٢٣ - ٱلْمُؤْمِنُون
23 - Al-Mu'minoon (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
75
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِّن ضُرٍّ} أي لو رددناهم إلى الدنيا ولم ندخلهم النار وامتحناهم {لَّلَجُّواْ فِي طُغْيَانِهِمْ} قال السُّدِّي: في معصيتهم. {يَعْمَهُونَ} قال الأعمش: يترددون. وقال ابن جُريج: «ولو رحمناهم» يعني في الدنيا {وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِّن ضُرٍّ} أي من قَحْط وجوع {لَّلَجُّواْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } أي لتمادَوْا {فِي طُغْيَانِهِمْ} وضلالتهم وتجاوزهم الحد {يَعْمَهُونَ } يتذبذبون ويخبِطون.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَوْ رَحِمْنَٰهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِّن ضُرٍّ } أي جوع أصابهم بمكة سبع سنين {لَّلَجُّواْ } تمادوا {فِي طُغْيَٰنِهِمْ } ضلالتهم {يَعْمَهُونَ } يتردّدون.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِّن ضُرٍّ} [الآية: 75]. قال الرحمة من الله على الأرواح المشاهدة، ورحمته على الأسرار المراقبة، وعلى القلوب المعرفة، وعلى الأبدان آثار الخدمة على سبيل السنة. قال أبو بكر بن طاهر: كشف الضر هو الخلاص من أمانى النفس وطول الأمل وطلب الرئاسة، والعلو، وحب الدنيا فإن هذا كله مما يضرّ بالمؤمن. وقال بعضهم: ولو فتحنا لهم الطريق إلينا لأبوا الاتباع الباطل بطغيان النفس، وعملها. قال الواسطى رحمه الله: للعلم طغيان، وهو التفاخر به. وللمال طغيان وهو البخل به، وللعمل والعبادة طغيان وهو الرياء والسمعة، وللنفس طغيان وهو اتباع هواها وشهواتها.
القشيري
تفسير : أخبر عن صادق علمه بهم، وذلك صادر عن سابق حُكْمِه فيهم، فقال: لو كشفنا عنهم في الحال لم يفوا بما يعدون من أنفسهم من الإيمان في المآل، ولقد عَلِمَ أنهم سيكفرون، وحَكَمَ عليهم بأنهم يكفرون؛ إذ لا يجوز أن يكون حُكْمُه فيهم بخلافِ عِلْمه بهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولو رحمناهم} روى انه لما اسلم ثمامة بن اثال الحنفى ولحق باليمامة ومنع الميرة عن اهل مكة واخذهم الله بالسنين حتى اكلوا العلهز وهو شىء يتخذونه من الوبر والدم، قال الكاشفى [واهل مكه بحوردن مرده ومردار مبتلا شدند] جاء ابو سفيان الى رسول الله فى المدينة فقال انشدك الله والرحم اى اسألك بالله وبحرمة الرحم والقرابة ألست تزعم انك بعثت رحمة للعالمين فقال بلى فقال قتلت الآباء بالسيف والابناء بالجوع فادع ان يكشف عنا هذا القحط فدعا فكشف عنهم فانزل الله هذه الآية {وكشفنا} ازلنا عنهم {مابهم} [آنجه برايشان واقع است] {من ضر} من سوء الحال يعنى القحط والجدب الذى غلب عليهم واصابهم {للجوا} اللجاج التمادى فى الخصومة والعناد فى تعاطى الفعل المزجور عنه وتمادى تناهى من المدى وهو الغاية والمعنى لتمادوا {في طغيانهم} الطغيان مجاوزة الحد فى الشىء وكل مجاوز حده فى العصيان طاغ اى فى افراطهم فى الكفر والاستكبار وعداوة الرسول والمؤمنين يعنى لارتدوا الى ما كانوا عليه ولذهب عنهم هذا التملق وقد كان ذلك شعر : ستيزندكى كار ديوو ددست ستيزندكى دشمنى باخوداست تفسير : {يعهمون} العمه التردد فى الامر من التحير اى عامهين عن الهدى مترددين فى الضلالة لا يدرون اين يتوجهون كمن يضل عن الطريق فى الفلاة لا رأى له ولا دراية بالطريق، قال ابن عطاء الرحمة من الله على الاوراح المشاهدة ورحمته على الاسرار المراقبة ورحمته على القلوب المعرفة ورحمته على الابدان آثار الجذبة عليها على سبيل السنة، وقال ابو بكر بن طاهر كشف الضر هو الخلاص من امانى النفس وطول الامل وطلب الرياسة والعلو وحب الدنيا وهذا كله مما يضر بالمؤمن، وقال الواسطى للعلم طغيان وهو التفاخربه وللمال طغيان وهو البخل وللعمل والعبادة طغيان وهو الرياء والسمعة وللنفس طغيان وهو اتباع شهواتها.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضُرّ} ، كقحط وجدب، {لَلَجُّوا}: لتمادَوا {في طغيانهم}: إفراطهم في الكفر والعتو والإستكبار وعداوة الرسول - عليه الصلاة والسلام - والمؤمنين، {يعمهون}: يترددون عامهين عن الهدى. قال ابن عباس: لما أَسْلَمَ ثُمَامَةُ بن أَثالٍ الحنفي، ورجع إلى اليَمَامَةِ، مَنَعَ المِيرَةَ عَنْ أَهْلِ مَكَّة، وَأَخَذَهُمُ الله تعالى بالسنين حَتَّى أَكلَّوا العِلْهِزَ، جَاءَ أبو سُفْيانَ إلى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فقال له: أَنْشدُك الله والرَّحِمَ، ألسْتَ تزعمُ أَنّك بُعثْتَ رَحْمَة للعالَمين؟ قال: بَلَى، قال: قتلتَ الآباءَ بالسَّيف، والأبنَاءَ بالجوعِ، فنزلت. قال ابن جُزي: وفيه نظر؛ فإن الآية مكية باتفاق، وإنما دعا النبي صلى الله عليه وسلم على قريش بعد الهجرة، حسبما ورد في الحديث. هـ. قلت: والتحقيق: أن القحط نزل بهم مرتين، أحدهما قبل الهجرة، حين دعا عليهم - صلى الله عليه وسلم - بقوله: "حديث : اللهم أَعنِّي عليهم بسبع كسبع يوسف"تفسير : ، فأخذتهم سَنَةٌ حصدت كل شيء، حتى أكلوا الميتة والعظام، وكانوا يرون كهيئة الدخان من الجوع، فجاء أبو سفيان فقال: يا محمد، جئت تأمر بصلة الرحم، وإن قومك قد هلكوا، فادعُ الله يغيثنا، فدعا لهم.. الحديث. وفيه نزل الله تعالى: {أية : فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ}تفسير : [الدخان: 10] الآية، وقوله هنا: {ولو رحمناهم وكشفنا...} الآية. ومرة أخرى بالمدينة؛ حين استغاثوا به عليه السلام وهو يخطب، ولعله هو الذي ذكره ابن عباس في إسلام ثمامة، ولعل قوله: "فنزلت الآية" سهو؛ لأنها نزلت قبل الهجرة، إلاّ أن تكون الآية مدنية في السورة المكية، وقول ابن جزي: "دعا عليهم بعد الهجرة"، التحقيق، أنه دعا عليهم قبلُ وبعدُ. والله أعلم. والمعنى: لو رحمناهم، وكشفنا ما بهم من القحط والهزال؛ برحمتنا إياهم، ووجدوا الخصب، لارتدوا إلى ما كانوا عليه من الكفر والاستكبار، ولذهب عنهم هذا الخلق والتعلق بك، وهذا كقوله تعالى في الدخان:{أية : إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ} تفسير : [الدخان: 15]، قيل: المراد بالضر: العذاب الأخروي، فيكون كقوله: {أية : وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ} تفسير : [الأنعام: 28]. {ولقد أخذناهم بالعذاب}، وهو ما أصابهم يوم بدر من القتل والأسر، وهو قوله - تعالى - في الدخان {أية : يَوْمَ نَبْطِشُ ٱلْبَطْشَةَ ٱلْكُبْرَىٰ} تفسير : [الدخان: 16]. {فما استكانُوا لربهم} بذلك، أي: لم يخضعوا ولم يتذللوا. و "استكانوا": افتعل من السكون، والألف زائدة، أو استفعل من الكون، أي: انتقل من كون إلى كون، كاستحال، إذا انتقل من حالٍ إلى حال؛ لأن الخاضع ينتقل من كون إلى كون {وما يتضرعون} أي: وليس من حالهم التضرع إليه تعالى، وعبَّر بالمضارع، ليدل على الاستمرار، أي: ليس شأنهم التضرع في هذه الحالة وغيرها، أو: فما استكانوا فيما مضى، وما يتضرعون فيما ينزل بهم في المستقبل، والمعنى: تالله لقد أخذناهم بالعذاب، وقتلناهم بالسيوف، وما جرى عليهم يوم بدر من قتل صناديدهم، فما وُجدت، بعد ذلك، منهم استكانة ولا تضرع. {حتى إذا فتحنا عليهم باباً ذا عذابٍ شديد}، وهو عذاب الآخرة، {إذا هم فيه مبلسون}: متحيرون آيسون من كل خير، وهذا هو الصواب من حمل العذاب على عذاب الآخرة، بدليل وصفه بالشدة والإياس. والله تعالى أعلم. الإشارة: أهل الغفلة والبُعد لا يرجعون إلى الله في السراء ولا في الضراء؛ لانهماكهم في الغفلة والقساوة، وأهل اليقظة يرجعون إلى الله في السراء والضراء، في السراء بالحمد والشكر، وفي الضراء بالصبر والرضا والتسليم، مع التضرع والابتهال؛ عبوديةً، والمقتصدون يرجعون إليه - تعالى - في الضراء، ويغفلون عن الشكر في السراء، والأول ظالم لنفسه، والثاني سابق، والثالث مقتصد. وبالله التوفيق. ثم ذكر دلائل قدرته تعالى - وفي ضمنه استدعاؤهم إلى الرجوع لله تعالى:
الجنابذي
تفسير : {وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِّن ضُرٍّ لَّلَجُّواْ} لداموا على الخصومة {فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} فى طغيانهم متعلّق بلجّوا او بيعمهون اى يتردّدون فانّ العمه بمعنى التّردّد فى الضّلال والتّحيّر فى الطّريق، روى انّهم قُحطوا حتّى اكلوا العِلْهِرْ فجاء ابو سفيان الى رسول الله (ص) فقال: أنشدك الله والرّحم الست تزعم انّك بعثت رحمةً للعالمين قتلت الاباء بالسّيف والابناء بالجوع فنزلت {وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِٱلْعَذَابِ...}.
اطفيش
تفسير : {ولو رحمناهم} فعلنا مقدمات الكشف فى قوله: {وكَشفنا} أو الرحمة الكشف، فسترت به {ما بهم منْ ضر} وهو تعذيبهم بالقتل، والافضاء بهم الى عذاب الآخرة فى قبورهم، بإرجاعهم الى الدنيا {للجُّوا} تمادوا {فى طغيانهم} هو الاشراك بالله سبحانه وتعالى، وعداه رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. {يعْمهُون} حال مترددين فى الضَّلال، او يراد بالضر ما هم فيه من شدة الخوف من القتل والسبى بعد بعد، ولا يجوز تفسيره بالجوع فى سبع سنين، ولا بالجوع الذى أصابهم بمنع تمامه عنهم ميرة اليمامة، لأن لو للنفى، والجوع زال. كان صلى الله عليه وسلم يصلى عند البيت، فألقى عليه سلاء جزور حال سجوده، فدعا عليهم بالقحط سبع سنين كسنى يوسف، وفى ذلك قيل بعد بدر: شعر : سلوا عنهم يوم السلا إذ تضاحكوا فصار بكاء عاجلا لا يؤجل تفسير : ومكث شهرا بعد الهجرة يدعو بعد رفع رأسه من الركعة الثانية من الفجر، بعد سمع الله لمن حمده: اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة ابن هشام، وعياش بن أبى ربيعة، والمستضعفين بمكة، اللهم اشدد وطأتك الخ، وقد يفعل ذلك بعد الرفع من ركوع الركعة الأخيرة من العشاء. وأسرت سرية محمد بن مسلمة ثمامة بن أثال، وأسلم بعد ثلاثة أيام، وخرج معتمراً، ولبى فى بطن مكة، وهو أول من دخلها ملبياً، ولذا قال بعض قومه، وهم بنو حنيفة: شعر : ومنا الذى لبى بمكة معلناً برغم أبى سفيان فى الأشهر الحرم تفسير : فزجرته قريش على إسلامه فأجابهم: بأن دين محمد خير دين صلى الله عليه وسلم. وقال: والله لا تصل إليكم حبة من اليمامة حتى يأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فضرهم الجوع حتى أكلوا العلهز، فكتبوا اليه صلى الله عليه وسلم: ألست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين، وقد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع، إنك تأمر بصلة الرحم، وقد قطعت أرحامنا. فكتب صلى الله عليه وسلم الى ثمامة رضى الله عنه: "حديث : خل بين قومى وميرتهم" تفسير : ففعل، وقيل جاءه أبو سفيان فقال ذلك، ويجمع بأنهم كتبوا وجاء بكتابهم.
الالوسي
تفسير : {وَلَوْ رَحِمْنَـٰهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مّن ضُرّ} أي من سوء حال، قيل: هو ما عراهم بسبب أخذ مترفيهم بالعذاب يوم بدر أعني الجزع عليهم وذلك بإحيائهم وإعادتهم إلى الدنيا بعد القتل أي ولو رحمناهم وكشفنا ضرهم بإرجاع مترفيهم إليهم {لَّلَجُّواْ} لتمادوا {فِي طُغْيَـٰنِهِمْ} إفراطهم في الكفر والاستكبار وعداوة الرسول / صلى الله عليه وسلم والمؤمنين {يَعْمَهُونَ} عامهين مترددين في الضلال يقال عمه كمنع وفرح عمهاً وعموهاً وعموهة وعمهاناً، وقيل: هو ما هم فيه من شدة الخوف من القتل والسبـي ومزيد الاضطراب من ذلك لما رأوا ما حل بمترفيهم يوم بدر وكشفه بأمر النبـي صلى الله عليه وسلم بالكف عن قتالهم وسبيهم بعد أو بنحو ذلك وهو وجه ليس بالبعيد وقيل: المراد بالضر عذاب الآخرة أي أنهم في الرداءة والتمرد إلى أنهم لو رحموا وكشف عنهم عذاب النار وردوا إلى الدنيا لعادوا لشدة لجاجهم فيما هم عليه وفيه من البعد ما فيه. واستظهر أبو حيان أن المراد به القحط والجوع الذي أصابهم بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر أنه مروي عن ابن عباس وابن جريج، وقد دعا عليهم صلى الله عليه وسلم بذلك في مكة يوم ألقى عليه المشركون وهو قائم يصلي عند البيت سلى جزور فقال: " حديث : اللهم اشدد وطأتك على مضر اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف " تفسير : ودعا بذلك أيضاً بالمدينة، فقد روي أنه عليه الصلاة والسلام مكث شهراً إذا رفع رأسه من الركعة الثانية من صلاة الفجر بعد قوله " حديث : سمع الله لمن حمده " تفسير : يقول: " حديث : اللهم انج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبـي ربيعة والمستضعفين من المؤمنين بمكة اللهم اشدد وطأتك " تفسير : الخ، وربما فعل ذلك بعد رفعه من الركعة الأخيرة من صلاة العشاء، وكلتا الروايتين ذكرهما برهان الدين الحلبـي في «سيرته»، والكثير على أنه الجوع الذي أصابهم من منع ثمامة الميرة عنهم، وذلك أن ثمامة بن أثال الحنفي جاءت به إلى المدينة سرية محمد بن مسلمة حين بعثها صلى الله عليه وسلم إلى بني بكر ابن كلاب فأسلم بعد أن امتنع من الإسلام ثلاثة أيام ثم خرج معتمراً فلما قدم بطن مكة لبى وهو أول من دخلها ملبياً ومن هنا قال الحنفي: شعر : ومنا الذي لبـى بمكة معلناً برغم أبـي سفيان في الأشهر الحرم تفسير : فأحذته قريش فقالوا: لقد اجترأت علينا وقد صبوت يا ثمامة قال: أسلمت واتبعت خير دين دين محمد صلى الله عليه وسلم والله لا يصل إليكم حبة من اليمامة وكانت ريفاً لأهل مكة حتى يأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خرج ثمامة إلى اليمامة فمنعهم أن يحملوا إلى مكة شيئاً حتى أضر بهم الجوع وأكلت قريش العلهز فكتبت قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ألست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين فقد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع إنك تأمر بصلة الرحم وأنت قد قطعت أرحامنا فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ثمامة رضي الله تعالى عنه خل بين قومي وبين ميرتهم ففعل، وفي رواية أن أبا سفيان جاءه صلى الله عليه وسلم فقال: ألست الخ، ووجه الجمع ظاهر وكان هذا قبل الفتح بقليل. وعندي أن {لَوْ} تبعد هذا القول كما لا يخفى، نعم أخرج ابن جرير وجماعة عن ابن عباس ما هو نص في أن قصة ثمامة سبب لنزول قوله تعالى:{وَلَقَدْ أَخَذْنَـٰهُمْ بِٱلْعَذَابِ}.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة { أية : حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون } تفسير : [المؤمنون: 64] وما بينهما اعتراضات باستدلال عليهم وتنديم وقطع لمعاذيرهم، أي ليسوا بحيث لو استجاب الله جؤارهم عند نزول العذاب بهم وكشف عنهم العذاب لعادوا إلى ما كانوا فيه من الغمرة والأعمال السيئة لأنها صارت سجية لهم لا تتخلف عنهم. وهذا في معنى قوله تعالى: { أية : إنا كاشفوا العذاب قليلاً إنكم عائدون } تفسير : [الدخان: 15]. و{لو} هنا داخلة على الفعل الماضي المراد منه الاستقبال بقرينة المقام إذ المقام للإنذار والتأييس من الإغاثة عند نزول العذاب الموعود به، وليس مقام اعتذار من الله عن عدم استجابته لهم أو عن إمساك رحمته عنهم لظهور أن ذلك لا يناسب مقام الوعيد والتهديد. وأما مجيء هذا الفعل بصيغة المضي فذلك مراعاة لما شاع في الكلام من مقارنة (لو) لصيغة الحاضر لأن أصلها أن تدل على الامتناع في الماضي ولذلك كان الأصل عدم جزم الفعل بعدها. واللجاج بفتح اللام: الاستمرار على الخصام وعدم الإقلاع عن ذلك. يقال: لجّ يلِجّ ويلَجّ بكسر اللام وفتحها في المضارع على اختلاف حركة العين في الماضي. والطغيان: أشد الكبر. والعمه: التردد في الضلالة. و{في طغيانهم} متعلق بــــ{يعمهون} قدم عليه للاهتمام بذكره، وللرعي على الفاصلة. و(في) للظرفية المجازية المراد منها معنى السببية وتقدم قوله تعالى: { أية : ويمدهم في طغيانهم يعمهون } تفسير : في سورة البقرة (15).
الشنقيطي
تفسير : قد بينا الآيات الموضحة لما دلت عليه هذه الآية من أنه تعالى يعلم المعدوم الذين سبق في علمه أنه لا يوجد أن لو وجد، كيف يكون في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}تفسير : [الأنعام: 28] فأغنى ذلك عن إعادته هنا. وقوله في هذه الآية: {لَّلَجُّواْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [المؤمنون: 75] اللجاج هنا: التمادي في الكفر والضلال. والطغيان: مجاوزة الحد، وهو كفرهم بالله، وادعاؤهم له الأولاد والشركاء، وقوله: يعمهون: يترددون متحيرين لا يميزون حقاً، من باطل. وقال بعض أهل العلم: العمه: عمى القلب، والعلم عند الله تعالى.
د. أسعد حومد
تفسير : {رَحِمْنَاهُمْ} {طُغْيَانِهِمْ} (75) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ غِلْظَةِ المُشْرِكِينَ فِي كُفْرِهِمْ وَعُتُوِّهِمْ فِيهِ، فَيَقُولُ تَعَالَى: إِنَّهُ لَوْ أَزَاحَ عَنْهُم الضُّرَّ، وَأَفْهَمَهُم القُرْآنَ لمَا انْقَادُوا لَهُ، وَلاسْتَمَرُّوا عَلَى كُفْرِهِمْ وَعِنَادِهِمْ وَطُغَيْانِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى {أية : وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ}. تفسير : (وَقيلَ بَلِ المَعْنَى هُوَ: وَلَوْ أَنَّهُمْ رُدُّوا في الآخِرَةِ إِلى الدُّنيا لَعَادُوا لِما نُهُوا عنهُ). وقال ابنُ عَبَاسٍ (إِنَّ كُلَّ ما فيهِ (لَوْ) ممَّا لا يكونُ أبداً). لَلَجُّوا في طغيانِهِمْ - لَتَمَادَوا في ضَلالِهِمْ وَكُفْرِهِمْ. يَعْمَهُونَ - يَعْمونَ عَنِ الرّشدِ، أو يتحيَّرونَ.
الثعلبي
تفسير : {وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِّن ضُرٍّ} قحط وجدب {لَّلَجُّواْ} لتمادوا {فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِٱلْعَذَابِ} يعني القتل والجوع {فَمَا ٱسْتَكَانُواْ لِرَبِّهِمْ} خضعوا، وأصله طلب السكون {وَمَا يَتَضَرَّعُونَ}. قال ابن عباس: لما أتى ثمامة بن أثال الحنفي النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم وهو أسير فخلّى سبيله فلحق باليمامة، فحال بين أهل مكة وبين المسيرة من اليمامة وأخذ الله قريشاً بسنيّ الجدب حتى أكلوا العِلهز، حديث : فجاء أبو سفيان النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أُنشدك بالله والرحم أليس تزعم أنك بُعثت رحمة للعالمين؟ فقال: بلى، فقال: قد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع، فأنزل الله سبحانه هذه الآية: {حَتَّىٰ إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ}. تفسير : قال ابن عباس: يوم بدر، وقال مجاهد: القحط، وقيل: عذاب النار في الآخرة. {إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} متحيّرون، آيسون من كلّ خير. {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنْشَأَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ * وَهُوَ ٱلَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَهُوَ ٱلَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ ٱخْتِلاَفُ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ * بَلْ قَالُواْ مِثْلَ مَا قَالَ ٱلأَوَّلُونَ * قَالُوۤاْ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ} هذا الوعد {وَآبَآؤُنَا هَـٰذَا مِن قَبْلُ} ووعد آباءنا من قبلنا قومٌ ذكروا أنّهم انبياء لله فلم يُرَ له حقيقة. {إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ * قُل} يا محمد مجيباً لهم { لِّمَنِ ٱلأَرْضُ وَمَن فِيهَآ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ} ولا بدَّ لهم من ذلك، فقل لهم إذا أقرّوا بذلك {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} فتعلمون أنّ من قدر على خلق ذلك ابتداء فهو قادر على إحيائهم بعد موتهم؟. {قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ ٱلسَّبْعِ وَرَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ}. قرأه العامة: لله، ومثله ما بعده فجعلوا الجواب على المعنى دون اللفظ كقول القائل للرجل: من مولاك؟ فيقول: لفلان، أي أنا لفلان وهو مولاي وأنشد: شعر : وأعلم أنّني سأكون رمساً إذا سار النواعج لا يسير فقال السائلون لمن حفرتم فقال المخبرون لهم وزير تفسير : فأجاب المخفوض بمرفوع لأن معنى الكلام: فقال السائلون: مَن الميّت؟ فقال المخبرون: الميّت وزير، فأجاب عن المعنى. وقال آخر: شعر : إذا قيل من ربّ المزالف والقرى وربّ الجياد الجرد قيل لخالد تفسير : وقال الأخفش: اللام زائدة يعني الله، وقرأ أهل البصرة كلاهما الله بالألف، وهو ظاهر لا يحتاج إلى التأويل، وهو في مصاحف أهل الأمصار كلّها لله إلاّ في مصحف أهل البصرة فإنه الله الله، فجرى كلٌّ على مصحفه، ولم يختلفوا في الأول أنّه لله لأنّه مكتوب في جميع المصاحف بغير ألف وهو جواب مطابق للسؤال في {لِّمَنِ ٱلأَرْضُ وَمَن فِيهَآ} فجوابه لله. {أَفَلاَ تَتَّقُونَ} الله فتطيعونه {قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} ملكه وخزائنه {وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ} يعني يؤمن من يشاء ولا يؤمن من أخافه {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} قال أهل المعاني: معناه أجيبوا إن كنتم تعلمون. {سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ} أي تُخدعون وتُصرفون عن توحيده وطاعته. {بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِٱلْحَقِّ} الصدق {وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ} فانفرد به لتغالبوا، فعلا بعضهم على بعض وغلب القوىّ منهم الضعيف. {سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} من الكذب {عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ} بالجر، ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو على نعت الله، غيرهم: بالرفع على الابتداء أو على معنى هو عالم. وروى رؤيس عن يعقوب أنّه كان إذا ابتدأ رفع وإذا وصل خفض. { فَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ * قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ} من العذاب {رَبِّ فَلاَ تَجْعَلْنِي فِي ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} فلا تهلكني بهلاكهم، والفاء في قوله {فَلاَ} جواب لأمّا لأنّه شرط وجزاء. {وَإِنَّا عَلَىٰ أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ} من العذاب فجعلناه لهم (لَقَادِرُونَ). {ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} يعني بالخلّة التي هي أحسن {ٱلسَّيِّئَةَ} أَذاهم وجفاهم يقول: أعرض عن أذاهم واصفح عنهم، نسختها آية القتال. {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ} فنجزيهم به {وَقُلْ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ} استجير بك {مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّياطِينِ} أي نزغاتهم عن ابن عباس، الحسن: وساوسهم، مجاهد: نفخهم ونفثهم، ابن زيد: خنقهم الناس. وقال أهل المعاني: يعني دفعهم بالإغواء إلى المعاصي، والهمز: شدّة الدفع، ومنه قيل للحرف الذي يخرج من هواء الفم للدفع همزة. {وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ} في شيء من أُموري.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : يعني: لو حدث هذا لعادوا إلى ما كانوا عليه، كما قال سبحانه في موضع آخر: {أية : وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ ..} تفسير : [يونس: 12]. وليْتَه اكتفى عند هذا الحدِّ، إنما يتعدّى هذا، كما جاء في قوله تعالى: {أية : وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً ..}تفسير : [الزمر: 8] يقول كما قال قارون: {أية : إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي ..} تفسير : [القصص: 78] يعني: هذا بمجهودي وتعبي، وقد كلمت فلاناً، وفعلت كذا وكذا. لذلك كان طبيعياً أن يقول له ربه: ما دُمْتَ قد أوتيتَهُ على علم عندك، فاحفظه بعلم عندك قال تعالى: {أية : فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ ٱلأَرْضَ ..}تفسير : [القصص: 81]. فأين الآن عِلْمك؟ وأيُّ علم هذا الذي لا يستطيع أن يحتفظ بما أتى به؟ ومعلوم أن استنباط الشيء أصعب من حفْظه وصيانته. ومعنى {لَّلَجُّواْ ..} [المؤمنون: 75] تمادوا {فِي طُغْيَانِهِمْ ..} [المؤمنون: 75] والطغيان: مجاوزة الحدِّ؛ لأن الله تعالى جعل لكل شيء في الوجود حَدَّاً مرسوماً لا ينقص ولا يزيد، فإنِ اتبعتَ هذا الحدّ الذي رسمه الله لك استقمتَ واستقامتْ حركة حياتك بلا منازع، ولو طغى الشيء أفسد حركة الحياة، حتى لو كان الماء الذي جعل الله منه كل شيء حيٍّ، لو طغى يُغرق ويُدمّر بعد أنْ كان سر الحياة حال اعتداله. ومنه قوله سبحانه: {أية : إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي ٱلْجَارِيَةِ} تفسير : [الحاقة: 11]. ويقال لمن جاوز الحدَّ: طاغية بتاء التأنيث الدالة على المبالغة، فإنْ تجاوز هذه أيضاً نقول: طاغوت. ثم تأتي نتيجة التمادي في الطغيان {يَعْمَهُونَ} [المؤمنون: 75] يعني: يتحيرون ويَعْمَوْن عن الرُّشْد والصواب، فلا يُميّزون بين خير وشر. ثم يقول الحق سبحانه: {وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِٱلْعَذَابِ فَمَا ٱسْتَكَانُواْ لِرَبِّهِمْ ...}.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى إِعراض المشركين عن دعوة الإِيمان، ذكر هنا سبب الإِعراض وهو العناد والطغيان، ثم أردفه بإِقامة الأدلة على التوحيد، ثم ذكر أحوال الآخرة وانقسام الناس إِلى سعداء وأشقياء، وختم السورة ببيان الحكمة من حشر الناس إِلى دار الجزاء وأنه لولا القيامة لما تميز المطيع من العاصي ولا البرُّ من الفاجر. اللغَة: {مُبْلِسُونَ} يائسون متحيرون، والإِبلاس: اليأس من كل خير {يُجْيِرُ} يمنع ويحمي من استغاث به يقال: أجرت فلاناً على فلان إِذا أغثته ومنعته منه {هَمَزَاتِ} جمع همزة وهي الدفع والتحريك الشديد وهو كالهز والأزّ، وهمزات الشيطان: كيده بالوسوسة {بَرْزَخٌ} حاجز ومانع قال الجوهري: البرزخ: الحاجز بين الشيئين {كَالِحُونَ} الكلوح: أن تتقلَّص الشفتان وتتباعد عن الأسنان، وذلك نهاية القبح لوجه الإِنسان. سَبَبُ النّزول: عن ابن عباس قال: نزلت في قصة "ثمامة بن أُثال" لما أسرته السرية وأسلم وخلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سبيله، حال بين مكة وبين الميرة وقال: والله لا يأتيكم من اليمامة حبَّة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذ اللهُ قريشاً بالقحط والجوع حتى أكلوا الميتة والكلاب والعلهز قيل وما العلهز؟ قال كانوا يأخذون الصوف والوبر فيبلونه بالدم ثم يشوونه ويأكلونه فقال أبو سفيان: أنشدك الله والرَّحم، أليس تزعم أنَّ الله بعثك رحمة للعالمين؟ قال: بلى، قال فوالله ما أراك إِلا قتلت الآباء بالسيف، وقتلت الأبناء بالجوع فنزل قوله تعالى {وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِّن ضُرٍّ لَّلَجُّواْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} الآيات. التفسِير: {وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِّن ضُرٍّ} أي لو رحمنا هؤلاء المشركين الذين كذبوك وعاندوك ورفعنا عنهم ما أصابهم من قحطٍ وجدب وكشفنا عنهم البلاء {لَّلَجُّواْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} أي لاستمروا وتمادوا في ضلالتهم وتجاوزهم الحدَّ يتردَّدون ويتخبطون حيارى {وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِٱلْعَذَابِ} أي ابتليناهم بالمصائب والشدائد، وبالقحط والجوع {فَمَا ٱسْتَكَانُواْ لِرَبِّهِمْ} أي ما خضعوا لله ولا تواضعوا لجلاله {وَمَا يَتَضَرَّعُونَ} أي وما دعوا ربهم لكشف البلاء بل استمروا على العتوّ والاستكبار، والغرضُ أنه لم يحصل منهم تواضع ورجوع إِلى الله في الماضي، ولا التجاءٌ إِلى الله في المستقبل لشدة جبروتهم وطغيانهم {حَتَّىٰ إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ} أي حتى إِذا جاءتهم أهوال الآخرة وأتاهم من عذاب الله ما لم يكونوا يحتسبون {إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} أي إِذا هم آيسون من كل خير قال أبو السعود: المراد بالعذاب عذاب الآخرة كما ينبئ عنه التهويل والوصف بالشدة والمعنى أنا محناهم بكل محنة من القتل، والأسر، والجوع وغير ذلك فما رؤي منهم لين ولا توجهٌ إِلى الإِسلام إلى أن يروا عذاب الآخرة فحينئذٍ يبلسون وتخضع رقابهم ثم ذكَّرهم تعالى بنعمه ودلائل وحدانيته فقال {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنْشَأَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ} أي خلق لكم هذه الحواس لتسمعوا وتبصروا وتفقهوا، وفيه توبيخٌ للمشركين حيث لم يصرفوا النعم في مصارفها، لأن السمع خلق ليسمع به ما يرشده، والبصر ليشاهد به الآيات على كمال أوصاف الله، والعقل ليتأمل به في مصنوعات الله وباهر قدرته فمن لم يصرف تلك النعم في مصارفها فهو بمنزلة عادمها كما قال تعالى {أية : فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مِّن شَيْءٍ} تفسير : [الأحقاف: 26] وخصَّ هذه الثلاثة بالذكر لعظم المنافع التي فيها {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} أي قليلاً تشكرون ربكم، و {مَّا} لتأكيد القلة أي ما أقل شكركم لله على كثرة إِفضاله وإِنعامه عليكم؟ {وَهُوَ ٱلَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ} أي خلقكم وبثكم في الأرض بطريق التناسل {وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} أي وإِليه وحده تجمعون للجزاء والحساب {وَهُوَ ٱلَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} أي يُحيي الرِّمم ويميت الخلائق والأمم {وَلَهُ ٱخْتِلاَفُ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} أي إِن اختلاف الليل والنهار بالزيادة والنقصان بفعله سبحانه وحده ليقيم الدليل على وجوده وقدرته {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} أي أفليس لكم عقول تدركون بها دلائل قدرته، وآثار قهره، فتعلمون أن من قدر على ذلك ابتداءً، قادرٌ على إِعادة الخلق بعد الفناء؟ {بَلْ قَالُواْ مِثْلَ مَا قَالَ ٱلأَوَّلُونَ} {بَلْ} للإِضراب أي ليس لهم عقل ولا نظر في هذه الآيات والعبر، بل قال هؤلاء المشركون - من كفار مكة - مثل ما قال الأمم المتقدمون {قَالُوۤاْ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ}؟ أي أئذا بلينا وصرنا ذراتٍ ناعمة، وعظاماً نخرة أئنا لمخلوقون ثانية؟ هذا لا يتصور ولا يكون أبداً {لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَآؤُنَا هَـٰذَا مِن قَبْلُ} أي لقد وعدنا بهذا نحن ومن سبقنا فلم نر له حقيقة {إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} أي ما هذا إِلا أكاذيب وأباطيل المتقدمين ولما أنكروا البعث والنشور أمر تعالى رسوله أن يفحمهم بالحجة الدامغة التي تقصم ظهر الباطل فقال {قُل لِّمَنِ ٱلأَرْضُ وَمَن فِيهَآ}؟ أي قل يا محمد جواباً لهم عما قالوه: لمن الأرض ومن فيها من المخلوقات؟ ومن مالكها والمتصرف فيها بالإِيجاد والإِفناء؟ {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} أي إِن كان عندكم علمٌ فأخبروني بذلك، وفيه استهانةٌ بهم وتقريرٌ لجهلهم قال القرطبي: يخبر تعالى في الآية بربوبيته ووحدانيته، وملكه الذي لا يزول، وقدرته التي لا تحول، ودلت هذه الآيات - وما بعدها - على جواز جدال الكفار وإِقامة الحجة عليهم، ونبَّهت على أنَّ من ابتدأ بالخلق والإِيجاد، والإِبداع، هو المستحقُّ للألوهية والعبادة {سَيَقُولُونَ لِلَّهِ} أي فسيقولون الله خالقها وموجدها ولا بدَّ لهم من الاعتراف بذلك {قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ}؟ أي أفلا تعتبرون فتعلمون أن من ابتدأ ذلك قادر على إِعادته؟ {قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلسَّبْعِ وَرَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ}؟ أي من هو خالق السماوات الطباق بما فيها الشموس، والكواكب والأقمار، ومن هو خالق العرش الكبير الذي تحمله الملائكة الأطهار؟ {سَيَقُولُونَ لِلَّهِ} أي سيقولون: اللهُ خالقه وهو للّه {قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ} أي أفلا تخافون من عذابه فتوحّدونه وتتركون عبادة غيره من الأوثان والأصنام {قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} الملكُوت من صفات المبالغة أي من بيده الملك الواسع التام؟ ومن بيده خزائن كل شيء؟ ومن هو المتصرف في هذه الأكوان بالخلق والإِيجاد والتدبير؟ {وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ} أي يحمي من استجار به والتجأ إِليه، ولا يغيث أحدٌ منه أحداً {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} أي إِن كنتم تعلمون فأخبروني عن ذلك {سَيَقُولُونَ لِلَّهِ} أي سيقولون: الملك كله والتدبيرُ للّه جلَّ وعلا {قُلْ فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ} أي قل لهم: فكيف تُخدعون وتُصرفون عن طاعته وتوحيده مع اعترافكم وعلمكم بأنه وحده المتصرف المالك؟ قال أبو حيان: والسحر هنا مستعار وهو تشبيه لما يقع منهم من التخليط، ووضع الأفعال والأقوال غير مواضعها بما يقع للمسحور من التخبط والتخليط رتَّب هذه التوبيخات الثلاثة بالتدريج فقال أولاً {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ}؟ ثم قال ثانياً {أَفَلاَ تَتَّقُونَ}؟ وذلك أبلغ لأن فيه زيادة تخويف، ثم قال ثالثاً {فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ} وفيه من التوبيخ ما ليس في غيره {بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِٱلْحَقِّ} أي بل جئناهم بالقول الصدق في أمر التوحيد والبعث والجزاء {وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} أي كاذبون فيما ينسبون لله من الشركاء والأولاد. لمَّا بالغ في الحِجاج عليه بالآيات السابقة أعقبها بهذه الآية كالوعيد والتهديد، ثم بيَّن بطلان الشريك والولد بالبرهان القاطع فقال {مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ} أي ما اتخذ الله ولداً مطلقاً لا من الملائكة ولا من البشر {وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ} أي وليس معه من يشاركه في الألوهية والربوبية {إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ} أي لو كان معه إِله - كما زعم عبدة الأوثان - لانفرد كل إِلهٍ بخلقه الذي خلق واستبدَّ به، وتميَّز ملك كلِّ واحد عن ملك الآخر {وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} أي ولغلب بعضهم على بعض كحال ملوك الدنيا قال ابن كثير: المعنى لو قدر تعدُّد الآلهة لانفرد كلٌ منهم بما خلق، ثم لكان كلٌ منهم يطلب قهر الآخر وخلافه فيعلو بعضهم على بعض وما كان ينتظم الوجود، والمشاهد أن الوجود منتظمٌ متَّسقٌ غاية الكمال فدل على تنزه الله عن الولد والشريك ولهذا قال {سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} أي تنزّه الله وتقدَّس عما يصفه به الظالمون {عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ} أي هو تعالى العالم بما غاب عن الأنظار، وبما تدركه الأبصار، لا تخفى عليه خافية من شؤون الخلق {فَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} أي تقدَّس وتنزَّه عن الشريك والولد {قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ} أي قل يا ربِّ إِن كان ولا بدَّ من أن تُريَني ما تعدهم من العذاب في الدنيا {رَبِّ فَلاَ تَجْعَلْنِي فِي ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} هذا جواب الشرط {إِمَّا} وكرَّر قوله {رَّبِّ} مبالغةً في الدعاء والتضرع أي ربّ فلا تجعلني في جملة الظالمين فأهلك بهلاكهم قال أبو حيان: ومعلوم أنه عليه السلام معصومٌ مما يكون سبباً لجعله مع الظالمين ولكنه أُمر أن يدعو بذلك إِظهاراً للعبودية وتواضعاً لله {وَإِنَّا عَلَىٰ أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ} أي ونحن قادرون على أن نريك العذاب الذي وعدناهم به ولكن نؤخره لحكمة {ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ٱلسَّيِّئَةَ} أي ادفع إِساءتهم بالصفح عنهم وتجمَّل بمكارم الأخلاق قال ابن كثير: أرشده إلى الترياق النافع في مخالطة الناس وهو الإِحسان إلى من يسيء إِليه ليستجلب خاطره، فتعود عدواته صداقةً، وبغضه محبة {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ} أي نحن أعلم بحالهم وبما يكون منهم من التكذيب والاستهزاء وسنجازيهم عليه {وَقُلْ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّياطِينِ} أي أعتصم بك من نزغات الشياطين ووساوسهم المغرية على الباطل والمعاصي {وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ} أي وأعتصم وأحتمي بك يا رب من أن يصيبوني بسوء أو يكونوا معي في أموري، كرَّر ذلك للمبالغة والاعتناء بشأن الاستعاذة {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ} عاد الكلام عن المشركين أي حتى إِذا حضر الموتُ أحدهم وعاين أهواله وشدائده {قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ} أي قال تحسراً على ما فرط منه: ربِّ ردَّني إلى الدنيا، وصيغة الجمع للتعظيم {لَعَلِّيۤ أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ} أي لكي أعمل صالحاً فيما ضيَّعت من عمري {كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا} {كَلاَّ} كلمةُ ردع وزجر أي لا رجوع إِلى الدنيا فليرتدع عن ذلك فإِن طلبه للرجعة كلام لا فائدة فيه ولا جدوى منه وهو ذاهبٌ أدراج الرياح {وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ} أي وأمامهم حاجزٌ يمنعهم عن الرجوع إِلى الدنيا - هو عالم البرزخ - الذي يحول بينهم وبين الرجعة يلبثون فيه إِلى يوم القيامة قال مجاهد: البرزخُ: الحاجز ما بين الدنيا والآخرة {فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ} أي فإِذا نفخ في الصور النفخة الثانية وهي نفخة البعث والنشور {فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ} أي فلا قرابة ولا نسب ينفعهم يوم القيامة لزوال التراحم والتعاطف من شدة الهول والدهشة بحيث يفر المرء من أخيه وأُمه وأبيه وصاحبته وبنيه {وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ} أي لا يسأل بعضهم بعضاً عن شأنه لاشتغال كل واحد بنفسه، ولا تنافي بينها وبين قوله {أية : وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ} تفسير : [الطور: 25] لأن يوم القيامة طويل وفيه مواقف ومواطن، ففي بعضها يتكلمون وفي بعضها لا ينطقون {فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ} أي فمن رجحت حسناته على سيئاته ولو بواحدة {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} أي فهم السعداء الذين فازوا فنجوا من النار وأُدخلوا الجنة {وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ} أي زادت سيئاته على حسناته {فأُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ} أي فهم الأشقياء الذين خسروا سعادتهم الأبدية بتضييع أنفسهم وتدنيسها بالكفر والمعاصي {فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ} أي هم مقيمون في جهنم لا يخرجون منها أبداً {تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ} أي تحرقها بشدة حرِّها، وتخصيص الوجوه بالذكر لأنها أشرف الأعضاء {وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ} أي وهم في جهنم عابسون مشوَّهو المنظر قال ابن مسعود: قد بدتْ أسنانهم وتقلَّصت شفاههم كالرأس المُشيَّط بالنار، وفي الحديث "حديث : تشويه النارُ فتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه، وتسترخي شفته السفلى حتى تبلغ سُرَّته" تفسير : {أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} أي يقال لهم تعنيفاً وتوبيخاً: ألم تكن آيات القرآن الساطع تقرأ عليكم في الدنيا؟ {فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ} أي فكنتم لا تصدّقون بها مع وضوحها {قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا} أي غلبت علينا شقاوتنا {وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ} أي وكنَّا ضالين عن الهدى بسبب اتباعنا للملذّات والأهواء {رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا} أي أخرجنا من النار وردُنَّا إلى الدنيا {فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ} أي فإِن رجعنا إلى الكفر والمعاصي بعد ذلك نكون قد تجاوزنا الحدَّ في الظلم العدوان. أقروا أولاً بالإِجرام ثم تدرجوا من الإِقرار إلى الرغبة والتضرع فجاء الجواب بالتيئيس والزجر {قَالَ ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ} أي ذلوا في النار وانزجروا كما تُزجر الكلاب ولا تكلموني في رفع العذاب قال في التسهيل: اخسئوا: كلمة تستعمل في زجر الكلاب ففيها إِهانةٌ وإِبعاد {إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّاحِمِينَ} قال مجاهد: هم بلال، وخباب، وصهيب وغيرهم من ضعفاء المسلمين كان أبو جهل وأصحابه يهزءون بهم {فَٱتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً} أي فسخرتم منهم واستهزأتم بهم {حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي} أي حتى نسيتم بتشاغلكم بهم واستهزائكم عليهم عن طاعتي وعبادتي {وَكُنْتُمْ مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ} أي وكنتم تتضحكون عليهم في الدنيا {إِنِّي جَزَيْتُهُمُ ٱلْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوۤاْ} أي جزيتهم بسبب صبرهم على أذاكم أحسن الجزاء {أَنَّهُمْ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ} أي أنهم هم الفائزون بالنعيم المقيم {قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ} أي قال تعالى للكفار على سبيل التبكيت والتوبيخ: كم مكثتم في الدنيا وعمَّرتم فيها من السنين؟ {قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} أي مكثنا يوماً أو أقل من يوم {فَسْئَلِ ٱلْعَآدِّينَ} أي الحاسبين المتمكنين من العدِّ قال ابن عباس: أنساهم ما كانوا فيه من العذاب المدة التي لبثوها {قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً} أي ما أقمتم حقاً في الدنيا إِلا قليلاً قال الرازي: كأنه قيل لهم: صدقتم ما لبثتم فيها إِلا قليلاً فقد انقضت ومضت، والغرضُ تعريفهم قلة أيام الدنيا في مقابلة أيام الآخرة {لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} أي لو كان لكم علمٌ وفهم لعرفتم حقارة الدنيا ومتاعها الزائل {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً} أي أظننتم - أيها الناس - أنما خلقناكم باطلاً وهملاً بلا ثواب ولا عقاب كما خلقت البهائم {وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ} أي وأنه لا رجوع لكم إِلينا للجزاء؟ لا ليس الأمر كما تظنون وإِنما خلقناكم للتكليف والعبادة ثم الرجوع إِلى دار الجزاء {فَتَعَالَى ٱللَّهُ} أي فتنزَّه وتقدَّس الله الكبير الجليل {ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ} أي صاحب السلطان، المتصرف في ملكه بالإِيجاد والإِعدام، والإِحياء والإِفناء، تنزَّه عن العبث والنقائض وعن أن يخلق شيئاً سفهاً لأنه حكيم {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} أي لا ربَّ سواه ولا خالق غيره {رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ} أي خالق العرش العظيم وصفه بالكريم لأن الرحمة والخير والبركة تنزل منه، ولنسبته إلى أكرم الأكرمين {وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـهَا آخَرَ} أي ومن يجعل لله شريكاً ويعبد معه سواه {لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ} أي لا حجة له به ولا دليل {فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ} أي جزاؤه وعقابه عند الله {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَافِرُونَ} أي لا يفوز ولا ينجح من جحد وكذب بالله ورسله، افتتح السورة بقوله {قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ} وختمها بقوله {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَافِرُونَ } ليظهر التفاوت بين الفريقين فشتان ما بين البدء والختام. {وَقُل رَّبِّ ٱغْفِرْ وَٱرْحَمْ وَأنتَ خَيْرُ ٱلرَّاحِمِينَ} أمر رسوله بالاستغفار والاسترحام تعليماً للأمة طريق الثناء والدعاء، اللهم اغفر لنا وارحمنا برحمتك التي وسعت كل شيء، يا أرحم الراحمين، اللهم آمين. البّلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الامتنان {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنْشَأَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ}. 2- التفنن {ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ} أفرد السمع وجمع الأبصار تفنناً. 3- التنكير للتقليل {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} و {مَّا} تأكيد للقلة المستفادة من التنكير والمعنى شكراً قليلاً وهو كناية عن عدم الشكر. 4- الاستفهام الذي غرضه الإِنكار والتوبيخ {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}؟ {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ}؟ {أَفَلاَ تَتَّقُونَ}؟ 5- الطباق بين {يُحْيِي وَيُمِيتُ}. 6- حذف جواب الشرط ثقةً بدلالة اللفظ عليه {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} أي إِن كنتم تعلمون ذلك فأخبروني عنه. 7- طباق السلب {وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ}. 8- تأكيد الكلام بذكر حرف الجر الزائد {مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ} أي ما اتخذ ولداً وكذلك {وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ} ذكر {مِنْ} في الجملتين تأكيداً وتثبيتاً للنفي. 9- الطباق في {عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ}. 10- التأكيد بإِنَّ واللام {وَإِنَّا عَلَىٰ أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ} لإِنكار المخاطبين لذلك. 11- الطباق المعنوي {ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ٱلسَّيِّئَةَ} لأنه المعنى ادفع بالحسنة السيئة فهو طباق بالمعنى لا باللفظ. 12- واو الجمع للتعظيم {رَبِّ ٱرْجِعُونِ} ولم يقل ارجعني تعظيماً لله جل وعلا. 13- المجاز المرسل {إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا} أطلق الكلمة على الجملة وهو من إِطلاق الجزء وإرادة الكل. 14- المقابلة اللطيفة بين {فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ} وبين {وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ..} الآيتان. 15- القصر {أَنَّهُمْ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ}. 16- جناس الاشتقاق {ٱغْفِرْ وَٱرْحَمْ وَأنتَ خَيْرُ ٱلرَّاحِمِينَ}. 17- السجع الموزون الخالي من التكلف وهو كثير مشهور.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذا بيان لشدة تمردهم وعنادهم، وأنهم إذا أصابهم الضر، دعوا الله أن يكشف عنهم ليؤمنوا، أو ابتلاهم بذلك ليرجعوا إليه. إن الله إذا كشف الضر عنهم لجوا، أي: استمروا في طغيانهم يعمهون، أي: يجولون في كفرهم، حائرين مترددين. كما ذكر الله حالهم عند ركوب الفلك، وأنهم يدعون مخلصين له الدين، وينسون ما يشركون به، فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بالشرك وغيره. { وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ } قال المفسرون: المراد بذلك: الجوع الذي أصابهم سبع سنين، وأن الله ابتلاهم بذلك، ليرجعوا إليه بالذل والاستسلام، فلم ينجع فيهم، ولا نجح منهم أحد، { فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ } أي: خضعوا وذلوا { وَمَا يَتَضَرَّعُونَ } إليه ويفتقرون، بل مر عليهم ذلك ثم زال، كأنه لم يصبهم، لم يزالوا في غيهم وكفرهم، ولكن وراءهم العذاب الذي لا يرد، وهو قوله: { حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ } كالقتل يوم بدر وغيره، { إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ } آيسون من كل خير، قد حضرهم الشر وأسبابه، فليحذروا قبل نزول عذاب الله الشديد، الذي لا يرد، بخلاف مجرد العذاب، فإنه ربما أقلع عنهم، كالعقوبات الدنيوية، التي يؤدب الله بها عباده. قال تعالى فيها: {أية : ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):