٢٣ - ٱلْمُؤْمِنُون
23 - Al-Mu'minoon (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
96
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ٱلسَّيِّئَةَ} أمر بالصفح ومكارم الأخلاق؛ فما كان منها لهذه الأمة فيما بينهم فهو محكم باقٍ في الأمة أبداً. وما كان فيها من معنى موادعة الكفار وترك التعرّض لهم والصفح عن أمورهم فمنسوخ بالقتال. {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ} أي من الشرك والتكذيب. وهذا يقتضي أنها آية موادعة، والله تعالى أعلم.
البيضاوي
تفسير : {ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ٱلسَّيّئَةَ} وهو الصفح عنها والإِحسان في مقابلتها لكن بحيث لم يؤد إلى وهن في الدين. وقيل هي كلمة التوحيد والسيئة الشرك. وقيل هو الأمر بالمعروف والسيئة المنكر وهو أبلغ من أدفع بالحسنة السيئة لما فيه من التنصيص على التفضيل. {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ} بما يصفونك به أو بوصفهم إياك على خلاف حالك وأقدر على جزائهم فوكل إلينا أمرهم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ } أي ٱلْخَلَّةِ من الصفح والإِعراض عنهم {ٱلسَّيِّئَةَ } أذاهم إياك، وهذا قبل الأمر بالقتال[5:9] {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ } أي يكذبون ويقولون فنجازيهم عليه.
ابن عبد السلام
تفسير : {بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ} ادفع بالإغضاء والصفح إساءة المسيء، أو الفحش بالسلام، أو المنكر بالموعظة، أو امح بالحسنة السيئة، أو قابل أعداءك بالنصح وأولياءك بالموعظة.
النسفي
تفسير : {ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى } بالخصلة التي {هِىَ أَحْسَنُ ٱلسَّيّئَةَ } هو أبلغ من أن يقال بالحسنة السيئة لما فيه من التفضيل كأنه قال: ادفع بالحسنى السيئة والمعنى أصفح عن إساءتهم ومقابلتها بما أمكن من الاحسان، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: هي شهادة أن لا إله إلا الله. والسيئة: الشرك أو الفحش بالسلام أو المنكر بالموعظة. وقيل: هي منسوخة بآية السيف. وقيل: محكمة إذ المداراة محثوث عليها ما لم تؤد إلى ثلم دين {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ } من الشرك أو بوصفهم لك وسوء ذكرهم فنجازيهم عليه {وَقُلْ رَّبّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّيـٰطِينِ } من وساوسهم ونخساتهم، والهمزة: النخس، والهمزات جمع الهمزة ومنه مهماز الرائض، والمعنى أن الشياطين يحثون الناس على المعاصي كما تهمز الراضة الدواب حثاً لها على المشي {وَأَعُوذُ بِكَ رَبّ أَن يَحْضُرُونِ } أمر بالتعوذ من نخساتهم بلفظ المبتهل إلى ربه المكرر لندائه وبالتعوذ من أن يحضروه أصلاً أو عند تلاوة القرآن أو عند النزع {حَتَّىٰ إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ } «حتى» تتعلق بـــــ {يصفون} أي لا يزالون يشركون إلى وقت مجيء الموت، أو لا يزالون على سوء الذكر إلى هذا الوقت وما بينهما مذكور على وجه الاعتراض، والتأكيد للإغضاء عنهم مستعيناً بالله على الشيطان أن يستنزله عن الحلم ويغريه على الانتصار منهم {قَالَ رَبّ ٱرْجِعُونِ } أي ردوني إلى الدنيا خاطب الله بلفظ الجمع للتعظيم كخطاب الملوك {لَعَلّى أَعْمَلُ صَـٰلِحاً فِيمَا تَرَكْتُ } في الموضع الذي تركت وهو الدنيا لأنه ترك الدنيا وصار إلى العقبى، قال قتادة: ما تمنى أن يرجع إلى أهل ولا إلى عشيرة ولكن ليتدارك ما فرط. {لعلي} ساكنة الياء كوفي وسهل ويعقوب {كَلاَّ } ردع عن طلب الرجعة وإنكار واستبعاد {إِنَّهَا كَلِمَةٌ } المراد بالكلمة الطائفة من الكلام المنتظم بعضها مع بعض وهو قوله: {رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت} {هُوَ قَائِلُهَا } لا محالة لا يخليها ولا يسكت عنها لاستيلاء الحسرة والندم عليه {وَمِن وَرَائِهِمْ } أي أمامهم والضمير للجماعة {بَرْزَخٌ } حائل بينهم وبين الرجوع إلى الدنيا {إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ } لم يرد أنهم يرجعون يوم البعث وإنما هو إقناط كلي لما علم أن لا رجوع بعد البعث إلا إلى الآخرة.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد {ادفع بالتي هي أحسن السيئة} يقول: أعرض عن أذاهم إياك. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عطاء {ادفع بالتي هي أحسن السيئة} قال: بالسلام. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: نعمت والله الجرعة تتجرعها وأنت مظلوم، فمن استطاع أن يغلب الشر بالخير فليفعل، ولا قوّة إلا بالله. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية عن أنس في قوله {ادفع بالتي هي أحسن السيئة} قال: قول الرجل لأخيه ما ليس فيه، يقول إن كنت كاذباً فأنا أسأل الله أن يغفر لك، وإن كنت صادقاً فأنا أسأل الله أن يغفر لي. وأخرج البخاري في الأدب عن أبي هريرة قال: أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : يا رسول الله إن لي قرابة، أصلهم ويقطعون، وأحسن إليهم ويسيئون إليَّ، ويجهلون عليّ وأحلم عنهم. قال: لئن كان كما تقول كأنما تسفهم المل ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك ".
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ٱلسَّيِّئَةَ} [الآية: 96]. قال القاسم: استعمل معهم ما حملناك عليه من الأخلاق الكريمة، والشفقة والرحمة فإنك أعظم خطرًا من أن يؤثر. قيل: ما يظهرونه من أنواع المخالفات. قال بعضهم: فى هذه الآية قابل أعداءك بالنصيحة وأوليائك بالموعظة ليرجع العدو إليك وليًا.
القشيري
تفسير : الهمزة في {أَحْسَنُ} يجوز ألا تكون للمبالغة؛ ويكون المعنى ادفع بالحسن السيئة. أو أن تكون للمبالغة؛ فتكون المكافأة جائزةً والعفوُ عنها - في الحُسْنِ - أشدَّ مبالغةً. ويقال ادفع الجفاءَ بالوفاء، وجُرْمَ أهل العصيانِ بحكم الإحسان. ويقال ادفع ما هو حظك إذا حصل ما هو حق له. ويقال اسلك مسلكَ الكَرَم ولا تجنح إلى طريق المكافأة. ويقال الأحسنُ ما أشار إليه القَلبُ، والسيئةُ ما تدعو إليه النَّفْسُ. ويقال الأحسنُ ما كان بإشارة الحقيقة، والسيئةُ ما كان بوساوس الشيطان. ويقال الأحسنُ نورُ الحقائقِ، والسيئةُ ظلمةُ الخلائق.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ٱلسَّيِّئَةَ} دعى حبيبه الى استعمال خلقه العظيم وظرفه الكريم الذى مستفاد من خلقه حين البسه اياه عين اصطفاه على العالمين اى احتمل بحلمك جفاء الجافين وراعهم بطيب الكلام وحسن السّلام واعراض الجميل قال القاسم استعمل معهم ما جبلتاك عليه من الاخلاق الكريمة والشفقة والرحمة فانك اعظم خطرا من ان يؤثر فيك ما يظهرونه من انواع المخالفات قال بعضهم ادفع عنك باخلاقك وجهلهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {ادفع بالتي} بالطريقة التى {هى احسن} اى احسن طرق الدفع من الحلم والصفح {السيئة} التى تأتيك منهم من الاذى والمكروه وهو مفعول ادفع والسيئة الفعلة القبيحة وهو ضد الحسنة، قال بعضهم استعمل معهم ما جعلناك عليه من الاخلاق الكريمة والشفقة والرحمة فانك اعظم خطرا من ان يؤثر فيك مايظهرونه من انواع المخالفات. وفى التأويلات النجمية يعنى مكافأة السيئة جائزة لكن العفو عنها احسن ويقال ادفع بالوفاء الجفاء ويقال الاحسن ما اشار اليه القلب بالمعافاة والسيئة ما تدعو اليه النفس للمكافأة، ويقال [دفع كن ظلمت خلائق را بنور حقائق ياخظوظ خودرا بحقوق خداطى كن تيه حوادث را بقدم سلوك در طريق معرفت شعر : جوطى كشت تيه حوادث ازآنجا بملك قدم ران بيك حمله محمل دران قلزم نور شو غوطه زن فروشوى ازخويشتن ظلمت ظل بكى خوان يكى دان يكى كويكى جو سوى الله والله زوراست وباطل تفسير : {نحن اعلم بما يصفون} بما يصفونك به على خلاف ما انت عليه كالسحر والشعر والجنون والوصف ذكر الشىء بحليته ونعته قد يكون حقا وقد يكون باطلا وفيه وعيد لهم بالجزاء والعقوبة وتسلية لرسول الله وارشاد له الى تفويض امره اليه تعالى.
الطوسي
تفسير : امر الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وسلم) أن يدفع السيئة من إساءة الكفار اليه بالتي هي أحسن منها. ومعنى ذلك انهم إذا ذكروا المنكر من القول - الشرك - ذكرت الحجة فى مقابلته وذكرت الموعظة التي تصرف عنه الى ضده من الحق، على وجه التلطف في الدعاء اليه، والحث عليه، كقول القائل: هذا لا يجوز، وهذا خطأ، وعدول عن الحسن. وأحسن منه أن يوصل بذكر الحجة والموعظة كما بينا. وقال الحسن: {بالتي هي أحسن} الاغضاء والصفح. وقيل: هو خطاب للنبي (صلى الله عليه وسلم) والمراد به الأمة، والمعنى إدفع الأفعال السيئة بالافعال الحسنة التي ذكرها. وقوله {نحن أعلم بما يصفون} معناه نحن اعلم منهم بما يستحقون به من الجزاء في الوقت الذي يصلح الأخذ بالعقوبة إذا انقضى الأجل المضروب بالامهال. ثم قال له {قل} يا محمد، وادع فقل يا {رب أعوذ بك من همزات الشياطين} أي نزغاتهم ووساوسهم، فمعنى {أعوذ} اعتصم بالله من شر الشياطين، فى كل ما يخاف من شره. والمعاذة هي التي يستدفع بها الشر، والهمزات دفعهم بالاغواء الى المعاصي، والهمز شدة الدفع. ومنه الهمزة: الحرف الذي يخرج من أقصى الحلق باعتماد شديد. والعياذ طلب الاعتصام من الشر {وأعوذ بك رب أن يحضرون} هؤلاء الشياطين فيوسوسون لي ويغووني عن الحق. وقوله {حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون} اخبار من الله تعالى عن أحوال هؤلاء الكفار، وانه إذا حضر أحدهم الموت، واشرف عليه سأل الله عند ذلك و {قال رب ارجعون} أي ردني الى دار التكليف {لعلي أعمل صالحاً} من الطاعات وأتلافى ما تركته، وانما قال {رب ارجعون} على لفظ الجمع لأحد امرين: احدهما - انهم استعانوا أولا بالله، ثم رجعوا الى مسألة الملائكة بالرجوع الى الله - في رواية ابن جريج. والثاني - انه جرى على تعظيم الذكر في خطاب الواحد بلفظ الجمع لعظم القدر كما يقول ذلك المتكلم، قال الله تعالى {أية : إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} تفسير : وقال {أية : ولقد خلقنا الإنسان} تفسير : وما جرى مجراه. وروى النضر بن سمأل قال: سئل الخليل عن قوله {رب ارجعون} ففكر ثم قال: سألتموني عن شيء لا أحسنه ولا أعرف معناه، والله أعلم، لانه جمع، فاستحسن الناس منه ذلك. فقال الله تعالى فى الجواب عن سؤالهم {كلا} وهي كلمة ردع وزجر أي حقاً {إنها كلمة} فالكناية عن الكلمة والتقدير: ان الكلمة التي قالوها {كلمة هو قائلها} بلسانه. وليس لها حقيقة، كما قال {أية : ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه} تفسير : وقوله {ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون} فالبرزخ الحاجز - وها هنا - هو الحاجز بين الموت والبعث - في قول ابن زيد - وقال مجاهد: هو الحاجز بين الموت والرجوع الى الدنيا. وقال الضحاك: هو الحاجز بين الدنيا والاخرة: وقيل البرزخ الامهال. وقيل: كل فصل بين شيئين برزخ. وفى الآية دلالة على أن احداً لا يموت حتى يعرف اضطراراً منزلته عند الله وانه من أهل الثواب أو العقاب - فى قول الجبائي وغيره - وفيها دلالة أيضاً على انهم فى حال التكليف يقدرون على الطاعة بخلاف ما تقول المجبرة. ومعنى {ومن ورائهم} أي أمامهم وقدامهم، قال الشاعر: شعر : ايرجو بنو مروان سمعي وطاعتي وقومي تميم والفلاة ورائيا تفسير : ومعنى {يبعثون} يوم يحشرون للحساب والمجازاة، وأضيف الى الفعل لان ظرف الزمان يضاف الى الافعال.
اطفيش
تفسير : {ادْفَعْ بِالَّتِي} بالخلة التي {هِيَ أَحْسَنُ} كالصفح والاعراض عنهم والصبر ولذلك قيل نسخ بآية السيف * {السَّيِّئَةَ} مفعول ادفع هي الاذى الصادر منهم وقد يقال لم يكن ذلك منسوخا فان ذلك هو الصفح والاعراض والصبر ومكارم الاخلاق المأمور بفعلها في كل وقت ما لم تؤد إلى وهن في الدين. وقيل: الآية شاملة لذلك وللكف عن القتال فذلك محكم والكف منسوخ وذلك ابلغ من قولك (ادفع بالحسنة السيئة) لما فيه من التفضيل اي قابل لشرهم بغاية ما يمكن من الخير فتكون حسنة مضاعفة. وعن الحسن، الحسنة كظم الغيظ والصفح. وقال ابن عباس: الحسنة شهادة ان لا اله الا الله والسيئة الشرك. وقال مجاهد: الحسنة السلام والسيئة الضر اذا لقي مؤذيه سلم عليه. وقيل: الحسنة الامر بالمعروف والسيئة المنكر. {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ} بوصفهم لك بخلاف صفاتك أو بما يصفونه اي يذكرونه فيك على خلاف حالك ويضعف تقدير بما يصفونك به لاختلاف المعلقين نحن أعلم بذلك منك واقدر على جزائهم فكل امرهم الينا.
اطفيش
تفسير : {ادفع} عنك وعن المسلمين، والمظلوم والدين {بالَّتى} بالخصلة التى {هى أحسن} من سائر الخصال الحسنة ككلمة الشهادة والوعظ، والسلام والاحسان، الى المسىء ونحو ذلك، إذا كان لا يفضى الى اهانة الدين او المروءة {السيئة} الخصلة القبيحة، كالشرك والشتم، والمنكر، ويجوز أن يفسر ذلك بأشد فى الحسن من السيئة فى القبح، كقولك: الخل أحمض من العسل، والعسل أو العسل أحلى من الخل، بمعنى أن أحدهما أشد فى شأنه من الآخر فيه، فيصور الاستواء. كما قال أشعب الهازل: كنت أنا والأعمش فى حجر فلان، فما زال يعلو وأسفل حتى استوينا، أى فى غاية خيره وشره، ويجوز خروح أحسن عن قيد التفضيل فيعم، كقوله: "أية : وَيَدْرَءُونَ بالحسنة السيئة"تفسير : [الرعد: 22] فيشمل ما ذكر، ويشمل الاحسان الى المسىء فى الجملة، لا فى مقابلة اساءته، والصفح عنها، وحكم الآية مما يستمر ولا ينسخ. {نحن أعْلمُ بما يصفُون} بوصفهم إياك، أو بما يصفونك به من السوء فنعاقبهم ففوض الىَّ ولا تحزن.
الالوسي
تفسير : {ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ} أي ادفع بالحسنة التي هي أحسن الحسنات التي يدفع بها {ٱلسَّيّئَةُ} بأن تحسن إلى المسيء في مقابلتها ما استطعت، ودون هذا في الحسن أن يحسن إليه في الجملة، ودونه أن يصفح عن إساءته فقط، وفي ذلك من الحث له صلى الله عليه وسلم إلى ما يليق بشأنه الكريم من حسن الأخلاق ما لا يخفى، وهو أبلغ من ادفع بالحسنة السيئة لمكان {أَحْسَنُ} والمفاضلة فيه على حقيقتها على ماذكرنا وهو وجه حسن في الآية، وجوز أن تعتبر المفاضلة بين الحسنة والسيئة على معنى أن الحسنة في باب الحسنات أزيد من السيئة في باب السيئات ويطرد هذا في كل مفاضلة بين ضدين كقولهم: العسل أحلى من الخل فإنهم يعنون أنه في الأصناف الحلوة أميز من الخل في الأصناف الحامضة، ومن هذا القبيل ما يحكى عن أشعب الماجن أنه قال: نشأت أنا والأعمش في حجر فلان فما زال يعلو وأسفل حتى استوينا فإنه عن استواءهما في بلوغ كل منهما الغاية حيث بلغ هو الغاية في التدلي والأعمش الغاية في التعلي، وعلى الوجهين لا يتعين هذا الأحسن وكذا السيئة. وأخرج ابن أبـي حاتم. وأبو نعيم في «الحلية» عن أنس أنه قال في الآية: يقول الرجل لأخيه ما ليس فيه فيقول: إن كنت كاذباً فأنا أسأل الله تعالى أن يغفر لك وإن كنت صادقاً فأنا أسأل الله تعالى أن يغفر لي. وقيل: التي هي أحسن شهادة أن لا إلٰه إلا الله والسيئة الشرك، وقال عطاء والضحاك: التي هي أحسن / السلام والسيئة الفحش، وقيل: الأول الموعظة والثاني المنكر، واختار بعضهم العموم وأن ما ذكر من قبيل التمثيل، والآية قيل: منسوخة بآية السيف، وقيل: هي محكمة لأن الدفع المذكور مطلوب ما لم يؤد إلى ثلم الدين والإزراء بالمروءة. {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ} أي بوصفهم إياك أو بالذي يصفونك به مما أنت بخلافه، وفيه وعيد لهم بالجزاء والعقوبة وتسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإرشاد له عليه الصلاة والسلام إلى تفويض أمره إليه عز وجل. والظاهر من هذا أن الآية آية موادعة فافهم.
ابن عاشور
تفسير : لما أنبأ الله رسوله عليه الصلاة والسلام بما يلمح له بأنه منجز وعيده من الذين كذبوه فعلم الرسولُ والمسلمون أن الله ضمن لهم النصر أعقب ذلك بأن أمره بأن يدفع مكذبيه بالتي هي أحسن وأن لا يضيق بتكذيبهم صدره فذلك دفع السيئة بالحسنة كما هو أدب الإسلام. وسيأتي بيانه في سورة فصلت (34) عند قوله { أية : ادفع بالتي هي أحسن }. تفسير : وقوله {نحن أعلم بما يصفون} خبر مستعمل كناية عن كون الله يعامل أصحاب الإساءة لرسوله بما هم أحقاء به من العقاب لأن الذي هو أعلم بالأحوال يُجري عمله على مناسب تلك الأحوال بالعدل وفي هذا تطمين لنفس الرسول صلى الله عليه وسلم وحذف مفعول {يصفون} وتقديره: بما يصفونك، أي مما يضيق به صدرك. وذلك تعهد بأنه يجازيهم على ما يعلم منهم قرُب أحد يبدو منه السوء ينطوي ضميره على بعض الخير فقد كان فيهم من يحدب على النبي في نفسه، ورب أحد هو بعكسه كما قال تعالى: { أية : ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام } تفسير : [البقرة: 204]. و{التي هي أحسن} مراد بها الحسنة الكاملة، فاسم التفضيل للمبالغة مثل قوله { أية : السجن أحب إليَّ } تفسير : [يوسف: 33]. والتخلق بهذه الآية هو أن المؤمن الكامل ينبغي له أن يفوض أمر المعتدين عليه إلى الله فهو يتولى الانتصار لمن توكل عليه وأنه إن قابل السيئة بالحسنة كان انتصار الله أشفى لصدره وأرسخ في نصره، وماذا تبلغ قدرة المخلوق تجاه قدرة الخالق، وهو الذي هزم الأحزاب بلا جيوش ولا فيالق. وهكذا كان خلُق النبي صلى الله عليه وسلم فقد كان لا ينتقم لنفسه وكان يدعو ربه. وذكر في «المدارك» في ترجمة عبد الله بن غانم: أن رجلاً يقال له ابن زرعة كان له جاه ورئاسة وكان ابن غانم حكم عليه بوجه حق ترتب عليه، فلقي ابنَ غانم في موضع خال فشتمه فأعرض عنه ابن غانم فلما كان بعد ذلك لقيه بالطريق فسلم ابن زرعة على ابن غانم فرد عليه ابن غانم ورحب به ومضى معه إلى منزله وعمل له طعاماً فلما أراد مفارقته قال لابن غانم: يا أبا عبد الرحمٰن اغفر لي واجعلني في حل مما كان من خطابي، فقال له ابن غانم: أما هذا فلست أفعله حتى أوقفك بين يدي الله تعالى، وأما أن ينالك مني في الدنيا مكروه أو عقوبة فلا.
الشنقيطي
تفسير : هذا الذي تضمنته هذه الآيات الثلاث مما ينبغي أن يعامل به شياطين الإنس وشياطين الجن. قد قدمنا الآيات الدالة عليه بإيضاح في آخر سورة الأعراف، في الكلام على قوله تعالى: {أية : خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَاهِلِينَ وَإِماَّ يَنَزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ نَزْغٌ}تفسير : [الأعراف: 199-200] الآية. وقوله في هذه الآية: {بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} أي بالخصلة التي هي أحسن الخصال، والسيئة مفعول ادفع ووزن السيئة، فيعلة أصلها: سيوئة وحروفها الأصلية السين والواو والهمزة، وقد زيدت الياء الساكنة بين الفاء والعين، فوجب إبدال الواو التي هي عين الكلمة ياء وإدغام ياء الفيعلة الزائدة فيها على القاعدة التصريفية المشارك بقول ابن مالك في الخلاصة: شعر : إن يسكن السابق من واو ويا واتصلا ومن عروض عريا فياء الواو اقلبن مدغماً وشذ معطى غير ما قد رسما تفسير : كما قدمناه مراراً. والسيئة في اللغة: الخصلة من خصال السوء. وقوله تعالى: {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ} أي بما تصفه ألسنتهم من الكذب في تكذيبهم لك، وادعائهم الأولاد والشركاء لله. وقد قدمنا في سورة المائدة أن اللين والصفح المطلوب في آيات القرآن بعد نزول القتال إنما هو بالنسبة إلى المؤمنين، دون الكافرين في الكلام على قوله تعالى: {أية : أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ}تفسير : [المائدة: 54] وبينا الآيات الدالة على ذلك كقوله في النَّبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه {أية : أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ}تفسير : [الفتح: 29] وقوله: {أية : وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [الحجر: 88] وقوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ}تفسير : [التحريم: 9] إلى آخر ما تقدم. وقوله في هذه الآية: {وَقُلْ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّياطِينِ} الهمزات: جمع همزة وهي المرة من فعل الهمز، وهو في اللغة: النخس والدفع، وهمزات الشياطين: نخساتهم لبني آدم ليحثوهم، ويحضوهم على المعاصي، كما أوضحنا الكلام عليه في قوله تعالى: {أية : أَنَّآ أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً}تفسير : [مريم: 83] وكقوله تعالى: {أية : وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ}تفسير : [الزخرف: 36-37] الآية. والظاهر في قوله: {وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ} أن المعنى: أعوذ بك أن يحضرني الشيطان في أمر من أموري كائناً ما كان، سواء كان ذلك وقت تلاوة القرآن، كما قال تعالى: {أية : فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْآنَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ}تفسير : [النحل: 98] أو عند حضور الموت أو غير ذلك من جميع الشؤون في جميع الأوقات. والعلم عند الله تعالى.
الواحدي
تفسير : {ادفع بالتي هي أحسن} من الحلم والصَّفح {السيئة} التي تأتيك منهم من الأذى والمكروه {نحن أعلم بما يصفون} فنجازيهم به، وهذا كان قبل الأمر بالقتال. {وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين} نزغاتها ووساوسها. {وأعوذ بك رب أن يحضرون} في شيءٍ من أموري. وقوله: {رب ارجعون} أي: ارددني إلى الدُّنيا. {لعلي أعمل صالحاً} أَيْ: أشهد بالتَّوحيد {فيما تركت} حين كنت في الدُّنيا {كلا} لا يرجع إلى الدُّنيا {إنها كلمة هو قائلها} عند الموت، ولا يُجاب إلى ذلك، {ومن ورائهم} أمامهم {برزخ} حاجزٌ بينهم وبين الرُّجوع إلى الدُّنيا. {فإذا نفخ في الصور} النَّفخة الأخيرة {فلا أنساب بينهم يومئذ} لا يفتخرون بالأنساب {ولا يتساءلون} كما يتساءلون في الدُّنيا من أيِّ قبيلةٍ ونَسبٍ أنت.
د. أسعد حومد
تفسير : (96) - ادْفَعِ الأَذَى عَنْكَ بِالطَّرِيقَةِ والخَصْلَةِ التي هيَ أَحْسَنُ: بِالإِغْضَاءِ والصَّفْحِ عَنْ جَهْلِهِم، والصَّبْرِ على أَذَاهُم وَتَكْذِيبِهم بِمَا جِئْتَهُم بِهِ مِنْ رَبِّهِم، وَنَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَنَا بِه، ويَنْخِلُونَنا إِيَّاهُ مِنَ الاخْتِلاقِ والأكَاذِيبِ، وبِمَا يَقُولُونَ فِيكَ، وسَنَجْزِيهِم على مَا يَقُولُونَ فلا يَحْزُنْكَ ذَلِكَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : {ٱدْفَعْ ..} [المؤمنون: 96] تدل على المدافعة يعني: أمامك خصم يهاجمك، يريد أن يؤذيك، وعليك أن تدفعه عنك، لكن دَفْع بالتي هي أحسن أي: بالطريقة أو الحال التي هي أحسن، فإنْ أخذك بالشدة فقابِلْه باللين، فهذه هي الطريقة التي تجمع الناس على دعوتك وتؤلِّفهم من حولك. كما جاء في قوله تعالى: {أية : وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ..} تفسير : [آل عمران: 159]. فإنْ أردتَ أن تعطفهم نحوك فادفع بالتي هي أحسن، ومن ذلك الموقف الذي حدث من رسول الله يوم الفتح، يوم أنْ مكّنه ربه من رقاب أعدائه، ووقف أمامهم يقول:حديث : يا معشر قريش، ما تظنون أنَّي فاعل بكم؟ قالوا: خيراً، أخ كريم وابْنُ أخ كريم، قال: "اذهبوا فأنتم الطلقاء" . تفسير : ونلحظ أنهم كلموه بما يستميل قلبه ويعطفه نحوهم، وذكَّروه بأواصر القرابة والرحم، وحدَّثوه بما يُحنِّن قلبه، ولقّنوه ما ينتفعون هم به: أخ كريم وابن أخ كريم، ولم يقولوا مثلاً: أنت قائد منتصر تستطيع أن تفعل بنا ما تشاء. وفعلاً كان من هؤلاء ومن ذرياتهم نصراء للإسلام وأعوان لدعوة رسول الله. وقصة فضالة الذي كان يبغض رسول الله، حتى قال قبل الفتح: والله ما أحد أبغض إليَّ من محمد، وقد زاد غيظه من رسول الله حينما رآه يدخل مكة ويُحطِّم الأصنام، فأراد أنْ يشقَّ الصفوف إليه ليقتله، وبعدها قال: "فو الله، ما وضعتُ يدي عليه حتى كان أحب خَلْق الله إليَّ" . لكن ماذا ندفع؟ ندفع (السيئة). ونلحظ هنا أن ربنا - تبارك وتعالى - يدعونا أن ندفع السيئة بالتي هي أحسن، لا بالحسن؛ لأن السيئة يقابلها الحسنة، إنما ربك يريد أن يرتقي بك في هذا المجال، فيقول لك: ادفع السيئة بالأحسن. وفي موضع آخر يعطينا ثمرة هذا التصرُّف الإيماني: {أية : فَإِذَا ٱلَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} تفسير : [فصلت: 34] ولو تأملتَ معنى هذه الآية لوجدتَ أن المجازاة من الله، وليست ممّنْ عاملْتَه هذه المعاملة؛ لأن الله تعالى يقول: {أية : كَأَنَّهُ ..} تفسير : [فصلت: 34] ولم يقل: يصبح لك ولياً حميماً. ذلك لأنك حين تدفع بالتي هي أحسن يخجل منك صاحبك، ويندم على إساءته لك، ويحاول أنْ يُعوِّضك عنها فيما بعد، وألاَّ يعود إلى مثلها مرة أخرى، لكنه مع كل هذا لا يُسمَّى ولياً حميماً، إنما هو ولي وحميم؛ لأنه كان سبباً في أنْ يأخذك ربك إلى جانبه، ويتولاك ويدافع عنك. لذلك لما شتم أحدهم الحسن البصري وسبَّه في أحد المجالس، وكان في وقت رُطَب البلح أرسل الحسن إليه طبقاً من الرُّطَب وقال لخادمه: اذهب به إلى فلان وقُلْ له: لم يجد سيدي أثمن من هذا يهديه إليك، وقد بلغه أنك أهديت إليه حسناتك بالأمس، وهي بلا شك أعظم من هديتي تلك. إذن: من الغباء أن نتناول الآخرين بالهَمْز واللمز والطعن والغيبة؛ فإنك بهذا الفعل كأنك أهديتَ لعدوك حسناتك، وأعطيتَ أعظم ما تملك لأبغض الناس إليك. ألاَ ترى موقف الأب حين يقسو على ولده، فيستسلم له الولد ويخضع، أو يظلمه أخوه فيتحمل ظُلْمه ولا يقابله بالمثل، ساعتها يحنو الأب على ولده، ويزداد عطفاً عليه، ويحرص على ترضيته، كذلك يعامل الحق - تبارك وتعالى - العباد فيما بينهم من معاملات - ولله المثل الأعلى. لذلك قلنا: لو علم الظالم ما أعده الله للمظلوم من الجزاء لَضنَّ عليه بالظلم؛ لأنه سيظلمه من ناحية، ويُرضيه الله من ناحية أخرى. ويقال: إنه كان عند أحد الملوك رجل يُنفِّس فيه الملك عن نفسه، فإنْ غضب استدعى هذا الرجل وراح يشتم فيه ويسبُّه أمام الناس حتى يهدأ، فإذا أراد أن ينصرف الرجل أخذه على انفراد وأعطاه كيساً من المال، وفي أحد الأيام احتاج هذا الرجل إلى مال ليقضي أمراً عنده، فحاول أنْ يتمحّك ليصل إلى الملك، ثم قال له: ألستَ في حاجة لأنْ تشتمني اليوم؟ فمسألتنا بهذا الشكل، إذن: ما عليك إلا أنْ تدفع بالتي هي أحسن، فإنْ صادفتَ من صاحبك مودة وصفاءً، وإلا فجزاءُ الله لك أوسع، وعطاؤه أعظم، وما أجمل قول الشاعر حين عبَّر عن هذا المعنى: شعر : يا مَنْ تُضَايِقه الفِعَال مِنَ التي ومِنَ الذيِ ادْفَعْ فدَيْتُكَ بالتي حَتَّى تَرَى فَإذَا الذِي تفسير : يعني: إن أردتَ الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم؛ فاعمل بالتي هي أحسن. ثم يقول سبحانه: {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ} [المؤمنون: 96] معناه: أنت يا محمد تأخذ بحقك من هؤلاء إذا كنا نحن لا نعرف ما يفعلونه بك، لكن الحال أننا نعرفه جيداً ونحصيه عليهم، وقد أعددنا لهم الجزاء المناسب، فدَعْ هذه المسألة لنا ولا تشغل نفسك بها. وكأن الحق - تبارك وتعالى - يريد أن يُنزِّه ذات رسوله صلى الله عليه وسلم من انفعالات الغضب، وألاّ ينشغل حتى بمجرد الانفعال؛ لأنه حين يتعرّض لك شخص بسيئة تريد أن تجمع نفسك لترد عليه، وخصوصاً إذا كان هذا الرد مخالفاً لطبْعِك الحسن وخُلُقك الجميل، فكأنه يكلفك شيئاً فوق طاقتك. فالله تعالى يريد أن يرحم نبيه وأن يريحه: دَعْكَ منهم، وفوِّض أمرهم إلينا، فنحن أعلم بما يصفون أي: بما يكذبون في حقك. ثم يقول الحق سبحانه: {وَقُلْ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذا من مكارم الأخلاق، التي أمر الله رسوله بها فقال: { ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ } أي: إذا أساء إليك أعداؤك، بالقول والفعل، فلا تقابلهم بالإساءة، مع أنه يجوز معاقبة المسيء بمثل إساءته، ولكن ادفع إساءتهم إليك بالإحسان منك إليهم، فإن ذلك فضل منك على المسيء، ومن مصالح ذلك، أنه تخف الإساءة عنك، في الحال، وفي المستقبل، وأنه أدعى لجلب المسيء إلى الحق، وأقرب إلى ندمه وأسفه، ورجوعه بالتوبة عما فعل، وليتصف العافي بصفة الإحسان، ويقهر بذلك عدوه الشيطان، وليستوجب الثواب من الرب، قال تعالى: {أية : فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ } تفسير : وقال تعالى: {أية : ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا } تفسير : أي: ما يوفق لهذا الخلق الجميل {أية : إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ }. تفسير : وقوله { نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ } أي بما يقولون من الأقوال المتضمنة للكفر والتكذيب بالحق قد أحاط علمنا بذلك وقد حلمنا عنهم وأمهلناهم وصبرنا عليهم والحق لنا وتكذيبهم لنا فأنت -يا محمد- ينبغي لك أن تصبر على ما يقولون وتقابلهم بالإحسان هذه وظيفة العبد في مقابلة المسيء من البشر وأما المسيء من الشياطين فإنه لا يفيد فيه الإحسان ولا يدعو حزبه إلا ليكونوا من أصحاب السعير فالوظيفة في مقابلته أن يسترشد بما أرشد الله إليه رسوله فقال { وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ } أي اعتصم بحولك وقوتك متبرئا من حولي وقوتي { مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ } أي أعوذ بك من الشر الذي يصيبني بسبب مباشرتهم وهمزهم ومسهم ومن الشر الذي بسبب حضورهم ووسوستهم وهذه استعاذة من مادة الشر كله وأصله ويدخل فيها الاستعاذة من جميع نزغات الشيطان ومن مسه ووسوسته فإذا أعاذ الله عبده من هذا الشر وأجاب دعاءه سلم من كل شر ووفق لكل خير.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 704 : 12 : 10 - سفين عن طلحة بن عمرو عن عطاء في قوله {ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ٱلسَّيِّئَةَ} قال، السلام. [الآية 96].
همام الصنعاني
تفسير : 1986- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن عبد الكريم الجزري، عن مجاهد في قوله تعالى: {ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}: [الآية: 96]، قال: هو السَّلامُ، تسلم عليه إذا لقيته.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):