Verse. 2764 (AR)

٢٣ - ٱلْمُؤْمِنُون

23 - Al-Mu'minoon (AR)

مَا اتَّخَذَ اللہُ مِنْ وَّلَدٍ وَّمَا كَانَ مَعَہٗ مِنْ اِلٰہٍ اِذًا لَّذَہَبَ كُلُّ اِلٰہٍؚبِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُہُمْ عَلٰي بَعْضٍ۝۰ۭ سُبْحٰنَ اللہِ عَمَّا يَصِفُوْنَ۝۹۱ۙ
Ma ittakhatha Allahu min waladin wama kana maAAahu min ilahin ithan lathahaba kullu ilahin bima khalaqa walaAAala baAAduhum AAala baAAdin subhana Allahi AAamma yasifoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذاً» أي لو كان معه إله «لذهب كل إله بما خلق» انفرد به ومنع الآخر من الاستيلاء عليه «ولعلا بعضهم على بعض» مغالبة كفعل ملوك الدنيا «سبحان الله» تنزيهاً له «عما يصفونـ» ـه به مما ذكر.

91

Tafseer

الرازي

تفسير : إعلم أنه سبحانه ادعى أمرين أحدهما: قوله: {مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ } وهو كالتنبيه على أن ذلك من قول هؤلاء الكفار، فإن جمعاً منهم كانوا يقولون الملائكة بنات الله والثاني: قوله: {وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ } وهو قولهم باتخاذ الأصنام آلهة، ويحتمل أن يريد به إبطال قول النصارى والثنوية، ثم إنه سبحانه وتعالى ذكر الدليل المعتمد بقوله: {إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ } والمعنى لانفرد على (ذلك) كل واحد من الآلهة بخلقه الذي خلقه واستبد به، ولرأيتم ملك كل واحد منهم متميزاً عن ملك الآخر، ولغلب بعضهم على بعض كما ترون حال ملوك الدنيا ممالكهم متميزة وهم متغالبون، وحيث لم تروا أثر التمايز في الممالك والتغالب، فاعلموا أنه إله واحد بيده ملكوت كل شيء. فإن قيل: {إِذاً } لا يدخل إلا على كلام هو جزاء وجواب، فكيف وقع قوله لذهب جزاء وجواباً؟ ولم يتقدمه شرط ولا سؤال سائل، قلنا الشرط محذوف وتقديره ولو كان معه آلهة، وإنما حذف لدلالة قوله: {وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ } عليه، ثم إنه سبحانه نزه نفسه عن قولهم بقوله: {سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ } من إثبات الولد والشريك. أما قوله: {عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ } فقرىء بالجر صفة لله، وبالرفع خبر مبتدأ محذوف، والمعنى أنه سبحانه هو المختص بعلم الغيب والشهادة، فغيره وإن علم الشهادة فلن يعلم معها الغيب، والشهادة التي يعلمها لا يتكامل بها النفع إلا مع العلم بالغيب وذلك كالوعيد لهم، فلذلك قال: {فَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ } ثم أمره سبحانه بالانقطاع إليه وأن يدعوه بقوله: {رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنّي مَا يُوعَدُونَ * رَبِّ فَلاَ تَجْعَلْنِي فِي ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ } قال صاحب «الكشاف»: ما والنون مؤكدتان، أي إن كان ولا بد من أن تريني ما تعدهم من العذاب في الدنيا أو في الآخرة، فلا تجعلني قريناً لهم ولا تعذبني بعذابهم، فإن قيل كيف يجوز أن يجعل الله نبيه المعصوم مع الظالمين حتى يطلب أن لا يجعله معهم؟ قلنا يجوز أن يسأل العبد ربه ما علم أنه يفعله، وأن يستعيذ به مما علم أنه لا يفعله إظهاراً للعبودية وتواضعاً لربه. وما أحسن قول الحسن في قول الصديق: وليتكم ولست بخيركم، مع أنه كان يعلم أنه خيرهم، ولكن المؤمن يهضم نفسه، وإنما ذكر رب مرتين مرة قبل الشرط ومرة قبل الجزاء مبالغة في التضرع. أما قوله تعالى: {وَإِنَّا عَلَىٰ أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَـٰدِرُونَ } ففيه قولان: أحدهما: أنهم كانوا ينكرون الوعد بالعذاب ويضحكون منه، فقيل لهم: إن الله قادر على إنجاز ما وعد ويحتمل عذاباً في الدنيا مؤخراً عن أيامه عليه السلام، فلذلك قال بعضهم: هو في أهل البغى، وبعضهم في الكفار الذين قوتلوا بعد الرسول صلى الله عليه وسلم والثاني: أن المراد عذاب الآخرة. أما قوله: {ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ٱلسَّيّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ } فالمراد منه أن الأولى به عليه السلام أن يعامل به الكفار فأمر باحتمال ما يكون منهم من التكذيب وضروب الأذى، وأن يدفعه بالكلام الجميل كالسلام وبيان الأدلة على أحسن الوجوه، وبين له أنه أعلم بحالهم منه عليه السلام وأنه سبحانه لما لم يقطع نعمه عنهم، فينبغي أن يكون هو عليه السلام مواظباً على هذه الطريقة، قال صاحب «الكشاف» قوله: { أية : ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ٱلسَّيّئَةَ } تفسير : [المؤمنون: 96] أبلغ من أن يقال بالحسنة السيئة لما فيه من التفضيل، والمعنى الصفح عن إساءتهم ومقابلتها بما أمكن من الإحسان، حتى إذا اجتمع الصفح والإحسان وبذل الطاقة فيه كانت حسنة مضاعفة بإزاء السيئة. وقيل هذه الآية منسوخة بآية السيف، وقيل محكمة، لأن المداراة محثوث عليها ما لم تؤد إلى نقصان دين أو مروءة.

ابن كثير

تفسير : ينزه تعالى نفسه عن أن يكون له ولد أو شريك في الملك والتصرف والعبادة، فقال تعال: {مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} أي: لو قدر تعدد الآلهة، لانفرد كل منهم بما خلق، فما كان ينتظم الوجود، والمشاهد أن الوجود منتظم متسق، كل من العالم العلوي والسفلي مرتبط بعضه ببعض في غاية الكمال، {أية : مَّا تَرَىٰ فِى خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَٰوُتٍ} تفسير : [الملك: 3] ثم لكان كل منهم يطلب قهر الآخر وخلافه، فيعلو بعضهم على بعض. والمتكلمون ذكروا هذا المعنى، وعبروا عنه بدليل التمانع، وهو أنه لو فرض صانعان فصاعداً، فأراد واحد تحريك جسم، والآخر أراد سكونه، فإن لم يحصل مراد كل واحد منهما، كانا عاجزين، والواجب لا يكون عاجزاً، ويمتنع اجتماع مراديهما للتضاد، وما جاء هذا المحال إلا من فرض التعدد، فيكون محالاً، فأما إن حصل مراد أحدهما دون الآخر، كان الغالب هو الواجب، والآخر المغلوب ممكناً؛ لأنه لا يليق بصفة الواجب أن يكون مقهوراً، ولهذا قال تعالى: {وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} أي: عما يقول الظالمون المعتدون في دعواهم الولد أو الشريك علواً كبيراً، {عَـٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ} أي: يعلم ما يغيب عن المخلوقات، وما يشاهدونه {فَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} أي: تقدس وتنزه وتعالى وعز وجل عما يقول الظالمون والجاحدون.

المحلي و السيوطي

تفسير : {مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَٰهٍ إِذاً } أي لو كان معه إلٰهٌ {لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهٍ بِمَا خَلَقَ } أي انفرد به ومنع الآخر من الاستيلاء عليه {وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ } مغالبة كفعل ملوك الدنيا {سُبْحَٰنَ ٱللَّهِ } تنزيهاً له {عَمَّا يَصِفُونَ}ه به مما ذكر.

القمي النيسابوري

تفسير : القراآت: {عالم} بالرفع: أبو جعفر ونافع وحمزة وعلي وعاصم غيره حفص إلا الخزاز. وقرأ رويس بالخفض إذا وصل وبالرفع إذا ابتدأ، الآخرون بالخفض {لعلي أعمل} بسكون الياء: عاصم وحمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب وابن مجاهد عن ابن ذكوان. {شقاوتنا} حمزة وعلي وخلف والمفضل. الباقون {شقوتنا} بكسر الشين وسكون القاف في غير ألف. {سخرياً} بضم السين وكذلك في صاد: ابو جعفر ونافع وحمزة وعلي وخلف والمفضل والخزاز عن هبيرة. الآخرون بكسرها {إنهم} بالكسر: حمزة وعلي والخزاز عن هبيرة. {قل كم} {قل إن لبثم} على الأمر فيهما: حمزة وعلي وابن مجاهد وأبو عون عن قنبل وافق ابن كثير في الأول. {لا ترجعون} على البناء للفاعل يعقوب وحمزة وعلي وخلف. الوقوف: {على بعض} ط {يصفون} ه ط لمن قرأ بالرفع إلى هو عالم ومن خفض لم يقف لأنه بدل أو وصف {يشركون} ه {ما يوعدون} ه لا لأن قوله "فلا" جواب للشرط وهو إما والنداء عارض {للظالمين} ه لا {لقادرون} ه {السيئة} ط {يصفون} ه {الشياطين} ه لا {يحضرون} ه {ارجعون} ه لا لتعلق لعل {كلا} ط لأنها للردع عما قبلها أي لا يرجع. وقيل: مبتدأ بها بمعنى حقاً والأول أحسن {قائلها} ط {يبعثون} ه {ولا يتساءلون} ه {المفلحون} ه {خالدون} ه {كالحون} ه {تكذبون} ه {ضالين} ه {ظالمون} ه {ولا تكلمون} ه {الراحمين} ه ج للآية والوصل أجوز لشدة اتصال المعنى وللفاء {تضحكون} ه {صبروا} ط لمن قرأ {إنهم} بالكسر {الفائزون} ه {سنين} ه {العادين} ه {تعلمون} ه {لا ترجعون} ه {الحق} ه لا لأن ما بعده يصلح مستأنفاً وحالاً أي تعالى متوحداً غير مشارك {إلا هو} ه لا لأن قوله {رب العرش} يصلح بدلاً من هو وخبر مبتدأ محذوف {الكريم} ط {آخر} لا لأن الجملة بعده صفة {به} لا لأن ما بعده جواب {عند ربه} ط {الكافرون} ه {الراحمين} ه. التفسير: لما أثبت لنفسه الإلهية بالدلائل الإلزامية في الآيات المتقدمة نفى عن نفسه الأنداد والأضداد بقوله {ما اتخذ الله من ولد} بقوله {وما كان معه من إله} وفيه ردّ على القائلين بأن الملائكة بنات الله وإبطال الأقوال اليهود والنصارى والثنوية. ثم ذكر شبه دليل التمانع بقوله {إذاً لذهب} وهو جواب لمن معه المحاجة من أهل الشرك وجواب الشرط محذوف دل عليه الكلام السابق تقديره: ولو كان معه آلهة لذهب كل إله بما خلق لانفرد كل واحد منهم بالخلق الذي خلقه واستبد به، لأن اجتماعهم على خلق واحد لا يتصور فإن ذلك يقتضي عجز الواحد عن ذلك الخلق، وحينئذ يكون ملك كل واحد منهم متميزاً عن ملك الآخرين. {ولعلا بعضهم على بعض} أي لغلب بعضهم على بعض كما ترون حال ملوك الدنيا من تمايز الممالك ومن التغالب، وعدم اللازم يدل على عدم الملزوم فلذلك ختم الآية بقوله {سبحان الله عما يصفون} إلى قوله {عما يشركون} ثم أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بمكارم الأخلاق ومحاسن العادات قائلاً {قل رب إما تريني} أي إن كان لا بد من أن تريني ما تعدهم من العذاب في الدنيا أو في الآخرة {فلا تجعلني} قريباً لهم. وقد يجوز أن يستعيذ العبد بالله مما علم أنه لا يفعله اظهاراً للعبودية واستكانة له ويؤيده تكرار رب مرتين. وكانوا ينكرون العذاب ويسخرون منه فأكد وقوعه بقوله {وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون} قيل: فيه دليل على أن القدرة تصح على المعدوم لأنه أخبر أنه قادر على تعجيل عقوبتهم ثم لم يفعل ذلك ثم أمره بالصفح عن سيئاتهم ومقابلتها بما يمكن من الإحسان حتى إذا اجتمع الصفح والإحسان وبذل الاستطاعة فيه كان أحسن لأنها حسنة مضاعفة بإزاء سيئة. أو نقول: المكافأة حسنة ولكن العفو أحسن. عن ابن عباس هي شهادة أن لا إله إلا الله والسيئة الشرك. وعن مجاهد هي أن يسلم عليه إذا لقيه. قيل: هي منسوخة بآية السيف والأولى أن يقال: هي محكمة لأن المداراة مستحبة مالم تؤد إلى محذور {نحن أعلم بما يصفون} مما ليس فيك من المثالب والمراد أنه أقدر على جزائهم فعليه أن يفوض أمرهم إلى الله ويدفع أذاهم بالكلام الجميل والسلام وبيان الأدلة على أحسن الوجوه. ثم أتبع هذا التعميم ما يقويه على ذلك وهو الإستعاذة بالله من همزات الشياطين. والهمز النخس ومنه "مهماز الرائض" وذلك أنهم يحثون الناس على المعاصي بأنواع الوساوس كما يحث الرائض الدابة على المشي بالمهماز وهي حديدة تكون في مؤخر خفه. عن الحسن أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول بعد استفتاح الصلاة "حديث : اللهم إني أعوذ بك من همزات الشياطين همزه ونفخه ونفثه"تفسير : فهمزه الجنون ونفثه الشعر ونفخه الكبر. ثم أمره بالتعوّذ من أن يحضروه أصلاً كما يقال: أعوذ بالله من خصومتك بل أعوذ بالله من لقائك. وعن ابن عباس أراد الحضور عند تلاوة القرآن. وعن عكرمة عند النزع والأولى العموم "حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد اشتكى إليه رجل أرقاً به فقال:إذا أردت النوم فقل أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعقابه ومن شر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون"تفسير : . قوله {حتى إذا جاء} قيل: متعلق بقوله {وإنهم لكاذبون} وقيل: بـ {يصفون} اي لا يزالون على سوء الذكر إلى هذا الوقت وما بينهما اعتراض وتأكيد للإعضاء عنهم مستعيناً بالله على الشيطان أن يستزله عن الحلم. والمراد بمجيء الموت أماراته التي تحقق عندها الموت وصارت المعرفة ضرورية فحينئذ يسال الرجعة ولا ينافي هذا السؤال الرجعة عند معاينة النار كقوله {أية : ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد}تفسير : [الأنعام: 27] والأكثرون على أنهم الكفار. وروى الضحاك عن ابن عباس أنها تشمل من لم يزك ولم يحج لقوله {أية : وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني}تفسير : [المنافقون: 10] وأما وجه الجمع في قوله {ارجعون} مع وحدة المنادى فقيل: إن الجمعية راجعة إلى الفعل كأنه قال: ارجع مرات ونظيره {أية : ألقيا في جهنم}تفسير : [ق: 24] أي ألق ألق. وقيل {رب} للقسم والخطاب للملائكة القابضين للأرواح أي بحق الله ارجعون والأقرب أن الجمع للتعظيم كقول الشاعر: شعر : ألا فارحموني يا إله محمد تفسير : وقوله: شعر : فإن شئت حرمت النساء سواكم تفسير : عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا عاين المؤمن الملائكة قالوا نرجعك إلى الدنيا فيقول: إلى دار الهموم والأحزان بل قدوماً إلى الله. وأما الكافر فيقول: رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت"تفسير : قال جار الله: أي لعلي آتي بما تركته من الإيمان وأعمل فيه صالحاً كما تقول لعلي أبني على أس تريد أؤسس أساً وأبني عليه. وقيل: أي فيما خلفت من المال والأولى العموم فيدخل فيه العبادات البدنية والمالية والحقوق كأنهم تمنوا الرجعة ليصلحوا ما افسدوه ويطيعوا فيما عصوا. قيل: كيف سألوا الرجعة وقد عملوا صحة الدين بالضرورة ومن الدين أن لا رجعة؟ والجواب بعد تسليم أنهم عرفوا كل الدين أن الإنسان قد يتمنى شيئاً مع علمه بتعذره كقول القائل "ليت الشباب يعود" والاستغاثة بحنس هذه المسألة قد تحسن. قولهم {لعلي} ليس المراد به الشك وإنما هو كقول المقصر "مكنوني لعلي أتدارك" مع كونه جازماً بأنه سيتدارك. ويحتمل أنهم وإن كانوا جازمين بذلك إلا أن أمر المستقبل مبني على الظن والتخمين دون اليقين فلذلك أوردوا الكلام بصورة الترجي. ثم ردعهم بقوله {كلا} أي ليس الأمر على ما توهموه من إمكان الرجعة {إنها كلمة} والمراد بها طائفة من الكلام منتظم بعضها مع بعض وهي قوله {ارجعون لعلي أعمل صالحاً} {هو قائلها} لا محالة لا يخليها ولا يسكت عنها لاستيلاء الحسرة والحيرة عليه وهو قائلها وحده لإيجاب إليها ولا تسمع منه {ومن ورائهم} الضمير لكل المكلفين أي أمامهم {برزخ} حائل بينهم وبين الجنة أو النار وبين الجزاء التام {إلى يوم يبعثون} وذلك البرزخ هو مدة ما بين الموت إلى البعث، ولعل بعض الحجب من الأخلاق الذميمة يندفع في هذه المدة. وقال في الكشاف: حائل بينهم وبين الرجعة ومعناه الإقناط الكلي لما علم أنه لا رجعة يوم البعث إلا إلى الآخرة. ثم وصف يوم البعث بقوله {فإذا نفخ في الصور} قد مر معناه في أواخر "طه". وقوله {فلا أنساب بينهم} ليس المراد به نفي النسب لأن ذلك ثابت بالحقيقة فإذن المراد حكمه وما يتفرع عليه من التعاطف والتراحم والتواصل، فقد يكون أحد القريبين في الجنة والآخر في النار ويكون بكل مكلف من اشتغال نفسه ما يمنعه من الالتفات إلى أحوال نسبه. عن قتادة لا شيء أبغض إلى الإنسان من أن يرى من يعرفه مخافة أن يثبت له عليه شيء. وأما الجمع بين قوله {ولا يتساءلون} وبين قوله {وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون} [المؤمنون: 101] فظاهر لأن هذا في صفة أهل الموقف وذاك في صفة أهل الجنة. ولو سلم أن كليهما في وصف أهل الموقف فلن نسلم اتحاد المواطن والأزمنة وغيرها من الاعتبارات التي يقع فيها التساؤل كحقوق النسب ونحوها. وعن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : ثلاثة مواطن تذهل فيها كل نفس: حين يرمي إلى كل إنسان كتابه، وعند الموازين وعلى جسر جهنم"تفسير : وقد مر مثل آية الموازين في أول "الأعراف" فليرجع إلى هنالك. وقوله {في جهنم خالدون} بدل من {خسروا أنفسهم} ولا محل له كالمبدل فإِن الصلة لا محل لها أو خبر بعد خبر لأولئك أو خبر مبتدأ محذوف. ومعنى خسران أنفسهم امتناع انتفاعهم بها. وقال ابن عباس: خسروها بأن صارت منازلهم للمؤمنين. ومعنى {تلفح} تسفع أي تضرب وتأكل لحومهم وجلودهم النار، قاله ابن عباس. وعن الزجاج أن اللفح والنفح واحد إلا أن اللفح أشد تأثيراً والكلوح أن يتقلص الشفتان عن الأسنان كالرؤوس المشوية. يروى أن عتبة الغلام مر في السوق برأس أخرج من التنور فغشي عليه ثلاثة أيام ولياليهن. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: حديث : تشويه النار فتتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخي شفته السفلى حتى تبلغ سرتهتفسير : . وقال الجوهري: الكلوح تكشر في عبوس. ثم بيّن سبحانه أنه قال لهم حينئذ تقريعاً وتوبيخاً {الم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون} قالت المعتزلة: لو كان فعل التكذيب بخلق الله تعالى لم يكن لهذا التقريع وجه وعورض بالعلم والداعي. وفسرت المعتزلة الشقاوة بسوء العاقبة التي علم الله أنهم يستحقونها لسوء أعمالهم. وتفسرها الأشاعرة بما كتب الله عليهم في الأزل من الكفر وسائر المعاصي أن يعلموها حتى يؤل حالهم إلى النار. ومعنى غلبة الشقاوة على هذا التفسير ظاهر. وأما على تفسير المعتزلة فقد قال جار الله: معناه ملكتنا وأخذت منا. وقال الجبائي: أراد طلبنا اللذات المحرمة وحرصنا على العمل القبيح ساقنا إلى هذه الشقاوة، فأطلق اسم المسبب على السبب. وليس هذا باعتذار منهم لعلمهم بأن لا عذر لهم فيه، ولكنه اعتراف بقيام حجة الله تعالى عليهم في سوء صنيعهم. وأجيب بأن طلب تلك اللذات لا بد أن ينتهي إلى داعية يخلقها الله فيه بدليل قوله {وكنا قوماً ضالين} اي في علم الله وسابق تقديره. وحمله المعتزلة على الاعتراف بأنهم اختاروا الضلال قالوا: ولو كان الكفر بخلق الله لكانوا بأن يجعلوا ذلك عذراً لهم أولى. وأجيب بأن فحوى الكلام يؤل إلى هذا كما قررنا. عن ابن عباس: أن لهم ست دعوات إذا دخلوا النار قالوا ألف سنة {أية : ربنا أبصرنا وسمعنا}تفسير : [السجدة: 12] فيجابون {أية : حق القول مني}تفسير : [السجدة: 13] فينادون ألفاً {أية : ربنا أمتنا اثنتين}تفسير : [غافر: 11] فيجابون {أية : ذلكم بأنه إذا دعى الله وحده كفرتم}تفسير : [غافر: 12] فينادون ألفاً {أية : يا مالك ليقض علينا ربك}تفسير : [الزخرف: 77] فيجابون {أية : إنكم ماكثون}تفسير : [الزخرف: 77] فينادون ألفاً {أية : ربنا أخرنا إلى أجل قريب}تفسير : [إبراهيم: 44] فيجابون {أية : أو لم تكونوا أقسمتم من قبل}تفسير : [إبراهيم: 44] فينادون الفاً {أية : ربنا أخرجنا نعمل صالحاً}تفسير : [فاطر: 37] فيجابون{أية : أولم نعمركم}تفسير : [فاطر: 37] فينادون ألفاً {أية : ربنا أخرجنا منها}تفسير : [المؤمنون: 6] فيجابون {أية : اخسئوا فيها}تفسير : [المؤمنون: 108] وهو آخر كلام يتكلمون به، ثم لا كلام بعد ذلك إلا الشهيق والزفير والعواء كعواء الكلاب أي لا يفهمون ولا يفهمون ولهذا قال جار الله {ولا تكلمون} أي في رفع العذاب وليس نهياً عن الكلام فإِنها ليست بدار تكليف ولكنه تنبيه على أن العذاب لا يرفع ولا يخفف. ومعنى {اخسؤاً} انزجروا صاغرين كما تنزجر الكلاب إذا طردت. يقال: خسأ الكلب وخسأ نفسه يتعدى ولا يتعدى وهو المراد في الآية. ثم عدد عليهم بعض قبائحهم في الدنيا بقوله {إنه كان فريق من عبادي} هم الصحابة. وقيل: أهل الصفة خاصة. عن الخليل وسيبويه أن السخري بالضم والكسر مصدر سخر إلا أن في ياء النسب زيادة تأكيد. وعن الكسائي والفراء أن المكسور من الهزء والمضموم من التسخير والاستعباد والمعنى اتخذتموهم هزؤاً وتشاغلتم بهم ساخرين {حتى أنسوكم} بتشاغلكم بهم على تلك الصفة {ذكرى} فلم تذكروني حتى تخافوني. ثم ذكر من حال المؤمنين ما أوجب الحسرة والندامة للساخرين. فمن قرأ {إنهم} بالكسر على الاستئناف فمعناه ظاهر أي قد فازوا حيث صبروا، ومن قرأ بالفتح فعلى أنه مفعول جزيتهم أي جزيتهم فوزهم. ومن قرأ {قال} فالضمير لله أو لمن أمر بسؤالهم من الملائكة، ومن قرأ {قل} فالخطاب للملك أو لبعض رؤساء أهل النار. والغرض من هذا السؤال التوبيخ والتبكيت فقد كانوا لا يعدّون اللبث إلا في الدنيا ويظنون أن الفناء يدوم بعد الموت ولا إعادة، فلما حصلوا في النار وأيقنوا أنهم فيها خالدون سئلوا {كم لبثتم} تنبيهاً لهم على أن ما ظنوه دائماً طويلاً فهو يسير بالإضافة إلى ما أنكروه إذ لا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي ولا سيما إذا كان الأول ايام سرور والثاني ايام غم وخزن. واختلفوا في الأرض فقيل: وجه الأرض حين ما كانوا أحياء فإنهم زعموا أن لا حياة سواها، فلما أحياهم الله تعالى وعذبوا في النار سئلوا عن ذلك توبيخاً. وقال آخرون: المراد جوف الأرض وهو القبر لظاهر لفظة "في" ولقوله {أية : ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة}تفسير : [الروم: 55] وقوله {عدد سنين} بدل من مميزكم. وقيل: احتج بعض من أنكر عذاب القبر بأن قوله {في الأرض} يتناول زمان كونهم أحياء فوق الأرض وزمان كونهم أمواتاً في بطن الأرض. فلو كانوا معذبين في القبر لعلموا أن مدة مكثهم في الأرض طويلة فما كانوا يقولون {لبثنا يوماً أو بعض يوم} واجيب بأن الجواب لا بد أن يكون على حسب السؤال وإنما سئلوا عن موت لا حياة بعده إلا في الآخرة وذلك لا يكون إلا بعد عذاب القبر. ويحتمل أن يكونوا سئلوا عن قدر اللبث الذي اجتمعوا فيه فلا يدخل في ذلك تقدم موت بعضهم على البعض، فصح أن يكون جوابهم {لبثنا يوماً أو بعض يوم} عند أنفسنا. وليس هذا من قبيل الكذب إذ لعلهم نسوا ذلك لكثرة ما هم فيه من الأهوال فقالوا: إلا نعرف من عدد السنين إلا أنا نستقله ونحسبه يوماً أو بعض يوم. وقد اعترفوا بهذا النسيان حيث قالوا {فاسأل العادّين} اي ليس من شأننا أن نعدّها لما نحن فيه من العذاب فاسأل من يقدر أن يلقى إليه فكره، أو اسأل الملائكة الذي يعدّون أعمار العباد ويحصون أعمالهم. وعن ابن عباس: أنساهم ما كانوا فيه من العذاب بين النفختين. وقيل: أرادوا بقولهم {لبثنا يوماً أبو بعض يوم} تصغير لبثهم وتحقيره بالإضافة غلى ما وقعوا فيه وعرفوه من داوم العذاب. وقد صدّقهم الله في ذلك حيث قال {إن لبثتم غلا قليلاً} ووبخهم على غفلتهم التي كانوا عليها بقوله {لو أنكم كنتم تعلمون} أي لو علمتم البعث والحشر لما كنتم تعدونه طويلاً. ثم زاد في التوبيخ بقوله {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً} أي عابثين أو لأجل العبث وهو الفعل الذي لا غاية له صحيحة. وجوّزوا أن يكون قوله {وأنكم إلينا لاترجعون} معطوفاً على {عبثاً} أي للعبث ولترككم غير مرجوعين وفيه دلالة على وجوب وقوع القيامة فلولاها لم يتميز المطيع من العاصي والمحسن من المسيء. ثم نزه ذاته عن كل عيب وعبث قائلاً {فتعالى} الآية ووصف العرش بالكريم لنزول الرحمة أو الخير منه أو باعتبار من استوى عليه كما يقال "بيت كريم" إذا كان ساكنوه كراماً. وقرئ {الكريم} بالرفع وهو ظاهر. ثم زيف طريقة المقلدة من أهل الشرك وقوله لا برهان له به كقوله {أية : ما لم ينزل به سلطاناً}تفسير : [آل عمران: 151] وهو صفة جيء بها للتأكيد لا أن بعض الآلهة قد يقوم على وجوده برهان. وجوّز جار الله أن يكون اعتراضاً بين الشرط والجزاء كقول القائل: من أحسن إلى زيداً لا أحق بالإحسان إليه منه فالله مثيبه. ومعنى {حسابه عند ربه} أنه بلغ عقابه إلى حيث لا يقدر أحد على حسابه إلا الله. وقرئ {أنه لا يفلح} بفتح الهمزة أي حسابه عدم فلاحه فوضع {الكافرون} موضع الضمير. جعل فاتحة السورة {قد افلح المؤمنون} وأورد في خواتيهما {إنه لا يفلح الكافرون} فشتان ما بين الفريقين. وحين أثنى على المؤمنين في أثناء الكلام بأنهم يقولون {ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين} نبه في آخر السورة على أنه قول ينبغي أن يواظب المكلف عليه ففيه الانقطاع إلى الله والإعراض عمن سواه والله المستعان. التأويل: {فإذا نفخ في الصور} فيه أن نفخة العناية الأزلية إذا نفخت في صور القلب قامت القيامة وانقطعت الأسباب فلا يلتفت إلى أحد من الأنساب، لا إلى أهل ولا إلى ولد لاشتغاله في طلب الحق واستغراقه في بحر المحبة، فلا يقع بينهم التساؤل عما تركوا من أسباب الدنيا ولا عن أحوال أهاليهم وأخدانهم وأوطانهم إذا فارقوها {أية : لكل امريء منهم يومئذ}تفسير : [عبس: 37] في طلب الحق {أية : شأن يغنيه}تفسير : [عبس: 37] عن طلب الغير {فأولئك الذين خسروا أنفسهم} لأنهم إذا خفت موازينهم عن طلب الحق وانقطع عليه الطريق بنوع من التعليقات ورجع القهقرى بطل استعداده في الطلب، فإن الإنسان كالبيضة المستعدة لقبول تصرف دجاجة الولاية فيه وخروج الفرخ فيها، فما لم تتصرف فيها الدجاجة يكون استعداده باقياً، فإذا تصرفت الدجاجة فيها وانقطع تصرفها عنها بإفساد البيضة فلا ينفعها التصرف بعد ذلك لفساد الاستعداد ولهذا قالت المشايخ: مرتد الطريقة شر من مرتد الشريعة. ولهذا قال {في جهنم خالدون} وأجيبوا بقوله {اخسئوا فيها ولا تكلمون} لأنه ليس من سنتنا إصلاح الاستعداد بعد إفساده {إنه كان فريق من عبادي} هم العلماء بالله النصحاء لأجله {فاتخذتموهم سخرياً} فضربتم أنفسكم على سيوف هممهم العلية {حتى أنسوكم} بهممهم وبيد الرد {ذكرى وكنتم منهم تضحكون} لأن قلوبكم قد ماتت وكثرة الضحك تميت القلب {جزيتهم اليوم بما صبروا} فيه أن أهل السعادة كما ينتفعون بمعاملاتهم الصالحة مع الله ينتفعون بإنكار منكريهم، ومثله حال أهل الشقاء في الجانب الآخر وهو الاستضرار {لا برهان له به} أي لا يظهر عليه برهان العبادة وهو النور والضياء والبهاء والصفاء وإن تقرب إلى ذلك الذي عبده من دون الله بأنواع القربات.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ} الآية. وهذه الآية كالتنبيه على الردّ على الكفار الذين يقولون: الملائكة بنات الله. وقوله: {وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ} ردّ على اتخاذهم الأصنام آلهة، ويحتمل أن يريد به إبطال قول النصارى والثنوية. ثم إنه تعالى ذكر الدليل بقوله: {إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} أي: لانفرد كل واحد من الآلهة بما خلقه، ولم يرض أن يضاف خلقه إلى غيره، ومنع الإله الآخر عن الاستيلاء على ما خلق {وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} أي: طلب بعضهم مغالبة بعض كفعل ملوك الدنيا فيما بينهم، وحين لم تروا ذلك فاعلموا أنه إله واحد. قوله: "إذاً" جواب وجزاء، قال الزمخشري: فإن قلت: "إذاً" لا تدخل إلاَّ على كلام هو جواب وجزاء، فكيف وقع قوله: "لَذَهَبَ" جواباً وجزاءً ولم يتقدّم شرط ولا سؤال سائل قُلْتُ: الشرط محذوف تقديره: لَوَ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ، حذف لدلالة {وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ}. وهذا رأي الفراء، وقد تقدّم في الإسراء في قوله: {أية : وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً} تفسير : [الإسراء: 73] ثم إنه تعالى نَزّه نفسه فقال: {سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} من إثبات الولد والشريك. قرئ: "تَصِفُونَ" بتاء الخطاب وهو التفات. قوله: "عَالِمُ الغَيْبِ" قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم: بالجر على البدل من الجلالة. وقال الزمخشري: صفة لله. كأنه محض الإضافة فتعرف المضاف. والباقون: بالرفع على القطع خبر مبتدأ محذوف. ومعنى الآية: أنه مختص بعلم الغيب والشهادة، فغيره وإن علم الشهادة لكن لم يعلم الغيب، لأن الشهادة لا يتكامل بها النفع إلا مع العلم بالغيب وذلك كالوعيد لهم فلذلك قال: ("فَتَعَالَى اللَّهُ) عَمَّا يُشْرِكُونَ". قوله: "فَتَعَالَى" عطف على معنى ما تقدم، كأنّه قال علم الغيب فتَعَالَى كقولك: زيد شجاع فعظمت منزلته أي: شجع فعظمت. أو يكون على إضمار القول، أي: أقول فتعالى الله. قوله: {قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ} أي: ما أوعدتهم من العذاب قرأ العامة "تُرِيَنِّي" بصريح الياء. والضحاك: "تُرِئَنِّي" بالهمز عوض الياء، وهذا كقراءة: "فَإِمَّا تَرِئَنَّ" "لتَرؤُنَّ" بالهمز، وهو بدل شاذ. قوله: {رَبِّ فَلاَ تَجْعَلْنِي} جواب الشرط، و"رَبِّ" نداء معترض بين الشرط وجزائه، وذكر الربّ مرتين مرة قبل الشرط ومرة قبل الجزاء مبالغة في التضرع. فإن قيل: كيف يجوز أن يجعل الله نبيه مع الظالمين حتى يطلب أن لا يجعله معهم؟ فالجواب: يجوز أن يسأل العبد ربه ما علم أنه يفعله، وأن يستعيذ به مما علم أنه لا يفعله إظهاراً للعبودية وتواضعاً لربه. قوله: {وَإِنَّا عَلَىٰ أَن نُّرِيَكَ} هذا الجار متعلق بـ "لَقَادِرُونَ" أو بمحذوف على خلاف سبق في أن هذه اللام تمنع ما بعدها أن يعمل فيما قبلها. والمعنى: أنهم كانوا ينكرون الوعد بالعذاب، فقيل لهم: إن الله قادر على إنجاز ما وعد في الدنيا. وقيل: المراد عذاب الآخرة. قوله: {ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ٱلسَّيِّئَةَ} وهو الصفح والإعراض والصبر على أذاهم. قال الزمخشري: قوله: {ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ٱلسَّيِّئَةَ} أبلغ من أن يقال: بالحسنة السيئة لما فيه من التفضيل، (كأنه قال ادفع بالحُسنى السيئة) والمعنى الصفح عن إساءتهم، ومقابلتها بما أمكن من الإحسان، حتى إذا اجتمع الصفح والإحسان، وبذل الاستطاعة فيه كانت حسنة مضاعفة بإزاء سيئة... قيل: هذه الآية نُسخت بآية السيف، وقيل: محكمة، لأن المداراة محثوث عليها ما لم تؤد إلى نقصان دينٍ أو مروءة. ثم قال: {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ} أي: يقولون من الشرك.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ} [الآية: 91]. قال الحسين: الصمدية ممتنعة من قبول ما لا يليق بها لأن الصمدية تنافى أضدادها على الأبد، وهى ممتنعة عن درك معانيها فكيف تبقى مع أضدادها لا يليق بها.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ}. اتخاذ الأولاد لا يصحُّ كاتخاذ الشريك، والأمران جميعاً داخلان في حدِّ الاستحالة، لأن الولد أو الشريك يوجب المساواة في القَدْرِ، والصمدية تتقدَّسُ عن جواز أن يكون له مِثْلٌ أو جنس. قوله جل ذكره: {إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ فَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ}. كُلُّ أمرٍ نِيطَ باثنين فقد انتفى عنه النظامُ وصحةُ الترتيب، وأدلة التمانع مذكورة في مسائل الأصول. {سُبْحَانَ ٱللَّهِ} تقديساً له، وتنزيهاً عما وصفوه به {عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ} تَنَزَّهَ عن أوهامِ مَنْ أشرك، وظنونِ مَنْ أفِكَ.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ} نزه نفسه سبحانه عن مخائيل الزنادقة وكان منزها عن اباطيل اشارة المشبهة وذاته ممتنع كمال احديته عن زعم الثنوية كيف يجوز ان يكون القدم محل الحوادث اذا القدم المنزه اذا تجلى بنعت القدم للحدثان صار معدوما كالعدم تعالى الله عن كل وهم اشارة قال الحسين الصمدية ممتنعة من قبول ما لا يليق بها لان الصمدية تنافى اضدادها على الابد وهى ممتنعة عن درك معانيها فكيف تبع مع اضادها وما لا يليق بها.

اسماعيل حقي

تفسير : {ما اتخذ الله من ولد} كما يقول النصارى والقائلون ان الملائكة بنات الله لانه لم يجانس احد ولم يمائله حتى يكون من جنسه وشبهه صاحبه فيتوالدا {وما كان معه من اله} يشاركه فى الالوهية كما يقول عبدة الاصنام وغيرهم والآية حجة على من يقول خالق النور غير خالق الظلمة {اذا} [آن هنكام] وهو يدخل على جواب وجزاء وهو {لذهب كل اله بما خلق} ولم يتقدمه شرط لكن قوله وما كان معه من اله يدل على شرط محذوف تقديره ولو كان معه آلهة لانفرد كل اله بما خلقه واستبدّ به دون الاله الآخر وامتاز ملكه عن ملك الآخر: وبالفارسية [ببرد خداى آنراكه آفريده بود ودرآن مستقل ومستبد باشد بس مخلوقات اين خداى از مخلوق ديكر ومشاهده ميرودكه ميان هيج مخلوقات علامت تميز نيست بس ثابت شدكه با اوهيج خداى نيست وحده لا شريك له. وفى التأويلات النجمية يشير الى ان اتخاذ الولد لا يصح كاتخاذ الشريك والامر ان جميعا داخلان فى حد الاستحالة لان الولد والشريك يوجب المساواة فى القدر والصمدية تتقدس عن جواز ان يكون له مثل اوجنس ولو تصورنا جوازه اذا لذهب كل اله بما خلق فكل امر نيط باثنين فقد انتفى عن النظام وصحة الترتيب شعر : بروحدتش صحيفة لا ريب حجتست اينك نوشته ازشهد الله بران كواه تفسير : {ولعلا} لغلب {بعضهم على بعض} كما هو الجارى فيما بين ملوك الدنيا فلم يكن بيده وحده ملكوت كل شىء وهو باطل لا يقول له عاقل قط. قال الكاشفى [اكر باوخدايى بودى وجنانجه كفته شد مخلوق خودرا خدا كردى وملك آواز ملك اين ممتاز شدى هر آبينه طرح نزاع وحرب ميان ايشان بديد آمدى جنانجه ازحال ملوك دنيا معلومست وباجماع واستقرا معلوم شدكه اين تجارب وتنازع واقع نيست بس اورا شريك نبود]، قال فى الاسئلة المقحمة {ولعلا بعضهم على بعض} اى لغلب منهما القوى على الضعيف وهو دليل على انه لو كان الهان لوقع التمانع بينهما بالعلم والقدرة فانه اذا اراد احدهما احياء زيد والآخر افناءه استوت قدرتهما بمنع كل واحد منهما فعل صاحبه ومهما ارتفع مراد احدهما غلب صاحبه بالقدرة ونظيره حبل يتجاذبه اثنان فاذا استويا فى القدرة بقيا متجاذبين فان غلب احدهما بالجذب لم يبق لفعل الآخر اثر فهو معنى الآية {سبحان الله} نزهوه تنزيها، وقال الكاشفى [باكست خداى تعالى]، وفى بحر العلوم تنزيه وتعجيب {عما يصفون} اى يصفونه ويضيفونه اليه من الاولاد والشركاء.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {ما اتخذَ الله من ولدٍ}، خلاف ما يقوله النصارى، والعرب التي قالت: للملائكة بنات الله، تعالى عن قولهم علواً كبيراً، {وما كان معه من إلهٍ} يُشاركه في ألوهيته، كما يقول عبدة الأوثان وغيرهم، {إذاً لذهب كل إله بما خلق} أي: لو كان معه آلهة، كما يزعمون، لذهب كل واحد منهم بما خلقه واستبد به؛ ليتميز ملكه من ملك الآخر، ووقع بينهم التغالب والتحارب، كما هو الجاري بين الملوك، {ولعلا بعضُهم على بعضٍ}: ولغلب بعضهم على بعض، وارتفع عليه، كما ترون حال ملوك الدنيا؛ ممالكهم متمايزة وهم متغالبون، وحين لم تروا أثراً لتمايز الممالك والتغالب؛ فاعلموا أنما هو إله واحد. قال ابن جُزَيّ: وليس هذا البرهان بدليل التمانع، كما فهم ابن عطية وغيره، بل بدليل آخر. وقال في قوله: {لو كان فيها آلهة إلا الله لفسدتا}: قال كثير من الناس: إنه دليل التمانع الذي أورده المتكلمون، والظاهر من اللفظ أنه استدلال آخر أصح منه. هـ قال النسفي: ولا يقال: "إذاً" لا تدخل إلا على كلام هو جزاء وجواب، وهو هنا وقع لذهب؛ جزاءً وجواباً، ولم يتقدمه شرط ولا سؤال سائل؛ لأن الشرط هنا محذوف، تقديره: لو كان معه آلهة كما يزعمون لذهب...إلخ، دل عليه: (وما كان معه من إله)،وهو جواب لمن حاجّه من المشركين. هـ. {سبحان الله عما يصفون} من الأنداد والأولاد، {عالِمِ الغيبِ والشهادةِ} أي: السر والعلانية، أو ما ظهر من حس الأكوان، وما غاب فيها وعنها، فمن جرّ "عالم"؛ فبدل من الجلالة، او صفة له، ومن رفعه؛ فخبر عن مضمر، أي: هو عالم. {فتعالى عمّا يُشركون} من الأصنام وغيرها، والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها؛ فإنَّ تفرده تعالى بالألوهية والعلم المحيط، موجب لتعاليه عن أن يكون له شريك. والله تعالى أعلم. الإشارة: ثلاثة إذا تعددت فسد النظام: الإله, والسلطان, والطبيب؛ فلو تعدد الإله لفسد نظام العالم, ولو تعدد الْملك لفسدت الرعية بالهرج والفتن, ولو تعدد الطبيب لفسد العلاج. والطبيب على قسمين: طبيب الأبدان, وطبيب القلوب, وهو شيخ التربية, فإذا تعدد على مريد واحد فسدت تربيته؛ لانقسام محبته واختلاف علاجه, فالمريد, إذا علق قلبه بغير شيخه, لا ينهض نهوض من جمع همته على شيخه, بل لا يجيء منه شيء. والله تعالى أعلم. قال القشيري: كل أمر نِيطَ بين اثنين انتفى عنه النظام وصحةُ التربية. هـ. وقال الورتجبي: نزه الحق - سبحانه - ذاته عن مخايل الزنادقة، وكان منزهاً عن أباطيل إشارة المشبهة، وذاته ممتنعة بكمال أحديته، عن زعم الثنوية، كيف يجوز أن يكون القِدم محل الحوادث؛ إذ القديم المنزه، إذا تجلى بنعت القدم للحدثان، صار معدوماً كالعدم، تعالى الله عن كل وهْم وإشارة. هـ. ولما توعدهم بالعذاب على كفرهم أمر بنبيه عليه الصلاة والسلام بالدعاء

الطوسي

تفسير : قرأ {عالم الغيب} بالجر ابن كثير وأبو عمرو، وابن عامر وحفص عن عاصم. الباقون بالرفع. من جر رده على قوله {سبحان الله.... عالم الغيب} فجعله صفة لله. ومن رفعه، فعلى تقدير هو {عالم الغيب}. يقول الله تعالى مخبراً أنه لم يتخذ ولداً اي لم يجعل ولد غيره ولد نفسه، لاستحالة ذلك عليه، لانه محال أن يكون له ولد، فلا يجوز التشبيه بما هو مستحيل ممتنع إلا على النفي والتبعيد. واتخاذ الولد: أن يجعل الجاعل ولد غيره يقوم مقام ولده لو كان له. وكذلك التبني إنما هو جعل الجاعل ابن غيره يقوم مقام ابنه الذي يصح أن يكون ولداً له. ولذلك لا يقال: تبنى شاب شيخاً، ولا تبنى الانسان بهيمة، لما استحال ان يكون ذلك ولداً له، ولا يجوز أن يقال: اتخذه ولداً، اذا اختصه بضرب من المحبة، لأن فى ذلك إخراج الشيء عن حقيقته كما أن تسمية ما ليس بطويل عريض عميق جسماً إخراج له عن حقيقته. ثم اخبر انه كما لم يتخذ ولداً، لو يكن معه إله. وهذا جواب لمحذوف، وتقديره: لو كان معه إله آخر {إذاً لذهب كل إله بما خلق ولعلى بعضهم على بعض} وفيه إلزام لمن يعبد الاصنام. وقوله {أية : لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} تفسير : دليل عام في نفي مساو للقديم فيما يقدر عليه من جميع الاجناس والمعاني. ومعنى {إذاً لذهب كل إله بما خلق} أي لانفرد به ولحوله من خلق غيره، لانه لا يرضى أن يضاف خلقه وانعامه الى غيره. فان قيل: لم لا يكون كل واحد منهم حكيماً، فلا يستعلي على حكيم غيره؟ قلنا: لانه إذا كان جسماً وكل جسم محتاج، جاز منه أن يستعلي لحاجته، بل لا بد من أن يقع ذلك منه، لانه ليس له مدبر يلطف له حتى يمتنع من القبيح الذي يحتاج اليه، كما يلطف الله لملائكته وانبيائه بما في معلومه انهم يصلحون به. ثم نزه نفسه تعالى عن اتخاذ الولد وأن يكون معه إله غيره، فقال {سبحان الله عما يصفون} من الاشراك معه، واتخاذ الولد له. وقوله {عالم الغيب والشهادة} فلذلك يأتي بالحق، وهم يأتون بالجهل. ويحتمل ان يكون معناه إن عالم الغيب والشهادة لا يكون له شريك، لانه أعلى من كل شيء فى صفته. قال الحسن: هو ردّ لقول المشركين: الملائكة بنات الله. وقال الجبائي: فى الآية دلالة على انه يجوز ان يدعو الانسان بما يعلم انه يكون لا محالة وأن الله لا بد أن يفعله. ثم قال تعالى {فتعالى عما يشركون} أي تعاظم الله عن ان يشرك هؤلاء الكفار معه من الاصنام والاوثان. ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وسلم) {قل رب إما تريني ما يوعدون} ومعناه إن أريتني ما وعد هؤلاء الكفار به من العذاب والاهلاك. فقل يا {رب فلا تجعلني في القوم الظالمين} أي لا تجعلني فى جملة من يشملهم العذاب بظلمهم، وتقديره: إن انزلت بهم النقمة، فاجعلني خارجاً منهم. فقال الله تعالى {وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون} معناه إن ما وعدتهم به من العذاب والاهلاك على كفرهم قادر عليه، لكني لا أفعله وأؤخره الى يوم القيامة لما في تأخيره من المصلحة.

الجنابذي

تفسير : {مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ} جواب سؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: قد علم حال منكرى البعث فما حال من جعل لله ولداً ومن جعل معه الهة اخرى اصحيح هذا منهم ام لا؟- فقال: ما اخذ الله من ولدٍ لانّ الولد ما يكون مماثلاً للوالد فى الذّات ولوازمها فلو كان لله ولد لكان مثله الهاً آخر لزمه ما لزم كون الالهة معه ولذلك لم يأت ببرهان بطلانه واكتفى ببرهان تعدّد الآلهة {وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ إِذاً لَّذَهَبَ} اذاً ظرف لمحذوف والتّقدير لو كان معه اله اذاً لذهب {كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} يعنى لو كان الاله اثنين لا يخلو امّا ان يكونا قادرين قويّين او عاجزين ضعيفين، او يكون احدهما قادراً قويّاً والآخر عاجزاً ضعيفاً، فان كان احدهما قويّاً والآخر عاجزاً يكون الاله واحداً، وان كانا ضعيفين لم يكن شيءٌ منهما الهاً للضّعف الظّاهر فيهما، وان كانا قويّين قديرين لزم ان يكون كلّ منهما قادراً عاجزاً غالباً مغلوباً؛ وهو محال، وذلك لانّ اقتضاء الآلهة القدرة التّامّة واقتضاء القدرة التّامّة ان يكون كلّ ما سواه مقدوراً له فلو فرض الاله اثنين لزم ان يكون كلّ واحد منهما قادراً لفرض الآلهة فيه مقدوراً لغيره لفرض الآلهة غيره، فهذه الحجّة من الله تعالى برهان تامّ لو انضمّ اليه بعض المقدّمات المذكورة المعلومة من عنوان الالهة ويكون معنى قوله لعلا بعضهم على بعض لعلا كلّ بعضٍ منهم على كلّ بعضٍ بجعل اضافة البعض للاستغراق {سُبْحَانَ ٱللَّهِ} بمنزلة النّتيجة للسّابق {عَمَّا يَصِفُونَ} من الولد والشّريك.

اطفيش

تفسير : {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ} لتقدمه عن مائلة احد واستغنائه عن الولد و(من) زائد في المفعول لتأكيد النفي {وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ} وذلك انهم (ادعوا) الملائكة وعزير والمسيح اولاده كل فرقة وقولها واثبتوا له اندادا. {إِذَاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهِ بِمَا خَلَقَ} ينفرد به ويمنع الآخر من الاستيلاء عليه وامتاز كل بملكه * {وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ} وقع بينهم التحارب والتغالب كما ترى بين ملوك الدنيا فلا يكون بيده ملكوت كل شيء والازم باطل بالاجماع والاستقراء وشرطها وقيام البرهان كما مر في سورة الانبياء فكذا الملزوم وذلك من الشكل الاول واذاً حرف جواب نائبة عن لو اي لو كان معه آله لذهب ولما كان علا بعضهم على البعض معطوفا على جواب لو قرن باللام كما قرن الجواب وحذف الشرط لدلالة وما كان معه من آله ومن زائدة في اسم كان لتأكيد النفي وليست اذا في الآية للجزاء الا بتكلف وما ذكرته من نيابتها عن لو وشرطها هو قول وقال ابن هشام تقدر قبلها لو بلا نيابة قال عن الفراء حيث جاءت بعدها اللام فقبلها لو مقدرة ان لم تكن ظاهرة انتهى. {سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} اي اسبح الله تسبيحا أو سبحوا وسبح يا محمد حذف اسبح او مثله وناب عنه سبحان الذي هو اسم التسبيح واضيف للمفعول وكذا في مثله وما مصدرية اي عن وصفهم اياه بما لا يليق من الولادة وغيرها أو اسم اي عن الوصف الذي يصفونه اياه فالهاء مفعول مطلق عائد وإياه ضمير الله مفعول ومن جعلها اسما وقدر عما يصفونه به فقد وقع في حذف العائد الذي لا يحذف الا قليلا.

اطفيش

تفسير : {ما اتَّخذ الله من ولد} لأن ما يلد جسم متحيز حادث، والله ليس كذلك، ولا عرضاً تعالى، والولد لمن يموت، والله لا يموت، ولمن يحتاج، والله لا يحتاج، ولمن تصح له المماثلة له سبحانه {وما كان معه من إله إذاً لذّهب كُلُّ إله بمَا خلقَ} إذا حرف جواب وجزاء، واللام فى جواب قسم، اى والله إذا لذهب ومعنى إذاً اعتبار ثبوت إله معه، وذلك كقوله تعالى: "أية : ولئن أرسلنا ريحاً فرأوه مُصفراً لظلُّوا من بعده يكفرون"تفسير : [الروم: 51] وشهر تقدير لو، فاللام فى جوابها، أى لو كان معه آلهةإذا لذهب، ومعنى لذهب الخ لامتاز كل بما ملك عن الآخر واستقل به. {ولعلا بعْضُهم على بعض} بالتغالب كما بين الملوك واللازم، وهو ذهاب كل بما خلق، وعلو بعض على باطل، فتعدد لا إله إلا الله باطل للزوم ألوهية الجميع، أو ألوهية ما عدا واحد منهم، وهو خلاف المفروض {سبحان الله عما يَصفونَ} عن وصفهم، أو عن الوصف الذى يصفونه، فحذف الرابط المجرور، وقد قال بعض بجواز حذفه بلا شرط، إذا ظهر المعنى.

الالوسي

تفسير : {مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ} لتنزهه عز وجل عن الاحتياج وتقدسه تعالى عن مماثلة أحد. {وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـٰهٍ} يشاركه سبحانه في الألوهية {إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ } أي لاستبد بالذي خلقه واستقل به تصرفاً وامتاز ملكه عن ملك الآخر {وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ } ولوقع التحارب والتغالب بينهم كما هو الجاري فيما بين الملوك والتالي باطل لما يلزم من ذلك نفي ألوهية الجميع أو ألوهية ما عدا واحداً منهم وهو خلاف المفروض أو لما أنه يلزم أن لا يكون بيده تعالى وحده ملكوت كل شيء وهو باطل في نفسه لما برهن عليه في الكلام وعند الخصم لأنه يقول باختصاص ملكوت كل شيء به تعالى كما يدل عليه السؤال والجواب السابقان آنفاً كذا قيل، ولا يخفى أن اللزوم في الشرطية المفهومة من الآية عادي لا عقلي ولذا قيل: إن الآية إشارة إلى دليل إقناعي للتوحيد لا قطعي. وفي «الكشف»: قد لاح لنا من لطف الله تعالى وتأييده أن الآية برهان نير على توحيده سبحانه، وتقريره أن مرجح الممكنات الواجب الوجود تعالى شأنه جل عن كل كثرة أما كثرة المقومات أو الأجزاء الكمية فبينة الانتفاء لإيذانها بالإمكان، وأما التعدد مع الاتحاد في الماهية فكذلك للافتقار إلى المميز ولا يكون مقتضى الماهية لاتحادهما فيه فيلزم الإمكان، ثم المميزان في الطرفين صفتا كمال لأن الاتصاف بما لا كمال فيه نقص فهما ناقصان ممكنان مفتقران في الوجود إلى مكمل خارج هو الواجب بالحقيقة، وكذلك الافتقار في كمال ما للوجود يوجب الإمكان لإيجابه أن يكون فيه أمر بالفعل وأمر بالقوة واقتضائه التركيب والإمكان. ومن هنا قال العلماء: إن واجب الوجود بذاته واجب بجميع صفاته ليس له أمر منتظر ومع الاختلاف في الماهية يلزم أن لا يكون المرجح مرجحاً أي لا يكون الإلٰه إلٰهاً لأن كل واحد واحد من الممكنات إن استقلا بترجيحه لزم توارد العلتين التامتين على معلول شخصي وهو ظاهر الاستحالة فكونه مرجحاً إلٰهاً يوجب الافتقار إليه وكون غيره مستقلاً بالترجيح يوجب الاستغناء عنه فيكون مرجحاً غير مرجح في حالة واحدة، وإن تعاونا فكمثل إذ ليس ولا واحد منهما بمرجح وفرضاً مرجحين مع ما فيه من العجز عن الإيجاد والافتقار إلى الآخر، وإن اختص كل منهما ببعض مع أن الافتقار إليهما على السواء لزم اختصاص ذلك المرجح بمخصص يخصصه بذلك البعض بالضرورة وليس الذات لأن الافتقار إليهما على السواء فلا أولوية للترجيح من حيث الذات ولا معلول الذات لأنه يكون ممكناً والكلام فيه عائد فيلزم الحال من الوجهين الأولين أعني الافتقار إلى مميز غير الذات ومقتضاها ولزوم النقص لكل واحد لأن هذا المميز صفة كمال ثم مخصص كل بذلك التمييز هو الواجب الخارج لا هما، وإلى المحال الأول الإشارة بقوله تعالى: {إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ} وهو لازم على تقدير التخالف في الماهية واختصاص كل ببعض، وخص هذا القسم لأن ما سواه أظهر استحالة، وإلى / الثاني الإشارة بقوله سبحانه: {وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} أي إما مطلقاً وإما من وجه فيكون العالي هو الإلٰه أو لا يكون ثم إلٰه أصلاً وهذا لازم على تقديري التخالف والاتحاد والاختصاص وغيره فهو تكميل للبرهان من وجه وبرهان ثان من آخر، فقد تبين ولا كفرق الفجر أنه تعالى هو الواحد الأحد جعل وجوده زائداً على الماهية أولاً فاعلاً بالاختيار أولا، وليس برهان الوحدة مبنياً على أنه تعالى فاعل بالاختيار كما ظنه الإمام الرازي قدس سره انتهى، وهو كلام يلوح عليه مخايل التحقيق، وربما يورد عليه بعض مناقشات تندفع بالتأمل الصادق. وما أشرنا إليه من انفهام قضية شرطية من الآية ظاهر جداً على ما ذهب إليه الفراء فقد قال: إن {إذاً} حيث جاءت بعدها اللام فقبلها لو مقدرة إن لم تكن ظاهرة نحو {إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ} فكأنه قيل: لو كان معه ءالهة كما تزعمون لذهب كل الخ. وقال أبو حيان: {إذاً} حرف جواب وجزاء ويقدر قسم يكون {لَذَهَبَ} جواباً له، والتقدير والله إذاً أي إن كان معه من إلٰه لذهب وهو في معنى ليذهبن كقوله تعالى: { أية : وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً لَّظَلُّواْ } تفسير : [الروم: 51] أي ليظلن لأن إذاً تقتضي الاستقبال وهو كما ترى. وقد يقال: إن {إِذاً} هذه ليست الكلمة المعهودة وإنما هي إذاً الشرطية حذفت جملتها التي تضاف إليها وعوض عنها التنوين كما في يومئذ والأصل إذا كان معه من إلٰه لذهب الخ، والتعبير بإذاً من قبيل مجاراة الخصم، وقيل: {كُلُّ إِلَـٰهٍ} لما أن النفي عام يفيد استغراق الجنس و {مَا} في {بِمَا خَلَقَ} موصولة حذف عائدها كما أشرنا إليه. وجوز أن تكون مصدرية ويحتاج إلى نوع تكلف لا يخفى. ولم يستدل على انتفاء اتخاذ الولد إما لغاية ظهور فساده أو للاكتفاء بالدليل الذي أقيم على انتفاء أن يكون معه سبحانه إلٰه بناء على ما قيل إن ابن الإلٰه يلزم أن يكون إلٰهاً إذ الولد يكون من جنس الوالد وجوهره وفيه بحث. {سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} مبالغة في تنزيهه تعالى عن الولد والشريك، و(ما) موصولة وجوز أن تكون مصدرية. وقرىء {تصفون} بتاء الخطاب.

ابن عاشور

تفسير : أتبع الاستدلال على إثبات الوحدانية لله تعالى بالاستدلال على انتفاء الشركاء له في الإلهية. وقدمت النتيجة على القياس لتجعل هي المطلوب فإن النتيجة والمطلوب متحدان في المعنى مختلفان بالاعتبار، فهي باعتبار حصولها عقب القياس تسمى نتيجة، وباعتبار كونها دعوى مقام عليها الدليل وهو القياس تسمى مطلوباً كما في علم المنطق. ولتقديمها نكتة أن هذا المطلوب واضح النهوض لا يفتقر إلى دليل إلا لزيادة الاطمئنان فقوله: {ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إلٰه} هو المطلوب وقوله {إذاً لذهب كل إلٰه بما خلق} إلى آخر الآية هو الدليل. وتقديم هذا المطلوب على الدليل أغنى عن التصريح بالنتيجة عقب الدليل. وذكر نفي الولد استقصاء للرد على مختلف عقائد أهل الشرك من العرب فإن منهم من توهم أنه ارتقى عن عبادة الأصنام فعبدوا الملائكة وقالوا: هم بنات الله. وإنما قدم نفي الولد على نفي الشريك مع أن أكثر المشركين عبدة أصنام لا عبدة الملائكة نظراً إلى أن شبهة عبدة الملائكة أقوى من شبهة عبدة الأصنام لأن الملائكة غير مشاهدين فليست دلائل الحدوث بادية عليهم كالأصنام، ولأن الذين زعموهم بنات الله أقرب للتمويه من الذين زعموا الحجارة شركاء لله، وقد أشرنا إلى ذلك آنفاً عند قوله تعالى { أية : قل من رب السماوات السبع } تفسير : [المؤمنون: 86] الآية. و(إذن) حرف جواب وجزاء لكلام قبلها ملفوظ أو مقدر. والكلام المجاب هنا هو ما تضمنه قوله {وما كان معه من إلٰه} فالجواب ضد ذلك النفي. وإذ قد كان هذا الضد أمراً مستحيل الوقوع تعين أن يقدر له شرط على وجه الفرض والتقدير، والحرف المعد لمثل هذا الشرط هو (لو) الامتناعية، فالتقدير: ولو كان معه إله لذهب كل إله بما خلق. وبقاء اللام في صدر الكلام الواقع بعد (إذن) دليل على أن المقدر شرط (لو) لأن اللام تلزم جواب (لو) ولأن غالب مواقع (إذن) أن تكون جواب (لو) فلذلك جاز حذف الشرط هنا لظهور تقديره. وقد تقدم بيان ذلك عند قوله تعالى: { أية : إنكم إذن مثلهم } تفسير : في سورة النساء (140). فقوله: {إذن لذهب كل إلٰه بما خلق} استدلال على امتناع أن يكون مع الله آلهة. وإنما لم يستدل على امتناع أن يتخذ الله ولداً لأن الاستدلال على ما بعده مغن عنه لأن ما بعده أعم منه وانتفاء الأعم يقتضي انتفاء الأخص فإنه لو كان لله ولد لكان الأولاد آلهة لأن ولد كل موجود إنما يتكون على مثل ماهية أصله كما دل عليه قوله تعالى: { أية : قل إن كان للرحمٰن ولد فأنا أول العابدين } تفسير : [الزخرف: 81] أي له. والذهاب في قوله {لذهب كل إلٰه} مستعار للاستقلال بالمذهوب به وعدم مشاركة غيره له فيه. وبيان انتظام هذا الاستدلال أنه لو كان مع الله ءالهة لاقتضى ذلك أن يكون الآلهة سواء في صفات الإلهية وتلك الصفات كمالات تامة فكان كل إلٰه خالقاً لمخلوقات لثبوت الموجودات الحادثة وهي مخلوقة، فلا جائز أن تتوارد الآلهة على مخلوق واحد لأن ذلك: إما لعجز عن الانفراد بخلق بعض المخلوقات وهذا لا ينافي الإلهية، وإما تحصيل للحاصل وهو محال، فتعين أن ينفرد كل إلٰه بطائفة من المخلوقات. ولنفرض أن تكون مخلوقات كل إلٰه مساوية لمخلوقات غيره بناء على أن الحكمة تقتضي مقداراً معيناً من المخلوقات يعلمها الإلٰه الخالق لها؛ فتعين أن لا تكون للإلٰه الذي لم يخلق طائفة من المخلوقات ربوبيةٌ على ما لم يخلقه وهذا يفضي إلى نقص في كل من الآلهة وهو يستلزم المحال لأن الإلٰهية تقتضي الكمال لا النقص. ولا جرم أن تلك المخلوقات ستكون بعد خلقها معرضة للزيادة والنقصان والقوة والضعف بحسب ما يحف بها عن عوارض الوجود التي لا تخلو عنها المخلوقات كما هو مشاهد في مخلوقات الله تعالى الواحد. ولا مناص عن ذلك لأن خالق المخلوقات أودع فيها خصائص ملازمة لها كما اقتضته حكمته، فتلك المخلوقات مظاهر لخصائصها لا محالة فلا جرم أن ذلك يقتضي تفوق مخلوقات بعض الآلهة على مخلوقات بعض آخر بعوارض من التصرفات والمقارنات لازمة لذلك، لا جرم يستلزم ذلك كله لازمين باطلين: أولهما: أن يكون كل إلٰه مختصاً بمخلوقاته فلا يتصرف فيها غيره من الآلهة ولا يتصرف هو في مخلوقات غيره، فيقتضي ذلك أن كل إلٰه من الآلهة عاجز عن التصرف في مخلوقات غيره. وهذا يستلزم المحال لأن العجز نقص والنقص ينافي حقيقة الإلهية. وهذا دليل برهاني على الوحدانية لأنه أدى إلى استحالة ضدها. فهذا معنى قوله تعالى: {لذهب كل إلٰه بما خلق}. وثاني اللازمين أن تصير مخلوقات بعض الآلهة أوفر أو أقوى من مخلوقات إلٰه آخر بعوارض تقتضي ذلك من آثار الأعمال النفسانية وآثار الأقطار والحوادث كما هو المشاهد في اختلاف أحوال مخلوقات الله تعالى الواحد، فلا جرم أن ذلك يفضي إلى اعتزاز الإلٰه الذي تفوقت مخلوقاته على الإلٰه الذي تنحط مخلوقاته، وهذا يقتضي أن يصير بعض تلك الآلهة أقوى من بعض وهو مناف للمساواة في الإلهية. وهذا معنى قوله تعالى: {ولعلا بعضهم على بعض}. وهذا الثاني بناء على المعتاد من لوازم الإلهية في أنظار المفكرين، وإلا فيجوز اتفاق الآلهة على أن لا يخلقوا مخلوقات قابلة للتفاوت بأن لا يخلقوا إلا حجارة أو حديداً مثلاً؛ إلا أن هذا ينافي الواقع في المخلوقات. ويجوز اتفاق الآلهة أيضاً على أن لا يعتز بعضهم على بعض بسبب تفاوت ملكوت كل على ملكوت الآخر بناء على ما اتصفوا به من الحكمة المتماثلة التي تعصمهم عن صدور ما يؤدي إلى اختلال المجد الإلهي؛ إلا أن هذا المعنى لا يخلو من المصانعة وهي مشعرة بضعف المقدرة. فبذلك كان الاستدلال الذي في هذه الآية برهانياً، وهو مثل الاستدلال الذي في قوله تعالى { أية : لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا } تفسير : [الأنبياء: 22] إلا أن هذا بني على بعض لزوم النقص في ذات الآلهة وهو ما لا يجوزه المردود عليهم، والآخر بني على لزوم اختلال أحوال المخلوقات السماوية والأرضية وهو ما تبطله المشاهدة. أما الدليل البرهاني الخالص على استحالة تعدد الآلهة بالذات فله مقدمات أخرى قد وفّى أيمة علم الكلام بسطها بما لارواج بعده لعقيدة الشرك. وقد أشار إلى طريقة منها المحقق عمر القزويني في هذا الموضع من «حاشيته» على «الكشاف» ولكنه انفرد بادعاء أنه مأخوذ من الآية وليس كما ادعى. وقد ساقه الشهاب الآلوسي فإن شئت فتأمله. ولما اقتضى هذا الدليل بطلان قولهم عقب الدليل بتنزيه الله تعالى عن أقوال المشركين بقوله تعالى: {سبحان الله عما يصفون} وهو بمنزلة نتيجة الدليل. وما يصفونه به هو ما اختصوا بوصفهم الله به من الشركاء في الإلهية ومن تعذر البعث عليه ونحو ذلك وهو الذي جرى فيه غرض الكلام. وإنما أتبع الاستدلال على انتفاء الشريك بقوله {علام الغيب والشهادة} المراد به عموم العلم وإحاطته بكل شيء كما أفادته لام التعريف في {الغيب والشهادة} من الاستغراق الحقيقي، أي عالم كل مغيب وكل ظاهر، لدفع توهم أن يقال: إن استقلال كل إلٰه بما خلق قد لا يفضي إلى علو بعض الآلهة على بعض، لجواز أن لا يعلم أحد من الآلهة بمقدار تفاوت ملكوته على ملكوت الآخر فلا يحصل علو بعضهم على بعض لاشتغال كل إله بملكوته. ووجه الدفع أن الإله إذا جاز أن يكون غير خالق لطائفة من المخلوقات التي خلقها غيره لئلا تتداخل القُدَر في مقدورات واحدة لا يجوز أن يكون غير عالم بما خلقه غيره لأن صفات العلم لا تتداخل، فإذا علم أحد الآلهة مقدار ملكوت شركائه فالعالم بأشدية ملكوته يعلو على من هو دونه في الملكوت. فظهر أن قوله {عالم الغيب والشهادة} من تمام الاستدال على انتفاء الشركاء، ولذلك فرع عنه بالفاء قوله {فتعالى عما يشركون}. وقرأ نافع وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وأبو جعفر وخلف {عالمُ الغيب} برفع {عالم} على أنه خبر مبتدأ محذوف وهو من الحذف الشائع في الاستعمال إذا أريد الإخبار عن شيء بعد أن أجريت عليه أخبار أو صفات. وقرأه ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وحفص عن عاصم ويعقوب بجر {عالم} على الوصف لاسم الجلالة في قوله {سبحان الله عما يصفون}. و(ما) مصدرية. والمعنى فتعالى عن إشراكهم، أي هو أعظم من أن يكون موصوفاً بكونه مشاركاً في وصفه العظيم، أي هو منزه عن ذلك.

الشنقيطي

تفسير : بين الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة ثلاث مسائل: الأولى: أنه لم يتخذ ولداً سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً. والثانية: أنه لم يكن معه إله آخر سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً. والثالثة: أنه أقام البرهان على استحالة تعدد الآلهة بقوله: {إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} أما ادعاؤهم له الأولاد، فقد بينا الآيات الدالة على عظم فريتهم في ذلك، وظهور بطلان دعواهم، ورد الله عليهم في ذلك مواضع متعددة، فقد أوضحناه في سورة النحل في الكلام، على قوله تعالى: {أية : وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِٱلأُنْثَىٰ}تفسير : [النحل: 57-58] الآية. وذكرنا طرفاً منه في أول الكهف في الكلام على قوله: {أية : وَيُنْذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً}تفسير : [الكهف: 4] وفي مواضع غير ما ذكر، فأغنى ذلك عن إعادته. وأما تفرده تعالى بالألوهية مع إقامة الدليل على ذلك فقد بيناه، وذكرنا ما يدل عليه من الآيات في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى: {أية : قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِي ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً}تفسير : [الإسراء: 42] ولم نتعرض لما يسميه المتكلمون دليل التمانع، لكثرة المناقشات الواردة على أهل الكلام فيه، وإنما بينا الآيات، بالقرآن على طريق الاستدلال القرآني بها فأغنى ذلك عن إعادته هنا.

القطان

تفسير : الغيب: ما غاب عنا. الشهادة: الحاضر الآن. همزات الشياطين: وساوسهم. من ورائهم: من امامهم. برزخ: حاجز. {مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ}. من الحقِّ الذي جاء به الرسولُ الكريم من عند ربه معلَناً للناس كافة أن الله تعالى لم يلدْ ولم يولد ولم يتخذْ ولدا، ولم يشاركْهُ في الملك إلهٌ آخر، وبيّن ذلك بدليلين: 1 - إذاً لذهبَ كل إلهٍ ما خلق. يستقل كل اله بما خلقه، يصرّفُه حسب ما يريد، فيصبح لكلّ جزءٍ من الكون، او لكل فريقٍ من المخلوقات - قانون خاص، ويحصل التباين في نظام هذا الكون... وهذا غير واقعٍ، فنظام الكون منسَّق منتظم{أية : مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتِ}تفسير : [الملك:3]. 2 - ولَعلا بعضُهم على بعض. ولحصَلَ خلافٌ كبير بين الإلهين، وقهر أحدُهم الآخر، وكل هذه الامور غير موجودة. على العكس فإن وحدةَ الكون ظاهرةٌ تشهد بوحدة مكوّنه، بوحدة خالقه، وكل شيء في هذا الكون يبدو متناسقاً منتظماً بلا تصادم ولا نزاع. وبعد ان وضَح الحقّ وصار كفَلَقِ الصبح جاء بما هو كالنتيجة لذلك فقال: {سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} تنزه اللهُ عما يقوله المشركون مما يخالف الحق. ثم وصف نفسه بصفات الكمال فقال: {عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ فَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} هو العالم بما غاب عن خلقه من الاشياء فلا يرونه ولا يشاهدونه، وبما يرونه ويعملونه، فليس لغيره من خلْقٍ يستقلّ به، فتنزه اله عما ينسبُه الكافرون إليه من وجود الشريك. ثم بعد أن يقرر هذه الحقائقَ يأمر رسولَه الكريم ان يتوجّه إليه، وان لا يجعله قريناً لهؤلاء المشركين، وأن يستعيذَ به من الشياطين، فلا تثور نفسُه، ولا يضيق صدره بما يقولون: {قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ رَبِّ فَلاَ تَجْعَلْنِي فِي ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} قل: يا رب، إنْ عاقبتَهم وانا أشاهدُ ذلك فإني اسألك ان لا تجعلني مع القوم الكافرين. والرسولُ عليه الصلاة والسلام في منجاةٍ من ان يجعلَه الله مع القوم الظالمين حين يحلُّ بهم العذاب، ولكن هذا تعليمٌ له وللمؤمنين ان لا يؤمنوا مكر الظالمين، وان يظلّوا أبداً أيقاظا، يلوذون بحمى الله. روى الإمام أحمد والترمذي ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو ويقول: "حديث : واذا أردتَ بقومٍ فتنةً فتوفَّني غيرَ مفتون " تفسير : {وَإِنَّا عَلَىٰ أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ}. ان الله قادرٌ على ان يحقّق ما وعدَ به الظالمين في حياة الرسول عليه الصلاة والسلام. ولقد أراه بعضَ ما وعدهم في غزوة بدرٍ من قتلِ زعمائهم، وفي غزوة الفتح من النصر العظيم. ثم أرشده الى ما يفعل بهم إذا لحِقه أذاهم، وهو أن يصبر حتى يأتي امر الله: {ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ٱلسَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ} استمر يا محمد في دعوتك، وقابلْ إساءتهم بالتي هي أحسن، ومن العفو والصبر والتجاوز عن جهلهم... نحن أعلمُ بما يصفوننا به، وبما يصفون دعوتك من سوء وافتراء، وسنجازيهم عليه. رُوي عن أنس رضي الله عنه: "يقول الرجل لأخيه ما ليس فيه، فيقول له: ان كنتَ كاذباً فإني أسأل الله ان يغفر لك، وان كنتَ صادقاً فإني أسأل الله ان يغفر لي". ولمّا أدّب الله رسولَه الكريم بأن يدفع بالحسنى أرشده إلى ما يقوى به على ذلك، من الاستعاذة من هَمزات الشياطين. {وَقُلْ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّياطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ} وقل أيها الرسول: يا رب، إني ألتجىء اليك من أثر وساوسِ الشياطين، وان يبعثوا إليَّ أعدائك لإيذائي، وان يكونوا بعيدين عني في جميع أعمالي، ليكون عملي خالصاً لوجهك الكريم. أخرج الامام أحمد وأبو داود والترمذي عن عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده قال: حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلّمنا كلماتٍ نقولها عند العزم خوف الفزع: "بسم الله، اعوذ بكلماتِ الله التامة من غضبه وعقابه وشرِّ عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون" تفسير : ثم أخبر عما يقوله الكافرون حين قُربِ الوفاة، ومعاينة المصير من سؤال الرَّجعة الى الدنيا ليُصلحوا ما كانوا أفسدوا حالَ حياتهم فقال: {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ لَعَلِّيۤ أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ} سوف يستمر هؤلاء المعاندون على كفرهم، حتى إذا حلّ موعد موتِ أحدهم، ورأى مصيره ندم وقال: يا رب، ردَّني إلى الدنيا، لأعملَ عملاً صالحا فيما قصرّت فيه من عبادتك، وما تركت من مالي. لكن هيهات، فقد فات الأوان، ولن يجاب الى طلبه، وانما هو كلام يقوله دون فائدة. إن أمامهم حاجزاً بينهم وبين الرجوع الى الدنيا. قراءات: قرأ ابن كثير وابو عمرو وابن عامر وحفص: عالمِ الغيب بالجر. والباقون: عالمُ الغيب بالرفع، على تقدير هو عالم الغيب.

د. أسعد حومد

تفسير : {سُبْحَانَ} (91) - يُنَزِّهُ اللهُ تَعالى نَفْسَهَ الكَرِيمَةَ عَنْ أَنْ يَكونَ لَهُ وَلَدٌ أو شَرِيكٌ في المُلْكِ والتَّصَرُّفِ والعِبَادَةِ، ويَقُولُ: إنَّه لَوْ كَانَ هناكَ أَكْثَرُ مِنْ إِلهٍ لَطَلَبَ كُلٌّ مِنْهُم قَهْرَ الآخرِينَ، وَخِلاَفَهُم، ولَحَاوَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُم أنْ يُثْبِتَ سُلطَانَهُ، والاسْتِعْلاءَ على غَيرِهِ، فَتَعَالى اللهُ عُلُوّاً كَبِيراً، وتَنَزَّهَ عَمَّا يَقُولُه الظَّالِمُونَ المُعْتَدونَ في دَعْوَاهُم الوَلَدَ، والشَّرِيكَ لَهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : يا ليت الأمر وقف بهم عند مجرد عدم الإيمان بالله، إنما تعداه إلى أن وصفوا الله تعالى بما لا يليق من الصفات، وما دام أن الله تعالى ينفي عن نفسه تعالى اتخاذ الولد {مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ ..} [المؤمنون: 91] فلا بد أنهم قالوا: اتخذ الله ولداً، فترقوا في فجورهم وطغيانهم، وتجرأوا حتى على مقام العزة. ونقول أولاً: ما الولد؟ الولد ما ينجبه الإنسان من ذكر أو أنثى، وقد سمعنا هؤلاء يقولون: عيسى ابن الله، والعزير ابن الله، وقالوا عن الملائكة: بنات الله، وقد قال تعالى: {مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ ..} [المؤمنون: 91] ليشمل البنين والبنات. ومعنى {ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ ..} [المؤمنون: 91] أن الله تعالى كان موجوداً، ثم اتخذ له ولداً، فاتخاذ الولد إذن حادث، وهذا يعني أنه قد مرت فترة لم يتخذ الله له فيها ولداً، لذلك نسأل: ما الذي زاد في مُلْك الله بوجود الولد؟ هل أصبحت السماوات ثمانية؟ هل زاد في الكون شمس أخرى أو قمر؟ الكون كما خلقه الله تعالى، وجعل فيه ضرورياته وأصوله وفروعه لم يزد فيه شيء. إذن فاتخاذ الولد عَبَثٌ لم يحدث منه شيء. ويقولون: اتخذ الله الولد ليُؤْنس خَلْقه بوجود ولده وشيء من رائحته بين الخلق، قالوا هذا في مؤتمر (نيقية)، كأنه عندهم يقوم مقام الألوهية. لكن كم كانت مدة بقائه بينكم؟ لقد أقام المسيح في الأرض بضعاً وثلاثين سنة قبل أن يُرْفع، فكيف يحرم من هذا الأنس مَنْ سبقوا ميلاده عليه السلام؟ وكيف يُحْرم منه مَنْ أتوا بعده؟ أليس في هذا ما يتعارض وعدالة الربوبية؛ لأن الخَلْق جميعاً خَلْق الله، وهم عنده سواء؟ ومنهم مَنْ يقول: إنه جاء ليرفع الخطيئة، لكن الخطيئة ما زالت في الأرض بعدما فعل ما فعل. إذن: فكلها حُجَج واهية. ولو ناقشنا هذه المسألة مناقشةً منطقيةً فلسفيةً: لماذا يتخذ الإنسانُ الولدَ؟ يتخذ الإنسانُ الولدَ لأنه يحب الحياة، وموته يختصر هذه الحياة، فيريد الولد ليكون امتداداً لحياته، ويضمن به بقاء الذكْر جيلاً من بعده، فإنْ جاء للولد ولد ضمن جيلين؛ لذلك يقولون "أعزّ من الوِلْد وِلْد الولد". لكن أي ذِكْر هذا الذي يتمسَّكون به؟ إن الذكر الحقيقي ما تخلفه من بعدك من عمل صالح يسبقك عند الله. والحق - سبحانه وتعالى - لا يحتاج إلى ذِكْر من بعده تعالى؛ لأنه باقٍ لا يموت، فهذه المسألة إذن ممنوعة في حقِّه تَعالى. وقد يُتخذ الولد ليكون سنداً وعَوْناً لأبيه حين يكبر وتضعف قواه؛ لذلك يقولون: خير الزواج الزواج المبكر؛ لأنه يساعدك على إنجاب أب يعولك في طفولة شيخوختك؛ لأنك تنجب طفلاً وأنت صغير، فيعاصرك أكبر مدة من الزمن، وتطول به قُرّة عينك على خلاف مَنْ ينجب على كِبَر؛ لذلك قال: أب يعولك في طفولة شيخوختك ولم يقل ابناً لأنك في هذه الحال تحتاج إلى حنان الأب. وهذه أيضاً ممتنعة في حقه تعالى؛ لأنه سبحانه القوي، الذي لا يحتاج إلى معين، ولا إلى عزوة. مسألة أخرى: أن الإنسان يحب الولد؛ لأنه بَعْضٌ منه، وهو سبب في وجوده، فيحب أن يكون له ولد من صُلْبه، وهذا فرع من حُبِّه للتملُّك، فالإنسان أول ما يحب يحب أن تكون له أرض، ثم يحب أن يزرعها ويأكل من خيراتها، ثم يحب أن تكون له حيوانات يشرب لبنها ويستفيد منها، ثم إنْ تَمَّ له هذا كله يتطلع إلى الولد، وكأنه تدرَّج من حب الجماد إلى النبات، إلى الحيوان، إلى الإنسان. وهذه المسألة أيضاً لا تجوز في حقه تعالى، فإنْ أحببتَ الولد ليكون جزءاً منك ومن صُلْبك تعتز به وببُنوته، فالخَلْق جميعاً عيال الله وأولاده، فكيف يحتاج إلى الولد بعد ذلك؟ إذن: كلها حجج ومسائل باطلة؛ لذلك رَدَّ الله عليهم {مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ ..} [المؤمنون: 91] وأتى بِمِنْ الدالة على العموم، يعني: ما اتخذ الله شيئاً من بداية مَا يُقال له ولد، ولو كان حتى مُتبنَّى، كما تقول: ليس عندي مال، فتنفي أن يكون عندك مال يُعْتد به أو ذو قيمة، لكن هذا لا يمنع أن يكون عندك عدة جنيهات أو قروش. فإنْ قلت: ما عندي من مال، فقد نفيتَ أنْ يكون عندك أقلّ ما يُقَال له مال. ونرِدّ بهذه المسألة على مَنْ يقول أن (من) هنا زائدة؛ لأن كلام الله دقيق لا زيادة فيه، الزيادة في كلام البشر، والحق سبحانه مُنزَّه عن هذه المسألة. ثم يرتقي بنا الحق سبحانه في الردِّ عليهم فيقول: {وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ ..} [المؤمنون: 91] يعني: معبود بحق أو بغير حق؛ لذلك سمّى الأصنام آلهة، لكن كلمة الله انصرفت إلى المعبود بحق سبحانه وتعالى، فنفى الحق سبحانه الشركاء معه في العبادة، كما جاء في موضع آخر: {أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا ..} تفسير : [الأنبياء: 22]. يعني: لو كان فيهما آلهة الله خارج منها لَفَسدت السماء والأرض، وكذلك لو كان فيهما آلهة مع الله لَفسدتَا أيضاً؛ لأن إلا هنا ليست استثنائية، إنما هي اسم بمعنى غير، وقد ظهر إعرابها على لفظ الجلالة بعدها (الله). ومسألة تعدُّد الآلهة لو تأملتها لَبانَ لك بطلانها، فإنْ كان مع الله آلهة لاقتسموا هذا الكون فيما بينهم، وجعلوه قطاعات، يأخذ كل منهم قطاعاً فيه، فواحد للأرض، وآخر للسماء، وثالث لما بين الأرض والسماء وهكذا. ولكن، هل يستغني قطاع من الكون عن الآخر؟ اتستغني الأرض عن السماء؟ إذن: سيحدث تضارب لا يستقيم معه حال الكون. كذلك نقول: الإله الذي أخذ الأرض مثلاً، لماذا لم يأخذ السماء؟ لا بُدَّ أنه أخذ الأرض بقُوَّته، وترك السماء لعجزه، ولا يصلح إلهاً مَنْ وُصِف بهذه الصفة، فإن قالوا: إنهم جميعاً أقوياء يستطيع كل واحد منهم أن يخلق الخَلْق بمفرده نقول: إذن ما فائدة الآخرين؟ ثم يقول سبحانه: {إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ..} [المؤمنون: 91] يعني: لو استقل كل منهم بقطاع من الكون دون الآخر لَفَسدتْ الأمور، كما رأينا في دنيا البشر أن يحاول أحد الملوك أنْ يستقلّ بقطاع من الأرض لا حَقَّ له فيه، ورأينا ما أحدثه من فساد في الأرض، هذا مثال لقوله تعالى: {وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ..} [المؤمنون: 91] وهي صورة من صور الفساد. لذلك يعالج الحق سبحانه هذه القضية ويعلنها على الملأ: {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ ..} تفسير : [آل عمران: 18]. فليس هذا كلامنا، وليست هذه شهادتنا، بل كلام الله وشهادته سبحانه لنفسه، لكن هل علم هؤلاء الآلهة بهذه الشهادة؟ إنْ علموا بهذه الشهادة فسكوتهم عليها وعدم اعتراضهم عَجْز، وإن لم يدروا فَهُم غافلون نائمون، ففي كلتا الحالتين لا يصحّ أن يكونوا آلهة. وفي موضع آخر يردّ عليهم الحق سبحانه: {أية : قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً ..} تفسير : [الإسراء: 42] يعني في هذه الحالة {أية : لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِي ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً} تفسير : [الإسراء: 42] يعني: ذهبوا يبحثون عن الإله الذي أخذ منهم الكون، وتعدَّى على سلطانهم، إما ليجابهوه ويحاكموه، وإما ليتقربوا إليه. لذلك سيقول عن الذين تدَّعون أنهم آلهة من دون الله: {أية : يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ ..} تفسير : [الإسراء: 57] يعني: عيسى والعزير والملائكة الذين قلتم إنهم بنات الله، هؤلاء جميعاً يتوسلون إلى الله ويتقربون إليه {أية : أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ ..} تفسير : [الإسراء: 57]. وفي موضع آخر يقول تعالى: {أية : لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ وَلاَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ ..} تفسير : [النساء: 172]. إنهم لا يستنكفون عن عبوديتهم لله، بل يعتزون بهذه العبودية، ويُغضبهم ويسوؤهم أن نقول عنهم آلهة، أو نعطيهم من التقديس أكبر مما يستحقون؛ ذلك لأن ولاءهم وعصبيتهم لله تعالى أكبر من ولائهم وعصبيتهم لأنفسهم. لذلك، فإن هذه الأشياء التي يتخذونها آلهة من دون الله هي أول مَنْ يلعنهم، فالأحجار التي عبدوها من دون الله - مع أن كلمة العبادة هنا خطأ ونقولها تجاوزاً؛ لأن العبادة طاعة العابد لأمر المعبود، وانتهاؤه ينهيه، والأحجار ليس لها أوامر وليس لها نَوَاهٍ - هذه الأحجار أعبد منهم لله، وأعرف منهم بالله؛ لذلك تكرههم الحجارة وتلعنهم، وتتحول عليهم في القيامة ناراً تَحْرقهم. اقرأ هذا الحوار الذي يتنافس فيه غار حراء الذي شهد بداية الوحي وأَنِس فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأول آيات القرآن، وغار ثور الذي احتمى فيه رسول الله عند الهجرة، وكلاهما أحجار، يقول الشاعر: شعر : كَمْ حَسَدْنَا حِرَاءَ حِينَ تَرى الرُّوحَ أميناً يغْذُوكَ بالأنْوارِ فَحِراءُ وثَوْرُ صَارَا سَوَاءً بهما اشْفع لدولةِ الأحجارِ عَبدُونا ونَحْن أَعْبَدُ لله مِنَ القائمين بالأسْحَارِ تَخِذُوا صَمْتنَا علينا دليلاً فغدَوْنا لهم وَقُودَ النارِ قد تجنَّوا جَهْلاً كما قد تجنَّوْه علَى ابْن مريم والحَوارِى للمُغَالِى جزاؤه والمغَالَى فيه تُنجيهِ رحمةُ الغَفارِ تفسير : لذلك يقول تعالى لعيسى عليه السلام: {أية : أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ ..} تفسير : [المائدة: 116]. فيقول عيسى: {أية : إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ} تفسير : [المائدة: 116]. نعم، الله تعالى يعلم ما قال عبده ونبيه عيسى، لكن يريد أنْ يقر عليهم بأنه كاره لقولهم هذه الكلمة. والنبي صلى الله عليه وسلم حينما هُزِم الرومان من الفرس حزن لهزيمة الرومان، لماذا؟ لأنهم أهل كتاب يعرفون الله، ويعرفون البلاغ عن الله، وإنْ كانوا كافرين به، أما الفُرْس فكانوا مَجُوساً يعبدون النار؛ لذلك يُطمئنه ربه بقوله: {أية : الۤـمۤ * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ * فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ ٱلأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ ٱللَّهِ ..} تفسير : [الروم: 1-5]. فإنْ كانوا لا يؤمنون بمحمد، فهم يؤمنون بربِّ محمد، فالعصبية - إذن - لله أكبر من العصبية للرسول المبلّغ عن الله. ثم يقول سبحانه: {سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} [المؤمنون: 91]. يصفون بمعنى: يكذبون، لكن عبَّر عنه بالوصف كأن المعنى: إنْ أردت أنْ تعرف الكذب فاسمع إلى كلامهم فهو الوصف الدقيق له، وقال في موضع آخر: {أية : وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ ٱلْكَذِبَ ..} تفسير : [النحل: 62] فكلامهم هو الكذب بعينه، وهو أصدق وَصْف له؛ لأن الكذب ما خالف الواقع، وهم لا يقولون إلا ما خالف الواقع. كما لو سألت: ما الحماقة؟ فأقول لك: انظر إلى تصرفات فلان، يعني: هي الوصف الصادق للحماقة، والترجمة الواضحة لها، وكأنه بلغ من الوصف مَبْلَغاً يُجسِّم لك المعنى الذي تريده. ومعنى: {سُبْحَانَ ٱللَّهِ ..} [المؤمنون: 91] تنزه، وهي مصدر وُجِد قبل أنْ يُوجَد المسيح، فهي صفة لله تعالى أزلية، حيث ثبت تنزيه الله قبل أن يخلق الخَلْق، فلما خلق الله السماء والأرض سبَّحت لله: {أية : سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ..} تفسير : [الحديد: 1] ولم ينقطع التسبيح بعد ذلك، قال الحق سبحانه: {أية : يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ..} تفسير : [الجمعة: 1]. وما دام الكل يُسبّح لله، وما زال مُسبِّحاً، فسبِّح أنت يا محمد: {أية : سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ} تفسير : [الأعلى: 1]. فكيف يكون الكون كله مُسبِّحاً، ولا تُسبِّح أنت، وأنت سيد هذا الكون؟ ثم يقول الحق سبحانه عن ذاته العلية: {عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ فَتَعَالَىٰ ...}.

الجيلاني

تفسير : ومن جملة ما تنسبون إلى الله سبحانه افتراءً ومراءً: إثبات الولد له سبحانه مع أنه {مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ} الواحد الأحد الذي شأ،ه ووصفُه أنه: {أية : لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ}تفسير : [الإخلاص: 3-4] {مِن وَلَدٍ} إذ هو من خواص الأجسام ولوازم الإمكان، وهو سبحانه منزهُ عنهما. {وَ} من جملة أكاذيبهم البالطة أيضاً: إثبات الشريك له سبحانه مع أنه {مَا كَانَ} أي: ما صحَّ وجاز أن يكون {مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ} شريكاً يُعبد بالحق مثله، ويستحق بالعبادة اسحتقاقاً ذاتياً ووضعياً كما هو شأنه سبحانه {إِذاً} أي: حين كان الإله الواجب الوجود المستحق للعبادة متعدداً كما زعم أولئك المبطلون {لَّذَهَبَ} وتميز {كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ} أوجد وأظهر، فيكون مَلْك كلٍ منهما ممتازاً عن الآخر، وإذا كان الإله متعدداً أو المملكة ممتازةُ، لأمكن التغالب والتحارب ألبتة {وَلَعَلاَ} أي: غلب وارتفع {بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} هم بالقدرة والاستيلاء، فاحتل النظام المشاهد المحسوس، ولم يبقَ له انتظامُ وقيامُ {سُبْحَانَ ٱللَّهِ} وتعالى ذاته {عَمَّا يَصِفُونَ} [المؤمنون: 91] به أولئك الجاهلون الغافلون عن علوِّ شأ،ه من إثبات الولد له والشريك مع تعاليه، وتنزهه في ذاته عنهما وعن أمثالهما. وكيف يكون له ولد ومعه شريك، وهو بذاته {عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ} لا يعزب عن حيطة علمه شيء {فَتَعَالَىٰ} سبحانه {عَمَّا يُشْرِكُونَ} [المؤمنون: 92] أولئك المعاندون من أن يكون له ولدُ يشبهه أو شريكُ يماثله مع أخص أوصافه التي هي وجوب الوجود والعلم بالغيب والشهادة حضوراً. {قُل} يا أكمل الرسل مستعيذاً بالله من شر ما سيلحق لأولئك المعاندين المبطلين: {رَّبِّ} يا من رباني بمزيد اللطف والإحسان {إِمَّا تُرِيَنِّي} أي: أن تحققَ وتقررَ عنك يا مولاي إراءتك إياي {مَا يُوعَدُونَ} [المؤمنون: 93] أولئك المسرفون المشركون من أشد العذاب والنكال في العاجل والآجل؛ ليكون بسبب عبرتي وتذكيري من أحوالهم. {رَبِّ فَلاَ تَجْعَلْنِي فِي ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} [المؤمنون: 94] مقارناً لهم معدوداً من عدادهم ملحقاً بي ما سيلحقهم من أنواع العذاب الصوري والمعنوي، الدنيوي والأخروي. {وَ} قال سبحانه: {إِنَّا عَلَىٰ أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ} من العذاب {لَقَادِرُونَ} [المؤمنون: 95] يعني: إنا قادرون على أن نريك العذاب الموعود إياهم في هذه النشأة، لكنا نؤخرهم ونمهلهم رجاءَ أن يؤمن بعضهم، أو يحصل منهم المؤمنون من نسلهم وذرياتهم. وإذا كنا نمهلهم ونؤخر عذابهم لحكم ومصالحَ {ٱدْفَعْ} أنت أيضاً يا أكمل الرسل {بِٱلَّتِي} أي: بالدلائل والشواهد التي {هِيَ أَحْسَنُ} من المقاتلة والمشاجرة {ٱلسَّيِّئَةَ} التي هي ما هم عليها من الكفر والشرك، لعل دلائلك تلين قلوبهم وتصفيهم من المكابرة والعناد معك؛ إذ {نَحْنُ أَعْلَمُ} منك {بِمَا يَصِفُونَ} [المؤمنون: 96] أي: يصفونك به، وينسبون إليك ما لا يليق بجانبك، وثق بنا وتوكل في جميع حالاتك علينا، واتخذنا وكيلاً، وفوِّض أمر انتقامهم إلينا، فإنا نكفي عنك مؤنة شرورهم. {وَقُلْ رَّبِّ} يا من رباني بكنفك وجوارك {أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّياطِينِ} [المؤمنون: 97] ووساوسه وأنواع تسويلاته وتلبيساته {وَ} لا سيما {أَعُوذُ} وألوذ {بِكَ} يا {رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ} [المؤمنون: 98] عند توجهي نحوك،وتحنني إليك ومناجاتي معك، سيما في خلال صلاتي وعند تلاوتي وعرض حاجاتي. والكافرون من غياة انهماكهم في الغفلة، ومصرون على ما هم عليه من الشرك والكفر {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ} وعاين من أمارات النشأة الأخرى، تنبيه حينئذٍ يقبح صنائعه التي أتى بها في النشأة الأولى {قَالَ} حينئذٍ متضرعاً إلى الله نادماً متمنياً متحسراً: {رَبِّ ٱرْجِعُونِ} [المؤمنون: 99] بفضلك وجودك إلى النشأة الأولى. {لَعَلِّيۤ} بعد رجوعي عملاً {أَعْمَلُ صَالِحاً} مصلحاً {فِيمَا تَرَكْتُ} وأفسدتُ من أمور الإيمان والإطاعة والانقياد {كَلاَّ} ردعُ له عن هذا السؤال والدعاء، ومنعُ له عن أنجاح سؤله {إِنَّهَا} أي: طلب المراجعة {كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا} من غاية الحسرة والندامة على ما فات عنه في الابتلاء {وَ} كيف يرجع إليها؛ إذ {مِن وَرَآئِهِمْ} أي: أمامهم وقدامهم {بَرْزَخٌ} أي: حجابُ مانعُ يمنعهم عن الرجوع {إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [المؤمنون: 100] يعني: لا يمكنهم الرجوع إلى دار الدنيا والحياة يها إلا الحياة في يوم البعث والجزاء. {فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ} لحشر الأموات ونشرها من قبورهم، فيخرجون منها حيارى سكارى تائهين هائمين {فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ} بل يفرُّ كل أمرئٍ من أخيه وصاحبته وبنيه؛ إذ لكلٍ منهم شأن يغنيه {وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ} [المؤمنون: 101] أي: لا يسأل بعضُهم أحوالَ بعضٍ، بل كل نفسٍ منهم رهينةُ ما كسبت بلا التفاتٍ منه إلى غيره. {فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ} ورُجِّحت خيراته على شروره ومعاصيه {فَأُوْلَـٰئِكَ} السعداء المقبولون {هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} [المؤمنون: 102] الفائزوون المصورون على الفوز والفلاح {أية : فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}تفسير : [البقرة: 38]. {وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ} ورجحت سيئاته على حسناته {فأُوْلَـٰئِكَ} الأشقياء المردودون هم {ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ} خسراناً مبيناً إلى حيث هم؛ لانهماكهم في الشرور والسيئات {فِي جَهَنَّمَ} البعد والخذلان {خَالِدُونَ} [المؤمنون: 103] مخلدون دائمون لا نجاة لهم منها أصلاً من شدة اشتعال النار وتلهبها. {تَلْفَحُ} وتحرق {وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ وَهُمْ فِيهَا} أي: في النار {كَالِحُونَ} [المؤمنون: 104] عابسون حيث تقلص شفاههم عن أسنانهم؛ بحث تصل شفتهم العليا إلى وسط رأسهم والسفلى إلى سرتهم. ومتى تضرعوا وتفزعوا، وبثُّوا الشكوى إلى الله قيل لهم من قِبل الحق: {أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي} الدالةُ على عظة ذاتي، وكمال قدرتي على الأنعام والانتقام {تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} حين ابتليناكم في النشأة الأولى {فَكُنْتُمْ} من غاية غفلتكم وضلالكم {بِهَا تُكَذِّبُونَ} [المؤمنون: 105] وتنكرون عناداً واستكباراً، فالآن لحقكم وعرض عليكم ما أنكرتم له وأعرضتم عنه. وبعدما سمعوا من التوبيخ والتقريع ما سمعوا، {قَالُواْ} متضرعين معترفين بما صدر عنهم من البغي والعناد: {رَبَّنَا} يا من ربَّانا على فطرة السعادة والهداية {غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا} واستولت أمّارتنا، وصالت علينا أمانينا وأهويتنا {وَكُنَّا} بمتابعة تلك البغاة الغواة الضُّلاَّل {قَوْماً ضَآلِّينَ} [المؤمنون: 106] منحرفين عن طريق الحق، ناكبين عن صراطٍ مستقيم. {رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا} بفضلك وجودك {مِنْهَا} أي: من النار {فَإِنْ عُدْنَا} بعدما خرجنا منها إلى ما كنا عليه قبلُ من الغفلة والغرور {فَإِنَّا} حينئذٍ {ظَالِمُونَ} [المؤمنون: 107] لأنفسنا بالعرض على أنواع العذاب وأشد النكال. {قَالَ} سبحانه في جو ابهم زجراً وتبكيتاً: {ٱخْسَئُواْ} واستكوا {فِيهَا} أي: في النار مهانين صاغرين {وَلاَ تُكَلِّمُونِ} [المؤمنين: 108] معي، ولا تناجوا إليّ لدفع عذابكم وتخفيفه وإخراجكم من النار؛ إذ أنتم فيها خالدون.