٢٣ - ٱلْمُؤْمِنُون
23 - Al-Mu'minoon (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
93
Tafseer
القرطبي
تفسير : علّمه ما يدعو به؛ أي قل رب، أي يا رب إن أريتني ما يوعدون من العذاب. {فَلاَ تَجْعَلْنِي فِي ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} أي في نزول العذاب بهم؛ بل أخرجني منهم. وقيل: النداء معترض؛ و«ما» في «إمّا» زائدة. وقيل: إن أصل إمّا إن ما؛ فـ«ـإن» شرط و«ما» شرط، فجمع بين الشرطين توكيداً، والجواب «فلا تجعلني في القوم الظالمين»؛ أي إذا أردت بهم عقوبة فأخرجني منهم. وكان عليه السلام يعلم أن الله تعالى لا يجعله في القوم الظالمين إذا نزل بهم العذاب، ومع هذا أمره الربّ بهذا الدعاء والسؤال ليعظم أجره وليكون في كل الأوقات ذاكراً لربّه تعالى.
البيضاوي
تفسير : {قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنّي} إن كان لا بد من أن تريني لأن ما والنون للتأكيد. {مَا يُوعَدُونَ} من العذاب في الدنيا والآخرة.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى آمراً نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أن يدعو بهذا الدعاء عند حلول النقم: {رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّى مَا يُوعَدُونَ} أي: إن عاقبتهم، وأنا أشاهد ذلك، فلا تجعلني فيهم؛ كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والترمذي وصححه: «حديث : وإذا أردت بقوم فتنة، فتوفَّني إليك غير مفتون»تفسير : . وقوله تعالى: {وَإِنَّا عَلَىٰ أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَـٰدِرُونَ} أي: لو شئنا لأريناك ما نحل بهم من النقم والبلاء والمحن. ثم قال تعالى مرشداً له إلى الترياق النافع في مخالطة الناس، وهو الإحسان إلى من يسيء إليه؛ ليستجلب خاطره، فتعود عداوته صداقة، وبغضه محبة، فقال تعالى: {ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ ٱلسَّيِّئَةَ} وهذا كما قال في الآية الأخرى: {أية : ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِىٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} تفسير : [فصلت: 34 ــــ 35] الآية، أي: وما يلهم هذه الوصية أو هذه الخصلة أو الصفة {أية : إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ} تفسير : [فصلت: 35] أي: على أذى الناس، فعاملوهم بالجميل مع إسدائهم القبيح {أية : وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ذُو حَظِّ عَظِيمٍ} تفسير : [فصلت: 35] أي: في الدنيا والآخرة. وقوله تعالى: {وَقُلْ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّيـٰطِينِ} أمره الله أن يستعيذ من الشياطين؛ لأنهم لا تنفع معهم الحيل، ولا ينقادون بالمعروف، وقد قدمنا عند الاستعاذة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «حديث : أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه»تفسير : . وقوله تعالى: {وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ} أي: في شيء من أمري، ولهذا أمر بذكر الله في ابتداء الأمور، وذلك لطرد الشيطان؛ عند الأكل والجماع والذبح وغير ذلك من الأمور، ولهذا روى أبو داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «حديث : اللهم إني أعوذ بك من من الهرم، وأعوذ بك الهدم ومن الغرق، وأعوذ بك من أن يتخبطني الشيطان عند الموت» تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، أخبرنا محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عد جده قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا كلمات يقولهن عند النوم من الفزع: «حديث : باسم الله، أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه ومن شر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون» تفسير : قال: فكان عبد الله بن عمرو يعلمها من بلغ من ولده أن يقولها عند نومه، ومن كان منهم صغيراً لا يعقل أن يحفظها، كتبها له، فعلقها في عنقه. ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث محمد بن إسحاق. وقال الترمذي: حسن غريب.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قُل رَّبِّ إِمَّا } فيه إدغام نون «إن» الشرطية في «ما» الزائدة {تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُون}ه من العذاب هو صادق بالقتل ببدر.
الماوردي
تفسير : قوله: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أحْسَنُ السَّيِئَةَ} فيه خمسة أقاويل: أحدها: بالإغضاء والصفح عن إساءة المسيء، قاله الحسن. الثاني: ادفع الفحش بالسلام، قاله عطاء والضحاك. الثالث: ادفع المنكر بالموعظة، حكاه ابن عيسى. الرابع: معناه امسح السيئة بالحسنة هذا قول ابن شجرة. الخامس: معناه قابل أعداءك بالنصيحة وأولياءك بالموعظة، وهذا وإن كان خطاباً له عليه السلام فالمراد به جميع الأمة. قوله: {وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ} فيه أربعة أوجه: أحدها: من نزغات. الثاني: من إغواء. الثالث: أذاهم. الرابع: الجنون. {وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ} أي يشهدوني ويقاربوني في وجهان: أحدهما في الصلاة عند تلاوة القرآن. قال الكلبي. والثاني: في أحواله كلها، وهذا قول الأكثرين.
ابن عطية
تفسير : أمر الله تعالى نبيه عليه السلام أن يدعو لنفسه بالنجاة من عذاب الظلمة إن كان قضي أن يرى ذلك، و"إن" شرط و"ما" زائدة، و {تريني} جزم بالشرط لزمت النون الثقيلة وهي لا تفارق "إما" عند المبرد، ويجوز عند سيبويه أن تفارق فيقال {إما تريني} لكن استعمال القرآن لزومها فمن هنالك ألزمها المبرد، وهذا الدعاء فيه استصحاب الخشية والتحذير من الأمر المعذب من أجله ثم نظيره لسائر الأمة دعاء في جودة الخاتمة، وفي هذه الآية بجملتها إعلام بقرب العذاب منهم كما كان في يوم بدر، وقوله ثانياً اعتراض بين الشرط وجوابه، وقوله {ادفع بالتي هي أحسن} الآية أمر بالصفح ومكارم الأخلاق وما كان منها، لهذا فهو حكم باق في الأمة أبداً وما كان فيها من معنى موادعة الكفار وترك التعرض لهم والصفح عن أمورهم فمنسوخ بالقتال، وقوله {نحن أعلم بما يصفون} يقتضي أنها آية موادعة، وقال مجاهد "الدفع بالتي هي أحسن" هو السلام يسلم عليه إذا لقيه، وقال الحسن: والله لا يصيبها أحد حتى يكظم غيظه عما يكره. قال الفقيه الإمام القاضي: هذه الطرفان وفي هذه عدة للنبي صلى الله عليه وسلم أي اشتغل بهذا وكل تعذيبهم والنقمة منهم إلينا وأمره بالتعوذ من الشيطان في "همزاته" وهي سورات الغضب التي لا يملك الإنسان فيها نفسه، وكأنها هي التي كانت تصيب المؤمنين مع الكفار فتقع المحادة، فلذلك اتصلت بهذه الآية، وقال ابن زيد: "همز الشيطان" الجنون. قال الفقيه الإمام القاضي: وفي مصنف أبي داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : اللهم إني أعوذ بك من الشيطان، همزه ونفخه ونفثه" تفسير : قال أبو داود همزه الموتة وهي الجنون ونفخه الكبر ونفثه السحر. قال الفقيه الإمام القاضي: والنزعات وسورات الغضب من الشيطان وهي المتعوذ منها في الآية، والتعوذ من الجنون أيضاً وكيد، وفي قراءة أبي بن كعب "رب عائذاً بك من همزات الشياطين وعائذاً بك رب أن يحضرون"، وقوله {أن يحضرون} أن يكونوا معي في أموري فإنهم إذا حضروا الإنسان كانوا معدين للهمز فإذا لم يكن حضور فلا همز. قال الفقيه الإمام القاضي: وأصل الهمز الدفع والوخز بيد وغيرها ومنه همز الخيل وهمز الناس باللسان وقيل لبعض العرب أتهمز الفأرة، سئل بذلك عن اللفظة فظن أن المراد شخص الفأرة فقال الهر يهمزها.
البقاعي
تفسير : ولما أقام الدليل على كذبهم بالأدلة على عظمته، وتعاليه عن كل ما يقول الظالمون، وبين لهم الأمر غاية البيان بعد أن هددهم بمثل قوله وما يشعرون {حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب} ونحوه من مثل ما أنزله بالماضين، وأحله بالمكذبين، وكان من المعلوم أنه ليس بعد الإعذار إلا إيقاع القضاء وإنزال البلاء، وكان من الممكن أن يعم سبحانه الظالم وغيره بعذابه لأنه لا يسأل عما يفعل، أمره أن يتعوذ من ذلك إظهاراً لعظمة الربوبية ذل العبودية فقالك {قل رب} أي أيها المحسن إليّ، وأكد إظهاراً لعظمة المدعو به وإعلاماً بما للنبي صلى الله عليه وسلم من مزيد الشفقة على أمته مؤمنهم وكافرهم {إما تريني} أي إن كان ولا بد من أن تريني قبل موتي {ما يوعدون*} ثم نبهه على الزيادة في الضراعة بتكرير النداء بصفة الإحسان تعبداً وتخشعاً، وتذللاً وتخضعاً، إشارة إلى أن الله سبحانه له أن يفعل ما يشاء، فينبغي لأقرب خلقه إليه أن يكون على غاية الحذر منه فقال: {رب فلا تجعلني} بإحسانك إليّ وفضلك عليّ فيهم، هكذا كان الأصل ولكنه أظهر الوصف تعميماً للدعوة وتعليقاً للحكم بالوصف فقال: {في القوم الظالمين*} أي الذين أعمالهم أعمال من يمشي في الظلام، فهي في غير مواضعها، فضلاً عن أن أكون منهم فإنه يوشك أن يخصهم العذاب ويعم من جاورهم لوخامة الظلم وسوء عاقبته. ولما أرشد التعبير بأداة الشك إلى أن التقدير: فإنا على العفو عنهم وعلى الإملاء لهم لقادرون، عطف عليه قوله مؤكداً لما لهم من التكذيب المتضمن للطعن في القدرة وهم المقصودون بالتهديد: {وإنا} أي بما لنا من العظمة {على أن نريك} أي قبل موتك {ما نعدهم} من العذاب {لقادرون*} ولما لاح من هذا أن أخذهم وتأخيرهم في الإمكان على حد سواء، وكانوا يقولون ويفعلون ما لا صبر عليه إلا بمعونة من الله، كان كأنه قال: فماذا أفعل فيما تعلم من أمرهم؟ فقال آمراً له بمداواته: {ادفع} وفخم الأمر بالموصول لما فيه من الإيهام المشوق للبيان ثم بأفعل التفضيل فقال: {بالتي هي أحسن} أي من الأقوال والأفعال بالصفح والمداراة {السيئة} ثم خفف عنه ما يجد من ثقلها بقوله: {نحن أعلم} أي من كل عالم {بما يصفون*} في حقك وحقنا، فلو شئنا منعناهم منه أو عاجلناهم بالعذاب وليس أحد بأغير منا فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل. ولما كان الصبر عليه لا يطاق إلا به سبحانه، أمره بالدعاء بذلك فقال: {وقل رب} أيها المحسن إليّ {أعوذ بك} أي ألتجىء إليك {من همزات الشياطين*} أي أن يصلوا إليّ بوساوسهم التي هي كالنخس بالمهماز في الإقحام في السيئات البعد عن مطلق الحسنات، فكيف بالأحسن منها كما سلطتهم على الكافرين تؤزهم إلى القبائح أزاً {وأعوذ بك رب} أي أيها المربي لي {أن يحضرون*} أي ولو لم تصل إليّ وساوسهم فإن حضورهم هلكة، وبعدهم بركة، لأنهم مطبوعون على الفساد لا ينفكون عنه. ولما كان أضر أوقات حضورهم ساعة الموت، وحالة الفوت، فإنه وقت كشف الغطاء، عما كتب من القضاء، وآن اللقاء، وتحتم السفول أو الارتقاء، عقب ذلك بذكره تنبيهاً على بذل الجهد في الدعاء والتضرع للعصمة فيه فقال معلقاً بقوله تعالى: {بل لا يشعرون} أو بمبلسون، منبهاً بحرف الغاية على أنه سبحانه يمد في أزمانهم استدراجاً لهم: {حتى} أو يكون التقدير كما يرشد إليه السياق: فلا أكون من الكافرين المطيعين للشياطين حتى {إذا جاء} وقدم المفعول ليذهب الوهم في فاعله كل مذهب فقال: {أحدهم الموت} فكشف له الغطاء، وظهر له الحق، ولاحت له بوارق العذاب، ولم يبق في شيء من ذلك ارتياب {قال} مخاطباً لملائكة العذاب على عادة جهله ووقوفه مع المحسوس دأب البهائم: {رب ارجعون*} أي إلى الدنيا دار العمل؛ ويجوز أن يكون الجمع لله تعالى وللملائكة، أو للتعظيم على عادة في مخاطبات الأكابر لا سيما الملوك، أو لقصد تكرير الفعل للتأكيد. ولما كان في تلك الحالة على القطع من اليأس من النجاة لليأس من العمل لفوات داره مع وصوله إلى حد الغرغرة قال: {لعلي أعمل} أي لأكون على رجاء من أن أعمل {صالحاً فيما تركت} من الإيمان وتوابعه؛ قال البغوي: قال قتادة: ما تمنى أن يرجع إلى أهله وعشيرته ولا ليجمع الدنيا ويقضي الشهوات، ولكن تمنى أن يرجع ليعمل بطاعة الله، فرحم الله امرأً عمل فيما يتمناه الكافر إذا رأى العذاب. وقال ابن كثير: كان العلاء بن زياد يقول: لينزلن أحدكم نفسه أنه قد حضره الموت فاستقال ربه فأقاله فليعمل بطاعة الله عز وجل. ولما كان القضاء قد قطع بأنه لا يرجع، ولو رجع لم يعمل قال ردعاً له ورداً لكلامه: {كلا} أي لا يكون شيء من ذلك، فكأنه قيل: فما حكم ما قال؟ فقال معرضاً عنه إيذاناً بالغضب: {إنها كلمة} أي مقالته {رب ارجعون} - إلى آخره، كلمة {هو قائلها} وقد عرف من الخداع والكذب فهي كما عهد منه لا حقيقة لها. ولما كان التقدير: فهو لا يجاب إليها، عطف عليه قوله، جامعاً معه كل من ماثله لأن عجز الجمع يلزم منه عجز الواحد: {ومن ورائهم} أي من خلفهم ومن أمامهم محيط بهم {برزخ} أي حاجز بين ما هو فيه وبين الدنيا والقيامة مستمر لا يقدر أحد على رفعه {إلى يوم يبعثون*} أي تجدد بعثهم بأيسر أمر وأخفه وأهونه.
القشيري
تفسير : يقول إن عجلت لهم ما تتوعدهم به فلا تجعلني في جملتهم، ولا توصل إليَّ سوءاً مثلما توصل إليهم من عقوبتهم. وفي هذا دليلٌ على أنَّ للحقِّ أن يفعلَ ما يريد، ولو عذَّبَ البريء لم يكن ذلك منه ظلماً ولا قبيحاً.
اسماعيل حقي
تفسير : {قل رب} [اى بروردكار من] {اما} اصله ان ما وما مزيدة لتأكيد معنى الشرط كالنون فى قوله {ترينى} اى ان كان لابد من ان ترينى: وبالفارسية [اكر نمايى مرا] {مايوعدون} اى المشركون من العذاب الدنيوى المستأصل والوعد يكون فى الخير والشر يقال وعدته بنفع وضر.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {قل ربّ إِما تُرِيَنَّي} أي: إذا كان لا بد أن تريني ما يوعدون من العذاب المستأصل في الدنيا أو عذاب الآخرة، {ربِّ فلا تجعلني في القوم الظالمين} أي: قريباً لهم فيما هم فيه من العذاب، وفيه إيذان بفظاعة ما وُعدوه من العذاب، وأنه يجب أن يستعيذ منه مَن لا يكاد أن يحيق به، وردٍّ لإنكارهم إياه واستعجالهم على طريقة الاستهزاء، وقيل: أمر به صلى الله عليه وسلم هضماً لنفسه، وقيل: إن شؤم الكفرة قد يحيق بمن وراءهم؛ كقوله تعالى: {أية : وَاتَّقُواْ فِتْنَةً...} تفسير : [الأنفال: 25] إلخ، ورُوي عن الحسن (أنه - تعالى - أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم بأن في أمته نقمة، ولم يطلعه على وقتها، فأمر بهذا الدعاء) ويجوز أن يسأل النبيُّ المعصوم ربه ما علم أنه يفعله، وأن يستعيذ به مما علم أنه لا يفعله؛ إظهاراً للعبودية وتواضعاً لربه. والفاء: جواب "إما" الشرطية، أي: إن نزلت بهم النقمة فاجعلني خارجاً عنهم، وتكرير النداء، وتصدير كل من الشرط والجزاء به - أي: بالدعاء -؛ لإبراز كمال الضراعة والابتهال. قال تعالى: {وإِنا على أن نُّرِيَكَ ما نَعِدُهم} من العذاب {لقادرون}، ولكنا نؤخره؛ لعلمنا بأن بعضهم، أو بعض أعقابهم، سيؤمنون، أو: لأنا لا نعذبهم وأنت فيهم، وقيل: قد أراهم ذلك، وهو ما أصابهم يومَ بدر وفتح ومكة، وهو بعيد؛ لأن المبادر أن يكون ما استحقوه من العذاب الموعود عذاباً هائلاً مستأصلاً لا يظهر على يديه صلى الله عليه وسلم؛ للحكمة الداعية إليه، وكانوا يضحكون، استهزاءً بهذا الوعد، وإنكاراً له، فقال لنبيه - عليه الصلاة والسلام -: {ادفع بالتي هي أحسنُ السيئةَ} أي: ادفع الخصلة السيئة بالخصلة التي هي أحسن، وهو الصفح عنها والإحسان في مقابلتها، لكن بحيث لا يؤدي إلى وَهَنٍ في الدين وإهانةٍ له. وقيل: السيئة: الشرك، والتي هي أحسن: كلمة التوحيد، وقيل: السيئة: المنكر، والتي هي أحسن: النهي عنه، وقيل: هي منسوخة بآية السيف، وقيل: محكمة؛ إذ المداراة مأمور بها. قال ابن عطية: أمر بمكارم الأخلاق، وما كان منها بهذا المعنى، فهو محكم باق في الأمة أبداً، وما كان بمعنى المواعدة فمنسوخ بآية القتال. هـ. وهذا التركيب أبلغ من "ادفع بالحسنة السيئة"؛ لما فيه من التنصيص على التفضيل، وتقديم الجار والمجرور على المفعول؛ للاهتمام. {نحن أعلم بما يصفون} من الشرك والولد، أو بما يصفك به، مما أنت على خلافه، من السحر وغيره، فسنجازيهم عليه، وفيه وعيد لهم، وتسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم، وإرشاد له إلى تفويض أمره إليه تعالى والاكتفاء بعلمه. {وقل ربِّ أعوذُ بك من هَمَزاتِ الشياطين} أي: وساوسهم المغرية على خلاف ما أمرت من المحاسن، التي من جملتها دفع السيئة بالحسنة، وأصل الهمز: النخس، ومنه: مهماز الرائض، شبه حثهم للناس على المعاصي بهمز الرائض الدوابَّ على الإسراع والوثب. وجَمَعَ همزات؛ لتنوُّع الوساوس وتعدد المضاف إليه، {وأعوذ بك ربِّ أن يحضرون}، أمر بالتعوذ من نخساتهم بلفظ المبتهل إلى ربه، والتعوذ من أن يحضروه أصلاً في حال من الأحوال؛ مبالغة في التحذير من ملابستهم، أو أن يحضروه عند التلاوة أو الصلاة، أو عند النزع؛ تشريعاً. وإعادة الفعل، مع تكرير النداء؛ لإظهار كمال الاعتناء بالمأمور به. ولا تزال الكفرة تصف الحق بما لا يليق به من الشرك، {حتى إذا جاء أحدَهم الموتُ} أي: لا يزالون مشركين حتى يموتوا، فحتى، هنا، ابتدائية، دخلت على جملة الشرط، وهي متعلقة بيصفون، وما بينهما اعتراض مؤكد للإغضاء، لكن لا بمعنى أنه العامل فيه؛ لفساد المعنى، بل بمعنى أنه معمول لمحذوف دل عليه ذلك، أي: تنزيهاً له تعالى عما يصفون، ويستمرون على الوصف المذكور، حتى إذا جاء أحداً منهم الموت الذي لا مرد له، وظهرت له أحوال الآخرة، {قال}؛ تحسراً على ما فَرَّطَ فيه من الإيمان والطاعة: {ربِّ ارجعون} أي: ردني إلى الدنيا، والواو؛ لتعظيم المخاطب، كخطاب الملوك، {لعلي أعملُ صالحاً فيما تركت} أي: في الإيمان الذي تركته، أو في الموضع الذي تركت فيه الإيمان والطاعة؛ وهو الدنيا؛ لأنه ترك الدنيا وصار إلى العقبى. قال قتادة: ما تمنى أن يرجع إلى أهل ولا عشيرة، ولكن ليتدارك ما فرط. وعنه، صلى الله عليه وسلم أنه قال:"حديث : إِذَا عَايَنَ المؤمن المَلائِكَةَ قَالُوا له: نُرجِعُكَ إلى الدُّنْيا؟ فَيَقُولُ: إِلَى دارِ الهُمومِ والأحْزانِ؟ بَلْ قُدُوماً إلى اللهِ تبارك، وتعالى، وأمَّا الكافر فَيقُولُ: ارجعون لعلي أعملَ صالحاً..." تفسير : . وقال القرطبي: ليس سؤالُ الرجعة مختصاً بالكافر، فقد يسألها المؤمن، كما في آخر سورة المنافقين، ودلت الآية على أن أحداً لا يموت حتى يعرف: أهو من أولياء الله أم من أعداء الله، ولولا ذلك لما سأل الرجعة، فيعلم ذلك قبل نزول الموت وذواقه. هـ. قال المحشي الفاسي: ولعل محمل الحديث في المؤمن الكامل غير المقصِّر، والآية في غيره. والله أعلم. هـ. {كَلاَّ} أي: لا رجوع له أصلاً، وهو ردع عن طلب الرجعة، واستبعاد لها، {إِنها} أي: قوله: (رب ارجعون)، {كلمةٌ}، والمراد: طائفة من الكلام، وهو (ربِّ ارجعون...) إلخ، {هو قائلها}، ولا فائدة له فيها، ولا حقيقة لها؛ لعدم حصول مضمونها، أو هو قائلها لا محالة؛ لتسليط الحسرة والندم عليه، فلا يقدر على السكوت عليها، (ومن ورائهم) أي: أمامهم، والضمير للجماعة؛ لأن أحدهم بمعنى كلهم، {برزخٌ}: حائل بينهم وبين الرجعة، {إلى يوم يُبعثون}: يوم القيامة، وهو إقناط كلي عن الرجوع إلى الدنيا، لما علِم أنه لا رجعة يوم القيامة إلى الدنيا، وإنما الرجوع فيه إلى الحياة الأخرية. والله تعالى أعلم. الإشارة: ما قاله صلى الله عليه وسلم في تضرعه إلى الله تعالى - كما أمره الحق تعالى - يقوله كل عارف ومتيقظ، فيقول: ربِّ إما تُريني ما يُوعدهُ أهل الغَفلة والبطالة من التحسر والندم، عند انقراض الدنيا وإقبال الآخرة، فلا تجعلني في القوم الظالمين، أي: لا تسلك بي مسلكهم حتى أتحسر معهم فإذا أوذي في الله - كما هو شأن أهل الخصوصية - يقال له: ادفع بالتي هي أحسنُ السيئةَ، وقابل الإساءة بالإحسان، وإياك والانتصار لنفسك، وتعوذ بالله من همزات الشياطين، إن قامت عليك نفسك وأرادت الانتصار، كما هو شأن أهل الغفلة، في كونهم منهمكين في الغفلة، مملوكين في أيدي أنفسهم، مستمرين على ذلك، حتى إذا حضر أجلهم طلبوا من الله الرجعة، هيهات هيهات، {كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [المؤمنون: 100]، وفي الأثر: "حديث : ما منكم من أحد إلا وسيندم عند الموت، إن كان محسناً أن لو زاد، وإن كان مسيئاً أن لو تاب" تفسير : . أو كما قال. ولأجل هذا المعنى شد أهل اليقظة الحُزُم، وشمروا عن ذراعهم في طاعة مولاهم، وعمروا أوقاتهم بما يقربهم إلى محبوبهم، وتنافسوا في ذلك أيَّ تنافس، وفي ذلك يقول القائل: شعر : السِّباقَ، السِّباقَ، قولاً وفِعْلاً حَذِّرِ النَّفْس حَسْرَة المسْبُوقِ تفسير : وكان بعض العباد حفر قبراً في بيته، فإذا صلى العشاء دخل فيه، وقرأ: {قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً...} الآية، فيقول لنفسه: ستطلبين الرجعة ولا تُمكنين منها، وأنت اليوم متمكنة من الرجوع، قومي إلى خدمة مولاك، قبل أن يحال بينك وبينها، فيبيت قائماً يُصلي. وهكذا شأن اهل اليقظة؛ يُقدمون الندم والجد قبل فوات إبَّانِهِ. أعاننا الله على اغتنام طاعته، وما يقربنا إلى حضرته. آمين. ثمَّ ذكر أهوال ذلك اليوم الموعود
الجنابذي
تفسير : {قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي} ان تُرِنى {مَا يُوعَدُونَ رَبِّ فَلاَ تَجْعَلْنِي فِي ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} وضع الظّاهر موضع المضمر لذمٍّ آخر والجملة تهديد لهم بترقّب نزول العذاب عليهم.
الحبري
تفسير : حَدَّثَنَا عليُّ بنُ مُحَمَّدٍ، قالَ: حَدَّثَني الحِبَريُّ قالَ: حَدَّثَنا سَعِيْدُ بنُ عُثْمانَ، عن أَبِي مَرْيَمٍ، قالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بنُ السَّائِبِ: قالَ: حَدَّثَنِي أَبُو صَالِحٍ مَوْلَى أُمِّ هَانِىءٍ، قالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الله بنُ عَبَّاسٍ، وَجَابِرُ عَبْدِ اللهِ: ـ قَالَ: قَالَ جَابِرٌ: ما كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ [وَآلِهِ] وَسَلَّمَ، ألاَّ رَجُلٌ أَوْ رَجُلانِ ـ إِنَّهُما سَمِعَا مِنْ رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ [وَآلِهِ] وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَهُوَ بِمِنَى: "حديث : لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ، وَأَيْمُ الله! لَئِنْ فَعَلْتُمُوْهَا لَتَعْرِفُنِّي فِي كَتِيْبَةٍ يُضَارِبُوْنَكُمْ ". تفسير : قالَ: فَغُمِزَ مِنْ خَلْفِهِ، فَالْتَفَتَ مِنْ قِبَلٍ مَنْكِبِهِ الأَيْسَرِ، فَقَالَ: "حديث : أَوْ عَلِيٌّ أوْ عَلِيٌّ ". تفسير : قالَ: فَنَزَلَتْ هذِهِ الآيَةُ: {قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ رَبِّ فَلاَ تَجْعَلْنِي فِي ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ}.
فرات الكوفي
تفسير : [فرات بن إِبراهيم الكوفي. ش] قال: حدّثني جعفر بن محمد الفزاري [قال: حدّثنا عباد قال: حدّثنا نصر عن محمد بن مروان عن الكلبي عن أبي صالح. ش]: عن جابر بن عبد الله [الأنصاري رضي الله عنه. ن] قال: أخبر جبرئيل [عليه السلام. أ، ر] النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن أمتك سيختلفون [ب، ش: سيتخلفون] من بعدك فأوحى الله [تعالى. ب] إِلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم: {قل رب إِما تريني ما يوعدون رب فلا تجعلني في القوم الظالمين} قال: أصحاب الجمل. [قال: ن] فقال [ذلك. ش] النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأنزل الله عليه: {وإِنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون} [قال. ن] فلما نزلت هذه الآية جعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم [وبارك. ر] لا يشك أنه سيرى ذلك. حديث : قال جابر: بينما أنا جالس إِلى جنب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو بمنى يخطب الناس فحمد الله [تعالى. ن] وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس أليس قد بلغتكم؟ قالوا: بلى. قال [ر: فقال]: ألا لا ألفينكم [أ، ب: لفيتكم] ترجعون بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض، أما لئن فعلتم ذلك لتعرفني في كتيبة أضرب وجوهكم فيها بالسيف. فكأنه غمز من خلفه فالتفت ثم أقبل علينا [أ: إِلينا. محمد. ن] فقال: أو علي بن أبي طالب [عليه السلام. قال. ن] تفسير : فأنزل الله عليه {أية : فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون} تفسير : [41/ الزخرف 42] وهي واقعة [ش: وقعة] الجمل. قال: حدّثنا الحسين بن الحكم [الحبري قال: حدّثنا سعيد بن عثمان بن أبي مريم قال: حدّثني محمد بن السائب قال: حدّثني أبو صالح مولى أم هاني. ش، ح]: عن عبد الله بن عباس وجابر بن عبد الله الأنصاري [رضي الله عنهما. ب]- [قال. ح] حديث : قال جابر: ما كان بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إِلا رجل أو رجلان أنهما سمعا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول في حجة الوداع وهو بمنى: لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض وايم الله إِن [ح، ش: لئن] فعلتموها [ر: فعلتموه] لتعرفني [ح: لتعرفنني] في كتيبة يضاربونكم [ب: نضاربكم]. قال: فغمز من خلفه فالتفت من قبل منكبه الأيسر قال: أو علي تفسير : [أو علي. ح، ش] قال: [فـ] نزلت هذه الآيات: {قل رب إِما تريني ما يوعدون رب فلا تجعلني في القوم الظالمين و إِنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون}.
الهواري
تفسير : قوله: {قُل} يا محمد {رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ} أي: من العذاب {رَبِّ فَلاَ تَجْعَلْنِي فِي القَوْمِ الظَّالِمِينَ} أي: لا تهلكني معهم إن أريتني ما يوعدون. قال: {وَإِنَّا عَلَى أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ} أي من العذاب {لَقَادِرُونَ}. {ادْفَعْ بِالتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ} [يقول: ادفع بالعفو والصفح القول القبيح والأذى]. وذلك قبل أن يؤمر بقتالهم. {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ} أي: بما يكذبون. قوله: {وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ} وهو الجنون {وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ} أي: فأطيع الشياطين فأهلك. أمره الله أن يدعو بهذا. قوله: {حَتَّى إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ المَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ}. قال الحسن: ليس أحد من خلق الله ليس لله بولي إلا وهو يسأل الله الرجعة إلى الدنيا عند الموت بكلام يتكلّم به، وإن كان أخرسَ لم يتكلّم في الدنيا بحرف قط، وذلك إذا استبان له أنه من أهل النار سأل الله الرجعة إلى الدنيا ولا يسمعه من يليه. قوله: {لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ} أي: فيما صنعت. قال الله: {كَلآ} { أي: لست براجع إلى الدنيا. وهو مثل قوله: (أية : وَأَنْفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّنْ قَبْلِ أَن يَّأتِيَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ فَيَقُولُ رَبِّ لَوْلآ أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ) تفسير : [المنافقون: 10]. قال: {كَلآ} {إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا} أي: هذه الكلمة: {رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ}. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إذا احتضر الإِنسان جمع كل شيء كان له يمنعه من الحق فيجعل بين عينيه، فيقول عند ذلك: {رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّيْ أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ} . تفسير : قال: {وَمِن وَرَآئِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}. قال مجاهد: البرزخ ما بين الموت إلى البعث. وقال بعضهم: أهل القبور في البرزخ، وهو الحاجز بين الدنيا والآخرة. وقال بعضهم: البرزخ ما بين النفختين.
اطفيش
تفسير : {قُل رَّبِّ} يا رب {إِمَّا تُرِيَنِّي}. وقرئ ترني بالهمزة والنون المتوكد والفعل مبني على الفتح محله الجزم والماضي ارى والياء مفعول ولاجلها كسرت النون واصلها الفتح ونون الوقاية محذوفة بين النون والياء أو نون التوكيد خفيفة ادغمت في نون الوقاية {مَا يُوعَدُونَ} ما مفعول ثاني بالرواية البصرية ويوعدون من الوعد المستعمل في الشر أو من الايعاد.
اطفيش
تفسير : {قُل} يا محمد {ربِّ} يا رب {إمَّا تريَنِّى} إن الشرطية، وما التى هى صلت للتأكيد {ما يُوعَدون} من العذاب الدنيوى بان سيكون وأنا أحيى، وقد أعلمه الله أنه ينتقم منهم، ولم يخبره بأنه يقع فى حياته أو بعدها.
الالوسي
تفسير : {قُل رَّبّ إِمَّا تُرِيَنّى} / أي إن كان لا بد من أن تريني لأن (ما) والنون زيدتا للتأكيد {مَا يُوعَدُونَ} أي الذي يوعدونه من العذاب الدنيوي المستأصل وأما العذاب الأخروي فلا يناسب المقام.
ابن عاشور
تفسير : آذنت الآيات السابقة بأقصى ضلال المشركين وانتفاء عذرهم فيما دانوا به الله تعالى وبغضب الله عليهم لذلك، وأنهم سواء في ذلك مع الأمم التي عجل الله لها العذاب في الدنيا وادخر لها عذاباً آخر في الآخرة، فكان ذلك نذراة لهم بمثله وتهديداً بما سيقولونه وكان مثاراً لخشية النبي صلى الله عليه وسلم أن يحل العذاب بقومه في حياته والخوف من هوْله فلقن الله نبيئه أن يسأل النجاة من ذلك العذاب. وفي هذا التلقين تعريض بأن الله منجيهم من العذاب بحكمته، وإيماء إلى أن الله يري نبيئه حلول العذاب بمكذبيه كما هو شأن تلقين الدعاء كما في قوله: { أية : ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } تفسير : [البقرة: 286] الآية. فهذه الجملة استئناف بياني جواباً عما يختلج في نفس رسول الله عليه الصلاة والسلام. وقد تحقق ذلك فيما حل بالمشركين يوم بدر ويوم حنين. فالوعيد المذكور هنا وعيد بعقاب في الدنيا كما يقتضيه قوله: {فلا تجعلني في القوم الظالمين}. وذكر في هذا الدعاء لفظ (رب) مكرراً تمهيداً للإجابة لأن وصف الربوبية يقتضي الرأفة بالمربوب. وأدخل بعد حرف الشرط (ما) الزائدة للتوكيد فاقترن فعل الشرط بنون التوكيد لزيادة تحقيق ربط الجزاء بالشرط. ونظيره في تكرير المؤكدات بين الشرط وجوابه قول الأعشى: شعر : إما تَرَيْنا حفاةً لا نعال لنا إنا كذلِك ما نحفَى وننتعل تفسير : أي فاعلمي حقاً أنا نحفى تارة وننتعل أخرى لأجل ذلك، أي لأجل إخفاء الخطى لا للأجل وجدان نعل مرة وفقدانها أخرى كحال أهل الخصاصة. وقد تقدم في قوله { أية : وإما ينزغنك من الشيطان نزغ } تفسير : في آخر الأعراف (200). والمعنى: إذا كان ما يوعدون حاصلاً في حياتي فأنا أدعوكم أن لا تجعلوني فيهم حينئذ. واستعمال حرف الظرفية من قوله: {في القوم الظالمين} يشير إلى أنه أُمر أن يَسأل الكون في موضع غير موضع المشركين، وقد تحقق ذلك بالهجرة إلى المدينة فالظرفية هنا حقيقية، أي بينهم. والخبر الذي هو قوله: {وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون} مستعمل في إيجاد الرجاء بحصول وعيد المكذبين في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وإلا فلا حاجة إلى إعلام الرسول بقدرة الله على ذلك. وفي قوله: {أن نريك} إيماء إلى أنه في منجاة من أن يلحقه ما يوعدون به وأنه سيراه مرأى عين دون كون فيه. وقد يبدو أن هذا وعد غريب لأن المتعارف أن يكون العذاب سماوياً فإذا نجى الله منه بعض رسله مثل لوط فإنه يُبعده عن موضع العذاب ولكن كان عذاب هؤلاء غير سماوي فتحقق في مصرع صناديدهم يوم بدر بمرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ووقف رسول الله على القليب قليب بدر وناداهم بأسمائهم واحداً واحداً وقال لهم « حديث : لقد وَجدنا ما وعدنا ربنا حقاً فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً ». تفسير : وبهذا القصد يظهر موقع حرفي التأكيد (إن) واللام من إصابة محزّ الإعجاز.
الشنقيطي
تفسير : أمر جلا وعلا نبيه في هاتين الآيتين الكريمتين أن يقول: رب إما تريني ما يوعدون: أي أن ترني ما توعدهم من العذاب، بأن تنزله بهم، وأنا حاضر شاهد أرى نزوله بهم {فَلاَ تَجْعَلْنِي فِي ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} أي لا تجعلني في جملة المعذبين الظالمين، بل أخرجني منهم، ونجني من عذابهم، وقد بين تعالى في مواضع أخر: أنه لا ينزل بهم العذاب، وهو فيهم وذلك في قوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ}تفسير : [الأنفال: 33] الآية، وبين هنا أنه قادر على أن يره العذاب، الذي وعدهم به في قوله: {أية : وَإِنَّا عَلَىٰ أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ} تفسير : [المؤمنون: 95] وبين في سورة الزخرف، أنه إن ذهب به قبل تعذيبهم، فإنه معذب لهم ومنتقم منهم لا محالة، وأنه إن عذبهم، وهو حاضر فهو مقتدر عليهم. وذلك في قوله تعالى: {أية : فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ أَوْ نُرِيَنَّكَ ٱلَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُّقْتَدِرُونَ}تفسير : [الزخرف: 41-42].
الواحدي
تفسير : {قل رب إما تريني ما يوعدون} ما يُوعَدُ المشركون من العذاب. {فلا تجعلني} معهم أَيْ: إنْ أنزلت بهم النِّقمة فاجعلني خارجاً منهم.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: إما تريني ما يوعدون: أي إن تُريني من العذاب. ادفع بالتي هي أحسن: اي ادفع بالخصلة التي هي أحسن وذلك كالصفح والإِعراض عنهم. من همزات الشياطين: أي من وساوسهم التي تخطر بالقلب فتكاد تفسده. أن يحضرون: أي في أموري حتى لا يفسدوها علي. جاء أحدهم الموت: أي رأى علاماته ورآه. برزخ: أي حاجز يمنع وهو مدة الحياة الدنيا، وإن عاد بالبعث فلا عمل يقبل. معنى الآيات: في هذا السياق تهديد للمشركين الذين لم ينتفعوا بتلك التوجيهات التي تقدمت في الآيات قبل هذه، فأمر الله تعالى رسوله أن يدعوه ويضرع إليه إن هو أبقاه حتى يحين هلاك قومه، أن لا يهلكه معهم فقال: {قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي} أي أن تريني {مَا يُوعَدُونَ} أي من العذاب، {رَبِّ فَلاَ تَجْعَلْنِي فِي ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} بل أخرجني منهم وأبعدني عنهم حتى لا أهلك معهم. وقوله تعالى: {وَإِنَّا عَلَىٰ أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ} يخبر تعالى رسوله بأنه قادر على إنزال العذاب الذي وعد به المشركين إذا لم يتوبوا قبل حلوله بهم. وقوله: {ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} هذا قل أمره بقتالهم: أمره بأن يدفع ما يقولونه له في الكفر والتكذيب بالخُلَّة والخصلة التي هي أحسن وذلك كالصفح والإِعراض عنهم وعدم الإِلتفاف إليهم. وقوله: {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ} أي من قولهم لله شريك وله ولد، وأنه ما أرسل محمداً رسولاً، وأنه لا بعث ولا حياة ولا نشور يوم القيامة وقوله: {وَقُلْ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّياطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ} لما علمه الاحتراز والتحصُّن من المشركين بالصفح والإِعراض أمره أن يتحصن من الشياطين بالإِستعاذة بالله تعالى فأمره أن يقول {رَّبِّ} أي يا رب {أَعُوذُ بِكَ} أي استجير بك من همزات الشياطين أي وساوسهم حتى لا يفتنوني عن ديني وأعوذ بك أن يحضروا أمري فيفسدوه علي. وقوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ} أي إذا حضر أحد أولئك المشركين الموت أي رأى ملك الموت وأعوانه وقد حضروا لقبض روحه {قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ} أي أخروا موتي كي أعمل صالحاً فيما تركت العمل فيه بالصلاح، وفيما ضيعت من واجبات قال تعالى رداً عليه {كَلاَّ} أي لا رجوع أبداً، {إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا} لا فائدة منها ولا نفع فيها، {وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ} أي حاجز مانع من العودة إلى الحياة وهو أيام الدنيا كلها حتى إذا انقضت عادوا إلى الحياة، ولكن ليست حياة عمل وإصلاح ولكنها حياة حساب وجزاء هذا معنى قوله: {وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ}. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- مشروعية الدعاء والترغيب فيه وإنه لذو جدوى للمؤمن. 2- استحباب دفع السيء من القول أو الفعل بالصفح والإِعراض عن صاحبه. 3- مشروعية الإِستعاذة بالله تعالى من وساوس الشياطين ومن حضورهم أمر العبد الهام حتى لا يفسدوه عليه بالخواطر السيئة. 4- موعظة المؤمن بحال من يتمنى العمل الصالح عند الموت فلا يُمكن منه فيموت بندمه وحسرته ويلقى جزاء تفريطه حرماناً وخسراناً في الدار الآخرة.
د. أسعد حومد
تفسير : (93) - يَأْمُرُ اللهُ تعالى رَسُولَه الكريمَ بأنْ يَدْعُوَ بهذا الدُّعاءِ عِنْدَ حُلُولِ النِّقَمِ: فإذا عَاقَبْتَهُم يا ربّ وأنا شَاهِدٌ ذَلِكَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : {قُل ..} [المؤمنون: 93] أمر من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم {رَّبِّ ..} [المؤمنون: 93] منادى حُذِفَتْ منه أداة النداء يعني: يا رب {إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ} [المؤمنون: 93] يعني: من العذاب {رَبِّ فَلاَ تَجْعَلْنِي فِي ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} [المؤمنون: 94] أي: إن قدَّرتَ أن تعذبهم في حياتي فلا تُعذِّبهم وأنا فيهم. وهذا من رقة قلبه صلى الله عليه وسلم، وحين اشتد به إيذاء الكفار وعنادهم في أوَل الدعوة أرسل الله إليه الملائكة تعرض عليه الانتقام من قومه المكذِّبين به، لكنه يأبى ذلك ويقول: "حديث : اللهم اهْدِ قومي فإنهم لا يعلمون" تفسير : ويقول: "حديث : لعلَّ الله يُخرِج من أصلابهم مَنْ يقول: لا إله إلا الله ". تفسير : كما أن موقفه يوم فتح مكة واضح ومعروف؛ ذلك لأنه صلى الله عليه وسلم أُرسِل رحمة للعالمين. لكن، هل قال الرسول ودعا بهذا الدعاء لأنه يعتقد أن الله يجعله معهم حين ينزل بهم العذاب؟ نقول: لا؛ لأنه لم يقُلْ هذه الجملة من نفسه، إنما أمره الله بها، ولم يكُنْ رسول الله ليعتقد هذا الاعتقاد، إذن: المسألة وَحْي من الله لا بُدَّ أن يُبلِّغه، وأن يقولها كما قالها الله؛ لأن مدلولها رحمة به في ألاَّ يرى مَنْ يعذب، أو من باب قوله تعالى: {أية : وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً ..} تفسير : [الأنفال: 25]. وهذا الدعاء الذي دعا به رسول الله يدفع عنه أيَّ خاطر يطرأ عليه، ويطمئنه أن هذا الأمر لن يحدث. وقوله: {إِمَّا تُرِيَنِّي ..} [المؤمنون: 93] عبارة عن (إنْ) و (مَا) وهما يدلان على معنى الشرطية والزمنية، فكأنه قال: قُلْ ساعةَ أن ينزل بهم العذاب: ربِّ لا تجعلني في القوم الظالمين.
الأندلسي
تفسير : {قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي} الآية لما ذكر تعالى ما كان عليه الكفار من ادعاء الولد والشريك لله وكان تعالى قد أعلم نبيه أنه ينتقم منهم ولم يبين أذلك في حياته أم بعد موته أمره بأن يدعو بهذا الدعاء أي ان تريني ما تعدهم واقعاً بهم في الدنيا أو في الآخرة فلا تجعلني معهم ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم معصوم مما يكون سبباً لجعله معهم ولكنه أمره أن يدعو بذلك إظهاراً للعبودية وتواضعاً لله * على أن نريك متعلق بقادرون ثم أمره تعالى بحسن الأخلاق والتي هي أحسن أبلغ من الحسنة للمبالغة الدال عليها أفعل التفضيل وجاء في صلة التي ليدل على معرفة السامع بالحالة التي هي أحسن قيل وهذه الآية منسوخة بآية السيف والتي هي أحسن شهادة أن لا إله إلا الله والسيئة الشرك * ثم أمره تعالى أن يستعيذ من نخسات الشيطان والهمز من الشيطان عبارة عن حثه على العصيان والاغراء ثم أمره أن يستعيذ من حضورهم عنده لأنهم إذا حضروا توقع الهمز وفسر همز الشيطان بسورة الغضب التي لا يملك الإِنسان فيها نفسه. {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ} قبلها جملة محذوفة تكون حتى غاية لها يدل عليها ما قبلها التقدير فلا أكون كالكفار الذين يهمزهم الشياطين ويحضرونهم حتى إذا جاء أحدهم الموت ونظير حذف هذه الجملة قول الشاعر: شعر : فيا عجباً حتى كليب تسبني كان أباها نهشل أو مجاشع تفسير : أي يسبني الناس حتى كليب فدل ما بعد حتى على الجملة المحذوفة وفي الآية دل ما قبلها عليها * حتى إذا جاء أحدهم الموت أي حضر وعاينه الإِنسان فحينئذٍ يسأل الرجعة إلى الدنيا وفي الحديث حديث : إذا عاين الموت قالت له الملائكة: نرجعك فيقول إلى دار الهموم والأحزان بل قدما إلى الله وأما الكافر فيقول: ارجعون لعلي أعمل صالحاً تفسير : ومعنى: فيما تركت في الإِيمان الذي تركته. {كَلاَّ} كلمة ردع عن طلب الرجعة وإنكار واستبعاد فقيل هي من قول الله لهم وقيل من قول من عاين الموت يقول ذلك لنفسه على سبيل التحسر والندم ومعنى هو قائلها لا يسكت ولا ينزع لاستيلاء الحسرة عليه ولا يجدي لها جدوى ولا يجاب لما سأل ولا يغاث. {وَمِن وَرَآئِهِمْ} أي الكفار. {بَرْزَخٌ} حاجز بينهم وبين الرجعة إلى وقت البعث وفي هذه الجملة إقناط كلي أن لا رجوع إلى الدنيا وإنما الرجوع إلى الآخرة استعير البرزخ للمدة التي بين موت الإِنسان وبعثه. {فَلاَ أَنسَابَ} أي لا تواصل بينهم حين افتراقهم إلى ما أعد لهم من ثواب وعقاب وإنما التواصل بالأعمال ولا تعارض بين انتفاء التساؤل هنا وبين إثباته في قوله: {أية : وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ} تفسير : [الصافات: 27، الطور: 25] لأن يوم القيامة مواطن ومواقف وتقدّم الكلام في الموازين في الأعراف * قال الزمخشري: في جهنم خالدون بدل من خسروا أنفسهم ولا محل للبدل والمبدل منه لأن الصلة لا محل لها أو خبر بعد خبر لأولئك أو خبر مبتدأ محذوف "انتهى" جعل في جهنم بدلاً من خسروا وهذا بدل غريب وحقيقته أن يكون البدل الفعل الذي يتعلق به في جهنم أي استقروا في جهنم وكأنه من بدل الشىء من الشىء وهما المسمى واحد على سبيل المجاز لأن من خسر نفسه استقر في جهنم وأجاز أبو البقاء أن يكون الذين نعتاً لأولئك وخبر أولئك في جهنم والظاهر أن تكون خبراً لأولئك لا نعتاً وخالدون خبراً ثانياً وفي جهنم متعلقاً به * اللقح أشد من النفخ تأثيراً والكلوح تشمر الشفتين عن الأسنان ومنه كلوح الكلب والأسد وخص الوجه باللفح لأنه أشرف ما في الإِنسان والإِنسان أحفظ له من الآفات من غيره من الأعضاء فإِذا لفح الأشرف فما دونه ملفوح ولما ذكر إصابة النار للوجه ذكر الكلوح المختص ببعض أعضاء الوجه وفي الترمذي حديث : تتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخي شفته السفلى حتى تضرب سرته تفسير : قال: هذا حديث حسن صحيح. {أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي} الآية يقول الله تعالى لهم على لسان من يشاء من ملائكته: {أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي} وهي القرآن ولما سمعوا هذا التقرير أذعنوا وأقروا على أنفسهم بقولهم: غلبت علينا شقوتنا من قولهم: غلبني فلان على كذا إذا أخذه منك وامتلكه والشقاوة سوء العاقبة. {وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ} أي عن الهدى ثم تدرجوا من الإِقرار إلى الرغبة والتضرع وذلك أنهم أقروا والاقرار بالذنب اعتذار فقالوا: {رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا} أي من جهنم. {فَإِنْ عُدْنَا} إلى التكذيب واتخاذ آلهة وعبادة غيرك. {فَإِنَّا ظَالِمُونَ} أي متجاوزون الحد في العدوان حيث ظلمنا أنفسنا أولاً ثم سومحنا فظلمناها ثانية. {قَالَ ٱخْسَئُواْ فِيهَا} أي ذلوا فيها وانزجروا كما تزجر الكلاب إذا زجرت يقال خسأت الكلب وخسأ هو بنفسه يكون متعدياً ولازماً. {وَلاَ تُكَلِّمُونِ} أي في رفع العذاب أو تخفيفه قيل: هو آخر كلام يتكلمون به ثم لا كلام بعد ذلك إلا الشهيق والزفير والعواء كعواء الكلاب لا يفهمون ولا يفهمون. {إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي} الفريق هنا هم المستضعفون من المؤمنين وهذه الآية مما يقال للكفار على جهة التوبيخ ونزلت في كفار قريش مع صهيب وعمار وبلال ونظرائهم ثم هي عامة فيمن جرى مجراهم قديماً وبقية الدهر. {سِخْرِيّاً} أي تسخرون منهم ومن اتباعهم للحق * قال الزمخشري: في قراءة من قرأ انهم بالفتح هو المفعول الثاني أي جزيتهم فوزهم "انتهى" الظاهر أنه تعليل أي جزيتهم لأنهم والكسر على الاستئناف وقد يراد به التعليل فيكون الكسر مثل الفتح من حيث المعنى لا من حيث الاعراب لاضطرار المفتوحة إلى عامل. و{ٱلْفَآئِزُونَ} الناجون من هلكة إلى نعمة. {قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ} سألهم سؤال توقيف وهو تعالى يعلم عدد ما لبثوا ولما سئلوا عن المدة التي أقاموا فيها في الأرض أجابوا بقولهم: لبثنا يوماً أو بعض يوم ترددوا فيما لبثوا فنسوا لفرط هول العذاب حتى قالوا يوماً أو بعض يوم * العبث اللعب الخالي عن الفائدة وانتصب على أنه مصدر في موضع الحال تقديره عابثين وعلى أنه مفعول من أجله والمعنى في هذا ما خلقناكم للعبث وإنما خلقناكم للتكليف والعبادة. {وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا} معطوف على إنما فهو داخل في الحسبان والكريم صفة للعرش لتنزيل الخيرات منه أو لنسبته إلى أكرم الأكرمين ومن شرطية وجوابه فإِنما حسابه ولا برهان له به صفة لازمة للاحتراز من أن يكون ثم آخر يقوم عليه برهان فهي مؤكدة كقوله يطير بجناحه ويجوز أن يكون جملة اعتراض بين الشرط وجزائه فلا موضع لها من الإِعراب وافتتح السورة بقوله: قد أفلح المؤمنون وأورد في خاتمتها أنه لا يفلح الكافرون فنظر تفاوت ما بين الافتتاح والاختتام ثم أمر رسوله بأن يدعو بالغفران والرحمة.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ} [المؤمنون: 93] أي: عجلت لهم ما تعدهم {رَبِّ فَلاَ تَجْعَلْنِي فِي ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} [المؤمنون: 94] بأن توصل إلى سوء مثل ما توصل إليهم في العقوبة، وهذا يدل على أن للحق يفعل ما يريد ولو عذب البشرية لم يكن ذلك منه ظلماً ولا قبيحاً {وَإِنَّا عَلَىٰ أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ} [المؤمنون: 95] وهذا يدل على صحة قدرته لا على خلاف ما علم، فإنه أجزى به، وإن تعجيل عقوبتهم وإن لم يفعل ذلك صحة، فصحة القدرة على خلاف المعلوم {ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ٱلسَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ} [المؤمنون: 96] يعني: مكافأة السيئة جائزة لكن العفو عنها أحسن، ويقال: ادفع بالوفاء الجفاء، ويقال: الأحسن ما أشار القلب بالمعافاة والسيئة ما قدموا إليه النفس للمكافأة. {وَقُلْ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّياطِينِ} [المؤمنون: 98] وهي من سيئاته وتحجب الاستعاذة بالله من الله، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أعوذ بك منك (وأعوذ بك رب أن يحضرون)" تفسير : {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ} [المؤمنون: 99] إذا أخذ البلاء بحياتهم واستمكن الضر من أحوالهم وعلموا ألا محيص ولا مجير، أخذوا في التضرع والاستكانة في طلب الرجوع {لَعَلِّيۤ أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ} يعني: من الخيرات {كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا} [المؤمنون: 100] عند الضرورة والاضطرار أي: لا يرجع عن أخلاقه الذميمة التي طبع عليها {وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [المؤمنون: 100] وهو ما بين الموت إلى البعث لعل بعض الحجب من أخلاق السوء يندفع عند أيام البرزخ، والله أعلم.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : لما أقام تعالى على المكذبين أدلته العظيمة، فلم يلتفتوا لها، ولم يذعنوا لها، حق عليهم العذاب، ووعدوا بنزوله، وأرشد الله رسوله أن يقول: { قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ } أي: أي وقت أريتني عذابهم، وأحضرتني ذلك { رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } أي: اعصمني وارحمني، مما ابتليتهم به من الذنوب الموجبة للنقم، واحمني أيضا من العذاب الذي ينزل بهم، لأن العقوبة العامة تعم -عند نزولها- العاصي وغيره ، قال الله في تقريب عذابهم: { وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ } ولكن إن أخرناه فلحكمة، وإلا فقدرتنا صالحة لإيقاعه فيهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):