Verse. 2761 (AR)

٢٣ - ٱلْمُؤْمِنُون

23 - Al-Mu'minoon (AR)

قُلْ مَنْۢ بِيَدِہٖ مَلَكُوْتُ كُلِّ شَيْءٍ وَّہُوَيُجِيْرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْہِ اِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُوْنَ۝۸۸
Qul man biyadihi malakootu kulli shayin wahuwa yujeeru wala yujaru AAalayhi in kuntum taAAlamoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل من بيده ملكوت» ملك «كل شيء» والتاء للمبالغة «وهو يُجير ولا يُجار عليه» يَحمي ولا يُحمى عليه «إن كنتم تعلمون».

88

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ } ملك {كُلِّ شَىْءٍ } والتاء للمبالغة {وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ } يَحمي ولا يُحمى عليه؟ {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ }.

ابن عبد السلام

تفسير : {مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ} خزائن كل شيء، أو ملك كل شيء وهو مبالغة كالجبروت والرهبوت، {يُجِيرُ} يمنع ولا يمنع منه.

البقاعي

تفسير : ولما قررهم بالعالمين: العلوي والسفلي، أمره بأن يقررهم بما هو أعم منهما وأعظم، فقال: {قل من بيده} أي خاصة {ملكوت كل شيء} أي من العالمين وغيرهما، والملكوت الملك البليغ الذي لا نقص فيه بوجه؛ قال ابن كثير: كانت العرب إذا كان السيد فيهم فأجار أحداً لا يخفر في جواره وليس لمن دونه أن يجيرعليه لئلا يفتات عليه. ولو أجار ما أفاد، ولهذا قال الله تعالى: {وهو يجير} أي يمنع ويغيث من يشاء فيكون في حرزه، لا يقدر أحد على الدنو من ساحتة {ولا يجار عليه} أي ولا يمكن أحداً أبداً أن يجير جواراً يكون مستعلياً عليه بأن يكون على غير مراده، بل يأخذ من أراد وإن نصره جميع الخلائق، ويعلي من أراد وإن تحاملت عليه كل المصائب، فتبين كالشمس أنه لا شريك يمانعه، ولا ولد يصانعه أو يضارعه؛ وقال ابن كثير: وهو السيد المعظم الذي لا أعظم منه الذي له الخلق والأمر، ولا معقب لحكمه الذي لا يمانع ولا يخالف، وما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. ولما كان هذا برهاناً مع أنه ظاهر لا يخفى على أحد، قد يمجمج فيه من له غرض في اللدد، ألهبهم إلى المبادرة إلى الاعتراف به وهيجهم بقوله: {إن كنتم} أي كوناً راسخاً {تعلمون*} أي في عداد من يعلم، ولذلك استأنف قوله: {سيقولون لله} أي الذي بيده ذلك، خاصاً به، والتقدير لغير البصريين: ذلك كله لله، لأن اليد أدل شيء على الملك. ولما كان جوابهم بذلك يقتضي إنكار توقفهم في الإقرار بالبعث، استأنف قوله: {قل} منكراً عليهم تسبيب ذلك لهم ادعاء أنه سحر، أو صرف عن الحق كما يصرف المسحور {فأنّى تسحرون*} أي فكيف بعد إقراركم بهذا كله تدعون أن الوعيد بالبعث سحر في قولكم: أفتأتون السحر وأنتم تبصرون، ومن أين صار لكم هذا الاعتقاد وقد أقررتم بما يلزم منه شمول العلم وتمام القدرة؟ ومن أين تتخيلون الحق باطلاً، أو كيف تفعلون فعل المسحور بما تأتون به من التخطيط في الأقوال والأفعال، وتخدعون وتصرفون عن كل ما دعا إليه؟ ولما كان الإنكار بمعنى النفي، حسن قوله: {بل} أي ليس الأمر كما يقولون، لم نأتهم بسحر بل، أو يكون المعنى: ليس هو أساطير، بل {أتيناهم} فيه على عظمتنا {بالحق} أي الكامل الذي لا حق بعده، كما دلت عليه "ال" فكل ما أخبر به من التوحيد والبعث وغيرهما فهو حق {وإنهم لكاذبون*} في قولهم: إنه سحر لا حقيقة له، وفي كل ما ادعوه من الولد والشريك وغيرهما مما بين القرآن فساده كما لزمهم بما أقروا به في جواب هذه الأسئلة الثلاثة. ولما كان من أعظم كذبهم ما أشار إليه قوله تعالى {أية : وقالوا اتخذ الرحمن ولداً} تفسير : [مريم: 88] قال: {ما اتخذ الله} أي الذي لا كفوء له، وأعرق في النفي بقوله: {من ولد} لا من الملائكة ولا من غيرهم، لما قام من الأدلة على غناه، وأنه لا مجانس له، ولما لزمهم بإقرارهم أنه يجير ولا يجار عليه، وأن له السماوات والأرض ومن فيهما. ولما كان الولد أخص من مطلق الشريك قال: {وما كان} أي بوجه من الوجوه {معه} فأفاد بفعل الكون نفي الصحة لينتفي الوجود بطريق الأولى {من إله} وزاد "من" لتأكيد النفي؛ ولما لزمهم الكذب في دعوى الإلهية بولد أو غيره من إقرارهم هذا، أقام عليه دليلاً عقلياً ليتطابق الإلزامي والعقلي فقال: {إذاً} أي إذ لو كان معه إله آخر {لذهب كل إله بما خلق} بالتصرف فيه وحده ليتميز ما له مما لغيره {ولعلا بعضهم} أي بعض الآلهة {على بعض} إذا تخالفت أوامرهم، فلم يرض أحد منهم أن يضاف ما خلقه إلى غيره، ولا أن يمضي فيه أمر على غير مراده، كما هو مقتضى العادة، فلا يكون المغلوب إلهاً لعجزه، ولا يكون مجيراً غير مجار عليه، بيده وحده ملكوت كل شيء، وفي ذلك إشارة إلى أنه لو لم يكن ذلك الاختلاف لأمكن أن يكون، فكان إمكانه كافياً في إبطال الشركة لما يلزم ذلك من إمكان العجز المنافي للإلهية، كما بين في الأنبياء. ولما طابق الدليل الإلزام على نفي الشريك، نزه نفسه الشريفة بما هو نتيجة ذلك بقوله: {سبحان الله} أي المتصف بجميع صفات الكمال، المنزه عن كل شائبة نقص {عما يصفون*} من كل ما لا يليق بجنابه المقدس من الشريك والولد وغيره؛ ثم أقام دليلاً آخر على كماله بوصفه بقوله: {عالم الغيب} ولما كان العلم بذلك لا يستلزم علم الشهادة كما للنائم قال: {والشهادة} ولا عالم بذلك غيره. ولما كان من الواضح الجلي أنه لا مدعي لذلك، ومن ادعاه غيره بأن كذبه لا محالة، وأن من تم علمه تمت قدرته، فاتضح تفرده كما بين في طه، تسبب عنه قوله: {فتعالى} أي علا العالم المشار إليه علواً عظيماً {عما يشركون*} فإنه لا علم لشيء منه فلا قدرة ولا صلاحية لرتبة الإلهية.

اسماعيل حقي

تفسير : {قل من بيده} اليد فى الاصل اسم موضوع للجارحة من المنكب الى اطراف الاصابع وهو العضو المركب من لحم وعظم وعصب وكل من هذه الثلاثة جسم خصوص بصفة مخصوصة والله تعالى متعال عن الاجسام كلها وعن مشابهتها فلما تعذرت وجب الحمل على التجوز عن معنى معقول هو القدرة وبه تفسر قوله عليه السلام "حديث : ان الله خمر طينة آدم بيده"تفسير : اى بقدرته الباهرة فان العضو المركب منها محال على الله ليس كمثله شىء لانه يلزم تركبه وتحيزه وذلك امارة الحدوث المنافى للازلية والقدم وكذلك الاصبعان فى قوله عليه السلام "حديث : ان قلب المؤمن بين اصبعين من اصابع الرحمن"تفسير : فان اهل الحق على ان الاصبعين وكذا اليدان فى قوله {أية : لما خلقت بيدى}تفسير : مجازان عن القدرة فانه شائع اى خلقت بقدرة كاملة ولم يرد بقدرتين {ملكوت كل شىء} مما ذكر ومما يذكر اى ملكه التام فان الملكوت الملك والتاء للمبالغة، قال الراغب الملكوت مختص بملك الله تعالى. وفى التأويلات النجمية يشير الى ان لكل شىء ملكوتا وهو روحه من عالم الملكوت الذى هو قائم به يسبح الله تعالى به كقوله {أية : وان من شىء الا يسبح بحمده}تفسير : وروح ذلك بيد الله انتهى، يقول الفقير وهو الموافق لما قبل الآية فانه تعالى لما بين انه يهب كل جسم وجرم بين ان بيده روح ذلك الجسم والجرم {وهو يجير} اى يغيث غيره اذا شاء {ولا يجار عليه} اى ولا يغاث احد عليه اى لا يمنع احد منه بالنصر عليه وتعديته بعلى لتضمين معنى النصرة. وفى التأويلات النجمية وهو يجير الاشياء من الهلاك بالقيومية ولايجار عليه اى لا مانع له ممن اراد هلاكه {ان كنتم تعلمون} ذلك فاجيبونى.

الجنابذي

تفسير : {قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} يعنى من بيده تدبير كلّ شيءٍ والتّصرّف فيه والتّسلّط عليه فانّ الملكوت هو باطن الاشياء المسلّط عليها والمتصرّف فيها باىّ تصرّف شاء {وَهُوَ يُجْيِرُ} اى يغيث {وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ} يعنى لا احد يغيث مغضوبه {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ} وقرئ بدون الّلام {قُلْ فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ} اى كيف يخيّل اليكم الحقّ باطلاً مع وضوحه او كيف تعمون عن صحّة الاعادة مع ظهور الادلّة او كيف تخدعون.

اطفيش

تفسير : {قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ} تحذرون عبادة غيره أو افلا تحذرون عقابه بترك موجباته التي منها اشراك بعض مخلوقاته به وانكار قدرته على بعض مقدوراته وعصيان الرسل * {قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ} اي ملك كل شيء والتاء للمبالغة اي من بيده غاية الملك. وقيل: ملكوت كل شيء غاية خزائن كل شيء * {وَهُوَ يُجِيرُ} يمنع من يشاء عمن اراده بسوء ويجعله آمنا {وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ} لا يمنع منه من اراده بسوء ولا يجعله آمنا وعدّى بعلى لتضمنه معنى النصر ومفعول يجير مقدر كما رايت أو ينزل (يجير) منزلة اللازم بان يراد الاخبار بمجرد اثبات الاجارة وعليه نائب (يجار). {إِنْ كُنتُم تَعْلَمُونَ}.

اطفيش

تفسير : {قُل من بيَدِه مَلَكوتُ كُل شَىء} الملك العظيم، أو ما غاب منه والخزائن {وهو يجير} يمنع من يشاء ممن يشاء {ولا يُجار عليه} لا يمنع عنه من أراد عذابه، وعلى بمعنى من أو ضمن يجار معنى النصر {إنْ كُنْتم تعْلمون * سيقولون لله} أى ملكوت كل شىء، والاجارة لله وحده، وذلك جواب على المعنى، وجواب اللفظ أن يقولوا بيد الله، ولعل قطع الجواب عن اللفظ تلويح من الله عنهم، بأن الأمر لا حتاج الى السؤال عنه {قل فأنَّى} كيف أو من أين {تسْحرونَ} تصرفون عن الايمان صرفاً كصرف السحر، وفى هذه السؤالات الفواصل ترق، ورد قولهم أساطير الأولين بقوله: {بل أتيناهم بالحقِّ} بالثابت من البعث والتوحيد {وإنهم لكاذبون} فى ادعاء الولادة لله سبحانه والشركة.

الالوسي

تفسير : {قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلّ شَىْء} مما ذكر ومما لم يذكر؛ وصيغة الملكوت للمبالغة في الملك فالمراد به الملك الشامل الظاهر، وقيل: المالكية والمدبرية، وقيل: الخزائن {وَهُوَ يُجْيِرُ} أي يمنع من يشاء ممن يشاء {وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ} ولا يمنع أحد منه جل وعلا أحداً، وتعدية الفعل بعلى لتضمينه معنى النصرة أو الاستعلاء {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} تكرير لاستهانتهم وتجهيلهم على ما مر.

ابن عاشور

تفسير : قد عرفت آنفاً نكتة تكرير القول. والملكوت: مبالغة في الملك بضم الميم. فالملكوت: الملك المقترن بالتصرف في مختلف الأنواع والعوالم لذلك جاء بعده {كل شيء}. واليد: القدرة. ومعنى {يجير} يغيث ويمنع من يشاء من الأذى. ومصدره الإجارة فيفيد معنى الغلبة، وإذا عدي بحرف الاستعلاء أفاد أن المجرور مغلوب على أن لا ينال المجارَ بأذى فمعنى {لا يجار عليه} لا يستطيع أحد أن يمنع أحداً من عقابه. فيفيد معنى العزة التامة. وبني فعل {يجار عليه} للمجهول لقصد انتفاء الفعل عن كل فاعل فيفيد العموم مع الاختصار. ولما كان تصرف الله هذا خفياً يحتاج إلى تدبر العقل لإدراكه عُقب الاستفهام بقوله: {إن كنتم تعلمون} كما عقب الاستفهام الأول بمثله حثاً لهم على علمه والاهتداء إليه. ثم عقب بما يدل على أنهم إذا تدبروا علموا فقيل {سيقولون لله}. وقرأ الجمهور {سيقولون لله} بلام الجر داخلة على اسم الجلالة مثل سالفه. وقرأه أبو عمرو ويعقوب بدون لام وقد علمت ذلك في نظيره السابق. (وأنَّى) يجوز أن تكون بمعنى (من أين) كما تقدم في سورة آل عمران (37) { أية : قال يا مريم أنى لك هذا } تفسير : والاستفهام تعجيبي. والسحر مستعار لترويج الباطل بجامع تخيل ما ليس بواقع واقعاً. والمعنى: فمن أين اختل شعوركم فراج عليكم الباطل. فالمراد بالسحر ترويج أيمة الكفر عليهم الباطل حتى جعلوهم كالمسحورين.

الواحدي

تفسير : {ملكوت كل شيء} أَيْ: ملكه. يعني: مَنْ يملك كلَّ شيء؟ {وهو يجير} يُؤمن من يشاء {ولا يجار عليه} لا يُؤمَنُ مَنْ أخافه. وقوله: {فأنى تسحرون} تُخدعون وتُصرفون عن توحيده وطاعته. {بل أتيناهم بالحق} يعني: القرآن {وإنهم لكاذبون} أنَّ الملائكة بنات الله. {ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذاً لذهب كل إله بما خلق} ينفرد بمخلوقاته فيمنع الإله الآخر عن الاستيلاء عليها {ولعلا بعضهم على بعض} بالقهر والمزاحمة كالعادة بين الملوك {سبحان الله} تنزيهاً له {عما يصفون} من الكذب.

د. أسعد حومد

تفسير : (88) - قُلْ لَهْم: مَنْ يَمْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ في الوُجُودِ ومَنْ هو المُسَيْطِرُ المُسْتَعْلي عَلَيْهِ، ومَنْ هو الذي يَسْتَطِيعُ بِقُوَّتِه، وسُلْطَانِه أنْ يَبْسُطَ حِمَايَتَهُ (يُجِيرُ) على مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِه، فلا يَصِلُ إليهِ أَحَدٌ بِسُوءٍ، ولا يَمْلِكُ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ أنْ يُجِيرَ عَلَيْه، وأَنْ يَمْنَعَ أَمْرَ اللهِ مِنْ أَنْ يَصِلَ إِلى مَنْ يَشَاءُ اللهُ وصولَ أمْرِهِ إِليهِ، فإنْ كَانَ لَكُمْ عِلْمٌ بِذَلِكَ فَأَجِيبُونِي؟ أَجَارَهُ - جَعَلَه في جِوَارِه، وشَمَلَهُ بِحِمَايَتِهِ. المَلَكُوتُ - المُلْكُ الوَاسِعُ العَظِيمُ. هَوَ يُجِيرُ - يُغِيثُ ويَحْمِي مَنْ يَشَاءُ ويَمْنَعُهُ. لا يُجَارُ عَلَيْهِ - لا يُغَاثُ أَحَدٌ مِنْهُ ولا يُمْنَعُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : معنى: {بِيَدِهِ ..} [المؤمنون: 88] تدل على التمكّن من الشيء، كما تقول: هذا الأمر في يدي يعني في مُكْنتي وتصرفي، أقلبه كيف أشاء {مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ..} [المؤمنون: 88] مادة ملك منها مِلْك، ومنها مُلْك، ومنها ملكوت. المِلْك ما تملكه أنت، حتى لو لم يكن عندك إلا ثوب واحد فهو مِلْك، أمّا مُلْك فيعني أنْ تملك مَنْ يملك، وهذا يكون ظاهراً. أما الملكوت فالأشياء المخلوقة التي لا تقع عليها حواسُّك، ولا يمكن أن تعلم عنها شيئاً إلا بإخبار خالقها، والإنسان لا يرى كل ما في الكون، بل إن في نفسه وذاته أشياءً لا يعرفها، فهذا كله من عالم الملكوت. بل إن الإنسان لا يرى حتى المُلْك الظاهر المحسّ؛ لأنه لا يرى منه إلا على قَدْر مَدِّ بصره، وما خرج عن هذا النطاق لا يراه، وإن كان يراه غيره، ويمكن أن يدخل هذا المُلك الذي لا تراه في دائرة الملكوت بمعناه الواسع. إذن: الملكوت يُطلق على الأشياء المحجوبة التي لا يراها أحد، أو على الأشياء التي يراه واحد دون الآخر. والإنسان إذا تعمَّق في عبادة الله وفي طاعته يفيض عليه من التجليات، ويعطيه من هذا الملكوت عطاءً مباشراً، كما قال: {أية : مِّن لَّدُنَّـآ ..} تفسير : [النساء: 67]. ألا ترى إبراهيم عليه السلام قال عنه ربه {أية : وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ} تفسير : [النجم: 37] وقال عنه: {أية : وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ..} تفسير : [البقرة: 124] يعني: يؤدي ما لله بدقة وعلى الوجه الأكمل؛ لذلك يأتمنه ربه على أن يكون إماماً للناس {أية : قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً ..} تفسير : [البقرة: 124]. فلما أحسن إبراهيمُ ما بينه وبين ربه وبلغ هذه المنزلة قال عنه ربه: {أية : وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ..} تفسير : [الأنعام: 75]. لأنه أحسن في الأولى فرقي إلى أعلى منه. كما لو دخل رجل بيتك وشاهد ما عندك من نعيم، ففرح لما أنت فيه، وقال: ما شاء الله تبارك الله، ودعا لك بالزيادة، فلما رأيت منه ذلك قلت له إذن: تعالى أريك ما هو أعظم. كذلك العبد الصالح الذي عبد الله وتقرَّب إليه بمنهج موسى عليهما السلام، فلما استقام على هذا المنهج وتعمَّق في عبادة الله وطاعته أعطاه الله من علمه اللدنيّ دون واسطة ودون رسول، حتى كان هو مُعلِّماً لموسى عليه السلام. ثم يقول سبحانه: {وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ ..} [المؤمنون: 88] يجير: تقول: استجار بفلان فأجاره يعني: استغاث به فأغاثه، ومنه قوله تعالى: {أية : وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ ..} تفسير : [الأنفال: 48] والإنسان لا يستجير بغيره إلا إذا ضعُفَتْ قوته عن حمايته، فيلجأ إلى قوي يحميه ويدافع عنه. إذن: هذه المسألة لها ثلاثة عناصر: مجير، وهو الذي يقبل أن يغيثك ويحتضنك ويدافع عنك. ومُجَار: وهو الضعيف الذي يطلب الحماية. ومُجَار عليه: وهو القوي الذي يريد أن يبطش. ومن المعروف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في رحلته إلى الطائف وبعد أنْ فعلوا به صلى الله عليه وسلم ما فعلوا استجار، ودخل في حمى كافر. فالحق - سبحانه وتعالى - يجير مَنِ استجار به، ويغيث مَن استغاثة لكن {وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ ..} [المؤمنون: 88] لأن الذي يجيرك إنما يجيرك من مساوٍ له في القوة، فيستطيع أن يمنعك منه، ويحميك من بطشه، فَمنْ ذا الذي يحميك من الله؟ ومَنْ يجيرك إنْ كان الله هو طالبك؟! لذلك يقول سبحانه في مسألة ابن نوح: {أية : قَالَ لاَ عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ ..}تفسير : [هود: 43] فالله - عز وجل - يجير على كل شيء، ومن أصبح وأمسى في جوار ربه فلا خوف عليه. وتلحظ هنا العلاقة بين صَدْر هذه الآية وعَجُزها: فالله تعالى بيده وفي قبضته سبحانه كل شيء، والأمر كله إليه، فإياك أنْ تظن أنك تفلت من قبضته بالنعمة التي أعطاك؛ لأنه سبحانه قادر أن يسلبك إياها، وساعتها لن يجيرك أحد، ولن يغيثك من الله مغيث، ولن يعصمك من الله عاصم. ثم قرأ قوله تعالى: {أية : قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} تفسير : [آل عمران: 26]. وهنا أيضاً يقول سبحانه: {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [المؤمنون: 88] إنْ كان عندكم علم بهذه المسألة ووصلت إليكم وعاينتموها. ثم يقول الحق سبحانه عنهم: {سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا إبراهيم، قال نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن أبن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} [الآية: 88]. يعني: خزائن كل شيء. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إبراهيم، قال نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن أبن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [الآية: 100]. قال: البرزخ، الحاجز بين الموت والرجوع إلى الدنيا. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إبراهيم، قال ثنا آدم، قال: ثنا المبارك بن فضالة عن الحسن قال: "البرزخ"، هي هذه القبور التي بينكم وبين الآخرين [الآية: 100]. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إبراهيم، قال ثنا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا} [الآية: 106]. يعني: التي كتبت عليهم.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن استدلال آخر على استقلال عقولهم بقوله تعالى: {قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} [المؤمنون: 88] إلى أن لكل شيء ملكوت وهو روحه في عالم الملكوت الذي هو قائم له يسبح الله تعالى به لقوله عز وجل: {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} تفسير : [الإسراء: 44] وروح ذلك التي بيد الله {وَهُوَ يُجْيِرُ} الأشياء عن الهلاك بالقيومية {وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ} أي: لا مانع ممن أراد هلاكه {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} أحداً بهذه الصفة غيره، فأجيبوني به! {سَيَقُولُونَ لِلَّهِ} [المؤمنون: 89] اعترافاً بالعجز {قُلْ فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ} فقال: أولاً فقل أفلا تذكرونهم، قال بعده أفلا تتقون؛ قدم التذكر على التقوى، فإن بتذكيرهم يصلون إلى المعرفة، وبعد أن عرفوه علموا الله تعالى عليهم اتقاء مخالفته، ثم قال بعد ذلك: {فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ} أي: كيف تخيل لكم الحق باطلاً والباطل حقاً وضوح الحجة، فأي شك بقي حتى تنسبونه إلى السِّحر {بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [المؤمنون: 90] بين أنهم له على جحودهم وأقاموا على عتوهم فيتوهم بعد أن أُزيحت العلل فَلاتَ حين عذر، وليست [المساهلة موجب بقاء]. وبقوله تعالى: {مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ} [المؤمنون: 91] يشير إلى أن اتخاذ الولد والشريك يوجب المساواة في القدر والصمدية فتقدس عن جواز أن يكون له مِثل أو جنس، ولو تصورنا جوازه {إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} فكل أمر نيط عن اثنين فقد انتفى عن النظام وصحة الترتيب {سُبْحَانَ ٱللَّهِ} تقديساً وتنزيهاً {عَمَّا يَصِفُونَ} أي: وصفوه به {عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ} [المؤمنون: 92] أي: عالم الملك والملكوت والأرواح والأجساد {فَتَعَالَىٰ} الله وتنوه {عَمَّا يُشْرِكُونَ} بأن يكون له في العالمين شبيه أو شريك أو ولد.