٢٣ - ٱلْمُؤْمِنُون
23 - Al-Mu'minoon (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
76
Tafseer
الرازي
تفسير : اختلفوا في قوله: {وَلَقَدْ أَخَذْنَـٰهُمْ بِٱلْعَذَابِ } على وجوه: أحدها: أنه لما أسلم ثمامة بن أثال الحنفي ولحق باليمامة منع الميرة عن أهل مكة فأخذهم الله بالسنين حتى أكلوا الجلود والجيف، فجاء أبو سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ألست تزعم أنك بعثت رحمة العالمين، ثم قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع، فادع الله يكشف عنا هذا القحط. فدعا فكشف عنهم فأنزل الله هذه الآية، والمعنى أخذناهم بالجوع فما أطاعوا وثانيها: هو الذي نالهم يوم بدر من القتل والأسر، يعني أن ذلك مع شدته ما دعاهم إلى الإيمان عن الأصم وثالثها: المراد من عذب من الأمم الخوالي {فَمَا ٱسْتَكَانُواْ } أي مشركي العرب لربهم عن الحسن ورابعها: أن شدة الدنيا أقرب إلى المكلف من شدة الآخرة، فإذا لم تؤثر فيهم شدة الدنيا فشدة الآخرة كذلك، وهذا يدل على أنهم { أية : لَوْ رُدُّواْ لَعَـٰدُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ } تفسير : [الأنعام: 28]. أما قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ } ففيه وجهان: أحدهما: حتى إذا فتحنا عليهم باب الجوع الذي هو أشد من القتل والأسر والثاني: إذا عذبوا بنار جهنم فحينئذ يبلسون كقوله: { أية : وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُبْلِسُ ٱلْمُجْرِمُونَ } تفسير : [الروم:12]،{ أية : لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ } تفسير : [الزخرف:75] والإبلاس اليأس من كل خير، وقيل السكون مع التحسير. وههنا سؤالات: السؤال الأول: ما وزن استكان؟ الجواب: استفعل من السكون أي انتقل من كون إلى كون، كما قيل استحال إذا انتقل من حال إلى حال، ويجوز أن يكون افتعل من السكون أشبعت فتحة عينه. السؤال الثاني: لم جاء {ٱسْتَكَانُواْ } بلفظ الماضي و {يَتَضَرَّعُونَ } بلفظ المستقبل؟ الجواب: لأن المعنى امتحناهم فما وجدنا منهم عقيب المحنة استكانة، وما من عادة هؤلاء أن يتضرعوا حتى يفتح عليهم باب العذاب الشديد وقرىء فتحنا. السؤال الثالث: العطف لا يحسن إلا مع المجانسة فأي مناسبة بين قوله: {وَهُوَ ٱلَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَـٰرَ } وبين ما قبله؟ الجواب: كأنه سبحانه لما بين مبالغة أولئك الكفار في الأعراض عن سماع الأدلة ورؤية العبر والتأمل في الحقائق قال للمؤمنين، وهو الذي أعطاكم هذه الأشياء ووقفكم عليها، تنبيهاً على أن من لم يستعمل هذه الأعضاء فيما خلقت له فهو بمنزلة عادمها كما قال تعالى: { أية : فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَـٰرُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مّن شَيْء إِذْ كَانُواْ يَجْحَدُونَ بِـئَايَـٰتِ ٱللَّهِ } تفسير : [الأحقاف:26] تنبيهاً على أن حرمان أولئك الكفار ووجدان هؤلاء المؤمنين ليس إلا من الله. واعلم أنه سبحانه بين عظيم نعمه من وجوه: أحدها: بإعطاء السمع والأبصار والأفئدة وخص هذه الثلاثة بالذكر لأن الاستدلال موقوف عليها، ثم بين أنه يقل منهم الشاكرون، قال أبو مسلم وليس المراد أن لهم شكراً وإن قل، لكنه كما يقال للكفور الجاحد للنعمة ما أقل شكر فلان وثانيها: قوله: {وَهُوَ ٱلَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ } قيل في التفسير {خَلَقَكُمْ } قال أبو مسلم: ويحتمل بسطكم فيها ذرية بعضكم من بعض حتى كثرتم كقوله تعالى: { أية : ذُرّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ } تفسير : [الإسراء: 3] فنقول: هو الذي جعلكم في الأرض متناسلين، ويحشركم يوم القيامة إلى دار لا حاكم فيها سواه، فجعل حشرهم إلى ذلك الموضع حشراً إليه لا بمعنى المكان وثالثها: قوله: {وَهُوَ ٱلَّذِي يُحيِ وَيُمِيتُ } أي نعمة الحياة وإن كانت من أعظم النعم فهي منقطعة وأنه سبحانه وإن أنعم بها فالمقصود منها الانتقال إلى دار الثواب ورابعها: قوله: {وَلَهُ ٱخْتِلَـٰفُ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ } ووجه النعمة بذلك معلوم، ثم إنه سبحانه حذر من ترك النظر في هذه الأمور فقال: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } لأن ذلك دلالة الزجر والتهديد وقرىء {أَفَلاَ يَعْقِلُونَ }.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِٱلْعَذَابِ} قال الضحاك: بالجوع. وقيل: بالأمراض والحاجة والجوع. وقيل: بالقتل والجوع. {فَمَا ٱسْتَكَانُواْ لِرَبِّهِمْ} أي ما خضعوا. {وَمَا يَتَضَرَّعُونَ} أي ما يخشعون لله عز وجل في الشدائد تصيبهم. قال ابن عباس: نزلت في قصة ثُمَامة بن أثَال لما أسرته السّرِيّة وأسلم وخَلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم سبيله، حال بين مكة وبين المِيرة وقال: والله لا يأتيكم من اليمامة حَبّةُ حِنطة حتى يأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخذ الله قريشاً بالقحط والجوع حتى أكلوا الميتة والكلاب والعِلْهِز؛ قيل وما العِلهِز؟ قال: كانوا يأخذون الصوف والوَبَر فيبلّونه بالدم ثم يشوونه ويأكلونه. فقال له أبو سفيان: أنْشُدكَ اللَّهَ والرَّحِم! أليس تزعم أن الله بعثك رحمة للعالمين؟ قال: «بلى». قال: فوالله ما أراك إلا قتلت الآباء بالسيف، وقتلت الأبناء بالجوع؛ فنزل قوله: {وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِّن ضُرٍّ لَّلَجُّواْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ }.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذْنَـٰهُمْ بِٱلْعَذَابِ} أي: ابتليناهم بالمصائب والشدائد {فَمَا ٱسْتَكَانُواْ لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ} أي: فما ردهم ذلك عما كانوا فيه من الكفر والمخالفة، بل استمروا على غيهم وضلالهم {فَمَا ٱسْتَكَانُواْ}، أي: ما خشعوا {وَمَا يَتَضَرَّعُونَ} أي: ما دعوا؛ كما قال تعالى: {أية : فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ} تفسير : [الأنعام: 43] الآية. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن حمزة المروزي، حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبي عن يزيد ــــ يعني: النحوي ــــ عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: جاء أبو سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد أنشدك الله والرحم، فقد أكلنا العلهز ــــ يعني: الوبر والدم ــــ فأنزل الله: {وَلَقَدْ أَخَذْنَـٰهُمْ بِٱلْعَذَابِ فَمَا ٱسْتَكَانُواْ} الآية، وكذا رواه النسائي عن محمد بن عقيل عن علي بن الحسين عن أبيه به، وأصله في "الصحيحين": أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا على قريش حين استعصوا، فقال: «حديث : اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف»تفسير : . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا سلمة بن شبيب، حدثنا عبد الله بن إبراهيم بن عمر بن كيسان، حدثني وهب بن عمر بن كيسان قال: حبس وهب بن منبه، فقال له رجل من الأبناء: ألا أنشدك بيتاً من شعر يا أبا عبد الله؟ فقال وهب: نحن في طرف من عذاب الله، والله يقول: {وَلَقَدْ أَخَذْنَـٰهُمْ بِٱلْعَذَابِ فَمَا ٱسْتَكَانُواْ لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ} قال: وصام وهب ثلاثاً متواصلة، فقيل له: ما هذا الصوم يا أبا عبد الله؟ قال: أحدث لنا، فأحدثنا، يعني: أحدث لنا الحبس، فأحدثنا زيادة عبادة. وقوله: {حَتَّىٰ إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} أي: حتى إذا جاءهم أمر الله، وجاءتهم الساعة بغتة، فأخذهم من عذاب الله ما لم يكونوا يحتسبون، فعند ذلك أبلسوا من كل خير، وأيسوا من كل راحة، وانقطعت آمالهم ورجاؤهم، ثم ذكر تعالى نعمه على عباده بأن جعل لهم السمع والأبصار والأفئدة، وهي العقول والفهوم التي يدركون بها الأشياء ويعتبرون بما في الكون من الآيات الدالة على وحدانية الله، وأنه الفاعل المختار لما يشاء. وقوله: {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} أي: ما أقل شكركم لله على ما أنعم به عليكم كقوله: {أية : وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} تفسير : [يوسف: 103] ثم أخبر تعالى عن قدرته العظيمة وسلطانه القاهر في برئه الخليقة، وذرئه لهم في سائر أقطار الأرض على اختلاف أجناسهم ولغاتهم وصفاتهم، ثم يوم القيامة يجمع الأولين منهم والآخرين لميقات يوم معلوم، فلا يترك منهم صغيراً ولا كبيراً، ولا ذكراً ولا أنثى، ولا جليلاً ولا حقيراً، إلا أعاده كما بدأه، ولهذا قال: {وَهُوَ ٱلَّذِى يُحْٰىِ وَيُمِيتُ} أي: يحيي الرمم، ويميت الأمم، {وَلَهُ ٱخْتِلَـٰفُ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} أي: وعن أمره تسخير الليل والنهار، كل منهما يطلب الآخر طلباً حثيثاً، يتعاقبان لا يفتران ولا يفترقان بزمان غيرهما، كقوله: {أية : لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ وَلاَ ٱلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} تفسير : [يس: 40] الآية. وقوله: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} أي: أفليس لكم عقول تدلكم على العزيز العليم الذي قد قهر كل شيء، وعز كل شيء، وخضع له كل شيء؟ ثم قال مخبراً عن منكري البعث الذين أشبهوا من قبلهم من المكذبين: {بَلْ قَالُواْ مِثْلَ مَا قَالَ ٱلأَوَّلُونَ قَالُوۤاْ أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَـٰماً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ}؟ يعني: يستبعدون وقوع ذلك بعد صيرورتهم إلى البلى، {لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَآؤُنَا هَـٰذَا مِن قَبْلُ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} يعنون: الإعادة محال، إنما يخبر بها من تلقاها عن كتب الأولين واختلافهم، وهذا الإنكار والتكذيب منهم كقوله إخباراً عنهم: {أية : أَءِذَا كُنَّا عِظَـٰماً نَّخِرَةً قَالُواْ تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَـٰسِرَةٌ فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌ وَٰحِدَةٌ فَإِذَا هُم بِٱلسَّاهِرَةِ } تفسير : [النازعات: 11 ــــ 14] وقال تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَـٰنُ أَنَّا خَلَقْنَـٰهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مٌّبِينٌ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِىَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحىِ ٱلْعِظَـٰمَ وَهِىَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} تفسير : [يس: 77 ــــ 79] الآيات.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَقَدْ أَخَذْنَٰهُمْ بِٱلْعَذَابِ } الجوع {فَمَا ٱسْتَكَانُواْ } تواضعوا {لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ } يرغبون إلى الله بالدعاء.
الماوردي
تفسير : قوله: {حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً} الآية. فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه دعاء النبي صلى الله عليه وسلم عليه فقال: "حديث : اللَّهُمّ اجْعَلْهَا عَلَيهِم سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ فَقَحَطُوا سَبْعَ سِنِينَ حَتَّى أَكَلُوا الْعَلْهَزَ مِنَ الجُوعِ وَهُوَ الوَبَرُ بالدَّمِ" تفسير : ، قاله مجاهد. الثاني: أنه قتلهم بالسيف يوم بدر، قاله ابن عباس. الثالث: يعني باباً من عذاب جهنم في الآخرة، قاله بعض المتأخرين. {مُبْلِسُونَ} قد مضى تفسيره. قوله: {وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأَرْضِ} فيه وجهان: أحدهما: خلقكم، قاله الكلبي ويحيى بن سلام. الثاني: نشركم، قاله ابن شجرة. قوله: {وَلَهُ اخْـتِلاَفُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} فيه قولان: أحدهما: بالزيادة والنقصان. الثاني: تكررهما يوماً بعد ليلة وليلة بعد يوم. ويحتمل ثالثاً: اختلاف ما مضى فيهما من سعادة وشقاء وضلال وهدى.
ابن عطية
تفسير : هذا إخبار من الله تعالى عن استكبارهم وطغيانهم بعد ما نالهم من الجوع، هذا قول روي عن ابن عباس وابن جريج أن "العذاب" هو الجوع والجدب المشهور نزوله بهم حتى أكلوا الجلود وما جرى مجراها والباب والمتوعد به يوم بدر، وهذا القول يرده أن الجدب الذي نالهم إنما كان بعد وقعة بدر وروي أنهم لما بلغهم الجهد جاء أبو سفيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ألست تزعم يا محمد أنك بعثت رحمة للعالمين؟ قال بلى قال قد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع وقد أكلنا العهن فنزلت الآية، و {استكانوا} معناه انخفضوا وتواضعوا، ويحتمل أن يكون من السكون ويلزمه أن يكون "استكنوا" ووجهه أن فتحة الكاف مطلت فتولدت منه الألف ويعطي التصريف أنه من "كان" وأن وزنه استفعل وعلى الأول وزنه افتعل وكونه من "كان" أبين والمعنى فما طلبوا أن يكونوا لربهم أي طاعة وعبيد خير، وروي عن الحسن رضي الله عنه أنه قال: إذا أصاب الناس من قتل السلطان بلاء فإنما هي نقمة فلا تستقبلوا نقمة الله بالحمية ولكن استقبلوها بالاستغفار واستكينوا وتضرعوا إلى الله وقرأ هذه الآية {ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون} و"العذاب الشديد"، إما يوم بدر بالسيوف كما قال بعضهم وإما توعد بعذاب غير معين وهو الصواب لما ذكرناه من تقدم بدر للمجاعة، وروي عن مجاهد أن العذاب والباب الشديد هو كله مجاعة قريش. قال القاضي أبو محمد: وهذا حسن كأن الأخذ كان في صدر الأمر ثم فتح الباب عند تناهيه حيث أبلسوا وجاء أبو سفيان، والملبس: الذي قد نزل به شر ويئس من زواله ونسخه بخير.
النسفي
تفسير : {وَلَقَدْ أَخَذْنَـٰهُمْ بِٱلْعَذَابِ فَمَا ٱسْتَكَانُواْ لِرَبّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ } استشهد على ذلك بأنا أخذناهم أولاً بالسيوف وبما جرى عليهم يوم بدر من قتل صناديدهم وأسرهم، فما وجدت بعد ذلك منهم استكانة أي خضوع ولا تضرع. وقوله {وما يتضرعون} عبارة عن دوام حالهم أي وهم على ذلك بعد ولذا لم يقل وما تضرعوا. ووزن استكان استفعل من الكون أي انتقل من كون إلى كون كما قيل «استحال» إذا انتقل من حال إلى حال. {حَتَّىٰ إِذَا فَتَحْنَا } {فتّحنا} يزيد {عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ } أي باب الجوع الذي هو أشد من الأسر والقتل {إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ } متحيرون آيسون من كل خير. وجاء أعتاهم وأشدهم شكيمة في العناد ليستعطفك أو محناهم بكل محنة من القتل والجوع فما رؤي فيهم لين مقادة وهم كذلك حتى إذا عذبوا بنار جهنم فحينئذ يبلسون كقوله {أية : وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُبْلِسُ ٱلْمُجْرِمُونَ} تفسير : [الروم: 12] {وَهُوَ ٱلَّذِى أَنْشَأَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَـٰرَ وَٱلأَفْئِدَةَ } خصهما بالذكر لأنها يتعلق بها من المنافع الدينية والدنيوية ما لا يتعلق بغيرها {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ } أي تشكرون شكراً قليلاً. و «ما» مزيدة للتأكيد بمعنى حقاً، والمعنى إنكم لم تعرفوا عظم هذه النعم ووضعتموها غير مواضعها فلم تعملوا أبصاركم وأسماعكم في آيات الله وأفعاله، ولم تستدلوا بقلوبكم فتعرفوا المنعم ولم تشكروا له شيئا
ابن عادل
تفسير : قوله: {وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِٱلْعَذَابِ} قال المفسرون: لما أسلم ثُمامة بن أثال الحنفي، ولحق باليمامة، ومنع المِيرَة عن أهل مكة، ودَعَا النبي صلى الله عليه وسلم على قريش أن يجعل عليهم سنين كسني يوسف، فأصابهم القحط حتى أكلوا العِلْهِز، جاء أبو سفيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: أنشدك الله والرحم، ألَسْتَ تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين؟ فقال: "بَلَى". فقال: قد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع، فادعُ الله يكشف عنا هذا القحط، فدعا فكشف عنهم، فأنزل الله هذه الآية. والمعنى أخذناهم بالجوع فما أطاعوا. وقال الأصم: العذاب هو ما نالهم يوم بدر من القتل والأسر يعني أن ذلك مع شدة ما دعاهم إلى الإيمان. وقيل: المراد من عُذِّبَ من الأمم الخالية. "فَمَا اسْتَكَانُوا" أي: مشركو العرب. قوله: "فَمَا اسْتَكَانُوا" تقدم وزن (استكان) في آل عمران. وجاء الأول ماضياً والثاني مضارعاً، ولم يجيئا ماضيين، ولا مضارعين ولا جاء الأول مضارعاً والثاني ماضياً، لإفادة الماضي وجود الفعل وتحققه، وهو بالاستكانة أليق، بخلاف التضرع فإنه أخبر عنهم بنفي ذلك في الاستقبال وأما الاستكانة فقد توجد منهم. وقال الزمخشري: فإن قلت: هَلاَّ قيل: وما تَضرّعوا (أو) فما يستكينون. قلت: لأنّ المعنى محنّاهم فما وجدت منهم عقيب المحنة استكانة، وما مِنْ عادة هؤلاء أن يستكينوا ويتضرعوا حتى يفتح عليهم باب العذاب الشديد. فظاهر هذا أنَّ (حَتَّى) غاية لنفي الاستكانة والتضرّع. ومعنى الاستكانة طلب السكون، أي: ما خضعوا وما ذلوا إلى ربهم، وما تضرعوا بل مضوا على تمرّدهم. قوله: {حَتَّىٰ إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ}. قرئ "فَتَّحنَا" بالتشديد. قال ابن عباس ومجاهد: يعني القتل يوم بدر. وقيل: الموت وقيل: قيام الساعة. وقيل: الجوع. {إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} آيسون من كل خير. وقرأ السلمي: "مُبْلَسُون" - بفتح اللام - من أبلسه، أي: أدخله في الإبلاس. قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنْشَأَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ} الآية. العطف لا يحسن إلاّ مع المجانسة، فأي مناسبة بين قوله: {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنْشَأَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ} وبين ما قبله؟ والجواب: كأنّه تعالى لمّا بيّن مبالغة الكفار في الإعراض عن سماع الأدلة والاعتبار، وتأمّل الحقائق قال للمؤمنين: هو الذي أعطاكم هذه الأشياء ووفّقكم لها تنبيهاً على أنَّ من لم يُعمل هذه الأعضاء فيما خلقت له فهو بمنزلة عادمها، لقوله: {أية : فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مِّن شَيْءٍ} تفسير : [الأحقاف: 26] وأفرد السمع والمراد الأسماع ثم قال: {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ}. قال أبو مسلم: وليس المراد أنَّ لهم شكراً وإن قَلّ، لكنه كما يقال للكفور والجاحد للنعمة: ما أقلّ شكر فلان. ثم قال: {وَهُوَ ٱلَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ} أي: خلقكم، قال أبو مسلم: ويحتمل بسطكم فيها ذرية بعضكم من بعض حتى كثرتم كقوله: {أية : ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ} تفسير : [الإسراء: 3] أي: هو الذي جعلكم في الأرض متناسلين، ويحشركم يوم القيامة إلى دار لا حاكم فيها سواه، فجعل حشرهم إلى ذلك الموضع حشراً إليه لا بمعنى المكان. ثم قال: {وَهُوَ ٱلَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} أي: نعمة الحياة وإن كانت من أعظم النعم فهي منقطعة وأنّه سبحانه - وإن أنعم بها، فالمقصود منها الانتقال إلى دار الثواب. ثم قال: {وَلَهُ ٱخْتِلاَفُ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} أي: تدبير الليل والنهار في الزيادة والنقصان، ووجه النعمة بذلك معلوم. قال الفراء: جعلهما مختلفين يتعاقبان ويختلفان في السواد والبياض. ثم قال: "أَفَلاَ تَعْقِلُونَ" قرأ أبو عمرو في رواية يعقوب: بياء الغيبة على الالتفات والمعنى: أفلا تعقلون ما ترون صُنْعَهُ فَتعْتبرونَ.
السيوطي
تفسير : أخرج النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي قي الدلائل عن ابن عباس قال: "جاء أبو سفيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد أنشدك الله والرحم فقد أكلنا العلهز- يعني الوبر - بالدم. فأنزل الله {ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون}. وأخرج ابن جرير وأبو نعيم في المعرفة والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس؛ أن ثمامة بن أنال الحنفي "لما أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم وهو أسير فخلى سبيله، لحق باليمامة فحال بين أهل مكة وبين الميرة من اليمامة حتى أكلت قريش العلهز، فجاء أبو سفيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أليس تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين؟ قال: بلى. قال: فقد قتلت الآباء بالسيف، والأبناء بالجوع. فأنزل الله {ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون}". وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في قوله {ولقد أخذناهم بالعذاب} قال: بالسنة والجوع. وأخرج العسكري في المواعظ عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله {فما استكانوا لربهم وما يتضرعون} أي: لم يتواضعوا في الدعاء، ولم يخضعوا، ولو خضعوا لله لاستجاب لهم. وأخرج ابن جرير عن الحسن قال: إذا أصاب الناس من قبل السلطان بلاء فإنما هي نقمة، فلا تستقبلوا نقمة الله بالحمية ولكن استقبلوها بالاستغفار، واستكينوا وتضرعوا إلى الله، وقرأ هذه الآية {ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون}. واخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله {حتى إذا فتحنا عليهم باباً ذا عذاب شديد} قال: قد مضى كان يوم بدر. وأخرج ابن جرير عن ابن جريج {حتى إذا فتحنا عليهم باباً ذا عذاب شديد} قال: يوم بدر. وأخرج ابن جرير عن مجاهد {حتى إذا فتحنا عليهم باباً ذا عذاب شديد} قال: لكفار قريش الجوع وما قبلها من القصة لهم أيضاً.
ابو السعود
تفسير : قولُه تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذْنَـٰهُمْ بِٱلْعَذَابِ} استئنافٌ مسوقٌ للاستشهادِ على مضمونِ الشَّرطيةِ. والمرادُ بالعذابِ ما نالهم يومَ بدرٍ من القتلِ والأسرِ وما أصابَهم من فنونِ العذابِ التي من جملتها القَحْطُ المذكور. واللاَّمُ جوابُ قسمٍ محذوفٍ أي وبالله لقد أخذناهُم بالعذابِ {فَمَا ٱسْتَكَانُواْ لِرَبّهِمْ} بذلك أي لم يخضعوا ولم يتذلَّلوا على أنَّه إمَّا استفعالٌ من الكَوْنِ لأنَّ الخاضع ينتقل من كونٍ إلى كونٍ، أو افتعالٌ من السُّكونِ قد أُشبعت فتحتُه كمنتزاحٍ في مُنتزحٍ. بل أقاموا على ما كانُوا عليه من العُتوِّ والاستكبارِ. وقوله تعالى: {وَمَا يَتَضَرَّعُونَ} اعتراضٌ مُقرِّرٌ لمضمون ما قبل، أي وليس من عادتهم التَّضرعُ إليه تعالى. {حَتَّىٰ إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ} هو عذاب الآخرة كما يُنبىء عنه التَّهويلُ بفتح الباب والوصفُ بالشدَّةِ. وقُرىء فتَّحنا بالتَّشديدِ {إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} أي متحيِّرون آيسون من كلِّ خيرٍ أي محناهم بكلِّ محنةٍ من القتل والأسر والجوع وغير ذلك فما رُؤي منهم لينُ مقادةٍ وتوجهٌ إلى الإسلامِ قط. وأمَّا ما أظهره أبُو سفيانَ فليس من الاستكانةِ له تعالى والتَّضرعِ إليه تعالى في شيءٍ وإنَّما هو نوعُ خُنُوعٍ إلى أنْ يتمَّ غرضُه، فحالُه كما قيل إذا جاعَ ضَغَا وإذا شبِعَ طَغَا. وأكثرُهم مستمرُّون على ذلك إلى أنْ يَرَوا عذابَ الآخرةِ فحينئذٍ يُبلسون. وقيل المرادُ بالبابِ الجوعُ فإنَّه أشدُّ وأعمُّ من القتلِ والأسرِ. والمعنى أخذناهُم أوَّلاً بما جرى عليهم يومَ بدرٍ من قتلِ صناديدِهم وأسرهِم، فما وُجد منهم تضرعٌ واستكانةٌ حتَّى فتحنا عليهم بابَ الجوعِ الذي هو أطمُّ وأتمُّ فأُبلِسُوا السَّاعة وخضعتْ رقابهم وجاءك أعتاهُم وأشدُّهم شكيمةً في العناد يستعطفُك، والوجهُ هو الأوَّلُ. {وَهُوَ ٱلَّذِى أَنْشَأَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَـٰرَ} لتشاهدُوا بها الآياتَ التَّنزيليةَ والتَّكوينيَّةَ {وَٱلأَفْئِدَةَ} لتتفكَّروا بها فيما تُشاهدونَهُ وتعتبروا اعتباراً لائقاً {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} أي شكراً قليلاً غيرَ معتدَ به تشكرون تلك النِّعمَ الجليلةَ لما أنَّ العُمدةَ في الشُّكرِ صرفُ تلك القُوى التي هي في أنفسِها نعمٌ باهرةٌ إلى ما خُلقتْ هي له وأنتُم تخلُّون بذلك إخلالاً عظيماً.
التستري
تفسير : قوله: {فَمَا ٱسْتَكَانُواْ لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ}[76] قال: ما أخلصوا لربهم في العبودية، ولا ذلوا بالوحدانية.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِٱلْعَذَابِ فَمَا ٱسْتَكَانُواْ} [الآية: 76]. قال سهل: ما أخلصوا لربهم فى العبودية، ولا ذلوا بالوحدانية. قال محمد بن حامد: إن الله تعالى دعا عباده بالتعطف فلم يجيبوه، ولم يرجعوا إليه فأنزل بهم الشدائد لعلهم ينتبهون عن غفلتهم، ويستقيظون من رقدتهم. ويطلبون طريق نجاتهم فأبوا إلا استكبارًا على ربهم وعتوًا وتماديًا ولم يخضعوا له فى استكشاف البلاء ولم يشكروا عند تواتر النعماء فأعرض الله عنهم، وطبع على قلوبهم ألا تراه يقول:{وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِٱلْعَذَابِ فَمَا ٱسْتَكَانُواْ لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ}.
القشيري
تفسير : أذقناهم مقدماتِ العذابِ دونَ شدائِده... تنبيهاً لهم، فما انتبهوا وما انزجروا، ولو أنهم إذ رأوا العذاب فزعوا إلى التضرعِ والابتهالِ لأسرع اللَّهُ زواله عنهم، ولكنهم أصرُّوا على باطلهم، لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمراً كان مفعولاً.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولقد اخذناهم بالعذاب} اللام جواب قسم محذوف اى وبالله لقد اخذناهم اى اهل مكة بالعذاب الدنيوى وهو ما اصابهم يوم بدر من القتل والاسر. وفى التأويلات النجمية اذقناهم مقدمات العذاب شدائده تنبيها لهم {فما استكانوا لربهم وما يتضرعون} فما وجدت منهم بعد ذلك استكانة ولا تضرع لربهم ومضوا على العتو والاستكبار والاستكانة الخضوع والذلة والتضرع اظهار الضراغة اى الضعف والذلة ووزن استكان استفعل من الكون لان الخاضع ينتقل من كون الى كون كما قيل استحال اذا انتقل من حال الى حال او افتعل من السكون اشبعت فتحة عينه وصيغة المضارع فى وما يتضرعون لرعاية الفواصل، وفى الارشاد هو اعتراض مقرر لمضمون ماقبله اى وليس من عادتهم اليه تعالى.
الطوسي
تفسير : يقول الله تعالى انا اخذنا هؤلاء الكفار الذين ذكرناهم بالعذاب. وقيل: هو الجدب وضيق الرزق، والقتل بالسيف {فما استكانوا لربهم} أي لم يذلوا عند هذه الشدائد، ولم يتضرعوا اليه، فيطلبوا كشف البلاء منه تعالى عنهم بالاستكانة له، والاستكانة طلب السكون خوفاً من السطوة. يقال: استكان الرجل استكانة إذا ذل عند الشدة. وقوله {حتى إذا فتحنا عليهم باباً ذا عذاب شديد إذا هم فيه مبلسون} فالفتح فرج الباب بطريق يمكن السلوك فيه، فكأنه فتح عليهم باباً أتاهم منه العذاب. وقيل: ان ذلك حين دعا النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال: "حديث : اللهم سنين كسني يوسف" تفسير : فجاعوا حتى أكلوا العلهز وهو الوبر بالدم فى قول مجاهد. وقال ابن عباس: هو القتل يوم بدر. وقال الجبائي فتحنا عليهم باباً من عذاب جهنم فى الآخرة. والابلاس الحيرة لليأس من الرحمة، يقال: أبلس فلان إبلاساً إذا بهت عند انقطاع الحجة. وقوله {وهو الذي أنشأكم} أي أوجدكم، واخترعكم من غير سبب {وجعل لكم السمع والأبصار} أي وخلق لكم السمع تسمعون به الاصوات والابصار تبصرون بها المرئيات وخلق لكم {الأفئدة} وهو جمع فؤاد، وهو القلب {قليلاً ما تشكرون} نصب {قليلاً} على المصدر و {ما} صلة، وتقديره تشكرون قليلا لهذه النعم التي أنعم بها عليكم. ثم قال {وهو الذي ذرأكم} اي خلقكم وأوجدكم {في الأرض وإليه تحشرون} يوم القيامة، فيجازيكم على أعمالكم إما الثواب أو العقاب. والمراد إلى الموضع الذي يختص تعالى بالتصرف فيه، ولا يبقى لاحد هناك ملك. وقال الفراء: وهو الذي خلق السماوات والارض أي اخترعهما، وانشأهما، وقدرهما على ما فيهما من انواع المخلوقات، ليدل بها على توحيده وألا إله سواه {وله اختلاف الليل والنهار} اي له مرورهما يوماً بعد ليلة. وليلة بعد يوم، كما يقال إذا اتى الرجل الدار مرة بعد مرة: هو يختلف الى هذه الدار. وقيل: معناه وله تدبيرهما بالزيادة والنقصان. ثم قال {أفلا تعقلون} فتفكرون في جميع ذلك، فتعلمون انه لا يستحق الالهية سواه، ولا تحسن العبادة إلا له.
الجنابذي
تفسير : {وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِٱلْعَذَابِ} يعنى القتل يوم بدرٍ او الجوع والقتل والخوف {فَمَا ٱسْتَكَانُواْ لِرَبِّهِمْ} استكان استفعل من الكون بمعنى الذّلّ، او افتعل من السّكون اشبع فتحة الكاف وله النّظير فى لغتهم مثل المنتزاح فى المنتزح يعنى انّهم ما استكانوا حين الابتلاء {وَمَا يَتَضَرَّعُونَ} والحال انّ المقصود من ارسال الرّسل وانزال العذاب تضرّع العباد واستكانتهم لربّهم فكيف يتضرّعون حين رفع العذاب عنهم وقد فسّر الاستكانة بالدّعاء وبالخضوع والتّضرّع بالدّعاء وبرفع اليدين بالدّعاء.
الهواري
تفسير : قوله: {وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ} يعني ذلك الجوع في سبع سنين. {فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ} يقول: لم يؤمنوا، وقد سألوا أن يرفع ذلك عنهم فيؤمنوا. فقالوا: (أية : رَّبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا العَذَابَ) تفسير : [الدخان: 12] وهو ذلك الجوع {إِنَّا مُؤْمِنُونَ}. فكشف الله عنهم فلم يؤمنوا. قال: {حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ} يعني يوم بدر؛ أي: القتل بالسيف، نزلت بمكة قبل الهجرة، فقتلهم الله يوم بدر. قال: {إذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} أي: يئسون [يئسوا من كل خير]. قوله: {وَهُوَ الذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ} يعني سمعهم وأبصارهم وأفئدتهم {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} أي: أقلّكم من يشكر، أي: من يؤمن. قوله: {وَهُوَ الذِي ذَرَأَكُمْ} أي: خلقكم {فِي الأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} أي: يوم القيامة. قوله: {وَهُوَ الذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلاَفُ الّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} يقوله للمشركين، يذكّرهم نعمته عليهم؛ يقول: فالذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة، والذي يحيي ويميت، والذي له اختلاف الليل والنهار قادر على أن يحيي الموتى. قال: {بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الأَوَّلُونَ}. ثم أخبر بذلك القول فقال: {قَالُوا أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ. لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَءَابَآؤُنَا هذَا مِن قَبْلُ} أي: وعدنا أن نبعث نحن وآباؤنا فلم نبعث، كقوله: (أية : فَأتُوا بئَابَآئِنَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)تفسير : [الدخان: 36]. قوله: {إِنْ هذَآ إِلآ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ} أي: كذب الأولين وباطلهم. فأمر الله نبيّه أن يقول لهم: {قُل لِّمَنِ الأَرْضُ وَمَن فِيهَآ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} وقال: {سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُل} أي: وإذا قالوا ذلك فقل {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} فتؤمنوا وأنتم تُقِرّون أن الأرض ومن فيها لله. ثم قال: {قُل} لهم يا محمد {مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ} قال: {سَيَقُولُونَ لِلَّهِ} فإذا قالوا ذلك {قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ} وأنتم تقرون أن الله خالق هذه الأشياء، وهو ربها. وقد كان مشركو العرب يقرّون بهذا كله. ثم قال: {قُلْ} لهم يا محمد {مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ} {مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} أي: ملك كل شيء وخزائنه. {وَهُوَ يُجِيرُ} من يشاء، فيمنعه فلا يوصل إليه {وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ} أي: من أراد أن يعذّبه لم يستطع أحد منعَه {إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}. ثم قال: {سَيَقُولُونَ لِلَّهِ} فإذا قالوا ذلك {قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} أي: عقولكم، يشبّههم بقوم مسحورين، ذاهبة عقولهم. ثم قال: {بَل أَتَيْنَاهُم بِالْحَقِّ} أي: بالقرآن، أنزله الله على النبي عليه السلام {وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}. {مَا اتَّخَذَ اللهُ مِن وَلَدٍ} وذلك لقول المشركين: الملائكة بنات الله. قال: {وَمَا كَانَ مَعَهُ مِن إلهٍ}. وذلك لما عبدوا من الأوثان واتخذوا مع الله الآلهة قال: {إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إلهٍ بِمَا خَلَقَ} [يقول: لو كان معه آلهة إذاً لذهب كل إله بما خلق] {وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ} أي: لطلب بعضهم هلاك ملك بعض، حتى يعلو عليه كما يفعل ملوك الدنيا. {سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ} ينزّه نفسه عما يكذبون. {عَالِمِ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} قال الحسن: الغيب ها هنا ما لم يجئ من غيب الآخرة، والشهادة ما أعلم العباد. {فَتَعَالى} أي: ارتفع الله {عَمَّا يُشْرِكُونَ} رفع نفسه عما قالوا.
اطفيش
تفسير : {وَلَقَدْ أَخَذْنَّاهُمْ بِالْعَذَابِ} بقتل صناديدهم يوم بدر واسرهم * {فَمَا اسْتَكَانُوا} خضعوا وتواضعوا واستكان افتعل من السكون اشبعت فتحته أو هو استفعل من الكون فالالف على هذا بعد الكاف بدل من عين الكلمة والسين زائدة عكس الاول والمعنى على هذا الثاني وهو أولى لما في الاول من الاشباع انهم ما انتقلوا عن طغيانهم يقال استكان اي انتقل من حال لحال مثل استحال. {لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ} فكما لم يكفوا عن الطغيان بقتلهم واسرهم كذلك لا يكفون بكشف الجوع ولو كان اعظم من القتل والاسر وعبر في جانب الاستكانة بالماضي وفي جانب التضرع بالمضارع لان المراد لم توجد منهم عقب المحنة استكانة وانه ليس من عادتهم التضرع فيتضرعون للاستمرار ولذلك لم يقل فما استكانوا لربهم وما تضرعوا ولم يقل فما يستكينون لربهم وما يتضرعون. والتضرع الرغبة إلى الله في الدعاء. وقيل: العذاب الجوع فالمعنى ان رحمناهم بازالة الضر وهو الجوع لم يكفوا عن طغيانهم ولقد اخذناهم بهذا الجوع فما انابوا الينا ولم يزيدوا على ان استرحموك بعد ما وصل بهم الجوع الغاية {حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ} وهو باب الجوع الذي هو اشد من القتل والاسر لانه عمهم وطال وكان في انفسهم فاما القتل فاصيب به المقتول والحي يتوجع بموته ثم ينساه وليس التوجع به عاما لهم والاسير حي يطعم ويشرب ويرجى فكه وليس ضره عاما (وحتى) للابتداء وليست (حتى الابتدائية) خارجة عن معنى الغاية البتة وغايتها متعلقة بقوله ما يتضرعون * {إِذا} للمفاجأة رابطة للجواب {هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} آيسون من كل خير حتى جاءك اغناهم يستعطفك. وقيل: الابلاس السكوت مع التحير. وقال ابن عباس: هذا الباب الذي هو ذو عذاب شديد القتل ببدر وعليه الشيخ العلامة هود رحمه الله وارضاه قال: نزلت بمكة قبل الهجرة فقتلهم يوم بدر فيكون الكلام مبدأه وما يتضرعون ومنتهاه مبلسون. فافهم وفيه متعلق بـ (مبلسون) ومبلسون خبر أو حال من ضمير (مبلسون) المستتر أو هما خبر ان. وقيل: هذا الباب هو باب الموت. وقيل: باب الساعة وقرئ (فتحنا) بالتشديد للمبالغة.
اطفيش
تفسير : {ولقد أخذناهم بالعَذَاب} الجوع سبعاً، أو جوع قطع الميرة، أو قتل بدر {فما اسْتَكانوا} خضعوا للتوحيد والعمل الصالح، ما انتقلوا من كون الكبر الى كون الخضوع، كاستحجر الطين صار كحجر، يقال كنت له أى خضع {لربهم وما يتضرعون} الى الله عز وجل بالايمان، أى ليس من عادتهم التضرع وتجدده.
الالوسي
تفسير : {وَلَقَدْ أَخَذْنَـٰهُمْ بِٱلْعَذَابِ} إلى آخره فيكون الجوع مراداً من العذاب المذكور فيه على ذلك، ولا يرد على من قال به قوله تعالى: {فَمَا ٱسْتَكَانُواْ} فما خضعوا بذلك {لِرَبّهِمُ} لأن له أن يقول: المراد بالخضوع له عز وجل الانقياد لأمره سبحانه والإيمان به جل وعلا وما كان منهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس منه في شيء، والمشهور أن المراد بالعذاب ما نالهم يوم بدر من القتل والأسر، ولا يرد على من فسر العذاب في قوله سبحانه { أية : حَتَّىٰ إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِٱلْعَذَابِ } تفسير : [المؤمنون: 64] به أيضاً لزوم المنافاة بين ما هناك من قوله تعالى: { أية : إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ } تفسير : [المؤمنون: 64] وما هنا من نفي الاستكانة لربهم ونفي التضرع / المستفاد من قوله سبحانه: {وَمَا يَتَضَرَّعُونَ} إذ له أن يقول: الجؤار مطلق الصراخ وهو غير الاستكانة لله عز وجل وغير التضرع إليه سبحانه وهو ظاهر، وكذا إذا أريد بالجؤار الصراخ باستغاثة بناء على أن المراد بالاستكانة له تعالى ما علمت آنفاً من الانقياد لأمره عز وجل وأن التضرع ما كان عن صميم الفؤاد والجؤار ما لم يكن كذلك، وكأن التعبير هناك بالجؤار للإشارة إلى أن استغاثتهم كانت أشبه شيء بأصوات الحيوانات، وقيل: ما تقدم لبيان حال المقتولين وما هنا لبيان حال الباقين، وعبر في التضرع بالمضارع ليفيد الدوام إلا أن المراد دوام النفي لا نفي الدوام أي وليس من عادتهم التضرع إليه تعالى أصلاً، ولو حمل ذلك على نفي الدوام كما هو الظاهر لا يرد ما يتوهم من المنافاة بين قوله تعالى: { أية : إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ } تفسير : [المؤمنون: 64] وقوله سبحانه: {وَمَا يَتَضَرَّعُونَ} أيضاً. واستكان استفعل من الكون، وأصل معناه انتقل من كون إلى كون كاستحجر ثم غلب العرف على استعماله في الانتقال من كون الكبر إلى كون الخضوع فلا إجمال فيه عرفا، وقال أبو العباس أحمد بن فارس: سئلت عن ذلك في بغداد لما دخلتها زمن الإمام الناصر وجمع لي علماءها فقلت واستحسن مني: هو مشتق من قول العرب: كنت لك إذا خضعت وهي لغة هذيلية وقد نقلها أبو عبيدة في «الغريبين» وعليه يكون من باب قر واستقر، ولا يجعل من استفعل المبني للمبالغة مثل استعصم واستحسر إلا أن يراد في الآية حينئذ المبالغة في النفي لا نفي المبالغة، وقيل هو من الكين اللحمة المستبطنة في الفرج لذلة المستكين، وجوز الزمخشري أن يكون افتعل من السكون والألف إشباع كما في قوله: شعر : وأنت من الغوائل حين تُرمى ومن ذم الرجال بمنتزاح تفسير : وقوله: شعر : أعوذ بالله من العقراب الشائلات عقد الأذناب تفسير : واعترض بأن الإشباع المذكور مخصوص بضرورة الشعر وبأنه لم يعهد كونه في جميع تصاريف الكلمة واستكان جميع تصاريفه كذلك فهو يدل على أنه ليس مما فيه إشباع.
ابن عاشور
تفسير : استدلال على مضمون قوله { أية : ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون } تفسير : [المؤمنون: 75] بسابق إصرارهم على الشرك والإعراض عن الالتجاء إلى الله وعدم الاتعاظ بأن ما حل بهم من العذاب هو جزاء شركهم. والجملة المتقدمة خطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم وهو يعلم صدقه فلم يكن بحاجة إلى الاستظهار عليه. ولكنه لما كان متعلقاً بالمشركين وكان بحيث يبلغ أسماعهم وهم لا يؤمنون بأنه كلام من لا شك في صدقه، كان المقام محفوفاً بما يقتضي الاستدلال عليهم بشواهد أحوالهم فيما مضى؛ ولذلك وقع قبله { أية : فذرْهم في غمرتهم حتى حين } تفسير : [المؤمنون: 54]، ووقع بعده { أية : قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون } تفسير : [المؤمنون: 84]. والتعريف في قوله {بالعذاب} للعهد، أي بالعذاب المذكور آنفاً في قوله: { أية : حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب } تفسير : [المؤمنون: 64] الخ. ومصبّ الحال هو ما عطف على جملتها من قوله {فما استكانوا لربهم}، فلا تتوهمنّ أن إعادة ذكر العذاب هنا تدل على أنه عذاب آخر غير المذكور آنفاً مستنداً إلى أن إعادة ذكر الأول لا طائل تحتها. وهذه الآية في معنى قوله في سورة الدخان (13 ـــ 15) { أية : أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين ثم تولوا عنه } تفسير : إلى قوله { أية : إنا كاشفوا العذاب قليلاً إنكم عائدون }. تفسير : والمعنى فلم يكن حظهم حين أخذناهم بالعذاب إلا العويل والجؤار دون التوبة والاستغفار. وقيل: هذا عذاب آخر سابق للعذاب المذكور آنفاً فيتركب هذا على التفاسير المتقدمة أنه عذاب الجوع الأول أو عذاب الجوع الثاني بالنسبة لعذاب يوم بدر. والاستكانة: مصدر بمعنى الخضوع مشتقة من السكون لأن الذي يخضع يقطع الحركة أمام من خضع له، فهو افتعال من السكون للدلالة على تمكن السكون وقوته. وألفه ألف الافتعال مثل الاضطراب، والتاء زائدة كزيادتها في استعاذة. وقيل الألف للإشباع، أي زيدت في الاشتقاق فلازمت الكلمة. وليس ذلك من الإشباع الذي يستعمله المستعملون شذوذاً كقول طرفة: شعر : ينباع من ذفري غضوب جسرة تفسير : أي ينبع. وأشار في «الكشاف» إلى الاستشهاد على الإشباع في نحوه إلى قول ابن هرمة: شعر : وأنت من الغوائل حين ترمي ومن ذم الرجال بمنتزاح تفسير : أراد: بمنتزح فأشبع الفتحة. ويبعد أن يكون {استكانوا} استفعالاً من الكون من جهتين: جهة مادته فإن معنى الكون فيه غير وجيه وجهة صيغته لأن حمل السين والتاء فيه على معنى الطلب غير واضح. والتعبير بالمضارع في {يتضرعون} لدلالته على تجدد انتفاء تضرعهم. والتضرع: الدعاء بتذلل، وتقدم في قوله: { أية : لعلهم يتضرعون } تفسير : في سورة الأنعام (42). والقول في جملة {حتى إذا فتحنا عليهم باباً} كالقول في { أية : حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب } تفسير : [المؤمنون: 64]. و(إذا) من قوله {حتى إذا فتحنا عليهم باباً} مثل (إذا) التي تقدمت في قوله {حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب} إلخ. وفتح الباب تمثيل لمفاجأتهم بالعذاب بعد أن كان محجوزاً عنه حسب قوله تعالى: { أية : وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم } تفسير : [الأنفال: 33]. وقريب من هذا التمثيل قوله تعالى { أية : ولو دُخلت عليهم من أقطارها } تفسير : [الأحزاب: 14]. شبهت هيئة إصابتهم بالعذاب بعد أن كانوا في سلامة وعافية بهيئة ناس في بيت مغلق عليهم ففتح عليهم باب البيت من عدو مكروه، أو تقول: شبهت هيئة تسليط العذاب عليهم بهيئة فتح باب اختزن فيه العذاب فلما فتح الباب انهال العذاب عليهم. وهذا كما مثل بقوله: { أية : وفار التنور } تفسير : [هود: 40] وقولهم: طفحت الكأس بأعمال فلان، وقوله تعالى: { أية : فإن للذين ظلموا ذنوباً مثل ذنوب أصحابهم } تفسير : [الذاريات: 59] وقول علقمة: شعر : فحقّ لشاس من نداكَ ذَنوبُ تفسير : ومنه قول الكتّاب: فتح باب كذا على مصراعيه، تمثيلاً لكثرة ذلك وأفاض عليه سجلاً من الإحسان، وقول أبي تمام: شعر : من شاعر وقف الكلام ببابه واكتن في كنفيْ ذراه المنطق تفسير : ووصف {باباً} بكونه {ذا عذاب شديد} دون أن يضاف باب إلى عذاب فيقال: باب عذاب كما قال تعالى: { أية : فصب عليهم ربك سوط عذاب } تفسير : [الفجر: 13] لأن {ذا عذاب}يفيد من شدة انتساب العذاب إلى الباب ما لا تفيده إضافة باب إلى عذاب، وليتأتى بذلك وصف (عذاب) بــــ(شديد) بخلاف قوله {سوط عذاب} فقد استغني عن وصفه بــــ(شديد) بأنه معمول لفعل (صب) الدال على الوفرة. والمراد بالعذاب الشديد عذاب مستقبل. والأرجح: أن المراد به عذاب السيف يوم بدر. وعن مجاهد: أنه عذاب الجوع. وقيل: عذاب الآخرة. وعلى هذا الوجه يجوز أن يكون الباب حقيقة وهو باب من أبواب جهنم كقوله تعالى: { أية : حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها } تفسير : [الزمر: 71]. والإبلاس: شدة اليأس من النجاة. يقال: أبلس، إذا ذل ويئس من التخلص، وهو ملازم للهمزة ولم يذكروا له فعلاً مجرداً. فالظاهر أنه مشتق من البلاس كسحاب وهو المِسح، وأن أصل أبلس صار ذا بَلاس. وكان شعار من زهدوا في النعيم. يقال: لبس المسوح، إذا ترهب. وهنا انتهت الجمل المعترضة المبتدأة بجملة { أية : ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه } تفسير : [المؤمنون: 23] وما تفرع عليها من قوله { أية : فذرهم في غمرتهم حتى حين } تفسير : [المؤمنون: 54] إلى قوله {إذا هم فيه مبلسون}
الشنقيطي
تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه أخذ الكفار بالعذاب، والظاهر أنه هنا: العذاب الدنيوي كالجوع والقحط والمصائب، والأمراض والشدائد، {فَمَا ٱسْتَكَانُواْ لِرَبِّهِمْ} أي ما خضعوا له، ولا ذلوا {وَمَا يَتَضَرَّعُونَ} أي ما يبتهلون إليه بالدعاء متضرعين له، ليكشف عنهم ذلك العذاب لشدة قسوة قلوبهم، وبعدهم من الاتعاظ، ولو كانوا متصفين بما يستوجب ذلك من إصابة عذاب الله لهم. وهذا المعنى الذي ذكره هنا جاء موضحاً في غير هذا الموضع كقوله تعالى في سورة الأنعام: {أية : وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ مَا كَانُواّ يَعْمَلُونَ}تفسير : [الأنعام: 42-43] وقوله في سورة الأعراف: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ ٱلسَّيِّئَةِ ٱلْحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَوْاْ وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا ٱلضَّرَّآءُ وَٱلسَّرَّآءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ}تفسير : [الأعراف: 94-95] إلى غير ذلك من الآيات.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَخَذْنَاهُمْ} (76) - ويَقُولُ تعالى إِنَّه ابْتَلاهُم بالمَصَائِب والشَّدَائِدِ، (كَقَتْلِ سَرَاتِهم يَوْمَ بَدْرٍ.. والشَّدائِد الأُخْرَى التي حَلَّتْ بِهم) فَمَا ردَّهُم ذلكَ عَمَّا هُمْ فيهِ مِنَ الكُفْرِ والعُتُوِّ بَلِ اسْتَمَرُّوا على غَيِّهِم وضَلاَلِهِم، ولَمْ يَخْشَعُوا للهِ (مَا اسْتَكَانُوا)، ولم يَتَضَرَّعُوا إليهِ داعِينَ مُسْتَجِيرِينَ ليَكْشِفَ عَنْهُم ذلكَ البلاءَ. وقد جَاءَ في الصحيحينِ أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم دَعا على قُريْشٍ حينَ اسْتَعْصَوْا عليهِ فَقَالَ (حديث : اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِم بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ) تفسير : أيْ بِسَبْعِ سِنِينَ شِدَادٍ. وقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ إِنَّ أبَا سُفْيَانَ جَاءَ إلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حينما اشْتَدَ الأمرُ فَقَالَ لَهُ: يَا مُحَمَّدُ انْشُدُكَ اللهَ والرَّحِمَ فَقَدْ أكَلْنَا العِلْهِزَ (أي الوَبَرَ والدَّمَ). فَأَنْزَلَ اللهُ تَعالىِ هذهِ الآيَة. فما اسْتَكَانُوا - فَمَا خَضَعُوا وأَظْهُروا المَسْكَنَةَ. ومَا يَتَضَرَّعُونَ - ولا يَتَذَلَّلُونَ إليهِ تَعَالى بالدُّعَاءِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : استكان فلان لا تقال إلا لمَنْ كان مُتحركاً حركةً شريرة، ثم هدأ وسكن، نقول: فلان (انكَنّ) أو استكان وأصلها (كوْن) فالمعنى: طلب وجوداً جديداً غير الوجود الذي كان عليه، أو حالاً غير الحال الذي كان عليه أولاً، فقبل أنْ يستكين ويخضع كان لا بُدَّ مُتمرِّداً على ربه. والوجود نوعان: وجود أولي مطلق، ووجود ثَانٍ بعد الوجود الأولي، كما نقول مثلاً: وُلِد زيد يعني وُجِد زيد وجوداً أولياً، إنما على أيِّ هيئة وُجد؟ جميلاً، قبيحاً .. هذه تحتاج إلى وجود آخر، تقول: كان زيدٌّ هكذا فعل وفاعل لا يحتاج إلى إخبار آخر لأنها للوجود الأول، لكن حين نقول: كان زيد مجتهداً، فهذا هو الوجود الثاني وهو الاجتهاد، وهو وجود ناتج عن الوجود الأول. فكان الأولى هي كان التامة التي وردتْ في قوله تعالى: {أية : وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ..}تفسير : [البقرة: 280] أي: وُجِد ذو عُسْرة، ولا تحتاج في هذه الحالة إلى خبر. ونقول: تمنّى فلان على الله أنْ يُوجَد له ولد، فكان محمد، يعني: وُجِد. أما كان الناقصة فتحتاج إلى خبر؛ لأن (كان) فِعْل يدل على زمان الماضي، والفعل لا بُدَّ أنْ يدل على زمن وحدث؛ لذلك لا بُدَّ لها من الخبر الذي يعطي الحدث تقول: كان زيد مجتهداً، فجاء الخبر ليكمل الفعل الناقص، فكأنك قلتَ: زيد مجتهد. ومعنى {فَمَا ٱسْتَكَانُواْ لِرَبِّهِمْ ..} [المؤمنون: 76] أن خضوعهم واستكانتهم لم تكُنْ لأنفسهم ولا للناس، إنما استكانة لله بأخْذ أوامره بمنتهى الخضوع وبمنتهى الطاعة، لكنهم ما فعلوا وما استكانوا، لا في حال الرحمة وكَشْف الضر، ولا في حال الأَخْذ والعذاب، وكان عليهم أن يعلموا أن الله غيَّر حاله معهم، ومقتضى ذلك أن يُغيِّروا هم أيضاً حالهم مع الله، فيستكينوا لربهم ويخضعوا لأوامره. {وَمَا يَتَضَرَّعُونَ} [المؤمنون: 76] الضراعة: هي الدعاء والذلّة والخضوع لمن أخذ بيدك في شيء، كما جاء في قوله تعالى: {أية : فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ ..} تفسير : [الأنعام: 43] يعني: لجئوا إلى الله وتوجَهوا إليه بالدعاء والاستغاثة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):