٢٣ - ٱلْمُؤْمِنُون
23 - Al-Mu'minoon (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
80
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ ٱخْتِلاَفُ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} أي جعلهما مختلفَين؛ كقولك: لك الأجر والصّلة؛ أي إنك تؤجِر وتوصِل؛ قاله الفرّاء. وقيل: اختلافهما نقصان أحدهما وزيادة الآخر. وقيل: اختلافهما في النور والظلمة. وقيل: تكررهما يوماً بعد ليلة وليلة بعد يوم. ويحتمل خامساً: اختلاف ما مضى فيهما من سعادة وشقاء وضلال وهدى. {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} كُنْهَ قدرته وربوبيّته ووحدانيّته، وأنه لا يجوز أن يكون له شريك من خلقه، وأنه قادر على البعث. ثم عيّرهم بقولهم وأخبر عنهم أنهم {قَالُواْ مِثْلَ مَا قَالَ ٱلأَوَّلُونَ قَالُوۤاْ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ } هذا لا يكون ولا يتصوّر. {لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَآؤُنَا هَـٰذَا مِن قَبْلُ} أي من قبل مجيء محمد صلى الله عليه وسلم، فلم نر له حقيقة. {إِنْ هَـٰذَآ} أي ما هذا {إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} أي أباطيلهم وتُرّهاتهم؛ وقد تقدّم هذا كله. قال الله تعالى: {قُل} يا محمد جواباً لهم عما قالوه {لِّمَنِ ٱلأَرْضُ وَمَن فِيهَآ} يخبر بربوبيّته ووحدانيته وملكه الذي لا يزول، وقدرته التي لا تحول؛ فـ{ـسَيَقُولُونَ لِلَّهِ} ولا بُدّ لهم من ذلك. فـ{ـقُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} أي أفلا تتعظون وتعلمون أن من قدر على خلق ذلك ابتداء فهو على إحياء الموتى بعد موتهم قادر. {قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ ٱلسَّبْعِ وَرَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ } يريد أفلا تخافون حيث تجعلون لي ما تكرهون؛ زعمتم أن الملائكة بناتي، وكرهتم لأنفسكم البنات. {قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} يريد السموات وما فوقها وما بينهن، والأرضين وما تحتهن وما بينهن، وما لا يعلمه أحد إلا هو. وقال مجاهد: «ملكوت كلِّ شيء» خزائن كل شيء. الضحاك: ملك كل شيء. والملكوت من صفات المبالغة كالجَبَرُوت والرَّهَبُوت؛ وقد مضى في «الأنعام». {وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ} أي يَمنع ولا يُمنع منه. وقيل: «يُجير» يؤمّن من شاء. «ولا يُجَار عَلَيْه» أي لا يؤمّن من أخافه. ثم قيل: هذا في الدنيا؛ أي من أراد الله إهلاكه وخوفه لم يمنعه منه مانع، ومن أراد نصره وأمنه لم يدفعه من نصره وأمنه دافع. وقيل: هذا في الآخرة، أي لا يمنعه من مستحق الثواب مانع ولا يدفعه عن مستوجب العذاب دافع. {فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ} أي فكيف تخدعون وتصرفون عن طاعته وتوحيده. أو كيف يخيَّل إليكم أن تشركوا به ما لا يضر ولا ينفع! والسحر هو التخييل. وكل هذا احتجاج على العرب المقرين بالصانع. وقرأ أبو عمرو «سيقولون الله» في الموضعين الأخيرين؛ وهي قراءة أهل العراق. الباقون «لله»، ولا خلاف في الأوّل أنه «لله»؛ لأنه جواب لـ«ـقل لمن الأرض ومن فيها» فلما تقدّمت اللام في «لمن» رجعت في الجواب. ولا خلاف أنه مكتوب في جميع المصاحف بغير ألف. وأما من قرأ «سيقولون الله» فلأن السؤال بغير لام فجاء الجواب على لفظه، وجاء في الأوّل «لله» لمّا كان السؤال باللام. وأما من قرأ «لله» باللام في الأخيرين وليس في السؤال لام فلأن معنى «قل مَن ربّ السموات السبعِ ورب العرش العظيم»؛ قل لمن السموات السبع ورب العرش العظيم. فكان الجواب «لله»؛ حين قدّرت اللام في السؤال. وعلّة الثالثة كعلة الثانية. وقال الشاعر:شعر : إذا قيل من ربّ المزالف والقُرَى وربُّ الجياد الجُرْد قلت لخالد تفسير : أي لمن المزالف. والمزالف: البراغيل وهي البلاد التي بين الريف والبرّ الواحدة مزلفة. ودلّت هذه الآيات على جواز جدال الكفار وإقامة الحجة عليهم. وقد تقدم في «البقرة». ونبّهتْ على أن من ابتدأ بالخلق والاختراع والإيجاد والإبداع هو المستحق للألوهية والعبادة.
البيضاوي
تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِى يُحيِ وَيُمِيتُ وَلَهُ ٱخْتِلَـٰفُ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} ويختص به تعاقبهما لا يقدر على غيره فيكون رداً لنسبته إلى الشمس حقيقة أو لأمره وقضائه تعاقبهما، أو انتقاص أحدهما وازدياد الآخر. {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} بالنظر والتأمل أن الكل منا وأن قدرتنا تعم الممكنات كلها وأن البعث من جملتها، وقرىء بالياء على أن الخطاب السابق لتغليب المؤمنين.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِى يُحْىِ } بنفخ الروح في المضغة {وَيُمِيتُ وَلَهُ ٱخْتِلَٰفُ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ } بالسواد والبياض والزيادة والنقصان {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } صنعه تعالى فتعتبرون؟
ابن عبد السلام
تفسير : {اخْتِلافُ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ} بالزيادة والنقصان، أو تعاقبهما.
القشيري
تفسير : يُحْيي لنفوسَ ويُميتُهَا والمعنى في ذلك معلومٌ، وكذلك يحيي القلوبَ ويميتها؛ فموتُ القلب بالكُفْرِ والجُحد، وحياةُ القلبِ بالإيمان والتوحيد، وكما أنَّ للقلوبِ حياةً وموتاً فكذلك للأوقات موتٌ وحياةٌ، فحياةُ الأوقاتِ بيُمْنِ إقباله، وموتُ الأوقاتِ بمحنة إعراضه، وفي معناه أنشدوا: شعر : أموت إذا ذكرتك ثم أحيا فكم أحيا عليك وكم أموت تفسير : قوله: {وَلَهُ ٱخْتِلاَفُ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ}؛ فليس كلُّ اختلافها في ضيائها وظلمتها، وطولها وقِصَرِها، بل ليالي المحبين تختلف في الطول والقِصَر، وفي الروح والنوح؛ فَمِنَ الليالي ما هو أضوأ من اللآلي، ومن النهار ما هو أشدُّ من الحنادس، يقول قائلهم: لياليَّ بعد الظاعنين شُكُولُ. ويقول قائلهم: شعر : وكَمْ لظلامِ الليلِ عِنْدِيَ من يدٍ تُخَبِّرُ أَنَّ المانويةَ تَكْذِبُ تفسير : وقريب من هذا المعنى قالوا: شعر : ليالي وصالٍ قد مَضَيْن كأنَّها لآلي عقودٍ في نحور الكواعبِ وأيامُ هَجْـــرٍ أعقبتهــا كأنَّهــا بياضُ مشيبٍ في سواد الذوائبِ
اسماعيل حقي
تفسير : {وهو الذى يحيى ويميت} من غير ان يشاركه فى ذلك شىء من الاشياء اى يعطى الحياة النطف والتراب والبيض والموتى يوم القيامة ويأخذ الحياة من الاحياء ولم يقل احيى وامات كما قال انشأكم وذرأكم ولكن جاء على لفظ المضارع ليدل على ان الاحياء والاماتة عادته {وله} خاصة {اختلاف الليل والنهار} اى هو المؤثر فى تعاقبهما لا الشمس او فى اختلافهما ازديادا وانتقاصا {أفلا تعقلون} اى اى أتفعلون عن تلك الآيات فلا تعقلون بالنظر والتأمل ان الكل منا وان قدرتنا تعم الممكنات وان العبث من جملتها.
الجنابذي
تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ ٱخْتِلاَفُ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} اى تعاقبهما او زيادة كلّ منهما ونقصانه او اختلاف كلّ مع الآخر بالزّيادة والنّقصان او فى الكيفيّة او فى الاظلام والاضاءة والمراد باللّيل والنّهار صورتهما المشهودة فانّ تعيّش الانسان واسباب تعيّشه منوطة بهما، او اعمّ منهما كأنّه قال: وهو الّذى يجعل سائر المتضادّات بين العباد كما انّه يحيى ويميت ويوجد هذين المتضادّين بين عباده، والّلام فى مثله يجوز ان يكون هى الّلام الدّاخلة على المبدأ او الغاية او المملوك {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} ذلك فتعلّموا انّ من بيده ذلك كلّه حقيق بان يتضرّع عليه ويسأل منه وينقاد له.
اطفيش
تفسير : {وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} كل ما من شأنه الحياة وما من شأنه ان يموت او لا يقدر له مفعول فيكون المراد مجرد اثبات الاحياء والاماتة اللذين هما دليلان عظيمان له {وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} بالزيادة والنقصان والسواد والبياض وتعاقبهما وليس غيره يقدر على ايجاد ذلك الاختلاف فينسب الاختلاف إليه ففيه رد لنسبته إلى الشمس حقيقة أو المعنى ان ذلك الاختلاف لامر الله وقضائه لا من ذاتهما بلا اذنه * {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} صنعه فتعتبرون فلو نظرتم وتأملتم لعلمتم ان الكل منا وان قدرتنا تعم الممكنات ومنها البعث. وعن ابي عمرو (افلا يعقلون) بالتحتية على ان الخطاب السابق للمؤمنين تغليبا وإذا قلنا الخطاب للمؤمنين فلا اشكال في اثبات الشكر. وان قلت: كيف يقلل الشكر؟ إذا قلت ان المؤمن اجتهد ما اجتهد فلا يكون شكره الا قليلا لعظم حق الله ولانه ربما استعمل اعضاءه في غير الطاعة وهي انما خلقت للطاعة.
اطفيش
تفسير : {وهو الَّذى يُحيى} ما حيى {ويميت} ما مات {وله} لا لغيره {اختلاف الليل والنهار} تعاقبهما أو اختلافهما زيادة ونقصاً {أفلا تعقلُون} أأهملتم أنفسكم، أو ألا تتفكرون فلا تعقلون أنا قادرون على كل مسكن، ومنه البعث.
الالوسي
تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِى يُحْيىِ وَيُمِيتُ} من غير أن يشاركه في ذلك شيء من الأشياء {وَلَهُ} تعالى شأنه خاصة {ٱخْتِلَـٰفُ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} أي هو سبحانه وتعالى المؤثر في اختلافهما أي تعاقبهما من قولهم: فلان يختلف إلى فلان أي يتردد عليه بالمجيء والذهاب أو تخالفهما زيادة ونقصاً، وقيل: المعنى لأمره تعالى وقضائه سبحانه اختلافهما ففي الكلام مضاف مقدر، واللام عليه يجوز أن تكون للتعليل {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} أي ألا تتفكرون فلا تعقلون أو أتتفكرون فلا تعقلون بالنظر والتأمل أن الكل صار منا وأن قدرتنا تعم جميع الممكنات التي من جملتها البعث. وقرأ أبو عمرو في رواية {يَعْقِلُونَ} على أن الالتفات إلى الغيبة لحكاية سوء حال المخاطبين [لغيرهم]، وقيل: على أن الخطاب الأول لتغليب المؤمنين وليس بذاك.
ابن عاشور
تفسير : هو من أسلوب { أية : وهو الذي أنشأ لكم السمع } تفسير : [المؤمنون: 78] وأعقب ذكر الحشر بذكر الإحياء لأن البعث إحياء إدماجاً للاستدلال على إمكان البعث في الاستدلال على عموم التصرف في العالم. وأما ذكر الإماتة فلمناسبة التضاد، ولأن فيها دلالة على عظيم القدرة والقهر. ولما كان من الإحياء خلْق الإيقاظ ومن الإماتة خلق النوم كما قال تعالى: { أية : الله يتوفى الأنفس حين موتها } تفسير : [الزمر: 42] الآية عطف على ذلك أن بقدرته اختلاف الليل والنهار لتلك المناسبة، ولأن في تصريف الليل والنهار دلالة على عظيم القدرة، والعلم دلالة على الانفراد بصفات الإلهية وعلى وقوع البعث كما قال تعالى: { أية : كما بدأكم تعودون } تفسير : [الأعراف: 29]. واللام في {له اختلاف الليل والنهار} للملك، أي بقدرته تصريف الليل والنهار، فالنهار يناسب الحياة ولذلك يسمى الهبوب في النهار بعثاً، والليلُ يناسب الموت ولذلك سمى الله النوم وفاةً في قوله: { أية : وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه } تفسير : [الأنعام: 60]. وتقديم المجرور للقصر، أي له اختلاف الليل والنهار لا لغيره، أي فغيره لا تحق له الإلهية. ولما كانت هذه الأدلة تفيد من نظر فيها علماً بأن الإله واحد وأن البعث واقع وكان المقصودون بالخطاب قد أشركوا به ولم يهتدوا بهذه الأدلة جُعلوا بمنزلة غير العقلاء فأنكر عليهم عدم العقل بالاستفهام الإنكاري المفرع على الأدلة الأربعة بالفاء في قوله {أفلا تعقلون}. وهذا تذييل راجع إلى قوله { أية : وإليه تحشرون } تفسير : [المؤمنون: 79] وما بعده.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي يُحْيِ وَيُمِيتُ}. قد قدمنا الآيات الدالة على الإماتتين والإحياءتين، وأن ذلك من أكبر الدواعي للإيمان به جل وعلا في سورة الحج في الكلام على قوله: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ}تفسير : [الحج: 66] وفي سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ}تفسير : [البقرة: 28] الآية. فأغنى ذلك عن إعادته هنا. قوله تعالى: {وَلَهُ ٱخْتِلاَفُ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}. بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن له اختلاف الليل والنهار، يعني: أن ذلك هو الفاعل له وهو الذي يذهب بالليل، ويأتي بالنهار، ثم يذهب بالنهار ويأتي بالليل، واختلاف الليل والنهار، من أعظم آياته الدالة على كمال قدرته، ومن أعظم مننه على خلقه كما بين الأمرين في سورة القصص في قوله تعالى {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلْلَّيْلَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلنَّهَارَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفلاَ تُبْصِرُونَ وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ}تفسير : [القصص: 71-73] الآية. أي لتسكنوا في الليل وتطلبوا معايشكم بالنهار. والآيات الدالة على اختلاف الليل والنهار، من أعظم الآيات الدالة على عظمة الله، واستحقاقه للعبادة وحده كثيرة جداً كقوله تعالى: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ ٱللَّيْلُ وَٱلنَّهَارُ}تفسير : [فصلت: 37] الآية وقوله: {أية : وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلْلَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ}تفسير : [يس: 37] وقوله {أية : يُغْشِي ٱلْلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ}تفسير : [الأعراف: 54] وقوله {أية : وَلاَ ٱلْلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ}تفسير : [يس: 40] وقوله تعالى: {أية : وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ}تفسير : [إبراهيم: 33] الآية. وقوله تعالى: {أية : إِنَّ فِي ٱخْتِلاَفِ ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ}تفسير : [يونس: 6] والآيات بمثل هذا كثيرة جداً، وقوله تعالى: أفلا تعقلون: أي تدركون بعقولكم أن الذي ينشئ السمع والأبصار والأفئدة، ويذرؤكم في الأرض وإليه تحشرون، وهو الذي يحيي ويميت ويخالف بين الليل والنهار أنه الإله الحق المعبود وحده جل وعلا، الذي لا يصح أن يسوى به غيره سبحانه وتعالى علواً كبيراً.
الواحدي
تفسير : {وله اختلاف الليل والنهار} أَي: هو الذي جعلهما مختلفين.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱخْتِلاَفُ} {ٱللَّيْلِ} {يُحْيِي} (80) - وهو الذي وَهَبَ الخَلْقَ الحَيَاةَ بِنَفْخٍ الرُّوح فِيهِم، ثُمَّ يُمِيتُهُم بَعْدَ أنْ كانَ أحْيَاهُم، ثم يُعِيدُ خَلْقَهُم مَرَّةً أُخْرَى يَوْمَ البَعْثِ والنُّشُورِ، وَيجْمَعُهم إليهِ لِلْحِسَابِ، كمَا سَبَقَ أنْ بَدَأَ خَلْقَهُم. وهو الذي سَخَّرَ اللَّيْلَ والنَّهَارَ وَجَعَلَهُما مُتَعاقِبَيْنِ لا يَفْترِقَانِ، وكأنَّما يَطْلُبُ الوَاحِدُ مِنْهُمَا الآخَرَ وجَعَلَهُما مُخْتَلِفَيْنِ طُولاً وقِصراً، يَقْصُرُ هذا تَارَةً ويَطُولُ الآخَرُ، ثم يَطُولُ فَيَقْصُرُ الآخَرُ. وأنْتُمْ يا أيُّها النَّاسُ تَرَونَ كُلَّ ذلِكَ في كُلِّ حِينٍ، أَفَلَيْسَتْ لَكُم عُقُولٌ لِتَتَفَكُّرُوا بِها أنَّ ذلكَ كُلَّهُ لَمْ يُخْلَقْ عَبَثاً ولا مُصَادَفَةً؟ وإنَّما خَلَقَهُ اللهُ بِقُدْرَتِه، وقَدَّرَهُ وضَبَطَهُ، وجَعَلَه خَاضِعاً لَهُ، لِيَسْتَدِلَّ بهِ النَّاسُ عَلى وُجُودِ خَالِقِه القَدِير الوَاحِدِ الأَحَدِ، الذي لا شَرِيكَ لَهُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : {يُحْيِي وَيُمِيتُ ..} [المؤمنون: 80] فِعْلان لا بُدَّ أن ينشآ بعد وجود الحياة ووجود الموت، فالخالق - عز وجل - يُوجِد الحياة أولاً، ويوجد الموت، ثم يجري حدثاً منهما على ما يريده. والحياة سبقتْ الموت في كل الآيات، إلا في آية واحدة في سورة تبارك: {أية : ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ ..} تفسير : [الملك: 2] وعِلَّة ذلك أن الله تعالى يعطي للإنسان بالحياة إرادةً تُنشِىء الحركة في كل أجهزته، ولك أن تتأمل: ما الذي تفعله إنْ أردتَ أن تقوم من مكانك؟ ماذا تفعل إنْ أردتَ تحريك يدك أو قدمك؟ إنها مجرد إرادة وتتحرك أعضاؤك دون أن تدري أو تُجهد نفسك للقيام بهذه الحركات، ودون أن تباشر أي شيء. إذن: بمجرد إرادتك تنفعل لك الجوارح وأنت مخلوق لربك، فإذا كان المخلوق يفعل ما يريد بلا معالجة، فكيف نستبعد هذا في حقِّه - سبحانه وتعالى - ونكذب أنه يقول للشيء: كُنْ فيكون، مع أننا نفعل ما نريد بجوارحنا بمجرد الإرادة، ودون أن نأمرها بشيء أو نقول شيئاً، والله سبحانه وتعالى يقول للشيء: كُنْ فيكون، وأنت تفعل دون أن تقول. وقد قدَّم الحق سبحانه الموتَ في هذه الآية: {أية : ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ ..} تفسير : [الملك: 2]؛ لأن الحياة ستُورث الإنسانَ غروراً في سيطرة إرادته على جوارحه فيطغى، فأراد ربه - عز وجل - أن يُنبهه: تذكّر أنني أميتُ؛ ليستقبل الحياة ومعها نقيضها، فيستقيم في حركة الحياة. وصفة الخَلْق والإماتة صفات لله قديمة قبل أنْ يخلق شيئاً أو يميت شيئاً؛ لأنها صفات ثابتة لله قبل أنْ يباشر متعلقات هذه الصفات كما قلنا، ولله المثل الأعلى: الشاعر حين يقول قصيدة قالها لأنه شاعر ولا نقول: إنه شاعر لأنه قال هذه القصيدة، فلولا صفة الشعر فيه ما قال. وكما أن الحياة مخلوقة، فالموت كذلك مخلوق، وقد يقول قائل: إذا أطلقتَ رصاصة على شخص أردَتْهُ قتيلاً فقد خلقتَ الموت. نقول: الحمد لله أنك لم تدَّع الإحياء واكتفيتَ بالموت، لكن فَرْق بين الموت والقتل، القتل نَقْض للبِنْية يتبعه إزهاق للروح، أما الموت فتخرج الروح أولاً دون نَقْض للبنية. لذلك يقول سبحانه: {أية : وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ..} تفسير : [آل عمران: 144]. والنمرود الذي حَاجَّ إبراهيم - عليه السلام - في ربه أمر بقتل واحد وتَرْك الآخر، وادَّعى أنه أحيا هذا، وأمات هذا، وكانت منه هذه الأعمال سفسطة لا معنى لها، ولو كان على حَقٍّ لأمرَ بإحياء هذا الذي قتله؛ لذلك قطع عليه إبراهيم - عليه السلام - هذا الطريق ونقله إلى مجال آخر لا يستطيع المراوغة فيه. إذن: هَدْم البِنْية يتبعه خروج الروح؛ لأن للروح مواصفات خاصة، بحيث لا تحل إلا في بنية سليمة، وقد أوضحنا هذه المسألة - ولله المثل الأعلى - بلمبة الكهرباء، فقوة الكهرباء كامنة في الأسلاك لا نرى نورها إلا إذا وضعنا اللمبة مكانها، ويكون لها مواصفات بحيث لا تضيء إلا إذا توفرتْ لها هذه الصفات، فإنْ كُسِرَت ينطفىء نورها. ثم يقول تعالى: {وَلَهُ ٱخْتِلاَفُ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ ..} [المؤمنون: 80] الليل يحل بغياب الشمس وحلول الظُّلْمة التي تمنع رؤية الأشياء، وقديماً كانوا يظنون أن الرؤية تتم حين يقع شعاع من العين على المرئي، ثم جاء العالم المسلم الحسن بن الهيثم، فأثبت خطأ هذه النظرية، وقرر أن الرؤية تتم حين يقع شعاع من المرئيّ على العين فتراه، بدليل أنك لا ترى الشيء إنْ كان في الظلام. وظُلْمة الليل تنبهنا إلى أهمية الضوء الذي لا بُدَّ منه لنهتدي إلى حركة الحياة، والإنسان يواجه خطورة إنْ سار في الظلام؛ لأنه إمَّا أن يصطدم بأضعف منه فيحطمه، أو بأقوى منه فيؤلمه ويؤذيه. إذن: لا بُدَّ من وجود النور لتتم به حركة الحياة والسَّعْي في مناكب الأرض، وكذلك لا بُدَّ من الظُّلْمة التي تمنع الإشعاع عن الجسم، فيستريح من عناء العمل، وقد أثبت العلم الحديث خطر الإشعاعات على صحة الإنسان. لذلك يقول تعالى: {وَلَهُ ٱخْتِلاَفُ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ ..} [المؤمنون: 80] فجعلهما يختلفان ويتعاقبان ليؤدي كل منهما وظيفته في الكون، يقول تعالى: {أية : وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ} تفسير : [الليل: 1-2] وطالما أن لكل منهما مهمته، فإياك أن تقلب الليل إلى نهار، أو النهار إلى ليل؛ لأنك بذلك تخالف الطبيعة التي خلقك الله عليها، وانظر إلى هؤلاء الذين يسلكون هذا المسلك فيسهرون الليل حتى الفجر، وينامون النهار حتى المغرب، وكم أحدثوا من فساد في حركة الحياة، فالتلميذ ينام في الدرس، والعامل ينام ويُقصِّر في أداء عمله. والنبي صلى الله عليه وسلم يُنبِّهنا إلى هذه المسألة في قوله: "حديث : ... أطفئوا المصابيح إذا رقدتم" تفسير : لأن الجسم لا يأخذ راحته، ولا يهدأ إلا في الظلمة، فيصبح الإنسان قوياً مستريحاً نشيطاً، واقرأ قول الله تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ لِبَاساً * وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشاً} تفسير : [النبأ: 10-11]. ومن دِقَّة الأداء القرآني أن يراعي هؤلاء الذين يعملون ليلاً، وتقتضي طبيعة أعمالهم السَّهَر، مثل رجال الشرطة وعمال المخابز وغيرهم، فيقول تعالى: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ ..} تفسير : [الروم: 23] فالليل هو الأصل، والنهار لمثل هؤلاء الذين يخدمون المجتمع ليلاً؛ لذلك عليهم أن يجعلوا من النهار ليلاً صناعياً، فيغلقوا النوافذ ويناموا في مكان هادئ؛ ليأخذ الجسم حظه من الراحة والهدوء. إذن: الليل والنهار ليسا ضِدّيْن، إنما هما خَلْقان متكاملان لا متعاندان، وهما كالذكَر والأنثى، يُكمل كل منها الآخر، لا كما يدَّعي البعض أنهما ضدان متقابلان؛ لذلك بعد أن أقسم الحق سبحانه بالليل إذا يغشى، وبالنهار إذا تجلَّى، قال: {أية : وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ} تفسير : [الليل: 3-4] فالليل والنهار كالذكر والأنثى لكل منهما مهمة في حركة الحياة. واختلاف الليل والنهار من حيث الضوء والظُّلْمة والطول والقِصَر وفي اختلاف الأماكن، فالليل لا ينتظم الكون كله، وكذلك النهار، فحين يكون عندك لَيْل فهو عند غيرك نهار، يقول تعالى: {أية : يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ ..} تفسير : [فاطر: 13]. وينتج عن هذا تعدُّد المشارق والمغارب بتعدُّد الأماكن بحيث كل مشرق يقابله مغرب، وكل مغرب يقابله مَشْرق، لدرجة أنهم قالوا: ينشأ ليل ونهار في كل واحد على مليون من الثانية. وينشأ عن هذا كما قلنا استدامة ذِكْر الله على مدى الوقت كله، بحيث لا ينتهي الأذان، ولا تنتهي الصلاة في الكون لحظة واحدة، فأنت تصلي المغرب، وغيرك يصلي العشاء .. وهكذا. إذن: فالحق سبحانه يريد أن يكون مذكوراً في كل الكون بجميع أوقات الصلاة في كل وقت. حتى إن أحد الصوفية وأهل المعرفة يقول مخاطباً الزمن: يا زمن وفيك كل الزمن. يعني: يا ظهر وفيك عصر ومغرب وعشاء وفجر، لكن عند غيري. ومن اختلاف الليل والنهار ينشأ أيضاً الصيف الحار والشتاء البارد، والحق سبحانه وتعالى كلف العبيد كلهم تكليفاً واحداً كالحج مثلاً، وربط العبادات كلها بالزمن الهجري، فالصيف والشتاء يدوران في الزمن، ويتضح هذا إذا قارنت بين التوقيت الهجري والميلادي، وبذلك مَنْ لم يناسبه الحج في الصيف حَجَّ في الشتاء؛ لأن اختلاف التوقيت القمري يُلون السنة كلها بكل الأجواء. لذلك قالوا: إن ليلة القدر تدور في العام كله؛ لأن السابع والعشرين من رمضان يوافق مرة أول يناير، ومرة يوافق الثاني، ومرة يوافق الثالث، وهكذا. ومن اختلاف الليل والنهار أنهما خِلْفة، كما قال تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً}تفسير : [الفرقان: 62]. فنحن نرى الليل يخلُف النهار، والنهار يخلُف الليل، لكن احكم القضية في كل أطوار زمنها، فما دام الحق - سبحانه وتعالى - جعل الليل والنهار خِلْفة، فلا بُدَّ أن يكون ذلك من بداية خلقهما، فلو وُجِد الليل أولاً ثم وُجِد النهار، فلا يكون الليل خِلْفة؛ لأنه لم يسبقه شيء، فهذا يعني أنهما خُلقا معاً، فلما دار الزمن خلف بعضهما الآخر، وهذا لا ينشأ إلا إذا كانت الأرض مُكوَّرة، بحيث يجتمع فيها الليل والنهار في وقت واحد، فالذي واجه الشمس كان نهاراً، والذي واجه الظلمة كان ليلاً. ثم يقول سبحانه: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [المؤمنون: 80] لأن هذه المسائل كان يجب أن تعقلوها خاصة، وقد كانت اختلافات الأوقات مَبْنية على التعقل، أما الآن فهي مَبْنية على النقل، حيث تقاربت المسافات، وصِرْنا نعرف فارق التوقيت بيننا وبين جميع أنحاء العالم بالتحديد. كذلك كان الناس في الماضي ينكرون نظرية كروية الأرض، حتى بعد أن التقطوا لها صوراً أظهرت كرويتها وجدنا من مفكرينا من ينكر ذلك. ونقول: لماذا نقف هذا الموقف من نظريات ثابتة قد سبق قرآنُنَا إلى هذا القول؟ ولماذا نعطي الآخرين فكرة أن ديننا يغفل هذه المسائل، مع أنه قد سبق كل هذه الاكتشافات؟ ولو تأملتَ قوله تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي مَدَّ ٱلأَرْضَ ..} تفسير : [الرعد: 3] لوجدت فيه الدليل القاطع على صِدْق هذه النظرية؛ لأن الأرض الممدودة هي التي لا تنتهي إلى حافة، وهذا لا يتأتّى إلا إذا كانت الأرض كروية بحيث تسير فيها، لا تجد لها نهاية حتى تصل إلى الموضع الذي منه بدأت، ولو كانت الأرض على أي شكل آخر غير الكروي مثل المربع أو المستطيل لكان لها نهاية. لكن لم تتوفر لنا في الماضي الآلات التي تُوضِّح هذه الحقيقة وتُظهرها. إذن: الحق سبحانه في قوله: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [المؤمنون: 80] ينبهنا إلى ضرورة إعمال العقول في المسائل الكونية؛ لأنها ستوفر علينا الكثير في الطريق إلى الله عز وجل، ولماذا يُعمِل الإنسان عقله ويتفنّن مثلاً في ارتكاب الجرائم فَيُرتب لها ويُخطط؟ لكن الله تعالى يكون له بالمرصاد فيُوقِعه في مَزْلَق، فيترك وراءه منفذاً لإثبات جريمته، وثغرة تُوصِّل إليه؛ لذلك يقول رجال القضاء: ليست هناك جريمة كاملة، وهذه مهمة القاضي أو المحقق الذي يحاور المجرم ليصل إلى هذه الثغرة. وكأن الحق - سبحانه وتعالى - يقول: لقد استخدمتَ عقلك فيما لا ينبغي، وسخَّرْته لشهوات نفسك، فلا بُدَّ أن أوقعك في مزلق ينكشف فيه أمرك، فإنْ سترتها عليك مرة فإياك أنْ تتمادى، أو تظنّ أنك أفلتَّ بعقلك وترتيبك وإلاَّ أخذتُك ولو بجريمة لم تفعلها؛ لأنك لا تستطيع أن تُرتِّب بعقلك على الله، وعدالته سبحانه فوق كل ترتيب. كما لو فُضِح إنسان بأمر هو منه بريء، ولحقه الأذى والضرر بسبب هذه الإدانة الكاذبة، فتأتي عدالة السماء فيستر الله عليه فضيحة فعلها جزاءً لما قد أصابه في الأولى، وهذه مسألة لا يفعلها إلا رب. والحق - سبحانه وتعالى - حينما يُنبِّه العقل ويثيره: تفكّر، تدبّر، تعقّل، ليدرك الأشياء الكونية من حوله، فهذا دليل على أنه سبحانه واثق من صَنْعته وإبداعه لكونه؛ لذلك يثير العقول للبحث وللتأمل في هذه الصنعة. وهذه المسألة نلاحظها فيمَنْ يعرض صَنْعته من البشر، فالذي يتقن صَنْعته يعرضها ويدعوك إلى اختبارها والتأكد من جودتها على خلاف الصنعة الرديئة التي يلفّها لك صانعها، ويصرفك عن تأملها حتى لا تكشف عيبها. فحين ينبهك ربك إلى التأمل في صَنْعته فعليك أنْ تدرك المغزى من هذه الإثارة لتصل إلى مراده تعالى لك. ثم يقول الحق سبحانه: {بَلْ قَالُواْ مِثْلَ مَا قَالَ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):