Verse. 2757 (AR)

٢٣ - ٱلْمُؤْمِنُون

23 - Al-Mu'minoon (AR)

قُلْ لِّمَنِ الْاَرْضُ وَمَنْ فِيْہَاۗ اِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُوْنَ۝۸۴
Qul limani alardu waman feeha in kuntum taAAlamoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل» لهم «لمن الأرض ومن فيها» من الخلق «إن كنتم تعلمون» خالقها ومالكها.

84

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه يمكن أن يكون المقصود من هذه الآيات الرد على منكري الإعادة وأن يكون المقصود الرد على عبدة الأوثان، وذلك لأن القوم كانوا مقرين بالله تعالى فقالوا نعبد الأصنام لتقربنا إلى الله زلفى، ثم إنه سبحانه احتج عليهم بأمور ثلاثة: أحدها: قوله: {قُل لِّمَنِ ٱلأَرْضُ وَمَن فِيهَا } ووجه الاستدلال به على الإعادة أنه تعالى لما كان خلقاً للأرض ولمن فيها من الأحياء، وخالقاً لحياتهم وقدرتهم وغيرها، فوجب أن يكون قادراً على أن يعيدهم بعد أن أفناهم. ووجه الاستدلال به على نفي عبادة الأوثان، من حيث إن عبادة من خلقكم وخلق الأرض وكل ما فيها من النعم هي الواجبة دون عبادة ما لا يضر ولا ينفع، وقوله: {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } معناه الترغيب في التدبر ليعلموا بطلان ما هم عليه وثانيها: قوله: {مَن رَّبُّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ ٱلسَّبْعِ وَرَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ } ووجه الاستدلال على الأمرين كما تقدم، وإنما قال: {أَفَلاَ تَتَّقُونَ } تنبيهاً على أن اتقاء عذاب الله لا يحصل إلا بترك عبادة الأوثان والاعتراف بجواز الإعادة وثالثها: قوله تعالى: {قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلّ شَيْءٍ }. إعلم أنه سبحانه لما ذكر الأرض أولاً والسماء ثانياً عمم الحكم ههنا، فقال من بيده ملكوت كل شيء، ويدخل في الملكوت الملك والملك على سبيل المبالغة، وقوله: {وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ } يقال أجرت فلاناً على فلان إذا أغثته منه ومنعته. يعني وهو يغيث من يشاء ممن يشاء، ولا يغيث أحد منه أحداً. أما قوله تعالى: {فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ } فالمعنى أنى تخدعون عن توحيده وطاعته، والخادع هو الشيطان والهوى. ثم بين تعالى بقوله: {بَلْ أَتَيْنَـٰهُمْ بِٱلْحَقّ } أنه قد بالغ في الحجاج عليهم بهذه الآيات وغيرها وهم مع ذلك كاذبون، وذلك كالتوعد والتهديد، وقرىء أتيتهم، وأتيتهم بالضم والفتح وههنا سؤالات: السؤال الأول: قرىء {قُل لِلَّهِ } في الجواب الأول باللام لا غير، وقرىء الله في الأخيرين بغير اللام في مصاحف أهل الحرمين والكوفة والشام وباللام في مصاحف أهل البصرة فما الفرق؟ الجواب: لا فرق في المعنى، لأن قولك من ربه، ولمن هو؟ في معنى واحد. السؤال الثاني: كيف قال: {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } ثم حكى عنهم سيقولون الله وفيه تناقض؟ الجواب: لا تناقض لأن قوله: {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } لا ينفي عملهم بذلك. وقد يقال مثل ذلك في الحجاج على وجه التأكيد لعلمهم والبعث على اعترافهم بما يورد من ذلك.

ابن كثير

تفسير : يقرر تعالى وحدانيته، واستقلاله بالخلق والتصرف والملك؛ ليرشد إلى أنه الله الذي لا إله إلا هو، ولا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له، ولهذا قال لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم أن يقول للمشركين العابدين معه غيره، المعترفين له بالربوبية، وأنه لا شريك له فيها، ومع هذا فقد أشركوا معه في الإلهية، فعبدوا غيره معه، مع اعترافهم أن الذين عبدوهم لا يخلقون شيئاً، ولا يملكون شيئاً ولا يستبدون بشيء، بل اعتقدوا أنهم يقربونهم إليه زلفى؛ {أية : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىٰ} تفسير : [الزمر: 3] فقال: {قُل لِّمَنِ ٱلأَرْضُ وَمَن فِيهَآ} أي: من مالكها الذي خلقها ومن فيها من الحيوانات والنباتات والثمرات وسائر صنوف المخلوقات {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ} أي: فيعترفون لك بأن ذلك لله وحده لا شريك له، فإذا كان ذلك، {قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} أنه لا تنبغي العبادة إلا للخالق الرزاق لا لغيره، {قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ ٱلسَّبْعِ وَرَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ}؟ أي: من هو خالق العالم العلوي بما فيه من الكواكب النيرات والملائكة الخاضعين له في سائر الأقطار منها والجهات، ومن هو رب العرش العظيم، يعني: الذي هو سقف المخلوقات؛ كما جاء في الحديث الذي رواه أبو داود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : شأن الله أعظم من ذلك، إن عرشه على سمواته هكذا» تفسير : وأشار بيده مثل القبة، وفي الحديث الآخر: «حديث : ما السموات السبع والأرضون السبع وما بينهن وما فيهن في الكرسي؛ إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وإن الكرسي بما فيه بالنسبة إلى العرش كتلك الحلقة في تلك الفلاة» تفسير : ولهذا قال بعض السلف: إن مسافة ما بين قطري العرش من جانب إلى جانب مسيرة خمسين ألف سنة، وارتفاعه عن الأرض السابعة مسيرة خمسين ألف سنة، وقال الضحاك عن ابن عباس: إنما سمي عرشاً لارتفاعه. وقال الأعمش عن كعب الأحبار: إن السموات والأرض في العرش كالقنديل المعلق بين السماء والأرض. وقال مجاهد: ما السموات والأرض في العرش إلا كحلقة في أرض فلاة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا العلاء بن سالم، حدثنا وكيع، حدثنا سفيان الثوري عن عمار الدّهني عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: العرش لا يقدر قدره أحد، وفي رواية: إلا الله عز وجل، وقال بعض السلف: العرش من يا قوتة حمراء، ولهذا قال ههنا: {وَرَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ} أي: الكبير. وقال في آخر السورة: {أية : رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ} تفسير : [المؤمنون: 116] أي: الحسن البهي، فقد جمع العرش بين العظمة في الإتساع والعلو والحسن الباهر، ولهذا قال من قال: إنه من يا قوتة حمراء. وقال ابن مسعود: إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار، نور العرش من نور وجهه. وقوله: {سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ} أي: إذا كنتم تعترفون بأنه رب السموات ورب العرش العظيم، أفلا تخافون عقابه، وتحذرون عذابه في عبادتكم معه غيره، وإشراككم به؟ قال أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا القرشي في كتاب "التفكر والاعتبار": حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا عبد الله بن جعفر، أخبرني عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يحدث عن امرأة كانت في الجاهلية على رأس جبل معها ابن لها يرعى غنماً، فقال لها ابنها: يا أمّاه من خلقك؟ قالت: الله. قال: فمن خلق أبي؟ قالت: الله. قال: فمن خلقني؟ قالت: الله. قال: فمن خلق السموات؟ قالت: الله. قال: فمن خلق الأرض؟ قالت: الله. قال: فمن خلق الجبل؟ قالت: الله. قال: فمن خلق هذه الغنم؟ قالت: الله. قال: فإني أسمع لله شأناً، ثم ألقى نفسه من الجبل فتقطع. قال ابن عمر: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يحدثنا هذا الحديث، قال عبد الله بن دينار: كان ابن عمر كثيراً ما يحدثنا بهذا الحديث، قلت: في إسناده عبد الله بن جعفر المديني والد الإمام علي بن المديني، وقد تكلموا فيه، فالله أعلم. {قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ} أي بيده الملك {أية : مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ ءاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ} تفسير : [هود: 56] أي: متصرف فيها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : لا والذي نفسي بيده» تفسير : وكان إذا اجتهد في اليمين قال: «حديث : لا ومقلب القلوب» تفسير : فهو سبحانه الخالق المالك المتصرف، {وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} كانت العرب إذا كان السيد فيهم، فأجار أحداً، لا يخفر في جواره، وليس لمن دونه أن يجير عليه؛ لئلا يفتات عليه، ولهذا قال الله: {وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ} أي: وهو السيد العظيم الذي لا أعظم منه، الذي له الخلق والأمر، ولا معقب لحكمه، الذي لا يمانع ولا يخالف، وما شاء كان، ومالم يشأ لم يكن، وقال الله: {أية : لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـأَلُونَ} تفسير : [الأنبياء: 23] أي: لا يسأل عما يفعل؛ لعظمته وكبريائه وغلبته وقهره وحكمته وعدله، فالخلق كلهم يسألون عن أعمالهم؛ كما قال تعالى: {أية : فَوَرَبِّكَ لَنَسْـأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } تفسير : [الحجر: 92 ــــ 93]. وقوله: {سَيَقُولُونَ لِلَّهِ} أي: سيعترفون أن السيد العظيم الذي يجير ولا يجار عليه هو الله تعالى وحده لا شريك له {قُلْ فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ}؟ أي: فكيف تذهب عقولكم في عبادتكم معه غيره مع اعترافكم وعلمكم بذلك؟ ثم قال تعالى: {بَلْ أَتَيْنَـٰهُمْ بِٱلْحَقِّ} وهو الإعلام بأنه لا إله إلا الله، وأقمنا الأدلة الصحيحة الواضحة القاطعة على ذلك، {وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ} أي: في عبادتهم مع الله غيره، ولا دليل لهم على ذلك، كما قال في آخر السورة: {أية : وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـهَا ءَاخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَـٰفِرُونَ} تفسير : [المؤمنون: 117] فالمشركون لا يفعلون ذلك عن دليل قادهم إلى ما هم فيه من الإفك والضلال، وإنما يفعلون ذلك اتباعاً لآبائهم وأسلافهم الحيارى الجهال، كما قال الله عنهم: {أية : إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَـٰرِهِم مُّقْتَدُونَ} تفسير : [الزخرف: 23].

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُلْ } لهم {لِّمَنِ ٱلأَرْضُ وَمَن فِيهَآ } من الخلق {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } خالقها ومالكها.

الشوكاني

تفسير : أمر الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم أن يسأل الكفار عن أمور لا عذر لهم من الاعتراف فيها، ثم أمره أن ينكر عليهم بعد الاعتراف منهم ويوبخهم فقال: {قُل لّمَنِ ٱلأَرْضُ وَمَن فِيهَا } أي قل يا محمد لأهل مكة هذه المقالة، والمراد بمن في الأرض: الخلق جميعاً، وعبر عنهم بمن تغليباً للعقلاء {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } شيئاً من العلم، وجواب الشرط محذوف، أي إن كنتم تعلمون فأخبروني، وفي هذا تلويح بجهلهم وفرط غباوتهم {سَيَقُولُونَ لِلَّهِ } أي لا بدّ لهم أن يقولوا ذلك؛ لأنه معلوم ببديهة العقل. ثم أمره سبحانه أن يقول لهم بعد اعترافهم: {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } ترغيباً لهم في التدبر وإمعان النظر والفكر، فإن ذلك مما يقودهم إلى اتباع الحق وترك الباطل؛ لأن من قدر على ذلك ابتداء قدر على إحياء الموتى. {قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ السبعِ وَرَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ } جاء سبحانه باللام نظراً إلى معنى السؤال، فإن قولك: من ربه، ولمن هو في معنى واحد، كقولك: من ربّ هذه الدار؟ فيقال: زيد، ويقال: لزيد. وقرأ أبو عمرو، وأهل العراق: "سيقولون الله" بغير لام نظراً إلى لفظ السؤال، وهذه القراءة أوضح من قراءة الباقين باللام، ولكنه يؤيد قراءة الجمهور أنها مكتوبة في جميع المصاحف باللام بدون ألف، وهكذا قرأ الجمهور في قوله: {قل من بيده ملكوت كلّ شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون * سيقولون لله} باللام نظراً إلى معنى السؤال كما سلف. وقرأ أبو عمرو وأهل العراق بغير لام نظراً إلى لفظ السؤال، ومثل هذا قول الشاعر:شعر : إذا قيل من ربّ المزالف والقرى وربّ الجياد الجرد قيل لخالد تفسير : أي لمن المزالف، والملكوت: الملك، وزيادة التاء للمبالغة، نحو جبروت ورهبوت، ومعنى {وَهُوَ يُجْيِرُ }: أنه يغيث غيره إذا شاء ويمنعه {وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ } أي لا يمنع أحد أحداً من عذاب الله ولا يقدر على نصره وإغاثته، يقال: أجرت فلاناً: إذا استغاث بك فحميته، وأجرت عليه: إذا حميت عنه {قُلْ فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ } قال الفراء والزجاج: أي تصرفون عن الحق وتخدعون، والمعنى: كيف يخيل لكم الحق باطلاً والصحيح فاسداً؟ والخادع لهم: هو الشيطان أو الهوى أو كلاهما. ثم بين سبحانه أنه قد بالغ في الاحتجاج عليهم فقال: {بَلْ أَتَيْنَـٰهُمْ بِٱلْحَقّ } أي الأمر الواضح الذي يحقّ اتباعه {وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ } فيما ينسبونه إلى الله سبحانه من الولد والشريك، ثم نفاهما عن نفسه فقال: {مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ } "من" في الموضعين زائدة لتأكيد النفي. ثم بين سبحانه ما يستلزمه ما يدّعيه الكفار من إثبات الشريك، فقال: {إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ } وفي الكلام حذف تقديره لو كان مع الله آلهة لانفرد كل إلٰه بخلقه واستبدّ به وامتاز ملكه عن ملك الآخر، ووقع بينهم التطالب والتحارب والتغالب {وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ } أي غلب القويّ على الضعيف وقهره وأخذ ملكه كعادة الملوك من بني آدم، وحينئذٍ فذلك الضعيف المغلوب لا يستحق أن يكون إلٰهاً، وإذا تقرّر عدم إمكان المشاركة في ذلك، وأنه لا يقوم به إلا واحد تعين أن يكون هذا الواحد هو الله سبحانه، وهذا الدليل كما دلّ على نفي الشريك فإنه يدلّ على نفي الولد؛ لأن الولد ينازع أباه في ملكه. ثم نزّه سبحانه نفسه فقال: {سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ } أي: من الشريك والولد وإثبات ذلك لله عزّ وجلّ {عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ } أي: هو مختص بعلم الغيب والشهادة، وأما غيره فهو وإن علم الشهادة لا يعلم الغيب. قرأ نافع وأبو بكر وحمزة والكسائي: {عالم} بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هو عالم، وقرأ الباقون بالجرّ على أنه صفة لله أو بدل منه. وروي عن يعقوب أنه كان يخفض إذا وصل ويرفع إذا ابتدأ {فَتَعَـٰلَى } الله {عَمَّا يُشْرِكُونَ } معطوف على معنى ما تقدّم كأنه قال: علم الغيب فتعالى، كقولك: زيد شجاع فعظمت منزلته، أي شجع فعظمت، أو يكون على إضمار القول، أي أقول: فتعالى الله، والمعنى: أنه سبحانه متعالٍ عن أن يكون له شريك في الملك. {قُل رَّبّ إِمَّا تُرِيَنّى مَا يُوعَدُونَ } أي إن كان ولا بدّ أن تريني ما يوعدون من العذاب المستأصل لهم. {رَبّ فَلاَ تَجْعَلْنِي فِي ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ } أي قل يا ربّ فلا تجعلني. قال الزجاج: أي إن أنزلت بهم النقمة يا ربّ فاجعلني خارجاً عنهم، ومعنى كلامه هذا: أن النداء معترض، و «ما» في: {إما} زائدة، أي قل ربّ إن تريني، والجواب: {فلا تجعلني} وذكر الربّ مرّتين مرة قبل الشرط، ومرّة بعده مبالغة في التضرع. وأمره الله أن يسأله أن لا يجعله في القوم الظالمين مع أن الأنبياء لا يكونون مع القوم الظالمين أبداً، تعليماً له صلى الله عليه وسلم من ربه كيف يتواضع، وقيل: يهضم نفسه، أو لكون شؤم الكفر قد يلحق من لم يكن من أهله، كقوله: {أية : وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً }تفسير : [الأنفال: 25]. ثم لما كان المشركون ينكرون العذاب، ويسخرون من النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا ذكر لهم ذلك، أكد سبحانه وقوعه بقوله: {وَإِنَّا عَلَىٰ أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَـٰدِرُونَ } أي أن الله سبحانه قادر على أن يري رسوله عذابهم، ولكنه يؤخره لعلمه بأن بعضهم سيؤمن، أو لكون الله سبحانه لا يعذبهم والرسول فيهم. وقيل: قد أراه الله سبحانه ذلك يوم بدر ويوم فتح مكة. ثم أمره سبحانه بالصبر إلى أن ينقضي الأجل المضروب للعذاب فقال: {ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ ٱلسَّيّئَةَ } أي ادفع بالخصلة التي هي أحسن من غيرها وهي الصفح والإعراض عما يفعله الكافر من الخصلة السيئة وهي الشرك. قيل: وهذه الآية منسوخة بآية السيف. وقيل: هي محكمة في حقّ هذه الأمة فيما بينهم، منسوخة في حقّ الكفار {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ } أي ما يصفونك به مما أنت على خلافه، أو بما يصفون من الشرك والتكذيب، وفي هذا وعيد لهم بالعقوبة. ثم علمه سبحانه ما يقوّيه على ما أرشده إليه من العفو والصفح ومقابلة السيئة بالحسنة فقال: {وَقُلْ رَّبّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّيـٰطِينِ } الهمزات جمع همزة، وهي في اللغة: الدفعة باليد أو بغيرها، وهمزات الشياطين: نزغاتهم ووساوسهم كما قاله المفسرون، يقال: همزه ولمزه ونخسه، أي: دفعه، وقيل: الهمز كلام من وراء القفا، واللمز: المواجهة، وفيه إرشاد لهذه الأمة إلى التعوّذ من الشيطان، ومن همزات الشياطين: سورات الغضب التي لا يملك الإنسان فيها نفسه. {وَأَعُوذُ بِكَ رَبّ أَن يَحْضُرُونِ } أمره سبحانه أن يتعوّذ بالله من حضور الشياطين بعد ما أمره أن يتعوّذ من همزاتهم، والمعنى: وأعوذ بك أن يكونوا معي في حال من الأحوال، فإنهم إذا حضروا الإنسان لم يكن لهم عمل إلا الوسوسة والإغراء على الشرّ والصرف عن الخير. وفي قراءة أبيّ: "وقل ربّ عائذاً بك من همزات الشياطين * وعائذاً بك ربّ أن يحضرون". وقد أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلّ شَىْء } قال: خزائن كل شيء. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عنه: {ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ٱلسَّيّئَةَ } يقول: أعرض عن أذاهم إياك. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عطاء: {ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } قال: بالسلام. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو نعيم في الحلية عن أنس في قوله: {ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ٱلسَّيّئَةَ } قال: قول الرجل لأخيه ما ليس فيه، فيقول: إن كنت كاذباً فأنا أسأل الله أن يغفر لك، وإن كنت صادقاً فأنا أسأل الله أن يغفر لي. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود، والترمذي وحسنه، والنسائي، والبيهقي في الأسماء والصفات عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جدّه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا كلمات نقولهنّ عند النوم من الفزع: حديث : بسم الله أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه وشرّ عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون»تفسير : ، قال: فكان عبد الله بن عمرو يعلمها من بلغ من ولده أن يقولها عند نومه، ومن كان منهم صغيراً لا يعقل أن يحفظها كتبها له فعلقها في عنقه. وفي إسناده محمد بن إسحاق، وفيه مقال معروف. وأخرج أحمد عن الوليد بن الوليد أنه قال: يا رسول الله إني أجد وحشة، قال: " حديث : إذا أخذت مضجعك فقل: أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه وشرّ عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون، فإنه لا يحضرك، وبالحريّ لا يضرّك.»p>>

الماوردي

تفسير : قوله: {مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} فيه وجهان: أحدهما: خزائن كل شيء، قاله مجاهد. الثاني: ملك كل شيء، قاله الضحاك. والملكوت من صفات المبالغة كالجبروت والرهبوت. {وَهُوَ يُجِيرُ وَلاَ يُجَارُ علَيْهِ} أي يمنع ولا يُمنع منه، فاحتمل ذلك وجهين: أحدهما: في الدنيا ممن أراد هلاكه لم يمنعه منه مانع، ومن أرد نصره لم يدفعه من نصره دافع. الثاني: في الآخرة لا يمنعه من مستحقي الثواب مانع ولا يدفعه من مستوجب العذاب دافع. {فأَنَّى تُسْحَرونَ} فيه وجهان: أحدهما: فمن أي وجه تصرفون عن التصديق بالبعث. الثاني: فكيف تكذبون فيخيل لكم الكذب حقاً.

ابن عطية

تفسير : أمر الله تعالى نبيه بتوقيفهم على هذه الأشياء التي لا يمكنهم إلا الإقرار بها ويلزم من الإقرار بها أن يؤمنوا بباريها ويذعنوا لشرعه ورسالة رسوله، وقرأ الجميع في الأول {لله} بلا خلاف وفي الثاني والثالث، فقرأ أبو عمرو وحده "لله" جواباً على اللفظ، وقرأ باقي السبعة، "لله" جواباً على المعنى كأنه قال في السؤال لمن ملك {السموات السبع} إذ قولك لمن هذه الدار؟ وقولك من مالك هذه الدار؟ واحد في المعنى ثم جعل التوبيخ مدرجاً بحسب وضوح الحجة شيئاً فشيئاً فوقف على الأرض ومن فيها وجعل بإزاء ذلك التذكر، ثم وقف على {السموات السبع}، و {العرش}، وجعل بإزاء ذلك التقية وهي أبلغ من التذكر وهذا بحسب وضوح الحجة، وفي قوله تعالى: {أفلا تتقون} وعيد، ثم وقف على {ملكوت كل شيء} وفي الإقرار بهذا التزام كل ما تقع به الغلبة في الاحتجاج، فوقع التوبيخ بعد في غاية البلاغة بقوله {فأنى تسحرون} ومعنى {أنى} كيف ومن أين، وفي هذا تقرير سحرهم وهو سؤال عن الهيئة التي سحروا بها، والسحر هنا مستعار لهم وهو تشبيه لما وقع منهم من التخليط ووضع الأفعال والأقوال غير مواضعها بما يقع من المسحور عبر عنهم بذلك، وقالت فرقة {تسحرون} معناه تمنعون، وحكى بعضهم ذلك لغة، وقرأ ابن محيصن "العظيمُ" برفع الميم و {ملكوت} مصدر في بناء مبالغة والإجارة المنع من الإنسان والمعنى أن الله إذا منع أحداً فلا يقدر عليه، وإذا أراد أحداً فلا مانع له، وكذلك في سائر قدرته وما نفذ من قضائه لا يعارض ذلك الشيء ولا يحيله عن مجراه.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {قُل لِّمَنِ ٱلأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ ٱلسَّبْعِ وَرَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ * قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} أَمَر اللَّه تعالى نَبِيَّهُ عليه السلام بتوقيفهم على هذه الأشياء التي لا يمكنهم إلاَّ الإقرارُ بها، ويلزم من الإقرار بها توحيدُ اللَّه وإذعانهم لشرعه ورسالة رسله، وقرأ الجميع في الأَوَّل: «للَّه» بلا خلاف، واخْتُلِفَ في الثاني والثالث، فقرأ أبو عمرو وحدَه: «اللَّه» جواباً على اللفظ، وقرأ باقي السبعة: «للَّه» جواباً على المعنى، كأنه قال في السؤال: لمن ملك السموات السبع؟ وقوله سبحانه: {فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} استعارة وتشبيه لما وقع منهم من التخليط وَوَضْعِ الأفعالِ والأَقوالِ غيرِ مواضعها ما يقع من المسحور؛ عَبَّرَ عنهم بذلك. وقالتَ فرقة: {تُسْحَرُونَ} معناه: تمنعون، وحكى بعضهم ذلك لُغَةً، والإجارة: المنع، والمعنى: أَنَّ اللَّه تعالى إذا أراد منع أحد فلا يقدر عليه، وإذا أراد أخذَه فلا مانِعَ له. وقوله سبحانه: {وإِنَّهُم لَكَاذِبُونَ} أي: فيما ذكروه من الصاحبة، والولد، والشريك، تعالى اللَّه عن قولهم عُلُوّاً كبيراً، وفي قوله سبحانه: {وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـٰهٍ} الآية. دليلُ التمانع وهذا هو الفسادُ الذي تَضَمَّنَهُ قوله تعالى: {أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَا ءَالِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا} تفسير : [الأنبياء:22]. والجزءُ المُخْتَرَعُ مُحَالٌ أَنْ تَتَعَلَّقَ به قدرتان فصاعداً، وقد تقدم الكلامُ على هذا الدليل؛ فَأَغنى عن إعادته. وقوله: {إِذاً} جوابٌ لمحذوف تقديره: لو كان معه إلٰه إذاً لذهب.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {قُل لِّمَنِ ٱلأَرْضُ وَمَن فِيهَآ} الآية. اعلم أنه يمكن أن يكون المقصود من هذه الآيات الرد على منكري الإعادة، وأن يكون المقصود الرد على عبدة الأوثان، لأنّ القوم كانوا مُقرين بالله، وقالوا: نعبد الأصنام لتقربنا إلى الله زلفى، فقال تعالى: قل يا محمد مُجيباً لَهُم يعني يا أهل مكة {لِّمَنِ ٱلأَرْضُ وَمَن فِيهَآ} من الخلق {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} خالقها ومالكها "سَيَقُولُونَ لِلَّهِ" فَلا بُدّ لهم من ذلك، لأنهم يقرون أنها مخلوقة، فقل لهم إذا أقَرُّوا بذلك: "أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ" فتعلمون أنّ من قدر على خلق الأرض ومن فيها ابتداء يقدر على إحيائهم بعد الموت. وفي قوله: {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} سؤال يأتي في قوله: {وَهُوَ يُجِيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} ووجه الاستدلال به على نفي عبادة الأوثان من حيث أن عبادة من خلقهم، وخلق الأرض وكل من فيها هي الواجبة دون عبادة ما لا يضر ولا ينفع. وقوله: {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} معناه الترغيب في التدبّر ليعلموا بطلان ما هم عليه. قوله: {قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ ٱلسَّبْعِ وَرَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ} ووجه الاستدلال بها على الأمرين كما تقدّم. وإنما قال: "أَفَلاَ تَتَقُّونَ" أي: تحذرون، تنبيهاً على أنَّ اتقاء عذاب الله لا يحصل إلاَّ بترك عبادة الأوثان، والاعتراف بجواز الإعادة. قوله: {سَيَقُولُونَ لِلَّهِ} قرأ أبو عمرو "سَيُقُولونَ اللَّهُ" في الأخيرتين من غير لام جر، ورفع الجلالة جواباً على اللفظ لقوله "مَنْ" قوله: {سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ...سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ}، لأنّ المسؤول به مرفوع المحل وهو "مَنْ" فجاء جوابه مرفوعاً مطابقاً له لفظاً، وكذلك رُسِم الموضعان في مصاحف البصرة بالألف. والباقون: "لِلَّهِ" في الموضعين باللام وهو جواب على المعنى؛ لأنه لا فرق بين قوله: {مَن رَّبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ} وبين قوله: لِمَن السَّمَوات، ولا بين قوله: "مَنْ بِيَدِهِ" ولا لمن له الإحسان، وهذا كقولك: مَنْ رَبّ هذه الدار؟ فيقال: زيدٌ، وإن شئت لزيدٍ، لأنّ قولك: من ربُّه؟ ولمن هو؟ في معنى واحد، لأنّ السؤال لا فرق فيه بين أن يقال: لمن هذه الدار؟ ومن ربُّها؟ واللام مرسومة في مصاحفهم فوافق كل مصحفه. ولم يختلف في الأول أنه "لِلَّهِ"، لأنه مرسوم باللام وجاء الجواب باللام كما في السؤال ولو حذفت من الجواب لجاز، لأنه لا فرق بين: "لِمَنِ الأَرْضُ" ومَنْ رَبّ الأرض، إلا أنه لم يقرأ به أحد. قوله: {قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} (لمّا ذكر الأرض أولاً والسماء ثانياً، عمَّم الحكم هاهنا بقوله: {قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ}) ويدخل في الملكوت المِلْك والمُلْك والتاء فيه على سبيل المبالغة. "وَهُوَ يُجِيرُ" أي: يؤمن من يشاء، {وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ} أي: لا يؤمن من أخافه الله، يقال: أجرت فلاناً على فلان إذا منعته منه. قوله: {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} فيه سؤال: وهو كيف قال: {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} ثم حكى عنهم "سَيَقُولُونَ اللَّهُ" وفيه تناقض؟ والجواب: لا تناقض، لأنّ قوله: {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} لا ينفي علمهم بذلك وقد يُقال مثل ذلك في الحِجَاج على وجه التأكيد لعلمهم والبعث على اعترافهم بما يورد من ذلك. وقوله: {فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ} أي: تصرفون عن توحيده وطاعته، والمعنى كيف يحتمل لكم الحق باطلاً. {بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِٱلْحَقِّ} بالصدق، "وإنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ" فيما يدعون من الشرك والولد، وقرئ هنا ببعض ما قرئ به في نظيره. فقرأ ابن إسحاق: "أَتَيْتُهُمْ" بتاء الخطاب، وغيره بتاء المتكلم.

السيوطي

تفسير : أخرج أبو عبيد وابن المنذر عن هرون قال: في مصحف أبي بن كعب {سيقولون لله} كلهن بغير ألف. وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن عاصم الجحدري قال: في الإمام مصحف عثمان بن عفان. قال: الذي كتب للناس لله لله كلهن بغير ألف. وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن أسيد بن زيد قال: في مصحف عثمان بن عفان "سيقولون لله" ثلاثتهن بغير ألف. وأخرج عبد بن حميد عن يحيى بن عتيق قال: رأيت في مصحف الحسن لله لله بغير ألف في ثلاثة مواضع. وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ (لله) بغير ألف كلهن. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {قل من بيده ملكوت كل شيء} قال: خزائن كل شيء.

السلمي

تفسير : قال محمد بن الفضل: من علم أن الأشياء كلها له، ثم رجع فى طلبها إلى سواه مع علمه أنه لا يملك من ذلك شيئًا فإنما ذلك من قلة العقل ورقة الدين.

القشيري

تفسير : أمَرَه - عليه السلام - أَنْ يُلَوِّنَ عليهم الأسئلة، وعَقَّبَ كُلَّ واحدٍ من ذلك - مُخْبِراً عنهم - أنهم سيقولون: لله، ثم لم يَكْتَفِ منهم بقالتهم تلك، بل عاتَبَهم على تجرُّدِ قولهم عن التَّذَكُّر والفَهْمِ والعلم، تنبيهاً على أن القول - وإن كان في نفسه صدقاً - فلم تكن فيه غنية؛ إذ لم يصدر عن علمٍ ويقينٍ. ثم نَبَّهَهُمْ على كمالِ قدرته، وأنَّ القدرة القديمة إذا تعلَّقت بمقدورٍ له ضدٌّ تعلَّقَت بضدِّه، ويتعلق بمثل متعلقه. والعَجَبُ من اعترافهم بكمال أوصاف جلاله، ثم تجويزهم عبادَة الأصنامِ التي هي جماداتٌ لا تحيا، ولا تضرُّ ولا تنفع. ويقال أولاً قال: {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} ثم قال بعده: {أَفَلاَ تَتَّقُونَ} فَقَدَّمَ التذكُرَ على التقوى؛ لأنهم بتذكرهم يَصلُون إلى المغفرة، ثم بعد أن يعرفوه فإنهم يجب عليهم اتقاءُ مخالفته. ثم بعد ذلك: {فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ}؛ أي بعد وضوح الحجة فأيُّ شَكٍّ بَقِيَ حتى تنسبوه إلى السِّحْرِ؟.

اسماعيل حقي

تفسير : {قل لمن الارض ومن فيها} من المخلوقات تغليبا للعقلاء على غيرهم {ان كنتم تعلمون} شيئا ما فأخبرونى به فان ذلك كاف فى الجواب وفيه من المبالغة فى وضوح الامر فى تجهيلهم مالا يخفى

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {قل} يا محمد لمن أنكر البعث: {لِمن الأرضُ ومن فيها} من المخلوقات؛ عاقلاً أو غيره، أي: من أوجدها، ودبر أمرها، {إن كنتم تعلمون} شيئاً؟ والجواب محذوف، أي: فأخبروني؛ فإن ذلك كاف في الجواب، {سيقولون لله}؛ لأنهم مُقرُّون بأنه الخالق، فإن أقروا بذلك {فقل أفلا تذكرون} فتعلمون أنَّ من قدر على خلق السموات والأرض وما فيهن، كيف لا يقدر على إعادة الخلق بعد عدومها؟ فإن الإعادة أهون من البدء. {قل من ربُّ السموات السبع وربُّ العرش العظيم}، أعيد الرب؛ تنويهاً لشأن العرش، ورفعاً لمحله؛ لئلا يكون تبعاً للسموات والأرض، وجوداً وذكراً، ولقد روعي في الأمر بالسؤال الترقي من الأدنى إلى الأعلى، فإن سألتهم (سيقولون لله) أي: هي لله، كقولك: مَن رب هذا الدار؟ فتقول: هي لفلان، وقال الشاعر: شعر : إذَا قِيل: مَن رَبُّ الْمَزالِفِ والْقِرَى ورَبُّ الْجِياد الجُرْدِ؟ قيل: لخَالِدِ تفسير : وقال الأخَفش: اللام زائدة، أي: هو الله، وبعدمه قرأ أهل البصرة، فيه وفيما بعده، واتفقوا على إثباته في الأول، ليطابق السؤال، فإن أجابوا بذلك {فقل أفلا تتقون} أي: أتعلمون ذلك، ولا تتقون عذابه في كفركم وجحودكم قدرته على البعث؟ {قل من بيده ملكوت كل شيء} أي: التصرف التام في كل شيء بقهره وسلطانه، فالملكوت، في أصل اللغة، مبالغة في الملك، زيدت الواو والتاء؛ للمبالغة، كالجبروت؛ مبالغةً في الجبر، وفي عرف الصوفية، الملكوت: ما بطن من أسرار المعاني القائمة بالأواني، أو نقول: ما غاب في عالم الشهادة من أسرار الذات، فحس الأواني مُلك، ومعانيها ملكوت، والجبروت: ما خرج عن دائرة الأكوان من بحر الأسرار، الفائض بأنوار الملكوت، وهذه أسماء لمسمى واحد، وهو بحر الوحدة. ثم قال تعالى: {وهو يُجير} أي: يغيث، يقال: أجرت فلاناً على فلان: إذا أغثته منه، يعني: وهو يغيث من شاء ممن شاء، {ولا يُجار عليه}: ولا يغيث أحد عليه، أي: لا يمنع أحدٌ أحداً بالنصر عليه. {إن كنتم تعلمون} شيئاً ما، أو تعلمون ذلك، فأجيبوني؟ {سيقولون لله} أي: لله ملكوت كل شيء، وهو يُجير ولا يُجار عليه، {قلْ فأنى تُسحرون} أي: فمن أين تُخدعون وتُصرفون عن الرشد، وعن توحيد الله وطاعته؟ فإنَّ من لا يكون مسحوراً مختل العقل لا يكون كذلك، قال تعالى: {بل أتيناهم بالحق} الذي لا محيد عنه؛ من التوحيد والوعد بالبعث، {وإنهم لكاذبون} فيما قالوا من الشرك وإنكار البعث. وبالله التوفيق. الإشارة: قل: لمن أرض النفوس، وما فيها من الأهوية والحظوظ والعلائق؟ سيقولون: هي لله يتصرف فيها كيف يشاء، فتارة يُملِّكها لعبده، فتكون تحت قهره وسلطانه، فيكون حراً من رق الأشياء، وتارة يُملّكه لها بعدله، فيكون تحت قهرها وسلطانها، تتصرف فيه كيف تشاء، ويكون مملوكاً لها، ينخرط في سلك من اتخذ إلهه هواه، قل: من رب سماوات الأرواح وعرش الأسرار والأنوار، وهو القلب الذي هو بيت الرب، قل: سيقولون: لله، يظهرها متى شاء، ويوصلها إلى أصلها كيف شاء، قل: من بيده ملكوت كل شيء، فيتصرف في النفوس والأرواح؛ بالتقريب والتبعيد، وهو يُجير مِن الحظوظ والأهوية مَن يشاء، ويسلطها على مَن يشاء، ولا يُجار عليه، لا يمينع من قهره أحد، فأنَّى تسحرون. قال القشيري: أولاً قال: (أفلا تذكرون)، ثم قال بعده: (أفلا تتقون)؛ قدَّمَ التذكرَ على التقوى؛ لأن بتذكيرهم يَصلُون إلى المعرفة، وبعد أن عرفوه، علموا أنه يجب عليهم اتقاءُ مخالفته، ثم بعد ذلك قال: (فأنى تُسْحَرون)؟ أي: بعد وضوح الحجة، أيُّ شَكٍّ بَقِيَ حتى تَنْسِبُوه إلى السِّحر؟. هـ. ثمَّ أبطل دعوى الولد والشريك

الجنابذي

تفسير : يعنى انّهم يقرّون انّ الخالق هو الله فذكّرهم الاقرار ثمّ نبّههم على انّ الابداء اصعب من الاعادة.

اطفيش

تفسير : {قُل} يا محمد * {لِّمَنِ الأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُم تَعْلَمُونَ} خالقها ومالكها (من) هذه للعاقل وغيره ويجوز ان لا يقدر للعلم مفعول اي (ان كنتم من أهل العلم) وعلى كل حال ففي ذلك استهانة بهم وتجويز لاجل فرط جهلهم بالديانات ان يجهلوا. هذا الواضح الذي لا يمكن انكاره لمن فيه مسكة علم ولذلك اخبر عن جوابهم قبل ان يجيبوا فقال {سَيَقُولُونَ لِلَّهِ} اي هي ومن فيها لله اي لا بد ان يقولوا ذلك لانهم يقرون ان ذلك خلق لله * {قُلْ} بعد ما يقولون ذلك * {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} فتعلمون ان من فطر الارض ومن فيها او لا قادر على ايجادها وايجاد من فيها ثانيا فان اعادة الشيء عندكم اهون من بدئه ولو كانا سواء عند الله فكيف يشرك به مخلوقه والاصل تتذكرون كما يقرأ به بعضهم ابدلت التاء الثانية دالا وادغمت في الذال.

اطفيش

تفسير : {قل لمَن الأرضْ ومن فيها} من العقلاء وغيرهم، غلب العقلاء وهذا بمنزلة أخبرونى بمن ملكها وما فيها، فأغنى عن جواب الشرط فى قوله: {إن كنتُم تعْلمُون} والسين فى قوله: {سيقولون لله} هما لله لتأكيد القول لا للاستقبال، فانهم فى الحال وقبله يقولون وقبله يقولون إنهما لله، وليس المراد أنه تعالى فرض عليه صلى الله عليه وسلم أن يذهب فى الحال، او يجمعهم فيقول لهم لمن الأرض ومن فيها، فإنهم يعلمون ضرورة بمجرد عقولهم أنهما لله عز وجل، وكذا فيما بعد {قل أفلا تذكَّرون} قد اعترفوا بذلك. فقل لهم: تعلمون أنهما لله، وأتقولون هما لله، فلا تذكرون أنه خالقهما أو لا قادر على البعث، وفى بادئ الرأى أن البعث أسهل من الخلق الأول.

الالوسي

تفسير : {قُل لّمَنِ ٱلأَرْضُ وَمَن فِيهَا} من المخلوقات تغليباً للعقلاء على غيرهم / {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} جوابه محذوف ثقة بدلالة الاستفهام عليه أي إن كنتم من أهل العلم ومن العقلاء أو عالمين بذلك فأخبروني به. وفي الآية من المبالغة في الاستهانة بهم وتقرير فرط جهالتهم ما لا يخفى. ويقوي هذا أنه أخبر عن الجواب قبل أن يجيبوا فقال سبحانه:

ابن عاشور

تفسير : استئناف استدلالٍ عليهم في إثبات الوحدانية لله تعالى عاد به الكلام متصلاً بقوله: { أية : وهو الذي يحيي ويميت وله اختلاف الليل والنهار أفلا تعقلون } تفسير : [المؤمنون: 80]. والاستفهام تقريري، أي أجيبوا عن هذا، ولا يسعهم إلا الجواب بأنها لله. والمقصود: إثبات لازم جوابهم وهو انفراده تعالى بالوحدانية. و{إن كنتم تعلمون} شرط حذف جوابه لدلالة الاستفهام عليه، تقديره: فأجيبوني عن السؤال. وفي هذا الشرط توجيه لعقولهم أن يتأملوا فيظهر لهم أن الأرض لله وأن من فيها لله فإن كون جميع ذلك لله قد يخفى لأن الناس اعتادوا نسبة المسببات إلى أسبابها المقارنة والتصرفات إلى مباشريها فنُبهوا بقوله {إن كنتم تعلمون} إلى التأمل، أي إن كنتم تعلمون علم اليقين، ولذلك عقب بقوله: {سيقولون لله}، أي يجيبون عقب التأمل جواباً غير بطيء. وانظر ما تقدم في تفسير قوله تعالى: { أية : قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله } تفسير : في سورة الأنعام (12). ووقعت جملة {قل أفلا تذكرون} جواباً لإقرارهم واعترافهم بأنها لله. والاستفهام إنكاري إنكار لعدم تذكرهم بذلك، أي تفطن عقولهم لدلالة ذلك على انفراده تعالى بالإلهية. وخص بالتذكر لما في بعضه من خفاء الدلالة والاحتياج إلى النظر.

الشنقيطي

تفسير : قدمنا ما دلت عليه هذه الآيات الكريمة، من كماله وجلاله وأوصاف ربوبيته المستلزمة لإخلاص العبادة له وحده، في سورة يونس في الكلام على قوله تعالى: {أية : قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وٱلأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ}تفسير : [يونس: 31] وفي سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله: {أية : إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}تفسير : [الإسراء: 9] وأوضحنا دلالة توحيده في ربوبيته، على توحيده في عبادته وقد ذكرنا كثيراً من الآيات القرآنية الدالة على ذلك، مع الإيضاح، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. وقوله في هذه الآية الكريمة: {مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} الملكوت: فعلوت من الملك: أي من بيده ملك كل شيء، بمعنى: من هو مالك كل شيء كائناً ما كان: وقال بعض أهل العلم: زيادة الواو والتاء في نحو: الملكوت، والرحموت، والرهبوت بمعنى الملك والرحمة، والرهبة: تفيد المبالغة في ذلك. والله تعالى أعلم. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ} أي هو يمنع من شاء ممن شاء، ولا يمنع أحد منه أحداً شاء أن يهلكه أو يعذبه، لأنه هو القادر وحده، على كل شيء، وهو القاهر فوق عباده، وهو الحكيم الخبير. ومنه قول الشاعر. شعر : أراك طفقت تظلم من أجرنا وظلم الجار إذلال المجير تفسير : وقوله تعالى: {فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ} أي كيف تخدعون، وتصرفون عن توحيد ربكم، وطاعته مع ظهور براهينه القاطعة وأدلته الساطعة، وقيل: {فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ} أي كيف يخيل إليكم، أن تشركوا به ما لا يضر، ولا ينفع، ولا يغني عنكم شيئاً بناء على أن السحر هو التخييل. وقد قدمنا الكلام على السحر مستوفى في سورة طه في الكلام على قوله تعالى:{أية : وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ} تفسير : [طه: 69] والظاهر أن معنى تسحرون هنا: تخدعون بالشبه الباطلة فيذهب بعقولكم، عن الحق كما يفعل بالمسحور. والله تعالى أعلم. وقوله: {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} قرأه حفص عن عاصم، وحمزة، والكسائي بتخفيف الذال بحذف إحدى التاءين، والباقون بالتشديد لإدغام التاءين في الذال. وقوله تعالى: {سَيَقُولُونَ لِلَّهِ} جاء في هذه الآيات ثلاث مرات. الأول: {سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ}. وهذه اتفق جميع السبعة على قراءتها بلام الجر الداخلة على لفظ الجلالة، لأنها جواب المجرور بلام الجر، وقوله تعالى: {قُل لِّمَنِ ٱلأَرْضُ وَمَن فِيهَآ} فجواب لمن الأرض، هو أن تقول: لله، وأما الثاني الذي هو {سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ} والثالث: الذي هو قوله {سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ} فقد قرأهما أبو عمرو بحذف لام الجر ورفع الهاء من لفظ الجلالة. والمعنى: على قراءة أبي عمرو المذكورة واضح لا إشكال فيه، لأن الظاهر في جواب من رب السموات السبع، ورب العرش العظيم، أن تقول: الله بالرفع أي رب ما ذكر هو الله، وكذلك جواب قوله: {مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} الآية. فالظاهر في جوابه أيضاً أن يقال: الله بالرفع: أي الذي بيده ملكوت كل شيء هو الله، فقراءة أبي عمرو جارية على الظاهر، الذي لا إشكال فيه. وقرأ الحرفين المذكورين غيره من السبعة، بحرف الجر وخفض الهاء من لفظ الجلالة كالأول. وفي هذه القراءة التي هي قراءة الجمهور سؤال معروف: وهو أن يقال: ما وجه الإتيان بلام الجر، مع أن السؤال لا يستوجب الجواب بها، لأن قول: {مَن رَّبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ ٱلسَّبْعِ وَرَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ} الظاهر أن يقال في جوابه: ربهما الله، وإذا يشكل وجه الإتيان بلام الجر. والجواب عن هذا السؤال معروف واضح، لأن قوله تعالى: {مَن رَّبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ} الآية: وقوله: {مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} فيه معنى من هو مالك السموات والأرض، والعرش، وكل شيء فيحسن الجواب بأن يقال: لله: أي كل ذلك ملك لله، ونظيره من كلام العرب قول الشاعر: شعر : إذا قيل من رب المزالف والقرى ورب الجياد الجرد قلت لخالد تفسير : لأن قوله: من رب المزالف فيه معنى من هو مالكها، فحسن الجواب باللام: أي هي لخالد. والمزالف: جمع مزلفة كمرحلة. قال في القاموس: هي كل قرية تكون بين البر والريف، وجمعها مزالف.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: قل أفلا تذكرون: فتعلمون أن من له الأرض ومن فيها خلقاً وملكاً قادر على البعث وأنه لا إله إلا هو. قل أفلا تتقون: أي كيف لا تتقونه بالإِيمان به وتوحيده وتصديقه في البعث والجزاء. من بيده ملكوت كل شيء: أي ملك كل شيء يتصرف فيه كيف يشاء. وهو يجير ولا يجار عليه: يحفظ ويحمي من يشاء ولا يُحمى عليه ويحفظ من أراده بسوء. فأنى تسحرون: أي كيف تخدعون وتصرفون عن الحق. بل أتيناهم بالحق: أي بما هو الحق والصدق في التوحيد والنبوة والبعث والجزاء. ولعلا بعضهم على بعض: أي قهراً وسلطاناً. عما يصفون: أي من الكذب كزعمهم أن لله ولداً وأن له شريكاً وأنه غير قادر على البعث. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في دعوة المشركين إلى التوحيد والإِيمان بالبعث والجزاء فقال تعالى لرسوله قل لهؤلاء المشركين المنكرين للبعث والجزاء {لِّمَنِ ٱلأَرْضُ وَمَن فِيهَآ} من المخلوقات {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} من هي له فسموه. ولما لم يكن لهم من بُدٍّ أن يقولوا {لِلَّهِ} أخبر تعالى أنهم سيقولون لله. إذاًَ قل لهم: {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} فتعلموا أن من له الأرض ومن فيها خلقاً وملكاً وتصرفاً لا يصلح أن يكون له شريك من عباده، وهو رب كل شيء ومليكه، وقوله: {قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلسَّبْعِ وَرَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ} أي سَلْهُمْ من هو رب السماوات السبع وربّ العرش العظيم. الذي أحاط بالملكوت كله، أي من هو خالق السماوات السبع، ومن فيهن ومن خالق العرش العظيم ومالك ذلك كله والمنصرف فيه، ولما لم يكن من جواب سوى الله أخبر تعالى أنهم سيقولون الله أي خالقها وهي لله ملكا وتدبيرا وتصريفا إذا قل لهم يا رسولنا {أَفَلاَ تَتَّقُونَ} أي الله وأنتم تنكرون عليه قدرته في إحياء الناس بعد موتهم وتجعلون له أندادا تعبدونها معه، أما تخافون عقابه أما تخشون عذابه وقوله تعالى: {قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ} أي سلهم يا رسولنا فقل لهم من بيده ملكوت كل شيء أي ملك كل شيء وخزائنه؟ وهو يجير من يشاء أي يحمي ويحفظ من يشاء فلا يستطيع أحد أن يمسه بسوء ولا يجار عليه، أي ولا يستطيع أحد أن يجير أي يحمي ويحفظ عليه أحداً أراده بسوء وقوله: {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} أي إن كنتم تعلمون أحداً غير الله بيده ملكوت كل شيء ويجير ولا يجار عليه فاذكروه، ولما لم يكن لهم أن يقولوا غير الله، أخبر تعالى أنهم سيقولون الله أي هو الذي بيده ملكوت كل شيء وهي لله خلقاً وملكاً وتصرفاً إذاً قل لهم {فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ}؟ أي كيف تخدعون فتصرفون عن الحق فتعبدون غير الخالق الرازق، وتنكرون على الخالق إحياء الأموات وبعثهم وهو الذي أحياهم أولاً ثم أماتهم ثانياً فكيف ينكر عليه إحياءهم مرة أخرى وقوله تعالى: {بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِٱلْحَقِّ} أي ليس الأمر كما يتوهمون ويخيل إليهم بل أتيناهم بذكرهم الذي هو القرآن به يذكرون لأنه ذكرى وذكر، وبه يذكرون لأنه شرف لهم وإنهم لكاذبون في كل ما يدعون ويقولون. {مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ} ولا بنت، {وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ} ولا ينبغي ذلك، والدليل المنطقي العقلي الذي لا يرد هو أنه لو كان مع الله إله آخر لقاسمه الملك وذهب كل إله بما خلق، ولحارب بعضهم بعضاً وعلا بعضهم على بعض غلبة وقهراً وقوله تعالى: {سُبْحَانَ ٱللَّهِ} تنزيهاً لله تعالى عما يصفه به الواصفون من صفات العجز كاتخاذ الولد والشريك، والعجز عن البعث، وقوله تعالى: {عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ} أي ما ظهر وما بطن، وما غاب وما حضر فلو كان معه آلهة أخرى لعرفهم وأخبر عنهم ولكن هيهات هيهات أن يكون مع الله إله آخر وهو الخالق لكل شيء والمالك لكل شيء {فَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} علواً كبيراً وتنزه تنزهاً عظيماً. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- مشروعية توبيخ المتغافل المتجاهل وتأنيب المتعامي عن الحق وهو قادر على رؤيته. 2- تقرير ربوبية الله تعالى وألوهيته. 3- تنزيه الله تعالى عن الصاحبة والولد وإبطال ترهات المفترين. 4- الإِستدلال العقلي ومشروعيته والعمل به لإِحقاق الحق وإبطال الباطل.

د. أسعد حومد

تفسير : (84) - كانَ مُشْرِكُو العَرَبِ مُضْطَرِبِي العَقِيدَة، لا يُنكِرُون وُجُودَ اللهِ، ولا يُنْكِرُون أنَّه مَالِكُ السَّمَاواتِ والأرْضِ ومُدَبِّرُهما، ولكِنَّهم كانوا مَعَ ذلكَ يُشْرِكُونَ مَعَهُ في العِبَادَةِ آلِهَةً أُخْرَى، ويَقُولُونَ: إِنَّهم إنَّما يَعْبُدونَ هذهِ الآلِهَة ليُقَرِّبُوهم إلى اللهِ زُلْفَى. ويَجْعَلُون المَلائِكَةَ بَنَاتِ اللهِ، وهُنا يَأخُذُ اللهُ سُبْحَانَه بالمُسَلِّماتِ التِي يُقِرُّونَ بِها، فَيَقُولُ لِنَبيِّه الكَرِيمِ: اسْأَلْهُم لِمَنِ الأَرْضُ ومَنْ فيها إِنْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ؟

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ويأتي في السؤال بإن الشرطية الدالة على الشك في كونهم يعلمون.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: قل لهؤلاء المكذبين بالبعث، العادلين بالله غيره، محتجا عليهم بما أثبتوه، وأقروا به، من توحيد الربوبية، وانفراد الله بها، على ما أنكروه من توحيد الإلهية والعبادة، وبما أثبتوه من خلق المخلوقات العظيمة، على ما أنكروه من إعادة الموتى، الذي هو أسهل من ذلك. { لِمَنِ الأرْضُ وَمَنْ فِيهَا } أي: من هو الخالق للأرض ومن عليها، من حيوان، ونبات وجماد وبحار وأنهار وجبال، المالك لذلك، المدبر له؟ فإنك إذا سألتهم عن ذلك، لا بد أن يقولوا: الله وحده. فقل لهم إذا أقروا بذلك: { أَفَلا تَذَكَّرُونَ } أي: أفلا ترجعون إلى ما ذكركم الله به، مما هو معلوم عندكم، مستقر في فطركم، قد يغيبه الإعراض في بعض الأوقات. والحقيقة أنكم إن رجعتم إلى ذاكرتكم، بمجرد التأمل، علمتم أن مالك ذلك، هو المعبود وحده، وأن إلهية من هو مملوك أبطل الباطل ثم انتقل إلى ما هو أعظم من ذلك، فقال: { قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ } وما فيها من النيرات، والكواكب السيارات، والثوابت { وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ } الذي هو أعلى المخلوقات وأوسعها وأعظمها، فمن الذي خلق ذلك ودبره، وصرفه بأنواع التدبير؟ { سَيَقُولُونَ لِلَّهِ } أي: سيقرون بأن الله رب ذلك كله. قل لهم حين يقرون بذلك: { أَفَلا تَتَّقُونَ } عبادة المخلوقات العاجزة، وتتقون الرب العظيم، كامل القدرة، عظيم السلطان؟ وفي هذا من لطف الخطاب، من قوله: { أَفَلا تذكرون } { أفلا تَتَّقُونَ } والوعظ بأداة العرض الجاذبة للقلوب، ما لا يخفى ثم انتقل إلى إقرارهم بما هو أعم من ذلك كله فقال: { قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ } أي: ملك كل شيء، من العالم العلوي، والعالم السفلي، ما نبصره، وما لا نبصره؟. و " الملكوت "ب صيغة مبالغة بمعنى الملك. { وَهُوَ يُجِيرُ } عباده من الشر، ويدفع عنهم المكاره، ويحفظهم مما يضرهم، { وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ } أي: لا يقدر أحد أن يجير على الله. ولا يدفع الشر الذي قدره الله. بل ولا يشفع أحد عنده إلا بإذنه ، { سَيَقُولُونَ لِلَّهِ } أي: سيقرون أن الله المالك لكل شيء، المجير، الذي لا يجار عليه. { قُلْ } لهم حين يقرون بذلك، ملزما لهم، { فَأَنَّى تُسْحَرُونَ } أي: فأين تذهب عقولكم، حيث عبدتم من علمتم أنهم لا ملك لهم، ولا قسط من الملك، وأنهم عاجزون من جميع الوجوه، وتركتم الإخلاص للمالك العظيم القادر المدبر لجميع الأمور، فالعقول التي دلتكم على هذا، لا تكون إلا مسحورة، وهي - بلا شك- قد سحرها الشيطان، بما زين لهم، وحسن لهم، وقلب الحقائق لهم، فسحر عقولهم، كما سحرت السحرة أعين الناس.