٢٣ - ٱلْمُؤْمِنُون
23 - Al-Mu'minoon (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
97
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه سبحانه لما أدب رسوله بقوله: { أية : ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ٱلسَّيّئَةَ } تفسير : [المؤمنون: 96] أتبعه بما به يقوى على ذلك وهو الاستعاذة بالله من أمرين: أحدهما: من همزات الشياطين، والهمزات جمع الهمزة، وهو الدفع والتحريك الشديد، وهو كالهز والأز، ومنه مهماز الرائض، وهمزاته هو كيده بالوسوسة، ويكون ذلك منه في الرسول بوجهين: أحدهما: بالوسوسة والآخر بأن يبعث أعداءه على إيذائه، وكذلك القول في المؤمنين، لأن الشيطان يكيدهم بهذين الوجهين، ومعلوم أن من ينقطع إلى الله تعالى ويسأله أن يعيذه من الشيطان، فإنه يجب أن يكون متذكراً متيقظاً فيما يأتي ويذر، فيكون نفس هذا الانقطاع إلى الله تعالى داعية إلى التمسك بالطاعة وزاجراً عن المعصية، قال الحسن كان عليه السلام يقول بعد استفتاح الصلاة « حديث : لا إله إلا الله ثلاثاً، الله أكبر ثلاثاً، اللهم إني أعوذ بك من همزات الشياطين همزه ونفثه ونفخه، فقيل يا رسول الله وما همزه؟ قال الموتة التي تأخذ ابن آدم ـ أي الجنون الذي يأخذ ابن آدم ـ قيل فما نفثه؟ قال الشعر قيل فما نفخه؟ قال الكبر » تفسير : وثانيها: قوله: {وَأَعُوذُ بِكَ رَبّ أَن يَحْضُرُونِ } وفيه وجهان: أحدهما: أن يحضرون عند قراءة القرآن لكي يكون متذكراً فيقل سهوه، وقال آخرون بل استعاذ بالله من نفس حضورهم لأنه الداعي إلى وسوستهم كما يقول المرء أعوذ بالله من خصومتك بل أعوذ بالله من لقائك، وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد اشتكى إليه رجل أرقاً يجده فقال: « حديث : إذا أردت النوم فقل أعوذ بالله وبكلمات الله التامات من غضبه وعقابه ومن شر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون » تفسير : . أما قوله: {حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب «الكشاف» حتى متعلق بيصفون أي لا يزالون على سوء الذكر إلى هذا الوقت والآية فاصلة بينهما على وجه الاعتراض والتأكيد للإغضاء عنهم مستعيناً بالله على الشيطان أنه يستزله عن الحلم والله أعلم. المسألة الثانية: اختلفوا في قوله: {حَتَّىٰ إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ } فالأكثرون على أنه راجع إلى الكفار وقال الضحاك كنت جالساً عند ابن عباس، فقال من لم يترك ولم يحج سأل الرجعة عند الموت، فقال واحد إنما يسأل ذلك الكفار فقال ابن عباس رضي الله عنهما أنا أقرأ عليك به قرآناً { أية : وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَـٰكُمْ مّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ فَيَقُولُ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ } تفسير : [المنافقون: 10] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : إذا حضر الإنسان الموت جمع كل شيء كان يمنعه من حقه بين يديه فعنده يقول رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت » تفسير : والأقرب هو الأول إذا عرف المؤمن منزلته في الجنة فإذا شاهدها لا يتمنى أكثر منها، ولولا ذلك لكان أدونهم ثواباً يغتم بفقد ما يفقد من منزلة غيره وأما ما ذكره ابن عباس رضي الله عنهما من قوله: {وَأَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَـٰكُمْ مّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ } فهو إخبار عن حال الحياة في الدنيا لا عن حال الثواب فلا يلزم على ما ذكرنا. المسألة الثالثة: اختلفوا في وقت مسألة الرجعة فالأكثرون على أنه يسأل في حال المعاينة لأنه عندها يضطر إلى معرفة الله تعالى وإلى أنه كان عاصياً ويصير ملجأ إلى أنه لا يفعل القبيح بأن يعلمه الله تعالى أنه لو رامه لمنع منه، ومن هذا حاله يصير كالممنوع من القبائح بهذا الإلجاء فعند ذلك يسأل الرجعة، ويقول: {رَبِّ ٱرْجِعُونِ * لَعَلّي أَعْمَلُ صَـٰلِحاً فِيمَا تَرَكْتُ } وقال آخرون بل يقول ذلك عند معاينة النار في الآخرة، ولعل هذا القائل إنما ترك ظاهر هذه الآية لما أخبر الله تعالى في كتابه عن أهل النار في الآخرة أنهم يسألون الرجعة لكن ذلك مما لا يمنع أن يكونوا سائلين الرجعة في حال المعاينة، والله تعالى يقول: {حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ } فعلق قولهم هذا بحال حضور الموت وهو حال المعاينة فلا وجه لترك هذا الظاهر. المسألة الرابعة: اختلفوا في قوله سبحانه وتعالى: {ٱرْجِعُونِ } من المراد به؟ فقال بعضهم: الملائكة الذين يقبضون الأرواح وهم جماعة فلذلك ذكره بلفظ الجمع، وقال آخرون بل المراد هو الله تعالى لأن قوله رب بمنزلة أن يقول يا رب وإنما ذكر بلفظ الجمع للتعظيم كما يخاطب العظيم بلفظه فيقول فعلنا وصنعنا وقال الشاعر: شعر : فإن شئت حرمت النساء سواكم تفسير : ومن يقول بالأول يجعل ذكر الرب للقسم، فكأنه عند المعاينة قال بحق الرب ارجعون، وههنا سؤالات: السؤال الأول: كيف يسألون الرجعة وقد علموا صحة الدين بالضرورة، ومن الدين أن لا رجعة؟ الجواب: أنه وإن كان كذلك فلا يمتنع أن يسألوه لأن الاستعانة بهذا الجنس من المسألة تحسن وإن علم أنه لا يقع فأما إرادته للرجعة فلا يمتنع أيضاً على سبيل ما يفعله المتمني. السؤال الثاني: ما معنى قوله: {لَعَلّي أَعْمَلُ صَـٰلِحاً } أفيجوز أن يسأل الرجعة مع الشك؟ الجواب: ليس المراد بلعل الشك فإنه في هذا الوقت باذل للجهد في العزم على الطاعة إن أعطى ما سأل، بل هو مثل من قصر في حق نفسه وعرف سوء عاقبة ذلك التقصير فيقول مكنوني من التدارك لعلي أتدارك فيقول هذه الكلمة مع كونه جازماً بأنه سيتدارك، ويحتمل أيضاً أن الأمر المستقبل إذا لم يعرفوه أوردوا الكلام الموضوع للترجي والظن دون اليقين، فقد قال تعالى: { أية : وَلَوْ رُدُّواْ لَعَـٰدُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ } تفسير : [الأنعام: 28]. السؤال الثالث: ما المراد بقوله فيما تركت؟ الجواب: قال بعضهم فيما خلفت من المال ليصير عند الرجعة مؤدياً لحق الله تعالى منه، والمعقول من قوله: {تَرَكْتُ } التركة وقال آخرون بل المراد أعمل صالحاً فيما قصرت فيدخل فيه العبادات البدنية والمالية والحقوق، وهذا أقرب كأنهم تمنوا الرجعة ليصلحوا ما أفسدوه ويطيعوا في كل ما عصوا. السؤال الرابع: ما المراد بقوله كلا؟ الجواب: فيه قولان: أحدهما: أنه كالجواب لهم في المنع مما طلبوا، كما يقال لطالب الأمر المستبعد هيهات، روي أنه عليه السلام قال لعائشة رضي الله عنها: « حديث : إذا عاين المؤمن الملائكة قالوا نرجعك إلى دار الدنيا فيقول إلى دار الهموم والأحزان لا بل قدوماً على الله، وأما الكافر فيقال له نرجعك فيقول ارجعون فيقال له إلى أي شيء ترغب إلى جمع المال أو غرس الغراس أو بناء البنيان أو شق الأنهار؟ فيقول لعلي أعمل صالحاً فيما تركت! فيقول فيقول الجبار كلا » تفسير : الثاني: يحتمل أن يكون على وجه الإخبار بأنهم يقولون ذلك وأن هذا الخبر حق فكأنه قال: حقاً إنها كلمة هو قائلها، والأقرب الأول. أما قوله: {إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قائلها} ففيه وجهان: الأول: أنه لا يخليها ولا يسكت عنها لاستيلاء الحسرة عليه الثاني: أنه قائلها وحده ولا يجاب إليها ولا يسمع منه. أما قوله تعالى: {وَمِن وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ } فالبرزخ هو الحاجز والمانع كقوله في البحرين { أية : بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ } تفسير : [الرحمن: 20] أي فهؤلاء صائرون إلى حالة مانعة من التلاقي حاجزة عن الاجتماع وذلك هو الموت، وليس المعنى أنهم يرجعون يوم البعث، إنما هو إقناط كلي لما علم أنه لا رجعة يوم البعث إلا إلى الآخرة.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَقُلْ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّياطِينِ } فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّياطِينِ} الهمزات هي جمع هَمْزة. والهَمْز في اللغة النَّخْس والدفع؛ يقال: هَمزَه ولَمَزه ونَخَسه دفعه. قال الليث: الهمز كلامٌ من وراء القَفَا، واللَّمْزُ مواجهةً. والشيطان يوسوس فيهمس في وسواسه في صدر ابن آدم؛ وهو قوله: {أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّياطِينِ} أي نزعات الشياطين الشاغلة عن ذكر الله تعالى. وفي الحديث: كان يتعوّذ من همز الشيطان ولمزه وهمسه. قال أبو الهَيْثَم: إذا أسرّ الكلام وأخفاه فذلك الهمس من الكلام. وسمي الأسد هَمُوساً؛ لأنه يمشي بخفة فلا يُسمع صوت وطئه. وقد تقدم في «طه». الثانية: أمر الله تعالى نبيّه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالتعوّذ من الشيطان في همزاته، وهي سَورات الغضب التي لا يملك الإنسان فيها نفسه، وكأنها هي التي كانت تصيب المؤمنين مع الكفار فتقع المحادّة فلذلك اتصلت بهذه الآية. فالنزعات وسورات الغضب الواردةُ من الشيطان هي المتعوَّذ منها في الآية؛ وقد تقدم في آخر «الأعراف» بيانه مستوفًى، وفي أوّل الكتاب أيضاً. وروي عن عليّ بن حرب بن محمد الطائي حدّثنا سفيان عن أيوب عن محمد بن حبّان: أن خالداً كان يؤرّق من الليل؛ فذكر ذلك للنبيّ صلى الله عليه وسلم، فأمره أن يتعوّذ بكلمات الله التّامة من غضب الله وعقابه ومن شر عباده ومن همزات الشياطين وأنْ يَحْضُرون. وفي كتاب أبي داود قال عمر: وهَمْزُه المُوتَةُ؛ قال ابن ماجه: المُوتة يعني الجنون. والتعوذ أيضاً من الجنون وَكِيد. وفي قراءة أُبَيّ «رَبِّ عائذاً بك من همزات الشياطين، وعائذاً بك أن يَحْضُرونِ»؛ أي يكونوا معي في أموري، فإنهم إذا حضروا الإنسان كانوا معدّين للهمز، وإذا لم يكن حضور فلا همز. وفي صحيح مسلم عن جابر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن الشيطان يحضر أحدَكم عند كلّ شيء من شأنه حتى يحضر عند طعامه فإذا سقطت من أحدكم اللقمة فلْيُمِط ما كان بها من أذًى ثم ليأكلها ولا يدعها للشيطان فإذا فرغ فلْيَلْعَق أصابعه فإنه لا يدري في أيّ طعامه البركة»
البيضاوي
تفسير : {وَقُلْ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّيـٰطِينِ} وساوسهم، وأصل الهمز النخس ومنه مهماز الرائض، شبه حثهم الناس على المعاصي بهمز الراضة للدواب على المشي والجم للمرات أو لتنوع الوساوس أو لتعدد المضاف إليه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَقُلْ رَّبِّ أَعُوذُ } أعتصم {بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّيٰطِينِ } نزغاتهم بما يوسوسون به.
ابن عبد السلام
تفسير : {هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ} نزغاتهم، أو إغوائهم، أو أذاهم، أو الجنون.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَقُلْ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّياطِينِ} الآية لما أدَّب رسوله بقوله: {أية : ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} تفسير : [المؤمنون: 96] أتبعه بما يقوي على ذلك وهو الاستعاذة بالله من أمرين: أحدهما: من همزات الشياطين. والهَمَزَاتُ جمع همزَة، وهي النخسة والدفع بيدٍ وغيرها، وهي كالهزِّ والأزّ، ومنه مِهْمَازُ الرائض، والمِهْمَاز مفْعَالٌ من ذلك كالمِحْرَاث من الحَرْث والهَمَّازُ الذي يصيب الناس، كأنه يدفع بلسانه وينخس به. فصل معنى "أعُوذُ بِكَ" أمتنع وأعتصم بك {مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّياطِينِ} نزعاتهم وقال الحسن: وساوسهم. وقال مجاهد: نفخهم ونفثهم. وقال أهل المعاني: دفعهم بالإغواء إلى المعاصي. قال الحسن: كان عليه السلام يقول بعد استفتاح الصلاة: حديث : "لا إله إلاّ الله ثلاثاً، الله أكبر ثلاثاً، اللهم إني أعوذ بك من هَمَزَاتِ الشياطين هَمْزِهِ ونَفْثِه ونَفْخِه". فقيل: يا رسول الله ما همزه؟ قال: "الموتة التي تأخذ ابن آدم" أي: الجنون. قيل: فَمَا نَفْثه؟ قال: "الشعْر" قيل: فما نفخُه؟ قيل: "الكِبْر" . تفسير : والثاني: قوله: {وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ} أي: في شيء من أموري، وإنما ذكر الحضور، لأن الشيطان إذا حَضَر وسوس. قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ} الآية في (حَتَّى) هذه أوجه: أحدها: أنها غاية لقوله: "بِمَا يَصِفُونَ". والثاني: أنها غاية "لِكَاذِبُونَ". ويبين هذين الوجهين قول الزمخشري: "حَتَّى" يتعلق بـ "يَصِفُونَ" أي: لا يزالون على سوء الذكر إلى هذا الوقت، والآية فاصلة بينهما على وجه الاعتراض والتأكيد. ثم قال: أو على قوله: "وإنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ". قال شهاب الدين: قوله: (أو على قوله كذا) كلام محمول على المعنى، إذ التقدير: "حَتَّى" معلقة على "يَصِفُونَ" أو على قوله: "لَكَاذِبُونَ" وفي الجملة فعبارته مشكلة. الثالث: قال ابن عطية: "حَتَّى" في هذا الموضع حرف ابتداء، ويحتمل أن تكون غاية مجردة بتقدير كلام محذوف، والأوَّل أبْيَن، لأنّ ما بعدها هو المعنيّ به المقصود (ذكره). قال أبو حيان: فتوهم ابن عطية أن "حَتَّى" إذا كانت حرف ابتداء لا تكون غاية، وهي وإن كانت حرف ابتداء فالغاية معنى لا يفارقها، ولم يبيّن الكلام المحذوف المقدر. وقال أبو البقاء: (حَتَّى) غاية في معنى العطف. قال أبو حيّان: والذي يظهر لي أن قبلها جملة محذوفة تكون "حَتَّى" غاية لها يدل عليها ما قبلها، التقدير: فلا أكون كالكفار الذين تهزمهم الشياطين ويحضرونهم حتى إذا جَاءَ، ونظير حذفها قول الشاعر: شعر : 3806- فَيَا عَجَباً حَتَّى كُليْبٌ تسُبُّني تفسير : أي: يسبني الناس كُلهم حتى كليب إلاَّ أن في البيت دلّ ما بعدها عليها بخلاف الآية الكريمة. قوله: {رَبِّ ٱرْجِعُونِ}. في قوله: "ارْجِعُونِ" بخطاب الجمع ثلاثة أوجه: أجودها: أنه على سبيل التعظيم كقوله: شعر : 3807- فَإِنْ شِئْتُ حَرَّمْتُ النِّسَاءَ سِوَاكُمُ وَإِنْ شِئْتُ لَمْ أَطْعَمْ نُقَاخاً وَلاَ بَرْدَا تفسير : وقال الآخر: شعر : 3808- أَلاَ فَارْحَمُونِي يَا إلهَ مُحَمَّدٍ تفسير : وقد يؤخذ من هذا البيت ما يرّد على ابن مالك حيث قال: إنه لم نعلم أحداً أجاز للداعي أن يقول: يَا رَحْيَمُون قال: لئّلا يُوهم خلاف التوحيد، وقد أخبر تعالى عن نفسه بهذه الصفة وشبهها للتعظيم في مواضع من كتابه الكريم كقوله: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} تفسير : [الحجر: 9]. الثاني: أنه نادى ربه ثم خاطب ملائكة ربه بقوله: "ارْجِعُونِ". ويجوز على هذا الوجه أن يكون على حذف مضاف، أي: ملائكة ربي، فحذف المضاف ثم التفت إليه في عود الضمير كقوله: {أية : وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا} تفسير : [الأعراف: 4]. ثم قال: {أية : أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ} تفسير : [الأعراف: 4] التفاتاً لـ "أهل" المحذوف. الثالث: أنّ ذلك يدل على تكرير الفعل كأنه قال: ارْجعنِي ارجعنِي نقله أبو البقاء وهو يشبه ما قالوه في قوله: {أية : أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ} تفسير : [ق: 24] أنه بمعنى: أَلْقِ أَلْقِ ثنّى الفعل للدلالة على ذلك، وأنشدوا: شعر : 3809- قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ وَمَنْزِل تفسير : أي: قف قف. فصل اعلم أنّه تعالى أخبر أنَّ هؤلاء الكفار الذين ينكرون البعث يسألون الرجعة إلى الدنيا عند معاينة الموت فقال: {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ (قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ)} ولم يقل: ارجعني، وهو يسأل الله وحده الرجعة لما تقدّم في الإعراب. وقال الضحّاك: كنت جالساً عند ابن عباس فقال: مَنْ لَمْ يُزَكِّ ولم يَحُج سأل الرجعة عند الموت، فقال رجل: إنما يسأل ذلك الكفار. فقال ابن عباس: أنا أقرأ عليك به قرآناً {أية : وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ فَيَقُولُ رَبِّ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ} تفسير : [المنافقون: 10]. وقال عليه السلام: "حديث : إذا حضر الإنسان الموت جمع كل شيء كان يمنعه من حقه بين يديه فعنده يقول: {رَبِّ ٱرْجِعُونِ لَعَلِّيۤ أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ} ". تفسير : واختلفوا في وقت مسألة الرجعة، فالأكثرون على أنه يسأل حال المعاينة وقيل: بل عند معاينة النار في الآخرة، وهذا القائل إنَّما ترك ظاهر هذه الآية لمَّا أخبر الله - تعالى - عن أهل النار في الآخرة أنهم يسألون الرجعة. قوله: {لَعَلِّيۤ أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ} أي: ضيّعتُ. أي: أقول لا إله إلاَّ الله. وقيل: أعمل بطاعة الله تعالى. وقيل: أعمل صالحاً فيما قصّرتُ، فيدخل فيه العبادات البدنية والمالية، وهذا أقرب، لأنهم تمنوا الرجعة ليصلحوا ما أفسدوه. فإن قيل: قوله تعالى: {لَعَلِّيۤ أَعْمَلُ صَالِحاً} كيف يجوز أن يسأل الرجعة مع الشك. فالجواب: ليس المراد بـ "لَعَّلَ" الشك فإِنَّه في هذا الوقت باذل للجهد في العزم على الطاعة إن أعطي ما سأل، فهو مِثْل من قَصّر في حق نفسه، وعرف سوء عاقبة ذلك التقصير، فيقول: مكنُونِي من التدارك لعلى أتدارك فيقول هذه الكلمة مع كونه جازماً بأنه سيتدارك. ويحتمل أيضاً أنَّ الأمر المستقبل إذا لم يعرفوه أوردُوا الكلام الموضوع للترجي والظن دون اليقين فقد قال تعالى: {أية : وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ} تفسير : [الأنعام: 28]. قوله: "كَلاَّ" كلمة ردع وزجر أي: لا ترجع. معناه المنع طلبوا، كما يقال لطالب الأمر المُسْتبعد: هَيْهَات. ويحتمل أن يكون ذلك إخباراً بأنهم يقولون ذلك، وأنّ هذا الخبر حق، فكأنّه تعالى قال: حقاً إنّها كلمة هو قائلها. والأول أقرب. قوله: "إِنَّهَا كَلِمةٌ" من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل كقوله: "أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد" يعني قوله: شعر : 3810- أَلاَ كُلُّ شَيءٍ مَا خَلاَ اللَّهَ بَاطِل تفسير : وقد تقدم طرف من هذا في آل عمران. و"هُوَ قَائِلُهَا" صفة لـ "كَلِمَة". والمراد بالكلمة: سؤاله الرجعة: كلمة هو قائلها ولا ينالها، وقيل: معناه لا يخليها ولا يسكت عنها لاستيلاء الحسرة عليه. قوله: "وَمِنْ وَرَائِهِمْ" أي: أمامهم وبين أيديهم. "بَرْزَخٌ" البرزخ: الحاجز بين المسافتين وقيل: الحجاب بين الشيئين أن يصل أحدهما إلى الآخر، وهو بمعنى الأَوّل. وقال الراغب: أصلة برْزَه بالهاء فعُرّب، وهو في القيامة الحائل بين الإنسان وبين المنازل الرفيعة والبرزخ قبل البعث المنع بين الإنسان وبين الرجعة التي يتمناها. قال مجاهد: حجاب بينهم وبين الرجوع إلى الدنيا. (وقال قتادة: بقيّة الدنيا). قال الضحاك: البرزخ ما بين الموت إلى البعث. وقيل: القبر وهم فيه إلى يوم يبعثون.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي والبيهقي في الأسماء والصفات عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا كلمات نقولهن عند النوم من الفزع: بسم الله أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه وشر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله {وأعوذ بك رب أن يحضرون} قال: يحضرون في شيء من أمري. وأخرج أحمد عن خالد بن الوليد أنه قال"حديث : يا رسول الله إني أجد وحشة؟ قال: إذا أخذت مضجعك فقل: أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه وشر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون، فإنه لا يضرك وبالحري أن لا يضرك ".
القشيري
تفسير : الاستعاذة - على الحقيقة - تكون بالله من الله كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أعوذ بك منك" تفسير : ولكنه - سبحانه - أراد أن نَعْبُدَه بالاستعاذة به من الشيطان، بل مِنْ كلِّ ما هو مُسَلَّطٌ علينا، والحقُّ عندئذٍ يوصل إلينا مضرتنا بجري العادة. وإلاَّ.. فلو كان بالشيطان من إغواء الخَلْقِ شيءٌ لكان يُمْسِكُ على الهدايةِ نَفْسَه! فَمَنْ عَجَزَ عن أنْ يحفَظَ نَفْسَه كان عن إغواءِ غيرِه أشَدَّ عجزاًَ، وأنشدوا: شعر : جحــودي فيــه تلبيــس وعقلـــي فيـــك تهويـــس فمَـــــنْ آدم إلاَّكَ ومـــــــــن فــــي (...) إبليــــس
اسماعيل حقي
تفسير : {وقل رب} يارب {اعوذ بك} العوذ الالتجاء الى الغير والتعلق به {من همزات الشياطين} اى وساوسهم المغوية على خلاف ما امرت به من المحاسن التى من حملتها دفع السيئة بالحسنة واصل الهمز النخس ومنه مهماز الرائض اى معلم الدواب ونحو الهمز الاز فى قوله تؤزهم ازا، قال الراغب الهمز كالعصر يقال همزت الشىء فى كفى ومنه الهمز فى الحروف انتهى شبه حثهم للناس على المعاصى بهمز الرائض الدواب على الاسراع أو الوثب والجمع للمرات او لتنوع الوساوس او لتعدد المضاف اليه.
الجنابذي
تفسير : {وَقُلْ} اذا ازعجك الشّيطان للاساءة الى المسيء {رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّياطِينِ} الهمز الغمز والضغط والطّرد والدّفع والضّرب والعضّ والكسر، وهمزات الشّياطين زعجاتهم وضغطاتهم.
اطفيش
تفسير : {وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ} امتنع واعتصم بك * {مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ} وساوسهم شبه وسواسهم في صدور الناس وترغيبهم في المعاصي بنخس الراكب الدابة بحديدة في مؤخر الخف أو ينخس الدابة بشيء مطلقا حثا على المشي والجمع همزات والمفرد همزة بصيغة المرة فان الهمز يتكرر على القلب اكثر من ان يحصى أو لتنوع الوسواس كقولك اكرمني الله اكرامات وكان يكفي ان تقول اكراما ولكن قصدت النص على انواع أو لتعدد الشياطين. وقيل: همزات الشياطين اغضابهم المؤمن يجادل الكفار ولذلك اتصلت الآية وذلك اغضاب لا يملك نفسه معه. وقال ابن زيد: همزاتهم ايقاع الجنون. قال أبو داود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللهم اني اعوذ بك من الشيطان وهمزه ونفخه ونفثه " تفسير : قال النفخ الكبر والنفث السحر.
اطفيش
تفسير : {وقُل ربِّ أعُوذ بك من هَمَزات الشياطين} من وسوساتهم الباعثة الى مخالفتك الشبيهة بنخس الدابة لتمشى، أو تسرع، والجمع لتعدد الهمزة من الشيطان الواحد وتنوعها، ولتعدد الشياطين.
الالوسي
تفسير : أي وساوسهم المغرية على خلاف ما أمرت به، وهي جمع همزة، والهمز النخس والدفع بيد أو غيرها، ومنه مهماز الرائض لحديدة تربط على مؤخر رجله ينخس به الدابة لتسرع أو لتثب، وإطلاق ذلك على الوسوسة والحث على المعاصي لما بينهما من الشبه الظاهر، والجمع للمرات أو لتنوع الوساوس أو لتعدد الشياطين.
ابن عاشور
تفسير : الظاهر أن يكون المعطوف موالياً للمعطوف هو عليه، فيكون قوله {وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين} متصلاً بقوله: { أية : ادفع بالتي هي أحسن السيئة } تفسير : [المؤمنون: 96] فلما أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يفوض جزاءهم إلى ربه أمره بالتعوذ من حيلولة الشياطين دون الدفع بالتي هي أحسن، أي التعوذ من تحريك الشيطان داعية الغضب والانتقام في نفس النبي صلى الله عليه وسلم فيكون {الشياطين} مستعملاً في حقيقته. والمراد من همزات الشياطين: تصرفاتهم بتحريك القوى التي في نفس الإنسان (أي في غير أمور التبليغ) مثل تحريك القوة الغضبية كما تأول الغزالي في قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث « حديث : ولكن الله أعانني عليه فأسْلم ».a تفسير : ويكون أمر الله تعالى نبيه عليه الصلاة والسلام بالتعوذ من همزات الشياطين مقتضياً تكفل الله تعالى بالاستجابة كما في قوله تعالى: { أية : ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا } تفسير : [البقرة: 286]، أو يكون أمره بالتعوذ من همزات الشياطين مراداً به الاستمرار على السلامة منهم. قال في «الشفاء»: الأمة مجتمعة (أي مجمعة) على عصمة النبي صلى الله عليه وسلم من الشيطان لا في جسمه بأنواع الأذى، ولا على خاطره بالوساوس. ويجوز أن تكون جملة {وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين} عطفاً على جملة { أية : قل رب إما تريني ما يوعدون } تفسير : [المؤمنون: 93] بأن أمره الله بأن يلجأ إليه بطلب الوقاية من المشركين وأذاهم، فيكون المراد من الشياطين المشركين فإنهم شياطين الإنس كما قال تعالى: { أية : وكذلك جعلنا لكل نبيء عدواً شياطين الإنس والجن } تفسير : [الأنعام: 112] ويكون هذا في معنى قوله: { أية : قل أعوذ برب الناس } تفسير : [الناس: 1] إلى قوله { أية : الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس } تفسير : [الناس: 5 ــــ 6] فيكون المراد: أعوذ بك من همزات القوم الظالمين أو من همزات الشياطين منهم. والهمز حقيقته: الضغط باليد والطعن بالإصبع ونحوه، ويستعمل مجازاً بمعنى الأذى بالقول أو بالإشارة، ومنه قوله تعالى: { أية : هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بنميم } تفسير : [القلم: 11] وقوله: { أية : ويل لكل هُمزة لمزة } تفسير : [الهمزة: 1]. ومحمله هنا عندي على المعنى المجازي على كلا الوجهين في المراد من الشياطين. وهمز شياطين الجن ظاهر، وأما همز شياطين الإنس فقد كان من أذى المشركين النبي صلى الله عليه وسلم لمزه والتغامز عليه والكيد له. ومعنى التعوذ من همزهم: التعوذ من آثار ذلك. فإن من ذلك أن يغمزوا بعض سفهائهم إغراء لهم بأذاه، كما وقع في قصة إغرائهم من أتى بسلا جزور فألقاه على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في صلاته حول الكعبة. وهذا الوجه في تفسير الشياطين هو الأليق بالغاية في قوله { أية : حتى إذا جاء أحدهم الموت } تفسير : [المؤمنون: 99] كما سيأتي. وأما قوله: {وأعوذ بك رب أن يحضرون} فهو تعوذ من قربهم لأنهم إذا اقتربوا منه لحقه أذاهم.
د. أسعد حومد
تفسير : {هَمَزَاتِ} {ٱلشَّياطِينِ} (97) - وَاسْتَعِذْ باللهِ مِنَ الشَّيَاطِينِ، ومِنْ هَمَزَاتِهِم، ودَفَعَاتِهِم، ونَفْثِهِم، ونَفْخِهم، لأَنَّهُمْ لاَ تَنْفَعُ مَعَهُم الحِيَلُ، ولا يَنْقَادُونَ بالمَعْرُوف، والنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَعْصُومٌ مِنْها، ولكنَّ ذلك زِيَادَةٌ في التَّوَقِّي، وتَعْلِيمٌ لأُمَّتِه أَنْ يَتَحَصَّنُوا باللهِ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّياطِينِ في كُلِّ حِينٍ. أَعُوذُ بِكَ - أعْتَصِمُ وأَمْتَنِعُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : لماذا جاءتْ الاستعاذة من همزات الشياطين بعد هذه المسألة؟ قالوا: لأن الشيطان يريد أن يتدخل، ويُظهِر لك أنه معك، وأنه يَغَار عليك، فيحرضك عليهم ويُغريك بهم، ويدفعك إلى الانتقام منهم والتسلُّط عليهم. وهمزات: جمع هَمْزة، وهي النزْغة أو النخسة يثير بها الشيطان الإنسان، ومنه قوله تعالى: {أية : وَإِماَّ يَنَزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ..} تفسير : [الأعراف: 200].
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَقُلْ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّياطِينِ} معناه من غَمَزاتِهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):