Verse. 2739 (AR)

٢٣ - ٱلْمُؤْمِنُون

23 - Al-Mu'minoon (AR)

قَدْ كَانَتْ اٰيٰتِيْ تُتْلٰى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلٰۗي اَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُوْنَ۝۶۶ۙ
Qad kanat ayatee tutla AAalaykum fakuntum AAala aAAqabikum tankisoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قد كانت آياتي» من القرآن «تتلى عليكم فكنتم على إعقابكم تنكصون» ترجعون القهقرى.

66

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه سبحانه لما بين فيما قبل أنه لا ينصر أولئك الكفار أتبعه بعلة ذلك وهي أنه متى تليت آيات الله عليهم أتوا بأمور ثلاثة: أحدها: أنهم كانوا على أعقابهم ينكصون وهذا مثل يضرب فيمن تباعد عن الحق كل التباعد وهو قوله: {فَكُنتُمْ عَلَىٰ أَعْقَـٰبِكُمْ تَنكِصُونَ } أي تنفرون عن تلك الآيات وعمن يتلوها كما يذهب الناكص على عقبيه بالرجوع إلى ورائه وثانيها: قوله: {مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ } والهاء في (به) إلى ماذا تعود؟ فيه وجوه: أولها: إلى البيت العتيق أو الحرم كانوا يقولون لا يظهر علينا أحد لأنا أهل الحرم والذي يسوغ هذا الإضمار شهرتهم بالاستكبار بالبيت وإن لم يكن لهم مفخرة إلا أنهم ولاته والقائمون به وثانيها: المراد مستكبرين بهذا التراجع والتباعد وثالثها: أن تتعلق الباء بسامراً أي يسمرون بذكر القرآن وبالطعن فيه، وهذا هو الأمر الثالث الذي يأتون به عند تلاوة القرآن عليهم، وكانوا يجتمعون حول البيت بالليل يسمرون وكانت عامة سمرهم ذكر القرآن وتسميته سحراً وشعراً وسب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويهجرون، والسامر نحو الحاضر في الإطلاق على الجمع وقرىء سمراً وسامراً يهجرون من أهجر في منطقه إذا أفحش والهجر بالفتح الهذيان والهجر بالضم الفحش أو من هجر الذي هو مبالغة في هجر إذا هذي. ثم إنه سبحانه لما وصف حالهم رد عليهم بأن بين أن إقدامهم على هذه الأمور لا بد وأن يكون لأحد أمور أربعة: أحدها: أن لا يتأملوا في دليل ثبوته وهو المراد من قوله: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ } فبين أن القول الذي هو القرآن كان معروفاً لهم وقد مكنوا من التأمل فيه من حيث كان مبايناً لكلام العرب في الفصاحة، ومبرأ عن التناقض في طول عمره، ومن حيث ينبه على ما يلزمهم من معرفة الصانع ومعرفة الوحدانية فلم لا يتدبرون فيه ليتركوا الباطل ويرجعوا إلى الحق وثانيها: أن يعتقدوا أن مجيء الرسل أمر على خلاف العادة وهو المراد من قوله: {أَمْ جَاءهُمْ ما لم يأت آباءَهم الأولين} وذلك لأنهم عرفوا بالتواتر أن الرسل كانت تتواتر على الأمم وتظهر المعجزات عليها وكانت الأمم بين مصدق ناج، وبين مكذب هالك بعذاب الاستئصال أفما دعاهم ذلك إلى تصديق الرسول وثالثها: أن لا يكونوا عالمين بديانته وحسن خصاله قبل ادعائه للنبوة وهو المراد من قوله: {أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ } نبه سبحانه بذلك على أنهم عرفوا منه قبل ادعائه الرسالة كونه في نهاية الأمانة والصدق وغاية الفرار من الكذب والأخلاق الذميمة فكيف كذبوه بعد أن اتفقت كلمتهم على تسميته بالأمين ورابعها: أن يعتقدوا فيه الجنون فيقولون إنما حمله على ادعائه الرسالة جنونه وهو المراد من قوله: {أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ } وهذا أيضاً ظاهر الفساد لأنهم كانوا يعلمون بالضرورة أنه أعقل الناس، والمجنون كيف يمكنه أن يأتي بمثل ما أتى به من الدلائل القاطعة والشرائع الكاملة، ولقد كان من المبغضين له عليه السلام من سماه بذلك وفيه وجهان: أحدهما: أنهم نسبوه إلى ذلك من حيث كان يطمع في انقيادهم له وكان ذلك من أبعد الأمور عندهم فنسبوه إلى الجنون لذلك والثاني: أنهم قالوا ذلك إيهاماً لعوامهم لكي لا ينقادوا له فأوردوا ذلك مورد الاستحقار له. ثم إنه سبحانه بعد أن عد هذه الوجوه، ونبه على فسادها قال: {بَلْ جَاءهُمْ بِٱلْحَقّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقّ كَـٰرِهُونَ } من حيث تمسكوا بالتقليد ومن حيث علموا أنهم لو أقروا بمحمد صلى الله عليه وسلم لزالت مناصبهم ولاختلت رياساتهم فلذلك كرهوه فإن قيل قوله: {وَأَكْثَرُهُمُ } فيه دليل على أن أقلهم لا يكرهون الحق، قلنا كان فيهم من يترك الإيمان أنفة من توبيخ قومه وأن يقولوا ترك دين آبائه لا كراهة للحق كما حكي عن أبي طالب ثم بين سبحانه أن الحق لا يتبع الهوى، بل الواجب على المكلف أن يطرح الهوى ويتبع الحق فبين سبحانه أن اتباع الهوى يؤدي إلى الفساد العظيم فقال: {وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَـٰوَاتُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ } وفي تفسيره وجوه: الأول: أن القوم كانوا يرون أن الحق في اتخاذ آلهة مع الله تعالى، لكن لو صح ذلك لوقع الفساد في السموات والأرض على ما قررناه في دليل التمانع في قوله: { أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا } تفسير : [الأنبياء: 22] والثاني: أن أهواءهم في عبادة الأوثان وتكذيب محمد صلى الله عليه وسلم وهما منشأ المفسدة، والحق هو الإسلام. فلو اتبع الإسلام قولهم لعلم الله حصول المفاسد عند بقاء هذا العالم، وذلك يقتضي تخريب العالم وإفناءه والثالث: أن آراءهم كانت متناقضة فلو اتبع الحق أهواءهم لوقع التناقض ولاختل نظام العالم عن القفال. أما قوله: {بَلْ أَتَيْنَـٰهُمْ بِذِكْرِهِمْ } فقيل إنه القرآن والأدلة وقيل بل شرفهم وفخرهم بالرسول وكلا القولين متقارب لأن في مجيء الرسول بيان الأدلة وفي مجيء الأدلة بيان الرسول فأحدهما مقرون بالآخر، وقيل الذكر هو الوعظ والتحذير، وقيل هو الذي كانوا يتمنونه ويقولون: { أية : لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مّنَ ٱلأَوَّلِينَ * لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ } تفسير : [الصافات: 168، 169] وقرىء بذكراهم. ثم بين سبحانه أنه عليه الصلاة والسلام لا يطمع فيهم حتى يكون ذلك سبباً للنفرة فقال: {أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبّكَ خَيْرٌ } وقرىء خراجاً، قال أبو عمرو بن العلاء الخرج ما تبرعت به والخراج ما لزمك أداؤه والوجه أن الخرج أخص من الخراج كقولك خراج القرية وخرج الكردة زيادة اللفظ لزيادة المعنى ولذلك حسنت قراءة من قرأ {خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبّكَ } يعني أم تسألهم على هدايتهم قليلاً من عطاء الخلق فالكثير من عطاء الخلق خير. فنبه سبحانه بذلك على أن هذه التهمة بعيدة عنه، فلا يجوز أن ينفروا عن قبول قوله لأجلها. فنبه سبحانه بهذه الآيات على أنهم غير معذورين ألبتة وأنهم محجوجون من جميع الوجوه، قال الجبائي دل قوله تعالى: {وَهُوَ خَيْرُ ٱلرازِقِينَ } على أن أحداً من العباد لا يقدر على مثل نعمه ورزقه ولا يساويه في الإفضال على عباده ودل أيضاً على أن العباد قد يرزق بعضهم بعضاً ولولا ذلك لما جاز أن يقول: {وَهُوَ خَيْرُ ٱلرازِقِينَ }.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ } الآيات يريد بها القرآن. {تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} أي تقرأ. قال الضحاك: قبل أن تعذبوا بالقتل و{تَنكِصُونَ } ترجعون وراءكم. مجاهد: تستأخرون؛ وأصله أن ترجع الْقَهْقَرَى. قال الشاعر:شعر : زعموا بأنهمُ على سُبُل النّجا ة وإنما نُكُصٌ على الأعقاب تفسير : وهو هنا استعارة للإعراض عن الحق. وقرأ عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه «على أدباركم» بدل «على أعقابكم»، «تنكصون» بضم الكاف. {مُسْتَكْبِرِينَ} حال، والضمير في «به» قال الجمهور: هو عائد على الحرم أو المسجد أو البلد الذي هو مكة، وإن لم يتقدم له ذكر لشهرته في الأمر؛ أي يقولون نحن أهل الحرم فلا نخاف. وقيل: المعنى أنهم يعتقدون في نفوسهم أن لهم بالمسجد والحرم أعظمَ الحقوق على الناس والمنازل؛ فيستكبرون لذلك، وليس الاستكبار من الحق. وقالت فرقة: الضمير عائد على القرآن من حيث ذكرت الآيات؛ والمعنى: يُحدث لكم سماع آياتي كبراً وطغياناً فلا تؤمنوا به. قال ابن عطية: وهذا قول جيد. النحاس: والقول الأوّل أولى، والمعنى: أنهم يفتخرون بالحرم ويقولون نحن أهل حرم الله تعالى. قوله تعالى: {سَامِراً تَهْجُرُونَ} فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {سَامِراً تَهْجُرُونَ} «سامِراً» نصب على الحال، ومعناه سُمّارا، وهم الجماعة يتحدثون بالليل، مأخوذ من السَّمَر وهو ظل القمر؛ ومنه سُمرة اللون. وكانوا يتحدثون حول الكعبة في سَمَر القمر؛ فسمّي التحدث به. قال الثوري: يقال لظل القمر السَّمَر؛ ومنه السُّمْرة في اللون، ويقال له: الفَخْت؛ ومنه قيل: فاختة. وقرأ أبو رَجَاء «سُمّارا» وهو جمع سامر؛ كما قال:شعر : ألسـتَ تـرى السُّمـارَ والنّـاسَ أحـوالـي تفسير : وفي حديث قَيْلة: إذا جاء زوجها من السامر؛ يعني من القوم الذين يَسْمُرون بالليل؛ فهو اسم مفرد بمعنى الجمع، كالحاضر وهم القوم النازلون على الماء، والباقر جمع البقر، والجامل جمع الإبل، ذكورتها وإناثها؛ ومنه قوله تعالى: {أية : ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً} تفسير : [الحج: 5] أي أطفالاً. يقال: قوم سَمْر وسُمَّر وسامِر، ومعناه سهر الليل؛ مأخوذ من السَّمَر وهو ما يقع على الأشجار من ضوء القمر. قال الجوهري: السامر أيضاً السُّمّار، وهم القوم الذين يَسْمُرون؛ كما يقال للحاج حُجّاج، وقول الشاعر:شعر : وسـامرٍ طـال فيـه اللّـهْـوُ والسّـمَـرُ تفسير : كأنه سمى المكان الذي يجتمع فيه للسمر بذلك. وقيل: وحّد سامراً وهو بمعنى السُّمار؛ لأنه وضع موضع الوقت، كقول الشاعر:شعر : مِن دونهم إن جئتَهم سَمَراً عَزْفُ القِيَانِ ومَجْلِسٌ غَمْرُ تفسير : فقال: سَمَراً، لأن معناه: إن جئتهم ليلاً وجدتهم وهم يسمرون. وٱبنا سَمِير: الليل والنهار؛ لأنه يُسْمَر فيهما، يقال: لا أفعله ما سَمَر ابنا سمِير أبداً. ويقال: السَّمير الدهر، وٱبناه الليل والنهار. ولا أفعله السَّمَرَ والقمرَ؛ أي ما دام الناس يَسْمُرون في ليلة قمراء. ولا أفعله سَمِيرَ الليالي. قال الشَّنْفَرَى:شعر : هنالك لا أرجو حياةً تَسُرُّنِي سَميرَ الليالي مُبْسَلاً بالجرائر تفسير : والسَّمَار (بالفتح) اللبن الرقيق. وكانت العرب تجلس للسمر تتحدّث، وهذا أوجب معرفتها بالنجوم؛ لأنها تجلس في الصحراء فترى الطوالع من الغوارب. وكانت قريش تَسْمُر حول الكعبة مجالس في أباطيلها وكفرها، فعابهم الله بذلك. و«تُهْجِرون» قرىء بضم التاء وكسر الجيم من أهجر، إذا نطق بالفحش. وبنصب التاء وضم الجيم من هَجَر المريضُ إذا هَذَى. ومعناه: يتكلمون بهوَس وسَيِّىء من القول في النبيّ صلى الله عليه وسلم وفي القرآن؛ عن ابن عباس وغيره. الثانية: روى سعيد بن جُبيرِ عن ابن عباس قال: إنما كُره السّمر حين نزلت هذه الآية {مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِراً تَهْجُرُونَ }؛ يعني أن الله تعالى ذمّ أقواماً يَسْمُرون في غير طاعة الله تعالى، إما في هَذَيان وإما في إذاية. وكان الأعمش يقول: إذا رأيت الشيخ ولم يكتب الحديث فاصفعه فإنه من شيوخ القمر؛ يعني يجتمعون في ليالي القمر فيتحدّثون بأيام الخلفاء والأمراء ولا يحسِن أحدهم يتوضأ للصلاة. الثالثة: روى مسلم عن أبي بَرْزَة قال: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يؤخر العشاء إلى ثلث الليل ويكره النوم قبلها والحديثَ بعدها. قال العلماء: أما الكراهية للنوم قبلها فلئلا يعرّضها للفوات عن كل وقتها أو أفضل وقتها؛ ولهذا قال عمر: فمن نام فلا نامت عينه؛ ثلاثاً. وممن كره النوم قبلها عمر وابنه عبد الله وابن عباس وغيرهم، وهو مذهب مالك. ورخص فيه بعضهم، منهم عليّ وأبو موسى وغيرهم؛ وهو مذهب الكوفيين. وشرط بعضهم أن يجعل معه من يوقظه للصلاة. وروي عن ابن عمر مثله، وإليه ذهب الطحاوي. وأما كراهية الحديث بعدها فلأن الصلاة قد كفرت خطاياه فينام على سلامة، وقد ختم الكُتّاب صحيفته بالعبادة؛ فإنْ هو سَمَر وتحدّث فيملؤها بالهَوَس ويجعل خاتمتها اللغو والباطل، وليس هذا من فعل المؤمنين. وأيضاً فإن السمر في الحديث مظنة غلبة النوم آخر الليل فينام عن قيام آخر الليل، وربما ينام عن صلاة الصبح. وقد قيل: إنما يكره السمر بعدها لما روى جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إياكم والسَّمَرَ بعد هَدْأة الرجل فإن أحدكم لا يدري ما يبث الله تعالى من خلقه أغلِقوا الأبواب وأَوْكُوا السقاء وخَمّروا الإناء وأطفِئوا المصابيح»تفسير : . وروي عن عمر أنه كان يضرب الناس على الحديث بعد العشاء، ويقول: أَسُمراً أوّلَ الليل ونوماً آخره! أريحوا كُتّابكم. حتى أنه روي عن ابن عمر أنه قال: من قرض بيت شعر بعد العشاء لم تقبل له صلاة حتى يُصبح. وأسنده شدّاد بن أوْس إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقد قيل: إن الحكمة في كراهية الحديث بعدها إنما هو لما أن الله تعالى جعل الليل سَكَنا، أي يُسكن فيه، فإذا تحدّث الإنسان فيه فقد جعله في النهار الذي هو متصرف المعاش؛ فكأنه قصد إلى مخالفة حكمة الله تعالى التي أجرى عليها وجوده فقال: {أية : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱللَّيْلَ لِبَاساً وَٱلنَّوْمَ سُبَاتاً وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُوراً} تفسير : [الفرقان: 47]. الرابعة: هذه الكراهة إنما تختص بما لا يكون من قبيل القُرَب والأذكار وتعليم العلم، ومسامرةِ الأهل بالعلم وبتعليم المصالح وما شابه ذلك؛ فقد ورد عن النبيّ صلى الله عليه وسلم وعن السلف ما يدل على جواز ذلك، بل على ندبيّته. وقد قال البخاريّ: (باب السَّمَر في الفقه والخير بعد العشاء) وذكر أن قُرّة بن خالد قال: انتظرْنا الحسن وراث علينا حتى جاء قريباً من وقت قيامه، فجاء فقال: دعانا جيراننا هؤلاء. ثم قال أنس: انتظرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة حتى كان شطر الليل فجاء فصلى ثم خطبنا فقال: «حديث : إن الناس قد صَلّوْا وإنكم لم تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة»تفسير : . قال الحسن: فإن القوم لا يزالون في خير ما انتظروا الخير. قال: (باب السمر مع الضيف والأهل) وذكر حديث أبي بكر بن عبد الرحمن أن أصحاب الصُّفّة كانوا فقراء... الحديث. أخرجه مسلم أيضاً. وقد جاء في حراسة الثغور وحفظ العساكر بالليل من الثواب الجزيل والأجر العظيم ما هو مشهور في الأخبار. وقد مضى من ذلك جملة في آخر «آل عمران» والحمد لله وحده.

البيضاوي

تفسير : {قَدْ كَانَتْ ءَايَـتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ } يعني القرآن. {فَكُنتُمْ عَلَىٰ أَعْقَـٰبِكُمْ تَنكِصُونَ} تعرضون مدبرين عن سماعها وتصديقها والعمل بها، والنكوص الرجوع قهقرى.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَدْ كَانَتْ ءَايَٰتِى } من القرآن {تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَٰبِكُمْ تَنكِصُونَ } ترجعون القهقري.

ابن عبد السلام

تفسير : {تَنكِصُونَ} تستأخرون، أو تكذبون، أو رجوع القهقرى عَبَّر به عن ترك القبول.

الثعالبي

تفسير : وقوله: {قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} يعني القرآن و {تَنكِصُونَ} معناه: ترجعون وراءَكُم، وهذه استعارة للإعراض والإدبار عن الحَقِّ و {مُسْتَكْبِرِينَ} حال والضمير في {بِهِ}: عائد على الحَرَم والمسجد وإنْ لم يَتَقَدَّمْ له ذكر؛ لشهرته، والمعنى: إنكم تعتقدون في نفوسكم أَنَّ لكم بالمسجد الحرام أعظَم الحقوق على الناسِ والمنزلةَ عند اللَّه، فأنتم تستكبرون لذلك، وليس الاستكبار من الحق. وقالت فرقة: الضمير عائد على القرآن والمعنى: يُحْدِثُ لكم سماعُ آياتي كبراً وطغياناً، وهذا قولٌ جَيِّدٌ، وذكر منذر ابن سعيد: أن الضمير للنبي صلى الله عليه وسلم وهو مُتَعَلِّقٌ بما بعده، كأن الكلام تَمَّ في قوله: {مُسْتَكْبِرِينَ} ثم قال: بمحمد عليه السلام سامراً تهجرون، و {سَامِراً} حال، وهو مفرد بمعنى الجمع؛ يقال: قوم سُمَّرٌ وسَمَرةٌ وسَامِرٌ، ومعناهُ: سُهَّرُ الليل مأخوذ من السَّمَرِ وهو ما يقع على الأشخاص من ضوء القمر، وكانت العرب تجلس للسمر تتحدث وهذا أَوْجَبَ معرفَتها بالنجوم؛ لأَنَّها تجلس في الصحراء فترى الطوالِعَ من الغوارب، وقرأ أبو رجاء: «سُمَاراً» وقرأ ابن عباس وغيره: «سمرا» وكانت قريش تَسْمُرَ حول الكعبة في أباطيلها وكفرها، وقرأ السبعة غيرَ نافع: «تَهْجُرُونَ»: بفتح التاء وضم الجيم؛ قال ابن عباس معناه: تهجرون الحَقَّ وذِكْرَ اللَّه، وتقطعونه؛ من الهجران المعروف، وقال ابن زيد: هو من هجر المريض: إذا هذى، أي: تقولون اللغوَ من القول؛ وقاله أبو حاتم، وقرأ نافع وحده: «تُهْجِرونَ»: بضم التاء وكسر الجيم وهي قراءة أهل المدينة، ومعناه: تقولون الفُحْشَ والهجر من القول، وهذه إشارة إلى سَبِّهِمُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه؛ قال ابن عباس أيضاً وغيره، ثم وبخهم سبحانه بقوله: {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ ٱلْقَوْلَ} لأنهم بعد التدبر والنظر الفاسد قال بعضهم: شِعْرٌ، وبعضهم: سِحْرٌ وغير ذلك، أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأوَّلين أي: ليس بِبِدْعٍ بل قد جاء آباءهم الأَوَّلِينَ، وهم سالف الأمم الرُّسُلُ؛ كنوح، وإبراهيم، وإسماعيلَ وغيرهم، وفي هذا التأويل من التَّجَوُّزِ أَنَّ جَعْلَ سالف الأمم، آباء؛ إذِ الناس في الجملة آخِرُهم من أَوَّلِهِم. {أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ} المعنى: ألم يعرفوا صدقه وأمانته مدَّةَ عمره صلى الله عليه وسلم. وقوله سبحانه: {وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ}. قال ابن جريج، وأبو صالح: الحقُّ: اللَّه تعالى. قال * ع *: وهذا ليس من نَمَطِ الآية، وقال غيرهما: الحق هنا: الصواب والمستقيم. قال * ع *: وهذا هو الأحرى، ويستقيمُ على هذا فسادُ السمواتِ والأرض ومَنْ فيهن لو كان بحكم هوى هؤلاءِ؛ وذلك أَنَّهُم جعلوا للَّه شركاءَ وأولاداً، ولو كان هذا حَقّاً لم تكن للَّه عز وجل الصفاتُ العِلَيَّةُ، ولو لم تكن له سبحانه ـــ لم تكن الصَّنْعَةُ، ولا القُدْرَةُ كما هي، وكان ذلك فسادُ السمواتِ والأرض ومَنْ فيهن: {أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا} تفسير : [الأنبياء:22]. وقوله سبحانه: {بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ} قال ابن عباس: بوعظهم، ويحتمل: بشرفهم، وهو مَرْويٌّ. {أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً} الخَرْجُ والخراج بمعنًى، وهو: المال الذي يُجْبَى وَيُؤْتَىٰ به لأوقات محدودة. وقوله سبحانه: {فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ} يريد ثوابَهُ، ويحتمل أن يريد بخراج ربك: رِزْقَه، ويُؤَيِّدُهُ قوله: {وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ}. و «الصراط المستقيم» دين الإسلام، «وناكبون»: أَي: مجادلون ومُعْرِضُون، وقال البخاريُّ: {لَنَاكِبُونَ}: لعادلون، انتهى. قال أبو حيان: يقال: نكب عن الطريقِ ونَكَّبَ بالتشديد، أي: عَدَلَ عنه، انتهى، ثم أخبر تعالى عنهم أنهم لو زال عنهم القَحْطُ، ومَنَّ اللَّه عليهم بالخصب، ورَحِمَهُم بذلك ـــ لبقوا على كفرهم ولَجُّوا في طغيانهم، وهذه الآية نزلت في المُدَّةِ التي أصاب فيها قريشاً السِّنُونَ الجَدْبَةُ والجُوعُ الذي دعا به النبيُّ صلى الله عليه وسلم في قوله: «حديث : اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِيُ يُوسُفَ»تفسير : ، الحديث. {وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِٱلْعَذَابِ}، قال ابن عباس وغيره: هو الجوعُ والجَدْبُ حَتَّى أكلوا الجلود وما جرى مجراها، ورُوِيَ أَنَّهم لما بلغهم الجَهْدُ رَكِبَ أبو سفيانُ، وجاءَ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم بالمدينة فقال: يا محمد، ألستَ تزعمُ أَنَّك بُعِثْتَ رحمةً للعالمين؟ قال: بلى، قَالَ: قَدْ قَتَلْتَ الآباءَ بِالسَّيْفِ، واْلأَبْنَاءَ بِالْجُوعِ، وَقَدْ أكلنا العِلْهِز؛ فنزلت الآية، و {ٱسْتَكَانُواْ} معناه: تواضعوا وانخفضوا.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} يعني القرآن {فَكُنتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ} وهذا مثل يُضرب لمن يتباعد عن الحق كل التباعد فهو قوله: {فَكُنتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ} أي: ترجعون قهقرى وتتأخرون عن الإيمان، وينفرون عن تلك الآيات، وعن من يتلوها كما يذهب الناكص على عقبيه بالرجوع إلى ورائه. قوله: "عَلَى أَعْقَابِكُمْ" فيه وجهان: أحدهما: أنه متعلق بـ "تَنْكِصُونَ" كقولك نكص على عقبيه. والثاني: أنه متعلق بمحذوف، لأنه حال من فاعل (تنْكِصُونَ) قاله أبو البقاء وقرأ أمير المؤمنين "تَنْكُصُونَ" بضم العين، وهي لغة. قوله: "مُسْتَكْبِرِينَ" حال من فاعل "تَنْكِصُونَ"، و"بِهِ" فيه قولان: أحدهما: أنه متعلق بـ "مُسْتَكْبِرِينَ". والثاني: أنه متعلق بـ "سَامِراً". وعلى الأوَّل فالضمير للقرآن، لأنهم كانوا يجتمعون حول البيت باللّيل يسمرون، وكان عامة سمرهم ذكر القرآن، وتسميته سحراً وشعراً. أو للبيت شرّفه الله - تعالى - كانوا يقولون: لا يظهر علينا أحد لأنّا أهل الحرم، كانوا يفتخرون به، لأنهم ولاته، والقائمون به. قاله ابن عباس ومجاهد. وقيل الضمير في "بِهِ" للرسول - عليه السلام -. أو للنكوص المدلول عليه بـ "تَنْكِصُونَ" كقوله: {أية : ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ} تفسير : [المائدة: 8]. والباء في هذا كله للسببية، لأنهم استكبروا بسبب القرآن لما تلي عليهم وبسبب البيت لأنهم كانوا يقولون نحن ولاته، وبالرسول لأنهم كانوا يقولون هو منا دون غيرنا وبالنكوص لأنه سبب الاستكبار. وقيل: ضُمّن الاستكبار معنى التكذيب فلذلك عدي بالباء، وهذا يتأتى على أن يكون الضمير للقرآن وللرسول. وأمّا على الثاني وهو تعلقه بـ "سَامِراً" فيجوز أن يكون الضمير عائداً على ما عاد عليه فيما تقدّم إلا النكوص، لأنهم كانوا يسمرون بالقرآن وبالرسول يجعلونهما حديثاً لهم يخوضون في ذلك كما يسمر بالأحاديث وكانوا يسمرون في البيت فالباء ظرفية على هذا و"سَامِراً" نصب على الحال إمّا من فاعل "تَنْكِصُونَ" وإمّا من الضمير في (مُسْتَكْبِرِينَ). وقرأ ابن مسعود وابن عباس وأبو حيوة ويروى عن أبي عمرو: "سُمّراً" بضم الفاء وفتح العين مشددة. وزيد بن علي وأبو رجاء وابن عباس أيضاً "سُمَّاراً" كذلك إلا أنه بزيادة ألف بين الميم والراء، وكِلاَهُمَا جمع لِسَامِر، وهما جمعان مقيسان لفاعل الصفة نحو ضُرَّب وضُرَّاب في ضَارِب، والأفصح الإفراد، لأنه يقع على ما فوق الواحد بلفظ الإفراد يقال: قَوْمٌ سَامِر ونظيره: "نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً". والسامِر مأخوذ من السَّمر، وهو سَهَر الليل أو مأخوذ من السَّمَر: وهو ما يقع على الشجر من ضوء القمر، فيجلسون إليه يتحدثون مستأنسين به قال: شعر : 3804- كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الحَجُونِ إلَى الصَّفَا أَنِيسٌ ولَمْ يَسْمُرْ بِمَكةَ سَامِرُ تفسير : وقال الراغب: السَّامِر: الليل المظلم يقال: وَلاَ آتِيكَ ما سَمَرَ ابْنَا سَمِيرٍ يعنون الليل والنهار. وقال الراغب: ويقال: سَامِرٌ، وسُمَّارٌ، وسَمَرَةٌ، وسَامِرُونَ. وسَمَرْتُ الشيءَ، وإبل مُسْمَرَةٌ، أي: مُهْمَلَةٌ، والسَّامِريُ: منسوب إلى رجل انتهى. والسُّمْرَةُ أحد الألوان، والسَّمْرَاء يكنى بها عن الحِنْطَة. قوله: "تَهْجُرُونَ" قرأ العامة بفتح التاء وضم الجيم، وهي تحتمل وجهين: أحدهما: أنها من الهَجْر بسكون الجيم، وهو القطع والصدّ. أي تهجرون آيات الله ورسوله، وتزهدون فيهما فلا تصلونهما. والثاني: أنها من الهَجَر - بفتحها - وهو الهذيان، يقال: هَجَر المريض هَجَراً أي: هذى فلا مفعول له. ونافع وابن محيصن بضم التاء وكسر الجيم من أَهْجَر إهْجاراً، أي: أفحش في منطقه قال ابن عباس: يعني كانوا يسبون النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقرأ زيد بن علي، وابن محيصن، وأبو نهيك بضم التاء وفتح الهاء وكسر الجيم مشددة مضارع هَجّر بالتشديد، وهو محتمل لأن يكون تضعيفاً للهَجَر أو للهَجْر (أو للهُجْر) وقرأ ابن أبي عاصم كالعامة إلا أنه بالياء من تحت، وهو التفات. قوله: {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ ٱلْقَوْلَ} أي: يتدبروا القول، يعني ما جاءهم من القول وهو القرآن من حيث إنه كان مبايناً لكلام العرب في الفصاحة، ومبرأ من التناقض مع طوله، فيعرفوا ما فيه من الدلالات على صدق محمد صلى الله عليه وسلم، ومعرفة الصانع، والوحدانية، فيتركوا الباطل، ويرجعوا إلى الحق {أَمْ جَآءَهُمْ مَّا لَمْ يَأْتِ آبَآءَهُمُ ٱلأَوَّلِينَ} واعلم أنّ إقدامهم على كفرهم وجهلهم لا بُدّ وأن يكون لأحد أمور أربعة: الأول: أن لا يتأملوا دليل ثبوته، وهو المراد من قوله: {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ ٱلْقَوْلَ} وهو القرآن يعني: أنه كان معروفاً لهم. والثاني: أن يعتقدوا أن مجيء الرسول على خلاف العادة، وهو المراد من قوله: {أَمْ جَآءَهُمْ مَّا لَمْ يَأْتِ آبَآءَهُمُ} وذلك أنهم عرفوا بالتواتر مجيء الرسول إلى الأمم السالفة، وكانت الأمم بين مُصدّقٍ ناجٍ وبين مكذّبٍ هالك، أفَمَا دعاهم ذلك إلى تصديق الرسل. وقال بعضهم: "أَمْ" هاهنا بمعنى "بَلْ" والمعنى بل جاءهم ما لم يأت آباءهم. والثالث: أن لا يكونوا عالمين بديانته، وحسن خصاله قبله ادعائه النبوة، وهو المراد من قوله: {أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ} والمعنى: أنهم كانوا يعرفونه قبل أن يدعي الرسالة، وكونه في نهاية الأمانة والصدق وغاية الفرار عن الكذب والأخلاق الذميمة، وكانوا يسمونه الأمين، فكيف كذبوه بعد أن اتفقتْ كلمتهم على تسميته بالأمين. والرابع: أن يعتقدوا فيه الجنون، فيقولوا إنّما حمله على ادعاء الرسالة جنونه، وهو المراد بقوله {أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ}. وهذا أيضاً ظاهر الفساد، لأنّهم كانوا يعلمون بالضرورة أنه أعقل الناس، فالمجنون كيف يمكنه أن يأتي بمثل ما أتى به من الدلائل القاطعة، والشرائع الكاملة. وفي كونهم سمّوه بذلك وجهان: أحدهما: أنهم نسبوه إلى ذلك من حيث كان يطمع في انقيادهم له، وكان ذلك من أبعد الأمور عندهم، فنسبوه إلى الجنون لذلك. والثاني: أنهم قالوا ذلك إيهاماً لعوامهم لئلاّ ينقادوا له، فذكروا ذلك استحقاراً له. ثم إنه - تعالى - بعد أن عدّ هذه الوجوه، ونبّه على فسادها قال: {بَلْ جَآءَهُمْ بِٱلْحَقِّ} أي: بالصدق والقول الذي لا يخفى صحته على عاقل {وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} لأنهم تمسكوا بالتقليد، وعلموا أنّهم لو أقرُّوا بمحمدٍ لزالت رياستهم ومناصبهم، فلذلك كرهوه. فإن قيل قوله: {وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} يدلُّ على أنّ أقلّهم لا يكرهون الحق. فالجواب: أنه كان منهم من ترك الإيمان أنفَةً من توبيخ قومه، وأن يقولوا ترك دين آبائه لا كراهة للحق. قوله: {وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ} الجمهور على كسر الواو لالتقاء الساكنين وابن وثّاب بضمها تشبيهاً بواو الضمير كما كُسرتْ واو الضمير تشبيهاً بها. فصل قال ابن جريج ومقاتل والسّدّيّ وجماعة: الحق هو الله. أي: لو اتبع الله مرادهم فيما يفعل وقيل: لو اتبع مرادهم، فيسمّي لنفسه شريكاً وولداً كما يقولون {لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ}. وقال الفراء والزجاج: المراد بالحق: القرآن. أي: نزل القرآن بما يحبون من جعل الشريك والولد على ما يعتقدون {لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ} وهو كقوله: {أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا} تفسير : [الأنبياء: 22]. قوله: {بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ} العامة على إسناد الفعل إلى ضمير المتكلم المعظم نفسه، والمراد أتتهم رسلنا. وقرأ أبو عمرو في رواية "آتَيْنَاهُمْ" بالمد أي أعطيناهم، فيحتمل أن يكون المفعول الثاني غير مذكور، ويحتمل أن يكون "بِذِكْرِهِمْ" والباء مزيدة فيه وابن أبي إسحاق وعيسى بن عمر وأبو عمرو أيضاً "أَتَيْتهُمْ" بتاء المتكلم وحده. وأبو البرهثم وأبو حيوة والجحدري وأبو رجاء "أَتَيْتَهُمْ" بتاء الخطاب، وهو الرسول - عليه السلام -. وعيسى: "بِذِكْرَاهُم" بألف التأنيث. وقتادة "نُذَكِّرهُمْ" بنون المتكلم المعظم نفسه مكان باء الجر مضارع (ذَكَّر) المشدد، ويكون (نُذكرُهُمْ) جملة حالية. وتقدم الكلام في "خَرْجاً" و"خَرَاجاً" في: الكهف. فصل قال ابن عباس: {بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ} بما فيه فخرهم وشرفهم. يعني: القرآن، فهو كقوله: {أية : لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ} تفسير : [الأنبياء: 10] أي: شرفكم، {أية : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ} تفسير : [الزخرف: 44] أي: شرف لك ولقومك {فَهُمْ عَن ذِكْرِهِمْ} شرفهم "معرِضون". وقيل: الذكر هو الوعظ والتذكير التحذير. "أَمْ تَسْأَلُهُمْ" على ما جئتم به "خَرْجاً" أجراً وجعلاً {فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ} أي ما يعطيك الله من رزقه وثوابه خير {وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ} وتقدم الكلام على نظيره.

القشيري

تفسير : ذَكَرَ هذا من باب إملاءِ العُذْرِ، وإلزام الحجة، والقطع بألا ينفعَ - الآنَ - الجزعُ ولا يُسْمَعُ العُذْرُ، والملوكُ إذا أبرموا حُكْماً، فالاستغاثةُ غيرُ مُؤَثِّرَةٍ في الحاصل منهم، قال قائلهم: شعر : إذا انصرفَتْ نفسي عن الشيء لم تكد إليه بوجهٍ - آخِرَ الدهرِ - تُقْبِلُ

اسماعيل حقي

تفسير : {قد كانت آياتى تتلى عليكم} فى الدنيا لتنتفعوا بها {فكنتم على اعقابكم تنكصون} الاعقاب جمع عقب وهو مؤخر الرجل ورجع على عقبه اذا انثنى راجعا والنكوص الرجوع القهقرى اى معرضون عن سماعها اشد الاعراض فضلا عن تصديقها والعمل بها.

الجنابذي

تفسير : اى ترجعون والنّكص لا يكون الاّ فى الرّجوع عن الخير وقد مضى انّ النّاس كلّهم مفطورون على الخير وذاهبون على فطرة الخير ويشبّه الرّاجع عن الدّين والخير ما لم يقطع فطرته بمن يرجع عن المقصد رجوع القهقرى على عقبيه لانّه ببقاء فطرته كان وجهه الى مقصده وان يتنزّل عمّا كان فيه من الخيرات الحاصلة له بفطرته او بكسبه.

الهواري

تفسير : {قَدْ كَانَت ءَايَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ} يعني القرآن {فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ} أي: تستأخرون عن الإِيمان. {مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ} أي: بالحرم. {سَامِراً تَهْجُرُونَ} أي: تتكلمون بهجر القول ومنكره. قال الحسن: مستكبرين بحرمي (سَامِرًا تَهْجُرُونَ) أي: تَهجُرون رسولي وكتابي. وتفسير الكلبي: (سَامِراً تُهْجِرُون) أي: سمّراً حول البيت، وكذلك يقرأها الكلبي: سُمَّراً. [وقال قتادة: يعني بهذا أهل مكة. كان سامرهم لا يخشى شيئاً؛ كانوا يقولون: نحن أهل الحرم فلا نُقْرَب، لما أعطاهم الله من الأمن، وهم مع ذلك يتكلّمون بالشرك والبهتان، والقراءة على تفسير قتادة بضم التاء وكسر الجيم]. قوله: {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ} يعني القرآن {أَمْ جَآءَهُم مَّا لَمْ يَأتِ ءَابَآءَهُمُ الأَوَّلِينَ} أي: لم يأتهم إلا ما أتى آباءهم الأولين. قوله: {أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ} أي: الذين أُرسل إليهم، يعني محمداً صلى الله عليه وسلم. {فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ} أي: بل يعرفونه ويعرفون نسبه. {أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ} أي: بمحمد جنون، أي قد قالوا ذلك. قال الله: {بَلْ جَآءَهُم بِالْحَقِّ} أي: القرآن. {وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} يعني جماعة من لم يؤمنوا منهم.

اطفيش

تفسير : {قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ} يعني القرآن * {فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ} ترجعون إلى خلف وتمشون على المواضع التي كانت عقبكم اعنى خلفكم وذلك كناية عن الاعراض والادبار عن الحق سماعا وتصديقا وعملا.

الالوسي

تفسير : {قَدْ كَانَتْ ءايَـٰتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} إلى آخره صريح في أنه تعليل لعدم لحوق النصر من جهته تعالى بسبب كفرهم بالآيات ولو كان النصر المنفي متوهماً من الغير لعلل بعجزه أو بعزة الله تعالى وقوته، وأنت تعلم أنهم المشركون الذين شركاؤهم نصب أعينهم ولم يقيد الجؤار بكونه إلى الله تعالى وأمر التعليل سهل، وقد يقال: المعنى على هذا الوجه دعوى الصراخ فإنه لا يمنعكم منا ولا ينفعكم عندنا فقد ارتكبتم أمراً عظيماً وإثماً كبيراً لا يدفعه ذلك، ثم لا يخفى ما في كلام المتعقب بعد، والمراد قد كانت آياتي تتلى عليكم قبل أن يأخذ مترفيكم العذاب {فَكُنْتُمْ} عند تلاوتها {عَلَىٰ أَعْقَـٰبِكُمْ تَنكِصُونَ} أي تعرضون عن سماعها أشد الإعراض فضلاً عن تصديقها والعمل بها، والنكوص الرجوع، والأعقاب جمع عقب وهو مؤخر الرجل ورجوع الشخص على عقبه رجوعه في طريقه الأولى كما يقال رجع عوده على بدئه، وجعل بعضهم التقييد بالأعقاب من باب التأكيد كما في بصرته بعيني بناء على أن النكوص الرجوع قهقرى وعلى الأعقاب، وأياً ما كان فهو مستعار للإعراض. وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه «تنكصون» بضم الكاف.

الشنقيطي

تفسير : لما بين أن المترفين من الكفار إذا أخذهم ربهم بالعذاب، ضجوا وصاحوا واستغاثوا، وبين أنهم لا يغاثون كما أوضحناه آنفاً بين سبب ذلك بقوله: {قَدْ كَانَتْ آيَاتِي} أي التي أرسلت بها رسلي {تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ}: تقرأ عليكم واضحة مفصلة، فكنتم على أعقابكم تنكصون: ترجعون عنها القهقرى. والعقب: مؤخر القدم، والنكوص: الرجوع عن الأمر، ومنه قوله تعالى: {أية : فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ} تفسير : [الأنفال: 48] ومنه قول الشاعر: شعر : زعموا بأنهم على سبل النجا ة وإنما نكص على الأعقاب تفسير : وهذا المعنى الذي ذكره هنا: أشار له في غير هذا الموضع كقوله تعالى {أية : قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ فَٱلْحُكْمُ للَّهِ ٱلْعَلِـيِّ ٱلْكَبِيرِ}تفسير : [غافر: 11-12] فكفرهم عند الله ذكر الله وحده، من نكوصهم على أعقابهم، وبين في موضع آخر أنهم إذا تتلى عليهم آياته، لم يقتصروا على النكوص عنها، على أعقابهم، بل يكادون يبطشون بالذي يتلوها عليهم، لشدة بغضهم لها، وذلك في قوله تعالى: {أية : وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِٱلَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا}تفسير : [الحج: 72] وهذا الذي ذكرنا أن العذاب عذاب يوم القيامة، أظهر عندنا من قول من قال: إنه يوم بدر أو الجوع، ومن قول من زعم: أن الذين يجأرون: هم الذين لم يقتلوا يوم بدر وأن جؤارهم من قبل إخوانهم، فكل ذلك خلاف الظاهر، وإن قاله من قاله:

د. أسعد حومد

تفسير : {آيَاتِي} {أَعْقَابِكُمْ} (66) - لَقَدْ كَانَتْ آيَاتُ اللهِ تُتْلَى عَلَيْكُم بالحَقِّ، فَكُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ عَنْ سَمَاعِها، وَتَسْخَرُونَ مِنْهَا، وَتُعْرِضُونَ عَنْهَا، وَتُدِيرُونَ ظُهُورَكُمْ إِلَيْهَا وَلِذَلِكَ فًَلاَ عُذْرَ لَكُم اليَوْمَ. تَنْكِصُونَ - تَرْجِعُونَ مُعْرِضِينَ عَنْ سَمَاعِها.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : كيف تستغيثون بالله وتجأرون إليه وأنتم تُلْقى عليكم آياته تشرح لكم وتثبت لكم وجود الله بالآيات الكونية، وتثبت لكم صِدْق الرسول بالمعجزات، وتحمل لكم منهج الله في الآيات حاملة الأحكام، ولكنكم عميتم عن ذلك كله. ومعنى {فَكُنتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ} [المؤمنون: 66] العقب: مؤخرة القدم، فبدل أن يمشي إلى الأمام كما خلقه الله وجعل له كشافات يُبصر بها الطريق، ويهتدي إلى موضع قدميْه، إذا به يمشي للخلف على عَقبه، وكأنهم أُخِذوا أَخْذاً غَيَّر عندهم دولاب السير، لماذا؟ لأنهم عَمُوا عن أسباب الهداية، فصاروا يتخبطون في متاهات الحياة على غير هدى، كمَنْ يسير بظهره لا يعرف مواقع قدميْه، وهكذا فعلوا هم بأنفسهم. وهذا التراجع يسمونه في قيادة السيارات (مارشادير)، ويحتاج فيه الإنسان لمن يُوجِّهه ويرشد حركته يميناً أو شمالاً؛ لأنه لا يرى. فالمعنى: لا تَلُمْ إلا نفسك حيث حرمتها من أسباب الهداية، فبعد أنْ جاءتك وأصبحت بين يديك أغمضتَ عنها عينيك. وفي موضع آخر قال سبحانه عن الشيطان: {أية : فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّنْكُمْ ..} تفسير : [الأنفال: 48].

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَكُنتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ} معناه تَرجَعُون على أعقابِكم.