Verse. 2735 (AR)

٢٣ - ٱلْمُؤْمِنُون

23 - Al-Mu'minoon (AR)

وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا اِلَّا وُسْعَہَا وَلَدَيْنَا كِتٰبٌ يَّنْطِقُ بِالْحَقِّ وَہُمْ لَا يُظْلَمُوْنَ۝۶۲
Wala nukallifu nafsan illa wusAAaha waladayna kitabun yantiqu bialhaqqi wahum la yuthlamoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولا نكلف نفسا إلا وسعها» طاقتها فمن لم يستطع أن يصلي قائما فليصل جالسا، ومن لم يستطع أن يصوم فليأكل «ولدينا» عندنا «كتاب ينطق بالحق» بما عملته وهو واللوح المحفوظ تسطر فيه الأعمال «وهم» أي النفوس العاملة «لا يظلمون» شيئا منها فلا ينقص من ثواب أعمال الخيرات ولا يزاد في السيئات.

62

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه سبحانه لما ذكر كيفية أعمال المؤمنين المخلصين ذكر حكمين من أحكام أعمال العباد فالأول: قوله: {وَلاَ نُكَلّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا } وفي الوسع قولان: أحدهما: أنه الطاقة عن المفضل والثاني: أنه دون الطاقة وهو قول المعتزلة ومقاتل والضحاك والكلبي واحتجوا عليه بأن الوسع إنما سمي وسعاً لأنه يتسع عليه فعله ولا يصعب ولا يضيق، فبين أن أولئك المخلصين لم يكلفوا أكثر مما عملوا. قال مقاتل من لم يستطع أن يصلي قائماً فليصل جالساً ومن لم يستطع جالساً فليوم إيماء لأنا لا نكلف نفساً إلا وسعها، واستدلت المعتزلة به في نفي تكليف ما لا يطاق وقد تقدم القول فيه الثاني: قوله: {وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِٱلْحَقّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } ونظيره قوله { أية : هَـٰذَا كِتَـٰبُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقّ } تفسير : [الجاثية: 29] وقوله: { أية : لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا } تفسير : [الكهف: 49]. واعلم أنه تعالى شبه الكتاب بمن يصدر عنه البيان فإن الكتاب لا ينطق لكنه يعرب بما فيه كما يعرب وينطق الناطق إذا كان محقاً، فإن قيل هؤلاء الذين يعرض عليهم ذلك الكتاب إما أن يكونوا محيلين الكذب على الله تعالى أو مجوزين ذلك عليه، فإن أحالوه عليه فإنهم يصدقونه في كل ما يقول سواء وجد الكتاب أو لم يوجد، وإن جوزوه عليه لم يثقوا بذلك الكتاب لتجويزهم أنه / سبحانه كتب فيه خلاف ما حصل. فعلى التقديرين لا فائدة في ذلك الكتاب؟ قلنا يفعل الله ما يشاء وعلى أنه لا يبعد أن يكون ذلك مصلحة للمكلفين من الملائكة. وأما قوله: {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } فنظيره قوله: { أية : وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا } تفسير : [الكهف: 49] فقالت المعتزلة الظلم إما أن يكون بالزيادة في العقاب أو بالنقصان من الثواب أو بأن يعذب على ما لم يعلم أو بأن يكلفهم ما لا يطيقون فتكون الآية دالة على كون العبد موجداً لفعله وإلا لكان تعذيبه عليه ظلماً ودالة على أنه سبحانه لا يكلف ما لا يطاق الجواب: أنه لما كلف أبا لهب أن يؤمن، والإيمان يقتضي تصديق الله تعالى في كل ما أخبر عنه ومما أخبر عنه أن أبا لهب لا يؤمن فقد كلفه بأن يؤمن بأنه لا يؤمن فيلزمكم كل ما ذكرتموه. وأما قوله تعالى: {بَلْ قُلُوبُهُمْ فِى غَمْرَةٍ مّنْ هَـٰذَا } ففيه قولان: أحدهما: أنه راجع إلى الكفار وهم الذين يليق بهم قوله: {بَلْ قُلُوبُهُمْ فِى غَمْرَةٍ مّنْ هَـٰذَا } ولا يليق ذلك بالمؤمنين إذ المراد في غمرة من هذا الذي بيناه في القرآن أو من هذا الكتاب الذي ينطق بالحق أو من هذا الذي هو وصف المشفقين ولهم أي لهؤلاء الكفار أعمال من دون ذلك أي أعمال سوى ذلك أي سوى جهلهم وكفرهم ثم قال بعضهم أراد أعمالهم في الحال، وقال بعضهم بل أراد المستقبل وهذا أقرب لأن قوله: {هُمْ لَهَا عَـٰمِلُونَ } إلى الاستقبال أقرب وإنما قال: {هُمْ لَهَا عَـٰمِلُونَ } لأنها مثبتة في علم الله تعالى وفي حكم الله وفي اللوح المحفوظ، فوجب أن يعملوها ليدخلوا بها النار لما سبق لهم من الله من الشقاوة القول الثاني: وهو اختيار أبي مسلم أن هذه الآيات من صفات المشفقين كأنه سبحانه قال بعد وصفهم: {وَلاَ نُكَلّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا } ونهايته ما أتى به هؤلاء المشفقون {وَلَدَيْنَا كِتَابٌ } يحفظ أعمالهم {يَنطِقُ بِٱلْحَقّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } بل نوفر عليهم ثواب كل أعمالهم {بَلْ قُلُوبُهُمْ فِى غَمْرَةٍ مّنْ هَـٰذَا } هو أيضاً وصف لهم بالحيرة كأنه قال وهم مع ذلك الوجل والخوف كالمتحيرين في جعل أعمالهم مقبولة أو مردودة ولهم أعمال من دون ذلك أي لهم أيضاً من النوافل ووجوه البر سوى ما هم عليه إما أعمالاً قد عملوها في الماضي أو سيعملونها في المستقبل، ثم إنه سبحانه رجع بقوله: {حَتَّىٰ إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِٱلْعَذَابِ } إلى وصف الكفار. واعلم أن قول أبي مسلم أولى لأنه إذا أمكن رد الكلام إلى ما يتصل به من ذكر المشفقين كان أولى من رده إلى ما بعد منه خصوصاً، وقد يرغب المرء في فعل الخير بأن يذكر أن أعماله محفوظة كما قد يحذر بذلك من الشر، وقد يوصف المرء لشدة فكره في أمر آخرته بأن قلبه في غمرة ويراد أنه قد استولى عليه الفكر في قبول عمله أورده وفي أنه هل أداه كما يجب أو قصر. فإن قيل فما المراد بقوله من هذا، وهو إشارة إلى ماذا؟ قلنا هو إشارة إلى إشفاقهم ووجلهم مع أنهما مستوليان على قلوبهم. أما قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِٱلْعَذَابِ } فقال صاحب «الكشاف» حتى هذه هي التي يبتدأ بعدها الكلام والكلام الجملة الشرطية. واعلم أنه لا شبهة (في) أن الضمير في مترفيهم راجع إلى من تقدم ذكره من الكفار لأن العذاب لا يليق إلا بهم وفي هذا العذاب وجهان: أحدهما: أراد بالعذاب ما نزل بهم يوم بدر والثاني: أنه عذاب الآخرة ثم بين سبحانه أن المنعمين منهم إذا نزل بهم العذاب يجأرون أي يرتفع صوتهم بالاستغاثة والضجيج لشدة ما هم عليه ويقال لهم على وجه التبكيت {لاَ تَجْـئَرُواْ ٱلْيَوْمَ إِنَّكُمْ مّنَّا لاَ تُنصَرُونَ } فلا يدفع عنكم ما يريد إنزاله بكم، دل بذلك سبحانه على أنهم سينتهون يوم القيامة إلى هذه الدرجة من الحسرة والندامة وهو كالباعث لهم في الدنيا على ترك الكفر والإقدام على الإيمان والطاعة فإنهم الآن ينتفعون بذلك.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} قد مضى في «البقرة» وأنه ناسخ لجميع ما ورد في الشرع من تكليف ما لا يطاق. {وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِٱلْحَقِّ} أظهر ما قيل فيه: إنه أراد كتاب إحصاء الأعمال الذي ترفعه الملائكة؛ وأضافه إلى نفسه لأن الملائكة كتبت فيه أعمال العباد بأمره، فهو ينطق بالحق. وفي هذا تهديد وتأييس من الحَيْف والظلم. ولفظ النطق يجوز في الكتاب؛ والمراد أن النبيين تنطق بما فيه. والله أعلم. وقيل: عنى اللوح المحفوظ، وقد أثبت فيه كل شيء، فهم لا يجاوزون ذلك. وقيل: الإشارة بقوله «ولدينا كتاب» القرآن، فالله أعلم، وكل محتمل والأوّل أظهر.

البيضاوي

تفسير : {وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} قدر طاقتها يريد به التحريض على ما وصف به الصالحين وتسهيله على النفوس. {وَلَدَيْنَا كِتَابٌ } يريد به اللوح أو صحيفة الأعمال. {يَنطِقُ بِٱلْحَقِّ} بالصدق لا يوجد فيه ما يخالف الواقع. {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } بزيادة عقاب أو نقصان ثواب.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً عن عدله في شرعه على عباده في الدنيا: أنه لا يكلف نفساً إلا وسعها، أي: إلا ما تطيق حمله والقيام به، وأنه يوم القيامة يحاسبهم بأعمالهم التي كتبها عليهم في كتاب مسطور لا يضيع منه شيء، ولهذا قال: {وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِٱلْحَقِّ} يعني: كتاب الأعمال، {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} أي: لا يبخسون من الخير شيئاً، وأما السيئات، فيعفو ويصفح عن كثير منها لعباده المؤمنين، ثم قال منكراً على الكفار والمشركين من قريش: {بَلْ قُلُوبُهُمْ فِى غَمْرَةٍ} أي: في غفلة وضلالة {مِّنْ هَـٰذَا}، أي: القرآن الذي أنزله الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم. وقوله: {وَلَهُمْ أَعْمَـٰلٌ مِّن دُونِ ذَٰلِكَ هُمْ لَهَا عَـٰمِلُونَ} قال الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس: {وَلَهُمْ أَعْمَـٰلٌ} أي: سيئة من دون ذلك، يعني: الشرك {هُمْ لَهَا عَـٰمِلُونَ} قال: لا بد أن يعملوها، كذا روي عن مجاهد والحسن وغير واحد. وقال آخرون: {وَلَهُمْ أَعْمَـٰلٌ مِّن دُونِ ذَٰلِكَ هُمْ لَهَا عَـٰمِلُونَ} أي: قد كتبت عليهم أعمال سيئة لا بد أن يعملوها قبل موتهم لا محالة، لتحق عليهم كلمة العذاب، وروي نحو هذا عن مقاتل بن حيان والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ظاهر قوي حسن، وقد قدمنا في حديث ابن مسعود: «حديث : فو الذي لا إله غيره إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها».تفسير : وقوله: {حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِٱلْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْـئَرُونَ} يعني: حتى إذا جاء مترفيهم، وهم المنعمون في الدنيا، عذاب الله وبأسه ونقمته بهم {إِذَا هُمْ يَجْـئَرُونَ} أي: يصرخون ويستغيثون؛ كما قال تعالى: {أية : وَذَرْنِى وَٱلْمُكَذِّبِينَ أُوْلِى ٱلنَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً إِنَّ لَدَيْنَآ أَنكَالاً وَجَحِيماً } تفسير : [المزمل: 11 ــــ 12] الآية، وقال تعالى: {أية : كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَواْ وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ} تفسير : [ص: 3]. وقوله {لاَ تَجْـئَرُواْ ٱلْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِّنَّا لاَ تُنصَرُونَ} أي: لا يجيركم أحد مما حل بكم، سواء جأرتم أو سكتم، لا محيد ولا مناص ولا وزر، لزم الأمر ووجب العذاب، ثم ذكر أكبر ذنوبهم فقال: {قَدْ كَانَتْ ءَايَـتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَىٰ أَعْقَـٰبِكُمْ تَنكِصُونَ} أي: إذا دعيتم أبيتم، وإن طلبتم امتنعتم، {أية : ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ فَٱلْحُكْمُ للَّهِ ٱلْعَلِـيِّ ٱلْكَبِيرِ} تفسير : [غافر: 12]. وقوله: {مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَـٰمِراً تَهْجُرُونَ} في تفسيره قولان. (أحدهما) أن مستكبرين حال منهم حين نكوصهم عن الحق وإبائهم إياه استكباراً عليه، واحتقاراً له ولأهله، فعلى هذا الضمير في (به) فيه ثلاثة أقوال: (أحدها) أنه الحرم أي مكة، ذموا؛ لأنهم كانوا يسمرون فيه بالهجر من الكلام. (والثاني) أنه ضمير للقرآن، كانوا يسمرون ويذكرون القرآن بالهجر من الكلام: إنه سحر، إنه شعر، إنه كهانة، إلى غير ذلك من الأقوال الباطلة. (والثالث) أنه محمد صلى الله عليه وسلم كانوا يذكرونه في سمرهم بالأقوال الفاسدة، ويضربون له الأمثال الباطلة؛ من أنه شاعر أو كاهن أو ساحر أو كذاب أو مجنون، فكل ذلك باطل، بل هو عبد الله ورسوله الذي أظهره الله عليهم وأخرجهم من الحرم صاغرين أذلاء. وقيل المراد بقوله: {مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ} أي: بالبيت يفتخرون به ويعتقدون أنهم أولياؤه، وليسوا به، كما قال النسائي في التفسير من سننه: أخبرنا أحمد بن سليمان، أخبرنا عبد الله عن إسرائيل عن عبد الأعلى: أنه سمع سعيد بن جبير يحدث عن ابن عباس: أنه قال: إنما كره السمر حين نزلت هذه الآية: {مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَـٰمِراً تَهْجُرُونَ} فقال: مستكبرين بالبيت، يقولون: نحن أهله سامراً، قال: كانوا يتكبرون ويسمرون فيه، ولا يعمرونه ويهجرونه، وقد أطنب ابن أبي حاتم ههنا بما هذا حاصله.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا } طاقتها، فمن لم يستطع أن يصلي قائماً فليصلّ جالساً، ومن لم يستطع أن يصوم فليأكل {وَلَدَيْنَا }أي عندنا {كِتَابٌ يَنطِقُ بِٱلْحَقِّ } بما عملته: وهو اللوح المحفوظ تسطّر فيه الأعمال {وَهُمْ } أي النفوس العاملة {لاَ يُظْلَمُونَ } شيئاً منها، فلا ينقص من ثواب أعمال الخيرات ولا يزاد في السيئات.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمرَةٍ مِّنْ هذا} فيه وجهان: أحدهما: في غطاء، قاله ابن قتيبة. والثاني: في غفلة قاله قتادة. {مِنْ هذا} فيه وجهان: أحدهما: من هذا القرآن، وهو قول مجاهد. الثاني: من هذا الحق، وهو قول قتادة. {وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِن دُونِ ذلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ} فيه وجهان: أحدهما: خطايا [يعملونها] من دون الحق، وهو قول قتادة. الثاني: أعمال [رديئة] لم يعملوها وسيعملونها، حكاه يحيى ابن سلام. ويحتمل وجهاً ثالثاً: أنه ظلم المخلوقين مع الكفر بالخالق. قوله عز وجل: {حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِالْغَذَابِ} فيهم وجهان: أحدهما: أنهم الموسع عليهم بالخصب، قاله ابن قتيبة. والثاني: بالمال والولد، قاله الكلبي، فعلى الأول يكون عامّاً وعلى الثاني يكون خاصاً. {إذَا هُم يَجْأَرُونَ} فيه أربعة تأويلات: أحدها: يجزعون، وهو قول قتادة. الثاني: يستغيثون، وهوقول ابن عباس. والثالث: يصيحون، وهو قول علي بن عيسى. والرابع: يصرخون إلى الله تعالى بالتوبة، فلا تقبل منهم، وهو قول الحسن. قال قتادة نزلت هذه الآية في قتلى بدر، وقال ابن جريج {حَتَّى إِذَا أَخذْنَا مُتْرَفِيهِم بِالْعَذَابِ} هم الذين قتلواْ ببدر. قوله عز وجل: {وَكُنتُم عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: تستأخرون، وهو قول مجاهد. والثاني: تكذبون. والثالث: رجوع القهقرى. ومنه قول الشاعر: شعر : زعموا أنهم على سبل الحق وأنا نكص على الأعقاب تفسير : وهو أي النكوص، موسع هنا ومعناه ترك القبول. {مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ} أي بحرمة الله، ألا يظهر عليهم فيه أحد، وهو قول ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وقتادة. ويحتمل وجهاً آخر: مستكبرين بمحمد أن يطيعوه، وبالقرآن أن يقبلوه. {سَامِراً تَهْجُرونَ} سامر فاعل من السمر. وفي السمر قولان: أحدهما: أنه الحديث ليلاً، قاله الكلبي، وقيل به: سمراً تهجرون. والثاني: أنه ظل القمر، حكاه ابن عيسى، والعرب تقول حلف بالسمر والقمر أي بالظلمة والضياء، لأنهم يسمرون في ظلمة الليل وضوء القمر، والعرب تقول أيضاً: لا أكلمه السمر والقمر، أي الليل والنهار، وقال الزجاج ومن السمر أخذت سمرة اللون. وفي {تَهْجُرُونَ} وجهان: أحدهما: تهجرون الحق بالإِعراض عنه، قاله ابن عباس. والثاني: تهجرون في القول بالقبيح من الكلام، قاله ابن جبير، ومجاهد. وقرأ نافع {تُهْجِرُونَ} بضم التاء وكسر الجيم وهو من هجر القول. وفي مخرج هذا الكلام قولان: أحدهما: إنكار تسامرهم بالإِزراء على الحق مع ظهوره لهم. الثاني: إنكاراً منهم حتى تسامروا في ليلهم والخوف أحق بهم.

ابن عطية

تفسير : قوله تعالى: {ولا نكلف نفساً إلا وسعها} نسخ لجميع ما ورد في الشرع من تكليف ما لا يطاق على الحقيقة، وتكليف ما لا يطاق أربعة أقسام، ثلاثة حقيقة ورابع مجازي وهو الذي لا يطاق للاشتغال بغيره مثل الإيمان للكافر والطاعة للعاصي وهذا التكليف باق وهو تكليف أكثر الشريعة، وأما الثلاثة فورد الإثنان منها وفيها وقع النسخ المحال عقلاً في نازلة أبي لهب والمحال عادة في قوله تعالى: {أية : إن تبدوا ما في أنفسكم} تفسير : [البقرة: 284]، والثالث لم يرد فيه شيء وهو النوع المهلك لأن الله تعالى لم يكلفه عباده، فأما قتل القاتل ورجم الزاني فعقوبته بما فعل وقد مضى القول مستوعباً موجزاً في مسألة تكليف ما لا يطاق في سورة البقرة وفي قولنا ناسخ نظر من جهة التواريخ، وما نزل بالمدينة وما نزل بمكة والله المعين، وقوله تعالى: {ولدينا كتاب} أظهر ما قيل فيه أنه أراد كتاب إحصاء الأعمال الذي ترفعه الملائكة، وفي الآية على هذا التأويل تهديد وتأنيس من الحيف والظلم، وقالت فرقة الإشارة بقوله {ولدينا كتاب} إلى القرآن. قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا يحتمل والأول أظهر، وقوله {في غمرة} يريد في ضلال قد غمرها كما يفعل الماء الغمر بما حصل فيه، وقوله {من هذا}، يحتمل أن يشير إلى القرآن، ويحتمل أن يشير إلى كتاب الإحصاء، ويحتمل أن يشير إلى الأَعمال الصالحة المذكورة قبل، أي هم في غمرة من اطراحها وتركها ويحتمل أن يشير إلى الدين بجملته أو إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وكل تأويل من هذه قالته فرقة، وقوله تعالى: {ولهم أعمال من دون ذلك} الإشارة بذلك إلى الغمرة والضلال المحيط بهم فمعنى الآية بل هم ضالون معرضون عن الحق ولهم مع ذلك سعايات فساد فوسمهم تعالى بحالتي شر، قال هذا المعنى قتادة وأبو العالية، وعلى هذا التأويل فالإخبار عما سلف من أعمالهم وعماهم فيه، وقالت فرقة الإشارة بذلك إلى قوله: {من هذا} فكأنه قال: لهم أعمال من دون الحق، وقال الحسن بن أبي الحسن ومجاهد: إنما أخبر بقوله {ولهم أعمال} عما يستأنف من أعمالهم أي أنهم لهم أعمال من الفساد يستعملونها، و {حتى} حرف ابتداء لا غير، و {إذا} والثانية التي هي جواب تمنعان من أن تكون {حتى} غاية لـ {عاملون}، و"المترف" هو المنعم في الدنيا الذي هو منها في سرف وهذه حال شائعة في رؤساء الكفرة من كل أمة و {يجأرون} معناه يستغيثون بصياح كصياح البقر وكثر استعمال الجؤار في البشر ومنه قول الأعشى: [المتقارب] شعر : يراوح من صلوات المليك فطوراً سجوداً وطوراً جؤارا تفسير : وذهب مجاهد وغيره إلى أن هذا العذاب المذكور وهو الوعيد بيوم بدر وفيه نفذ على {مترفيهم} والضمير في قوله {إذا هم} يحتمل أن يعود على "المترفين" فقط لأنهم صاحوا حين نزل بهم الهزم والقتل يوم بدر، ويحتمل أن يعود على الباقين بعد المعذبين وقد حكى ذلك الطبري عن ابن جريح قال: المعذبون قتلى بدر والذين {يجأرون} قتلى مكة لأنهم ناحوا واستغاثوا.

ابن عادل

تفسير : قوله: {وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} الآية، لمّا ذكر كيفيّة أعمال المؤمنين المخلصين ذكر حكمين من أحكام أعمال العبادة: الأوّل: قوله: {وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} قال المفضّل: الوسع الطاقة. وقال مقاتل، والضحّاك، والكلبي، والمعتزلة: هو دون الطاقة، لأن الوسع إنما سُمي وُسعاً، لأنه يتسع عليه فعله، ولا يصعب ولا يضيق، فبيّن أن أولئك المخلصين لم يكلفوا أكثر مما عملوا. قال مقاتل: من لم يستطع القيام فليصلّ قاعداً، ومن لم يستطع الجلوس فَلْيومئ إيماء، ومن لم يستطع الصوم فليفطر. قوله: {وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِٱلْحَقِّ} "يَنْطِقُ" صفة لـ "كِتَابٌ" و"بِالحَقِّ" يجوز أن يتعلق بـ "يَنْطِق"، وأن يتعلق بمحذوف حالاً من فاعله. أي: ينطق ملتبساً بالحق، ونطيره {أية : هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ} تفسير : [الجاثية: 29]. فشبّه الكتاب بمن يصدر عنه البيان، فإن الكتاب لا ينطق لكنه يعرب بما فيه كما يعرب وينطق الناطق إذا كان مُحِقًّا. فإن قيل: هؤلاء الذين يعرض عليهم ذلك الكتاب، إما ان يكونوا محيلين الكذب على الله، أو مجوزين ذلك عليه، فإن أحالوه عليه، فإنهم يصدقونه في كل ما يقول سواء وجد الكتاب أو لم يوجد، وإن جوزوه عليه لم يحصل لهم بذلك الكتاب يقين، لتجويزهم أنه - سبحانه - كتب فيه خلاف ما حصل، وعلى التقديرين لا فائدة في ذلك الكتاب. فالجواب: يفعل الله ما يشاء، وعلى أنه لا يَبْعُد أن يكون ذلك مصلحة للمكلفين من الملائكة. قوله: {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} لا ينقص من حسناتهم، ولا يُزاد على سيئاتهم ونظيره: {أية : وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً} تفسير : [الكهف: 49]. قالت المعتزلة: الظلم إمّا أن يكون بالزيادة في العقاب أو بالنقصان من الثواب، أو بأن يعذب على ما لم يعمل أو بأن يكلفهم (ما لاَ يَطِيقُونَ) فتكون الآية دالة على كون العبد مُوجداً لفعله، وإلا لكان تعذيبه عليه ظلماً، ويدلُّ على أنه - سبحانه - لا يكلف ما لا يطاق. وأجيب بأنه لمّا كلف أبا لهب أن يؤمن (والإيمان يقتضي تصديق الله في كل ما أخبر به، ومما أخبر أنّ أبا لهب لا يؤمن) فقد كلّفه (بأن يؤمن) بأن لا يؤمن فيلزمكم (كل ما ذكرتموه). قوله: {بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ} أي: في غفلة وجهالةٍ، يعني الكفار في غفلة. "مِنْ هَذَا" أي: القرآن، أي من هذا الذي بيّناه في القرآن، أو من الكتاب الذي ينطق بالحق أو من هذا الذي هو وصف المشفقين. "وَلَهُمْ" أي: ولهؤلاء الكفار {أَعْمَالٌ مِّن دُونِ ذٰلِكَ} أي: أعمال خبيثة من المعاصي "دُون ذَلِك" أي: سوى جهلهم وكفرهم. وقيل: "دُون ذَلِك" يعني: من دون أعمال المؤمنين التي ذكرها الله - عز وجل - قال بعضهم: أراد أعمالهم في الحال. وقيل: بل أراد المستقبل لقوله: {هُمْ لَهَا عَامِلُونَ}. وإنما قال: {هُمْ لَهَا عَامِلُونَ}، لأنها مثبتة في علم الله - تعالى - وفي اللوح المحفوظ، فوجب أن يعملوها ليدخلوا بها النار لما سبق لهم من الشقاوة. وقال أبو مسلم: هذه الآيات من صفات المشفقين كأنه قال بعد وصفهم: {وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} ونهايته ما أتى به هؤلاء المشفقون "وَلَدَيْنَا كِتَابٌ" يحفظ أعمالهم "يَنْطِقُ بالحَقِّ" "فَلاَ يُظْلَمُونَ بَلْ قُلُوبُهُمْ في غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا" هو أيضاً وصفٌ لهم بالحيرة كأنه قال: وهم مع ذلك الوجل والخوف كالمتحيرين في أن أعمالهم مقبولة أو مردودة {وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِّن دُونِ ذٰلِكَ} أي: لهم أيضاً من النوافل ووجوه البرِّ سِوَى ما هم عليه إمَّا أعمالاً قد عملوها في الماضي، أو سيعملوها في المستقبل، ثم إنه تعالى رجع بقوله: {حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ} إلى وصف الكفار وهذا قول قتادة. قال ابن الخطيب: وقول أبي مسلم أولى، لأنه إذا أمكن رد الكلام إلى ما يتصل به كان أولى من ردّه إلى ما بعد خصوصاً، وقد يرغب المرء في فعل الخير بأن يذكر أنّ أعمالهم محفوظة، كما يحذر بذلك من الشر، وقد يُوصف المرء لشدة فكره في أمر آخرته بأن قلبه في غمرة، ويراد أنّه قد استولى عليه الفكر في قبوله أو ردِّه، وفي أنه هل أدَّى عمله كما يجب أو قصّر؟ فإن قيل: فما المراد بقوله: "مِنْ هَذَا" وهو إشارة إلى ماذا؟ قلنا: إشارة إلى إشفاقهم ووجهلم بيَّن أنهما مستوليان على قلوبهم. قوله: {هُمْ لَهَا عَامِلُونَ} كقوله: {أية : هُمْ لَهَا سَابِقُونَ} تفسير : [المؤمنون: 61]. قوله: {حَتَّىٰ إِذَآ} "حَتَّى" هذه إمّا حرف ابتداء والجملة الشرطية بعدها غاية لما قبلها، وإذا الثانية فجائية، وهي جواب الشرط، وإمّا حرف جر عند بعضهم، وتقدّم تحقيقه. وقال الحوفي: "حَتَّى" غاية، وهي عاطفة، و"إذَا" ظرف مضاف لما بعده فيه معنى الشرط، و"إذَا" الثانية في موضع جواب الأولى، ومعنى الكلام عامل في "إذَا"، والمعنى: جأروا، والعامل في الثانية "أَخَذْنَا". وهو كلام لا يظهر. وقال ابن عطية: و"حَتَّى" حرف ابتداء لا غير، و"إذا" الثانية - (التي هي جواب) - تمنعان من أن تكون "حَتَّى" غاية لـ "عَامِلُونَ". قال شهاب الدين: يعني أنّ الجملة الشرطية وجوابها لا يظهر ان تكون غاية لـ "عَامِلُونَ". وظاهر كلام مكّي أنها غاية لـ "عَامِلُونَ"، فإنه قال: أي: لكفار قريش أعمال من الشر دون أعمال أهل البرّ {هُمْ لَهَا عَامِلُونَ} إلى أن يأخذ الله أهل النعمة والبطر منهم إذا هم يضجون والجُؤار: الصراخ مطلقاً، وأنشد الجوهري: شعر : 3803- يُرَاوِحُ مِنْ صَلَوَاتِ المَلِيـ ـك طَوْراً سُجُوداً وطَوْراً جُؤَارَا تفسير : وتقدّم مستوفى في النحل. فصل قال الزمخشري: "حَتَّى" هذه هي التي يبتدأ بعدها الكلام، والكلام الجملة الشرطية. واعلم أن الضمير في "مُتْرفِيهِم" راجع إلى من تقدّم ذكره من الكفار، لأنّ العذاب لا يليق إلا بهم. والمراد بالمُترفين: رؤساؤهم. قال ابن عباس: هو السيف يوم بدر. وقال الضحاك: يعني الجوع حين دعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : اللهُّم اشْدُدْ وَطْأَتَك على مُضَر واجْعَلْهَا عليهم سِنِينَ كَسِني يُوسُف" تفسير : فابتلاهم الله بالقحط حتى أكلوا الكلاب والجِيفَ. وقيل: أراد عذاب الآخرة. ثم بيّن تعالى أنّهم إذا نزل بهم هذا "يَجْأَرُونَ" أي: ترتفع أصواتهم بالاستغاثة والضجيج لشدة مَا نَالَهُم. ويقال لهم على وجه التبكيت: {لاَ تَجْأَرُواْ ٱلْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِّنَّا لاَ تُنصَرُونَ}. لا تُمنعون منا ولا ينفعكم تضرعكم.

ابو السعود

تفسير : {وَلاَ نُكَلّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} جملةٌ مستأنفة سِيقتْ للتَّحريضِ على ما وُصف به السابقون من فعلِ الطَّاعاتِ المؤدِّي إلى نيل الخيرات ببـيانِ سُهولتهِ وكونه غيرَ خارجٍ عن حدِّ الوسعِ والطَّاقةِ ـ أي عادتُنا جاريةٌ على أنْ لا نكلِّفَ نَفْساً من النُّفوسِ إلاَّ ما في وُسعِها، على أنَّ المرادَ استمرارُ النَّفيِ بمعونةِ المقامِ لا نَفيُ الاستمرارِ كما مرَّ مراراً. أو للتَّرخيصِ فيما هو قاصرٌ عن درجة أعمالِ أولئك الصَّالحينَ ببـيانِ أنَّه تعالى لا يُكلِّفُ عباده إلاَّ ما في وُسعهم فإنْ لم يبلغوا في فعل الطَّاعاتِ مراتبَ السَّابقينَ فلا عليهم بعد أنْ يبذُلوا طاقتهم ويستفرغُوا وُسعهم. قال مقاتلٌ: من لم يستطعِ القيامَ فليصلِّ قاعداً ومَن لم يستطعِ القُعودَ فليومِ إيماءً، وقولُه تعالى: {وَلَدَيْنَا كِتَابٌ} الخ تتمة لما قبلَه ببـيانِ أحوالِ ما كُلِّفوه من الأعمالِ وأحكامِها المترتِّبةِ عليها من الحسابِ والثَّوابِ والعقابِ والمرادُ بالكتابِ صحائفُ الأعمالِ التي يقرأونها عند الحسابِ حسبما يُعربُ عنه قولُه تعالى: {يَنطِقُ بِٱلْحَقّ} كقوله تعالى: { أية : هَـٰذَا كِتَـٰبُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} تفسير : [الجاثية: 29] أي عندنا كتابٌ قد أُثبتَ فيه أعمالُ كلِّ أحدٍ على ما هي عليهِ أو أعمالُ السَّابقينَ والمُقتصدينَ جميعاً لا أنَّه أُثبتَ فيه أعمالُ الأوَّلينَ وأُهمل أعمالُ الآخرينَ ففيهِ قطعُ معذرتِهم أيضاً. وقولُه بالحقِّ متعلِّقٌ بـينطقُ أي يظهر الحقَّ المطابقَ للواقعِ على ما هو عليهِ ذاتاً ووصفاً ويبـيِّنهُ للناظرِ كما يُبـيِّنه النُّطقُ ويُظهره للسَّامعِ فيظهر هنالك جلائلُ أعمالهم ودقائقُها ويُرتب عليها أجزيتُها إنْ خيراً فخيرٌ وإنْ شرًّا فشرٌّ وقولُه تعالى: {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} بـيانٌ لفضلهِ تعالى وعدلهِ في الجزاءِ إثرَ بـيانِ لُطفه في التَّكليفِ وكَتْبِ الأعمال أي لا يُظلمون في الجزاء بنقص ثواب أو بزيادة عذاب بل يُجزون بقدرِ أعمالهم التي كُلِّفوها ونطقت بها صحائفها بالحقِّ وقد جُوِّزَ أنْ يكونَ تقريراً لما قبله من التَّكليفِ وكَتْبِ الأعمال أي لا يُظلمون بتكليفِ ما ليس في وُسعهم ولا بعدم كَتْبِ بعض أعمالهم التي من جُملتِها أعمالُ المقتصدين بناءً على قُصورها عن درجة أعمال السَّابقينَ بل يُكتب كلٌّ منها على مقاديرِها وطبقاتها. والتَّعبـيرُ عمَّا ذُكرِ من الأمور بالظُّلم ـ مع أنَّ شيئاً منها ليس بظلم ـ ما تقرر من أنَّ الأعمال الصَّالحة لا تُوجب أصل الثَّوابِ فضلاً عن إيجاب مرتبةٍ معينةٍ منه حتَّى تعدَّ الإثابةُ بما دونها نقصاً وكذلك الأعمالُ السَّيئةُ لا توجبُ درجةً معينة من العذابِ حتَّى بعد التَّعذيبِ بما فوقها زيادة وكذا تكليفُ ما في الوسعِ وكتبُ الأعمالِ ليسا ممَّا يجبُ عليه سُبحانه حتَّى يعد تركُهما ظُلماً لكمالِ تنزيه ساحةِ السُّبحانِ عنها بتصويرِها بصورةِ ما يستحيلُ صدوره عنه تعالى وتسميتُها باسمهِ. وقولُه تعالى: {بَلْ قُلُوبُهُمْ فِى غَمْرَةٍ مّنْ هَـٰذَا} إضرابٌ عمَّا قبله. والضَّميرُ للكَفرة لا للكلِّ كما قبله أي بل قلوبُ الكَفَرةِ في غَفْلةٍ غامرةٍ لها من هذا الذي بُـيِّن في القُرآن من أنَّ لديه تعالى كتاباً ينطقُ ويظهر لهم أعمالهم السَّيئةَ على رؤوس الأشهاد فيُجزون بها كما يُنبىءُ عنه ما سيأتي من قوله تعالى: {أية : قَدْ كَانَتْ ءايَـٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} تفسير : [المؤمنون: 66] الخ وقيل ممَّا عليه أولئك الموصُوفون بالأعمالِ الصَّالحةِ {وَلَهُمْ أَعْمَـٰلٌ} سيِّئةٌ كثيرةٌ {مِن دُونِ ذَلِكَ} الذي ذُكر من كون قلوبِهم في غفلةٍ عظيمةٍ ممَّا ذُكر وهي فنونُ كفرهم ومعاصيهم التي مِن جُملتِها ما سيأتي من طعنِهم في القُرآن حسبما يُنبىءُ عنه قولُه تعالى: { أية : مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَـٰمِراً تَهْجُرُونَ} تفسير : [المؤمنون: 67] وقيل متخطية لما وُصف به المؤمنون من الأعمالِ الصَّالحةِ المذكورةِ وفيه أنَّه لا مزيَّة في وصف أعمالهم الخبـيثة بالتَّخطِّي للأعمال الحسنة للمؤمنين وقيل متخطيةٌ عما هم عليه من الشرك ولا يخفى بعده لعدم جريان ذكره {هُمْ لَهَا عَـٰمِلُونَ} مستمرُّون عليها مُعتادُون فعلَها ضارون بها لا يكادون يَبرحُونها.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} [الآية: 62]. قال الجريرى: لم يكلف الله العباد معرفته على قدره وإنما كلفهم على أقدارهم. قال الله تعالى: {وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} ولو كلفهم على قدره وبمقداره لجهلوه، وما عرفوه لأنه لا يعرف قدره أحد سواه، ولا يعرفه على الحقيقة سواه وإنما ألقى إلى الخلق منها اسمًا ورسمًا إكرامًا لهم بذلك، وأما المعرفة فإنها التحير والهون فيه. قال أبو بكر بن طاهر فى هذه الآية: لم يستوف أوقاتهم فى عبادتهم، وإنما وقت لهم أوقاتًا ليرجعوا منها إلى صلاح أبدانهم وتعهد أحوالهم، ولم يوقت للمعرفة والذكر وقتًا لئلا يغفل عنه فى حال، ولا ينسين فى حال فقال: {أية : فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ} تفسير : [النساء: 103].

القشيري

تفسير : المطالباتُ في الشريعةِ مَضْمَّنَةٌ بالسهولة، وأمَّا مطالباتُ الحقيقة فكما قالوا: ليس إلاَّ بَذْل الروح، ولهذا فهم لا تشغلهم التُّرَّهَات. قال لأهل الرخص والمستضعفين في الحال: {أية : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}تفسير : [الحج: 78]، وأمَّا أربابُ الحقائق؛ فقال: {أية : وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللَّهُ}تفسير : [البقرة: 284] وقال: {أية : وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٌ}تفسير : [النور: 15] وقال: {أية : وَجَاهِدُوا فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ}تفسير : [الحج: 78]. قوله: {وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِٱلْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}: لولا غفلتُهم عن مواضع الحقيقة لما خوَّفهم بكتابة المَلَكِ، ولكن غفلوا عن شهود الحق فخوَّفهم باطلاعِ الملائكة، وكتابَتِهم عليهم أعمالهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولا نكلف نفسا} من النفوس {الا وسعها} قدر طاقتها لا اله الا الله والعمل بما يترتب عليه من الاحكام من قبيل ماهو فى الوسع، قال مقاتل من لم يستطع القيام فليصل قاعدا ومن لم يستطع القعود فليومىء ايماء، قال الحريرى لم يكلف الله العباد معرفته على قدره وانما كلفهم على اقدارهم ولو كلفهم على قدره لما عرفوه لانه لا يعرفه على الحقيقة احد سواه: قال الجامى شعر : عمرى خردجوجشمه هاجشمها كشاد تابر كمال كنه اله افكند نكاه ليكن كشيد عاقبتش در دو ديده نيل شكل الف كه حرف نخست است ازاله تفسير : {ولدينا} عندنا {كتاب} صحائف اعمال قد اثبت فيها اعمال كل احد على ماهى عليه {ينطق بالحق} بالصدق لا يوجد فيه مايخالف الواقع اى يظهر الحق ويبينه للناظر كما يبينه النطق ويظهر للسامع فنيظر هنالك اعمالهم ويترتب عليها اجزيتها ان خيرا فخير وان شرا فشر: وبالفارسية [ونزد ما هست نامه اعمال هركس كه سخن كويد براستى وكواهى دهد بركردار هركس] {وهم لا يظلمون} فى الجزاء بنقص ثواب او بزيادة عذاب بل يجزون بقدر اعمالهم التي كلفوها ونطقت بها صحائفها بالحق.

الطوسي

تفسير : يقول الله تعالى مخبراً عن نفسه {لا نكلف نفساً إلا وسعها} يعنى إلا على قدر طاقتها وقوتها، ومثله قوله تعالى {أية : لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} تفسير : والوسع الحال التي يتسع بها السبيل الى الفعل. وقيل: إن الوسع دون الطاقة. والتكليف تحميل ما فيه المشقة بالأمر والنهي والاعلام، وهو مأخوذ من الكلفة فى الفعل، والله تعالى مكلف عباده تعريضاً لهم للنفع الذي لا يحسن الابتداء بمثله، وهو الثواب. وفي الآية دلالة على بطلان مذهب المجبرة: فى تكليف ما لا يطاق، لأنه لو كلف ما لا يطيقه العبد لكان قد كلفه ما ليس في وسعه. والآية تمنع من ذلك. وقوله {ولدينا كتاب ينطق بالحق} يريد الكتاب الذي فيه اعمال العباد مكتوبة من الطاعة والمعصية تكتبه عليه الملائكة الموكلون به كما قال {أية : ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} تفسير : ثم أخبر تعالى {إنهم لا يظلمون} أي لا يؤاخذون بما لا يفعلونه ولا ينقصون عما استحقوه. ثم اخبر تعالى فقال {بل قلوبهم في غمرة من هذا} اى فى غفلة من هذا اليوم، وهذه المجازاة. وقال الحسن: معناه في حيرة. وهذا اخبار منه تعالى بما يكون منهم في المستقبل من الاعمال القبيحة، زائدة على ما ذكره وحكاه أنه فعلهم {ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون} قيل فى معناه قولان: احدهما - قال قتادة وابو العالية - وفى رواية عن مجاهد - ان لهم خطايا من دون الحق. والثاني - قال الحسن وابن زيد - وفى رواية عن مجاهد - ايضاً: أعمالا من دون ما هم عليه لا بد من ان يعملوها. وقوله {حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون} فالمترف المتقلب في لين العيش ونعومته. ومنه قوله {أية : وأترفناهم في الحياة الدنيا} تفسير : و {يجأرون} معناه يضجون، لشدة العذاب. وقال ابن عباس: يستغيثون. وقال مجاهد: كان ذلك بالسيوف يوم بدر، والجؤار: رفع الصوت، كما يجأر الثور، قال الاعشى: شعر : يراوح من صلوات المليـ ك طوراً سجوداً وطوراً جؤارا تفسير : وقيل معنى {يجأرون} يصرخون بالتوبة، فيقول الله لهم {لا تجأروا اليوم} أي لا تصرخوا فى هذا اليوم {إنكم منا لا تنصرون} بقبول التوبة، ولا لكم من يدفع عنكم ما أفعله من العذاب. ثم يقول الله تعالى لهم {قد كانت آياتي} أي حججي وبراهيني {تتلى عليكم} من القرآن وغيره {فكنتم على أعقابكم تنكصون} فالنكص الرجوع القهقرى وهو المشي على الاعقاب الى خلف، وهو أقبح مشية. مثل شبه الله به أقبح حال فى الاعراض عن الداعي الى الحق. وقال سيبويه: لأنه يمشي ولا يرى ما وراءه، فهو النكوص. وقال مجاهد: ينكصون معناه يستأخرون. وقيل: يدبرون. وقوله {مستكبرين} نصب على الحال، ومعناه {تنكصون} فى حال تكبركم عن الانقياد لحجج الله، والاجابة لانبيائه. وقال ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة والضحاك: {مستكبرين به} أي يحرم الله أنه لا يظهر عليكم فيه أحد. وقوله {سامراً تهجرون} فالسامر الذي يحدث بالسمر ليلا، ومنه السمرة والسمار، لان جميع ذلك من اللون الذي بين السواد والبياض. وقيل: السمر ظل القمر، ويقال له الفخت، ومعنى {سامراً} أي سماراً، فوضع الواحد موضع الجمع لانه فى موضع المصدر، كما يقال قوموا قائماً أي قياماً قال الشاعر: شعر : من دونهم إن جئتم سمراً عزف القيان ومجلس غمر تفسير : وكانوا يسمرون حول الكعبة بالليل. وقيل: انما وحد، لأنه في موضع الوقت وتقديره لئلا تهجرون، والهجر الكلام المرفوض، وهو المهجور منه، لأنه لا خير فيه. والنائم يهجر في نومه أي يأتي بكلام مختلط لا فائدة فيه. وفى معنى تهجرون قولان: احدهما - تهجرون الحق بالاعراض عنه، فى قول ابن عباس. الثاني - تقولون الهجر، وهو السيء من القول، فى قول سعيد بن جبير ومجاهد وابن زيد. وقرأ نافع وحده {تهجرون} بضم التاء أراد من الهجر، وهو الكلام السيء. الباقون بفتح التاء وضم الجيم، على ما فسرناه، يقال: هجر يهجر هجراً إذا هذى.

الجنابذي

تفسير : {وَلاَ نُكَلِّفُ} عطف فيه رفع توهّم فانّه قد يتوهّم متوهّم انّه لا يمكن الجمع بين تلك الاوصاف بحقائقها، او يتوهّم انّ الفرحين بما عندهم لا يقدرون على الاقدام على الاوصاف فرفع ذلك بقوله لا نكلّف {نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} الوسع مثلّثة الواو الجدة والطّاقة يعنى لا نكلّف نفساً الاّ بقدر طاقتها او ما يسعه طاقتها بان يكون دون طاقتها {وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِٱلْحَقِّ} رفع توهّمٍ آخر فانّه قد يتوهّم انّ الامداد بالاموال والبنين ابطرهم فلا ينبغى ان يمدّهم الله فقال: انّ امدادنا واستدراجنا كان بسوء فعلهم ولدينا كتاب هو كتاب اعمالهم الّذى يكتبه الحفظة او كتاب هو الكتاب السّابق على وجودهم من الالواح العالية ينطق بالحقّ، نسبة النّطق الى الكتاب مجاز او لانّ الكتب العالية كلّها حيٰوة وعلم وشعور ونطق {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} بزيادة العقاب او بالعقوبة من دون استحقاق.

الأعقم

تفسير : {ولا نكلف نفساً إلا وسعها} إلاَّ وسع عليها فعله كالمصلي لا يجد الماء جاز التيمم، ونحو {ولدينا كتاب ينطق بالحق} يعني وعيد بالكتاب ينطق بالحق وذلك كتاب الحفظة، وقيل: اللوح المحفوظ كتب فيه أعمال الخلق لتعرفه الملائكة {وهم لا يظلمون} جزاء أعمالهم {بل قلوبهم في غمرة} أي حيرة، وقيل: في غفلة شديدة {من هذا} الكتاب المشتمل على الوعد والوعيد {ولهم أعمال من دون ذلك} أي من دون الشرك من الفسق والظلم ونحوه {هم لها عاملون} أي بها عاملون {حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب} يعني متنعميهم ورؤساءهم قيل: يوم القيامة، وقيل: بالسيف يوم بدر، وقيل: بالجوع حين دعا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) {إذا هم يجأرون} قيل: يصيحون لشدة العذاب ويجزعون، وقيل: يصرخون بالتوبة {لا تجأروا اليوم} لا تصيحوا اليوم وهو يوم القيامة {إنكم منّا لا تنصرون} لا تمنعون، وقيل: لا تنصرون بقبول التوبة {كانت آياتي تتلى عليكم} يعني القرآن يتلى عليكم {فكنتم على أعقابكم تنكصون} ترتدون وتستأخرون، قيل: هذا مثل والمراد ترتدون {مستكبرين به} أي متعظمين متكبرين إذا سمعوا القرآن، ومعنى استكبارهم تكذيبهم به {سامراً} السامر المحدث بالسمر ليلاً {تهجرون} من أهجر في منطقه إذا أفحش، وسمي حديث الليل سميراً لأنهم يقعدون في ظل القمر فيتحدثون، يسمرون بالليل حول الكعبة لنسخ أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) {تهجرون} قيل: تعرضون، وقيل: تقولون الهجر وهو السيء من القول {أفلم يدّبروا القول} يعني أفلم يتفكروا في القرآن يتلى عليهم {أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين} يعني أهذا شيء جاءهم ولم يأت أباءهم حتى أنكروه لكونه بدعاً وقد بعث في الأمم الرسل قبلهم، وقيل: إنهم منعوا بالجهل ولما جاءهم مالم يأت أباءهم جحدوا به {أم لم يعرفوا رسولهم} محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) {فهم له منكرون} يعني ينكروا إرساله الرسول حسداً وبغياً {أم يقولون به جنّة} قيل: مجنون {بل جاءهم بالحق} قيل: كذبوا فيما قالوا إلا أن الحق قد جاءهم {وأكثرهم للحق كارهون} {ولو اتّبع الحق أهواءهم} لانقلب باطلاً ولذهب ما يقوم به العالم فلا يبقى بعده قوام، أو أراد أن الحق الذي جاء به محمد وهو الإِسلام لو اتّبع أهواءهم وانقلب شركاً لجاء الله بالقيامة ولأهلك العالم ولم يؤخر، وعن قتادة أن الحق هو الله، ومعناه: ولو كان الله إلهاً يتبع أهواءهم ويأمر بالشرك والمعاصي لما كان إلهاً ولكان شيطاناً ولما قدر على أن يمسك السماوات والأرض {بل أتيناهم بذكرهم} أي بالكتاب الذي هو ذكرهم أو وعظهم، أو بالذكر الذي كانوا يتمنونه {أية : وإن كانوا ليقولون لو أن عندنا ذكراً من الأولين لكنا عباد الله المخلصين}تفسير : [الصافات: 167-169].

اطفيش

تفسير : و {لاَّ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} قدر طاقتها فما وصف به الصالحون ليس يخرج فالقصور عنه لا ينبغي فافعلوا ما فعلوا ومن لم يبلغ ان يكون صفتهم بعد استفراغ وسعه وبذل طاقته فلا عليه فمن لم يستطع ان يصلي قائما فليصل قاعدا أو لم يستطع فمضطجعا ومن لم يستطع ان يصوم فلياكل وهكذا * {وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالحَقِّ} بما عملته كل نفس وهو اللوح المحفوظ تسطر فيه الاعمال أو كتاب كل نفس أو الديوان الجامع لاعمال كل نفس المكتوبة في كتابها غير اللوح المحفوظ ونفى بقوله: (بالحق) ان تكون فيه زيادة أو نقص {وَهُمْ} اي الناس المدلول عليهم بذكر النفس في سياق النفي {لاَ يُظْلَمُونَ} بنقص من الحسنات أو زيد في السيئات. وقيل: المراد بالكتاب القرآن.

الالوسي

تفسير : {وَلاَ نُكَلّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} جملة مستأنفة سيقت للتحريض على ما وصف به أولئك المشار إليهم من فعل الطاعات ببيان سهولته وكونه غير خارج عن حد الوسع والطاقة أي عادتنا جارية على أن لا نكلف نفساً من النفوس إلا ما في وسعها وقدر طاقتها على أن المراد استمرار النفي بمعونة المقام لا نفي الاستمرار أو للترخيص فيما هو قاصر عن درجة أعمال أولئك [الصالحين] ببيان أنه تعالى لا يكلف عباده إلا ما في وسعهم فإن لم يبلغوا في فعل الطاعات مراتب السابقين فلا عليهم بعد أن يبذلوا طاقتهم ويستفرغوا وسعهم. قال مقاتل: من لم يستطع القيام فليصل قاعداً ومن لم يستطع القعود فليوم إيماء. وقوله سبحانه: {وَلَدَيْنَا كِتَـٰبَ يَنطِقُ بِٱلْحَقّ} تتمة لما قبله ببيان أحوال ما كلفوه من الأعمال وأحكامها المترتبة عليها من الحساب والثواب والعقاب، والمراد بالكتاب صحائف الأعمال التي يقرؤونها عند الحساب حسبما يؤذن به الوصف فهو كما في قوله تعالى: { أية : هَـٰذَا كِتَـٰبُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } تفسير : [الجاثية: 29] و {ٱلْحَقّ} المطابق للواقع والنطق به مجاز عن إظهاره أي عندنا كتاب يظهر الحق المطابق للواقع على ما هو عليه ذاتاً ووصفاً ويبينه للناظر كما يبينه النطق ويظهره للسامع فيظهر هناك جلائل الأعمال ودقائقها ويرتب عليها أجزيتها إن خيراً فخير وإن شراً فشر. وقيل: المراد بالكتاب صحائف يقرؤونها فيها ما ثبت لهم في اللوح المحفوظ من الجزاء وهو دون القول الأول، وأدون منه ما قيل: إن المراد به القرآن الكريم. وقوله تعالى: {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} لبيان فضله عز وجل وعدله في الجزاء على أتم وجه إثر بيان لطفه سبحانه في التكليف وكتب الأعمال على ما هي عليه أي لا يظلمون في الجزاء بنقص ثواب أو زيادة عذاب بل يجزون بقدر أعمالهم التي كلفوها ونطقت بها صحائفها بالحق، وجوز أن يكون تقريراً لما قبل من التكليف وكتب الأعمال أي لا يظلمون بتكليف ما ليس في وسعهم ولا بكتب بعض أعمالهم التي من جملتها أعمال غير السابقين بناءً على قصورها عن درجة أعمال السابقين بل يكتب كل منها على مقاديرها وطبقاتها.

ابن عاشور

تفسير : تذييل لما تقدم من أحوال الذين من خشية ربهم مشفقون. لأنه لما ذكر ما اقتضى مخالفة المشركين لما أمروا به من توحيد الدين، وذكر بعده ما دل على تقوى المؤمنين بالخشية وصحة الإيمان والبذل ومسارعتهم في الخيرات، ذيل ذلك بأن الله ما طلب من الذين تقطعوا أمرهم إلا تكليفاً لا يشق عليهم، وبأن الله عذر من المؤمنين من لم يبلغوا مبلغ من يفوتهم في الأعمال عذراً يقتضي اعتبار أجرهم على ما فاتهم إذا بذلوا غاية وسعهم. قال تعالى { أية : ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله } تفسير : [التوبة: 91]. فقوله: {ولا نكلف نفساً إلا وسعها} خبر مراد منه لازمه وهو تسجيل التقصير على الذين تقطعوا أمرهم بينهم. وقطع معذرتهم، وتيسير الاعتذار على الذين هم من خشية ربهم مشفقون كقوله تعالى: { أية : يريد الله بكم اليسر } تفسير : [البقرة: 185] مع ما في ذلك من جبر الخواطر المنكسرة من أهل الإيمان الذين لم يلحقوا غيرهم لعجز أو خصاصة. ولمراعاة هذا المعنى عطف قوله: {ولدينا كتاب ينطق بالحق} وهو معنى إحاطة العلم بأحوالهم ونواياهم. فالكتاب هنا هو الأمر الذي فيه تسجيل الأعمال من حسنات وسيئات وإطلاق الكتاب عليه لإحاطته. وفي قوله {لدينا} دلالة على أن ذلك محفوظ لا يستطيع أحد تغييره بزيادة ولا نقصان. والنطق مستعار للدلالة، ويجوز أن يكون نطق الكتاب حقيقة بأن تكون الحروف المكتوبة فيه ذات أصوات وقدرة الله لا تُحد. وأما قوله {وهم لا يظلمون} فالمناسب أن يكون مسوقاً لمؤاخذة المفرّطين والمعرضين فيكون الضمير عائداً إلى ما عاد إليه ضمير { أية : فتقطعوا أمرهم } تفسير : [المؤمنون: 53] وأشباهه من الضمائر والاعتماد على قرينة السياق، وقوله { أية : بل قلوبهم في غمرة من هذا } تفسير : [المؤمنون: 63] وما بعده من الضمائر. والظلم على هذا الوجه محمول على ظاهره وهو حرمان الحق والاعتداء. ويجوز أن يكون الضمير عائداً إلى عموم الأنفس في قوله {ولا نكلف نفساً إلا وسعها} فيكون قوله {وهم لا يظلمون} من بقية التذييل، والظلم على هذا الوجه مستعمل في النقص من الحق كقوله تعالى: { أية : كلتا الجنتين آتتْ أكلها ولم تظلم منه شيئاً } تفسير : [الكهف: 33] فيكون وعيداً لفريق ووعداً لفريق. وهذا أليق الوجهين بالإعجاز.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا}. ما تضمنته هذه الآية من التخفيف في هذه الحنيفية السمحة، التي جاء بها نبينا صلى الله عليه وسلم قد ذكرنا طرفاً من الآيات الدالة عليه في سورة الحج في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}تفسير : [الحج: 78] فأغنى ذلك عن إعادته هنا. قوله تعالى: {وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِٱلْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}. الحق أن المراد بهذا الكتاب: كتاب الأعمال الذي يحصيها الله فيه، كما يدل عليه قوله تعالى {أية : هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}تفسير : [الجاثية: 29] وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا المعنى في الكهف، في الكلام على قوله: {أية : وَوُضِعَ ٱلْكِتَابُ فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ}تفسير : [الكهف: 49] الآية، وفي سورة الإسراء في الكلام على قوله: {أية : وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً}تفسير : [الإسراء: 13]. والظاهر أن معنى نطق الكتاب بالحق: أن جميع المكتوب فيه حق، فمن قرأ المكتوب فيه، كأنه لا ينطق في قراءته له إلا بالحق، وربما أطلقت العرب اسم الكلام على الخط، كما روي عن عائشة أنها قالت: ما بين دفتي المصحف كلام الله، والله تعالى أعلم.

د. أسعد حومد

تفسير : {كِتَابٌ} (62) - يَفْرِضُ الإِسْلاَمُ عَلَى قَلْبِ المُؤْمِنِ يَقْظَةً هِيَ فِي طَوْقِهِ واسْتِطَاعَتِهِ، وَلَيْسَتْ فَوْقَ طَاقَتِهِ، لأَِنَّ اللهَ تَعَالَى لاَ يُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ مَا هُوَ فِي مَقْدُورِهَا، وَأَنَّهُ تَعَالَى يُحَاسِبُ النَّاسَ يَوْمَ القِيَامَةِ بِأَعْمَالِهِم التِي سُجِّلَتْ عَلَيْهِمْ فِي كِتَابٍ مَسْطُورٍ، لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاها، وَهُمْ لاَ يُبْخَسُونَ شَيئاً مِنْ أَعْمَالِهِم الخَيِّرَةِ، وَلاَ يُنْقَصُونَ مِنْهَا وَلا يُزَادُ شَيءٌ فِي سَيِّئَاتِهِمْ. وُسَعَها - قَدَرَ طَاقَتِها مِنَ الأَعْمَالِ. لاَ يُظْلَمُونَ - لاَ يُزَادُ شَيءٌ فِي سَيِّئَاتِهِمْ مِمَّا لَمْ يَفْعَلُوه.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : بعد أن تكلم الحق سبحانه عن المسارعة والمنافسة بيَّن أنها على قَدْر الوُسْع والطاقة، وأنه سبحانه ما كلّفك إلا بعد عِلْمه بقدرتك، وأنك تسع هذا التكليف، فإياك أنْ تنظر إلى الحكم فتقول: أنا أسعه أو لا أسعه، لكن انظر إلى التكليف: ما دام ربك قد كلّفك فاعلم أنه في وُسْعك، وحين يعلم منك ربك عدم القدرة يُخفِّف عنك التكليف دون أنْ تطلب أنت ذلك. والأمثلة على تخفيف التكاليف واضحة في الصلاة والصوم والحج .. الخ. والآن نسمع مَنْ يقول: لم تَعُد الطاقة في هذا العصر تسع هذه التكاليف، فالزمن تغيّر، والأعمال والمسئوليات كثرت، إلى غير ذلك من هذه الأقوال التي يريد أصحابها التنصّل من شرع الله. ونقول: ما دام التكليف باقياً فالوُسْع بَاقٍ، والحق - سبحانه وتعالى - أعلم بوُسْع خَلْقه وطاقاتهم. إذن: أنا أنظر أولاً إلى التكليف، ثم أحكم على الوُسْع من التكليف، ولا أحكم على التكليف من الوُسْع. ثم يقول سبحانه: {وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِٱلْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} [المؤمنون: 62] المراد هنا كتاب أعمالنا الذي سجّل فيه كل شيء قدّمته الأيدي، لكن: ما الحكمة من تسجيل الأعمال؟ وهل يُكذِّب العباد ربهم عز وجل فيما سُجِّل عليهم؟ قالوا: الحكمة من تسجيل الأعمال أن تكون حجة على صاحبها، وليعلم أن الله ما ظلمه شيئاً؛ لذلك سيقول له ربه: {أية : ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ ..} تفسير : [الإسراء: 14] يعني: بنفسك حتى تُقام عليك الحجة، ولا يكون عندك اعتراض. ثم قال بعدها: {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} [المؤمنون: 62] لأن الظلم لا يُتصوّر من الحق - سبحانه وتعالى - فالظلم نتيجة الحاجة، وأنت تظلم غيرك حين تريد أن تنتفع بأثر الغير في الخير زيادة عَمَّا عندك، فالظلم إذن نتيجة الحاجة، والحق سبحانه هو المعطي، وهو الغني الذي لا حاجةَ له إلى أحد، فلماذا يظلم؟ كذلك قد يظلم الضعيف ليأخذ ما في يد غيره ليسُدّ حاجته أو شهوته، ولو كان قوياً لكفى نفسه بمجهوده. ثم يقول الحق سبحانه: {بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِّنْ هَـٰذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ ...}.