Verse. 2733 (AR)

٢٣ - ٱلْمُؤْمِنُون

23 - Al-Mu'minoon (AR)

وَالَّذِيْنَ يُؤْتُوْنَ مَاۗ اٰتَوْا وَّ قُلُوْبُہُمْ وَجِلَۃٌ اَنَّہُمْ اِلٰى رَبِّہِمْ رٰجِعُوْنَ۝۶۰ۙ
Waallatheena yutoona ma ataw waquloobuhum wajilatun annahum ila rabbihim rajiAAoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«والذين يؤتون» يعطون «ما آتوْا» أعطوا من الصدقة والأعمال الصالحة «وقلوبهم وجلة» خائفة أن لا تقبل منهم «أنهم» يقدر قبله لام الجر «إلى ربهم راجعون».

60

Tafseer

البيضاوي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا ءَاتَواْ} يعطون ما أعطوه من الصدقات، وقرىء «يأتون ما أتوا» أي يفعلون ما فعلوا من الطاعات. {وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} خائفة أن لا يقبل منهم وأن لا يقع على الوجه اللائق فيؤاخذ به. {أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبّهِمْ رٰجِعُونَ} لأن مرجعهم إليه، أو من أن مرجعهم إليه وهو يعلم ما يخفي عليهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ } يعطُون {مَآ ءَاتَواْ } أَعْطَوْا من الصدقة والأعمال الصالحة {وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ } خائفة أن لا تُقبل منهم {أَنَّهُمْ } يقدّر قبله لام الجرّ {إِلَىٰ رَبِّهِمْ رٰجِعُونَ }.

ابن عبد السلام

تفسير : {يُؤْتُونَ} الزكاة، أو أعمال البر كلها {وَجِلَةٌ} خائفة، قيل وجل العارف من طاعته أكثر من وجله من مخالفته، لأن التوبة تمحو المخالفة والطاعة تطلب بتصحيح الغرض {أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ} يخافون أن لا ينجوا من عذابه إذا قدموا عليه، أو أن لا يقبل عملهم إذا عرضوا عليه.

البقاعي

تفسير : ولما أثبت لهم الإيمان الخالص، نفى عنهم العجب بقوله: {والذين يؤتون ما آتوا} أي يعطون ما أعطوا من الطاعات، وكذا قراءة يحيى بن الحارث وغيره: يأتون ما أتوا، أي يفعلون ما فعلوا من أعمال البر لتتفق القراءتان في الإخبار عنهم بالسبق؛ ثم ذكر حالهم فقال: {وقلوبهم وجلة} أي شديدة الخوف، قد ولج في دواخلها وجال في كل جزء منها لأنهم عالمون بأنهم لا يقدرون الله حق قدره وإن اجتهدوا، ثم علل ذلك بقوله: {أنهم إلى ربهم} أي الذي طال إحسانه إليهم {راجعون*} بالبعث فيحاسبهم على النقير والقطمير، ويجزيهم بكل قليل و كثير وهو النافذ البصير، قال الحسن البصري: إن المؤمن حمع إيماناً وخشية، والمنافق جمع إساءة وأمناً. ثم أثبت لهم ما أفهم أن ضده لأضدادهم فقال: {أولئك} أي خاصة {يسارعون} أي يسبقون سبق من يساجل آخر {في الخيرات} فأفهم ذلك ضد ما ذكر لأضدادهم بقوله: {وهم لها} أي إليها خاصة، أي إلى ثمراتها، ولكنه عبر باللام إشارة إلى زيادة القرب منها والوصول إليها مع الأمن لجعل الخيرات ظرفاً للمسارعة من أخذها على حقيقتها للتعدية {سابقون*} لجميع الناس، لأنا نحن نسارع لهم في المسببات أعظم من مسارعتهم في الأسباب، ويجوز أن يكون {سابقون} بمعنى: عالين، من وادي"حديث : سبقت رحمتي غضبي" تفسير : أي أنهم مطيقون لها ومعانون عليها {ولا} أي والحال أنا لا نكلفهم ولكنه عم فقال: {نكلف نفساً} أي كافرة ومؤمنة {إلا وسعها} فلا يقدر عاص على أن يقول: كنت غير قادر على الطاعة، ولا يظن بنا مؤمن أنا نؤاخذه بالزلة والهفوة، فإن أحداً لا يستطيع أن يقدرنا حق قدرنا لأن مبنى المخلوق على العجز. ولما كانت الأعمال إذا تكاثرت وامتد زمنها تعسر أو تعذر حصرها إلا بالكتابة عامل العباد سبحانه بما يعرفون مع غناه عن ذلك فقال: {ولدينا} أي عندنا على وجه هو أغرب الغريب {كتاب} وعبر عن كونه سبباً للعلم بقوله: {ينطق} بما كتب فيه من أعمال العباد من خير وشر صغير وكبير {بالحق} أي الثابت الذي يطابقه الواقع، قد كتب فيه أعمالهم من قبل خلقهم، لا زيادة فيها ولا نقص، تعرض الحفظة كل يوم عليه ما كتبوه مما شاهدوه بتحقيق القدر له فيجدونه محرراً بمقاديره وأوقاته وجميع أحواله قيزدادون به إيماناً، ومن حقيته أنه لا يستطاع إنكار شيء منه. ولما أفهم ذلك نفي الظلم، صرح به فقال: {وهم} أي الخلق كلهم {لا يظلمون*} من ظالم ما بزيادة ولا نقص في عمل ولا جزاء. ولما كان التقدير: ولكنهم بذلك لا يعلمون، قال: {بل قلوبهم} أي الكفرة من الخلق؛ ويجوز أن يكون هذا الإضراب بدلاً من قوله {بل لا يشعرون} {في غمرة} أي جهالة قد أغرقتها {من هذا} أي الذي أخبرنا به من الكتاب الحفيظ فهم به كافرون {ولهم أعمال} وأثبت الجار إشارة إلى أنه لا عمل لهم يستغرق الدون فقال: {من دون ذلك} أي مبتدئة من أدنى رتبة التكذيب من سائر المعاصي لأجل تكذيبهم بالكتاب المستلزم لتكذيبهم بالبعث المستلزم لعدم الخوف المستلزم للإقدام على كل معضلة {هم لها} أي دائماً {عاملون*} لا شيء يكفهم إلا عجزهم عنها. ولما كانوا كالبهائم لا يخافون من المهلكة إلا عند المشاهدة، غيَّى عملهم للخبائث بالأخذ فقال: {حتى إذا أخذنا} أي بما لنا من العظمة {مترفيهم} الذين هم الرؤساء القادة {بالعذاب} فبركت عليهم كلاكله، وأناخت بهم أعجازه وأوائله {إذا هم} كلهم المترف ومن تبعه من باب الأولى {يجئرون*} أي يصرخون ذلاًّ وانكساراً وجزعاً من غير مراعاة لنخوة، لا استكباراً، وأصل الجأر رفع الصوت بالتضرع - قاله البغوي، فكأنه قيل: فهل يقبل اعتذارهم أو يرحم انكسارهم؟ فقيل: لا بل يقال لهم بلسان الحال أو القال: {لا تجئروا اليوم} بعد تلك الهمم، فإن الرجل من لا يفعل شيئاً عبثاً، ثم علل ذلك بقوله: {إنكم منا} أي خاصة {لا تنصرون*} أي بوجه من الوجوه، ومن عدم نصرنا لم يجد له ناصراً، فلا فائدة لجؤاره إلا إظهار الجزع؛ ثم علل عدم نصره لهم بقوله: {قد كانت آياتي}. ولما كانت عظمتها التي استحقت بها الإضافة إليه تكفي في الحث على الإيمان بمجرد سماعها، بنى للمفعول قوله: {تتلى عليكم} أي وهي أجلى الأشياء، من أوليائي وهم الهداة النصحاء {فكنتم} أي كوناً هو كالجبلة {على أعقابكم} عند تلاوتها {تنكصون*} أي ترجعون القهقرى إما حساً أو معنى، والماشي كذلك لا ينظر ما وراءه، ومضارعه فيه مع الكسر الضم ولم يقرأ به ولو شاذاً، دلالة على أنه رجوع كبر وبطر فهو بالهوينا، ولو قرىء بالضم لدل على القوة فأفهم النفرة والهرب، قال في القاموس: نكص على عقبيه ينكص وينكص: رجع عما كان عليه من خير، وفي الشر قليل، وعن الأمر نكصاً ونكوصاً ونكاصاً. أو على ما ذكرت دلالة على ما تقديره: حال كونكم {مستكبرين به} أي بذلك النكوص، لا شيء غير الاستكبار من هرب أو غيره، ذوي سمر في أمرها بالقول الهجر، وهو الفاحش، ولعله إنما قال: {سامراً} بلفظ المفرد لأن كلاًّ منهم يتحدث في أمر الآيات مجتمعاً مع غيره ومنفرداً مع نفسه حديثاً كثيراً كحديث المسامر الذي من شأنه أن لا يمل؛ وقال: {تهجرون*} أي تعرضون عنها وتقولون فيها القول الفاحش، فأسنده إلى الجمع لأن بعضهم كان يستمعها، ولم يكن يفحش القول فيها، أو تعجيباً من أن يجتمع جمع على مثل ذلك لأن الجمع جدير بأن يوجد فيه من يبصر الحق فيأمر به.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} [الآية: 60]. قال الواسطى رحمه الله: الخائف الوجل من لا يشهد حظه بحالٍ. قال بعضهم: وجل العارف من طاعته أكثر من وجله من مخالفته لأن المخالفة تمحوها التوبة، والطاعة يطالب بصحتها، والإخلاص، والصدق فيها لقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ}. وقال سعيد بن عاصم: مخافة العارف على طاعته أشد مخافة من مخالفته، لأنه يورث من المخالفة: الندم، والتوبة، والرجوع إليه. ويورث من الطاعة الرياء والكبر.

القشيري

تفسير : يُخْلِصُون في الطاعات من غير إلمام بتقصيرٍ، أو تعريحٍ في أوطانِ الكسل، أو جنوحٍ إلى الاسترواح بالرُّخَص. ثم يخافون كأنّهم أَلمُّوا بالفواحش، ويلاحظون أحوالَهم بعين الاستصغار والاستحقار، ويخافون بغتاتِ التقدير، وقضايا السخط، وكما قيل: شعر : يتجنَّبُ الآثامَ ثم يخافها فكأنَّما حَسَنَاتُه آثامُ

اسماعيل حقي

تفسير : {والذين يؤتون ماآتوا} اى يعطون مااعطوه من الزكوات والصدقات وتوسلوا به الى الله تعالى من الخيرات والمبرات وصيغة المضارع للدلالة على الاستمرار والماضى على التحقق {وقلوبهم وجلة} حال من فاعل يؤتون اى والحال ان قلوبهم خائفة اشد الخوف، قال الراغب الوجل استشعار الخوف {انهم الى ربهم راجعون} اى من ان رجوعهم اليه تعالى على ان مناط الوجل ان لايقبل منهم ذلك وان لايقع على الوجه اللائق فيؤاخذوا به حنيئذ لامجرد رجوعهم اليه تعالى والموصولات الاربعة عبارة عن طائفة واحدة متصفة بما ذكر فى خير صلاتها من الاوصاف الاربعة لا عن طوائف كل واحدة منها متصفة بواحد من الاوصاف المذكورة كأنه قيل ان الذين هم من خشية ربهم مشفقون وبآيات ربهم يؤمنون الخ وانما كرر الموصول ايذانا باستقلال كل واحدة من تلك الصفات بفضيلة باهرة على حيالها وتنزيلا لاستقلالها منزلة استقلال الموصوف بها، قال بعض الكبار وجل العارف من طاعته اكثر من وجله من مخالفته لان المخالفة تمحى بالتوبة والطاعة تطلب بتصحيحها والاخلاص والصدق فيها فاذا كان فاعل الطاعات خائفا مضطربا فكيف لايخاف غيره قال الشيخ سعدى قدس سره. شعر : دران روز كزفعل برسند وقول اولو العزم را تن بلرزد زهول بجايى كه دهشت خورد انبياء توعذر كنه را جه دارى بيا

الجنابذي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ} يعطون ما اعطوا من الصّدقات او من جملة الاعمال الالهيّة وقرئ يأتون ما اتوا من الثّلاثىّ المجرّد يعنى يأتون بما اتوا اى يفعلون ما فعلوا {وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} خائفة من تقصيرهم فى الاعمال لانّهم يعملون انّهم لا يستطيعون ان يجاهدوا فى الله حقّ جهاده ولا يجاهدون فيه حقّ جهادهم وفسّر فى اخبارنا هكذا وهو خائفٌ راجٍ، ونقل انّ المؤمن جمع احساناً وشفقةً والمنافق جمع اساءةً وامتناناً {أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} يعنى قلوبهم وجلة بسبب انّهم كانوا فى الرّجوع والسّلوك الى الله او الى ربّهم المضاف، او قلوبهم وجلة من انّهم يرجعون بعد الى الله او الى ربّهم المضاف مع تقصير، او قلوبهم وجلة من فوت الرّجوع الى ربّهم ومن انّه لا يمكنهم الرّجوع الى الحضور عند الرّبّ المضاف بالفكر المصطلح للصّوفيّة الّذى هو تمثّل صورة الشّيخ عند السّالك، او قلوبهم وجلة لانّهم كانوا فى السّلوك الى ربّهم المضاف وكلّما قربوا منه استشعروا بعظمته اكثر من السّابق وكلّما استشعروا بعظمته اشتدّت الخشية والهيبة منه عليهم وفى خبرٍ عن امير المؤمنين ثمّ قال: ما الّذى آتوا، آتوا والله الطّاعة مع المحبّة والولاية وهم فى ذلك خائفون ليس خوفهم خوف شكٍّ ولكنّهم خافوا ان يكونوا مقصّرين فى محبّتنا وطاعتنا.

الهواري

تفسير : قال: {وَالذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَوا} [ممدودة] {وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} أي: خائفة [ {أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ}. تفسير الحسن قال: كانوا يعملون ما عملوا من أعمال البر ويخافون ألا يُنجيهم ذلك من عذاب ربهم. وقال مجاهد: يعملون ما عملوا من الخير وهم يخافون ألا يقبل منهم. ذكر عن ابن عباس وعائشة أنهما كانا يقرآن هذا الحرف {وَالذِينَ يَأتُونَ مَا أَتَوا} خفيفة بغير مدّ. أي: يعملون ما عملوا مما نهوا عنه وقلوبهم وجلة خائفة] أن يؤخذوا به. قوله: {أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ} أي: في الأعمال الصالحة. قال الحسن: أي: فيما افترض الله عليهم، وهو واحد. قال: {وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} أي: وهم للخيرات مدركون في تفسير الحسن. وقال بعضهم: {وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} أي: سابقون بالخيرات. قوله: {وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} أي: لا يكلف الله نفساً إلا طاقتها؛ لا يكلّف الله المريض القيام، ولا الفقير الزكاة ولا الحج قوله: {وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} أي: لا يظلم عندنا أحد. قوله: {بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِّنْ هذَا} أي: في غفلة من هذا، أي: مما ذكر من أعمال المؤمنين في الآية الأولى. {وَلَهُم} يعني المشركين {أَعْمَالٌ مِّنْ دُونِ ذَلِكَ} [أي: دون أعمال المؤمنين، أي: شرّ من أعمال المؤمنين {هُمْ لَهَا عَامِلُونَ} أي: لتلك الأعمال. وتفسير مجاهد: {فِي غَمْرَةٍ مِّنْ هَذَا} يعني القرآن {وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِّنْ دُونِ ذَلِكَ}] أي: خطايا من دون الحق. وقال بعضهم: أعمال لم يعملوها سيعملونها. ذكر سعيد بن المسيب حديث : عن عمر بن الخطاب أنه قال: يا رسول الله، أنعمل لما قد فرغ منه، أو لما يستأنف؟ قال: بل لما قد فرغ منه. فقال: ففيم العمل إذاً؟ قال: اعملوا، فكل لا ينال إلا بالعملتفسير : . قال هذا حين نجتهد. ذكر بعض السلف قال: لم تُوكَلُوا إلى القدر وإليه تصيرون.

اطفيش

تفسير : {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ} اي يعطون وهو مبني للفعل وضم حرف المضارعة لكون الماضي رباعيا والاصل يؤتيون بكسر الياء نقلت اليها ضمت الياء لثقلها عليها فحذفت الياء للساكن بعدها {مَآ آتَواْ} ما اعطوا من الصدقات وابهم للتفخيم والمفعول الاول محذوف اي يؤتون الفقراء ما آتوا وحذف للعلم به أو لا يتعلق به الغرض فلا مفعول له أو لا مذكور ولا مقدر وانما له واحد وهو كقولك: (زيد يعطي الدنانير) إذا اردت مجرد اثبات اعطائه الدنانير وحذف الالف بين تاء آتوا وواوه للساكن ومعنى (آتوا) يؤتون فهما للاستمرار التجددي أو هو على مضيه. والمعنى يداومون على مثل اعطائهم الصادر منهم. أو المعنى ان ما اعطوه وهذا المضارع لاستمرار نيتهم في الماضي ويتم هذا بقوله * {وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} خائفة ان لا يقبل منهم أو لا يقع على الوجه اللائق فيؤخذوا به ان كان فرضا أو حيث لا يجوز الاعطاء والواو واو الحال ويجوز كون يؤتون مبنيا للمفعول اي (يعطيهم الله ما اعطوا الفقراء) اي يرده عليهم فضلا واعد لهم ثوابا وهم خائفون ان يكون ما اعطاهم مكافأة لا ثواب بعدها. وعلى كل حال الفعل رباعي من الايتاء والاصل على الوجه الاخير يؤتيون بفتح التاء وقطع النقل والحذف كما مر وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وعائشة (يأتون ما آتوا) بلا مد للهمزة فالفعلان ثلاثيان من الاتيان اي يفعلون ما فعلوا من الخير. قالت عائشة رضي الله عنها: هو الذي يزني ويسرق ويشرب الخمر ويخاف الله على ذلك؟ قال: لا يا بنت الصديق ولكن هو الذي يصلي ويصوم ويتصدق وهو يخاف ان لا يقبل منه وهذا انما يصدق على قراءته وقراءة عائشة. واما على القراءة الاولى فان الصلاة والصوم ليسا مما يعطيها الانسان للفقير مثلا وكذا تفسيرها بالرجل يفعل ما يفعل من انواع الخير. كما قال الحسن: معناها الذين يفعلون من البر ويخافون ان لا ينجيهم من عذاب ربهم. وعنه المؤمن يجمع احسانا وشفقة والمنافق يجمع اساءة ولؤما. وعنه ما عبد الله بمثل طول الحزن. وعن سفيان انما الحزن على قدر البصيرة. وعن عبد الاعلى التيمي: من اتى من العلم ما لا يبكيه لخليق ان لا يكون أمرتي علما ينفعه لان الله وصف العلماء بالبكاء {أية : ان الذين أوتوا العلم}تفسير : إلى {أية : يبكون}تفسير : ولذلك اطال الاولياء في هذه الدار حزنهم واجروا على الوجنات مدامعهم فاما التقي فخوفه من الخاتمة وتقصير لا يخلو منه واما المخالط فمنها ومن تزول العقاب لتخليطه. وفسر بعضهم الآية بالذين فعلوا ذنوبا وخافوا. ويرده ان الصناعة لا تقبل هذا المعنى لانه قال: (يؤتون) لا (يأتون) وان الذي يفعل ذنبا وهو خائف في حال الفعل غير ممدوح وانما الممدوح من دام خوفه بعد ذلك حتى تنصل أو حدث له خوف فدام وتنصل واما قراءة النبي وعائشة فقد فسرها صلى الله عليه وسلم بغير ذلك ويرده ايضا ان الممدوح من دام خوفه لا مجرد الخائف في حال الفعل الا ان يقال اراد (وقلوبهم وجلة بعد) او كني به عن التنصل. {أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} اي لانهم إلى ربهم راجعون أو من انهم إلى ربهم راجعون وهو يعلم ما يخفى عليهم واللام المقدرة أو (من) المقدرة متعلقة بوجلة

الالوسي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا ءاتَواْ} أي يعطون ما أعطوا من الصدقات {وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} خائفة من أن لا يقبل منهم وأن لا يقع على الوجه اللائق فيؤاخذوا به. وقرأت عائشة وابن عباس وقتادة والأعمش والحسن والنخعي {يَأْتُونَ مَا ءاتَواْ} من الإتيان لا الإيتاء فيهما. وأخرج ابن مردويه وسعيد بن منصور عن عائشة أنه صلى الله عليه وسلم قرأ كذلك وأطلق عليها المفسرون قراءة رسول الله عليه الصلاة والسلام يعنون أن المحدثين نقلوها عنه صلى الله عليه وسلم ولم يروها القراء من طرقهم. والمعنى عليها يفعلون من العبادات ما فعلوه وقلوبهم وجلة، وروي نحو هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقد أخرج أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم وصححه وابن المنذر وابن جرير وجماعة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قلت يا رسول الله قول الله {وَٱلَّذِينَ يَأْتُونَ مَا ءاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} أهو الرجل يسرق ويزني ويشرب الخمر وهو مع ذلك يخاف الله تعالى؟ قال: لا ولكنه الرجل يصوم ويتصدق ويصلي وهو مع ذلك يخاف الله تعالى أن لا يتقبل منه، وجملة {قُلُوبِهِمْ وَجِلَةٌ} في القراءتين في موضع الحال من ضمير الجمع في الصلة الأولى، والتعبير بالمضارع فيها للدلالة على الاستمرار وفي الثانية للدلالة على التحقق. وقوله تعالى: {أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبّهِمْ رٰجِعُونَ} بتقدير اللام التعليلية وهي متعلقة بوجلة أي خائفة من عدم القبول وعدم الوقوع على الوجه اللائق لأنهم راجعون إليه تعالى ومبعوثون يوم القيامة وحينئذٍ تنكشف الحقائق ويحتاج العبد إلى عمل مقبول لائق { أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ } تفسير : [الزلزلة: 7-8]. وجوز أن يكون بتقدير من الابتدائية التي يتعدى بها الوجل أي وجلة من أن رجوعهم إليه عز وجل على أن مناط الوجل أن لا يقبل ذلك منهم وأن لا يقع على الوجه اللائق فيؤاخذوا به حينئذٍ لا مجرد رجوعهم إليه عز وجل، وقد يؤيد الوجه الأول بقراءة الأعمش {إنهم} بكسر الهمزة، ولعل التعبير بالجملة الإسمية المخبر فيها بالوصف دون الفعل المضارع للمبالغة في تحقق الرجوع حتى كأنه من الأمور الثابتة المستمرة كذا قيل. وجوز على بعد أن يكون المراد من الرجوع المذكور الرجوع إليه عز وجل بالعبودية، فوجه التعبير بالجملة الاسمية عليه أظهر من أن يخفى، ووجه تعليل الخوف من عدم القبول وعدم وقوع فعلهم كائناً ما كان على الوجه اللائق بأنهم راجعون إليه تعالى بالعبودية عدم وجوب قبول عملهم عليه تعالى حينئذٍ لأنه سبحانه مالك وللمالك أن يفعل بملكه ما يشاء وظهور نقصهم كيف كانوا عن كماله جل جلاله والناقص مظنة أن لا يأتي بما يليق بالكامل لا سيما إذا كان ذلك الكامل هو الله عز وجل الذي لا يتناهى كماله ولا أراك ترى في هذا / الوجه كلفاً سوى كلف البعد فتأمل. ثم إن الموصولات الأربع على ما قاله شيخ الإسلام وغيره ((عبارة عن طائفة واحدة متصفة بما ذكر في حيز صلاتها من الأوصاف الأربعة لا عن طوائف كل واحدة منها متصفة بواحد من الأوصاف المذكورة كأنه قيل: إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون وبآيات ربهم يؤمنون الخ، وإنما كرر الموصول إيذاناً باستقلال كل واحدة من تلك الصفات بفضيلة باهرة على حيالها وتنزيلاً لاستقلالها منزلة استقلال الموصوف بها))، وهذا جار على كلتا القراءتين في قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا ءاتَواْ} وللعلامة الطيبـي في هذا المقام كلام لا أظنك تستطيبه كيف وفيه القول بأن الذين هم بربهم لا يشركون والذين يأتون ما أتوا وقلوبهم وجلة هم العاصون من أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهو في غاية البعد. وقد ذكر الإمام أن الصفة الرابعة نهاية مقامات الصديقين.

الواحدي

تفسير : {والذين يؤتون ما آتوا} يُعطون ما يُعطون {وقلوبهم وجلة} خائفةٌ أنَّ ذلك لا يُقبل منهم، وقد أيقنوا أنَّهم إلى ربِّهم صائرون بالموت. وقوله: {وهم لها سابقون} أَيْ: إليها، ثمَّ ذكر أنَّه لم يُكلِّف العبد إلاَّ ما يسعه، فقال: {ولا نكلف نفساً إلاَّ وسعها} فمَنْ لم يستطع أن يصلي قائماً فليصلِّ جالساً {ولدينا كتاب} يعني: اللَّوح المحفوظ {ينطق بالحق} يُبيِّن بالصِّدق {وهم لا يظلمون} لا يُنقصون من ثواب أعمالهم.

د. أسعد حومد

تفسير : {آتَواْ} {رَاجِعُونَ} (60) - وَهُمْ يَنْهَضُونَ بِالتَّكَالِيفِ والوَاجِبَاتِ المَفْرُوضَةِ عَلَيْهِمْ، وَيُؤَدُّونَ الطَّاعَاتِ والنَّوَافِلَ، وَيَشْعُرُونَ أَنَّهُمْ مُقَصِّرُونَ فِي جَانِبِ اللهِ تَعَالَى. وَيَسْتَقِلَّونَ كُلَّ طَاعَةٍ إِلى جَانِبِ آلاَءِ اللهِ وَنِعَمِهِ، وَيَخَافُونَ أَنْ لاَ تُقْبَلَ طَاعَاتُهُم لِخَوْفِهِمْ مِنَ أَنْ يَكُونُوا قَصَّرُوا فِي شُرُوطِ أَدَائِهَا، لأَِنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أنَّهُم رَاجِعُونَ إِِلَى رَبِهِّم، وَسَيُحَاسِبُهُمْ وَسَيُحَاسِبُ جَمِيعَ الخَلْقِ عَلَى جَميعِ أًعْمَالِهمْ. يُؤْتُونَ ما آتَوْا - يُعْطُونَ مَا أَعْطَوْا مِنَ الصَّدَقَاتِ. قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ - خَائِفَةٌ أَلاَّ تُقْبَلَ أَعْمَالُهُمْ.

الثعلبي

حديث : {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} أهو الذي يزني ويشرب الخمر وهو على ذلك يخاف الله؟ قال: "لا يا ابنة الصدّيق ولكن هو الذي يصوم ويصلي ويتصدق وهو على ذلك يخاف الله سبحانه" . تفسير : وأخبرنا عبد الله بن يوسف قال: حدَّثنا محمد بن حامد قال: حدَّثنا محمد بن الجهم قال: حدَّثنا عبد الله بن عمرو قال: أخبرنا وكيع عن ملك بن مغول عن عبد الرَّحْمن بن سعيد بن وهب حديث : عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله {وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} أهو الذي يزني ويشرب الخمر ويسرق قال: "لا يا ابنة أبي بكر أو يا ابنة الصديق، ولكنه الرجل يصوم ويصلّي ويتصدق ويخاف أن لا تقبل منه" . تفسير : { أُوْلَـٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا} يعني إليها {سَابِقُونَ} كقوله (لما نُهوا عنه) و(لما قالوا) ونحوهما، وكان ابن عباس يقول في معنى هذه الآية: سبقت لهم من الله السعادة ولذلك سارعوا في الخيرات. {وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} يعني إلاّ ما يسعها ويصلح لها من العبادة والشريعة: {وَلَدَيْنَا كِتَابٌ} يعني اللوح المحفوظ {يَنطِقُ بِٱلْحَقِّ} يبيّن بالصدق ما عملوا وما هم عاملون من الخير والشر، وقيل: هو كتاب أعمال العباد الذي تكتبه الحفظة وهو أليق بظاهر الآية. {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} يعني يوفّون جزاء أعمالهم ولا ينقص من حسناتهم ولا يزاد على سيئاتهم. ثمَّ ذكر الكفار فقال عزَّ من قائل {بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ} عمى وغفلة {مِّنْ هَـٰذَا} القرآن {وَلَهُمْ أَعْمَالٌ} خبيثة لا يرضاها الله من المعاصي والخطايا {مِّن دُونِ ذٰلِكَ} يعني من دون أعمال المؤمنين التي ذكرها الله سبحانه، قيل: وهي قوله {إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ}. {هُمْ لَهَا عَامِلُونَ} لابد لهم من أن يعملوها فيدخلوا بها النار لما سبق لهم من الشقاوة. {حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ} يعني اغنياءهم ورؤساءهم {بِٱلْعَذَابِ} قال ابن عباس: بالسيوف يوم بدر، وقال الضحّاك: يعني الجوع وذلك حديث : حين دعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسنيّ يوسف، فابتلاهم الله بالقحط حتى أكلوا الجيف والكلاب والعظام المحرقة والقدّ والأولاد" . تفسير : {إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ} يضجّون ويجزعون ويستغيثون، وأصل الجؤار رفع الصوت بالتضرّع كما يفعل الثور، قال الشاعر: شعر : فطافت ثلاثا بين يوم وليلة وكان النكير أن تضيف وتجأرا تفسير : يصف بقره. وقال أيضاً: شعر : يراوح من صلوات المليك فطوراً سجوداً وطوراً جؤارا تفسير : {لاَ تَجْأَرُواْ ٱلْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِّنَّا لاَ تُنصَرُونَ} لا تمنعون ولا ينفعكم جزعكم وتضرّعكم. {قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} يعني القرآن {فَكُنتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ} أدباركم {تَنكِصُونَ} تدبرون وتستأخرون وترجعون القهقرى، مكذّبين بها كارهين لها {مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ} أي بالحرم تقولون: لا يظهر علينا أحد لأنّا أهل الحرم، وهو كناية عن غير مذكور {سَامِراً} نصب على الحال يعني أنّهم يسمرون بالليل في مجالسهم حول االبيت، ووحّد سامراً وهو بمعنى السمّار لأنّه وضع موضع الوقت، أراد: تهجرون ليلاً، كقول الشاعر: شعر : من دونهم إنْ جئتهم سمراً عزف القيان ومجلس غمر تفسير : فقال: سمراً لأن معناه: إنْ جئتهم ليلاً وهم يسمرون، وقيل: واحد ومعناه الجمع كما قال {أية : ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً}تفسير : [غافر: 67] ونحوه. {تَهْجُرُونَ} قرأ نافع بضم التاء وكسر الجيم أي تفحشون وتقولون الخنا، يقال اهجر الرجل في كلامه أي أفحش، وذكر أنّهم كانوا يسبّون رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقرأ الآخرون بفتح التاء وضم الجيم ولها وجهان: أحدهما: تعرضون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن والإيمان وترفضونها. والآخر: يقولون سوءاً وما لا يعلمون، من قولهم: هجر الرجل في منامه إذا هذى. {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ} يتدبّروا {ٱلْقَوْلَ} القرآن {أَمْ جَآءَهُمْ مَّا لَمْ يَأْتِ آبَآءَهُمُ ٱلأَوَّلِينَ} فأنكروه وأعرضوا عنه، ويحتمل أن يكون أم بمعنى بل، يعني: بل جاءهم ما لم يأتِ آباءهم الأولين فكذلك أنكروه ولم يؤمنوا به، وروي هذا القول عن ابن عباس. {أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ} محمداً وأنّه من أهل الصدق والأُمانة. {فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ * أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ} جنون، كذبوا في ذلك فإن المجنون يهذي ويقول ما لا يعقل ولا معنى له، {بَلْ} محمد {جَآءَهُمْ بِٱلْحَقِّ} بالقول الذي لا يخفى صحته وحسنه على عاقل {وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ * وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ} يعني الله سبحانه {أَهْوَآءَهُمْ} مرادهم فيما يفعل {لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ} ببيانهم وشرفهم يعني القرآن. {فَهُمْ عَن ذِكْرِهِمْ مُّعْرِضُونَ * أَمْ تَسْأَلُهُمْ} على ما جئتهم به {خَرْجاً} أجراً وجعلاً وأصل الخرج والخراج الغلّة والضريبة والأتاوة كخراج العبد والأرض. وقال النضر بن شميل: سألت أبا عمرو بن العلاء عن الفرق بين الخرج والخراج فقال: الخراج ما لزمك ووجب عليك أداؤه، والخرج ما تبرّعت به من غير وجوب. قال الله سبحانه: {فَخَرَاجُ رَبِّكَ} رزقه وثوابه {خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ * وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} وهو الإسلام. {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ عَنِ ٱلصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ} عادلون، مائلون، ومنه الريح النكباء.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : {يُؤْتُونَ ..} [المؤمنون: 60] يعني المال، وقال بعدها: {مَآ آتَواْ ..} [المؤمنون: 60] حتى لا يجعل لها حدّاً، لا العُشْر ولا نصف العُشر، يريد سبحانه أن يفسح لأريحية العطاء وسخاء النفس، لذلك جاءت {مَآ آتَواْ ..} [المؤمنون: 60] هكذا مُبْهمة حتى لا نظن أنها الزكاة، ونعرف أن الله تعالى يفتح المجال للإحسانية والتفضُّل، وهذا هو مقام الإحسان الذي قال الله تعالى عنه: {أية : إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ} تفسير : [الذاريات: 15-16]. والمحسن: الذي يلزم نفسه من الطاعات فوق ما ألزمه الله، لكن من جنس ما فرض الله عليه، فإن كان الفرض في الصوم شهر رمضان يصوم المحسن رمضان ويزيد عليه؛ لذلك تجد الدقة في الأداء القرآني، حيث يقول بعدها: {أية : كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِٱلأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} تفسير : [الذاريات: 17-18]. وهذه أمور فوق ما فرض الله عليهم، ولم يطلب منك أن تقوم الليل لا تنام، لكن صَلِّ العشاء ونَمْ حتى الفجر، وهذه المسألة واضحة في قوله تعالى بعدها: {أية : وَفِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ} تفسير : [الذرايات: 19] ولم يقل (معلوم) لأن الآية لا تتكلم عن الحق المعلوم وهو الزكاة، إنما عن الصدقة والتطوع فوق ما فرض الله. والإبهام في {مَآ ..} [المؤمنون: 60] جاء أيضاً في قول الله تعالى: {أية : فَغَشِيَهُمْ مِّنَ ٱلْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ} تفسير : [طه: 78] ولم يحدد مقدار الماء الذي غشيهم، وترك المسألة مبهمة ليكون المعنى أبلغ، ولتذهب الظنون في هَوْلها كل مذهب. لكن؛ ما داموا قد أعْطوا ومدُّوا أيديهم للآخرين بالعطاء، فلماذا يقول تعالى: {وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ ..} [المؤمنون: 60]. نقول: لأن العبرة ليست بمجرد العمل، إنما العبرة بقبول العمل، والعمل لا يُقبل إلا إذا كان خالصاً لوجه الله لا يخالطه رياء ولا سمعة، فهم إذن يعملون ويتحرَّوْن الإخلاص وأسباب القبول ويتصدّق أحدهم بالصدقة، بحيث لا تعلم شماله ما أنفقتْ يمينه، ومع ذلك يخاف عدم القبول، وهذه أيضاً من علامات الإيمان. وكأن ربك عز وجل يَغَار عليك أنْ تعمل عملاً لا تأخذ عليه أجراً؛ لأنك إنْ رأيت الناس في شيء من العمل تركك الله وإياهم تأخذ منهم الجزاء، فهذا إذن جَهْد مُهْدر لا فائدة منه، وهذه المسألة لا يرضاها لك ربك. وفي الحديث القدسي: "حديث : الإخلاص سِرٌّ من أسراري أودعته قلب مَنْ أحببت من عبادي، لا يطلع عليه مَلَك فيكتبه، ولا شيطان فيفسده ". تفسير : والوجل: انفعال قسري واضطراب يطرأ على العضو من خوف أو خشية، والخوف شيء يخيفك أنت، أما الخشية فهي أعلى من الخوف، وهي أن تخاف ممن يوقع بك أذى أشد مما أنت فيه. ومن أهل التفسير مَنْ يرى أن الآية {وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ ..} [المؤمنون: 60] جاءت في الرجل الذي يسرق، والذي يزني، والذي يشرب الخمر، لكن قلبه وَجلٌ من لقاء الله وخشيته، فما يزال فيه بقية من بقايا الإيمان والحياء من الله تعالى. وقالوا: إن عائشة رضي الله عنها فهمت هذا من الآية. لكن هذا الفهم لا يستقيم مع قوله تعالى {يُؤْتُونَ ..} [المؤمنون: 60] أي: يؤتون غيرهم، فهناك إذن مُؤتٍ ومُؤْتىً له، ولو أراد السرقة والزنى وشرب الخمر لقال: يَأْتُون. فالمراد: يؤتون غيرهم ما عليهم من الحق، سواء أكانت هذه الحقوق لله تعالى كالزكاة والكفارات والنذور والحدود، أو كانت متعلقة بالعباد كالودائع والأمانات والعدالة في الحكم بينهم .. الخ فيؤدي المؤمن ما عليه من هذه الحقوق، وقلبه وَجِلٌ أَلاَّ يصاحب الإخلاص عمله فلا يقبل. ثم يقول تعالى: {أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} [المؤمنون: 60] فالمؤمن يؤدي ما عليه، ومع ذلك تراه خائفاً وَجِلاً؛ لأنه يثق في الرجوع إلى الله والوقوف بين يديه سبحانه، وهو ربه الذي يُجازيه على قّدْر إخلاصه، ويخاف أيضاً أن يفتضح أمره إنْ خالط عملَه شيءٌ من الرياء؛ لأن ربه غيور لا يرضى معه شريكاً في العمل، وهو سبحانه يعلم كل شيء ويحاسب على ذرات الخير وعلى ذرات الشر. وهناك أعمال في ظاهرها أنها من الدين، لكن في طيها شيء من الرياء، وإنْ لم يَدْرِ الإنسان به، ومن ذلك قولهم: أفعل هذا لله ثم لك، أو: توكلت على الله وعليك.. الخ، فهذه العبارات وأمثالها تحمل في طياتها معاني الشرك التي ينبغي أن نُنزِّه الله منها، فلا نعطف على الله تعالى أحداً حتى لا نشركه مع الله، ولو عن غير قصد. لذلك يقول تعالى: {أية : وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ}تفسير : [يوسف: 106] ويوم القيامة يطمئن أهل الإخلاص إلى الجزاء، ويُفَاجأ أهل الشرك والرياء بوجود الله تعالى، ولم يكن على بالهم حين عملوا: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ..}تفسير : [النور: 39] إذن: ما دُمْنَا سنفاجأ بوجود الحق، ولا شيء غير الحق، فليكُنْ عملنا للحق، ولا شيء لغير الحق. {أُوْلَـٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ ...}.

همام الصنعاني

تفسير : 1976- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله: {وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ}: [الآية: 60]، قال: يُعطون ما أعطوا، وَيَعْمَلُون ما عملوا من خير، {وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ}، يقول خائفةً. 1977- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا ابن مجاهد، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله تعالى: {يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ}: [الآية: 60]، قال: يُعطون ما أعطوا.