٢٣ - ٱلْمُؤْمِنُون
23 - Al-Mu'minoon (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
68
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ ٱلْقَوْلَ} يعني القرآن؛ وهو كقوله تعالى: {أية : أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ} تفسير : [النساء: 82]. وسُمِّيَ القرآن قولاً لأنهم خوطبوا به. {أَمْ جَآءَهُمْ مَّا لَمْ يَأْتِ آبَآءَهُمُ ٱلأَوَّلِينَ} فأنكروه وأعرضوا عنه. وقيل: «أم» بمعنى بل؛ أي بل جاءهم ما لا عهد لآبائهم به، فلذلك أنكروه وتركوا التدبر له. قاله ابن عباس. وقيل المعنى أم جاءهم أمان من العذاب، وهو شيء لم يأت آباءهم الأوّلين فتركوا الأعز.
البيضاوي
تفسير : {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ ٱلْقَوْلَ} أي القرآن ليعلموا أنه الحق من ربهم بإعجاز لفظه ووضوح مدلوله. {أَمْ جَآءَهُم مَّا لَمْ يَأْتِ ءَابَاءَهُمُ ٱلأَوَّلِينَ} من الرسول والكتاب، أو من الأمن من عذاب الله تعالى فلم يخافوا كما خاف آباؤهم الأقدمون كإسماعيل وأعقابه فآمنوا به وبكتابه ورسله وأطاعوه.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى منكراً على المشركين في عدم تفهمهم للقرآن العظيم وتدبرهم له وإعراضهم عنه، مع أنهم قد خصوا بهذا الكتاب الذي لم ينزل الله على رسول أكمل منه ولا أشرف، لا سيما آباؤهم الذين ماتوا في الجاهلية، حيث لم يبلغهم كتاب، ولا أتاهم نذير، فكان اللائق بهؤلاء أن يقابلوا النعمة التي أسداها الله عليهم بقبولها، والقيام بشكرها وتفهمها، والعمل بمقتضاها آناء الليل وأطراف النهار، كما فعله النجباء منهم ممن أسلم واتبع الرسول صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم. وقال قتادة: {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ ٱلْقَوْلَ} إذاً والله يجدون في القرآن زاجراً عن معصية الله، لو تدبره القوم وعقلوه، ولكنهم أخذوا بما تشابه منه، فهلكوا عند ذلك. ثم قال منكراً على الكافرين من قريش: {أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ} أي: أفهم لا يعرفون محمداً وصدقه وأمانته وصيانته التي نشأ بها فيهم؟ أي: أفيقدرون على إنكار ذلك، والمباهتة فيه؟ ولهذا قال جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه للنجاشي ملك الحبشة: أيها الملك إن الله بعث فينا رسولاً نعرف نسبه وصدقه وأمانته، وهكذا قال المغيرة بن شعبة لنائب كسرى حين بارزهم، وكذلك قال أبو سفيان صخر بن حرب لملك الروم هرقل حين سأله وأصحابه عن صفات النبي صلى الله عليه وسلم ونسبه وصدقه وأمانته، وكانوا بعد كفاراً لم يسلموا، ومع هذا لم يمكنهم إلا الصدق، فاعترفوا بذلك. وقوله: {أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ} يحكي قول المشركين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تقول القرآن، أي: افتراه من عنده، أو أن به جنوناً لا يدري ما يقول، وأخبر عنهم أن قلوبهم لا تؤمن به، وهم يعلمون بطلان ما يقولونه في القرآن؛ فإنه قد أتاهم من كلام الله ما لا يطاق ولا يدافع، وقد تحداهم وجميع أهل الأرض أن يأتوا بمثله، إن استطاعوا، ولا يستطيعون أبد الآبدين، ولهذا قال: {بَلْ جَآءَهُمْ بِٱلْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَـٰرِهُونَ} يحتمل أن تكون هذه جملة حالية، أي: في حالة كراهة أكثرهم للحق، ويحتمل أن تكون خبرية مستأنفة، والله أعلم. وقال قتادة: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم لقي رجلاً فقال له: «حديث : أسلم» تفسير : فقال الرجل: إنك لتدعوني إلى أمر أنا له كاره، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : وإن كنت كارهاً»تفسير : . وذكر لنا أنه لقي رجلاً فقال له: «حديث : أسلم» تفسير : فتصعده ذلك، وكبر عليه، فقال له نبي الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أرأيت لو كنت في طريق وعر وعث، فلقيت رجلاً تعرف وجهه وتعرف نسبه، فدعاك إلى طريق واسع سهل، أكنت تتبعه؟» تفسير : قال: نعم. قال: «حديث : فو الذي نفس محمد بيده إنك لفي أوعر من ذلك الطريق، لو قد كنت عليه، وإني لأدعوك لأسهل من ذلك لو دعيت إليه»تفسير : وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم لقي رجلاً فقال له: «حديث : أسلم»تفسير : ، فتصعده ذلك، فقال له نبي الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أرأيت لو كان فتيان أحدهما إذا حدثك صدقك، وإذا ائتمنته أدى إليك، أهو أحب إليك، أم فتاك الذي إذا حدثك كذبك، وإذا ائتمنته خانك؟» تفسير : قال: بل فتاي الذي إذا حدثني صدقني، وإذا ائتمنته أدى إلي، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كذاكم أنتم عند ربكم».تفسير : وقوله: {وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ} قال مجاهد وأبو صالح والسدي: الحق هو الله عز وجل، والمراد لو أجابهم الله إلى ما في أنفسهم من الهوى، وشرع الأمور على وفق ذلك، لفسدت السموات والأرض ومن فيهن، أي: لفساد أهوائهم واختلافها، كما أخبر عنهم في قولهم: {أية : لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} تفسير : [الزخرف: 31] ثم قال: {أية : أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ} تفسير : [الزخرف: 32] وقال تعالى: {أية : قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّى إِذًا لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ ٱلإِنفَاقِ} تفسير : [الإسراء: 100] الآية. وقال تعالى: {أية : أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ ٱلْمُلْكِ فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيراً} تفسير : [النساء: 53] ففي هذا كله تبين عجز العباد، واختلاف آرائهم وأهوائهم، وأنه تعالى هو الكامل في جميع صفاته وأقواله وأفعاله، وشرعه وقدره وتدبيره لخلقه، تعالى وتقدس، فلا إله غيره، ولا رب سواه، ولهذا قال: {بَلْ أَتَيْنَـٰهُمْ بِذِكْرِهِمْ} أي: القرآن، {فَهُمْ عَن ذِكْرِهِمْ مُّعْرِضُونَ}. وقوله: {أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً} قال الحسن: أجراً. وقال قتادة: جعلاً {فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ} أي: أنت لا تسألهم أجرة ولا جعلاً ولا شيئاً على دعوتك إياهم إلى الهدى، بل أنت في ذلك تحتسب عند الله جزيل ثوابه، كما قال: {أية : قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّن أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ} تفسير : [سبأ: 47] وقال: {أية : قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ} تفسير : [ص: 86] وقال: {أية : قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ} تفسير : [الشورى: 23] وقال: {أية : وَجَآءَ مِنْ أَقْصَى ٱلْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ قَالَ يٰقَوْمِ ٱتَّبِعُواْ ٱلْمُرْسَلِينَ ٱتَّبِعُواْ مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُّهْتَدُونَ} تفسير : [يس: 20 ــــ 21]. وقوله: {وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ عَنِ ٱلصِّرَٰطِ لَنَـٰكِبُونَ} قال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان عن يوسف بن مهران عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه فيما يرى النائم ملكان، فقعد أحدهما عند رجليه، والآخر عند رأسه، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: اضرب مثل هذا ومثل أمته، فقال: إن مثل هذا ومثل أمته كمثل قوم سفر، انتهوا إلى رأس مفازة، فلم يكن معهم من الزاد ما يقطعون به المفازة، ولا ما يرجعون به، فبينما هم كذلك، إذ أتاهم رجل في حلة حبرة، فقال: أرأيتم إن أوردتكم رياضاً معشبة وحياضاً رواء تتبعوني؟ فقالوا: نعم، قال: فانطلق بهم، وأوردهم رياضاً معشبة وحياضاً رواء، فأكلوا وشربوا وسمنوا، فقال لهم: ألم ألقكم على تلك الحال، فجعلتم لي إن وردت بكم رياضاً معشبة وحياضاً رواء أن تتبعوني؟ قالوا: بلى، قال: فإن بين أيديكم رياضاً أعشب من هذه، وحياضاً هي أروى من هذه، فاتبعوني، قال: فقالت طائفة: صدق والله لنتبعنه، وقالت طائفة: قد رضينا بهذا نقيم عليه. وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا زهير، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا يعقوب بن عبد الله الأشعري، حدثنا حفص بن حميد عن عكرمة عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إني ممسك بحجزكم، هلم عن النار، هلم عن النار، وتغلبوني، تقاحمون فيها تقاحم الفراش والجنادب، فأوشك أن أرسل حجزكم، وأنا فرطكم على الحوض، فتردون علي معاً وأشتاتاً،، أعرفكم بسيماكم وأسمائكم، كما يعرف الرجل الغريب من الإبل في إبله، فيذهب بكم ذات اليمين وذات الشمال، فأناشد فيكم رب العالمين أي رب قومي، أي رب أمتي، فيقال: يا محمد إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم كانوا يمشون بعدك القهقرى على أعقابهم، فلأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل شاة لها ثغاء ينادي: يا محمد يا محمد فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً، قد بلغت، ولأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل بعيراً له رغاء ينادي: يا محمد يا محمد فأقول: لا أملك لك شيئاً، قد بلغت، ولأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل فرساً لها حمحمة فينادي: يا محمد يا محمد فأقول: لا أملك لك شيئاً، قد بلغت، ولأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل سقاء من أدم ينادي: يا محمد يا محمد فأقول: لا أملك لك شيئاً، قد بلغت» تفسير : وقال علي بن المديني: هذا حديث حسن الإسناد، إلا أن حفص بن حميد مجهول، لا أعلم روى عنه غير يعقوب بن عبد الله الأشعري القمي (قلت): بل قد روى عنه أيضاً أشعث بن إسحاق، وقال فيه يحيى بن معين: صالح، ووثقه النسائي وابن حبان. وقوله: {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ عَنِ ٱلصِّرَٰطِ لَنَـٰكِبُونَ} أي: لعادلون جائرون منحرفون، تقول العرب: نكب فلان عن الطريق: إذا زاغ عنها. وقوله: {وَلَوْ رَحِمْنَـٰهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِّن ضُرٍّ لَّلَجُّواْ فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ} يخبر تعالى عن غلظهم في كفرهم بأنه لو أزاح عنهم الضر، وأفهمهم القرآن، لما انقادوا له، ولا استمروا على كفرهم وعنادهم وطغيانهم، كما قال تعالى: {أية : وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ}تفسير : [الأنفال: 23] وقال: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ فَقَالُواْ يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُْ} تفسير : ــــ إلى قوله ــــ {أية : بِمَبْعُوثِينَ} تفسير : [الأنعام: 27 ــــ 29] فهذا من باب علمه تعالى بما لا يكون، ولو كان كيف يكون، قال الضحاك عن ابن عباس: كل ما فيه {لو}، فهو مما لا يكون أبداً.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ } أصله «يتدبروا» فأدغمت التاء في الدال {ٱلْقَوْلَ } أي القرآن الدال على صدق النبي {أَمْ جَآءَهُمْ مَّا لَمْ يَأْتِ ءَابَآءَهُمُ ٱلأَوَّلِينَ}.
الشوكاني
تفسير : قوله: {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ ٱلْقَوْلَ } بين سبحانه أن سبب إقدامهم على الكفر هو أحد هذه الأمور الأربعة: الأوّل: عدم التدبر في القرآن، فإنهم لو تدّبروا معانيه لظهر لهم صدقه وآمنوا به وبما فيه، والهمزة للإنكار والفاء للعطف على مقدّر، أي فعلوا ما فعلوا فلم يتدبروا، والمراد بالقول: القرآن، ومثله: {أية : أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءانَ }تفسير : [النساء: 82، محمد: 24]. والثاني قوله: {أم جاءهم مَّا لَمْ يَأْتِ ءابَاءهُمُ ٱلأَوَّلِينَ} أم هي المنقطعة، أي بل جاءهم من الكتاب ما لم يأتِ آباءهم الأوّلين، فكان ذلك سبباً لاستنكارهم للقرآن، والمقصود: تقرير أنه لم يأتِ آباءهم الأوّلين رسول؛ فلذلك أنكروه، ومثله قوله: {أية : لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أُنذِرَ ءابَاؤُهُمْ } تفسير : [يۤس: 6]. وقيل: إنه أتى آباءهم الأقدمين رسل أرسلهم الله إليهم. كما هي سنّة الله سبحانه في إرسال الرسل إلى عباده، فقد عرف هؤلاء ذلك، فكيف كذبوا هذا القرآن؟ وقيل: المعنى: أم جاءهم من الأمن من عذاب الله ما لم يأتِ آباءهم الأوّلين كإسماعيل ومن بعده. والثالث: قوله: {أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ } وفي هذا إضراب وانتقال من التوبيخ بما تقدّم إلى التوبيخ بوجه آخر، أي بل ألم يعرفوه بالأمانة والصدق فأنكروه، ومعلوم أنهم قد عرفوه بذلك. والرابع: قوله: {أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ } وهذا أيضاً انتقال من توبيخ إلى توبيخ، أي بل أتقولون به جنة، أي جنون، مع أنهم قد علموا أنه أرجح الناس عقلاً، ولكنه جاء بما يخالف هواهم فدفعوه وجحدوه تعصباً وحمية. ثم أضرب سبحانه عن ذلك كله فقال: {بَلْ جَاءهُمْ بِٱلْحَقّ } أي ليس الأمر كما زعموا في حق القرآن والرسول، بل جاءهم ملتبساً بالحق، والحق هو: الدين القويم: {وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقّ كَـٰرِهُونَ } لما جبلوا عليه من التعصب، والانحراف عن الصواب، والبعد عن الحق، فلذلك كرهوا هذا الحق الواضح الظاهر، وظاهر النظم أن أقلهم كانوا لا يكرهون الحق، ولكنهم لم يظهروا الإيمان خوفاً من الكارهين له. وجملة: {وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ } مستأنفة مسوقة لبيان أنه لو جاء الحق على ما يهوونه ويريدونه لكان ذلك مستلزماً للفساد العظيم، وخروج نظام العالم عن الصلاح بالكلية، وهو معنى قوله: {لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَـٰوَاتُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ } قال أبو صالح وابن جريج ومقاتل والسديّ: الحق: هو الله، والمعنى: لو جعل مع نفسه كما يحبون شريكاً لفسدت السمٰوات والأرض. وقال الفراء والزجاج: يجوز أن يكون المراد بالحق: القرآن، أي لو نزل القرآن بما يحبون من الشرك لفسد نظام العالم. وقيل: المعنى: ولو كان الحق ما يقولون من اتحاد الآلهة مع الله لاختلفت الآلهة، ومثل ذلك قوله: {أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا } تفسير : [الأنبياء: 22] وقد ذهب إلى القول الأوّل الأكثرون، ولكنه يرد عليه أن المراد بالحق هنا هو: الحق المذكور قبله في قوله: {بَلْ جَاءهُمْ بِٱلْحَقّ } ولا يصح أن يكون المراد به هنالك الله سبحانه، فالأولى تفسير الحق هنا وهناك: بالصدق الصحيح من الدين الخالص من شرع الله، والمعنى: ولو ورد الحق متابعاً لأهوائهم موافقاً لفاسد مقاصدهم لحصل الفساد، والمراد بقوله: {وَمَن فِيهِنَّ } من في السمٰوات والأرض من المخلوقات. وقرأ ابن مسعود: "وما بينهما" وسبب فساد المكلفين من بني آدم ظاهر، وهو ذنوبهم التي من جملتها الهوى المخالف للحق، وأما فساد ما عداهم فعلى وجه التبع؛ لأنهم مدبرون في الغالب بذوي العقول فلما فسدوا فسدوا. ثم ذكر سبحانه أن نزول القرآن عليهم من جملة الحق فقال: {بَلْ أَتَيْنَـٰهُمْ بِذِكْرِهِمْ } والمراد بالذكر هنا القرآن، أي بالكتاب الذي هو فخرهم وشرفهم، ومثله قوله: {أية : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ } تفسير : [الزخرف: 44]. والمعنى: بل آتيناهم بفخرهم وشرفهم الذي كان يجب عليهم أن يقبلوه، ويقبلوا عليه. وقال قتادة: المعنى: بذكرهم الذي ذكر فيه ثوابهم وعقابهم. وقيل: المعنى بذكر ما لهم به حاجة من أمر الدين. وقرأ ابن أبي إسحاق وعيسى بن عمر: "أتيتهم" بتاء التكلم. وقرأ أبو حيوة والجحدري: "أتيتهم" بتاء الخطاب، أي أتيتهم يا محمد. وقرأ عيسى بن عمر: "بذكراهم". وقرأ قتادة: "نذكرهم" بالنون والتشديد من التذكير، وتكون الجملة على هذه القراءة في محل نصب على الحال. وقيل: الذكر هو: الوعظ والتحذير {فَهُمْ عَن ذِكْرِهِمْ مُّعْرِضُونَ } أي هم بما فعلوا من الاستكبار والنكوص عن هذا الذكر المختص بهم معرضون لا يلتفتون إليه بحال من الأحوال، وفي هذا التركيب ما يدل على أن إعراضهم مختص بذلك لا يتجاوزه إلى غيره. ثم بين سبحانه أن دعوة نبيه صلى الله عليه وسلم ليست مشبوهة بأطماع الدنيا فقال: {أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً } و"أم" هي المنقطعة، والمعنى: أم يزعمون أنك تسألهم خرجاً تأخذه على الرسالة، والخرج: الأجر والجعل، فتركوا الإيمان بك وبما جئت به لأجل ذلك، مع أنهم يعلمون أنك لم تسألهم ذلك ولا طلبته منهم {فَخَرَاجُ رَبّكَ خَيْرٌ } أي فرزق ربك الذي يرزقك في الدنيا، وأجره الذي يعطيكه في الآخرة خير لك مما ذكر. قرأ حمزة والكسائي والأعمش ويحيـى ابن وثاب: "أم تسألهم خراجاً"، وقرأ الباقون: {خرجا} وكلهم قرؤوا {فَخَرَاجُ } إلا ابن عامر وأبا حيوة فإنهما قرآ: "فخرج" بغير ألف. والخرج: هو الذي يكون مقابلاً للدخل، يقال لكل ما تخرجه إلى غيرك: خرجاً، والخراج غالب في الضريبة على الأرض. قال المبرد: الخرج: المصدر، والخراج: الاسم. قال النضر بن شميل: سألت أبا عمرو بن العلاء عن الفرق بين الخرج والخراج فقال: الخراج ما لزمك، والخرج ما تبرعت به. وروي عنه أنه قال: الخرج من الرقاب، والخراج من الأرض {وَهُوَ خَيْرُ ٱلرازِقِينَ } هذه الجملة مقرّرة لما قبلها من كون خراجه سبحانه خير. ثم لما أثبت سبحانه لرسوله من الأدلة الواضحة المقتضية لقبول ما جاء به ونفى عنه أضداد ذلك قال: {وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } أي إلى طريق واضحة تشهد العقول بأنها مستقيمة غير معوجة، والصراط في اللغة: الطريق، فسمي الدين طريقاً لأنها تؤدّي إليه. ثم وصفهم سبحانه بأنهم على خلاف ذلك فقال: {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ عَنِ ٱلصّرٰطِ لَنَـٰكِبُونَ } يقال: نكب عن الطريق ينكب نكوباً: إذا عدل عنه ومال إلى غيره، والنكوب والنكب: العدول والميل، ومنه النكباء للريح بين ريحين، سميت بذلك لعدولها عن المهابّ، و{عن الصراط} متعلق بـ {ناكبون}، والمعنى: أن هؤلاء الموصوفين بعدم الإيمان بالآخرة عن ذلك الصراط أو جنس الصراط لعادلون عنه. ثم بين سبحانه أنهم مصرّون على الكفر لا يرجعون عنه بحال فقال: {وَلَوْ رَحِمْنَـٰهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مّن ضُرّ } أي من قحط وجدب {لَّلَجُّواْ فِي طُغْيَـٰنِهِمْ } أي لتمادوا في طغيانهم وضلالهم {يَعْمَهُونَ } يتردّدون ويتذبذبون ويخبطون. وأصل اللجاج: التمادي في العناد، ومنه اللجة بالفتح لتردّد الصوت، ولجة البحر تردّد أمواجه، ولجة الليل تردد ظلامه. وقيل: المعنى: لو رددناهم إلى الدنيا ولم ندخلهم النار وامتحناهم للجوا في طغيانهم. {وَلَقَدْ أَخَذْنَـٰهُمْ بِٱلْعَذَابِ } جملة مستأنفة مسوقة لتقرير ما قبلها. والعذاب قيل: هو الجوع الذي أصابهم في سني القحط. وقيل: المرض. وقيل: القتل يوم بدر، واختاره الزجاج. وقيل: الموت. وقيل: المراد من أصابه العذاب من الأمم الخالية {فَمَا ٱسْتَكَانُواْ لِرَبّهِمْ } أي ما خضعوا ولا تذللوا، بل أقاموا على ما كانوا فيه من التمرّد على الله والانهماك في معاصيه {وَمَا يَتَضَرَّعُونَ } أي وما يخشعون لله في الشدائد عند إصابتها لهم، ولا يدعونه لرفع ذلك {حَتَّىٰ إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ } قيل: هو عذاب الآخرة. وقيل: قتلهم يوم بدر بالسيف. وقيل: القحط الذي أصابهم. وقيل: فتح مكة {إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ } أي: متحيرون، لا يدرون ما يصنعون. والإبلاس: التحير والإياس من كل خير. وقرأ السلمي: "مبلسون" بفتح اللام من أبلسه، أي أدخله في الإبلاس. وقد تقدّم في الأنعام. {وَهُوَ ٱلَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلاْبْصَـٰرَ } امتنّ عليهم ببعض النعم التي أعطاهم، وهي نعمة السمع والبصر {وَٱلأَفْئِدَةَ } فصارت هذه الأمور معهم ليسمعوا المواعظ وينظروا العبر ويتفكروا بالأفئدة فلم ينتفعوا بشيء من ذلك لإصرارهم على الكفر وبعدهم عن الحق، ولم يشكروه على ذلك ولهذا قال: {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ } أي شكراً قليلاً حقيراً غير معتدّ به باعتبار تلك النعم الجليلة. وقيل: المعنى: أنهم لا يشكرونه ألبتة، لا أن لهم شكراً قليلاً. كما يقال لجاحد النعمة: ما أقلّ شكره، أي: لا يشكره، ومثل هذه الآية قوله: {أية : فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَـٰرُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ }تفسير : [الأحقاف: 26]. {وَهُوَ ٱلَّذِي ذَرَأَكُمْ فِى ٱلأَرْضِ } أي: بثكم فيها كما تبث الحبوب لتنبت وقد تقدّم تحقيقه {وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } أي تجمعون يوم القيامة بعد تفرّقكم. {وَهُوَ ٱلَّذِي يُحي وَيُمِيتُ } على جهة الانفراد والاستقلال، وفي هذا تذكير لنعمة الحياة، وبيان الانتقال منها إلى الدار الآخرة {وَلَهُ ٱخْتِلَـٰفُ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ } قال الفراء: هو الذي جعلهما مختلفين يتعاقبان ويختلفان في السواد والبياض. وقيل: اختلافهما: نقصان أحدهما وزيادة الآخر. وقيل: تكرّرها يوماً بعد يوم وليلة بعد ليلة {أَفلاَ تعقلون} كنه قدرته وتتفكرون في ذلك. ثم بين سبحانه أنه لا شبهة لهم في إنكار البعث إلا التشبث بحبل التقليد المبنيّ على مجرد الاستبعاد فقال: {بَلْ قَالُواْ مِثْلَ مَا قَالَ ٱلأَوَّلُونَ } أي آباؤهم والموافقون لهم في دينهم. ثم بين ما قاله الأوّلون فقال: {قَالُواْ أئذا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَـٰماً أَءنَّا لَمَبْعُوثُونَ } فهذا مجرّد استبعاد لم يتعلقوا فيه بشيء من الشبه، ثم كملوا ذلك القول بقولهم: {لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَءَابَاؤُنَا هَـٰذَا مِن قَبْلُ } أي وعدنا هذا البعث ووعده آباؤنا الكائنون من قبلنا فلم نصدّقه كما لم يصدّقه من قبلنا، ثم صرّحوا بالتكذيب وفرّوا إلى مجرّد الزعم الباطل فقالوا: {إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ } أي ما هذا إلا أكاذيب الأولين التي سطروها في الكتب جمع أسطورة كأحدوثة، والأساطير: الأباطيل والترهات والكذب. وقد أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي صالح في قوله: {أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ } قال: عرفوه ولكنهم حسدوه. وفي قوله: {وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ } قال: الحق: الله عزّ وجلّ. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {بَلْ أَتَيْنَـٰهُمْ بِذِكْرِهِمْ } قال: بينا لهم، وأخرجوا عنه في قوله: {عَنِ ٱلصّرٰطِ لَنَـٰكِبُونَ } قال: عن الحقّ لحائدون. وأخرج النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: جاء أبو سفيان إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد أنشدك الله والرحم، فقد أكلنا العلهز، يعني الوبر بالدم، فأنزل الله: {وَلَقَدْ أَخَذْنَـٰهُمْ بِٱلْعَذَابِ فَمَا ٱسْتَكَانُواْ لِرَبّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ }، وأصل الحديث في الصحيحين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا على قريش حين استعصوا فقال: حديث : اللّهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف»تفسير : الحديث. وأخرج ابن جرير وأبو نعيم في المعرفة، والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس: أن ابن أثال الحنفي لما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم وهو أسير فخلى سبيله لحق باليمامة. فحال بين أهل مكة وبين الميرة من اليمامة حتى أكلت قريش العلهز، فجاء أبو سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أليس تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين؟ قال: "بلى". قال: فقد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع، فأنزل الله: {وَلَقَدْ أَخَذْنَـٰهُمْ بِٱلْعَذَابِ } الآية. وأخرج العسكري في المواعظ عن عليّ بن أبي طالب في قوله: {فَمَا ٱسْتَكَانُواْ لِرَبّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ } قال: أي لم يتواضعوا في الدعاء ولم يخضعوا، ولو خضعوا لله لاستجاب لهم. وأخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {حَتَّىٰ إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ } قال: قد مضى، كان يوم بدر.
الماوردي
تفسير : قوله: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ} في الحق هنا قولان: أحدهما: أنه الله، قاله الأكثرون. الثاني: أنه التنزيل أي لو نزل بما يريدون لفسدت السموات والأرض. وفي اتباع أهوائهم قولان: أحدهما: لو اتبع أهواءهم فيما يشتهونه. الثاني: فيما يعبدونه. {لَفَسَدَتِ السَّموَاتُ وَالأَرْضُ} يحتمل وجهين: أحدهما: لفسد تدبير السموات والأرض، لأنها مدبرة بالحق لا بالهوى. الثاني: لفسدت أحوال السموات والأرض لأنها جارية بالحكمة لا على الهوى. {وَمَن فِيهِنَّ} أي ولفسد من فيهن، وذلك إشارة إلى من يعقل من ملائكة السموات وإنس الأرض، وقال الكلبي: يعني ما بينهم من خلق، وفي قراءة ابن مسعود لفسدت السموات والأرض وما بينهما، فتكون على تأويل الكلبي، وقراءة ابن مسعود، محمولاً على فساد ما لا يعقل من حيوان وجماد، وعلى ظاهر التنزيل في قراءة الجمهور يكون محمولاً على فساد ما يعقل وما لا يعقل من الحيوان، لأن ما لا يعقل تابع لما يعقل في الصلاح والفساد. فعلى هذا يكون من الفساد ما يعود على من في السموات من الملائكة بأن جعلت أرباباً وهي مربوبة، وعبدت وهي مستعبدة. وفساد الإِنس يكون على وجهين: أحدهما: باتباع الهوى. وذلك مهلك. الثاني: بعبادة غير الله. وذلك كفر. وأما فساد الجن فيكون بأن يطاعوا فيطغوا. وأما فساد ما عدا ذلك فيكون على وجه التبع بأنهم مدبرون بذوي العقول. فعاد فساد المدبرين عليهم. {بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ} فيه وجهان: أحدهما: عنى ببيان الحق لهم، قاله ابن عباس. الثاني: بشرفهم لأن الرسول صلى الله عليه وسلم منهم. والقرآن بلسانهم، قاله السدي، وسفيان. ويحتمل ثالثاً: بذكر ما عليهم من طاعة ولهم من جزاء. {فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعِرِضُونَ} فيه وجهان: أحدهما: فهم عن القرآن معرضون، قاله قتادة. الثاني: عن شرفهم معرضون، قاله السدي. قوله: {أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً} يعني أمراً. {فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ} فيه وجهان: أحدهما: فرزق ربك في الدنيا خير منهم، قاله الكلبي. الثاني: فأجر ربك في الآخرة خيرٌ منه، قاله الحسن. وذكر أبو عمرو بن العلاء الفرق بين الخرج والخراج فقال: الخرج من الرقاب: والخراج من الأرض. قوله: {عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ} فيه أربعة تأويلات: أحدها: لعادلون، قاله ابن عباس. الثاني: لحائدون، قاله قتادة. الثالث: لتاركون، قاله الحسن. الرابع: لمعرضون، قاله الكلبي، ومعانيها متقاربة.
البقاعي
تفسير : ولما كانت الآيات - لما فيها من البلاغة المعجزة، والحكم المعجبة داعية إلى تقبلها بعد تأملها، وكانوا يعرضون عنها ويفحشون في وصفتها تارة بالسحر وأخرى بالشعر، وكرة بالكهانة ومرة بغيرها، تسبب عن ذلك الإنكار عليهم فقال معرضاً عنهم إيذاناً بالغضب مسنداً إلى الجمع الذي هو أولى بإلقاء السمع: {أفلم يدبروا القول} أي المتلو عليهم بأن ينظروا في أدباره وعواقبه ولو لم يبلغوا في نظرهم الغاية بما أشار إليه الإدغام، ليعلموا أنه موجب للإقبال والوصال، والوصف بأحسن المقال، لعله عبر بالقول إشارة إلى أن من لم يتقبله ليس بأهل لفهم شيء من القول بل هو في عداد البهائم {أم جاءهم} في هذا القول من الأوامر بالتوحيد الآتي بها الرسول الذي هو من نسل إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام وما ترتب على ذلك من الأوامر التي لا يجهل حسم فعلها عاقل، والنواهي التي - كما يشهد بقبح إتيانها العالم - يقطع بها الجاهل، وبالرسالة برسول من البشر {ما لم يأت آباءهم الأولين*} الذين بعد إسماعيل وقبله. ولما كان الرجل الكامل من عرف الرجال بالحق، بدأ بما أشار إليه ثم أعقبه بمن يعرف الشيء للألف به، ثم بمن يعرف الحق بالرجال فقال: {أم لم يعرفوا رسولهم} أي الذي أتاهم بهذا القول الذي لا قول مثله، ويعرفوا نسبه وصدقه وأمانته، وما فاتهم به من معالي الأخلاق حتى أنهم لا يجدون فيه - إذا حقت الحقائق - نقيصة يذكرونها، ولا صمة يتخيلونها، كما دلت عليه الأحاديث الصحاح منها حديث أبي سفيان بن حرب رضي الله عنه الذي في أول البخاري في سؤال هرقل ملك الروم له عن شأنه صلى الله عليه وسلم {فهم} أي فتسبب عن جهلهم به أنهم {له} أي نفسه أو للقول الذي أتى به {منكرون*} فيكونوا ممن جهل الحق لجهل حال الآتي به، فلم يحرز شيئاً من رتبتي الناس، لا رتبة العلماء الناقدين، ولا رتبة الجهال المتقلدين، وفي هذا غاية التوبيخ لهم بجهلهم وبعنادهم بأنهم يعرفون أنه أصدق الخلق وأعلاهم في كل معنى جميل ثم يكذبونه. ولما فرغ بما قد يجر إلى الطعن في القول أو القائل، أشار إلى العناد في أمر القائل والقول والرسول بقوله: {أم يقولون} أي بعد تدبر ما أتى به وعدم عثورهم فيه على وجه من وجوه الطعن {به} أي برسولهم {جنة} أي فلا يوثق به لأنه قد يخلط فيأتي بما فيه مطعن وإن خفي وجه الطعن فيه في الحال. ولما كانت هذه الأقسام منتفية ولا سيما الأخير المستلزم عادة للتخليط المستلزم للباطل، فإنهم أعرف الناس بهذا الرسول الكريم وأنه أكملهم خلقاً، وأشرفهم خلقاً، وأطهرهم شيماً، وأعظمهم همماً، وأرجحهم عقلاً، وأمتنهم رأياً وأرضاهم قولاً، وأصوبهم فعلاً، اضرب عنها وقال: {بل} أي لم ينكصوا عند سماع الآيات ويسمروا ويهجروا لاعتقاد شيء مما مضى، وإنما فعلوا ذلك لأن هذا الرسول الكريم {جاءهم بالحق} الذي لا تخليط فيه بوجه، ولا شيء أثبت منه ولا أبين مما فيه من التوحيد والأحكام، ولقد أوضح ذلك تحديهم بهذا الكتاب فعجزوا فهو بحيث لا يجهله منصف {وأكثرهم} أي والحال أن أكثرهم {للحق كارهون*} متابعة للأهواء الرديئة والشهوات البهيمية عناداً، وبعضهم، يتركونه جهلاً وتقليداً أو خوفاً من أن يقال: صبأ، وبعضهم يتبعه توفيقاً من الله وتأييداً. ولما كان ربما قيل: ما له ما كان بحسب أهوائهم فكانوا يتبعونه ويستريح ويستريحون من هذه المخالفات، التي جرت إلى المشاحنات، فأوجبت أعظم المقاطعات، قال مبيناً فساد ذلك، ولعله حال من فاعل كاره، فإن جزاءه خبري مسوغ لكونه حالاً كما ذكره الشيخ سعد الدين في بحث المسند، أو هو معطوف على ما تقديره: فلو تركوا الكره لأحبوه ولو أحبوه لاتبعوه ولو اتبعوه لانصلحوا وأصلحوا {ولو اتبع الحق} أي في الأصول والفروع والأحوال والأقوال {أهواءهم} أي شهواتهم التي تهوي بهم لكونها أهواء - بما أشار إليه الافتعال {لفسدت السماوات} على علوها وإحكامها {والأرض} على كثافتها وانتظامها {ومن فيهن} على كثرتهم وانتشارهم وقوتهم، بسبب ادعائهم تعدد الآلهة، ولو كان ذلك حقاً لأدى ببرهان التمانع إلى الفساد، وبسبب اختلاف أهوائهم واضطرابها المفضي إلى النزاع كما ترى من الفساد عند اتباع بعض الأغراض في بعض الأزمان إلى أن يصلحها الحق بحكمته، ويقمعها بهيبته وسطوته، ولكنا لم نتبع الحق أهواءهم {بل أتيناهم} بعظمتنا {بذكرهم} وهو الكتاب الذي في غاية الحكمة، ففيه صلاح العلم وتمام انتظامه، فإذا تأمله الجاهل صده عن جهله فسعد في أقواله وأفعاله، وبان له الخير في سائر أحواله، وإذا تدبره العالم عرج به إلى نهاية كماله، فحينئذ يأتي السؤال عمن أنزله، فتخضع الرقاب، وعمن أنزل عليه فيعظم في الصدور، وعن قومه فتجلهم النفوس، وتنكس لمهابتهم الرؤوس، فيكون لهم أعظم ذكر وأعلى شرف. ولما جعلوا ما يوجب الإقبال سبباً للإدبار، قال معجباً منهم: {فهم عن ذكرهم} أي الذي هو شرفهم {معرضون*} لا يفوتنا بإعراضهم مراد، ولا يلحقنا به ضرر، إنما ضرره عائد إليهم، وراجع في كل حال عليهم. ولما أبطل تعالى وجوه طعنهم في المرسل به والمرسل من جهة جهلهم مرة، ومن جهة ادعائهم البطلان أخرى، نبههم على وجه آخر هم أعرف الناس ببطلانه ليثبت المدعى من الصحة إذا انتفت وجوه المطاعن فقال منكراً: {أم تسألهم} أي على ما جئتهم به {خرجاً} قال البغوي: أجراً وجعلاً، وقال ابن مكتوم في الجمع بين العباب والمحكم: والخرج والخراج شيء يخرجه القوم في السنة من مالهم بقدر معلوم، والخراج غلة العبد والأمة، وقال الزجاج: الخراج: الفيء، والخرج: الضريبة والجزية، وقال الأصبهاني: سئل أبو عمرو بن العلاء فقال: الخراج ما لزمك ووجب عليك أداؤه، والخرج ما تبرعت به من غير وجوب. ولما كان الإنكار معناه النفي، حسن موقع فاء السبب في قوله: {فخراج} أي أم تسألهم ذلك ليكون سؤالك سبباً لاتهامك وعدم سؤالك، بسبب أن خراج {ربك} الذي لم تقصد غيره قط ولم تخل عن بابه وقتاً ما {خير} من خراجهم، لأن خراجه غير مقطوع ولا ممنوع عن أحد من عباده المسيئين فكيف بالمحسنين! وكأنه سماه خراجاً إشارة إلى أنه أوجب رزق كل أحد على نفسه بوعد لا خلف فيه {وهو خير الرازقين*} فإنه يعلم ما يصلح كل مرزوق وما يفسده، فيعطيه على حسب ما يعلم منه ولا يحوجه إلى سؤال.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة {أفلم يدبروا القول} قال: إذاً والله كانوا يجدون في القرآن زاجراً عن معصية الله لو تدبره القوم وعقلوه. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي صالح في قوله {أم لم يعرفوا رسولهم} قال: عرفوه، ولكن حسدوه وفي قوله {ولو اتبع الحق أهواءهم} قال: الحق الله عزوجل. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {بل أتيناهم بذكرهم} قال: بينا لهم. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {بل أتيناهم بذكرهم} قال: هذا القرآن، وفي قوله {أم تسألهم أجراً} يقول: أم تسألهم على ما أتيناهم به جعلاً. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله {خرجاً} قال: أجراً. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: الخرج وما قبلها من القصة لكفار قريش. وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ "أم تسألهم خَرَجاً" بغير ألف "فخراج ربك" بالألف. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن الحسن أنه قرأ "أم تسألهم خراجاً فخراج ربك خير". وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم} قال: ما فيه عوج. ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم لقي رجلاً فقال له "حديث : أسلم. فتصعب له ذلك وكبر عليه. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أرأيت لو كنت في طريق وعر وعث فلقيت رجلاً تعرف وجهه وتعرف نسبه فدعاك إلى طريق واسع سهل أكنت تتبعه؟ قال: نعم. قال: فوالذي نفس محمد بيده إنك لفي أوعر من ذلك الطريق لو كنت فيه. وإني لأدعوك إلى أسهل من ذلك الطريق لو دعيت إليه"تفسير : . وذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : لقي رجلاً فقال له أسلم. فصعده ذلك فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أرأيت فتييك أحدهما إن حدث صدقك وإن أمنته أدى إليك؟ والآخر إن حدث كذبك وإن ائتمنته خانك؟ قال: بلى. فتاي الذي إذا حدثني صدقني وإذا أمنته أدى إلي. قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: كذاكم أنتم عند ربكم ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله {وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون} قال: عن الحق عادلون. وأخرج ابن جرير عن ابن جريج في قوله {ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر} قال: الجوع.
القشيري
تفسير : يعني أنهم لو أنعموا النظر، وسلطوا على أحوالهم صائبَ الفِكْر لاستبصروا في الحال، ولانتفى عن قلوبهم الاستعجامُ والإشكال، ولكنهم استوطنوا مركبَ الكسل، وعرَّجُوا في أوطان التغافل، فتعودوا الجهل، وأيِسوا من الاستبصار.
اسماعيل حقي
تفسير : {أفلم يدبروا القول} الهمزة لانكار الواقع واستقباحه والفاء للعطف على مقدر اى أفعل الكفار ما فعلوا من النكوص والاستكبار والهجر فلم يتدبروا القرآن ليعرفوا بما فيه من اعجاز النظم وصحة المدلول والاخبار عن الغيب انه الحق من ربهم فيؤمنوا به فضلا عما فعلوا فى شأنه من القبائح ولتدبر احضار القلب للفهم، قال الراغب التدبر التفكر فى دبر الامور {ام جاءهم ما لم يأت آباءهم الاولين} ام منقطعة مقدرة ببل والهمزة قيل للاضراب والانتقال عن التوبيخ بما ذكر الى التوبيخ بآخر والهمزة لانكار الواقع اى بل أجاءهم من الكتاب مالم يأت آباءهم الاولين حتى استبعدوه فوقعوا فى الكفر والضلال يعنى ان مجيئ الكتب من جهته تعالى الى الرسل سنه قديمه له تعالى لا يكاد يتسنى انكارها وان مجيئ القرآن على طريقته فمن اين ينكرونه.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: الهمزة للإنكار، والفاء للعطف على محذوف، أي: أَفعلوا ما فعلوا من النكوص والاستكبار فلم يتدبروا القرآن، و "أم": منقطعة، فيها معنى الإضراب والتوبيخ في الجميع. يقول الحق جل جلاله: {أَفَلَمْ يدّبروا القولَ} ؛ يتدبروا القرآن ليعرفوا، بما فيه من إعجاز النظم وصحة المدلول، والإخبار عن المغيبات الماضية والمستقبلة، أنه الحق، فيؤمنوا به، ويُذعنوا لمن جاء به، {أم جاءهم} ؛ بل أَجاءهم من الكتاب {ما لم يأتِ آباءهم الأولين} ، حتى استبعدوه واستبدعوه، فوقعوا فيما وقعوا فيه من الكفر والضلال، {أم لم يعرفوا رسولهم} أي: بل ألم يعرفوه - عليه الصلاة والسلام - بالأمانة والصدق، وحسن الأخلاق، وكمال العلم من غير تعلم ولا مدارسة، وغير ذلك مما حازه من الكمالات اللائقة بالأنبياء قبله، بل عرفوه بذلك {فهم له منكِرون} بغياً وحسداً. {أم يقولون جِنَّة}؛ جنون، وليس كذلك؛ لأنهم يعلمون أنه أرجحهم عقلاً، وأثقبهم ذهناً، وأتقنهم رأياً، وأوفرهم رزانة، ولقد شهد له بذلك كل من رآه من الأعداء والأحباب، {بل جاءهم بالحق} أي: ليس الأمر كما زعموه في حق الرسول - عليه الصلاة والسلام -، وما جاء به من القرآن، بل جاءهم بالحق الأبلج والصراط المستقيم، وبما خالف أهواءهم، من التوحيد الخالص والدين القيم، ولم يجدوا له مرداً ولا مدفعاً، فلذلك نسبوه إلى الجنون، {وأكثرُهُم للحقِّ} من حيث هو حق، لا لهذا بعينه، فلذلك أظهر في موضع الإضمار، {كارهون}؛ لِمَا في جبلتهم من الزيغ والانحراف المناسب للباطل؛ ولذلك كرهوا هذا الحق الأبلج، وزاغوا عن الطريق الأبهج، وفي التعبير بالأكثر دليل على أن أقلهم ما كان كارهاً للحق بل كان تاركاً للإيمان به، أنفةً واستنكافاً من توبيخ قومه، أو لقلة فطنته وعدم تفكره، كأبي طالب وأضرابه. قال ابو السعود: وأنت خبير بأن التعرض لعدم كراهة بعضهم للحق، مع اتفاق الكل على الكفر به، مما لا يساعده المقام أصلاً. هـ. فحمل الأكثر على الكل. {ولو اتبع الحقُّ أهواءهم} بأن كان في الواقع آلهة شتى؛ {لفسدتِ السمواتُ والأرضُ ومن فيهن} كما تقدم في قوله: {أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا} تفسير : [الأنبياء: 22]، فالاتباع هنا مجاز، أي: لو جاء الوحي على ما يشتهون لفسدت السموات، فالحق هنا هو المذكور في قوله: {بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون}، والمعنى: لو كان ما كرهوه من الحق، الذي من جملته ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، موافقاً لأهوائهم الباطلة؛ لفسد نظام العالم، وتخصيص العقلاء بالذكر حيث عبَّر بمن؛ لأنَّ غيرهم تبع. {بل أتيناهم بذكْرهم}: بشرفهم، وهو القرآن الذي فيه فخرهم وشرفهم، كما قال تعالى: {أية : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ} تفسير : [الزخرف: 44]؛ لأن الرسول منهم، والقرآن لغتهم، أو بتذكيرهم ووعظهم، أو بالذكر الذي كانوا يتمنونه، ويقولون: {أية : لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ} تفسير : [الصافات: 168]، {فهم عن ذِكْرِهم معرضون} أي: فهم، بما فعلوا من النكوص، عن فخرهم وشرفهم معرضون، وهذا مما جُبِلَتْ عليه النفوس الأَمّارة؛ الإعراض عما فيه خيرها، والرغبة فيما فيه هلاكها، إلا من عصم الله، وفي إسناد الإتيان إلى نون العظمة، بعد إسناده إلى ضميره عليه الصلاة والسلام، ومن التنويه بشأن النبي صلى الله عليه وسلم ما لا يخفى. انظر أبا السعود. {أم تسألُهُم خَرْجاً} ، هذا انتقال من توبيخهم بما ذكر من قولهم: {أم يقولون به جِنَّة}، إلى التوبيخ بوجه آخر، كأنه قال: أم يزعمون أنك تسألهم عن أداء الرسالة {خَرْجا} أي: جُعلاً، فيتهمونك، أو يثقل عليهم فلذلك لا يؤمنون، {فخراجُ ربك خيرٌ} أي: رزقه في الدنيا، وثوابه في الآخرة، خير لك من ذلك؛ لدوامه وكثرته، أي: لا تسألهم ذلك؛ فإن ما رزقك الله في الدنيا والعقبى خير لك من ذلك؛ وفي التعرض لعنوان الربوبية، مع الإضافة إلى ضميره - عليه الصلاة والسلام -، من تعليل الحكم وتشريفه صلى الله عليه وسلم ما لا يخفى. والخَرْج والخراج واحد، وهو: الأجر المأخوذ على العمل، ويطلق على الغلة والضريبة كخراج العبد والأرض، وقال النضر بن شُميل: سألت أبا عمرو بن العلاء عن الفرق بين الخراج والخَرْج، فقال: الخراج ما لزمك، والخرج مَا تَبَرَّعْتَ به، وقيل: الخرج أخص من الخراج؛ لأنَّ الخراج يطلق على كل ما يستفيده المرء من غلة، أو أجرة، أو زكاة، والخرج خاص بالأجرة، وفي الخراج إشعار بالكثرة، فلذلك عبَّر به في جانبه - تعالى - والمعنى: أم تسألهم، على هدايتك لهم، قليلاً من عطاء الخلق، فالكثير من عطاء الخالق خير، {وهو خير الرازقين} : أفضل المعطين. {وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم} تشهد العقول السليمة باستقامته، ليس فيه شائبة اعوجاج، توجب اتهامهم لك بوجه من الوجوه، ولقد ألزمهم الله - تعالى - الحجة، وأزاح عِللهم في هذه الآيات، حيث حصر أقسام ما يؤدي إلى الإنكار والاتهام من قوله: {أم لم يعرفوا رسولهم...} إلى هنا، وبيَّن انتفاءها، ولم يبق إلا كراهة الحق وعدم الفطنة أو العناد أو المكابرة، {وإنَّ الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط}؛ عن طريق الحق {لناكِبُون} أي: لعَادلون عن هذا الصراط المذكور، وهو الصراط المستقيم، وصفهم بعدم الإيمان بالآخرة، تشنيعاً لهم بما هم عليه من الانهماك في الدنيا، وزعمهم ألاَّ حياة إلاَّ حياة الدنيا، وإشعاراً بعِلّيّة الحُكم؛ فإن الإيمان بالآخرة وخوف ما فيها من الدواهي من أمور الدعاوي إلى طلب الحق وسلوك سبيله. والله تعالى أعلم. الإشارة: كل من أنكر على أهل الخصوصية، ولم يعرف خصوصيتهم؛ فسببه ثلاثة أمور: إما أنه لم يصحبهم ولم يتدبر ما يقولون، ولا ما يأمرون به وينهون عنه، وإنما يرميهم رجماً بالغيب، وإما أنه حسدهم وخاف على جاهه أن يتنقل لغيره، وإما أنهم أتوا بخرق عوائد النفوس التي لم تكن لآبائهم الأولين، فقالوا: {إِنَّا وَجَدْنَا ءَابَآءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى ءَاثَارِهِمِ مُّقْتَدُونَ}، وإنما جاءهم بالحق، وأكثرهم للحق كارهون، وكيف تُخرق للعبد العوائد، وهو لم يخرق من نفسه العوائد؟. {وَلَوِ اْتَّبَعَ اْلحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ}، بأن كانت التربية على طريق العوائد، والاستمرار معها لفسد النظام، ولبقي الكون كله ظلمة لجميع الأنام؛ إذ لا يمكن أن يصير الكون نوراً، بظهور الحق فيه، إلا بخرق عوائد النفوس، وإخراجها عن هواها، فحينئذٍ تخرق له ظلمة الكَون، فيفضي إلى شهود المكَوّن، (بل أتيناهم بذكرهم) أي: بشرفهم، بمعرفة الحق على نعت العيان، (وهم عن ذكرهم معرضون)؛ حيث انهمكوا في عوائدهم، ولم يقبلوا من يخرجهم عنها ويعرفهم بالله لله، من غير خراج ولا طمع. قال تعالى لنبيه - عليه الصلاة والسلام -: {أَمْ تَسْئَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ}. قال القشيري: أي: إنَّكَ لا تُطالبهم على تبليغ الرسالة بأجرة، ولا بإعطاءِ عِوَض، حتى تكون في موضع التهمة فيما تأتيهم به من الشريعة، أم لعلك تريد أن يَعْقدُوا لك الرئاسة، ثم قال: والذي لَكَ من الله - سبحانه - من جزيل الثواب، وحسن المآب، يُغْنيك عن التصدي لنيلِ ما يكون في حصوله منهم مطمع. هذه كانت سُنَّة الأنبياء والمرسلين - عليهم السلام -؛ عملوا لله فلم يطلبوا عليه أجراً من غير الله، والعلماء ورثة الأنبياء في التنزه من التَّدَنُّس بالأطماع، والأكل بالدين، فإنه ربا مُضِرٌّ بالإيمان، إن كان العملُ لله فالأجر مُنتظرٌ من الله، وهو موعودٌ مِن قبل الله. هـ. وراجع ما تقدم في سورة هود؛ فإنه أوفى من هذا. وقوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَطٍ مُّسْتَقِيمٍ}، وهو طريق الوصول إلى شهود الذات الأقدس، من طريق التربية، التي هي مخالفة الهوى والخروج عن العوائد. وقال القشيري: الصراطُ المستقيمُ: هو شهودُ الحقِّ بنعت الإنفراد في جميع الأشياء، والإيجاف، والاستسلام لقضايا الإلزام، بمواطأة القلب من غير استكراها الحُكمْ. هـ. وقال الورتجبي عن بعضهم: لولا أن الله - تعالى - أمر بمخالفة النفوس ومباينتها، لاتَّبع الخلق أهواءهم في شهوات النفوس، ولو فعلوا ذلك لضلوا عن طريق العبودية، وتركوا أوامر الله، وأعرضوا عن طاعته، ولزموا المخالفة، ألا ترى الله يقول: {ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن}. ثم بيَّن سبحانه أن حبيبه - عليه الصلاة والسلام - يدعوهم إلى تلك المشاهدة بقوله: {وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} أي: مما أوضحه أنوار جماله وشاهَدْتَه، وهي طريق معرفته في قلوب الصِّدّيقين للأرواح القدسية. وتلك الطريقة منتهاها المحبة، وبدايتها الأسوة والمتابعة؛ لقوله: {أية : قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ} تفسير : [آل عمران: 31]. هـ. قلت: المراد بالمحبة محبة الحق لعبده؛ بدليل الآية التي ذكر. وقال ابن عطاء: إنك لتحملهم على مسالك الوصول، وليس كل أحد يصلح لذلك السلوك، ولا يوفق له إلا أهل الإستقامة، وهم الذين استقاموا مع الله ولم يطلبوا معه سواه، ولم يروا لأنفسهم درجة ولا مقاماً. هـ. قوله تعالى: {وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة} أي: لا يؤمنون بالحياة الآخرة، وهي حياة النفوس بالمعرفة العيانية، بعد موتها بالجهل والوقوف مع الحس والعوائد، ممن لا يصدق بهذه الحياة، وأنكر وجود من يوصل إليها عن طريق الحق الموصلة إليه، لناكبون، فهم في الحيرة والتلف تائهون، عائذاً بالله من ذلك. ثمَّ ذكر انهما كهم في الغفلة لسبق القضاء عليهم.
الطوسي
تفسير : يقول الله تعالى منكراً على هؤلاء الكفار {أفلم يدبروا القول} الذي أتاهم به من القرآن ويتفكروا فيه، فيعلموا انه من قبل الله، لعجز الجميع عن الاتيان بمثله. وقوله {أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين} توبيخ لهم على انكار الدعوة من هذه الجهة، ومع ذلك، فقد جاءت الرسل الأمم قبله، متواترة، فهو عيب وخطأ من كل جهة {ألم لم يعرفوا رسولهم} لكونه غريباً فيهم، فلا يعرفون صدقه، ولا أمانته {فهم له منكرون} لذلك؟! ثم اخبر تعالى أن النبي (صلى الله عليه وسلم) {جاءهم بالحق} من عند الله {وأكثرهم} يعني اكثر الناس {للحق كارهون} أي يكرهونه بمجيئه بما ينافي عادتهم.
الجنابذي
تفسير : {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ ٱلْقَوْلَ} اى الم يكترثوا بك وبادّعائك الرّسالة فلم يدّبّروا القرآن او لم يدّبّروا قولك حتّى يعلموا انّه ليس من هوىً نفسانىّ وامراضٍ قلبيّة واغراضٍ دنيويّة {أَمْ جَآءَهُمْ مَّا لَمْ يَأْتِ آبَآءَهُمُ ٱلأَوَّلِينَ} من الكتاب والشّريعة والرّسول حتّى كانوا لم يعرفوا ولم يسمعوا بمثله ولذلك ينكرونه.
اطفيش
تفسير : {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القّوْلَ} القرآن الدال على صدق النبي صلى الله عليه وسلم ولو ادبروه لصدقوا به وبمن جاء به فان من تدبره صدق لاعجاز لفظه ووضوح مدلوله واصل افلم يتدبروا ابدلت التاء دالا وسكنت وادغمت.
اطفيش
تفسير : {أفَلَم يدَّبَّروا القَوْل} انكصوا واستكبروا أو أعرضوا فلم يدبروا القرآن فيعلموا أنه معجز حق من الله عز وجل، او يخافوا أن يقع عليهم ما وقع على غيرهم من العقاب قبلهم {أم} وهو لانتقال الكلام من التوبيخ بما سبق، الى التوبيخ بغيره {جاءهم ما لَمْ يأت آباءهم الأوَّلين} أى بل جاءهم من الكتاب ما لم يجئ آباءهم، فاستبعدوه حتى وقعوا فيما هلك به من قبلهم من الكفر، أو أجاءهم ما لم يأت آباءهم المؤمنين الذين آمنوا بما أتاهم، فنجوا كاسماعيل عليه السلام، وعدنان وقحطان ومضرور بيعة وقس والحارث بن كعب، وأسد بن خزيمة، وتميم بن مر، وتبع وضبة بن أد وكان على شرطة سليمان بن داود عليه السلام، كما فى حديث قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنهم مسلمون لا تسبوهم وما شككتم فى شىء فلا تشكوا فى تبع إنه مسلم ".
الالوسي
تفسير : {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ ٱلْقَوْلَ} الهمزة لإنكار الواقع واستقباحه والفاء للعطف على مقدر ينسحب عليه الكلام أي افعلوا ما فعلوا من النكوص والاستكبار والهجر فلم يتدبروا القرآن ليعلموا بما فيه من وجوه الإعجاز أنه الحق من ربهم فيؤمنوا به، و «أم» في قوله تعالى: {أَمْ جَاءهُمْ مَّا لَمْ يَأْتِ ءابَاءهُمُ ٱلأَوَّلِينَ} منقطعة، وما فيها من معنى بل للإضراب والانتقال من التوبيخ بما ذكر إلى التوبيخ بآخر، والهمزة لإنكار الوقوع لا لإنكار الواقع أي بل أجاءهم من الكتاب ما لم يأت آباءهم الأولين حتى استبعدوه فوقعوا فيما وقعوا فيه من الكفر والضلال بمعنى أن مجيء الكتب من جهته تعالى إلى الرسل عليهم السلام لينذروا بها الناس سنة قديمة له تعالى لا تكاد تنكر وأن مجيء القرآن على طريقته فمم ينكرونه؟ وقيل: المعنى أفلم يتدبروا القرآن ليخافوا عند تدبر آياته وأقاصيصه مثل ما نزل بمن قبلهم من المكذبين أم جاءهم من الأمن ما لم يأت آباءهم الأولين حين خافوا الله تعالى فآمنوا به وبكتبه ورسله وأطاعوه فالمراد بآباءهم المؤمنون كإسمٰعيل عليه السلام وعدنان وقحطان، وكأن وصفهم بالأولين على هذا لإخراج الأقربين. / وفي الخبر « حديث : لا تسبوا مضر وربيعة فإنهما كانا مسلمين ولا تسبوا قساً فإنه كان مسلماً ولا تسبوا الحرث بن كعب ولا أسد بن خزيمة ولا تميم بن مرة فإنهم كانوا على الإسلام وما شككتم في شيء فلا تشكوا في أن تبعاً كان مسلماً » تفسير : وروي أن ضبة بن أد كان مسلماً وكان على شرطة سليمان بن داود عليهما السلام. وفي «الكشف» أن جعل فائدة التدبر استعقاب العلم فالهمزة في المنقطعة للتقرير وإثبات أنهم مصرون على التقليد فلذلك لم يتدبروا ولم يعلموا، وإن جعلت الاعتبار والخوف فالهمزة فيها للإنكار أو التقرير تهكماً اهـ فتدبر، ثم لا يخفى أن إسناد المجيء إلى الأمن غير ظاهر ظهور إسناده إلى الكتاب وبهذا تنحط درجة هذا الوجه عن الوجه الأول.
ابن عاشور
تفسير : الفاء لتفريع الكلام على الكلام السابق وهو قوله { أية : بل قلوبهم في غمرة من هذا}تفسير : [المؤمنون: 63] إلى قوله {أية : سامراً تهجرون } تفسير : [المؤمنون: 67]. وهذا التفريع معترض بين جملة {بل قلوبهم في غمرة من هذا} وجملة { أية : ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون } تفسير : [المؤمنون: 75]. والمفرع استفهامات عن سبب إعراضهم واستمرار قلوبهم في غمرة إلى أن يحل بهم العذاب الموعودونه. وهذه الاستفهامات مستعملة في التخطئة على طريقة المجاز المرسل لأن اتضاح الخطأ يستلزم الشك في صدوره عن العقلاء فيقتضي ذلك الشك السؤال عن وقوعه من العقلاء. ومآل معاني هذه الاستفهامات أنها إحصاء لمثار ضلالهم وخطئهم ولذلك خصت بذكر أمور من هذا القبيل. وكذلك احتجاج عليهم وقطع لمعذرتهم وإيقاظ لهم بأن صفات الرسول كلها دالة على صدقه. فالاستفهام الأول: عن عدم تدبرهم فيما يتلى عليهم من القرآن وهو المقصود بالقول أي الكلام، قال تعالى: { أية : أفلا يتدبرون القرآن } تفسير : [النساء: 82]. والتدبر: إعمال النظر العقلي في دلالات الدلائل على ما نصبت له. وأصله أنه من النظر في دُبُر الأمر، أي فيما لا يظهر منه للمتأمل بادىء ذي بدء. وقد تقدم عند قوله تعالى: { أية : أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوَجدوا فيه اختلافاً كثيراً } تفسير : في سورة النساء (82). والمعنى: أنهم لو تدبروا قول القرآن لعلموا أنه الحق بدلالة إعجازه وبصحة أغراضه، فما كان استمرار عنادهم إلا لأنهم لم يدبروا القول. وهذا أحد العلل التي غمرت بهم في الكفر. والاستفهام الثاني: هو المقدر بعد (أم) وقوله: {أم لم يعرفوا رسولهم}. فــــ(أم) حرف إضراب انتقالي من استفهام إلى غيره وهي (أم) المنقطعة بمعنى (بل) ويلزمها تقدير استفهام بعدها لا محالة. فقوله {جاءهم ما لم يأت آباءهم} تقديره: بل أجاءهم. والمجيء مجاز في الإخبار والتبليغ، وكذلك الإتيان. و(ما) الموصولة صادقة على دين. والمعنى: أجاءهم دين لم يأت آباءهم الأولين وهو الدين الداعي إلى توحيد الإلٰه وإثبات البعث، ولذلك كانوا يقولون: { أية : إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون } تفسير : [الزخرف: 22]. ولهذا قال الله تعالى { أية : وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون قل أو لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون } تفسير : [الزخرف: 23، 24]. ثم إنه إن كان المراد ظاهر معنى الصلة وهي {ما لم يأت آباءهم الأولين} من أن الدين الذي جاءهم لا عهد لهم به، تعين أن يكون في الكلام تهكم بهم إذ قد أنكروا ديناً جاءهم ولم يسبق مجيئه لآباءهم. ووجه التهكُّم أن شأن كل رسول جاء بدين أن يكون دينه أُنُفا ولو كان للقوم مثله لكان مجيئه تحصيل حاصل. وإن كان المراد من الصلة أنه مخالف لما كان عليه آباؤهم لأن ذلك من معنى: لم يأت آباءهم، كان الكلام مجرد تغليط، أي لا اتجاه لكفرهم به لأنه مخالف لما كان عليه آباؤهم إذ لا يكون الدين إلا مخالفاً للضلالة ويكون في معنى قوله تعالى: { أية : أم آتيناهم كتاباً من قبله فهم به مستمسكون بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون } تفسير : [الزخرف: 21، 22]. وأما الاستفهام الثالث: المقدر بعد (أم) الثانية في قوله: {أم لم يعرفوا رسولهم} فهو استفهام عن عدم معرفتهم الرسول بناء على أن عدم المعرفة به هو أحد احتمالين في شأنهم إذ لا يخلون عن أحدهما، فأما كونهم يعرفونه فهو المظنون بهم فكان الأجدر بالاستفهام هو عدم معرفتهم به إذ تفرض كما يفرض الشيء المرجوح لأنه محل الاستغراب المستلزم للتغليط؛ فإن رميهم الرسول بالكذب وبالسحر والشعر يناسب أن لا يكونوا يعرفونه من قبل، إذ العارف بالمرء لا يصفه بما هو منه بريء، ولذلك تفرع على عدم معرفتهم إنكارهم إياه، أي إنكارهم صفاته الكاملة. فتعليق ضمير ذاتتِ الرسول بــــ{منكرون} هو من باب إسناد الحكم إلى الذات والمراد صفاتها مثل { أية : حرمت عليكم أمهاتكم } تفسير : [النساء: 23]. وهذه الصفات هي الصدق والنزاهة عن السحر وأنه ليس في عداد الشعراء. ولله در أبي طالب في قوله: شعر : لقد علموا أن ابننا لا مكذَّبٌ لدينا ولا يعزى لقول الأباطل تفسير : وقال تعالى فيما أمر به رسوله {فقد لبثتُ فيكم عُمُرا من قبله (أي القرآن) { أية : أفلا تعقلون } تفسير : [يونس: 16]. ولما كان البشر قد يعرض له ما يسلب خصاله وهو اختلال عقله عطف على {أم لم يعرفوا رسولهم} قوله {أم يقولون به جنة}، وهو الاستفهام الرابع، أي ألعلهم ادعوا أن رسولهم الذي يعرفونه قد أصيب بجنون فانقلب صدقه كذباً. والجِنّة: الجنون، وهو الخلل العقلي الذي يصيب الإنسان، كانوا يعتقدون أنه من مس الجن. والجِنّة يطلق على الجنِّ وهو المخلوقات المستترة عن أبصارنا كما في قوله: { أية : من الجِنّة والناس } تفسير : [الناس: 6]. ويطلق الجِنة على الداء اللاحق من إصابة الجن وصاحبه مجنون، وهو المراد هنا بدليل باء الملابسة. وتقدم عند قوله تعالى { أية : أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة } تفسير : في سورة الأعراف (184). وهم لم يظنوا به الجنون ولكنهم كانوا يقولونه بألسنتهم بهتاناً. وليس القول بألسنتهم هو مصب الاستفهام. ثم قد نُقض ما تسبب على ما اختلقوه فجيء بحرف الإضراب في الخبر في معنى الاستدراك وهو (بل). والحق: الثابت في الواقع ونفس الأمر، يكون في الذوات وأوصافها. وفي الأجناس، وفي المعاني، وفي الأخبار. فهو ضد الكذب وضد السحر وضد الشعر، فما جاءهم به النبي صلى الله عليه وسلم من الأخبار والأوامر والنواهي كله ملابس للحق، فبطل بهذا ما قالوه في القرآن وفي الرسول عليه الصلاة والسلام مقالة من لم يتدبروا القرآن ومن لم يراعوا إلا موافقة ما كان عليه آباؤهم الأولون ومن لم يعرفوا حال رسولهم الذي هو من أنفسهم ومقالة من يرمي بالبهتان فنسبوا الصادق إلى التلبيس والتغليط. فالحق الذي جاءهم به النبي أوله إثبات الوحدانية لله تعالى وإثبات البعث وما يتبع ذلك من الشرائع النازلة بمكة، كالأمر بالصلاة والزكاة وصلة الرحم، والاعتراف للفاضل بفضله. وزجر الخبيث عن خبثه، وأخوة المسلمين، بعضهم لبعض، والمساواة بينهم في الحق. ومنع الفواحش من الزنى وقتل الأنفس ووأْد البنات والاعتداء وأكل الأموال بالباطل وإهانة اليتيم والمسكين. ونحو ذلك من إبطال ما كان عليه أمر الجاهلية من العدوان. والخلافة التي نشأوا عليها من عهد قديم. فكل ما جاء به الرسول يومئذ هو الموافق لمقتضى نظام العمران الذي خلق الله عليه العالم فهو الحق كما قال { أية : ما خلقناهما إلا بالحق } تفسير : [الدخان: 39]. ولما كان قول الكاذب وقول المجنون المختص بهذا الذي لا يشاركهما فيه العقلاء والصادقون غير جاريين على هذا الحق كان إثبات أن ما جاء به الرسول حقٌّ نقضاً لإنكارهم صدقه. ولقولهم هو مجنون كان ما بعد (بل) نقضاً لقولهم. وظاهر تناسق الضمائر يقتضي أن ضمير {أكثرهم} يعود إلى القوم المتحدث عنهم في قوله { أية : فذرهم في غمرتهم } تفسير : [المؤمنون: 54] فيكون المعنى: أكثر المشركين من قريش كارهون للحق. وهذا تسجيل عليهم بأن طباعهم تأنف الحق الذي يخالف هواهم لما تخلقوا به من الشرك وإتيان الفواحش والظلم والكبر والغصب وأفانين الفساد، بله ما هم عليه من فساد الاعتقاد بالإشراك وما يتبعه من الأعمال كما قال تعالى: { أية : ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون } تفسير : [المؤمنون: 63]، فلا جرم كانوا بذلك يكرهون الحق لأن جنس الحق يجافي هذه الطباع. ومن هؤلاء أبو جهل قال تعالى: { أية : ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي } تفسير : [الأنعام: 52]. إلى قوله: { أية : ليقولوا أهؤلاء مَنَّ الله عليهم من بيننا } تفسير : [الأنعام: 53]. وإنما أسندت كراهية الحق إلى أكثرهم دون جميعهم إنصافاً لمن كان منهم من أهل الأحلام الراجحة الذين علموا بطلان الشرك وكانوا يجنحون إلى الحق ولكنهم يشايعون طغاة قومهم مصانعة لهم واستبقاء على حرمة أنفسهم بعلمهم أنهم إن صدعوا بالحق لقوا من طغاتهم الأذى والانتقاص، وكان من هؤلاء أبو طالب والعباس والوليد بن المغيرة. فكان المعنى: بل جاءهم بالحق فكفروا به كلهم، فأما أكثرهم فكراهية للحق، وأما قليل منهم مصانعة لسائرهم وقد شمل الكفر جميعهم. وتقديم المعمول في قوله {للحق كارهون} اهتمام بذكر الحق حتى يستوعي السامع ما بعده فيقع من نفسه حسن سماعه موقع العجب من كارهيه، ولما ضعف العامل فيه بالتأخير قرن المعمول بلام التقوية.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ ٱلْقَوْلَ}. يتضمن حضهم، على تدبر هذا القول الذي هو القرآن العظيم، لأنهم إن تدبروه تدبراً صادقاً، علموا أنه حق، وأن اتباعه واجب وتصديق من جاء به لازم. وقد أشار لهذا المعنى في غير هذا الموضع كقوله تعالى: {أية : أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً}تفسير : [النساء: 82] وقوله: {أية : أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ} تفسير : [محمد: 24] وقوله في هذه الآية الكريمة {أَمْ جَآءَهُمْ مَّا لَمْ يَأْتِ آبَآءَهُمُ ٱلأَوَّلِينَ} [المؤمنون: 68] قال القرطبي: فأنكروه، وأعرضوا عنه، وقيل: أم بمعنى: بل جاءهم ما لا عهد لآبائهم به، فلذلك أنكروه، وتركوا التدبر له. وقال ابن عباس: وقيل المعنى: أم جاءهم أمان من العذاب، وهو شيء لم يأت آباءهم الأولين، قال أبو حيان في تفسير هذه الآية: قرعهم أولاً بترك الانتفاع بالقرآن، ثم ثانياً بأن ما جاءهم جاء آباءهم الأولين: أي إرسال الرسل ليس بدعا، ولا مستغرباً، بل أرسلت الرسل للأمم قبلهم، وعرفوا ذلك بالتواتر ونجاة من آمن، واستئصال من كذب وآباؤهم إسماعيل وأعقابه إلى آخر كلامه. وهذا الوجه من التفسير له وجه من النظر وعليه فالآية كقوله: {أية : قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ ٱلرُّسُلِ}تفسير : [الأحقاف: 9] الآية ونحوها من الآيات.
د. أسعد حومد
تفسير : {آبَآءَهُمُ} (68) - وَيُؤَنِّبُ اللهُ تَعَالَى المُشْرِكِينَ، وَيُنْكِرُ عَلَيْهِم عَدَمَ تَفَهُّمِهِمْ، وَعَدَمَ تَدَبُّرِهِمْ هَذَا القُرْآنَ العَظِيمَ، وَمَا خُصَّ بِهِ مِنَ فَصَاحَةٍ وَبَلاَغَةٍ، وَقَدْ كَانَ لَدَيْهِمْ فُسْحَةٌ مِنَ الوَقْتِ تُمَكِّنُهُمْ مِنَ التَّدَبُّرِ فِيهِ، وَمَعْرَفَةِ مَا جَاءَ فِيهِ مِنَ الحَقِّ مِنْ رَبِّهِم، وَأَنَّهُ مُبَرَّأٌ مِنَ التَّنَاقُضِ، وَأَنَّ فِيهِ الأَخْلاَقَ، وَالتَّشْرِيعَ، وَالحِكَمَ الَبالِغَةَ. أَمِ اعْتَقَدُوا أَنَّ مَجِيءَ الرُّسُلِ أَمْرٌ لَمْ تَسْبِقْ بِهِ السُّنَنُ مِنْ قَبْلِهِمْ فَاسْتَبْعَدُوا وُقُوعَهُ؟ لَكِنَّهُمْ عَرَفُوا أَنَّ الرُّسُلَ كَانَتْ تَتَتَابَعُ، وَتَظْهَرُ عَلَى أَيْدِيهِم المُعْجِزَاتُ، فَهَلاَّ كَانَ ذَلِكَ دَاعِياً لَهُمْ إِلَى التَّصْدِيقِ بِهَذَا الرَسُولِ الكَرِيمِ الذِي جَاءَهُم بِقُرْآنٍ لاَ ريبَ فِي أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ؟
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : في هذه الآية والآيات بعدها يريد - سبحانه وتعالى - أن يُوبّخهم بعدة أمور واحد بعد واحد بعد الآخر. أولها: {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ ٱلْقَوْلَ ..} [المؤمنون: 68] فالاستفهام هنا للتوبيخ وللتقريع: ماذا جرى لهؤلاء؟ أفلم يعقلوا القول الذي جاءهم في القرآن، وهم أمة الفصاحة والبلاغة والبيان، وأمة القول بكل فنونه حتى أقاموا له المواسم والمعارض وعلَّقوه على الجدار؟ لذلك لا يُعقل ألاَّ تفهموا القرآن، وقد جاءكم بأسلوب على مستوى أعلى من البلاغة والفصاحة، لا بُدَّ أنكم فهمتموه ووعيْتُم ما فيه، بدليل قولكم: {أية : لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ}تفسير : [الزخرف: 31]. وهكذا الكذاب يسرقه طبعه، وينمّ منطقه عما في ضميره، فاعتراضكم ليس على القرآن إنما على محمد؛ لأنه فقير من أوسط القوم، فالمسألة - إذن - منازعة سيادة وسلطة زمنية، لكن ألم يَدْرِ هؤلاء أن محمداً صلى الله عليه وسلم ما جاء ليسلبهم سلطتهم، أو يعلو هو عليهم، إنما جاء ليحكمهم بمنهج الله، ويتحمل هو الأذى والتعب والمشقة في سبيل راحتهم وسعادتهم؟ لقد جاء النبي صلى الله عليه وسلم ليأخذ الحكم ويحمل منهج الله تكليفاً لا تشريفاً، بدليل أنه عاش في مستوى أقلّ منكم، فلا ترى رسول الله إلا أقلهم طعاماً وأقلهم شراباً، أقلهم لباساً وأثاثاً، حتى أقاربه كانوا فقراء، ومع ذلك حرَّم عليهم الزكاة التي أباحها لعامة المسلمين الفقراء، كذلك يرث الناس وهم لا يرثون. وبعد ذلك كله تقولون: {أية : لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} تفسير : [الزخرف: 31] يبدو أنكم ألِفْتم العبودية للعظماء وللجبابرة، ألِفتم العبودية لغير الله، وعَزَّ عليكم أن يحرركم الله من هذه العبودية على يد رجل منكسر فقير منكم، جاء ليصلحكم ويخرجكم من العبودية للمخلوق إلى العبودية للخالق عز وجل. ألم يقُلْ أحد رؤوس الكفر عن القرآن: "والله إن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو ولا يُعْلى عليه". إذن: {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ ٱلْقَوْلَ ..} [المؤمنون: 68] توبيخ، لأنهم فهموا القرآن، لكن حسدوا محمداً صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليه، وأن ينال دونهم هذه المكانة، كما قال سبحانه: {أية : أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ ..} تفسير : [النساء: 54]. الأمر الثاني: {أَمْ جَآءَهُمْ مَّا لَمْ يَأْتِ آبَآءَهُمُ ٱلأَوَّلِينَ} [المؤمنون: 68] يعني: جاءهم أمر غريب لا عهدَ لهم به، وهو أن يأتي رسول من عند الله، وهذه المسألة معروفة لهم، فمنهم إبراهيم عليه السلام، ومنهم إسماعيل وهم مؤمنون بهما، إذن: ليست مسألة عجيبة، بل يعرفونها جيداً، لكن ما منعهم في الأولى منعهم في هذه، إنه الحسد لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لذلك يقول تعالى: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ..} تفسير : [الزخرف: 87]. الأمر الثالث: {أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ} [المؤمنون: 69]. يعني: أنزَلَ عليهم رسولٌ من السماء لا يعرفون سيرته وخُلقه ونسبه ومسلكه قبل أنْ يُبعث؟ إنهم يعرفونه جيداً، وقبل بعثته سَمَّوْه "الصادق الأمين" وارتضَوْا حكومته بينهم في مسألة الحجر الأسود، وكانوا يأتمنونه على ودائعهم ونفائس أموالهم، ولم يجربوا عليه كذباً أوخيانة أو سَقْطة من سقطات الجاهلية. وقد شرحت هذه المسألة في قول الله تعالى: {أية : لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ ..} تفسير : [التوبة: 128] يعني: من جنسكم، ومن نوعكم، ومن قبيلتكم، ليس غريباً عنكم وهو معروف لكم: سلوكه وسيرته وخُلقه، وإذا لم تُجرِّبوا عليه الكذب مع الخَلْق، أتتصورون منه أنْ يكذب على الخالق؟ وهل رسول الله في أول بعثته لَمَّا أخبر الناس أنه رسول الله جاء القرآن ليحمل الناس على الإيمان به؟ لا، إنما جاء ليتحدى مَنْ لم يؤمن، أما مَنْ آمن بداية، بمجرد أنْ قال محمد: أنا رسول الله قال: صدقت، وأنه لم يكذب أبداً؛ لذلك كان المقياس عند الصحابة أن يقول رسول الله، فإنْ قال فالمسألة منتهية لأنه صادق لا يشكّ أحد منهم في صِدْقه. لذلك النبي صلى الله عليه وسلم لما قال أبو بكر في مسألة الإسراء والمعراج: إنْ كان قال فقد صدق، يحملها رسول الله تقديراً لأبي بكر ويقول: "حديث : كنت أنا وأبو بكر في الجاهلية كفرسَيْ رهان"تفسير : يعني: في الخُلُق الطيب والسلوك السَّويِّ "حديث : فسبقتُه للنبوة فاتبعني، ولو سبقني هو لاتبعتُه ". حديث : ولما نزل جبريل - عليه السلام - على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول الوحي فأجهده، فذهب إلى السيدة خديجة - رضي الله عنها - وحكى لها ما حدث له كأنه يستفهم منها عَمَّا حدث ولم يخبرها أنه رسول من عند الله، ومع ذلك أخذته إلى ورقة بن نوفل، وكان على علم بالكتب السابقة، فلما سمع ورقة بن نوفل ما حدث قال: إنه الناموس الذي كان ينزل على موسى وليتني أكون حياً إذ يُخرجك قومك، فقال صلى الله عليه وسلم: "أَوَمُخرجِيّ هم؟" قال: "ما جاء أحد بمثل ما جئت به إلا عُودِي، وإنْ يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزّراً" ". تفسير : ومع ذلك يظل رسول الله صلى الله عليه وسلم خائفاً قلقاً أن يكون هذا شيئاَ من الشيطان، فتُطمئِنه السيدة خديجة، فهذا لا يعقل مع رسول الله، لذلك تقول له: "إنك لتصلُ الرحم، وتُكسِب المعدوم، وتحمل الكَلَّ، وتعين على نوائب الدهر، والله لن يخذلك الله أبداً". ومن هنا اعتبروا السيدة خديجة أول مجتهدة في الإسلام؛ لأنها اجتهدتْ واستنبطتْ من مقدمات رسول الله قبل البعثة دليلاً على صِدْقه بعد البعثة؛ لذلك كانت أول مَنْ سُمِّيت بأم المؤمنين، حتى قال بعض العارفين: خديجة أم المؤمنين بما فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه في هذه السِّن كان في حاجة إلى أم أكثر من حاجته إلى عروس صغيرة تُدلِّله، وقد قامت خديجة - رضي الله عنها - فعلاً بدور الأم لرسول الله فاحتضنته، وطمأنته ووقفت إلى جواره في أشدِّ الأوقات وأحرجها. كما نلحظ في الآية: {أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ ..} [المؤمنون: 69] فأضاف الرسول إليهم يعني: رسول لهم، أما في الإضافة إلى الله تعالى: رسول الله، فالمعنى رسول منه ، وهكذا يختلف المعنى باختلاف الإضافة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):