Verse. 2737 (AR)

٢٣ - ٱلْمُؤْمِنُون

23 - Al-Mu'minoon (AR)

حَتّٰۗي اِذَاۗ اَخَذْنَا مُتْرَفِيْہِمْ بِالْعَذَابِ اِذَا ہُمْ يَجْــــَٔــرُوْنَ۝۶۴ۭ
Hatta itha akhathna mutrafeehim bialAAathabi itha hum yajaroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«حتى» ابتدائية «إذا أخذنا مترفيهم» أغنياءهم ورؤساءهم «بالعذاب» أي السيف يوم بدر «إذا هم يجأرون» يضجون يقال لهم.

64

Tafseer

البيضاوي

تفسير : {حَتَّىٰ إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ } متنعميهم. {بِٱلْعَذَابِ } يعني القتل يوم بدر أو الجوع حين دعا عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : اللهم أشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف»تفسير : فقحطوا حتى أكلوا الجيف والكلاب والعظام المحرقة. {إِذَا هُمْ يَجْئَرُونَ} فالجآر الصراخ بالاستغاثة، وهو جواب الشرط والجملة مبتدأ بعد حتى ويجوز أن يكون الجواب:

المحلي و السيوطي

تفسير : {حَتَّىٰ } ابتدائية {إِذآ أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ } أغنياءهم ورؤساءهم {بِٱلْعَذَابِ }أي السيف يوم بدر {إِذا هُمْ يَجْئَرُونَ} يضجُّونَ يقال لهم:

ابن عبد السلام

تفسير : {مُتْرَفِيهِم} الموسع عليهم بالخصب، أو الأموال والأولاد {يَجْئَرُونَ} يجزعون، أو يستغيثون "ع"، أو يضجون، أو يصرخون إلى الله ـ تعالى ـ بالتوبة فلا تُقبل منهم"ح" قيل نزلت في قتلى بدر {إِذَا هُمْ يَجْئَرُونَ} الذين بمكة.

السيوطي

تفسير : أخرج النسائي عن ابن عباس في قوله {حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب} الآية. قال: هم أهل بدر. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة {حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب} قال: ذكر لنا أنها نزلت في الذين قتل الله يوم بدر. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد {حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب} قال: بالسيوف يوم بدر {إذا هم يجأرون} قال: الذين بمكة. وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير {حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب} قال: بالسيف يوم بدر. وأخرج ابن ابي حاتم عن الربيع بن أنس في قوله {أخذنا مترفيهم} قال: مستكبريهم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {إذا هم يجأرون} قال: يستغيثون. وفي قوله {سامرا تهجرون} قال: تسمرون حول البيت وتقولون هجراً. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله {تنكصون} قال: تستأخرون. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة {مستكبرين به} قال: بالبيت الحرام {سامرا} قال: كان سامرهم لا يخاف مما اعطوا من الأمن، وكانت العرب تخاف سامرهم ويغزو بعضهم بعضاً، وكان أهل مكة لا يخافون ذلك بما أعطوا من الأمن {تهجرون} قال: يتكلمون بالشرك والبهتان في حرم الله وعند بيته قال: وكان الحسن يقول: {سامرا تهجرون} كتاب الله ونبي الله. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن {مستكبرين به} قال: بحرمي {سامراً تهجرون} قال: القرآن وذكري ورسولي. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس {مستكبرين به} قال: بحرم الله، إنه لا يظهر عليهم فيه أحد. وأخرج عبد بن حميد عن أبي مالك {مستكبرين به سامراً تهجرون} قال: مستكبرين بحرمي، {سامراً} فيه مما لا ينبغي من القول. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن مجاهد {مستكبرين به} قال: بمكة بالبلد (سامرا) قال: مجالساً {تهجرون}، بالقول السيء في القرآن. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي صالح، {مستكبرين به} قال: بالقرآن. وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل {سامراً تهجرون} قال: كانوا يهجرون على اللهو والباطل، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت الشاعر يقول: شعر : وباتو بشعب لهم سامراً إذا خب نيرانهم أوقدوا تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: كانت قريش تسمر حول البيت ولا تطوف به، ويفتخرون به، فأنزل الله {مستكبرين به سامراً تهجرون}. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله {سامراً تهجرون} قال: كانت قريش يستحلقون حلقاً يتحدثون حول البيت. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والحاكم وصححه عن ابن عباس "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ {مستكبرين به سامراً تهجرون} قال: كان المشركون يهجرون رسول الله صلى الله عليه وسلم في القول في سمرهم ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ {سامراً تهجرون} بنصب التاء ورفع الجيم. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة أنه قرأ {سامراً تهجرون} وكانوا إذا سمروا هجروا في القول. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله {سامراً تهجرون} قال: تهجرون الحق. وأخرج النسائي وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس قال: إنما كره السمر حتى نزلت هذه الآية {مستكبرين به سامراً تهجرون} قال: مستكبرين البيت تقولون نحن أهله {تهجرون} قال: كانوا يهجرونه ولا يعمرونه.

ابو السعود

تفسير : {حَتَّىٰ إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ} أي متنعميهم وهم الذين أمدَّهم الله تعالى بما ذُكر من المالِ والبنينَ وحتَّى مع كونها غايةً لأعمالهم المذكورةِ مبدأ لما بعدها من مضمون الشَّرطيةِ أي لا يزالون يعملُون أعمالَهم إلى حيثُ إذا أخذنا رؤساءهم {بِٱلْعَذَابِ} قيل هو القتلُ والأسرُ يومَ بدرٍ، وقيل هو الجُوع الذي أصابهم حين دَعا عليهم رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بقوله: « حديث : اللهمَّ اشدُدْ وطأتكَ على مُضر واجعلها عليهم سنينَ كسِنِي يوسفَ »تفسير : . فقحطُوا حتى أكلُوا الكلابَ والجِيفَ والعظامَ المحرقة والأولادَ. وأُلحق به العذابُ الأُخرويُّ إذ هو الذي يُفاجئون عنده الجؤارِ فيجابون بالردِّ والإقناطِ عن النَّصر وأما عذابُ يومِ بدرٍ فلم يُوجد لهم عنده جؤارٌ حسبما يُنبىءُ عنه قوله تعالى: { أية : وَلَقَدْ أَخَذْنَـٰهُمْ بِٱلْعَذَابِ فَمَا ٱسْتَكَانُواْ لِرَبّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ} تفسير : [المؤمنون: 67] فإنَّ المرادَ بهذا العذاب ما جرى عليهم يومَ بدرٍ من القتلِ والأسرِ حَتْماً وأمَّا عذابُ الجوع فإنَّ أبا سُفيانَ وإنْ تضرَّع فيه إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم لكنْ لم يرد عليه بالإقناطِ حيث رُوي أنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ قد دَعَا بكشفِه فكُشفَ عنهم ذلك {إِذَا هُمْ يَجْئَرُونَ} أي فاجؤا الصُّراخَ بالاستغاثةِ من اللَّهِ عزَّ وجلَّ كقوله تعالى: {أية : فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} تفسير : [النحل: 53] وهو جوابُ الشَّرطِ. وتخصيصُ مُترفيهم بما ذُكر من الأخذِ بالعذابِ ومفاجأةِ الجؤارِ مع عمومه لغيرهم أيضاً لغايةِ ظهورِ انعكاسِ حالهم وانتكاسِ أمرِهم وكونِ ذلك أشقَّ عليهم ولأنَّهم مع كونهم متمنِّعين محميـينَ بحمايةِ غيرِهم من المنعةِ والحَشَم حين لقُوا ما لقُوا من الحالةِ الفظيعةِ فلأنْ يلقاها مَنْ عداهم من الحُماةِ والخدمِ أوْلى وأقدمُ. {لاَ تَجْـئَرُواْ ٱلْيَوْمَ} على إضمار القول مَسُوقاً لردِّهم وتبكيتهم وإقناطهم ممَّا علَّقوا به أطماعَهم الفارغة بتفويتهم وقتَ الجُؤارِ. وقد جُوِّز كونُه جوابَ الشَّرطِ، وأنت خبـيرٌ بأنَّ المقصودَ الأصليَّ في الجملةِ الشَّرطيةِ هو الجوابُ فيؤدِّي ذلك إلى أنْ يكونَ مفاجأتُهم إلى الجُؤارِ غيرَ مقصودٍ أصليَ. وقولُه تعالى: {إِنَّكُمْ مّنَّا لاَ تُنصَرُونَ} تعليلٌ للنَّهي عن الجُؤارِ ببـيانِ عدمِ إفادته ونفعهِ أي لا يلحقُكم من جهتِنا نصرةٌ تنجِّيكُم ممَّا دهمكُم وقيل لا تُغاثون ولا تُمنعون منَّا ولا يساعدُه سياقُ النَّظمِ الكريمِ لأنَّ جُؤارهم ليس إلى غيرِه تعالى حتَّى يرد عليهم بعدمِ منصوريّتهِم من قبلهِ ولا سياقهُ فإنَّ قوله تعالى: {قَدْ كَانَتْ ءايَـتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} الخ صريحٌ في أنَّه تعليلٌ لما ذكرنا من عدم لحوقِ النَّصرِ من جهته تعالى بسببِ كُفرِهم بالآياتِ ولو كانَ النَّصرُ المنفيُّ مُتوهَّماً من الغيرِ لعُلِّل بعجزه وذُلِّه أو بعزَّةِ الله تعالى وقوَّتهِ أي قد كانتْ آياتي تُتلى عليكم في الدُّنيا {فَكُنتُمْ عَلَىٰ أَعْقَـٰبِكُمْ تَنكِصُونَ} أي تُعرضون عن سماعها أشدَّ الإعراضِ فضلاً عن تصديقها والعملِ بها. والنُّكوصُ الرُّجوعُ قَهْقَرىٰ.

القشيري

تفسير : قوله جل ذكره: {حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِٱلْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ}. إنه - سبحانه - يُمْهِلُ ولكنَّه لا يُهْمِلُ؛ فإذا أَخَذَ فَبَطْشُه شديدٌ، قال تعالى: {أية : إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ}تفسير : [البروج: 12] ... فإذا أَخَذَ أصجابُ الكبائرِ - حين يحلْ بهم الانتقامُ - في الجوابِ رُدُّوا في الهوان، ويقال لهم: {لاَ تَجْأَرُواْ ٱلْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِّنَّا لاَ تُنصَرُونَ}. فإذا انفصل من الغيبِ حُكْمٌ فلا مَرَدَّ لتقديره. ويقال للجناية سراية؛ فإذا أمسك الجاني عن الجناية فلا ينفعه ذلك ما لم يمض حكم السراية.

اسماعيل حقي

تفسير : {حتى اذا اخذنا مترفيهم} غاية لاعمالهم المذكورة ومبتدأ لما بعدها من مضمون الشرطية اى لايزالون يعملون اعمالهم الى حيث اذا اخذنا متنعميهم ورؤساءهم {بالعذاب} الاخروى اذ هو الذى يفاجئون عنده الجؤار فيجابون بالرد والاقناط واما عذاب يوم بدر فلم يوجد لهم عنده جؤار فالضمير فى قوله {اذا هم يجأرون} راجع الى المترفين اى فاجأوا الصراخ بالاستغاثة اى يرفعون اصواتهم بها ويتضرعون فى طلب النجاة فان اصل الجؤار دفع الصوت بالتضرع وجأر الرجل الى الله تضرع بالدعاء، قال الراغب جأر اذا افرط فى الدعاء والتضرع تشبيها بجؤار الوحشيات كالضباء ونحوها وتخصيص المترفين باخذ العذاب ومفاجأة الجؤار مع عمومه لغيرهم ايضا لغاية ظهور انعكاس حالهم وايضا اذا كان لقاؤهم هذه الحالة الفظيعة ثابتا واقعا فما ظنك بحال الاصاغر والخدم، وقال بعضهم المراد بالمترفين المعذبين ابو جهل واصحابه الذين قتلوا ببدر والذين هم يجأرون اهل مكة فيكون الضمير راجعا الى ما رجع اليه ضمير مترفيهم وهم الكفرة مطلقا.

الجنابذي

تفسير : {حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ} متنعّميهم {بِٱلْعَذَابِ} غاية لعملهم او لكون قلوبهم فى غمرة، وخصّ المترفين لانّهم كانوا منشاءً لكفرهم وكفر غيرهم؛ ولانّ المترفين لا يتنبّهون ولا يتضرّعون بمؤاخذة غيرهم، والمراد بالعذاب عذاب الموت والآخرة، او عذاب الدّنيا، وفسّر بقتلهم يوم بدرٍ وبالاخذ بالجوع حين دعا عليهم رسول الله (ص) فقال: "حديث : اللّهمّ اشدد وطأتك على مُضَر واجعلها عليهم سنين كسنى يوسف (ع)" تفسير : فابتلاهم بالقحط حتّى اكلوا الجيف والكلاب {إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ} جأر كمنع رفع صوته بالدّعاء وتضرّع واستغاث.

الهواري

تفسير : قوله: {حَتَّى إِذَآ أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِالْعَذَابِ} يعني أبا جهل وأصحابه الذين قتلوا يوم بدر. نزلت هذه الآية قبل ذلك بمكة. قال: {إِذَا هُمْ يَجْأرُونَ} قال بعضهم: إذا هم يجزعون. {لاَ تَجْأَرُوا الْيَوْمَ} أي: لا تجزعوا اليوم، وهو يوم بدر {إِنَّكُم مِّنَّا لاَ تُنْصَرُونَ} أي: لا يمنعنكم منا أحد. قال الحسن: {إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ} أي: إذا هم يصرخون إلى الله بالتوبة فلا تُقبَل منهم.

اطفيش

تفسير : {حَتَّى إِذَآ أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم} متنعميهم واغنياءهم ورؤساءهم المسرفين * {بِالعَذَابِ} القتل يوم بدر عند ابن عباس ومجاهد والاية قتل ذلك بمكة نزلت. وقيل: (الجوع) دعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسنين يوسف فابتلاهم الله بالقحط حتى أكلوا الجيف والكلاب والجلود والعظام والضفادع والاولاد وطعام يتخذ من الدم ووبر البعير لسني الجوع والوطأة الاستعلاء على الشيء بالرجل. والمراد هنا الضر والضمير البارز في اجعلها عائد للوطأة اي اجعل ذلك الضر سني قحط و(سنين) معرب بالياء بدليل عدم التنوين وبدليل حذف النون للاضافة في قوله كسني. وفي رواية سنينا بالتنوين اعرابا بالحركة على النون فبينه وبين قوله كسني جمع بين لغتين * {إِذَا هُم} (إذا) للمفاجأة رابطة لجواب إذا الشرطية {يَجْأَرُونَ} يضحكون ويستغيثون ويخرعون واستعمال الجأر في صياح البشر كثير. ذكر بعضهم ان اصله في البقر وعن الحسن يصرخون بالتوبة ولا تقبل منهم.

الالوسي

تفسير : {حَتَّىٰ إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِٱلْعَذَابِ} {حَتَّىٰ} على ما في «الكشاف» هي التي يبتدأ بعدها الكلام وهي مع ذلك غاية لما قبلها كأنه قيل: لا يزالون يعملون أعمالهم إلى حيث إذا أخذنا الخ، وقال ابن عطية: هي ابتداء لا غير، و {إِذَا} الأولى والثانية يمنعان من أن تكون غاية لـِ { أية : عَامِلُونَ } تفسير : [المؤمنون: 63] وفيه نظر، و {إِذَا} شرطية شرطها {أَخَذْنَا} وهي مضافة إليه وجزاؤها قوله تعالى: {إِذَا هُمْ يَجْـئَرُونَ} وهي معمولة له و(إذا) فيه فجائية نائبة مناب الفاء، وقال الحوفي: حتى غاية وهي عاطفة و(إذا) ظرف يضاف إلى ما بعده فيه معنى الشرط و(إذا) الثانية في موضع جواب الأولى ومعنى الكلام عامل في (إذا) الأولى والعامل في الثانية {أَخَذْنَا} انتهى. وهو كلام مخبط يبعد صدوره من مثل هذا الفاضل. والمترف المتوسع في النعمة. والمراد بالعذاب ما أصابهم يوم بدر من القتل والأسر كما روي عن ابن عباس ومجاهد وابن جبير وقتادة، وقد قتل وأسر في ذلك اليوم كثير من صناديدهم ورؤسائهم. والجؤار مثل الخوار يقال جأر الثور يجأر إذا صاح وجأر الرجل إلى / الله تعالى إذا تضرع بالدعاء كما في «الصحاح» وفي «الأساس» ((جأر الداعي إلى الله تعالى ضج ورفع صوته)) والمراد به الصراخ إما مطلقاً أو باستغاثة. وضميرا الجمع راجعان على ما رجع إليه الضمائر السابقة في {مُتْرَفِيهِمْ} و{لَهُمْ} و { أية : قُلُوبُهُمْ } تفسير : [المؤمنون: 63] وغيرها وهم كفار أهل مكة لكن بإرادة من بقي منهم بعد أخذ المترفين بالقتل. قال ابن جريج المعذبون قتلى بدر والذين يجأرون أهل مكة لأنهم ناحوا واستغاثوا. وفي «إنسان العيون» أن قريشاً ناحوا على قتلاهم في بدر شهراً وجز نساؤهم شعورهن وكن يأتين بفرس الرجل أو راحلته ويسترنها بالستور وينحن حولها ويخرجن بها إلى الأزقة إلى أن أشير عليهم بترك ذلك خوف الشماتة. وقال الربيع بن أنس: المراد بالجؤار الجزع إذ هو سبب الصراخ وفيه بعد لخفاء قرينة المجاز. وعن الضحاك أن المراد بالعذاب عذاب الجوع وذلك أنه صلى الله عليه وسلم دعا عليهم فقال: " حديث : اللهم اشدد وطأتك على مضر اللهم اجعلها عليهم سنين مثل سني يوسف " تفسير : فاستجيب له عليه الصلاة والسلام فأصابتهم سنة أكلوا فيها الجيف والجلود والعظام المحرقة والعلهز. وفي الأخبار ما يدل على أن ذلك كان قبل الهجرة. وفيها أيضاً ما يدل على أنه كان قبلها. ووفق البيهقي بأنه لعله كان مرتين. وسيأتي ذلك قريباً إن شاء الله تعالى. وتخصيص المترفين بالذكر لأنه إذا جاع المترف جاع غيره من باب أولى، وقيل: المراد بالعذاب عذاب الآخرة، وتخصيص المترفين بما ذكر لغاية ظهور انعكاس حالهم وانتكاس أمرهم وكون ذلك أشق عليهم ولأنهم مع كونهم متمنعين محميين بحماية غيرهم من المنعة والحشم لقوا ما لقوا من الحالة الفظيعة فلأن يلقاها من عداهم من الحماة والخدم أولى وأقدم. وقال شيخ الإسلام: إن هذا القول هو الحق لأن العذاب الأخروي هو الذي يفاجئون عنده الجؤار فيجابون بالرد والإقناط من النصر وأما عذاب يوم بدر فلم يوجد لهم عنده جؤار حسبما ينبـىء عنه قوله تعالى: { أية : وَلَقَدْ أَخَذْنَـٰهُمْ بِٱلْعَذَابِ فَمَا ٱسْتَكَانُواْ لِرَبّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ } تفسير : [المؤمنون: 76] فإن المراد بهذا العذاب ما جرى عليهم يوم بدر من القتل والأسر حتماً وأما عذاب الجوع فإن قريشاً وإن تضرعوا فيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن لم يرد عليهم بالإقناط حيث روي أنه عليه الصلاة والسلام دعا بكشفه فكشف عنهم ذلك انتهى، وستعلم إن شاء الله تعالى ما فيه، نعم حمل العذاب على ذلك أوفق بجعل ما في حيز {حَتَّىٰ} غاية لما قبلها.

ابن عاشور

تفسير : {حتى} ابتدائية. وقد تقدم ذكرها في سورة الأنبياء عند قوله تعالى: { أية : حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج } تفسير : [الأنبياء: 96]. و(حتى) الابتدائية. يكون ما بعدها ابتداء كلام، فليس الدال على الغاية لفظاً مفرداً كما هو الشأن مع (حتى) الجارة و(حتى) العاطفة، بل هي غاية يدل عليها المقام والأكثر أن تكون في معنى التفريع. وبهذه الغاية صار الكلام تهديداً لهم بعذاب سيحل بهم يجأرون منه ولا ملجأ لهم منه. والظاهر أنه عذاب في الدنيا بقرينة قوله: { أية : ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجّوا في طغيانهم يعمهون } تفسير : [المؤمنون: 75]. و{إذا} الأولى ظرفية فيها معنى الشرط فلذلك كان الأصل والغالب فيها أن تدل على ظرف مستقبل. و{إذا} الثانية فجائية داخلة على جواب شرط (إذا). والمترَفون: المُعْطَون تَرَفاً وهو الرفاهية، أي المنعَّمون كقوله تعالى: { أية : وذرني والمكذبين أولي النعمة } تفسير : [المزمل: 11] فالمترفون منهم هم سادتهم وأكابرهم والضمير المضاف إليه عائد إلى جميع المشركين أصحاب الغمرة. وإنما جعل الأخذ واقعاً على المترفين منهم لأنهم الذين أضلوا عامة قومهم ولولا نفوذ كلمتهم على قومهم لاتبعت الدهماء الحق لأن العامة أقرب إلى الإنصاف إذا فهموا الحق بسبب سلامتهم من جل دواعي المكابرة من توقع تقلص سؤدد وزوال نعيم. وكذلك حقّ على قادة الأمم أن يؤاخذوا بالتبعات اللاحقة للعامة من جراء أخطائهم ومغامرتهم عن تضليل أو سوء تدبر، وأن يُسألوا عن الخيبة أن ألقوا بالذين اتبعوهم في مهواة الخطر كما قال تعالى: { أية : وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعناً كبيراً } تفسير : [الأحزاب: 67، 68]، وقال { أية : ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يُضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون } تفسير : [النحل: 25]. وتخصيص المترَفين بالتعذيب مع أن شأن العذاب الإلهي إن كان دنيوياً أن يعم الناس كلهم إيماء إلى أن المترفين هم سبب نزول العذاب بالعامة، ولأن المترفين هم أشد إحساساً بالعذاب لأنهم لم يعتادوا مس الضراء والآلام. وقد علم مع ذلك أن العذاب يعم جميعهم من قوله: {إذا هم يجئرون} فإن الضميرين في {إذا هم} و{يجأرون} عائدان إلى ما عاد إليه ضمير {مترفيهم} بقرينة قوله: {قد كانت آياتي تتلى عليكم} إلى قوله {سامراً تهجرون} فإن ذلك كان من عمل جميعهم. ويجوز أن يكون المراد بالمترفين جميع المشركين فتكون الإضافة بيانية ويكون ذكر المترفين تهويلاً في التهديد تذكيراً لهم بأن العذاب يزيل عنهم ترفهم؛ فقد كان أهل مكة في ترف ودعة إذ كانوا سالمين من غارات الأقوام لأنهم أهل الحرم الآمن وكانوا تُجْبَى إليهم ثمرات كل شيء وكانوا مكرَّمين لدى جميع القبائل، قال الأخطل: شعر : فأما الناس ما حاشا قريشاً فإنا نحن أفضلهم فعالا تفسير : وكانت أرزاقهم تأتيهم من كل مكان قال تعالى: { أية : الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف } تفسير : [قريش: 4]، فيكون المعنى: حتى إذا أخذناهم وهم في ترفهم، كقوله: { أية : وذرني والمكَذِّبين أولي النعمة ومَهِّلْهم قليلاً } تفسير : [المزمل: 11]. ويجوز أن يكون المراد حلول العذاب بالمترفين خاصة، أي بسادتهم وصناديدهم وهو عذاب السيف يوم بدر فإنه قتل يومئذ كبراء قريش وهم أصحاب القليب. قال شداد ابن الأسود: شعر : وماذا بالقليب قليب بدر من الشيزى تزيَّن بالسنام وماذا بالقليب قليب بدر من القينات والشَّرب الكرام تفسير : يعني ما ضمنه القليب من رجال كانت سجاياهم الإطعام والطرب واللذات. وضمير {إذا هم يجأرون} على هذا الوجه عائد إلى غير المترفين لأن المترفين قد هلكوا فالبقية يجأرون من التلهف على ما أصاب قومهم والإشفاق أن يستمر القتل في سائرهم فهم يجأرون كلما صرع واحد من سادتهم ولأن أهل مكة عجبوا من تلك المصيبة ورَثَوا أمواتهم بالمراثي والنياحات. ثم الظاهر أن المراد من هذا العذاب عذاب يحل بهم في المستقبل بعد نزول هذه الآية التي هي مكية فيتعين أن هذا عذاب مسبوق بعذاب حل بهم قبله كما يقتضيه قوله تعالى بعد { أية : ولقد أخذناهم بالعذاب } تفسير : [المؤمنون: 76] الآية. ولذا فالعذاب المذكور هنا عذاب هُددوا به، وهو إما عذاب الجوع الثاني الذي أصاب أهل مكة بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم بعد هجرته. ذلك أنه لما أسلم ثمامة بن أُثال الحنفي عقب سرية خالد بن الوليد إلى بني كلب التي أخذ فيها ثمامة أسيراً وأسلم فمنع صدور الميرة من أرض قومه باليمامة إلى أهل مكة وكانت اليمامة مصدر أقواتهم حتى سميت ريف أهل مكة فأصابهم جوع حتى أكلوا العِلهِز والجيف سبع سنين، وإما عذاب السيف الذي حل بهم يوم بدر. وقيل إن هذا العذاب عذاب وقع قبل نزول الآية وتعين أنه عذاب الجوع الذي أصابهم أيام مقام النبي صلى الله عليه وسلم في مكة ثم كشفه الله عنهم ببركة نبيه وسلامة للمؤمنين، وذلك المذكور في سورة الدخان (12) { أية : ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون }. تفسير : وقيل العذاب عذاب الآخرة. ويبعد هذا القول أنه سيذكر عذاب الآخرة في قوله تعالى: { أية : حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون... } تفسير : [المؤمنون: 99] الآيات إلى قوله: { أية : إن لبثتم إلا قليلاً لو أنكم كنتم تعلمون } تفسير : [المؤمنون: 114] كما ستعلمه. وتجيء منه وجوه من الوجوه المتقدمة لا يخفى تقريرها. ومعنى {يجأرون} يصرخون ومصدره الجأر. والاسم الجُؤَار بضم الجيم وهو كناية عن شدة ألم العذاب بحيث لا يستطيعون صبراً عليه فيصدر منهم صراخ التأوه والويل والثبور. وجملة {لا تَجْأَرُوا اليوم} معترضة بين ما قبلها وما تفرع عليه من قوله: { أية : أفلم يدبروا القول } تفسير : [المؤمنون: 68] وهي مقول قول محذوف، أي تقول لهم: لا تجأروا اليوم. وهذا القول كلام نفسي أعلمهم الله به لتخويفهم من عذاب لا يغني عنهم حين حلوله جؤار إذ لا مجيب لجؤارهم ولا مغيث لهم منه إذ هو عذاب خارج عن مقدور الناس لا يطمع أحد في تولي كشفه. وهذا تأييس لهم من النجاة من العذاب الذي هُددوا به. وإذا كان المراد بالعذاب عذاب الآخرة فالقول لفظي والمقصود منه قطع طماعيتهم في النجاة. والنهي عن الجؤار مستعمل في معنى التسوية. وورود النهي في معنى التسوية مقيس على ورود الأمر في التسوية. وعثرت على اجتماعهما في قوله تعالى: { أية : اصبروا أو لا تصبروا سواءٌ عليكم } تفسير : [الطور: 16]. وجملة {إنكم منا لا تنصرون} تعليل للنهي المستعمل في التسوية، أي لا تجأروا إذ لا جدوى لِجُؤَاركم إذ لا يقدر مجير أن يجيركم من عذابنا، فموقع (إن) إفادة التعليل لأنها تغني غناء فاء التفريع. وضمّن {تنصرون} معنى النجاة فعدي الفعل بــــ(مِن)، أي لا تنجون من عذابنا. فثَمّ مضاف محذوف بعد (مِن)، وحذف المضاف في مثل هذا المقام شائع في الاستعمال. وتقديم المجرور للاهتمام بجانب الله تعالى ولرعاية الفاصلة. وقوله: {قد كانت آياتي تتلى عليكم} استئناف. والخبر مستعمل في التنديم والتلهيف. وإنما لم تعطف الجملة على جملة {إنكم منا لا تنصرون} لقصد إفادة معنى بها غير التعليل إذ لا كبير فائدة في الجمع بين علتين. والآيات هنا هي آيات القرآن بقرينة {تتلى} إذ التلاوة القراءة. والنكوص: الرجوع من حيث أتى، وهو الفرار. والأعقاب: مؤخر الأرجل. والنكوص هنا تمثيل للإعراض وذكر الأعقاب ترشيح للتمثيل. وقد تقدم في قوله تعالى: { أية : فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه } تفسير : في سورة الأنفال (48). وذكر فعل (كنتم) للدلالة على أن ذلك شأنهم. وذكر المضارع للدلالة على التكرر فلذلك خُلق منهم مُعاد مكرورٌ. وضمير {به} يجوز أن يكون عائداً على الآيات لأنها في تأويل القرآن فيكون {مستكبرين} بمعنى معرضين استكباراً ويكون الباء بمعنى (عن)، أو ضمّن {مستكبرين} معنى ساخرين فعدي بالباء للإشارة إلى تضمينه. ويجوز أيضاً أن يكون الضمير للبيت أو المسجد الحرام وإن لم يتقدم له ذكر لأنه حاضر في الأذهان فلا يسمع ضمير لم يتقدم له معاد إلا ويُعلم أنه المقصود بمعونة السياق لا سيما وقد ذكرت تلاوة الآيات عليهم. وإنما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتلو عليهم آيات القرآن في المسجد الحرام إذ هو مجتمعهم. فتكون الباء للظرفية. وفيه إنحاء عليهم في استكبارهم. وفي كون استكبارهم في ذلك الموضع الذي أمر الله أن يكون مظهراً للتواضع ومكارم الأخلاق، فالاستكبار في الموضع الذي شأن القائم فيه أن يكون قانتاً لله حنيفاً أشنعُ استكبار. وعن منذر بن سعيد البلوطي الأندلسي قاضي قرطبة أن الضمير في قوله {به} للنبيء صلى الله عليه وسلم والباء حينئذٍ للتعدية، وتضمين {مستكبرين} معنى مكذبين لأن استكبارهم هو سبب التكذيب. {وسامراً} حال ثانية من ضمير المخاطبين، أي حال كونكم سامرين. والسامر: اسم لجمع السامرين، أي المتحدثين في سمر الليل وهو ظلمته، أو ضوء قمره. وأطلق السمر على الكلام في الليل، فالسامر كالحاج والحاضر والجامل بمعنى الحجاج والحاضرين وجماعة الجمال. وعندي أنه يجوز أن يكون {سامراً} مراداً منه مجلس السمر حيث يجتمعون للحديث ليلاً ويكون نصبه على نزع الخافض، أي في سامركم، كما قال تعالى: { أية : وتأتون في ناديكم المنكر } تفسير : [العنكبوت: 29]. {وتُهجِرون} بضم التاء وسكون الهاء وكسر الجيم في قراءة نافع مضارع أهجر: إذا قال الهُجر بضم الهاء وسكون الجيم وهو اللغو والسب والكلام السيء. وقرأ بقية العشرة بفتح التاء من هجر إذا لغا. والجملة في موضع الصفة لــــ{سامراً}، أي في حال كونكم متحدثين هجراً وكان كبراء قريش يسمرون حول الكعبة يتحدثون بالطعن في الدين وتكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم

الشنقيطي

تفسير : حتى هنا في هذه الآية هي التي يبتدأ بعدها الكلام، والكلام الجملة الشرطية، والعذاب الذي أخذهم ربهم به، قيل: هو عذاب يوم بدر بالقتل والأسر، وقيل: الجوع والقحط الشديد الذي أصابهم، لما دعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "حديث : اللهم اشدد وطأتك على مضر اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف" تفسير : فأصابهم بسبب دعوته صلى الله عليه وسلم من الجوع الشديد، عذاب أليم، وأظهرها عندي أنه أخذهم بالعذاب يوم القيامة. وقد بين تعالى في هاتين الآيتين أنه أخذ مترفيهم بالعذاب، والمترفون هم أصحاب النعمة والرفاهية في دار الدنيا. وهذا المعنى أشار له بقوله: {أية : وَذَرْنِي وَٱلْمُكَذِّبِينَ أُوْلِي ٱلنَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً إِنَّ لَدَيْنَآ أَنكَالاً وَجَحِيماً وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ وَعَذَاباً أَلِيماً}تفسير : [المزمل: 11-13] فقوله: أولي النعمة يريد بهم: المترفين في الدنيا، وبين أنه سيعذبهم بعد التهديد بقوله: {إِنَّ لَدَيْنَآ أَنكَالاً وَجَحِيماً} الآية وقوله: يجأرون، الجؤار: الصراخ باستغاثة، والعرب تقول: جأر الثور يجأر: صاح، فالجؤار كالخوار وفي بعض القراءات عجلاً جسداً له جؤار بالجيم والهمزة: أي خوار، وجأر الرجل إلى الله: تضرع بالدعاء. فمعنى الآية الكريمة: أن المنعمين في الدنيا من الكفار، إذا أخذهم الله بالعذاب يوم القيامة، صاحوا مستصرخين مستغيثين، يطلبون الخلاص مما هم فيه، وصراخهم واستغاثتهم المشار له هنا، جاء في آيات أخر كقوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ}تفسير : [فاطر: 36-37] فقوله: يصطرخون: يفتعلون من الصراخ، مستغيثين يريدون الخروج مما هم فيه، بدليل قوله تعالى عنهم {أية : رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ}تفسير : [فاطر: 37] فهذا الصراخ المذكور في هذه الآية العام للمترفين وغيرهم، هو الجؤار المذكور عن المترفين هنا، ومن إطلاق العرب الجؤار على الصراخ والدعاء للاستغاثة قول الأعشى: شعر : يراوح من صلوات المليك فطورا سجودا وطورا جؤارا تفسير : والجؤار المذكور: هو النداء في قوله {أية : كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَواْ وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ}تفسير : [ص: 3] لأن نداءهم نداء استغاثة واستصراخ وكقوله تعالى: {أية : وَنَادَوْاْ يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ}تفسير : [الزخرف: 77] الآية، لأن القضاء عليهم من أعظم الأمور التي يطلبونها، فيستغيثون بالموت من دوام ذلك العذاب الشديد، أجارنا الله وإخواننا المسلمين منه وكقوله تعالى: {أية : وَإَذَآ أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُّقَرَّنِينَ دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً لاَّ تَدْعُواْ ٱلْيَوْمَ ثُبُوراً وَاحِداً وَٱدْعُواْ ثُبُوراً كَثِيراً}تفسير : [الفرقان: 13-14] وذلك الدعاء بالثبور الذي هو أعظم الهلاك، والويل من أنواع جؤارهم والعياذ بالله. وقوله تعالى في هذه الآية {لاَ تَجْأَرُواْ ٱلْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِّنَّا لاَ تُنصَرُونَ} [المؤمنون: 65] يدل على أنهم إن استغاثوا لم يغاثوا، وإن استرحموا لم يرحموا، وقد أشار تعالى إلى ذلك في قوله: {أية : وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ يَشْوِي ٱلْوجُوهَ بِئْسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً}تفسير : [الكهف: 29].

د. أسعد حومد

تفسير : {يَجْأَرُون} (64) - حَتَّى إِذَا جَاءَ المُتْرفِينَ مِنْهُمْ، المُنَعَّمِينَ فِي الدُّنْيَا، عَذَابُ اللهِ وَبَأَسُهُ وَنِقْمَتُهُ، إِذَا هُمْ يَسْتَغِيثُونَ، وَيَصْرُخُونَ وَاغوثَاهُ (يَجْأَرُونَ)، لِشدَةِ مَا يُعَانُونَ مِنَ الكُرَبِ والآلامِ. مُتْرفِيهِم - مُنَعَّمِيهِم الذينَ أَبْطَرَتْهُمُ النِعْمَةُ. يَجْأرُونَ - يَصْرُخُونَ مُسْتَغِيِثينَ بِرَبِّهِم.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : يعني: بعد أن أشركوا بالله وكفروا به، وبعد أنْ أصبحتْ قلوبهم في غمرة وعمىً إذا مسَّهم شيء من العذاب يجأرون ويصرخون، ومَنْ ذا الذي يطيق لفحة أو رائحة من عذاب الله؟ ومعنى {أَخَذْنَا ..} [المؤمنون: 64] كلمة الأخذ لها مجال واسع في كتاب الله، والأَخْذ: هو الاستيلاء بعنف على شيء هو لا يحبّ أنْ تستولي عليه، والأَخْذ يُوحي بالعنف والشدة، بحيث لا يستطيع المأخوذ الإفلات مهما حاول. ومن ذلك قوله تعالى: {أية : أَخْذَ عِزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ}تفسير : [القمر: 42] يعني: أخذاً شديداً يتململ منه فلا يستطيع الفكاك. وقوله: {أية : وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيْحَةُ ..} تفسير : [هود: 67]. ويقول: {أية : إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} تفسير : [هود: 102]. ومعنى: {مُتْرَفِيهِمْ ..} [المؤمنون: 64] من الترف وهو التنعُّم؛ لأن الحياة تقوم على ضروريات تستبقي الحياة وكماليات تُسعدِها وتُرفِّهها وتُثريها، فالمتْرَف مَنْ عنده من النعيم فوق الضروريات، يقال: ترِف الرجل يتَرف من باب فَرِح يفرح، وأترفته النعمة إذا أطغته، وأترفه الله يعني: وسّع عليه النعمة وزاده منها. وعلى قدر الإتراف يكون الأخذ أبلغَ والألم أشدَّ. وسبق أن ذكرنا قول الله عز وجل: {أية : فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ ..} تفسير : [الأنعام: 44] يعني: من منهج الله، لم نُضيِّق عليهم إنما: {أية : فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ..} تفسير : [الأنعام: 44-45]. فهنا تكون النكاية أشدّ، والحسرة أعظم. والكلام هنا عن كفار قريش، فكيف أخذهم الله وهم في ترف من العيش، حيث تصبُّ عندهم كل خيرات الجزيرة حتى عاشوا عيشة الترف والتنعم؟ أخذهم الله حال ترفهم بالقَحْط والسنين؛ لذلك لما رآهم النبي صلى الله عليه وسلم أُترفوا بالنعمة وطغَوْا بها قال: "حديث : اللهم اشْدُدْ وطأتك على مُضَر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف ". تفسير : واستجاب الله تعالى دعاء نبيه، فأصابهم الجدب والقَحْط حتى أكلوا الجيف و (العِلْهز) وهو شعر الذبيحة أو وبرها المخلوط بدمها بعد أنْ جَفَّ وتجمد تحت حرارة الشمس، وهذا هو المراد بقوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِٱلْعَذَابِ ..} [المؤمنون: 64]. وقوله تعالى: {إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ ..} [المؤمنون: 64]. يصرخون ويضجّون، فهذا أبو سفيان بعد أن أكلوا الجيف والفضلات يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد ألستَ رحمةً للعالمين؟ إذن: فادْعُ الله أنْ يُفرِّج عنا، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه حتى فرج عنهم. أو: يراد بالعذاب هنا ما حدث لهم يوم بدر، حيث أذلَّهم الله، فقتل منهم مَنْ قتل، وأسر مَنْ أسر، وانهارت سيادتهم وضاعت هيبتهم، وقد كانوا يُعذِّبون المؤمنين ويقتلونهم، ويقيمونهم في حَرِّ الشمس ويضعون الأحجار الكبيرة فوق بطونهم، حتى أنزل الله تعالى في هذه الحالة القاسية التي يعانيها المؤمنون: {أية : سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ} تفسير : [القمر: 45]. فيستقبلون الآية بتعجُّب: حتى يقول عمر: أيُّ جمع هذا الذي سيُهزم، فليس هناك أيّ بادرة لنصر المؤمنين، فلما جاء يوم بدر ورأى المؤمنون ما حاق بالكافرين قال عمر نفسه: صدق الله، سيُهزم الجمع وقد هُزِم. وقوله تعالى: {إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ} [المؤمنون: 64] يجأر: يصرخ بصوت عالٍ، والإنسان لا يصرخ إلا إذا كان في محنة لا تقدر أسبابه على دفعها، فيصرخ طلباً لمن ينجده، ويرفع صوته ليُسمِع كل مَنْ حوله، كما يقولون (يجعر). والجؤار مثل الخوار يعني: يصيحون مثل العجول بعد ما كانوا رجالاً وسادة وطغاة، فلماذا لم تظلّوا سادة، لماذا تصرخون الآن؟ وكان المنتظر منهم في وقت الشدة أنْ يتماسكوا، وأن يتجلّدوا حتى لا يشمت بهم العبيد والفقراء الذين آمنوا، كما يقول الشاعر: شعر : وتجلُّدِي للِشَّامِتينَ أُرِيهُمو أَنِّي لريْبِ الدهْرِ لا أتضعْضَعُ تفسير : لكن، هيهات فقد حاق بهم العذاب، ولن يخدعوا أنفسهم الآن، فليس أمامهم إلا الصراخ يطلبون به المغيث والمنجي من المهالك. ثم يقول الحق سبحانه: {لاَ تَجْأَرُواْ ٱلْيَوْمَ إِنَّكُمْ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِٱلْعَذَابِ} يعني بالمترفِ: المَوسّعِ عليه في الدّنيا حتّى بَغوا وكَفروا. والعَذابُ: بالسّيفِ يَوم بَدر. تفسير : وقوله تعالى: {يَجْأَرُونَ} معناه يَرفَعونَ أَصواتُهم.

الجيلاني

تفسير : {حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ} ومتنعميهم {بِٱلْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ} [المؤمنون: 64] أي: يستغيثون ويستعينون؛ يعني هم في الراحة والرضا عنا غافلون، وإذا أخذناهم بالبلاء والعناء، فأجاءوا إلى الاستغاثة والاستعانة منا، منصرفين إلينا، متضرعين نحونا. لذلك يقال لهم طرداً ورداً: {لاَ تَجْأَرُواْ} أيها المسرفون ولا تستنصروا {ٱلْيَوْمَ} منا حين نزول {إِنَّكُمْ} العذاب بسبب غفلتكم عنا، وإنكاركم علينا في يوم الراحة والرخاء {مِّنَّا لاَ تُنصَرُونَ} [المؤمنون: 65] أصلاً، فاليوم لا ينفعكم دعاؤكم. وكيف تستنصرون عني أمَا تستحيون مني؛ إذ {قَدْ كَانَتْ آيَاتِي} الدالةُ على عظمة ذاتي وعلوٍّ شأني وشدةِ سلطنتي وسطوتي {تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} تلييناً لقلوبكم وإصلاحاً لعيوبكم {فَكُنتُمْ} من شدة عتوكم واستكباركم {عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ} [المؤمنون: 66] وترجعون رجوع القهقرى، منصرفين عن سماعها. حال كونكم {مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ} أي: بالكتاب والآيات المندرجة فيه إلى حيث لا تذكرونه {سَامِراً} أيضاً؛ أي: حاكياً به في الليل على ما هو عادتكم وسنتُكم المستمرة بينكم؛ إذ كنتم تسمرون حول البيت في خلال الليل، سيما بالأحاديث الحديثة الجديدة بل {تَهْجُرُونَ} [المؤمنون: 67] وتتركون السمرَ به مطلقاًن حتى لا تسمعوا ذكر الآيات والكتاب أصلاً، فكيف ما فيه من الأوامر والنواهي. ومع استكبارهم واستهزائكم بنا وبآياتنا وبرسلنا على أبلغ الوجوده وأشدها، تستنصرون منا وتستغيثون إلينا؟ {أَ} ينكر المشركون القرآن، ويستكبرون به عناداً ومكابرة {فَلَمْ يَدَّبَّرُواْ} ولم يتأملوا حق التأمل {ٱلْقَوْلَ} أي: المقولَ والمسموعَ؛ ليظهر لهم إعجازه، ويتضح عندهم فصاحته وبلاغته الخارجة عن طور العقل وطوق البشر كي لا يبادروا إلى إنكاره وتكذيبه، بل يصدقوه ويؤمنوا له وبمن جاء به. {أَمْ جَآءَهُمْ} أي: بل يعلمون لو تأملوا أنه جاءهم من الله كتابُ يخصلهم من العذاب الأخروي لو امتثلوا بما فيه مع أنه {مَّا لَمْ يَأْتِ} أي: كتابهم هذا شيءُ لم يأت مثله {آبَآءَهُمُ ٱلأَوَّلِينَ} [المؤمنون: 68] حتى يتأملوا فيه، ويؤمنوا له فيخلصوا من العذاب، فهؤلاء الحمقى الهلكى، المنهمكون في الغيّ والضلال، ويفوِّتون على أنفسهم الإيمان به والهداية بامتثال ما فيه، حتى يستحقوا الخلاص والنجاة. {أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ} أي: بل لم يعرفوا من شدة شكيمتهم وبغضهم علوَّ شأن رسولهم، وسموَّ برهاه، وكمالَ عقله ورشده، واعتدال أخلاقه وأطواره، وإيفاءَه العهود والأمانات {فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ} [المؤمنون: 69] للجهل والعناد. {أَمْ يَقُولُونَ} وينسبون {بِهِ جِنَّةٌ} اختلالُ وخبطُ، ومن اختلاله وخطبه ظهر منه أمثال هذه البدائع التي استحدثها من تخيلاته {بَلْ جَآءَهُمْ} رسولهم بجميع ما جاءهم ملتبساً {بِٱلْحَقِّ} الصدقِ المطابقِ للوحي الإلهي {وَ} لكن {أَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} [المؤمنون: 70] وكونُهم على الباطل مائلون، وإلى مشتهيات نفوسهم آيلون. {وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ} والوحي {أَهْوَآءَهُمْ} الباطلةَ وآراءَهم الفاسدةَ {لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ} من ذوي الشعور والإدراك، المتوجهين نحو الحق طوعاً؛ من شؤم أعمالهم وسوء أفعالهم وقبح أخلاقهم وأطوارهم، لذلك ما آتيناهم وأوحيناه على رسولهم ما هو مشتهى نفوسِهم ومقتضى أهوائهم {بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ} وتذكيرهم، بذكرُ ماه هو الأصلح بحالهم والأليق بشأنهم من الأوامر والنواهي، والوعد الوعيد، والإنذار والتبشير، والعبر والأمثال، والقصص والآثار {فَهُمْ} من غاية عمههم وسكرتهم {عَن ذِكْرِهِمْ} المصلح لحالهم، المنجي لنفوسهم من الوبال والنكال {مُّعْرِضُونَ} [المؤمنون: 71] منصرفون عنه عتواً واستكباراً.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

698تفسير : : 6 : 1 - سفين عن علقمة بن مرثد عن مجاهد في قوله {حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِٱلْعَذَابِ} قال، أخذوا يوم بدر بالسيوف. [الآية 64].

همام الصنعاني

تفسير : 1979- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِٱلْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ}: [الآية: 64]، قال: نزلت في يوم بدر.