٢٣ - ٱلْمُؤْمِنُون
23 - Al-Mu'minoon (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
78
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنْشَأَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ} عرّفهم كثرة نعمه وكمال قدرته. {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} أي ما تشكرون إلا شكراً قليلاً. وقيل: أي لا تشكرون ألْبَتّةَ.
البيضاوي
تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَـٰرَ} لتحسوا بها ما نصب من الآيات. {وَٱلأَفْئِدَةَ } لتتفكروا فيها وتستدلوا بها إلى غير ذلك من المنافع الدينية والدنيوية. {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} تشكرونها شكراً قليلاً لأن العمدة في شكرها استعمالها فيما خلقت لأجله، والإذعان لمانحها من غير إشراك و {مَا} صلة للتأكيد.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِى أَنشَأَ } خلق {لَكُمُ ٱلسَّمْعَ } بمعنى الأسماع {وَٱلأَبْصَٰرَ وَٱلأَفْئِدَةَ } القلوب {قَلِيلاً مَّا } تأكيد للقلة {تَشْكُرُونَ }.
ابن عطية
تفسير : ابتدأ تعالى بتعديد نعم في نفس تعديدها استدلال بها على عظيم قدرته وأنها لا يعزب عنها أمر البعث ولا يعظم و {أنشأ} بمعنى اخترع و {السمع} مصدر فلذلك وحد وقيل أراد الجنس، و {الأفئدة} القلوب وهذه إشارة إلى النطق والعقل وقوله {قليلاً} نعت لمصدر محذوف تقديره شكراً قليلاً ما تشكرون وذهبت فرقة إلى أنه أراد {قليلاً} منكم من يشكر أي يؤمن ويشكر حق الشكر. قال الفقيه الإمام القاضي: والأول أظهر وَذرأ معناه بث وخلق، وقوله {وإليه} فيه حذف مضاف أي إلى حكمه وقضائه، و {تحشرون} يريد البعث، وقوله {وله اختلاف الليل والنهار} أي له القدرة التي عنها ذلك، والاختلاف هنا التعاقب، والكون خلفة، ويحتمل أن يكون الذي هو المغايرة البينة، وقوله {بل} إضراب والجحد مقدر كأنه قال ليس لهم نظر في هذه الآيات أو نحو هذا، و {الأولون} يشير به إلى الأمم الكافرة كعاد وثمود، وقوله {لمبعوثون} أي لمعادون أحياء وقولهم {وآباؤنا} أي حكى المقالة عن العرب فمرادهم من سلف من العالم جعلوهم آباء من حيث النوع واحد وإن حكى ذلك عن الأولين فالأمر مستقيم فيهم، و"الأساطير" قيل هي جمع أسطورة كأعجوبة وأعاجيب وأحدوثة وأحاديث وقيل هي جمع سطر وأسطار وأساطير.
القشيري
تفسير : ذكر عظيمَ مِنَّتِهِ عليهم بأن خَلَقَ لهم هذه الأعضاء، وطالَبَهم بالشكر عليها. وشُكْرُهُمْ عليها استعمالُها في طاعته؛ فَشُكْرُ السَّمْعِ ألا تسمعَ إلا بالله ولله، وشُكْرُ البَصَر ألا تنظرَ إلا بالله ولله، وشكرُ القلب ألاَّ تشهدَ غيرَ الله، وألاَّ تحبَّ به غيرَ الله.
اسماعيل حقي
تفسير : {وهو الذى انشأ} خلق {لكم} لمنافعكم {السمع} وهى قوة فى الاذن بها تدرك الاصوات والفعل يقال له السمع ايضا ويعبر تارة بالسمع عن الاذن: وبالفارسية [كوش] {والابصار} جمع بصر يقال للجارحة الناظرة وللقوة فيها: وبالفارسية[ديده] {والافئدة} جمع فؤاد: وبالفارسية [دل]. قال الراغب هو كالقلب لكن يقال فؤاد اذا اعتبر فيه معنى التفؤد اى التوقد يقال فادت اللحم شويته ولحم فئيد مشوى وخص هذه الثلاثة بالذكر لان اكثر المنافع الدينية والدنيوية متعلق بها {قليلا ما تشكرون} ماصلة لتأكيد القلة اى شكرا قليلا تشكرون هذه النعم الجليلة لان العمدة فى الشكر استعمالها فيما خلقت لاجله وانتم تخلون بها اخلالا عظيما، وفى العيون لم تشكروه لا قليلا ولا كثيرا، يقول الفقير وهذا لان القلة ربما تستعمل فى العدم وهو موافق لحال الكفار. ثم فى الآية اشارة الى معانى ثلاثة. احدها اظهار انعامه العظيم وافضاله الجسيم بهذه النعم الجليلة من السمع والابصار والافئدة، وثانيها مطالبة العباد بالشكر على هذه لنعم. وثالثها الشكاية من العباد اذا لشاكر منهم قليل كما قال تعالى {أية : وقليل من عبادى الشكور}تفسير : وشكر هذه النعم استعمالها فى طاعة المنعم وعبوديته فشكر السمع حفظه عن استماع المنهيات وان لا يسمع الا لله وبالله وعن الله شعر : كذركاه قرآن وبندست كوش به بهتان وباطل شنيدن مكوش تفسير : وشكر البصر حفظه عن النظر الى المحرمات وان ينظر بنظر العبرة لله وبالله والى الله شعر : دوجشم ازبى صنع بارى نكوست زعيب برادر فروكيرو دوست تفسير : وشكر القلب تصفيته عن رين الاخلاق الذميمة وقطع تعلقه عن الكونين فلا يشهد غير الله ولا يحب الا الله شعر : ترابكوهر دل كرده اند امانتدار زدزدامانت حق رانكاه دار ومخسب
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: { وهو الذي أنشأ}: خلق {لكم السمع والأبصار}؛ لتشاهدوا بها عجائب مصنوعاته ودلائل قدرته، أو لتتوصلوا إلى شهود آياته الكونية والتنزيلية، {والأفئدة}؛ لتتفكروا بها فيما تشاهدونه منها وتعتبروا، وخصها بالذكر؛ لأنه يتعلق بها من بالمنافع ما لا يتعلق بغيرها، وقدَّم السمع؛ لأنَّ أكثر العلوم إنما تُنال به، {قليلاً ما تشكرون} أي: شكراً قليلاً غير معتد به تشكرون تلك النعم الجليلة؛ لأن العمدة في الشكر: صرف تلك القوى - التي هي في أنفسها نِعمَ باهرة - إلى ما خلقت له، وأنتم تنتحلون بها ضلالاً عظيماً. {وهو الذي ذرأكم في الأرض} أي: خلقكم وبثكم فيها بالتناسل، {وإليه تُحشرون} أي: تجمعون يوم القيامة بعد تفرقكم، فيجازيكم على إحسانكم وإساءتكم. {وهو الذي يُحيي ويميت}، من غير أن يشاركه في ذلك أحد ولا شيء من الأشياء، {وله اختلافُ الليل والنهار} أي: المؤثر في اختلافهما، {أفلا تعقلون} فتعرفون بالنظر والتأمل أن الكل منا، وأن قدرتنا تعم جميع الممكنات، التي من جملتها البعث والحساب، وقُرئ "يعقلون"؛ بالغيب، على الالتفات؛ لحكاية سوء حال المخاطبين، {بل قالوا} عطف على مضمر يقتضيه المقام، أي: فلم يعقلوا {بل قالوا مثلَ ما قال الأولون} أي: آباؤهم ومن دان دينهم، {قالوا أئذا مِتْنا وكنا تراباً وعظاماً أئنا لمبعوثون}، هو تفسير لما أبهم قبله، أي: قالوا: أُنبعث بعد هذه الحالة، {لقد وُعِدْنَا نحن وآباؤنا هذا} البعث {من قبل}: متعلق بالفعل من حيث إسناده إلى آبائهم لا إليهم، أي: وُعِدَ هذا آباؤنا من قبلُ، أو حال من آبائنا، أي: كائنين من قبل، {إنْ هذا} أي: ما هذا {إلا أساطير الأولين} أي: أكاذيبهم التي سطروها، وهي جمع أسطورة كأُحدوثة وأُعجوبة، أو جمع أسطار، جمع سطر، فيكون جمع الجمع. والله تعالى أعلم. الإشارة: ذكر في الآية خمس نِعَم، يجب على العبد شكر كل واحدة منها، فشُكْر نعمة السمع: أن تسمع به ما ينفع، وتكفه عما لا ينفع، وإذا سمعت خيراً أفشيته، وإذا سمعت شراً دفنته. وشكر نعمة البصر: أن تنظر به في ملكوت السموات والأرض وما بينهما، فتعرف عظمة الصانع، أو تشاهده وتوحده فيها. وشكر نعمة القلوب: أن تعرف بها علام الغيوب، وتُفرده بالوجود في كل مرغوب ومرهوب. وشكر نعمة الإيجاد: أن تكون له عبداً في كل حال. وشكر نعمة الإعادة: أن تتأهب للقائه في كل لحظة وساعة. (وهو الذي يحيي ويميت)؛ يحيي قلوباً بالمعرفة بعد الجهل، ويميت قوباً بالغفلة والجهل بعد العلم واليقظة، وذلك بالسلب بعد العطاء والعياذ بالله. وله اختلاف ليل القبض ونهار البسط على العبد، ثم يُخرجه عنهما؛ ليكون مع الله لا مع شيء سواه. وبالله التوفيق. ثمَّ ذكر دلائل ما أنكروه من البعث
الجنابذي
تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنْشَأَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ} التفات من التّكلّم الى الغيبة بالنّسبة الى المتكلّم، ومن الغيبة الى الخطاب بالنّسبة الى المخاطبين وصرف للخطاب من محمّدٍ (ص) اليهم والجملة حال او معطوفة والمقصود انّه تعالى لم يمنعهم ما به يتدبّروا القول فلم يكن منه تعالى اهمال لما يحتاجون اليه فى تدبير القول لكنّهم لكفرانهم بانعم الله كفروا بمثل هذه النّعم الّتى هى اصل جميع النّعم ولم يستعملوها لما خلقت لاجله من النّظر والعبرة وتمييز الحقّ عن الباطل والمبطل من المحقّ ولذلك قال {قَلِيلاً مَّا} اى شكراً قليلاً {تَشْكُرُونَ} فلا تستعملون النّعم فى وجهها، ولمّا كان المقصود انّه لا مانع من قبله فى قبولهم الرّسالة اتى بهذه الثّلاث الّتى هى المحتاج اليها فى التّدبير والتّمييز دون سائر المدارك والقوى.
اطفيش
تفسير : {وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ} ليسمعوا الآيات ويبصرون افعال الله ويستدلوا ويتفكروا فهذه النعم التي عددها الله عليهم انما جعلها لهم لذلك وغيره من المنافع الدينية والدنيوية فمن لم يستعملها لذلك فكأنه عدمها ولذلك وصفهم بأنهم صم وعمي وانهم كالبهائم وكذلك غير تلك الاعضاء والافئدة القلوب جمع فؤاد. {قَلِيلاً} زمانا قليلا متعلق بـ (تشكرون) او شكرا قليلا مفعول مطلق بـ (تشكرون) {مَا} زائدة لتأكيد قلة الشكر * {تَشْكُرُونَ} وما مصدرية والشكر مبتدأ وقليلا ظرف زمان خبر. وان قلت: كيف اثبت الشكر للمشركين؟ قلت: اما ان القلة هنا بمعنى النفي واما انه عد ما يصدر منهم من مكارم الاخلاق شكرا ولو كان لا ينفعهم واما ان المعنى قلة الشكر منهم بالايمان اي قليل منكم من يؤمن ويشكر. وقيل: الشكر الايمان وخص الاعضاء تلك الاعضاء المذكورة بالذكر لانه يتعلق بها من المنافع ما لم يتعلق بغيرها.
اطفيش
تفسير : {وهُو الَّذى أنْشأ لكم السَّمْع} قدمه لكثرة منافعه، فإنه يسمع ما يبصر، فكأنه أبصره وأفرد، لأنه يدرك به نوع واحدوهو الأصوات، بخلاف الأبصار والأفئدة فإن البصر للأضواء والألوان والأشكال، والفؤاد للأنواع التصور والتصديق، فأخرهما وقال: {والأبصار} لتعتبروا بها فى الخلق {والأفئدة} لتتفكروا وتستدلوا {قليلاً} شكراً قليلاً {ما} صلة لتأكيد القلة، وأجيز أن تكون نافية على أنه لا صدر لها، إذ قدم المفعول المطلق مما بعدها عليها، كأنه قيل ما {تشكُرون} أيها الكفار، ولو شكراً قليلاً خالصاً، وعلى أنها صلة اعتبر لفظ شكرهم إذا تكلموا به مثل ان يقولوا: الحمد لله.
الالوسي
تفسير : {وَهُوَ الَّذي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَـٰرَ} لتحسوا بها الآيات التنزيلية والتكوينية {وَٱلأَفْئِدَةَ} لتتكفروا / بها في الآيات وتستدلوا بها إلى غير ذلك من المنافع، وقدم السمع لكثرة منافعه، وأفرد لأنه مصدر في الأصل ولم يجمعه الفصحاء في الأكثر، وقيل: أفرد لأنه يدرك به نوع واحد من المدركات وهو الأصوات بخلاف البصر فإنه يدرك به الأضواء والألوان والأكوان والأشكال وبخلاف الفؤاد فإنه يدرك به أنواع شتى من التصورات والتصديقات. وفي الآية إشارة إلى الدليل الحسي والعقلي، وتقديم ما يشير إلى الأول قد تقدم فتذكر فما في العهد من قدم. {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} أي شكراً قليلاً تشكرون تلك النعم الجليلة لأن العمدة في الشكر صرف تلك القوى التي هي في أنفسها نعم باهرة إلى ما خلقت هي له فنصب {قَلِيلاً} على أنه صفة مصدر محذوف، والقلة على ظاهرها بناء على أن الخطاب للناس بتغليب المؤمنين، وجوز أن تكون بمعنى النفي بناء على أن الخطاب للمشركين على سبيل الالتفات، وقيل: هو للمؤمنين خاصة وليس بشيء، والأولى عندي كونه للمشركين خاصة مع جواز كون القلة على ظاهرها كما لا يخفى على المتدبر؛ و {مَا} على سائر الأقوال مزيدة للتأكيدة.
ابن عاشور
تفسير : هذا رجوع إلى غرض الاستدلال على انفراد الله تعالى بصفات الإلهية والامتنان بما منح الناس من نعمة لعلهم يشكرون بتخصيصه بالعبادة، وذلك قد انتقل عنه من قوله { أية : وعليها وعلى الفلك تحملون } تفسير : [المؤمنون: 22] فانتقل إلى الاعتبار بآية فُلك نوح عليه السلام فأتبع بالاعتبار بقصص أقوام الرسل عقب قوله تعالى: { أية : وعليها وعلى الفلك تحملون } تفسير : [المؤمنون: 22] فالجملة إما معطوفة على جملة { أية : وإن لكم في الأنعام لعبرة } تفسير : [المؤمنون: 21] والغرض واحد وما بينهما انتقالات. وإما مستأنفة رجوعاً إلى غرض الاستدلال والامتنان وقد تقدمت الإشارة إلى هذا عند قوله تعالى: { أية : ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه } تفسير : [المؤمنون: 23]. وفي هذا الانتقال من أسلوب إلى أسلوب ثم الرجوع إلى الغرض تجديد لنشاط الذهن وتحريك للإصغاء إلى الكلام وهو من أساليب كلام العرب في خطبهم وطوالهم. وسماه السكاكي: قرى الأرواح. وجعله من آثار كرم العرب. وقوله: {وهو الذي أنشأ لكم السمع} تذكير بوحدانية الله تعالى. والأظهر أن يكون ضمير الجلالة مسنداً واسم الموصول مسنداً إليه لأنهم علموا أن منشئاً أنشأ لهم السمع والأبصار، فصاحب الصلة هو الأولى بأن يعتبر مسنداً إليه وهم لما عبدوا غيره نزلوا منزلة من جهل أنه الذي أنشأ لهم السمع فأتى لهم بكلام مفيد لقصر القلب أو الإفراد، أي الله الذي أنشأ ذلك دون أصنامكم. والخطاب للمشركين على طريقة الالتفات، أو لجميع الناس، أو للمسلمين، والمقصود منه التعريض بالمشركين. والإنشاء: الإحداث، أي الإيجاد. وجمع الأبصار والأفئدة باعتبار تعدد أصحابها. وأما إفراد السمع فجرى على الأصل في إفراد المصدر لأن أصل السمع أنه مصدر. وقيل: الجمع باعتبار المتعلقات فلما كان البصر يتعلق بأنواع كثيرة من الموجودات وكانت العقول تدرك أجناساً وأنواعاً جُمِعا بهذا الاعتبار. وأفرد السمع لأنه لا يتعلق إلا بنوع واحد وهو الأصوات. وانتصب {قليلاً} على الحال من ضمير {لكم}. و{ما} مصدرية. والتقدير: في حال كونكم قليلاً شكركم. فإن كان الخطاب للمشركين فالشكر مراد به التوحيد، أي فالشكر الصادر منكم قليل بالنسبة إلى تشريككم غيره معه في العبادة. وإن كان الخطاب لجميع الناس فالشكر عام في كل شكر نعمة وهو قليل بالنسبة لقلة عدد الشاكرين، لأن أكثر الناس مشركون كما قال تعالى: { أية : ولا تجد أكثرهم شاكرين } تفسير : [الأعراف: 17]. وإن كان الخطاب للمسلمين والمقصود التعريض بالمشركين فالشكر عام وتقليله تحريض على الاستزادة منه ونبذ الشرك.
الشنقيطي
تفسير : قد ذكرنا الآيات التي فيها إيضاح لمعنى هذه الآية في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}تفسير : [النحل: 78] وبينا هناك وجه أفراد السمع مع الجمع للأبصار والأفئدة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: أنشأ لكم السمع: أي خلق وأوجد لكم الأسماع والأبصار. والأفئدة: جمع فؤاد وهو القلب. قليلا ما تشكرون: أي ما تشكرون إلاّ قليلا. ذرأكم: أي خلقكم. وإليه تحشرون: أي تجمعون إليه بعد إحيائكم وخروجكم من قبوركم. وله اختلاف الليل والنهار: أي إليه تعالى إيجاد الليل والنهار وظلمة الليل وضياء النهار. أفلا تعقلون: فتعرفوا أن الله هو المعبود الحق إذ هو الرب الحق. إلا أساطير الأولين: أي ما تقولون من البعث والحياة الثانية ما هو إلا حكايات وأساطير وأخبار الأولين، والأساطير جمع أسطورة أي حكاية مسطرة مكتوبة. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في دعوة المنكرين للبعث الآخر إلى الإيمان به بعرض الأدلة العقلية عليهم لعلهم يؤمنون فقال تعالى لهم: {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنْشَأَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ} أي الله الذي خلق لكم أسماعكم وأبصاركم وقلوبكم قادر على إحيائكم بعد موتكم وحشركم إليه تعالى ليحاسبكم ويجزيكم، وقوله: {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} يوبخهم تعالى على كفرانهم نعمه عليهم، إذ أوجد لهم أسماعاً وأبصاراً وأفئدة ولم يحمدوه على ذلك ولم يشكروه بالإِيمان به وبطاعته، وقوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ} أي خلقكم في الأرض، {وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} إذ الذي قدر على خلقكم في الأرض قادر على خلقكم في أرض أخرى بعد أن يميتكم ويحشركم أي يجمعكم إليه ليحاسبكم ويجزيكم. وقوله: {وَهُوَ ٱلَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} أي يحيي النطفة بجعلها مضغة لحم ثم ينفخ فيها الروح فتكون بشراً، ويميتكم بعد انقضاء آجالكم أليس هذا قادراً على إحيائكم بعد موتكم. وقوله تعالى: {وَلَهُ ٱخْتِلاَفُ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} أي ولله تعالى اختلاف الليل والنهار بإيجادهما وتعاقبهما وإدخال أحدهما في الآخر أفلا تعقلون أنَّ من هذه قدرته وتصاريفه في خلقه قادر على بعثكم بعد إماتتكم وقوله تعالى: {بَلْ قَالُواْ مِثْلَ مَا قَالَ ٱلأَوَّلُونَ} أي بدل أن يؤمنوا باليوم الآخر لِما دَلْ عليه من هذه الأدلة التي لا يردها عاقل ولا ينكرها عقل عادوا فقالوا قولة المنكرين من الأمم قبلهم: {قَالُوۤاْ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ} وهو إنكار صريح منهم للبعث الآخر. وقالوا أيضاً ما أخبر تعالى عنهم، وهم يعلنون تكذيبهم لله تعالى ورسوله: {لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَآؤُنَا هَـٰذَا مِن قَبْلُ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} أي لقد وعد هذا آباؤبا من قبل ولم يحصل ما هذا الذي يقال إلا أساطير أي حكايات سطرها الأولون في كتبهم فهي تروى ويتناقلها الناس ولا حقيقة لها ولا وجود. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- وجوب الشكر لله تعالى بطاعته على نعمه ومن بينها نعمة السمع والبصر والقلب. 2- تقرير عقيدة البعث والجزاء بما تضمنت الآيات من الأدلة العديدة على ذلك. 3- سوء التقليد وآثارة في السلوك الإِنساني بحيث ينكر المقلد عقله.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلأَبْصَارَ} (78) - واللهُ تَعالى هُوَ الذي خَلَقَ لَكُمُ السَّمْعَ، لِتَسْمَعُوا بِهِ الأَصْوَاتَ، والأبْصَارَ، لتُبْصِرُوا بها الأشْيَاءَ والمَحْسُوسَاتِ، والعُقُولَ، لِتَفْقَهُوا بِها وتُدْرِكُوا آياتِ اللهِ وحُجَجَهُ في الأَنْفُسِ والآفَاقِ، الدَّالَّةَ على وَحْدَانِّيتِهِ وقُدْرَتِهِ. وَبَعْدَ أنْ عَدَّدَ اللهُ سُبْحَانَه وتعالى هذِهِ النِّعَمَ التي أَنْعَم بِها على البَشَرِ، أشَارَ إلى كُفْرَانِهِم إيَّاها فَقَالَ: ما أَقَلَّ شُكْرَكُم للهِ على هذهِ النِّعَمِ الوَفِيرَةِ (قليلاً ما تَشْكُرُونَ).
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الحق - سبحانه وتعالى - يقول: خلقتُ عبادي من عدم، وأمددتهم بأقوات الحياة ومقوماتها من عدم، ثم جعلتُ لهم منهجاً ينظم حركة حياتهم ويصُون بنيتهم، لأن صاحب الصنعة أعلم بصنعته، وأعلم بما يصلحها، ويعرف غايتها التي خلقها من أجلها، فالذي صنع الثلاجة مثلاً هل صنعها أولاً ثم قال لنا: انظروا في أيِّ شيء تفيدكم هذه الآلة؟ لا، إنما قبل أن يصنعها حدّد مهمتها، والغاية منها، وكذلك خلق الله، ولله المثل الأعلى. والذي خلق وحَدَّد الغاية أعلم بقانون الصيانة الذي يحمي صنعته من الفساد، ويجعلها تؤدي مهمتها على أكمل وجه، فإنْ خالفت قانون الصيانة الذي وضعه لك ربك تفسد حياتك وتتعطّل عن أداء مهمتك التي خلقت لها، وهي عبادة الله وحده لا شريك له: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} تفسير : [الذاريات: 56]. لذلك أمركم إن اختلفتم في شيء أنْ تردوه إلى الله وإلى الرسول، كما ترد الآلة إلى صانعها العالم بطبيعتها وبمواطن الخلل فيها، ونستنبط من هذه المسألة: إذا رأيتَ خللاً في الكون أو فساداً في ناحية من نواحيه، وإذا رأيت عورة من العورات قد ظهرتْ فاعلم أن حُكْماً لله قد عُطِّل. فمثلاً إنْ رأيتَ فقيراً جائعاً عارياً فإما أنه قادر على العمل لكنه قعد عن السعي وخالف قوله تعالى: {أية : فَٱمْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ} تفسير : [الملك: 15] أو: أن القادرين العاملين حرموه حقّه الذي جعله الله له في أموالهم، وخالفوا قوله تعالى: {أية : وَفِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ} تفسير : [الذاريات: 19]. لذلك، فالحق - سبحانه وتعالى - يُجري على عباده من المقادير ما يحفظ لهم توازن الحياة ويسُدُّ حاجة المحتاجين، كما نرى مثلاً أحد الأثرياء يترك بلده، وينتقل إلى بلد آخر يضع فيها أمواله وثرواته، وليس هناك سبب لهذه النقلة إلا أنها خاطر سلَّطه الله عليه ليحفظ به توزيع المال في المجتمع، ولو حسبتها لوجدتَ أن هذا المكان زادت فيه حصيلة الزكاة عن حاجة المحتاجين، فانتقل إلى بلد آخر قلَّت فيه الأموال عن حاجة الفقراء والمحتاجين. وبعد ذلك لم يتركك ربك، بل عرض لك الآيات التي تلفتك إليه، وتُحنِّنك إلى التعرُّف عليه، وهي إما آيات كونية عجيبة تدل على قدرة الله تعالى، أو معجزات تثبت صِدْق الأنبياء في البلاغ عن الله؛ لأن الله تعالى لا يخاطب عباده كل واحد بمفرده، إنما يرسل رسولاً ليُبلِّغهم ثم يُؤيِّده بالمعجزة الدالة على صِدْقه في البلاغ. فحين تنظر في آيات الكون وتستدل بها على وجود خالق قادر لكنك لا تعرف مَنْ هو هذا الخالق يأتي الرسول ليقول لك: إنه الله، وقد ضربنا لذلك مثلاً - ولله المثل الأعلى: هَبْ أن أحداً دَقَّ الباب ونحن جلوس بالداخل فما الذي يحدث؟ نتفق نحن جميعاً على أن طارقاً بالباب. لكن مَنْ هو؟ لا أحد يعلم. فالاتفاق هنا في التعقُّل، وأن هناك قوةً خلف الباب تدقّه، لكن مَنْ هو؟ وماذا يريد؟ لا بُدَّ لمعرفة هذه المسائل من بلاغ عن هذه القوة، وإياك أنْ تقول بالظن: هذا فلان وأنا أقول هذا فلان، إنما علينا أن ننتظر البلاغ منه لنعرف مَنْ هو، وما عليك إلا أنْ تقول: مَنْ بالباب وسوف يخبرك هو عن نفسه، وعن سبب مجيئه، وماذا يريد. ثم بعد ذلك تأتي الآيات التي تحمل منهج الله، وتخبرك أنه يريد منك كذا وكذا. الشاهد: أن هذه الآيات كلها تحتاج إلى وسائل لإدراكها، تحتاج إلى سمع وبصر لنراها ونسمعها، ثم تحتاج إلى عقل لنفكر فيها ونتأملها؛ لذلك يقول سبحانه: {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنْشَأَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ ..} [المؤمنون: 78]. السمع والبصر من الحواس التي سماها العلماء احتياطاً الحواس الخمس الظاهرة أي: أن هناك حواسَّ أخرى لم يكتشفوها، وفعلاً اكتشفها العلم بعد ذلك كحاسة العضل التي تميز بها الثقل، وحاسة البين التي تميز بها الغليظ من الرقيق في الثياب مثلاً، فهذه الأشياء لا تستطيع التعرّف عليها بالحواسِّ الخمس المعروفة. وعُمْدة الحواس: السمع والبصر؛ لأنه إذا جاءني رسول يُبلِّغني عن الله لا بُدَّ أن أسمع منه، فإنْ كنتَ مؤمناً بإله فقد اكتفيتَ بحاسة السمع، وإنْ كنتَ غير مؤمن تحتاج إلى بصر لتبصر به آياته الدالة على وجوده وقدرته، وتستدل بالصَّنْعة على الصانع، وبالخِلْقة على الخالق، وتقف على ما في كوْن الله من الدقة والإحكام والهندسة والإبداع. وهذه مهمة العقل بعد أن تحولت المسموعات والمرئيات إلى قضايا ومبادئ عقلية تحكم حياتك، كما لو رأيتَ النار بعينك ثم لمستها بيدك فأحرقتك فتكوَّنت لديك قضية عقلية مُؤدّاها أن النار لها خاصية الإحراق فلا تلمسها بعد ذلك، وهذه تراها حتى في الطفل الصغير حينما يعجبه قرن الشطة مثلاً فيقضمه فيشعر بحرارته وألمه. فإن رآه بعد ذلك يقول (أوف)، فهذه اللفظة بالنسبة للطفل قضية عقلية تكوَّنَتْ لديه نتيجة تجربة استقرتْ في فؤاده، وأخذها مبدأً يسير عليه في كل حياته، وهكذا من المحسّات ومن تجارب الحياة تتكوَّن لديك قضايا عقلية تستفيد بها فيما بعد. إذن: من وسائل الإدراك تتكوَّن المبادئ والقضايا التي يأخذها العقل، ويفاضل بينها حتى ينتهي إلى قضية ومبدأ يستقر في القلب ونُسمِّيها عقيدة يعني: شيء معقود عليه لا ينحلّ. وحين تتأمل حديث القرآن عن الحواس تجده يُرتِّبها دائماً هذا الترتيب: السمع والبصر والفؤاد لأنها عُمْدة الحواس، فالشمُّ مثلاً والتذوق واللمس لا نحتاج إليه إلا قليلاً، أما السمع والبصر فعليهما تقوم مسألة الدعوة: السمع لسماع البلاغ، والبصر لنرى آيات الله الدالة على قدرته تعالى. وقد أثبت العلم الحديث هذا الترتيب للسمع والبصر والفؤاد مما يدلُّ على أنه ترتيب من خالق عن حكمة وعلم وقدرة، بحيث لا يأتي واحد منها قبل الآخر، كما أثبت علماء وظائف الأعضاء صِدْق هذا الترتيب، فأوّل أداة تؤدي مهمتها في الإنسان هي الأذن ثم العين، وتعمل من ثلاثة إلى عشرة أيام من الولادة، ثم من السمع والبصر توجد القضايا التي يعمل فيها العقل. إذن: فهذا ترتيب خَلْقي وتكويني. كما أن السمع وهو أول حاسّة تؤدي مهمتها في الإنسان هو أيضاً الإدراك الوحيد الذي يصاحب الإنسان في كل أطواره، فالأذن تسمع مثلاً حتى في حالة النوم على خلاف العين؛ ذلك لأن بالسمع يتم الاستدعاء، لذلك تظل تؤدي مهمتها حتى في حال النوم. كما أن العين لا ترى في الظلام ولها غطاء طبيعي ومغاليق تحجب الرؤية، وليست الأذن كذلك، فالصوت إذا خرج تسمعه جميع الآذان، أما المرئيّ فقد يوجد معك في نفس المكان ولا تراه وقد يراه غيرك، إذن: فالمسموع واحد والمرائي متعددة، لذلك قال سبحانه: {ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ ..} [المؤمنون: 78]. فليس لك خيار في السمع، لكن لك خيار في الرؤية، فالمبصرات تتعدد بتعدُّد الأبصار، لكن السمع لا يتعدد بتعدُّد الأسماع. لذلك من إعجازات البيان القرآني في قصة أهل الكهف أن الله تعالى ضرب على آذانهم في الكهف ليناموا ولا تزعجهم الأصوات في هذه الصحراء الدويّة، ولو بقي لهم السمع كشأن الخَلْق جميعاً لما استقر لهم قَرَار طوال هذه الفترة الطويلة، ولأفزعتهم الأصوات. يقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ فِي ٱلْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً} تفسير : [الكهف: 11]. كذلك من آيات الإعجاز في القرآن الكريم أن جميع الآيات التي ذكرتْ السمع والبصر ذكرتْه بهذا الترتيب: السمع والأبصار، إلا في آية واحدة في موقف القيامة قالوا: {أية : رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا ..}تفسير : [السجدة: 12]. فقدَّم البصر على السمع؛ لأن في القيامة تفجؤهم المرائي أولاً قبل أنْ تفجأهم الأصوات، وهذه من مظاهر الدقة في الأداء القرآني المعجز. وكأن الحق سبحانه يقول: لا عُذْر لك عندي فقد أعطيتُك سمعاً لتسمع البلاغ عني من الرسول، وأعطيتُك عَيْناً لتلتفت إلى آيات الكون، وأعطيتُك فؤاداً تفكر به، وتنتهي إلى حصيلة إيمانية تدلُّك على وجود الخالق عز وجل. إذن: ما أخذتُك على غِرَّة، ولا خدعتُك في شيء، إنما خلقتُك من عدم، وأمددتُك من عُدم، ورتبتُ لك منافذ الإدراك ترتيباً منطقياً تكوينياً، فأيُّ عذر لك بعد ذلك .. وإياكم بعد هذا كله أنْ تشغلكم الأهواء، وتصْرفكم عن البلاغ الذي جاءكم على لسان رسولنا. والمتأمل في تركيب كل من الأذن والعين يجد فيهما آيات ومعجزات للخالق - عز وجل - ما يزال العلماء لم يصلوا رغم تقدُّم العلوم إلى أسرارها وكُنْهها. ثم يقول سبحانه في ختام الآية: {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} [المؤمنون: 78] لأن هذه نِعَم وآلاء وآيات لله، كان ينبغي أن تشكر حَقَّ الشكر. البعض يقول في معنى {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} [المؤمنون: 78] أنه تعالى عبَّر عن عدم الشُّكْر بالقلة، وهذا الفهم لا يستقيم هنا؛ لأن الله تعالى أثبت لعباده شكراً لكنه قليل، وربك - عز وجل - يريد شكراً دائماً يصاحب كل نعمة ينعم بها عليك، فساعة ترى الأعمى الذي حُرِم نعمة البصر يتخبَّط في الطريق تقول الحمد لله، تقولها هكذا بالفطرة؛ لأنك تعيش وتتقلب في نعَم الله، لكن لا تتذكرها إلا حين ترى مَنْ حُرِم منها. لذلك، إنْ أردتَ أنْ تدوم لك النعمة فاعقلها بِذكْر الله المنعم قُلْ عند النعمة، أو عند رؤية ما يعجبك في أهل أو مال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، أَلاَ ترى أن الله تعالى جعل الحسد لينبهنا: إنْ أردتَ صيانة النعمة فلا تنسَ المنعِمَ؛ لأنه وحده القادر على حِفْظها وصيانتها، كما نشتري الآن آلة، ونتفق مع صانعها على صيانتها صيانةً دورية مقابل أجر معين. كذلك إنْ قُلْتَ عند النعمة: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، فلن ترى فيها سوءً أبداً، لأنك أيقظتَ بـ "ما شاء الله لا قوة إلا بالله" قانون صيانتها، وجعلتَ حفظها إلى مَنْ صنعها. ولا يُصاب الإنسان في النعمة إلا إذا غفل عن المنعِم وترك الشُّكْر عليها. وأذكر أنه كان في قريتنا رجل من أهل الفهم عن الله، وكان يملك ثلث فدان يزرعه المزروعات التقليدية، وفي أحد الأعوام زرعه قطناً، فجاءت عليه الدودة وكادت تهلكه، فكلَّمه والدي في مسألة الدودة هذه فقال له: يا عم متولي لا تقلق فأنا أؤدي صيانتها يعني: أُخرِج منها الزكاة. ثم يقول الحق سبحانه: {وَهُوَ ٱلَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ ...}.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن إنعامه العظيم وإفضاله العميم بقوله: {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنْشَأَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} [المؤمنون: 78] يُشير إلى ثلاثة معانٍ: أحدها: إظهار أنعامه العظيمة بهذه النعمة الجسيمة من السمع والأبصار والأفئدة. ثانيها: مطالبة العباد بالشكر على هذه النعمة. وثالثها: الشكاية عن العباد أن الشاكر منهم قليل، كما قال تعالى: {أية : وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ} تفسير : [سبأ: 13]، وشكر هذه النعم في استعمالها في طلحة المعم وعبودية، فشكر السمع: حفظاً عن استماع المنهيات وأن لا يسمع إلا لله وبالله وإلى الله، وشكر القلب: تصفيته عن درن الأخلاق الذميمة وقطع تعلقه عن الكونين ولا يشهد غير لله ولا يحب إلا الله. وبقوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [المؤمنون: 79] يشير إلى أن المحادثات من الله بدت وإليه تعود وليس لشيء إمكان الرجوع إلى الحضرة إلا الإنسان ودليله قوله تعالى: {أية : ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ} تفسير : [الفجر: 28] {وَهُوَ ٱلَّذِي يُحْيِي} [المؤمنون: 80] قلوب عباده بنور من الله وتأييد روح منه ليصلح للرجوع إلى الحضرة وعبث النفوس من صفاتها الذميمة لئلا يزاحم القلب بتكدير صفاته وتدنيسه برين مكاسبها فإنه يمرضه ويمنعه عن الرجوع إلى الحضرة، وأيضاً يحيي بعض النفوس باستيفاء شهواتها واتباع هواها {وَيُمِيتُ} بعض القلوب باستيلاء ظلمات صفات النفوس عليها فإن سم قاتل للقلوب {وَلَهُ ٱخْتِلاَفُ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [المؤمنون: 80] اختلاف ليالي المحبين قصارهن مع الهموم طويلة وطوالهن مع السرور قصار لا إلى ونهارهم في قصر ليالي الفراق وطول نهار الوصال، وعلى مثل هذا في معاني الستر والتجلي {بَلْ قَالُواْ مِثْلَ مَا قَالَ ٱلأَوَّلُونَ} [المؤمنون: 81] من غاية الغفلة ونهاية الضلالة. {قَالُوۤاْ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ} [المؤمنون: 82] وإنهم لفي غفلة عما يميت القلوب ويحييها، ويميت النفوس ويحييها كما يميت الأرض كل حسنة ثم يحييها، فيقيسوا البعث والنشور على ذلك بل قالوا بجهلهم وعمى قلوبهم {لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَآؤُنَا هَـٰذَا مِن قَبْلُ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} [المؤمنون: 83] فيه إشارة إلى أن الناس كلهم أهل التقليد من المتقدمين والمتأخرين إلا من هداه الله نور الإيمان إلى التصديق بالتحقيق فإنه المتأخرين هاهنا يقلدون آباءهم المتقدمين في تكذيب الأنبياء والجحود وإنكار البعث. ثم استدل بقوله تعالى: {قُل لِّمَنِ ٱلأَرْضُ وَمَن فِيهَآ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} [المؤمنون: 84-85] بأن الذي هو قادر على الإبراء والإماتة يكون قادراً على الإحياء والإعادة فلا تقلدوا جهالة آبائكم {قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلسَّبْعِ وَرَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ} [المؤمنون: 86-87] فيجتنبون التقليد وبهذا استدل على جهلهم وضلالتهم ليكن حجة عليهم.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى بمننه على عباده الداعية لهم إلى شكره، والقيام بحقه فقال: { وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ } لتدركوا به المسموعات، فتنتفعوا في دينكم ودنياكم، { وَالأبْصَارَ } لتدركوا بها المبصرات، فتنتفعوا بها في مصالحكم. { وَالأفْئِدَةَ } أي: العقول التي تدركون بها الأشياء، وتتميزون بها عن البهائم، فلو عدمتم السمع، والأبصار، والعقول، بأن كنتم صما عميا بكما ماذا تكون حالكم؟ وماذا تفقدون من ضرورياتكم وكمالكم؟ أفلا تشكرون الذي من عليكم بهذه النعم، فتقومون بتوحيده وطاعته؟. ولكنكم، قليل شكركم، مع توالي النعم عليكم. { وَهُوَ } تعالى { الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأرْضِ } أي: بثكم في أقطارها، وجهاتها، وسلطكم على استخراج مصالحها ومنافعها، وجعلها كافية لمعايشكم ومساكنكم، { وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } بعد موتكم، فيجازيكم بما عملتم في الأرض، من خير وشر، وتحدث الأرض التي كنتم فيها بأخبارها { وَهُوَ } تعالى وحده { الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ } أي: المتصرف في الحياة والموت، هو الله وحده، { وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ } أي: تعاقبهما وتناوبهما، فلو شاء أن يجعل النهار سرمدا، من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه؟ ولو شاء أن يجعل الليل سرمدا، من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تبصرون؟. (أية : ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون). تفسير : ولهذا قال هنا: { أَفَلا تَعْقِلُونَ } فتعرفون أن الذي وهب لكم من النعم، السمع، والأبصار، والأفئدة، والذي نشركم في الأرض وحده، والذي يحيي ويميت وحده، والذي يتصرف بالليل والنهار وحده، أن ذلك موجب لكم، أن تخلصوا له العبادة وحده لا شريك له، وتتركوا عبادة من لا ينفع ولا يضر، ولا يتصرف بشيء، بل هو عاجز من كل وجه، فلو كان لكم عقل لم تفعلوا ذلك.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):