم الله بالقحط حتى أكلوا الجيف والكلاب والعظام المحترقة واقدّ والأولاد. والجؤار الصراخ باستغاثة. ثم أخبر أنه يقال لهم حينئذ على جهة التبكيت {لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون} لا تغاثون من جهتنا أو لا تمنعون منا، ثم عدد عليهم التوبيخ بمقابحهم. ومعنى النكوص على العقبين التباعد عن الحق والتجافي عنه كمن رجع على ورائه وقد مر في "الأنعام". وفي مرجع الضمير في {به} أقوال: أحدها أنه للبيت العتيق أو للحرم. والذي سوّغ هذا الإضمار شهرتهم بالاستكبار بالبيت والتفاخر بولايته والقيام به وكانوا يقولون لا يظهر علينا أحد لأنا أهل الحرم. وثانيها مستكبرين بهذا التراجع والتباعد. وثالثها مستكبرين بالقرآن على تضمين الاستكبار معنى التكذيب، أو على أن الباء للسببية لأن سماع القرآن كان يحدث لهم استكباراً وعتوّاً. ورابعها أنه يتعلق بـ {ـسامراً} أو بـ {ـتهجرون} والهجر بالضم الفحش وبالفتح الهذيان،و أهجر في منطقه إذا أفحش. والضمير للقرآن أو للنبي أي تسمرون بذكر القرآن وبالطعن فيه أو في النبي، وكانت عامة سمرهم حول البيت ذكر القرآن وتسميته سحراً وشعراً وسب رسول الله صلى الله عليه وسلم والسامر نحو الحاضر في الإطلاق على الجمع. ثم بين أن سبب إقدامهم على الكفر أحد أمور اربعة: الأوّل عدم التدبر في القرآن لأنهم إن تدبروه وتأملوا مبانيه ومعانيه ظهر لهم صدقه وإعجازه فيصدقوا به وبمن جاء به. الثاني قوله {أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الولين} والمراد أمر الرسالة. ثم المقصود تقرير أنه لم يأت آباءهم الأقربين رسول كقوله {أية : لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم}تفسير : [يس: 6] فلذلك أنكروه واستبعدوه، أو تقرير أنه أتى آباءهم الأقدمين رسل وذلك أنهم عرفوا بالتواتر أن رسل الله فيهم كثيرة وكانت الأمم بين مصدق ناج وبين مكذب هالك بعذاب الاستئصال، فما دعاهم ذلك إلى تصديق هذا الرسول وآباؤهم إسماعيل وأعقابه من عدنان وقحطان. وقيل: إراد أفلم يدبروا القرآن فيخافوا عند تدبر آياته وأقاصيصه مثل ما نزل بمن قبلهم من المكذبين، أم جاءهم من الأمن ما لم يأت آباءهم حين خافوا الله فآمنوا به وبكتبه ورسله وأطاعوه؟ عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : لا تسبوا مضر ولا ربيعة فإنهما كانا مسلمين ولا تسبوا قساً فإنه كان مسلماً ولا تسبوا الحرث بن كعب ولا اسد بن خزيمة ولا تميم بن مر فإنهم كانوا على الإسلام وما شككتم فيه من شيء فلا تشكوا في أن تبعاً كان مسلماً" تفسير : الثالث قوله {أم لم يعرفوا} نبه بذلك على أنهم عرفوه وعرفوا صحة نسبته وأمانته فكيف كذبوه بعد أن اتفقت كلمتهم على أنه أمين؟ الرابع نسبتهم إياه إلى الجنون وكانوا يعلمون أنه أرجحهم عقلاً ولكنه جاء بما يخالف هواهم فتشككوا في أمره أو شككوا العوام إبقاء على مناصبهم ورياستهم. ثم أضرب عن أقوالهم منبهاً على مصدوقية أمر النبي فقال {بل جاءهم} متلبساً {بالحق} أو الباء للتعدية والحق الدين القويم والصراط المستقيم {وأكثرهم للحق كارهون} واقلهم كانوا لا يكرهونه وإن لم يظهروا الإيمان به خوفاً من قالة الأعداء كما يحكى عن ابي طالب، ولهذا جاء الخلاف في صحة إسلامه. ثم بين أن الإلهية تقتضي الاستقلال في الأوامر والنواهي، وأن الحق والصواب ينحصر فيما دبره إله العالمين وقدّره فقال {ولو اتبع الحق أهواءهم} نظيره ما مر في قوله {أية : لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا}تفسير : [الأنبياء: 22] وقيل: الحق الإسلام، والمراد لو انقلب الإسلام شركاً كما تقتضيه أهواؤهم لجاء الله بالقيامة، ولأهلك العالم ولم يؤخر. وعن قتادة: الحق هو الله، والمعنى لو كان الله آمراً بالشرك والمعاصي على وفق آرائهم لما كان إلهاً ولكان شيطاناً فلا يقدر على إمساك السموات والأرض، وحينئذ يختل نظام العالم. ثم ذكر أن نزول القرآن عليهم من جملة الحق فقال {بل أتيناهم بذكرهم} إن كانت الباء للتعدية فظاهر، وإن كانت للمصاحبة فعلى حذف مضاف اي أتاهم رسولنا متلبساً بالكتاب الذي هو ذكرهم أي وعظهم أوصيتهم وفخرهم، أو الإضافة بدل اللام العهدي أي بالذكر الذي كانوا يتمنونه ويقولون {أية : لو أن عندنا ذكراً من الأولين لكنا عباد الله المخلصين}تفسير : [الصافات: 168 ـ 169] ثم بيّن أن دعوته ليست مشوبة بالطمع الموجب للنفرة فقال {أم تسألهم خرجاً} أي جعلاً وكذا الخراج وقد مر في آخر الكهف. وقيل: الخرج أقل ولذا قرأ الأكثرون {خرجاً فخراج} يعني أم تسألهم على هدايتك لهم قليلاً من عطاء الخلق فالكثير من عطاء الخالق خير. وحين أثبت لرسوله مواجب قبول قوله ونفى عنه أضدادها صرح بمضمون أمره ومكنون سره فقال {وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم} هو دين الإسلام لا تدعوهم إلى غيره من الطرق المنحرفة عن جادة الصواب، وأشار إلى هذه الطرق بقوله {وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة} هم المذكورون فيما تقدم أو كل من لا يؤمن بالآخرة عن {الصراط} المستقيم المذكور {لناكبون} والتركيب يدور على العدول عن القصد ومنه المنكب لمجمع عظم العضد والكتف، والنكباء للريح التي تعدل عن مهاب الرياح للقوم. ثم بين إصرارهم على الكفر بقوله {ولو رحمناهم} الآية. حديث : يروى أنه لما أسلم ثمامة بن أثال الحنفي ولحق باليمامة ومنه الميرة عن أهل مكة وأخذهم الله بالسنين حتى أكلوا العلهز، جاء أبو سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أنشدك الله والرحم ألست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين؟ فقال: بلى. فقال الاباء بالسيف والأبناء بالجوع فادع الله أن يكشف عنا الضر تفسير : فأنزل الله الآية. والمعنى لو كشف الله برحمته هذا الهزال والجوع عنهم لأصروا على ما هم فيه من الطغيان. ثم استشهد على ذلك بقوله {ولقد أخذناهم} اي قبل ذلك {بالعذاب} يعني ما جرى عليهم يوم بدر {فما استكانوا لربهم} أي ما خضعوا له وقد مر اشتقاقه في "آل عمران" {وما يتضرعون} عدل إلى المضارع لأنه أراد وما من عادة هؤلاء أن يتضرعوا حتى فتحنا عليهم باب العذاب الشديد وهو الجوع الذي هو أشد من الأسر والقتل، فأبلسوا الساعة أي خضعت رقابهم وجاء أعتاهم واشدهم شكيمة وأخشنهم عريكة يستعطفك. ويحتمل أن يراد محناهم بكل محنة من القتل والجوع فما شوهد منهم انقياد للحق وهم كذلك إذ عذبوا بنار جهنم فحينئذ يبلسون، والإبلاس السكوت مع تحير أو الياس من كل خير. ثم نبه بقوله {وهو الذي أنشأ لكم} على أن اسباب التأمل في الدلائل موجودة، وابواب الأعذار بالكلية مسدودة، فما كفر من كفر ولا عند من عند إلا للشقاء الأزلي. وفي قوله {قليلاً ما تشكرون} أي تشكرون شكراً قليلاً "وما" مزيدة للتوكيد دليل على أن المقر أقل من الجاحد. وعن أبي مسلم أنه قال: اراد بالقلة العدم. وفي الآية ثلاثة معان: أحدها إظهار النعمة. وثانيها مطالبة العباد بالشكر عليها فشكر السمع أن لا يسمع إلا لله وبالله ومن الله، وشكر البصر أن ينظر بنظر العبرة لله وبالله وإلى الله، وشكر الفؤاد تصفيته عن رين الأخلاق الذميمة وقطع تعلقه عن الكونين لشهوده بالله. وثالثها الشكاية أن الشاكر قليل. ثم بين دلائل أخر على الوحدانية فقال {وهو الذي ذرأكم} اي خلقكم وبثكم في الأرض للتناسل وإلى حيث لا مالك سواه تحشرون بعد تفرقكم {وهو الذي يحيي ويميت} وفيه مع تذكر نعمة الحياة بيان أن المقصود منها الانتقال إلى دار الثواب {وله اختلاف الليل والنهار} أي هو مختص بتصريفهما وأنهما يشبهان الموت والحياة. وفي قوله {أفلا تعقلون} توبيخ وتهديد. ثم نبه بقوله {بل قالوا} الآيات على أنه لا شبهة لهم في إنكار البعث إلا التشبث بحبل التقليد والاستبعاد. قال علماء المعاني: قوله {لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا} واراد على الأصل لأن التأكيد مذكور عقيب المؤكد وبعده المفعول الثاني. وأما في سورة النمل فسبب تقديم المفعول الثاني على الضمير وعلى المعطوف هو أنه اقتصر هناك على قوله {تراباً} والتراب أبعد في باب الإعادة من العظام، فقدم ليدل على مزيد الاعتناء به في شأن الاستنكار. ثم رد على منكري الإعادة أو على عبدة الأوثان بقوله {قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون} أي إن كان عندكم علم فأجيبوني وفيه استهانة بهم وتجهيل لهم بأمر الديانات حتى جوّز أن يشتبه عليهم مثل هذا المكشوف الجلي. وفي قوله {افلا تذكرون} ترغيب في التدبر وبعث على التأمل في أمر التوحيد والبعث، فإن من قدر على اختراع الأرض ومن فيها كان حقيقاً بأن لا يشرك به بعض خلقه وكان قادراً على إعادة ما أفناه، وفي قوله {أفلا تتقون} مثل هذا الترغيب مع التخويف وكان أولى بالآية الثانية لأجل التدرج ولتعظيم السموات والعرش، ولأن تذكر واجب الوجود مقدم على اتقاء مخالفته، قال جار الله: أجرت فلاناً على فلان إذا أغثته منه ومنعته يعني وهو يغيث من يشاء ممن يشاء ولا يغيث احد منه أحداً {إن كنتم تعلمون} بهذه الصفة غيره فأجيبوني به. ومعنى {تسحرون} تخدعون عن طاعته والخادع هو الشيطان والهوى. ثم بين بقوله {بل أتيناهم بالحق} أنه قد بالغ في الحجاج عليهم بهذه الآيات حتى استبان بما هو الحق والصدق {وإنهم} مع ذلك {لكاذبون} حيث يدعون له الولد والشريك وينسبون إليه العجز عن الإعادة. التأويل: {من خشية ربهم مشفقون}إشارة إلى استيلاء سلطان الهيبة في الحضور والغيبة {بآيات ربهم يؤمنون} هي ما يكاشف لهم من شواهد الحق في السر والعلانية {بربهم لا يشركون} هو ترك الملاحظة في رد الناس وقبولهم ومدحهم وذمهم وانقطاع النظر في المضار والضار عن الوسائط والأسباب {يسارعون في الخيرات} يتوجهون إلى الله وينقطعون عما سواه {وهم لها سابقون} على قدر سبق العناية {ولا نكلف نفساً إلا وسعها} كلفهم أن يقولوا لا إله إلا الله وهم قادرون على ذلك، وأمرهم بقبول دعوة الأنبياء وما هم بعد بعاجزين عنه، وقد كتب في اللوح أنهم يقدرون على هذه التكاليف. {وهم لا يظلمون} فلا يكلفون ما ليس في وسعهم واستعدادهم {وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها} مجرميهم بعذاب فساد الاستعداد لفسدت سموات أرواحهم وأرض نفوسهم ومن فيهن من القلب والسر {وهو خير الرازقين} فيه أن العلماء بالله عليهم أن لا يدنسوا وجوه قلوبهم الناضرة بدنس الأطماع الفارقة. {ولقد أخذناهم} أولاً بعذاب الغبن {حتى إذا فتحنا عليهم} باب عذاب الرين يحيي بنوره قلوب بعض عباده ويميت نفوسهم عن صفاتها الذميمة، أو يحيي بعض النفوس باتباع شهواتها ويميت بعض القلوب باستيلاء ظلمات الطبيعة عليها {وله اختلاف} ليل البشرية ونهار الروحانية أو طول ليل الفراق وقصر نهار الوصال {قالوا أئذا متنا} فيه أن الياس من الوصول والوصال ليس من شيم أهل الكمال فقد تقوم قيامة العشق فيبعث القلب الميت {أو من كان ميتاً فأحييناه} ملكوت كل شيء هي جهة روحانيته {وهو يجير} الأشياء بقيوميته عن الهلاك ولا مانع له ممن أراد به أن لا يجيره.

ابن عادل

تفسير : قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ} الآيات لمَّا ذمَّ من تقدّم بقوله: {أية : أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ} تفسير : [المؤمنون: 55] ثم قال: {أية : بَل لاَّ يَشْعُرُونَ} تفسير : [المؤمنون: 56]، بيّن بعده صفات من يُسارع في الخيرات، فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ}، والإشفاق يتضمن الخشية مع زيادة رقة وضعف. وقيل: جمع بينهما للتأكيد. ومنهم من حمل الخشية على العذاب، والمعنى: إن الذين هم من عذاب ربهم مشفقون أي: خائفون من عقابه. قوله: "مِنْ خَشْيَةِ" فيه وجهان: أحدهما: أنها لبيان الجنس. قال ابن عطية: هي لبيان جنس الإشفاق. قال شهاب الدين: وهي عبارة قَلِقَة. والثاني: أنها متعلقة بـ "مُشْفِقُونَ". قاله الحوفي، وهو واضح. قوله: {وَٱلَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبَّهِمْ يُؤْمِنُونَ} يصدّقون، وآيات الله هي المخلوقات الدالة على وجوده. {وَٱلَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ} وليس المراد منه الإيمان بالتوحيد ونفي الشريك لله - تعالى -، لأن ذلك داخل في قوله: {وَٱلَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبَّهِمْ يُؤْمِنُونَ} بل المراد منه نفي الشرك الخفيّ، وهو أن يكون مخلصاً في العبادة لا يقدم عليها إلا لوجه الله وطلب رضوانه. قوله: {وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ} العامة على أنه من الإيتاء، أي: يعطون ما أعطوا. وقرأت عائشة وابن عباس والحسن والأعمش: "يَأَتُونَ مَا أَتَوْا" من الإتيان، أي: يفعلون ما فعلوا من الطاعات. واقتصر أبو البقاء في ذكر الخلاف على "أَتَوْا" فقط، وليس بجيّد، لأنّه يوهم أن من قرأ "أَتَوْا" بالقصر قرأ "يُؤْتُونَ" من الرباعي وليس كذلك. قوله: {وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} هذه الجملة حال من فاعل "يُؤْتُونَ"، فالواو للحال، والمعنى: يعطون ما أعطوه، ويدخل فيه كل حق يلزم إيتاؤه سواء كان من حقوق الله كالزكوات، والكفارات وغيرها. أو من حقوق الآدميين، كالودائع، والديون وأصناف الإنصاف والعدل. وبيّن أن ذلك إنما ينفع إذا فعلوه "وقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ"، أي: إنهم يقدمون على العبادة على وجل من تقصير وإخلال بنقصان. حديث : روي أن عائشة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: {وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} أهو الذي يزني، ويشرب الخمر، ويسرق وهو على ذلك يخاف الله؟ فقال عليه السلام: "لا يا بنت الصديق، ولكن هو الرجل يصلي ويصوم ويتصدق، وهو على ذلك يخاف الله" تفسير : قوله: "أنَّهُمْ" يجوز أن يكون التقدير: وجلة مِنْ أنَّهُمْ أي: خائفة من رجوعهم إلى ربّهم. ويجوز أن يكون: لأنهم أي: سبب الوجل الرجوع إلى ربهم. قوله: {أُوْلَـٰئِكَ يُسَارِعُونَ} هذه الجملة خبر "إنَّ الَّذِينَ"، وقرأ الأعمش: "إنَّهُمْ" بالكسر، على الاستئناف، فالوقف على "وَجِلَةٌ" تام أو كاف. وقرأ الحسن: "يُسْرعُونَ" من أسْرَعَ. قال الزجاج: يُسَارِعُونَ أبلغ. يعني: من حيث إن المفاعلة تدل على قوة الفعل لأجل المبالغة. قوله: {وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} في الضمير في "لَهَا" أوجه: أظهرها: أنه يعود على الخيرات لتقدمها في اللفظ. وقيل: يعود على الجنة. وقال ابن عباس: إلى السعادة. وقال الكلبي: سبقوا الأمم إلى الخيرات. والظاهر أن "سَابِقُونَ" هو الخبر، و"لَهَا" متعلق به قُدّم للفاصلة وللاختصاص. واللام، قيل: بمعنى (إلى)، يقال: سبقت له، وإليه، بمعنى ومفعول "سَابِقُون" محذوف، تقديره: سابقون الناس إليها. وقيل: اللام للتعليل، أي: سابقون الناس لأجلها. وتكون هذه الجملة مؤكدة للجملة قبلها، وهي {يُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ}، ولأنها تفيد معنى آخر وهو الثبوت والاستقرار بعدما دلَّت الأولى على التجدد. وقال الزمخشري: أي: فاعلون السَّبق لأجلها، أو سابقون الناس لأجلها قال أبو حيان وهذان القولان عندي واحد. قال شهاب الدين: ليسا بواحد إذ مراده بالتقدير الأول: أن لا يقدر السبق مفعول ألبتة، وإنّما الغرض الإعلام بوقوع السبق منهم من غير نظرٍ إلى مَنْ سبقوه كقوله: {أية : يُحْيِي وَيُمِيتُ} تفسير : [البقرة: 258]، و{أية : كُلُوا واشْرَبُوا} تفسير : [البقرة: 187]، و"يعطي ويمنع" وغرضه في الثاني تقدير مفعول حذف للدلالة، واللام للعلة في التقديرين وقال الزمخشري أيضاً: أو: إيّاها سابقون. أي: ينالونها قبل الآخرة حيث عجلت لهم في الدنيا. قال شهاب الدين: يعني أن "لَهَا" هو المفعول بـ "سَابِقُونَ"، وتكون اللام قد زيدت في المفعول، وحسن زيادتها شيئان كل منهما لو انفرد لاقتضى الجواز، كَوْن العامل فرعاً، وكونه مقدّماً عليه معموله. قال أبو حيان: ولا يدل لفظ "لَهَا سَابِقُون" على هذا التفسير، لأنّ سبق الشيء الشيء يدل على تقديم السابق على المسبوق، فكيف يقول: وهم يسبقون الخيرات، هذا لا يصح. قال شهاب الدين: ولا أدري عدم الصحة من أي جهةٍ، وكأنّه تخيّل أنّ السابق يتقدم على المسبوق فكيف يتلاقيان؟ لكنّه كان ينبغي أن يقول: فكيف يقول: وهم ينالون الخيرات، وهم لا يجامعونها، لتقدمهم عليها إلاّ أن يكون قد سبقه القلم فكتب بدل (وهم ينالون) (وهم يسبقون) وعلى كل تقدير فأين عدم الصحة؟ وقال الزمخشري أيضاً: ويجوز أن يكون {وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} خبراً بعد خبرٍ ومعنى "وَهُمْ لَهَا" كمعنى قوله: شعر : 3801- أَنْتَ لَهَا أَحْمَد مِنَ بَيْنِ البَشَر تفسير : يعني: أن هذا الوصف الذي وصف به الصالحين غير خارج من حد الوسع والطاقة. فتحصل في اللام ثلاثة أقوال: أحدها: أنها بمعنى (إلى). الثاني: أنها للتعليل على بابها. والثالث: أنها مزيدة. وفي خبر المبتدأ قولان: أحدهما: أنه "سَابِقُونَ" وهو الظاهر. والثاني: أنه الجار كقوله. شعر : 3802- أَنْتَ لَهَا أَحْمَد مِنْ بَيْنِ البَشَر تفسير : وهذا قد رجّحه الطبري، وهو مروي عن ابن عباس.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن قال: إن المؤمن جمع إحساناً وشفقة، وإن المنافق جمع إساءة ثم تلا {إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون} إلى قوله {إنهم إلى ربهم راجعون} وقال المنافق {أية : إنما أوتيته على علم عندي}تفسير : [القصص: 71]. وأخرج الفريابي وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وابن ماجة وابن أبي الدنيا في نعت الخائفين وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن عائشة قالت: قلت: "حديث : يا رسول الله. قول الله {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة} أهو الرجل يسرق ويزني ويشرب الخمر وهو مع ذلك يخاف الله؟ قال: لا ولكن الرجل يصوم، ويتصدق، ويصلي، وهو مع ذلك يخاف الله أن لا يتقبل منه ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا وابن جرير وابن الأنباري في المصاحف وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قالت عائشة رضي الله عنها: "حديث : يا رسول الله {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة} أهم الذين يخطئون ويعملون بالمعاصي؟ وفي لفظ: هو الذي يذنب الذنب وهو وجل منه؟ قال: لا، ولكن هم الذين يصلون، ويصومون، ويتصدقون، وقلوبهم وجلة ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق عن ابن عباس في قوله {والذين يؤتون ما آتوا} قال: يعطون ما أعطوا. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة} قال: يعطون ما أعطوا. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة} قال: يعملون خائفين. وأخرج الفريابي وابن جرير عن ابن عمر في قوله {والذين يؤتون ما آتوا} قال: الزكاة. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن عائشة {والذين يؤتون ما آتوا} قالت: هم الذين يخشون الله ويطيعونه. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير {والذين يؤتون ما آتوا} قالت: هم الذين يخشون الله ويطيعونه. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير {والذين يؤتون ما آتوا} قال: يعطون ما أعطوا {وقلوبهم وجلة} قال: مما يخافون مما بين أيديهم من الموقف وسوء الحساب. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد {والذين يؤتون ما آتوا} قال: يعطون ما أعطوا {وقلوبهم وجلة} قال المؤمن ينفق ماله وقلبه وجل. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن الحسن وقتادة أنهما كانا يقرآن {يؤتون ما آتوا} قال: يعملون ما عملوا من الخيرات، ويعطون ما أعطوا على خوف من الله عز وجل. وأخرج ابن المبارك في الزهد وعبد بن حميد وابن جرير عن الحسن {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة} قال: كانوا يعملون ما يعملون من أعمال البر، ويخافون أن لا ينجيهم ذلك من عذاب الله. وأخرج عبد بن حميد عن ابن أبي ملكية قال: قالت: عائشة رضي الله عنها: لأن تكون هذه الآية كما أقرأ أحب إليّ من حُمُرِ النِعَمْ. فقال لها ابن عباس: ما هي؟ قالت: {الذين يؤتون ما أتوا} . وأخرج سعيد بن منصور وابن مردويه عن عائشةحديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ {والذين يؤتون ما أتوا} مقصور من المجيء . تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وأحمد والبخاري في تاريخه وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أشته وابن الأنباري معاً في المصاحف والدارقطني في الإِفراد والحاكم وصححه وابن مردويه عن عبيد بن عمير أنه سأل عائشة "كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية {والذين يؤتون ما أتوا * أو الذين يؤتون ما آتوا؟} فقالت: أيتهما أحب إليك؟ قلت: والذي نفسي بيده لأحداهما أحب إليّ من الدنيا جميعاً. قالت: أيهما؟ قلت: {الذين يأتون ما أتوا} فقالت: أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك كان يقرأها، وكذلك أنزلت ولكن الهجاء حرف". وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون} قال: سبقت لهم السعادة من الله.

التستري

تفسير : قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ}[57] قال: الخشية انكسار القلب من دوام الانتصاب بين يديه، ومن بعد هذه المرتبة الإشفاق، وهو أرق من الخشية، واللطف والخشية أرق من الخوف، والخوف أرق من الرهبة، فلكل منها صفة ومكان.

القشيري

تفسير : أمارةُ الإشفاق من الخشيةِ إطراقُ السريرة في حال الوقوف بين يدي الله بشواهد الأدب، ومحاذرةُ بَغَتَاتِ الطَّرْد، لا يستقر بهم قرارٌ لِمَا داخَلَهم من الرُّعْبِ، واستولى عليهم من سلطانِ الهيبة.

اسماعيل حقي

تفسير : {ان الذين هم من خشية ربهم مشفقون} اى من خوف عذابه حذرون والخشية خوف يشوبه تعظيم والاشفاق عناية مختلطة بخوف لان المشفق يحب المشفق عليه ويخاف ما يلحقه وقد سبق تحقيقه فى سورة الانبياء وعن الحسن ان المؤمن جمع احسانا وخشية والكافر جمع اساءة وامنا شعر : هركه ترسد مرورا ايمن كنند

ابن عجيبة

تفسير : قال في الحاشية: لمّا ذكر تعالى غفلةَ الكفار ووعيدهم، عقَّب ذلك بوصف المؤمنين بضد ذلك ويقينهم بالرُّجْعَى، وإشفاقهم من جلال الحق وقهره.هـ. يقول الحق جل جلاله: {إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون} أي: من عذابه خائفون حذرون، {والذين هم بآيات ربهم} المنصوبة والمُنَزَّلة، (يؤمنون) بتصديق مدلولها، وبكتب الله كلها، لا يُفرقون بين كتبه، كالذين تقطعوا أمرهم بينهم - وهم أهل الكتاب وغيرهم، {والذين هم بربهم لا يشركون} شركاً جلياً ولا خفياً، بخلاف مشركي العرب والعجم. {والذين يُؤتون ما آتَوْا} أي: يعطون ما أعطوا من الزكوات والصدقات. وقرئ: (يأَتُونَ مَا أَتَواْ) بالقصر، أي: يفعلون من الطاعات، {وقلوبهم وَجِلةٌ}: خائفة ألاَّ تُقبل منهم؛ لتقصيرهم؛ بأن لا يقع على الوجه اللائق، فيُؤخذوا به ويُحرموا ثوابه؛ لأنهم {إلى ربهم راجعون} فيعاتبهم، أو من مرجعهم إليه، وهو يعلم ما يحيق عليهم، والمصولات الأربعة عبارة عن طائفة واحدة متصفة بما ذكر، في حَيِّزِ صِلاتِهَا من الأوصاف الأربعة، لا عن طوائف، كل واحدة منها متصفة بواحد من الأوصاف المذكورة، كأنه قيل: إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون، وبآيات ربهم يؤمنون... إلخ. وإنما كرر الموصول؛ إيذاناً باستقلال كل واحد من تلك الصفات بفضيلة باهرة على حِيالها، وتنزيلاً لاستقلالها منزلة استقلال الموصوف بها، وخبر "إنّ": {أولئك يسارعون}، أشار إليهم بالجمع اعتبار اتصافهم بتلك النعوت، مع أنَّ الموصول واقع على الجمع. ومعنى البُعد؛ للإشعار ببُعد رُتبتهم في الفضل، أي: أولئك المنعوتون بتلك النعوت الجليلة يسرعون {في الخيرات} أي: يرغبون في الطاعات أشد الرغبة، فيبادرون إليها. أويسارعون في نيل الخيرات العاجلة والآجلة الموعودة على الأعمال الصالحات؛ كما في قوله تعالى: {أية : فَآتَاهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلآخِرَةِ} تفسير : [آل عمران: 148]، وقوله: {أية : وَآتَيْنَاهُ فِى ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِى ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ}تفسير : [النحل: 122]، فقد أثبت لهم ما نفى عن أضدادهم، غير أنه غيّر الأسلوب، حيث لم يقل: أولئك نسارع لهم في الخيرات؛ بل أسند المسارعة إليهم؛ إيماءاً إلى كمال استحقاقهم نيل الخيرات لمحاسن الأعمال. وإيثار كلمة "في"،عن كلمة "إلى"؛ إيذانا بأنهم مُتَقلِّبون في فنون الخيرات، لا أنهم خارجون عنها متوجهون إليها، كما في قوله تعالى: {أية : وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ}تفسير : [آل عمران: 133] الآية. {وهم لهم} أي: لأجل نيل تلك الخيرات، {سابقون} الناس إلى الطاعات، أو: وهم إياها سابقون، واللام زائدة؛ لتقوية العامل، كقوله: {وهم لها عاملون} أي: ينالونها قبل الآخرة، فتُعجل لهم في الدنيا، وعن ابن عباس: {هم لها سابقون} أي: سبقت لهم من الله السعادة، فلذلك سارعوا في الخيرات. هـ. فهو إشارة إلى تيسير كلِّ لما خُلِق له، وأنه يَسَّرهمُ القدرُ لما وصفهم به من الخير، كما أن الكفار أُمدوا بما يدعو للغفلة والإعجاب، مما هو استدراج ومكر من حيث لا يشعرون. قال تعالى: {ولا نُكلِف نفساً إلا وُسْعَها} أي: طاقتها، فهو تحريض على تحصيل ما وُصف به السابقون من فعل الطاعات المؤدي إلى نيل الخيرات؛ ببيان سهولته، وأنه غير خارج عن حد الوسع والطاقة، أي: عادتنا جارية بأنْ لا نكلف نفساً من النفوس إلا ما في طاقتها، فإن لم يبلغوا في فعل الطاعة مراتب السابقين، فلا عليهم، بعد أن يبذلوا طاقتهم ويستفرغوا وسعهم. {ولدينا كتابٌ} أي: صحائف الأعمال التي يرونها عند الحساب، حسبما يُعرب عنه قوله: {ينطِق بالحق}، كقوله: {أية : هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ إِنَّ كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}تفسير : [الجاثية: 29] أي: عندنا كتاب أثبت فيه أعمال كل أحد على ما هو عليه، أو أعمال السابقين والمقتصدين جميعاً، وقوله: (بالحق): يتعلق بينطق، أي: يُظهر الحق المطابق للواقع على ما هو عليه، أو يظهره للسامع، فيظهر هناك جلائل أعمالهم ودقائقها، ويرتب عليها أجزيتها،إن خيراً فخير، وإن شراً فشرٌ، وقيل: المراد بالكتاب: اللوح المحفوظ، وهو مناسب لتفسير ابن عباس بسبق السعادة، وقوله: {وهم لا يظلمون}، بيان لفضله تعالى وعدله في الجزاء، إثر بيان لطفه في التكليف وكتب الأعمال، أي: لا يظلمون في الجزاء؛ بنقص الثواب أو بزيادة عذاب، بل يُجزون بقدر أعمالهم التي كُلّفوها، ونطقت بها صحائف أعمالهم، أو: لا يُظلمون بتكليف ما لا وسع فيه، أو: لا ينقصون مما سبق لهم في اللوح المحفوظ شيئاً، والله تعالى أعلم. الإشارة: ذكر في هذه الآية أربعة أوصاف من أوصاف المقربين، أولها: الخوف والإشفاق من الطرد والإبعاد، والثاني: الإيمان الذي لا يبقى معه شك ولا وَهْم، بما تضمنته الآيات التنزيلية من الوعد والإيعاد، والثالث: التوحيد الذي لا يبقى معه شرك جلي ولا خفي، والرابع: السخاء والكرم، مع رؤية التقصير فيما يعطي. فمن جمع هذه الخصال كان من السابقين في الخيرات ويُسارع لهم في تعجيل الخيرات، وكل ذلك بقدر ما يطيق العبد، مع بذل المجهود في فعل الخيرات. قال في الحاشية: والمسارعة إلى الخيرات إنما هو بقطع الشرور, وأول الشرور: حب الدنيا؛ لأنها مزرعة الشيطان، فمن طلبها وعمرها فهو حراثه وعبده، وشر من الشيطان من يُعين الشيطان على عمارة داره، وما ذلك إلا أنه لم يهتم بأمر معاده ومنقلبه، لما جرى عليه في السابقة من الحكم، ولا كذلك من وصفه في الإشفاق من المؤمنين؛ إجلالاً لربهم، ورجوعاً لحكمه فيهم غيباً، فلا يأمنون مكره بحال، ولا يركنون إلى أعمال، بل عمدتهم ربهم ورحمته في كل حال. والله أعلم. والحاصل: أنهم مع كونهم يخشون ربهم ويؤمنون بآياته، ولا يشركون به شيئاً، ويودون طاعته، يخافون عدم قبوله لهم عند الرجوع إليه، ولقائهم له؛ لأنه يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، وأحكامه لا تعلل، ومن استغرق فيه لم يقف مع وعده.هـ. قوله: "ومن استغرق فيه لم يقف مع وعده"، أي: لأنه قد يرتب ذلك على شروط أخفاها عنه، ليدوم خوفه واضطراره، ولذلك كان العارف لا يزول اضطراره، وليس خوف العارف من السابقة ولا من الخاتمة؛ لأنه شغله استغراقه في الحق والغيبة فيه عن الشعور بالسابقة واللاحقة، إنما خوفه من الإبعاد بعد التقريب، أو الافتراق بعد الجمع، وهذا أيضاً قبل التمكين، وإلا فالكريم إذا أعطى لا يرجع. والله تعالى أعلم. ثمَّ ذكر من اتصف بضد الأوصاف المتقدمة

الطوسي

تفسير : يقول الله تعالى {إن الذين هم من خشية ربهم} اي خوفاً من عقابه {مشفقون} والخشية ظن لحوق المضرة. ومثلها المخافة، ونقيضها الأمنة، فالخشية إنزعاج النفس بتوهم المضرة، والظن كذلك يزعج النفس، فيسمى باسمه على طريق البلاغة، والخشية من الله خشية من عقابه وسخطه على معاصيه، {والذين هم بآيات ربهم يؤمنون} وبحججه من القرآن وغيره يصدقون {والذين هم بربهم لا يشركون} أي لا يشركون بعباة الله غيره، من الاصنام والاوثان، لان خصال الايمان لا تتم إلا بترك الاشراك دون ما يقول أهل الجاهلية إنا نؤمن بالله. وقوله {والذين يؤتون ما آتوا} اي يعطون ما اعطوا، من الزكاة والصدقة، وينفقونه في طاعة الله {وقلوبهم وجلة} أي خائفة من عقاب الله لتفريط يقع منهم. قال الحسن: المؤمن جمع إحساناً وشفقة. وقال ابن عمر: ما آتوا من الزكاة {وقلوبهم وجلة} أي خائفة {إنهم إلى ربهم راجعون} اي يخافون من رجوعهم الى الله يوم القيامة، والى مجازاته اي يخافون ذلك، لانهم لا يأمنون التفريط. ثم أخبر عمن جمع هذه الصفات وكملت فيه، فقال {أولئك يسارعون في الخيرات} أي يبادرون الى الطاعات، ويسارعون اليها: من الايمان بالله، ويجتهدون في السبق اليها رغبة فيها ولعلمهم بما لهم بها من حسن الجزاء. وقوله {وهم لها سابقون} قيل في معناه ثلاثة اقوال: احدها - قال ابن عباس انهم: سبقت لهم السعاة. الثاني - وهم من اجل تلك الخيرات سابقون الى الجنة. الثالث - وهم الى الخيرات سابقون.

الجنابذي

تفسير : جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: لم لا ينبغى هذا الحسبان؟- فقال: لانّا نسارع فى الخيرات لهؤلاء لاولئك وقد مضى بيان هذه الكلمة فى سورة الانبياء عند قوله تعالى: {أية : وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} تفسير : [الأنبياء: 28].

فرات الكوفي

تفسير : قال: حدّثنا فرات بن إِبراهيم الكوفي معنعناً: عن أبي الجارود قال: سألت أبا جعفر [عليه السلام. أ، ر] عن قول الله سبحانه: {والذين يؤتون ما أتوا وقلوبهم وجلة [أنهم إِلى ربهم راجعون}. ر، أ] يقول: يعطون ما أعطوا وقلوبهم وجلة {أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون} علي بن أبي طالب عليه السلام لم يسبقه [أحد]. قال: حدثني الحسين بن سعيد معنعناً: عن أبي الجارود في تفسير قول الله سبحانه [ر: تعالى بكتابه]: {الذين هم من خشية ربهم مشفقون والذين هم بآيات ربهم يؤمنون والذين هم بربهم لا يشركون والذين يؤتون ما أتوا وقلوبهم وجلة أنهم إِلى ربهم راجعون أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون} [قال. ر]: نزلت في علي بن أبي طالب [عليه السلام. أ، ر].

اطفيش

تفسير : {إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ} قيل من خشية ربهم تعليل متعلق بما بعده والمعنى من خوفهم من ربهم (ومشفقون) معناه (خائفون) ويقدر له (من) ابتداءه أى (من عذابه) أو للمجاوزة. وقيل ان المعنى يحذرون المعاصي من هيبة الله أو من خوف عذابه فمن للتعليل ايضا

اطفيش

تفسير : {إن الذين هُم مِنْ خَشيةِ ربِّهم مشْفقون * والَّذين هُم بآيات ربِّهم} آياته المتلوة، أو الدلائل، أى سبب الدلائل {يؤمنون} كلما وقعوا على آية كما عبر بمضارع التجدد.

الالوسي

تفسير : الكلام فيه نظير ما مر في نظيره في سورة الأنبياء [28] بيد أن في استمرار الإشفاق هنا في الدنيا والآخرة للمؤمنين تردداً

ابن عاشور

تفسير : هذا الكلام مقابل ما تضمنته الغمرة من قوله { أية : فذرهم في غمرتهم } تفسير : [المؤمنون: 54] من الإعراض عن عبادة الله وعن التصديق بآياته، ومن إشراكهم آلهة مع الله، ومن شحهم عن الضعفاء وإنفاق مالهم في اللذات، ومن تكذيبهم بالبعث. كل ذلك مما شملته الغمرة فجيء في مقابلها بذكر أحوال المؤمنين ثناء عليهم، ألا ترى إلى قوله بعد هذا { أية : بل قلوبهم في غمرة من هذا } تفسير : [المؤمنون: 63]. فكانت هذه الجملة كالتفصيل لإجمال الغمرة مع إفادة المقابلة بأحوال المؤمنين. واختير أن يكون التفصيل بذكر المقابل لحسن تلك الصفات وقبح أضدادها تنزيها للذكر عن تعداد رذائلهم، فحصل بهذا إيجاز بديع، وطباق من ألطف البديع، وصون للفصاحة من كراهة الوصف الشنيع. وافتتاح الجملة بــــ{إن} للاهتمام بالخبر، والإتيان بالموصولات للإيماء إلى وجه بناء الخبر وهو أنهم يسارعون في الخيرات ويسابقون إليها وتكرير أسماء الموصولات للاهتمام بكل صلة من صلاتها فلا تذكر تبعاً بالعطف. والمقصود الفريق الذين اتصفوا بصلة من هذه الصلات. و(من) في قوله {من خشية ربهم} للتعليل. والإشفاق: توقع المكروه وتقدم عند قوله تعالى: { أية : وهم من خشيته مشفقون } تفسير : في سورة الأنبياء (28). وقد حذف المتوقع منه لظهور أنه هو الذي كان الإشفاق بسبب خشيته، أي يتوقعون غضبه وعقابه. والمراد بالآيات الدلائل التي تضمنها القرآن ومنها إعجاز القرآن. والمعنى: أنهم لخشية ربهم يخافون عقابه، فحذف متعلق {مشفقون} لدلالة السياق عليه. وتقديم المجرورات الثلاثة على عواملها للرعاية على الفواصل مع الاهتمام بمضمونها. ومعنى: {يؤتون ما آتوا} يُعطون الأموال صدقات وصلات ونفقات في سبيل الله. قال تعالى: { أية : وآتى المال على حبه ذوي القربى } تفسير : [البقرة: 177] الآية وقال: { أية : وويل للمشركين الذين لا يُؤتُون الزكاة } تفسير : [فصلت: 6، 7]. واستعمال الإيتاء في إعطاء المال شائع في القرآن متعين أنه المراد هنا. وإنما عُبر بــــ{ما آتوا} دون الصدقات أو الأموال ليعم كل أصناف العطاء المطلوب شرعاً وليعم القليل والكثير، فلعل بعض المؤمنين ليس له من المال ما تجب فيه الزكاة وهو يعطي مما يكسب. وجملة {وقلوبهم وجلة} في موضع الحال وحق الحال إذا جاءت بعد جمل متعاطفة أن تعود إلى جميع الجمل التي قبلها، أي يفعلون ما ذكر من الأعمال الصالحة بقلوبهم وجوارحهم وهم مضمرون وجَلاً وخوفاً من ربهم أن يرجعوا إليه فلا يجدونه راضياً عنهم، أو لا يجدون ما يجده غيرهم ممن يفوتهم في الصالحات، فهم لذلك يسارعون في الخيرات ويكثرون منها ما استطاعوا وكذلك كان شأن المسلمين الأولين. وفي الحديث « حديث : أن أهل الصّفة قالوا: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم. قال: أو ليس قد جعل الله لكم ما تصّدّقون به، إن لكم بكل تسبيحة صدقة وكل تحميدة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة ». تفسير : وقال أبو مسعود الأنصاري: لما أمرنا بالصدقة كما نحامل فيصيب أحدنا المد فيتصدق به. ومما يشير إلى معنى هذه الآية قوله تعالى: { أية : ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً إنا نخاف من ربنا يوماً عبوساً قمطريراً } تفسير : [الإنسان: 8 ـــ 10] الآيات. وخبر {إن} جملة {أولئك يسارعون في الخيرات}. وافتتح باسم الإشارة لزيادة تمييزهم للسامعين لأن مثلهم أحرياء بأن يعرفوا. وتقدم الكلام على معنى {يسارعون في الخيرات} آنفاً. ومعنى {وهم لها سابقون} أنهم يتنافسون في الإكثار من أعمال الخير، فالسبق تمثيل للتنافس والتفاوت في الإكثار من الخيرات بحال السابق إلى الغاية، أو المعنى وهم محرزون لما حرصوا عليهم، فالسبق مجاز لإحراز المطلوب لأن الإحراز من لوازم السبق. وعلى التقديرين فاللام بمعنى (إلى). وقد قيل إن فعل السبق يتعدى باللام كما يتعدى بــــ(إلى). وتقديم المجرور للاهتمام ولرعاية الفاصلة.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: مشفقون: أي خائفون. لا يشركون: أي بعبادته أحداً. يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة: أي خائفون أن لا يقبل منهم ذلك. أنهم إلى ربهم راجعون: أي لأنهم إلى ربهم راجعون فيحاسبهم ويسألهم ويجزيهم. وهم لها سابقون: أي بإذن الله وفي علمه. ولا نكلف نفساً إلاَّ وسعها: إلا طاقتها وما تقدر عليه. ولدينا كتاب ينطق بالحق: وهو ما كتبه الكرام الكاتبون فإنه ناطق بالحق. وهم لا يظلمون: أي بنقض حسنة من حسناتهم ولا بزيادة سيئة على سيآتهم. معنى الآيات: لما ذكر تعالى حال الذين فرقوا دينهم فذهبت كل فرقة منهم بكتاب ومذهب ولقب ونعى عليهم ذلك التفرق وأمر رسوله أن يتركهم في غمرة خلافاتهم ويدعهم إلى حين يلقون جزاءهم عاجلاً أو آجلاً: أثنى تبارك وتعالى على عباده المؤمنين من أهل الخشية، فقال وقوله الحق: {إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ} أي من عذابه خائفون من الوقوف بين يديه فهذه صفة لهم وآخرى {وَٱلَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبَّهِمْ يُؤْمِنُونَ} أي بحجج الله تعالى التي تضمنتها آياته يؤمنون أي يوقنون وثالثة: {وَٱلَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ} أي في ذاته ولا صفاته ولا عباداته فيعبدونه بما شرع لهم موحدينه في ذلك ورابعة: {وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ}. أي يؤتون الزكاة وسائر الحقوق والواجبات وقلوبهم خائفة من ربهم أن يكونوا قد قصروا فيما أوجب عليهم وخائفة أن لا يقبل منهم عملهم، وذلك ناجم لهم من قوة إيمانهم برجوعهم إلى ربهم ووقوفهم بين يديه ومساءلته لهم: لم قدمت؟ لم أخرت؟ وقوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} في هذا بشرى لهم إذ أخبر تعالى أنهم يسارعون في الخيرات، وأنهم سبق ذلك لهم في الأزل فهنيئاً لهم. وقوله تعالى: {وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} فيه قبول عذر من بذل جهده في المسارعة في الخيرات ولم يلحق بغيره أعذره ربه فإنه لا خوف عليه ما دام قد بذلك جهده إذ هو تعالى {وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} أي طاقتها وما يتسع له جهده. وقوله: {وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِٱلْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} فيه وعدٌ لأولئك المسارعين بالخيرات بأنَّ أعمالهم مكتوبة لهم في كتاب ينطق بالحق لا يخفى حسنة من حسناتهم ويستوفونها كاملة وفيه وعيد لأهل الشرك والمعاصي بأنَّ أعمالهم محصاة عليهم قد ضمها كتاب صادق وسوف يجزون بها وهم لا يظلمون فلا تكتب عليهم سيئة لم يعملوها قط ولا يجزون إلاَّ بما كانوا يكسبون. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- فضيلة الخشية والإِيمان والتوحيد والتواضع والمراقبة لله تعالى. 2- بشرى الله تعالى لأهل الإِيمان والتقوى. 3- تقرير قاعدة رفع الحرج في الدين. 4- تقرير كتابة أعمال العباد وإحصاء أعمالهم ومجازاتهم العادلة.

القطان

تفسير : من خشية ربهم: خوف ربهم. مشفقون: خائفون، يقال اشفق منه خاف منه، واشفق عليه عطف عليه. وجلة: خائفة. سابقون: ظافرون بنيلها. الوسع: القدرة والطاقة. كتاب: هو صحائف الاعمال. في هذه الآيات يُبرز الله تعالى الصورةَ الحسَنةَ للمؤمنين، بعد ان بين صورةَ الغَفلة والغمرة في القلوب الضالّة. {إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ.... }. ان هؤلاء المؤمنين يُشفِقون من ربّهم خشيةً وتقوى، وهم يؤمنون بآياتِ ربّهم الكونية التي نَصَبَها في الأنفس والآفاق دلالةً على وجوده وواحدنيته، ولا يشرِكون به. وهم يؤدون واجباتِهم ويقومون بالتكاليف خير قيام، ويأتون من الطاعاتِ ما استطاعوا. والذين يعطون مِمَّا أُعطوا، ويتصدقون بما تصدَّقوا، وقلوبُهم خائفة ألا يُتَقَبَّل ذلك منهم، لأنهم راجعون الى ربهم ومحاسَبون. اولئك الذين جمعوا هذه المحاسنَ يرغبون في الطاعاتِ أشدَّ الرغبة، وهم الذين يسبقون لها فينالون الخيرات. {وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِٱلْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}. هنا يتكرّم الله علينا بأنّ ما كلَّفنا به سهلٌ يسيرٌ لا يخرجُ عن حدِّ القدرة والطاقة، وانه مهما قلَّ محفوظٌ عنده في كتاب يَنطقُ بالحق، ولا يَظلم الله أحداً من خلقه بزيادة عقاب او نقص ثواب.

د. أسعد حومد

تفسير : (57) - إٍِِنَّ الذينَ هُمْ، مَعَ حَسَنَاتِهِمْ، وَإِيْمَانِهِمْ، وَعَمَلِهِم الصَّالِحِ، مُشْفِقُونَ خَائِفُونَ مِنَ اللهِ، وَجِلُونَ مِنْ مَكْرِهِ بِهِمْ. مُشْفِقُونَ - خَائِفُونَ حَذِرُونَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الخشية: هي أشد الخوف، والإنسان قد يخاف من شيء، لكن يبقى عنده أمل في النجاة، ويتوقّع من الأسباب ما ينقذه ويُؤمِّن خوفه، لكن حين تخاف من الله فهو خوف لا منفذَ للأمل فيه، ولا تهبُّ فيه هَبّة تُشعرك بلطف. ومعنى {مُّشْفِقُونَ} [المؤمنون: 57] الإشفاق أيضاً الخوف، وهو خوف يُمدَح ولا يُذم؛ لأنه خوف يحمل صاحبه ويحثّه على تجنُّب أسباب الخشية بالعمل الصالح، إنه إشفاق من الذنب الذي يستوجب العقوبة، كالتلميذ الذي يذاكر ويجتهد خوفاً من الرسوب، وهكذا حال المؤمن يخاف هذا الخوف المثمر الممدوح الذي يجعله يأخذ بأسباب النجاة، وهذا دليل الإيمان. أمّا الإشفاق بعد فوات الأوان، والذي حكاه القرآن عن المجرمين: {أية : وَوُضِعَ ٱلْكِتَابُ فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يٰوَيْلَتَنَا ..}تفسير : [الكهف: 49] فهذا إشفاق لا فائدة منه؛ لأنه جاء بعد ضياع الفرصة وانتهاء وقت العمل، فقد قامت القيامة ونُشِرت الكتب ولا أملَ في النجاة إذن. ثم يقول الحق سبحانه: {وَٱلَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبَّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَٱلَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : لما ذكر تعالى الذين جمعوا بين الإساءة والأمن، الذين يزعمون أن عطاء الله إياهم في الدنيا دليل على خيرهم وفضلهم، ذكر الذين جمعوا بين الإحسان والخوف، فقال: { إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ } أي: وجلون، مشفقة قلوبهم كل ذلك من خشية ربهم، خوفا أن يضع عليهم عدله، فلا يبقى لهم حسنة، وسوء ظن بأنفسهم، أن لا يكونوا قد قاموا بحق الله تعالى، وخوفا على إيمانهم من الزوال، ومعرفة منهم بربهم، وما يستحقه من الإجلال والإكرام، وخوفهم وإشفاقهم يوجب لهم الكف عما يوجب الأمر المخوف من الذنوب، والتقصير في الواجبات. { وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ } أي: إذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا، ويتفكرون أيضا في الآيات القرآنية ويتدبرونها، فيبين لهم من معاني القرآن وجلالته واتفاقه، وعدم اختلافه وتناقضه، وما يدعو إليه من معرفة الله وخوفه ورجائه، وأحوال الجزاء، فيحدث لهم بذلك من تفاصيل الإيمان، ما لا يعبر عنه اللسان. ويتفكرون أيضا في الآيات الأفقية، كما في قوله: {أية : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأولِي الألْبَابِ } تفسير : إلى آخر الآيات. { وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ } أي: لا شركا جليا، كاتخاذ غير الله معبودا، يدعوه ويرجوه ولا شركا خفيا، كالرياء ونحوه، بل هم مخلصون لله، في أقوالهم وأعمالهم وسائر أحوالهم. { وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا } أي: يعطون من أنفسهم مما أمروا به، ما آتوا من كل ما يقدرون عليه، من صلاة، وزكاة، وحج، وصدقة، وغير ذلك، { و } مع هذا { قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ } أي: خائفة { أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ } أي: خائفة عند عرض أعمالها عليه، والوقوف بين يديه، أن تكون أعمالهم غير منجية من عذاب الله، لعلمهم بربهم، وما يستحقه من أصناف العبادات. { أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ } أي: في ميدان التسارع في أفعال الخير، همهم ما يقربهم إلى الله، وإرادتهم مصروفة فيما ينجي من عذابه، فكل خير سمعوا به، أو سنحت لهم الفرصة إليه، انتهزوه وبادروه، قد نظروا إلى أولياء الله وأصفيائه، أمامهم، ويمنة، ويسرة، يسارعون في كل خير، وينافسون في الزلفى عند ربهم، فنافسوهم. ولما كان السابق لغيره المسارع قد يسبق لجده وتشميره، وقد لا يسبق لتقصيره، أخبر تعالى أن هؤلاء من القسم السابقين فقال: { وَهُمْ لَهَا } أي: للخيرات { سَابِقُونَ } قد بلغوا ذروتها، وتباروا هم والرعيل الأول، ومع هذا، قد سبقت لهم من الله سابقة السعادة، أنهم سابقون. ولما ذكر مسارعتهم إلى الخيرات وسبقهم إليها، ربما وهم واهم أن المطلوب منهم ومن غيرهم أمر غير مقدور أو متعسر، أخبر تعالى أنه لا يكلف { نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا } أي: بقدر ما تسعه، ويفضل من قوتها عنه، ليس مما يستوعب قوتها، رحمة منه وحكمة، لتيسير طريق الوصول إليه، ولتعمر جادة السالكين في كل وقت إليه. { وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ } وهو الكتاب الأول، الذي فيه كل شيء، وهو يطابق كل واقع يكون، فلذلك كان حقا، { وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ } أي لا ينقص من إحسانهم، ولا يزداد في عقوبتهم وعصيانهم.