٢٣ - ٱلْمُؤْمِنُون
23 - Al-Mu'minoon (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
92
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ} خبر مبتدأ محذوف وقد جره ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو ويعقوب وحفص على الصفة، وهو دليل آخر على نفي الشريك بناء على توافقهم في أنه المنفرد بذلك ولهذا رتب عليه. {فَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} بالفاء.
المحلي و السيوطي
تفسير : {عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ } ما غاب وما شوهد بالجرّ صفة، والرفع خبر «هو» مُقَدَّراً {فَتَعَٰلَى } تعظم {عَمَّا يُشْرِكُون}ه معه.
النسفي
تفسير : {عَـٰلِمُ } بالجر صفة لله، وبالرفع مدني وكوفي غير حفص خبر مبتدأ محذوف {ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ } السر والعلانية {فَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ } من الأصنام وغيرها {قُل رَّبّ إِمَّا تُرِيَنّى مَا يُوعَدُونَ } «ما» والنون مؤكدان أي إن كان لا بد من أن تريني ما تعدهم من العذاب في الدنيا أو في الآخرة {رَبّ فَلاَ تَجْعَلْنِى فِى ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ } أي فلا تجعلني قريناً لهم ولا تعذبني بعذابهم، عن الحسن رضي الله عنه: أخبره أن له في أمته نقمة ولم يخبره متى وقتها، فأمر أن يدعو هذا الدعاء. ويجوز أن يسأل النبي المعصوم صلى الله عليه وسلم ربه ما علم أنه يفعله وأن يستعيذ به مما علم أنه لا يفعله إظهاراً للعبودية وتواضعاً لربه، واستغفاره عليه الصلاة والسلام إذا قام من مجلسه سبعين مرة لذلك، والفاء في {فلا} لجواب الشرط و{رب} اعتراض بينهما للتأكيد {وَإِنَّا عَلَىٰ أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَـٰدِرُونَ } كانوا ينكرون الموعد بالعذاب ويضحكون منه فقيل لهم: إن الله قادر على إنجاز ما وعد إن تأملتم فما وجه هذا الإنكار؟.
الثعالبي
تفسير : وقوله: {عَـٰلِمِ ٱلْغَيْبِ} المعنى: هو عالم الغيب، وقرأ أبو عمرو وغيره: «عَالِمِ» بالجر؛ اتباعاً للمكتوبة. وقوله سبحانه: {قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ * رَبِّ فَلاَ تَجْعَلْنِي فِي ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} أمَرَ اللَّه تعالى نَبِيَّه - عليه السلام - أنْ يدعوَ لنفسه بالنجاة من عذاب الظلمة إنْ كان قُضِيَ أنْ يَرَى ذلك، «وإن» شرطية و «ما» زائدة و «تريني» جزم بالشرط لزمته النونُ الثقيلة وهي لا تُفَارِقُ، «أَمَّا» عند المُبَرِّدِ، ويجوزُ عند سيبويه أنْ تفارقَ، ولكن استعمالَ القرآن لزومها، فمن هنالك ألزمه المبرد، وهذا الدعاء فيه استصحاب الخشية والتحذير من الأمر المعذب من أجله، ثم نظيره لسائر الأُمَّةِ دُعَاءٌ في حسن الخاتمة، وقوله ثانياً: «رب» اعتراض بين الشرط وجوابه. وقوله سبحانه: {ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ٱلسَّيِّئَةَ} أمْرٌ بالصفح ومكارِمِ الأخلاق، وما كان منها لهذا فهو مُحْكَمٌ باقٍ في الأُمَّةِ أبداً، وما كان بمعنى الموادعة فمنسوخ بآية القتال. وقوله: {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ} يقتضي أَنَّها آية مُوَادَعَةٍ. وقال مجاهد: الدفع بالتي هي أحسن: هو السلامُ، تُسَلِّمُ عليه إذا لَقِيتَه. وقال الحسن واللَّه لا يُصِيبُهَا أَحَدٌ حَتَّى يَكْظِمَ غيظه، وَيَصْفَحَ عَمَّا يكره، وفي الآية عِدَةٌ للنبي صلى الله عليه وسلم، أي: اشتغل أنت بهذا وكل أمرهم إلينا، ثم أمره سبحانه بالتَّعَوُّذِ من همزات الشياطين، وهي سورات الغضب التي لا يملك الإنسانُ فيها نفسه؛ وكأنها هي التي كانت تصيب المؤمنين مع الكُفَّارِ فتقع المجادلة، ولذلك اتَّصَلَتْ بهذه الآية، وقال ابن زيد: هَمْزُ الشيطان: الجنونُ، وفي «مُصَنَّفِ أَبي داودَ»: أنَّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ: هَمْزِهِ، وَنَفْخِهِ، ونَفْثِهِ»تفسير : . قال أبو داودَ: همزه: المُوتة، ونفخه: الكِبْرُ، ونَفْثُهُ: السحر. قال * ع *: والنَّزغَاتِ وسورات الغضبِ من الشيطان، وهي المُتَعَوَّذُ منها في الآية، وأصل الهمز: الدَّفْعُ والوَكزُ بيدٍ أو غيرها. قلت: قال صاحب «سلاح المؤمن»: وهَمَزَاتُ الشياطين: خَطَرَاتُها التي تَخْطِرَهَا بقلب الإنسان، انتهى. وقال الوَاحِدِيُّ: همزات الشياطين: نَزَغَاتُهَا وَوَسَاوِسُهَا، انتهى.
ابو السعود
تفسير : {عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ} بالجرِّ على أنَّه بدلٌ من الجلالة. وقيل: صفةٌ لها. وقُرىء بالرَّفعِ على أنَّه خبرُ مبتدأ محذوفٍ. وأيًّا ما كان فهُو دليلٌ آخرُ على انتفاءِ الشَّريكِ بناءً على توافقهم في تفرُّدِه تعالى بذلك ولذلك رُتِّبَ عليه بالفاءِ قولُه تعالى: {فَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} فإنَّ تفرُّدَه تعالى بذلك موجبٌ لتعاليهِ عن أنْ يكون له شريكٌ. {قُل رَّبّ إِمَّا تُرِيَنّى} أي إنْ كان لا بُدَّ مِن أنْ تريني {مَا يُوعَدُونَ} من العذابِ الدُّنيويِّ المستأصلِ، وأمَّا العذابُ الأُخرويُّ فلا يناسبُه المقامُ. {رَبّ فَلاَ تَجْعَلْنِى فِى ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ} أي قَريناً لهم فيما هُم فيه من العذابِ. وفيه إيذانٌ بكمالِ فظاعةِ ما وُعدوه من العذابِ وكونِه بحيثُ يجبُ أنْ يستعيذَ منه مَن لا يكادُ يمكنُ أنْ يحيقَ به، ورُدَّ لإنكارِهم إيَّاهُ واستعجالِهم به على طريقة الاستهزاءِ به. وقيل: أُمر به عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ هضماً لنفسِه. وقيل: لأنَّ شُؤمَ الكَفَرةِ قد يحيقُ بمن وَرَاءهُم كقولِه تعالى: { أية : وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً} تفسير : [الأنفال: 25] ورُوي أنَّه تعالى أخبرَ نبـيِّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بأنَّ له في أمَّتِه نقمةً ولم يُطلعه على وقتِها فأمرَه بهذا الدُّعاءِ وتكريرِ النِّداءِ. وتصديرُ كلَ من الشَّرطِ والجزاءِ به لإبرازِ كمالِ الضَّراعةِ والابتهالِ. {وَإِنَّا عَلَىٰ أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ} من العذابِ {لَقَـٰدِرُونَ} ولكنَّا نُؤخِّره لعلمنا بأنَّ بعضَهم أو بعضَ أعقابِهم سيُؤمنون أو لأنَّا لا نُعذبهم وأنتَ فيهم. وقيل: قد أَراهُ ذلكَ وهو ما أصابَهم يومَ بدرٍ أو فتحُ مكَّةَ ولا يَخْفى بُعدُه فإنَّ المُتبادرَ أنْ يكونَ ما يستحقُّونه من العذابِ الموعودِ عذاباً هائلاً مستأصِلاً لا يظهرُ على يديهِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ للحكمة الدَّاعيةِ إليه. {ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ ٱلسَّيّئَةَ} وهو الصَّفحُ عنها والإحسانُ في مقابلتِها لكن لا بحيثُ يؤدِّي إلى وَهَن في الدِّينِ. وقيل: هي كلمةُ التَّوحيدِ والسَّيئةُ الشِّركُ. وقيل: هو الأمرُ بالمعروفِ والسَّيئةُ المنكرُ وهو أبلغُ من: ادفعْ بالحسنةِ السَّيئةَ لما فيه من التَّنصيصَ على التَّفضيلِ. وتقديمُ الجارِّ والمجرورِ على المفعول في الموضعينِ للاهتمامِ {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ} أي بما يصفونَك به أو بوصفِهم إيَّاك على خلافِ ما أنتَ عليه وفيه وعيدٌ لهم بالجزاءِ والعُقوبة وتسليةٌ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم وإرشادٌ له عليه السَّلامُ إلى تفويضِ أمرِه إليه تعالى. {وَقُلْ رَّبّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّيـٰطِينِ} أي وساوسِهم المُغريةِ على خلاف ما أُمِرتَ به من المحاسنِ التي من جُملتها دفعُ السَّيئةِ بالحسنةِ وأصلُ الهمزِ النَّخسُ، ومنه مهمازُ الرَّائضِ. شُبِّه حثُّهم للنَّاسِ على المعاصي بهمزِ الرَّائضِ الدَّوابَّ على الإسراعِ أو الوثبِ، والجمعُ للمرَّاتِ أو لتنوُّعِ الوساوسِ أو لتعدُّدِ المضافِ إليه.
اسماعيل حقي
تفسير : {عالم الغيب والشهادة} بالجر على انه بدل من الجلالة اى عالم السر والعلانية: وبالفارسية [بوشيده وآشكار]. وفى التأويلات النجمية عالم الملك والملكوت والارواح والاجساد انتهى، ثم ان الغيب بالنسبة الينا لا بالنسبة اليه تعالى فهو عالم به وبالشهادة على سواء وهو دليل آخر على انتفاء الشريك بناء على توافقهم فى تفرده تعالى بذلك ولذلك رتب عليه بالفاء قوله تعالى {فتعالى} الله وتنزه {عما يشركون} به مما لايعلم شيئا من الغيب ولايتكامل عليه بالشهادة فان تفرده بذلك موجب لتعاليه عن ان يكون له شريك، قال الراغب شرك الانسان فى الدين ضربان احدهما الشرك العظيم وهو اثبات شريك الله تعالى يقال اشرك فلان بالله وذلك اعظم كفر والثانى الشرك الصغير وهو مراعاة غير الله معه فى بعض الامور وذلك كالرياء والنفاق وفى الحديث "حديث : والشرك فى هذه الامة اخفى من دبيب النمل على الصفا" شعر : مرايى هوكسى معبود سازد مرايى را ازان كفتند مشرك تفسير : قال الشيخ سعدى قدس سره شعر : منه آب زرجان من بر بشيز كه صراف دانا نكيرد بجيز تفسير : قال الشيخ يحيى بن معاذ ان للتوحيد نورا وللشرك نارا وان نور التوحيد احرق سيآت الموحدين كما ان نار الشرك احرقت حسنات المشركين ـ روى حديث : ان قائلا قال يا رسول الله فبم النجاة غدا قال "ان لاتخادع الله" قال وكيف نخادع الله قال "ان لاتعمل بما امرك الله وتريد به غير وجه الله" شعر : زعمرو اى بسر جشم اجرت مدار جو درخانه زيد باشى بكار تفسير : والعمدة فى هذا الباب التوحيد فانه كما يتخلص من الشرك الاكبر الجلى بالتوحيد كذلك يتخلص من الشرك الاصغر به فينبغى ان يشتغل به ويجتهد قدر الاستطاعة لينال على درجات اهل الايمان والتوحيد من الصديقين ولكن برعاية الشريعة النبوية والاجتناب عن الصفات الذميمة للنفس حتى يتخلق باخلاق الله نسأل الله سبحانه ان يجعلنا من المنقطعين عما سواه والعاملين بالله لله فى الله.
الجنابذي
تفسير : اعلم، انّ العلم كما مضى فى اوّل الكتاب وفى سورة البقرة قد يكون بحضور ذات المعلوم عند العالم ويسمّى علماً حضوريّاً وهذا علم حقيقة ولا يكون هذا العلم الاّ باحاطة العالم على المعلوم وصيرورة المعلوم من شؤن العالم واظلاله، وقد يكون بحصول صورة من المعلوم عند العالم تكون تلك الصّورة هى المعلومة حقيقة والمعلوم يكون معلوماً بالعرض لا بالذّات، وان كان مقصوداً بالذّات، وهذا العلم يسمّى بالظّنّ لانفكاك معلومه عنه وجواز عدم مطابقته له، وعلم البارى تعالى شأنه بالاشياء من القسم الاوّل لانّ صفحة الاعيان بالنّسبة اليه تعالى كصفحة الاذهان بالنّسبة الينا، ونسبة جميع الموجودات اليه تعالى كنسبة الصّور الذّهنيّة الينا، فكما انّ الصّور الذّهنيّة محاطة لنا ومنوطة بارادتنا والتفاتنا اذا اردنا بقاءها كانت باقية واذا اردنا فناءها صارت فانية، كذا الموجودات المعلومات له تعالى بالنّسبة اليه والمراد بالغيب والشّهادة عالم الغيب الغائب عن المدارك الحيوانيّة وعالم الشّهادة المدرك بها، ولمّا كانت الموجودات بحكم العقل محصورة فيهما فقوله عالم الغيب والشّهادة بمنزلة عالم جميع الموجودات، ولمّا كان علمه بجملة الموجودات بنحو الاحاطة والتّسلّط على الابقاء والافناء كان قوله {عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ} بمنزلة محيط بجملة الموجودات قاهر على الكلّ ولذلك اتى بقوله {فَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} بنحو التّفريع واتى ههنا بفاء التّفريع دون قوله {سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} مع انّ كلاًّ منهما تفريع ونتيجة لسابقه، لانّ فى قوله {سُبْحَانَ ٱللَّهِ} معنى التّعجّب فانّه قلّما يستعمل خالياً من التّعجّب والمناسب لانشاء التّعجّب القطع عن السّابق بخلاف تعالى عمّا يشركون فانّه خال عن التّعجّب واخبار بنتيجة السّابق.
اطفيش
تفسير : {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} اي هو عالم ما غاب وما شوهد ومر تفسيرهما وقرأ ابن كثير وابن عامر وابو عمرو ويعقوب وحفص بجر عالم على انه نعت لله لانه وصف مستمر فباعتبار علمه في الازل تكون اضافته محضة لا بدل لضعف الابدال في المشتق وذلك دليل آخر على نفي الشركة سواء تواطئوا عل انه للمفرد بعلم كل غيب وشهادة ام لا لانه كثير ما يستدل ويحتج بما هو غير مسلم لظهور دلائله ولذلك فرغ عليه بقوله {فَتَعَالَى} علا علوا عظيما. {عَمَّا يُشْرِكُونَ} عن اشراكهم به غيره أو عن الاشراك الذي يشركونه أو عن الشيء الذي يشركونه به.
اطفيش
تفسير : {عالمُ} بدل من لفظ الجلالة على إجازة الإبدال فى الوصف، وهو الصحيح، وقيل نعت، ولو كانت إضافته لمعموله {الغَيْب والشهادة} ومن علم كل غائب وشاهد، فهو الإله وحده، إذ لا يتصور للآلهة أن يعلم كل منها ما علم الآخر من نفسه {فتعالى عمّا يُشْركون} عن الاشراك، أو عما يشركونه، والكلام جرى مجرى الانشاء فالفاء تفريعية او محض إخبار، فهى عاطفة على عالم، كأنه قيل: علم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون.
الالوسي
تفسير : {عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ} أي كل غيب وشهادة، وجر {عَـٰلِمُ} على أنه بدل من الاسم الجليل أو صفة له لأنه أريد به الثبوت والاستمرار فيتعرف بالإضافة. وقرأ جماعة من السبعة وغيرهم برفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو عالم، والجر أجود عند الأخفش والرفع أبرع عند ابن عطية، وأياً ما كان فهو على ما قيل إشارة إلى دليل آخر على انتفاء الشريك بناء على توافق المسلمين والمشركين في تفرده تعالى بذلك. وفي «الكشف» أن في قوله سبحانه: {عَـٰلِمُ} الخ إشارة إلى برهان آخر راجع إلى إثبات العلو أو لزوم الجهل الذي هو نقص وضد العلو لأن المتعددين لا سبيل لهما إلى أن يعلم كل واحد حقيقة الآخر كعلم ذلك الآخر بنفسه بالضرورة وهو نوع جهل وقصور، ثم علمه به يكون انفعالياً تابعاً لوجود المعلوم فيكون في إحدى صفات الكمال ـ أعني العلم ـ مفتقراً وهو يؤذن بالنقصان والإمكان. {فَتَعَـٰلَى} الله {عَمَّا يُشْرِكُونَ} تفريع على كونه تعالى عالماً بذلك كالنتيجة لما أشار إليه من الدليل. وقال ابن عطية: الفاء عاطفة كأنه قيل علم الغيب والشهادة فتعالى كما تقول زيد شجاع فعظمت منزلته على معنى شجع فعظمت، ويحتمل أن يكون المعنى فأقول تعالى الخ على أنه إخبار مستأنف.
د. أسعد حومد
تفسير : {عَالِمِ} {وَٱلشَّهَادَةِ} {فَتَعَالَىٰ} (92) - وَإِنَّهُ يَعْلَمُ ما يَغِيبُ عَنِ المَخْلُوقَاتِ، وما يُشَاهِدُونَه، فَتَقَدَّسَ وَتَنزَّهَ وتَعالى عَمَّا يَقُولُه الظَّالِمُون الجَاحِدُون، وعَمَّا يَنْسبُونَه إليهِ مِنْ وُجُودِ الشَّرِيكِ والنِّدِّ والوَلَدِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : العلم: إدراك قضية أو نسبة واقعة مجزوم بها وعليها دليل، ولا يصل إلى العلم إلا بهذه الشروط، فإنْ كانت القضية مجزوماً بها وواقعة، لكن لا تستطيع أن تُدلِّل عليها كالطفل حين يقول: الله أحد، فهذا تقليد كما يُقلِّد الولدُ أباه أو مُعلمه، فهو يُقلِّد غيره في هذه المسألة إلى أنْ يوجد عنده اجتهاد فيها ويستطيع هو أن يُدلِّل عليها. فإنْ كانت القضية مجزوماً بها وليست واقعة، فهذا هو الجهل، فليس الجهل كما يظن البعض ألاَّ تعلم، إنما الجهل أن تجزم بقضية مناقضة للواقع. لذلك تجد الجاهل أشقّ وأتعب لأهل الدعوة وللمعلمين من الخالي الذهن الذي لا يعرف شيئاً، ليست لديه قضية بدايةً، فهذا ينتظر منك أن تُعلِّمه، أمّا الجاهل فيحتاج إلى أن تُخرِج من ذِهْنه القضية الخاطئة أولاً، ثم تضع مكانها الصواب. والغيب: المراد به الغيب المطلق يعني: ما غاب عنك وعن غيرك، فنحن الآن مشهد لمن حضر مجلسنا هذا، إنما نحن غيب لمن غاب عنه، وهذا غيْب مُقيد، ومنه الكهرباء والجاذبية وغيرهما؛ لأن هذه الأشياء كانت غَيْباً عَمَّنْ قبلنا مع أنها كانت موجودة، فلما توصلنا إلى مقدماتها ظهرت لنَا وصارت مشهداً؛ لذلك قال تعالى: {أية : وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ ..} تفسير : [البقرة: 255]. فأثبت الإحاطة للناس لكن بشرط مشيئته تعالى، فإنْ شاء أطلعهم على الغيب، وأوصلهم إلى معرفته حين يأتي أجل ميلاده وظهوره. إذن: المعلوم لغيرك وغَيْب عنك ليس غيباً، وكذلك الغيب عنك وله مقدمات تُوصِّل إليه ليس غيباً، إنما الغيب هو الغيب المطلق الذي غاب عنك وعن غيرك، والذي قال الله تعالى عنه: {أية : عَالِمُ ٱلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ ..} تفسير : [الجن: 27]. والشهادة: يعني المشهود، لكن ما دام الحق سبحانه يعلم الغيب، فمِنْ باب أَوْلَى يعلم المشهود، فلماذا ذكر الشهادة هنا؟ قالوا: المعنى: يعلم الغيب الذي غيِّب عني، ويعلم الشهادة لغيري. ومن ناحية أخرى: ما دام أن الله تعالى غيْب مستتر عنا، وهناك كوْن ظاهر، فربما ظن البعض أن المستتر الغيب لا يعلم إلا الغيب، فأراد - سبحانه وتعالى - أن يؤكد على هذه المسألة، فهو سبحانه غيب، لكن يعلم الغيب والشهادة. ونرى من الناس مَنْ يحاول أن يهتك ستار الغيب، ويجتهد في أن يكشف ما استتر عنه، فيذهب إلى العرافين والمنجِّمين وأمثالهم، وهو لا يدري أن الغيب من أعظم نِعَم الله على خَلْقه، فالغيب هو علة إعمار الكون، وبه يتم التعامل بين الناس، ذلك لأن الإنسان ابن أغيار، كثير التقلُّب، ولو علم كل منا وكُشِف له ما عند أخيه لتقاطع الناس، وما انتفع بعضهم ببعض. لذلك يقولون: لو تكاشفتم ما تدافنتم. يعني: لو كُشِف لك عما في قلب أخيك لَضننْتَ عليه حتى بدفنه بعد موته. إذن: فجَعْل هذه المسائل غَيْباً مستوراً يُحنِّن القلوب، ويثري الخير بين الناس، فينتفع كل منهم بالآخر، وإلا لو عَلِمتَ لواحد سيئة، وعرفتَ موقفه العدائي منك لكرهتَ حتى الخير الذي يأتيك من ناحيته، ولتحرك قلبك نحوه بالحقد والغل، وما انتفعتَ بما فيه من حسنات. لذلك، نقول لمن يبحث عن غيْب الآخرين: إنْ أردتَ أن تعرف غَيْب غيرك، فاسمح له أن يعرف غَيْبك، ولن تسمح له بذلك، إذن: فدَعْ الأمر كما أراده الله، ولا تبحث عن غَيْب الآخرين حتى تستقيمَ دفّة الحياة. وربك دائماً يلفتك إلى النظر إلى المقابل ، ففي الحديث القدسي: "حديث : يا ابن آدم، دعوت على مَنْ ظلمك، ودعا عليك مَنْ ظلمته، فإنْ شئت أجبناك وأجبنا عليك، وإن شئت تركتكما إلى الآخرة فيسعكما عفوي ". تفسير : فالحق - تبارك وتعالى - يريد أنْ يُصفِّي نفوس الخَلْق، وأن يقف الناس عند حدود ما أطلعك الله عليه، ولا تبحث عن المستور حتى لا تتعب نفسك، حتى تواجه مشاكل الحياة بنفسٍ صافية راضية عنك وعن الناس. ثم يقول تعالى: {فَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [المؤمنون: 92] لأن ما تشركونهم مع الله لا يعلمون شيئاً من هذا كله، لا غَيْباً ولا شهادة؛ لذلك لا ينفعك إنْ عبدتْه، ولا يضرك إنْ لم تعبده. ثم يقول الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم: {قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ * رَبِّ فَلاَ تَجْعَلْنِي ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ} فالغيبُ: السِّرُ. والشَّهادةُ: العَلانيةُ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):