٢٣ - ٱلْمُؤْمِنُون
23 - Al-Mu'minoon (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
99
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ } عاد الكلام إلى ذكر المشركين؛ أي قالوا: «أئذا متنا ـ إلى قوله ـ إنْ هذا إلا أساطير الأوّلين». ثم احتج عليهم وذكّرهم قدرته على كل شيء، ثم قال هم مصرّون على ذلك حتى إذا جاء أحدهم الموت تيقَّن ضلالته وعاين الملائكة التي تقبض روحه؛ كما قال تعالى: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمَلاۤئِكَةُ} تفسير : [الأنفال: 50]. {قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ} تمنّى الرجعة كي يعمل صالحاً فيما ترك. وقد يكون القول في النفس؛ قال الله عز وجل: {أية : وَيَقُولُونَ فِيۤ أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ} تفسير : [المجادلة: 8]. فأما قوله «ارْجِعُونِ» وهو مخاطب ربّه عز وجل ولم يقل «ارجعني» جاء على تعظيم الذكر للمخاطب. وقيل: استغاثوا بالله عز وجل أوّلاً، فقال قائلهم: ربّ، ثم رجع إلى مخاطبة الملائكة فقال: ارجعون إلى الدنيا؛ قاله ابن جُريج. وقيل: إن معنى «ارجعون» على جهة التكرير؛ أي ارجعني ارجعني ارجعني وهكذا. قال المُزَنِيّ في قوله تعالى: {أية : أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ} تفسير : [قۤ: 24] قال: معناه ألْقِ ألْقِ. قال الضحاك: المراد به أَهل الشرك. قلت: ليس سؤال الرجعة مختصاً بالكافر فقد يسألها المؤمن كما في آخر سورة المنافقين على ما يأتي. ودلّت الآية على أن أحداً لا يموت حتى يعرف اضطراراً أهو من أولياء الله أم من أعداء الله، ولولا ذلك لما سأل الرجعة، فيعلموا ذلك قبل نزول الموت وذواقه. {لَعَلِّيۤ أَعْمَلُ صَالِحاً} قال ابن عباس: يريد أشهد أن لا إلٰه إلا الله. {فِيمَا تَرَكْتُ} أي فيما ضيّعت وتركت العمل به من الطاعات. وقيل: «فيما تركت» من المال فأتصدق. و«لعلّ» تتضمن تردداً؛ وهذا الذي يسأل الرجعة قد استيقن العذاب، وهو يوطّن نفسه على العمل الصالح قطعاً من غير تردد. فالتردد يرجع إما إلى رده إلى الدنيا، وإما إلى التوفيق؛ أي أعمل صالحاً إن وفقتني؛ إذ ليس على قطع من وجود القدرة والتوفيق لو رُدّ إلى الدنيا. {كَلاَّ} هذه كلمة رَدّ؛ أي ليس الأمر على ما يظنه من أنه يجاب إلى الرجوع إلى الدنيا، بل هو كلام يطيح في أدراج الريح. وقيل: لو أجيب إلى ما يطلب لما وَفَّى بما يقول: كما قال: {أية : وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ} تفسير : [الأنعام: 28]. وقيل: {كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا} ترجع إلى الله تعالى؛ أي لا خلف في خبره، وقد أخبر أنه لن يؤخر نفساً إذا جاء أجلها، وأخبر بأن هذا الكافر لا يؤمن. وقيل: «إنها كلمة هو قائلها» عند الموت، ولكن لا تنفع. {وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ} أي ومن أمامهم وبين أيديهم. وقيل: من خلفهم. «بَرْزَخٌ» أي حاجز بين الموت والبعث؛ قاله الضحاك ومجاهد وابن زيد. وعن مجاهد أيضاً أن البرزخ هو الحاجز بين الموت والرجوع إلى الدنيا. وعن الضحاك: هو ما بين الدنيا والآخرة. ابن عباس: حجاب. السدي: أجل. قتادة: بقية الدنيا. وقيل: الإمهال إلى يوم القيامة؛ حكاه ابن عيسى. الكلبي: هو الأجل ما بين النفختين، وبينهما أربعون سنة. وهذه الأقوال متقاربة. وكلُّ حاجزٍ بين شيئين فهو بَرْزَخ. قال الجوهري: البرزخ الحاجز بين الشيئين. والبرزخ ما بين الدنيا والآخرة من وقت الموت إلى البعث؛ فمن مات فقد دخل في البرزخ. وقال رجل بحضرة الشَّعْبِيّ: رحم الله فلاناً فقد صار من أهل الآخرة! فقال: لم يَصِر من أهل الآخرة، ولكنه صار من أهل البرزخ، وليس من الدنيا ولا من الآخرة. وأضيف «يوم» إلى «يبعثون» لأنه ظرف زمان، والمراد بالإضافة المصدر.
البيضاوي
تفسير : {حَتَّىٰ إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ} متعلق بـ {يَصِفُونَ }، وما بينهما اعتراض لتأكيد الإِغضاء بالاستعاذة بالله من الشيطان أن يزله عن الحلم ويغريه على الانتقام أو بقوله {إِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ}. {قَالَ} تحسراً على ما فرط فيه من الإِيمان والطاعة لما اطلع على الأمر. {رَبِّ ٱرْجِعُونِ} ردوني إلى الدنيا والواو لتعظيم المخاطب. وقيل لتكرير قوله ارجعني كما قيل في قفا وأطرقا.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عن حال المحتضر عند الموت من الكافرين، أو المفرطين في أمر الله تعالى، وقيلهم عند ذلك، وسؤالهم الرجعة إلى الدنيا؛ ليصلح ما كان أفسده في مدة حياته، ولهذا قال: {رَبِّ ٱرْجِعُونِ لَعَلِّىۤ أَعْمَلُ صَـٰلِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ} كما قال تعالى: {أية : وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَـٰكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ فَيَقُولُ رَبِّ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنِىۤ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ} تفسير : ــــ إلى قوله ــــ {أية : وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} تفسير : [المنافقون: 10 ــــ 11] وقال تعالى: {أية : وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ} تفسير : ــــ إلى قوله ــــ {أية : مَا لَكُمْ مِّن زَوَال} تفسير : [إبراهيم: 44] وقال تعالى: {أية : يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَآ أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ ٱلَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ} تفسير : [الأعراف: 53] وقال تعالى: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ} تفسير : [السجدة: 12] وقال تعالى: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ فَقَالُواْ يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِـآيَـٰتِ رَبِّنَا} تفسير : ــــ إلى قوله ــــ {أية : وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ} تفسير : [الأنعام: 27 ــــ 28] وقال تعالى: {أية : وَتَرَى ٱلظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَىٰ مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ} تفسير : [الشورى: 44] وقال تعالى: {أية : قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ } تفسير : [غافر: 11] والآية بعدها. وقال تعالى: {أية : وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ فَذُوقُواْ فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ} تفسير : [فاطر: 37] فذكر تعالى أنهم يسألون الرجعة، فلا يجابون عند الاحتضار ويوم النشور ووقت العرض على الجبار، وحين يعرضون على النار وهم في غمرات عذاب الجحيم. وقوله ههنا: {كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا} كلا حرف ردع وزجر، أي: لا نجيبه إلى ما طلب، ولا نقبل منه. وقوله تعالى: {إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا} قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أي: لابد أن يقولها لا محالة كل محتضر ظالم، ويحتمل أن يكون ذلك علة لقوله: كلا، أي: لأنها كلمة، أي: سؤاله الرجوع ليعمل صالحاً هو كلام منه، وقول لا عمل معه، ولو رد، لما عمل صالحاً، ولكان يكذب في مقالته هذه، كما قال تعالى: {أية : وَلَوْ رُدُّواْ لَعَـٰدُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ} تفسير : [الأنعام: 28] قال قتادة: والله ما تمنى أن يرجع إلى أهل ولا إلى عشيرة، ولا بأن يجمع الدنيا ويقضي الشهوات، ولكن تمنى أن يرجع فيعمل بطاعة الله عز وجل، فرحم الله امرأً عمل فيما يتمناه الكافر إذا رأى العذاب إلى النار. وقال محمد بن كعب القرظي: {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ لَعَلِّيۤ أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ} قال: فيقول الجبار: {كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا} وقال عمر بن عبد الله مولى غفرة: إذا قال الكافر: رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً، يقول الله تعالى: كلا، كذبت. وقال قتادة في قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ} قال: كان العلاء بن زياد يقول: لينزلن أحدكم نفسه أنه قد حضره الموت، فاستقال ربه فأقاله، فليعمل بطاعة الله تعالى. وقال قتادة: والله ما تمنى إلا أن يرجع فيعمل بطاعة الله، فانظروا أمنية الكافر المفرط، فاعملوا بها، ولا قوة إلا بالله، وعن محمد بن كعب القرظي نحوه. وقال محمد بن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن يوسف، حدثنا فضيل ــــ يعني: ابن عياض ــــ عن ليث عن طلحة بن مصرف، عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: إذا وضع ــــ يعني: الكافر ــــ في قبره، فيرى مقعده من النار، قال: فيقول: رب ارجعون أتوب وأعمل صالحاً، قال: فيقال: قد عمرت ما كنت معمراً، قال: فيضيق عليه قبره ويلتئم، فهو كالمنهوش ينام ويفزع، تهوي إليه هوام الأرض وحياتها وعقاربها. وقال أيضاً: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن علي، حدثني سلمة بن تمام، حدثنا علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن عائشة رضي الله عنها: أنها قالت: ويل لأهل المعاصي من أهل القبور، تدخل عليهم في قبورهم حيات سود أو دهم، حية عند رأسه، وحية عند رجليه، يقرصانه حتى يلتقيا في وسطه، فذلك العذاب في البرزخ الذي قال الله تعالى: {وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ}. وقال أبو صالح وغيره في قوله تعالى: {وَمِن وَرَآئِهِمْ} يعني: أمامهم. وقال مجاهد: البرزخ: الحاجز ما بين الدنيا والآخرة. وقال محمد بن كعب: البرزخ: ما بين الدنيا والآخرة، ليسوا مع أهل الدنيا يأكلون ويشربون، ولا مع أهل الآخرة يجازون بأعمالهم. وقال أبو صخر: البرزخ: المقابر، لا هم في الدنيا، ولا هم في الآخرة، فهم مقيمون إلى يوم يبعثون، وفي قوله تعالى: {وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ} تهديد لهؤلاء المحتضرين من الظلمة بعذاب البرزخ، كما قال تعالى: {أية : مِّن وَرَآئِهِمْ جَهَنَّمُ} تفسير : [الجاثية: 10] وقال تعالى: {أية : وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ} تفسير : [إبراهيم: 17]. وقوله تعالى: {إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ} أي: يستمر به العذاب إلى يوم البعث؛ كما جاء في الحديث: «حديث : فلا يزال معذباً فيها» تفسير : أي: في الأرض.
المحلي و السيوطي
تفسير : {حَتَّىٰ } ابتدائية {إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ } ورأى مقعده من النار ومقعده من الجنة لو آمن {قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ } الجمع للتعظيم.
الشوكاني
تفسير : "حَتَّىٰ" هي الابتدائية دخلت على الجملة الشرطية، وهي مع ذلك غاية لما قبلها متعلقة بقوله: {لكاذبون} وقيل: بـ {يصفون} والمراد بمجيء الموت: مجيء علاماته {قَالَ رَبّ ٱرْجِعُونِ } أي قال ذلك الواحد الذي حضره الموت تحسراً وتحزناً على ما فرط منه: رب ارجعون، أي ردوني إلى الدنيا، وإنما قال: ارجعون بضمير الجماعة لتعظيم المخاطب. وقيل: هو على معنى تكرير الفعل، أي ارجعني ارجعني ارجعني، ومثله قوله: {أية : أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ } تفسير : [قۤ: 24]. قال المازني: معناه ألق ألق، وهكذا قيل في قول امرىء القيس:شعر : قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل تفسير : ومنه قول الحجاج: يا حرسي اضربا عنقه. ومنه قول الشاعر:شعر : ولو شئت حرمت النساء سواكم تفسير : وقول الآخر:شعر : ألا فارحموني يا إلٰه محمد تفسير : وقيل: إنهم لما استغاثوا بالله قال قائلهم: ربّ، ثم رجع إلى مخاطبة الملائكة فقال: {ٱرْجِعُونِ * لَعَلّي أَعْمَلُ صَـٰلِحاً } أي: أعمل عملاً صالحاً في الدنيا إذا رجعت إليها من الإيمان وما يتبعه من أعمال الخير، ولما تمنى أن يرجع ليعمل ردّ الله عليه ذلك بقوله: {كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا } فجاء بكلمة الردع والزجر، والضمير في: {إنها} يرجع إلى قوله: {رَبّ ٱرْجِعُونِ } أي إن هذه الكلمة هو قائلها لا محالة، وليس الأمر على ما يظنه من أنه يجاب إلى الرجوع إلى الدنيا، أو المعنى: أنه لو أجيب إلى ذلك لما حصل منه الوفاء، كما في قوله: {أية : وَلَوْ رُدُّواْ لَعَـٰدُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ } تفسير : [الأنعام: 28]. وقيل: إن الضمير في: {قائلها} يرجع إلى الله، أي لا خلف في خبره، وقد أخبرنا بأنه لا يؤخر نفساً إذا جاء أجلها {وَمِن وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ } أي من أمامهم وبين أيديهم. والبرزخ هو: الحاجز بين الشيئين. قاله الجوهري. واختلف في معنى الآية، فقال الضحاك ومجاهد وابن زيد: حاجز بين الموت والبعث. وقال الكلبي: هو الأجل ما بين النفختين، وبينهما أربعون سنة. وقال السديّ: هو الأجل، و {إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ } هو يوم القيامة. {فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ } قيل: هذه هي النفخة الأولى. وقيل: الثانية، وهذا أولى، وهي النفخة التي تقع بين البعث والنشور. وقيل: المعنى: فإذا نفخ في الأجساد أرواحها، على أن الصور جمع صورة، لا القرن ويدلّ على هذا قراءة ابن عباس والحسن: "الصور" بفتح الواو مع ضم الصاد جمع صورة. وقرأ أبو رزين بفتح الصاد والواو، وقرأ الباقون بضم الصاد وسكون الواو، وهو القرن الذي ينفخ فيه {فَلاَ أَنسَـٰبَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ } أي لا يتفاخرون بالأنساب ويذكرونها لما هم فيه من الحيرة والدهشة {وَلاَ يَتَسَاءلُونَ } أي لا يسأل بعضهم بعضاً، فإن لهم إذ ذاك شغلاً شاغلاً، ومنه قوله تعالى: {أية : يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْء مِنْ أَخِيهِ وَأُمّهِ وَأَبِيهِ وَصَـٰحِبَتِهُ وَبَنِيهِ } تفسير : [عبس: 34 ــ 36]. وقوله: {أية : وَلاَ يَسْـئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً } تفسير : [المعارج: 10]. ولا ينافي هذا ما في الآية الأخرى من قوله: {أية : وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ }تفسير : [الطور: 25]. فإن ذلك محمول على اختلاف المواقف يوم القيامة، فالإثبات باعتبار بعضها، والنفي باعتبار بعض آخر كما قررناه في نظائر هذا، مما أثبت تارة ونفي أخرى. {فَمَن ثَقُلَتْ مَوٰزِينُهُ } أي موزوناته من أعماله الصالحة {فأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } أي الفائزون بمطالبهم المحبوبة، الناجون من الأمور التي يخافونها {وَمَنْ خَفَّتْ مَوٰزِينُهُ } وهي أعماله الصالحة {فَأُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم } أي ضيعوها وتركوا ما ينفعها {فِي جَهَنَّمَ خَـٰلِدُونَ } هذا بدل من صلة الموصول، أو خبر ثانٍ لاسم الإشارة، وقد تقدّم الكلام على هذه الآية مستوفى فلا نعيده، وجملة: {تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ } مستأنفة، ويجوز أن تكون في محل نصب على الحال، أو تكون خبراً آخر لأولئك، واللفح: الإحراق، يقال: لفحته النار: إذا أحرقته، ولفحته بالسيف: إذا ضربته، وخصّ الوجوه؛ لأنها أشرف الأعضاء {وَهُمْ فِيهَا كَـٰلِحُونَ } هذه الجملة في محل نصب على الحال. والكالح: الذي قد تشمرت شفتاه وبدت أسنانه، قاله الزجاج. ودهر كالح، أي شديد. قال أهل اللغة: الكلوح: تكشر في عبوس. وجملة {أَلَمْ تَكُنْ ءايَـٰتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ } هي على إضمار القول، أي يقال لهم ذلك توبيخاً وتقريعاً أي: ألم تكن آياتي تتلى عليكم في الدنيا {فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذّبُونَ }. وجملة: {قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا } مستأنفة جواب سؤال مقدّر، أي غلبت علينا لذّاتنا وشهواتنا، فسمي ذلك شقوة؛ لأنه يؤول إلى الشقاء. قرأ أهل المدينة، وأبو عمرو وعاصم: {شقوتنا} وقرأ الباقون: "شقاوتنا" وهذه القراءة مروية عن ابن مسعود والحسن {وَكُنَّا قَوْماً ضَالّينَ } أي بسب ذلك فإنهم ضلوا عن الحق بتلك الشقوة. ثم طلبوا ما لا يجابون إليه فقالوا: {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَـٰلِمُونَ } أي فإن عدنا إلى ما كنا عليه من الكفر وعدم الإيمان فإنا ظالمون لأنفسنا بالعود إلى ذلك، فأجاب الله عليهم بقوله: {قَالَ ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ } أي اسكنوا في جهنم. قال المبرد: الخسء: إبعاد بمكروه، وقال الزجاج: تباعدوا تباعد سخط وأبعدوا بعد الكلب. فالمعنى على هذا: أبعدوا في جهنم. كما يقال للكلب: اخسأ، أي ابعد، خسأت الكلب خسأً: طردته، {ولا تكلمون} في إخراجكم من النار ورجوعكم إلى الدنيا، أو في رفع العذاب عنكم، وقيل: المعنى: لا تكلمون رأساً. ثم علل ذلك بقوله: {إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ } وهم المؤمنون. وقيل: الصحابة، يقولون: {رَبَّنَا ءامَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرحِمِينَ } قرأ الجمهور: {إنه كان فريق} بكسر إن استئنافاً تعليلياً، وقرأ أبيّ بفتحها {فَٱتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً } قرأ نافع وحمزة والكسائي بضمّ السين، وقرأ الباقون بكسرها. وفرّق بينهما أبو عمرو فجعل الكسر من جهة الهزو، والضم من جهة السُّخْرة. قال النحاس: ولا يعرف هذا الفرق الخليل، ولا سيبويه ولا الكسائي ولا الفرّاء، وحكى الثعلبي عن الكسائي: أن الكسر بمعنى الاستهزاء والسخرية بالقول، والضم بمعنى: التسخير والاستعباد بالفعل {حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي} أي اتخذتموهم سخرياً إلى هذه الغاية فإنهم نسوا ذكر الله لشدّة اشتغالهم بالاستهزاء {وَكُنْتُمْ مّنْهُمْ تَضْحَكُونَ } في الدنيا، والمعنى: حتى نسيتم ذكري باشتغالكم بالسخرية والضحك، فنسب ذلك إلى عباده المؤمنين لكونهم السبب. وجملة: {إِنِي جَزَيْتُهُمُ ٱلْيَوْمَ بِمَا صَبَرُواْ } مستأنفة لتقرير ما سبق، والباء في: {بما صبروا} للسببية {أَنَّهُمْ هُمُ ٱلْفَائِزُونَ } قرأ حمزة والكسائي بكسر الهمزة على الاستئناف، وقرأ الباقون بالفتح، أي لأنهم الفائزون، ويجوز أن يكون منصوباً على أنه المفعول الثاني للفعل {قَـٰلَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي ٱلاْرْضِ عَدَدَ سِنِينَ } القائل هو الله عزّ وجلّ وتذكيراً لهم كم لبثوا، لما سألوا الرجوع إلى الدنيا بعد أن أخبرهم بأن ذلك غير كائن، كما في قوله: {اخسئوا فيها}، والمراد بالأرض: هي الأرض التي طلبوا الرجوع إليها، ويحتمل أن يكون السؤال عن جميع ما لبثوه في الحياة وفي القبور. وقيل: هو سؤال عن مدة لبثهم في القبور لقوله: {في الأرض} ولم يقل: على الأرض، وردّ بمثل قوله تعالى: {أية : وَلاَ تُفْسِدُواْ فِى ٱلأَرْضِ }تفسير : [الأعراف: 56]. وانتصاب {عدد سنين} على التمييز، لما في "كم" من الإبهام {وسنين} بفتح النون على أنها نون الجمع، ومن العرب من يخفضها وينوّنها. {قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } استقصروا مدّة لبثهم لما هم فيه من العذاب الشديد. وقيل: إن العذاب رفع عنهم بين النفختين، فنسوا ما كانوا فيه من العذاب في قبورهم. وقيل: أنساهم الله ما كانوا فيه من العذاب من النفخة الأولى إلى النفخة الثانية. ثم لما عرفوا ما أصابهم من النسيان لشدّة ما هم فيه من الهول العظيم أحالوا على غيرهم فقالوا: {فَاسْأَلِ ٱلْعَادّينَ } أي: المتمكنين من معرفة العدد، وهم الملائكة؛ لأنهم الحفظة العارفون بأعمال العباد وأعمارهم. وقيل: المعنى: فاسأل الحاسبين العارفين بالحساب من الناس. وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي: "قل كم لبثتم في الأرض" على الأمر، والمعنى: قل يا محمد للكفار، أو يكون أمراً للملك بسؤالهم، أو التقدير: قولوا كم لبثتم، فأخرج الكلام مخرج الأمر للواحد، والمراد: الجماعة. وقرأ الباقون: {قال كم لبثتم} على أن القائل هو الله عزّ وجلّ أو الملك. {قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً } قرأ حمزة والكسائي: "قل إن لبثتم" كما في الآية الأولى، وقرأ الباقون: "قال" على الخبر، وقد تقدّم توجيه القراءتين، أي ما لبثتم في الأرض إلا لبثاً قليلاً {لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } شيئاً من العلم، والجواب محذوف، أي لو كنتم تعلمون لعلمتم اليوم قلة لبثكم في الأرض أو في القبور أو فيهما، فكل ذلك قليل بالنسبة إلى لبثهم. ثم زاد سبحانه في توبيخهم فقال: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَـٰكُمْ عَبَثاً } الهمزة للتوبيخ والتقرير، والفاء للعطف على مقدّر كما تقدّم بيانه في مواضع، أي ألم تعلموا شيئاً فحسبتم، وانتصاب {عبثاً} على الحال، أي عابثين، أو على العلة، أي للعبث. قال بالأوّل سيبويه وقطرب، وبالثاني أبو عبيدة، وقال أيضاً: يجوز أن يكون منتصباً على المصدرية، وجملة: {وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ } معطوفة على {أنما خلقناكم عبثاً} والعبث في اللغة: اللعب، يقال: عبث يعبث عبثاً فهو عابث، أي لاعب، وأصله من قولهم: عبثت الأقط، أي خلطته، والمعنى: أفحسبتم أن خلقناكم للإهمال كما خلقت البهائم ولا ثواب ولا عقاب، وأنكم إلينا لا ترجعون بالبعث والنشور فنجازيكم بأعمالكم، قرأ حمزة والكسائي: "ترجعون" بفتح الفوقية وكسر الجيم مبنياً للفاعل، وقرأ الباقون على البناء للمفعول. وقيل: إنه يجوز عطف وأنكم إلينا لا ترجعون على {عبثاً} على معنى: أنما خلقناكم للعبث ولعدم الرجوع. ثم نزّه سبحانه نفسه فقال: {فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ } أي: تنزّه عن الأولاد والشركاء أو عن أن يخلق شيئاً عبثاً، أو عن جميع ذلك، وهو {ٱلْمَلِكُ } الذي يحق له الملك على الإطلاق {ٱلْحَقّ } في جميع أفعاله وأقواله {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ } فكيف لا يكون إلٰهاً ورباً، لما هو دون العرش الكريم من المخلوقات؟ ووصف العرش بالكريم لنزول الرحمة والخير منه، أو باعتبار من استوى عليه، كما يقال: بيت كريم: إذا كان ساكنوه كراماً. قرأ أبو جعفر وابن محيصن وإسماعيل وأبان بن ثعلب: "الكريم" بالرفع على أنه نعت لربّ، وقرأ الباقون بالجرّ على أنه نعت للعرش. ثم زيف ما عليه أهل الشرك توبيخاً لهم وتقريعاً فقال: {وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـهَا ءاخَرَ } يعبده مع الله أو يعبده وحده، وجملة {لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ } في محل نصب صفة لقوله: إلٰهاً، وهي صفة لازمة جيء بها للتأكيد، كقوله: {أية : يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ } تفسير : [الأنعام: 38]. والبرهان: الحجة الواضحة والدليل الواضح، وجواب الشرط قوله: {فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبّهِ }. وجملة: {لا برهان له به} معترضة بين الشرط والجزاء، كقولك: من أحسن إلى زيد لا أحقّ منه بالإحسان، فالله مثيبه. وقيل: إن جواب الشرط قوله: لا برهان له به على حذف فاء الجزاء كقول الشاعر:شعر : من يفعل الحسنات الله يشكرها تفسير : {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَـٰفِرُونَ } قرأ الحسن وقتادة بفتح "أن" على التعليل، وقرأ الباقون بالكسر على الاستئناف، وقرأ الحسن: "لا يفلح" بفتح الياء واللام مضارع فلح بمعنى أفلح. ثم ختم هذه السورة بتعليم رسوله صلى الله عليه وسلم أن يدعوه بالمغفرة والرحمة فقال: {وَقُل رَّبّ ٱغْفِرْ وَٱرْحَمْ وَأنتَ خَيْرُ ٱلراحِمِينَ } أمره سبحانه بالاستغفار لتقتدي به أمته. وقيل: أمره بالاستغفار لأمته. وقد تقدّم بيان كونه أرحم الراحمين، ووجه اتصال هذا بما قبله أنه سبحانه لما شرح أحوال الكفار أمر بالانقطاع إليه والالتجاء إلى غفرانه ورحمته. وقد أخرج ابن أبي الدنيا في ذكر الموت وابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: إذا أدخل الكافر في قبره فيرى مقعده من النار {قَالَ رَبّ ٱرْجِعُونِ } أتوب أعمل صالحاً، فيقال له: قد عمرت ما كنت معمراً، فيضيق عليه قبره، فهو كالمنهوش ينازع ويفزع تهوي إليه حيات الأرض وعقاربها. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج قال: زعموا أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: حديث : إن المؤمن إذا عاين الملائكة قالوا: نرجعك إلى الدنيا، فيقول: إلى دار الهموم والأحزان، بل قدما إلى الله، وأما الكافر فيقولون له: نرجعك، فيقول: {ربّ ارجعون. لَعَلّي أَعْمَلُ صَـٰلِحاً فِيمَا تَرَكْتُ } تفسير : هو مرسل. وأخرج الديلمي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا حضر الإنسان الوفاة يجمع له كل شيء يمنعه عن الحقّ فيجعل بين عينيه، فعند ذلك يقول: {ربّ ارجعون. لعلي أعمل صالحاً فيما تركت}»تفسير : . وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله: {أَعْمَلَ صَـٰلِحاً } قال: أقول: لا إلٰه إلا الله. وأخرج ابن أبي حاتم عن عائشة قالت: ويل لأهل المعاصي من أهل القبور، يدخل عليهم في قبورهم حيات سود، حية عند رأسه وحية عند رجليه، يقرصانه حتى تلتقيا في وسطه، فذلك العذاب في البرزخ الذي قال الله: {وَمِن وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ }. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {فَلاَ أَنسَـٰبَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءلُونَ } قال: حين نفخ في الصور، فلا يبقى حيّ إلا الله. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه، أنه سئل عن قوله: {فَلاَ أَنسَـٰبَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءلُونَ } وقوله: {أية : وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ }تفسير : [الصافات: 27، الطور: 25] فقال: إنها مواقف، فأما الموقف الذي لا أنساب بينهم ولا يتساءلون عند الصعقة الأولى، لا أنساب بينهم فيها إذا صعقوا، فإذا كانت النفخة الآخرة فإذا هم قيام يتساءلون. وأخرج ابن جرير، والحاكم وصححه عنه أيضاً، أنه سئل عن الآيتين فقال: أما قوله: {وَلاَ يَتَسَاءلُونَ } فهذا في النفخة الأولى حين لا يبقى على الأرض شيء، وأما قوله: {أية : فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ }تفسير : [الصافات: 50] فإنهم لما دخلوا الجنة أقبل بعضهم على بعض يتساءلون. وأخرج ابن المبارك في الزهد، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، وأبو نعيم في الحلية وابن عساكر عن ابن مسعود قال: إذا كان يوم القيامة جمع الله الأوّلين والآخرين. وفي لفظ: يؤخذ بيد العبد أو الأمة يوم القيامة على رؤوس الأوّلين والآخرين، ثم ينادي منادٍ: ألا إن هذا فلان بن فلان، فمن كان له حق قبله فليأت إلى حقه. وفي لفظ: من كان له مظلمة فليجىء فليأخذ حقه، فيفرح والله المرء أن يكون له الحق على والده أو ولده أو زوجته وإن كان صغيراً، ومصداق ذلك في كتاب الله: {فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَلاَ أَنسَـٰبَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءلُونَ }. وأخرج أحمد والطبراني والحاكم والبيهقي في سننه عن المسْور بن مخرمة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الأنساب تنقطع يوم القيامة غير نسبي وسببي وصهري»تفسير : . وأخرج البزار والطبراني وأبو نعيم والحاكم، والضياء في المختارة: عن عمر بن الخطاب، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي»تفسير : . وأخرج ابن عساكر عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كل نسب وصهر ينقطع يوم القيامة إلا نسبي وصهري»تفسير : . وأخرج أحمد عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر: «حديث : ما بال رجال يقولون: إن رحم رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينفع قومه، بلى والله إن رحمي موصولة في الدنيا والآخرة، وإني أيها الناس فرط لكم»تفسير : .وأخرج ابن جرير عن ابن عباس: {تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ } قال: تنفح. وأخرج ابن مردويه، والضياء في صفة النار عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: {تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ } قال: «حديث : "تلفحهم لفحة فتسيل لحومهم على أعقابهم"»تفسير : . وأخرج أبو نعيم في الحلية عن ابن مسعود في الآية قال: لفحتهم لفحة فما أبقت لحماً على عظم إلا ألقته على أعقابهم. وأخرج أحمد وعبد بن حميد، والترمذي وصححه، وابن أبي الدنيا في صفة النار، وأبو يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وأبو نعيم في الحلية وابن مردويه في قوله: {وَهُمْ فِيهَا كَـٰلِحُونَ } قال: تشويه النار فتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه، وتسترخي شفته السفلى حتى تضرب سرته. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن أبي شيبة وهناد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني، والحاكم وصححه عن ابن مسعود في الآية قال: كلوح الرأس النضيج بدت أسنانهم وتقلصت شفاههم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس: {كَـٰلِحُونَ } قال: عابسون. وقد ورد في صفة أهل النار وما يقولونه وما يقال لهم أحاديث كثيرة معروفة. وأخرج الحكيم الترمذي وأبو يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم، وابن السني في عمل اليوم والليلة، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية عن ابن مسعود؛ أنه قرأ في أذن مصاب: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَـٰكُمْ عَبَثاً } حتى ختم السورة فبرىء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : بماذا قرأت في أذنه؟" تفسير : فأخبره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : والذي نفسي بيده لو أن رجلاً موقناً قرأ بها على جبل لزال»تفسير : . وأخرج ابن السني وابن منده، وأبو نعيم في المعرفة، قال السيوطي: بسند حسن، من طريق محمد بن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية وأمرنا أن نقول إذا أمسينا وأصبحنا: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَـٰكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ } فقرأناها فغنمنا وسلمنا.
الماوردي
تفسير : قوله: {وَمِن ورَآئِهِمْ بَرْزَخٌ} الآية. أي من أمامهم برزخٌ، البرزخ الحاجز ومنه قوله تعالى: {أية : بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ} تفسير : [الرحمن: 20] وفيه خمسة أقاويل. أحدها: أنه حاجز بين الموت والبعث، قاله ابن زيد. الثاني: حاجز بين الدنيا والآخرة. قاله الضحاك. الثالث: حاجز بين الميت ورجوعه للدنيا، قاله مجاهد. الرابع: أن البرزخ الإِمهال ليوم القيامة، حكاه ابن عيسى. الخامس: هو الأجل ما بين النفختين وبينهما أربعون سنة، قاله الكلبي.
ابن عطية
تفسير : {حتى} في هذا الموضع حرف ابتداء ويحتمل أن تكون غاية مجردة بتقدير كلام محذوف، والأول أبين لأن ما بعدها هو المعنيّ به المقصود ذكره، والضمير في قوله {أحدهم} للكفار، وقوله {ارجعون} معناه إلى الحياة الدنيا، وجمع الضمير يتخرج على معنيين إما أن يخاطبه مخاطبة الجمع تعظيماً على نحو إخباره تعالى عن نفسه بنون الجماعة في غير موضع، وإما أن تكون استغاثة بربه أولاً ثم خاطب ملائكة العذاب بقوله {ارجعون}، وقال الضحاك هي من المشرك، وقال النبي صلى الله عليه وسلم، لعائشة "حديث : إذا عاين المؤمن قالت الملائكة نرجعك فيقول إلى دار الهموم والأحزان بل قدماً إلى الله وأما الكافر فيقول {ارجعون لعلي أعمل صالحاً}تفسير : ، وقرأ الحسن والجمهور "لعلي" بسكون الياء، وقرأ طلحة بن مصرف "لعليَ" بفتح الياء، و {كلا} رد وزجر وهي من كلام الله تعالى، وقوله {إنها كلمة هو قائلها} يحتمل ثلاثة معان: أحدهما الإخبار المؤكد بأن هذا الشيء يقع ويقول هذه الكلمة، والآخر أن يكون المعنى إنها كلمة لا تغني أكثر من أن يقولها ولا نفع له فيها ولا غوث، والثالث أن تكون إشارة إلى أنه لو رد لعاد فتكون آية ذم لهم، والضمير في {ورائهم} للكفار أي يأتي بعد موتهم حاجز من المدة و"البرزخ"، في كلام العرب الحاجز بين المسافتين، ثم يستعار لما عدا ذلك فهو هنا للمدة التي بين موت الإنسان وبين بعثه، هذا إجماع من المفسرين، وقرأ الجمهور "في الصور" وهو القرن، وقرأ ابن عباس "الصوَر" بفتح الواو جمع صورة، و {يوم} مضاف إلى {يبعثون} وقوله {فى أنساب بينهم يومئذ} اختلف المتأولون في صفة ارتفاع الأنساب فقال ابن عباس وغيره: هذا في النفخة الأولى وذلك أن الناس بأجمعهم يموتون فلا يكون بينهم نسب في ذلك الوقت وهم أموات. قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا التأويل يزيل ما في الآية من ذكر هول الحشر، وقال ابن مسعود وغيره: إنما المعنى أنه عند النفخة الثانية وقيام الناس من القبور فهم حينئذ لهول المطلع واشتغال كل امرىء بنفسه قد انقطعت بينهم الوسائل وزال انتفاع الأنساب فلذلك نفاها فالمعنى {فلا أنساب} وروي عن قتادة أنه قال: ليس أحد أبغض إلى الإنسان في ذلك اليوم ممن يعرف لأنه يخاف أن تكون له عنده مظلمة وفي ذلك اليوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه ويفرح كل أحد يومئذ أن يكون له حق على ابنه وأبيه، وقد ورد بهذا الحديث، وكذلك ارتفاع التساؤل والتعارف لهذه الوجوه التي ذكرناها ثم تأتي في القيامة مواطن يكون فيها السؤال والتعارف. قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا التأويل حسن وهو مروي المعنى عن ابن عباس و"ثقل الموازين" هو الحسنات، والثقل والخفة إنما يتعلق بأجرام يخترع الله فيها ذلك وهي فيما روي براءات.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {حَتَّىٰ إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَـٰلِحاً فِيمَا تَرَكْتُ} {حَتَّى} في هذا الموضع حَرْفُ ابتداءٍ، والضمير في قوله: {أَحَدَهُمُ} للكفار، وقوله: {ٱرْجِعُونِ} أي: إلى الحياة الدنيا، والنون في: {ٱرْجِعُونِ}: نونُ العَظَمَةِ؛ وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة: «حديث : إذَا عَايَنَ المُؤْمِنُ المَوْتَ، قَالَتْ لَهُ الْمَلاَئِكَةُ: نُرْجِعُك؟ فيقول: إلى دَارِ الهُمُومِ وَالأَحْزَانِ؟ بل قُدُماً إلى اللّهِ، وأَمَّا الكَافِرُ، فَيَقُولُ: {ٱرْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً}»تفسير : . وقوله: {كلا}: رَدٌّ وزجر. وقوله: {إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا} تحتمل ثلاثة معانٍ: أحدها: الإخبارْ المُؤكّدُ بأنَّ هذا الشيء يقع، ويقولُ هذه الكلمة. الثاني: أنْ يكون المعنى: إنها كلمة لا تغني أكثر من أَنَّه يقولها، ولا نفعَ له فيها ولا غَوْثَ ـــ الثالث: أنْ يكون إشارةً إلى أَنَّهُ لو لو رُدَّ لعاد، والضمير في: {وَرَآئِهِم} للكفار، والبرزخ في كلام العرب: الحاجز بين المسافتين، ثَم يُسْتَعَارُ لما عدا ذلك، وهو هنا: للمُدَّةِ التي بين موت الإنسان وبين بعثه؛ هذا، إجماعٌ من المفسرين. وقوله عز وجل: {فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَلاَ أَنسَـٰبَ بَيْنَهُمْ...} قال ابن مسعود وغيرُه: هذا عند النفخة الثانية وقيامِ الناس من القُبُورِ؛ فهم حينئذٍ لهول المَطْلَعِ واشتغال كل امرىء بنفسه قد انقطعت بينهم الوسائلُ، وزال انتفاعُ الأنساب؛ فلذلك نفاها سبحانه، والمعنى: فلا أنسابَ نافعةٌ، ورُوِيَ عن قتادَة أَنَّهُ: ليس أَحد أبغض إلى الإنسان في ذلك اليوم مِمَّن يَعْرِفُ، لأَنَّهُ يخاف أَنْ يكونَ له عنده مَظْلِمَةٌ، وفي ذلك اليوم يَفِرُّ المرء من أخيه؛ وأُمِّهِ وأبيه؛ وصاحبتِهِ وبَنِيْهِ، ويفرحُ كلُّ أحد يومئذٍ أنْ يكون له حَقُّ على ابنه وأبيه، وقد وَرَدَ بهذا حديثٌ، وكأنّ ارتفاع التساؤل لهذه الوجوه، ثم تأتي في القيامة مواطنُ يكون فيها السؤال والتعارف. قال * ع *: وهذا التأويل حَسَنٌ، وهو مرويُّ المعنى عن ابن عباس، وذكر البزَّارُ من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : مَلَكٌ مُوَكَّلٌ بِالْمِيزَانِ، فَيُؤْتَى بِابْنِ آدَمَ، فَيُوقَفُ بَيْنَ كَفَّتَيِ الْمِيزَانِ، فَإنْ ثَقُلَ مِيزانُهُ، نَادَى المَلَكُ بِصَوْتٍ يُسْمَعُ الخَلاَئِقَ: سَعِدَ فُلاَنٌ سَعَادَةً لاَ يَشْقَى بَعْدَهَا أَبَداً، وَإنْ خَفَّ مِيزَانُهُ، نَادَى المَلَكُ بِصَوْتٍ يُسْمِعُ الخَلاَئِقَ: شَقِيَ فُلاَنٌ شَقَاوَةً لاَ يَسْعَدُ بَعْدَهَا أبداً»تفسير : ، انتهى من «العاقبة». وروى أبو داودَ في «سننه» عن عائشة رضي اللّه عنها أَنَّها ذَكَرَتِ النَّارَ فَبَكَتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: «حديث : مَا يُبْكِيكِ؟ قَالَتْ: ذَكَرْتُ النَّارَ فَبَكَيْتُ، فَهَلْ تَذكُرُونَ أَهْلِيَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: أَمَّا في ثَلاَثَةِ مَوَاطِنَ، فَلاَ يَذْكُرُ أَحَدٌ أَحَداً، عِنْدَ الْمِيزَانِ حَتَّى يَعْلَم: أَيِخِفُّ مِيزَانُهُ أَمْ يَثْقُلُ، وَعِنْدَ الكِتَابِ حَتَّى يَقُولَ: {هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَه} [الحاقة:19]، حَتَّى يَعْلَمَ أَيْنَ يُعْطَى كِتَابَهُ: أفِي يَمِينِهِ أَمْ فِي شَمَالِهِ، أَمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ، وَعِنْدَ الصِّرَاطِ، إذَا وُضِعَ بَيْنَ ظَهْرَي جَهَنَّمَ»تفسير : ، انتهى. ولفح النار: إصابتها بالوهج والإحراق، والكلوح انكشافُ الشفتين عن الأسنان، وقد شبه ابنُ مسعود ما في الآية بما يعتري رؤوس الكِبَاشِ إذا شيطت بالنار؛ فإنَّها تكلح، ومنه كلوح الكلب والأسد. قلت: وفي «الترمذيِّ» عن أبي سعيد الخدريِّ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : {وَهُمْ فِيهَا كَـٰلِحُونَ} قال: تَشْوِيهِ النَّارُ، فَتَقْلُصُ شَفَتُهُ العُلْيَا حَتَّى تَبْلُغَ وَسَطَ رَأْسِهِ، وَتَسْتَرْخِي شَفَتُهُ السُّفْلَى حَتَّى تَضْرِبَ سُرَّتَهُ...»تفسير : الحديث قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب، انتهى. وهذا هو المُعَوَّلُ عليه في فهم الآية، وأَمَّا قول البخاريِّ: {كَـٱلِحُونَ} معناه: عابسون ـــ فغيرُ ظاهر، ولَعَلَّهُ لم يقف على الحديث.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي الدنيا في ذكر الموت وابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: إذا وضع الكافر في قبره فيرى مقعده من النار قال: {رب ارْجعُونِ} حتى أتوب، أعمل صالحاً، فيقال: قد عمرت ما كنت معمراً. فيضيق عليه قبره فهو كالمنهوش ينام ويفزع، تهوي إليه هوام الأرض؛ حيّاتها وعقاربها. وأخرج ابن أبي حاتم عن عائشة قالت: ويل لأهل المعاصي من أهل القبور، يدخل عليهم في قبورهم حيات سود، حية عند رأسه وحية عند رجليه يضربانه حتى يلتقيان في وسطه. فذلك العذاب في البرزخ الذي قال الله {ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون}. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله {قال رب ارجعون} قال: هذا حين يعاين قبل أن يذوق الموت. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج قال: زعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة "حديث : إن المؤمن إذا عاين الملائكة قالوا: نرجعك إلى الدنيا؟ فيقول: إلى دار الهموم والأحزان؟ بل قُدُماً إلى الله. وأما الكافر فيقولون له: نرجعك؟ فيقول: {رب ارجعون، لعلي أعمل صالحاً فيما تركت} ". تفسير : وأخرج الديلمي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا حضر الإنسان الوفاة يجمع له كل شيء يمنعه عن الحق فيحول بين عينيه، فعند ذلك يقول {رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت} ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله {لعلي أعمل صالحاً فيما تركت} قال: لعلي أقول لا إله إلا الله. وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله {لعلي أعمل صالحاً} قال: أقول لا إله إلا الله. وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان بن حسين في قوله {ومن ورائهم برزخ} قال: أمامهم. وأخرج ابن أبي شيبة وهناد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو نعيم في الحلية عن مجاهد في قوله {ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون} قال: هو ما بين الموت إلى البعث. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: {البرزخ} الحاجز ما بين الدنيا والآخرة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد {ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون} قال: حاجز بين الميت والرجوع إلى الدنيا. وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي قال: {البرزخ} ما بين الدنيا والآخرة. ليس مع أهل الدنيا يأكلون ويشربون، ولا مع أهل الآخرة يجازون بأعمالهم. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن في الآية قال: {البرزخ} بين الدنيا والآخرة. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: {البرزخ} بقية الدنيا. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة {ومن ورائهم برزخ} قال: أهل القبور في برزخ ما بين الدنيا والآخرة، هم فيه إلى يوم يبعثون. وأخرج عبد بن حميد عن الربيع قال: {البرزخ} القبور. وأخرج بن أبي حاتم عن أبي صخر قال: {البرزخ} المقابر. لا هم في الدنيا ولا هم في الآخرة،فهم مقيمون إلى يوم يبعثون. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وسمويه في فوائده عن أبي أمامة أنه شهد جنازة، فلما دفن الميت قال: هذا برزخ إلى يوم يبعثون. وأخرج هناد عن أبي محلم قال: قيل للشعبي مات فلان قال: ليس هو في الدنيا ولا في الآخرة. هو في البرزخ. وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير في قوله {ومن ورائهم برزخ} قال: ما بعد الموت.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {رَبِّ ٱرْجِعُونِ لَعَلِّيۤ أَعْمَلُ صَالِحاً} [الآية: 99، 100]. قال أبو عثمان: فى كتاب له أهل جوزجان لو علم أهل النار عملاً أنجا لهم فى طاعة الله، والصلاح لما فرغوا فى وقت العيان إلا إليه بقولهم: {رَبِّ ٱرْجِعُونِ لَعَلِّيۤ أَعْمَلُ صَالِحاً} فأقبل على طاعة مولاك، واجتنب الدعاوى، وإطلاق القول فى الأحوال فإن ذلك فتنة عظيمة هلك فى ذلك طائفة من المريدين وما فزع أحد إلى تصحيح المعاملات إلا أداه بركة ذلك إلى شتى الرتب، ولا ترك أحد هذه الطريقة إلا تعطل.
القشيري
تفسير : إذا أخذ البلاءُ بخناقهم، واستمكن الضُّرُّ من أحوالهم، وعلموا ألاّ محيصَ ولا محيدَ أخذوا في التضرُّع والاستكانة، ودون ما يرومون خرطُ القتادِ! ويقال لهم هلاّ كان عُشْرُ عشرِ هذا قبلَ هذا؟ ولقد قيل: شعر : قلتُ للنفس: إنْ أرَدتِ رجوعاً فارجعي قبل أنْ يُسدَّ الطريق
البقلي
تفسير : قوله تعالى {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ} بين سبحانه ان من كان ساقطا عن مركب الطاعات لم يصل الى الدرجات ومن كان محروما عن المراقبات فى البدايات كان محجوبا عن المشاهدات والعاينات فى النهايات واى اهل المزخرفات والدعاوى والتنزهات تمنوا فى قوت النزع ان لم يمض عليهم اوقاتهم بالغفلة عن الطاعات ولم يتكلفوا بالدعاوى والمحالات قال ابو عثمان فى كتاب الى اهل جرجان لو عمل اهل النار عملا انجاهم من طاعة الله وصلاح لما فرغوا فى وقت العيان الا اليه بقولهم رب ارجعوا لعلى اعمل صالحا قبل على طاعة ملاك واجتنب الدعاوى واطلاق القول فى الاحوال فان ذلك فتنة عظيمة هلك فى ذلك طايفة من المريدين وما فرع احد الى تصحيح المعاملات الا اداه بركة ذلك الى سنى لارتب لا ترك احد هذه الطريقة الا تعطل.
اسماعيل حقي
تفسير : {حتى اذا جاء احدهم الموت} حتى التى يبتدأ بها الكلام دخلت على الجملة الاسمية وهى مع ذلك غاية لما قبلها متعلقة بيصفون اى يستمرون على سوء الذكر حتى اذا جاء احدهم كافرا اى احد كان الموت الذى لا مرد له وظهرت له احوال الآخرة {قال} تحسرا على مافرط فيه من الايمان والعمل {رب} يارب {ارجعون} ردنى الى الدنيا والواو لتعظيم المخاطب لان العرب تخاطب الواحد الجليل الشان بلفظ الجماعة وفيه رد على من يقول الجمع للتعظيم فى غير المتكلم انما ورد فى كلام المولدين ثم انه يقول له الى أى شىء تذهب الى جمع المال او غرس الغراس او بناء البنيان او شق الانهار فيقول.
الجنابذي
تفسير : {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ} غاية ليصفون او لكاذبون او لقوله قالوا امثل ما قال الاوّلون {قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ} اتى بارجعون جمعاً امّا لتشريك الملائكة معه تعالى او لتعظيم الرّبّ.
الأعقم
تفسير : {حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون} يعني إذا جاء أحدهم أسباب الموت من معاينة وأهوال الآخرة قال عند ذلك: رب ارجعون إلى الدنيا، قال جار الله: إذا أيقن بالموت واطلع على حقيقة الأمر أدركته الحسرة على ما فرط من الإِيمان والعمل الصالح، فسأل ربه الرجعة وقال: {لعلي أعمل صالحاً} في الايمان الذي تركته، والمعنى: لعلي آتي بما تركته من الايمان واعمل صالحاً، قال جار الله: عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : إذا عاين المؤمن الملائكة قالوا: نرجعك إلى الدنيا، فيقول: إلى دار الهموم والأحزان بل قدوماً إلى الله تعالى، وأما الكافر فيقول: رب ارجعون" تفسير : {كلا} وجوابها لا يكون ولا يرجع إلى الدنيا {إنها كلمة} يعني سؤال الرجعة {هو قائلها} ولا ينالها، وقيل: لهي كلمة يقولها ولا تنفعه {ومن ورائهم} أمامهم حائل بينهم وبين الرجعة إلى يوم البعث، وقيل: حاجز بين الدنيا والآخرة، وقيل: بين الميت والرجوع إلى الدنيا {فإذا نفخ في الصور} قيل: المراد بنفخ الروح في الصور، وقيل: هي النفخة الأولى، وقيل: النفخة الثانية {فلا أنساب بينهم} أي لا يتواصلون {ولا يتساءلون} أي لا يسأل بعضهم بعضاً قيل: القيامة مواطن في بعضها يتساءلون وفي بعضها لا يتساءلون لشدة الهول والفزع، وقيل: الساكن يكون عند النفخة الأولى فإذا كانت النفخة الثانية قاموا فتعارفوا وتساءلوا عن ابن عباس {فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون} قال جار الله: الموازين جمع موزون وهي الموزونات من الأعمال أي الصالحات التي لها وزن وقدر عند الله من قوله تعالى: {أية : فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً} تفسير : [الكهف: 105] {في جهنم خالدون} بدل من {خسروا أنفسهم} أو خبر بعد خبر لأولئك، وقد تقدم الكلام في الميزان في سورة الأنبياء، وفيما قيل: {تلفح وجوههم النار} أي تصيب وجوههم لفح النار ولهبها {وهم فيها كالحون} قيل: عايشون، وعن مالك بن دينار، كان سبب توبة عقبة الغلام أنه مرَّ في السوق برأس أخرج من التنور فغشي عليه ثلاثة أيام ولياليهن، وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: "حديث : تشويه النار فتقلص شفته العليا حتى تبلغ قفاه وشفته السفلى حتى تبلغ سرته" تفسير : {ألم تكن آياتي} يعني القرآن {تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون} {قالوا} وهم في النار {ربنا غلبت علينا شقوتنا} التي ألبسناها بأعمالنا قال جار الله: غلبت علينا ملكتنا من قوله: غلبه فلان على كذا إذا أخذه منك، والشقاوة سوء العاقبة التي علم الله أنهم يستحقونها بسوء أعمالهم، وقرأ شقاوتنا يعني عليهم معاصيهم شقاوتنا {وكنا قوماً ضالين} ذاهبين.
اطفيش
تفسير : {حَتَّىَ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ المَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونَ} حتى للابتداء متصلة بقوله: {يَصِفُونَ} وما بينهما اعتراض لتأكيد الاعضاء بالاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم ان يزله عن الحلم ويغريه على الانتقام أو متصل بقوله: {انهم لكاذبون} لما اطلع على مقعده من النار ومقعده من الجنة لو آمن تحسرا على تفريطه في الايمان والعمل وطلب الرد إلى الدنيا ليستدرك الفوت وهيهات. والخطاب لله بلفظ الجمع تعظيما له كقوله: (فان شئت حرمت النساء سواكم) وقوله: (الا فارحموني يا آل محمد). وقيل: (الواو) قائمة مقام التكرير ارجع أي ارجعني ارجعني ارجعني فاختصر بـ (ارجعون). وقيل:الخطاب لله وللملائكة كما تنادي الامر وتخاطبه ومن تحته أو التقدير يا رب اغثني يا ملائكة ارجعون. وزعم بعض ان باء الجر القسمية مقدرة اي بربي اي بحق ربي ارجعون يا ملائكة فاختصر لضيق الحال. ويرده انه لم يوجد شرط حذف حرف القسم. وقال السهيلي هو قول من حضرته الشياطين والزبانية وقد اعتاد امرا بقوله وهو رد الامر للمخلوقين. ذكر ابن هشام بعض ذلك واقتصر السيوطي على الاول والاخير وجعل من الاول {أية : يا أَيها الرسل كلواْ}تفسير : إلى {أية : فاتقون}.
اطفيش
تفسير : {حتى إذا جاء أحدهم الموتُ قال ربِّ ارجعُون * لعلِّى أعمل صالحاً فيما تركتُ} حالهم الاستمرار على متابعة الوساويس الى ان يموتوا فيقولوا: رب ارجعون الخ، فاستعذ يا محمد أن تكون كذلك، وهذا أولى من أن يكون من كلامه صلى الله عليه وسلم، هكذا فلا أكون كالكفار الذين تهمزهم الشياطين وتحضرهم، حتى إذ الخ، ويجوز تعليق هذا الكلام بقوله: "أية : يصفون"تفسير : [المؤمنون: 91] بمعنى يدومون على وصفه صلى الله عليه وسلم بما لا يليق، حتى إذا الخ، وما بينهما معترض لتأكيد الإغضاء الذى تضمنه ادفع بالتى الخ، ويبعد تعليقه بيصفون الأول، أو يشركون، أو لكاذبون لطول الفصل، وردوا واو الجمع الى الواحد سبحانه تعظيماً له حين لا ينفع كقوله: ألا فارحمون يا إله محمد وقوله: شعر : * وإن شئت حرمت النساء سواكم * تفسير : بكسر تاء شئت لأنثى الواحدة عظمها حتى كأنها جماعة ذكوراً، والواو للملائكة أَى يا ملائكة ربِّ ارجعون، أَو رب استغاثة بالله، وارجعون خطاب للملائكة كقوله عز وجل: "أية : يوسف أعرض عن هذا واستغفرى لذنبك" تفسير : [يوسف: 29] ويدل له ما روته عائشة رضى الله عنها أنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن المؤمن إذا عاين الملائكة قالوا له انرجعك إلى الدنيا؟ قال: الى دار الهموم والأحزان بل قدوماً الى ربى وأما الكافر فيقولون له: أنرجعك فيقول: رب ارجعون"تفسير : ولا يختصر طلب الرجعة عند الموت بالمشرك، فعن ابن عباس: أن مانع الزكاة، وتارك الحج المستطيع يسألان الرجعة عند الموت، وعن جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا حضر الإنسان الموت جمع له كل شىء يمنعه عن الحق فيجعل بين عينيه فعند ذلك يقول: "رب ارجعون لعلى أعمل صالحاً فيما تركت ". تفسير : وهذا يدل على أن المراد بما تركت فى الآية المال ونحوه من الدنيا، وقيل الايمان والاولى التعميم فى كل واجب من فعل أو ترك، والترجى راجع لذلك، وقيل العمل فقط لتحقيق إيمانه إن رجع كقولك لعلى أقرأ على الصناعة، أى أتعلمها وأقرا بها، والمعنى اعمل صالحاً فى الايمان، أى او من فى الدنيا، وأعمل صالحا فى ذلك الايمان، قال الله عز وجل له: {كلاَّ إنَّها} أى هذه القولة، أو هذا الكلام، وعليه فالتأنيث لتأنيث الخبر {كَلمةٌ هو قائلُها} لا يتركها، ولا يتمنى غيرها، وإطلاق الكلمة على الكلام لغة حقيقة، وقيل مجاز مشهور {ومن ورائهم} أمامهم أو هو على ظاهره لأن البعث شىء لازم لهم يتبعهم {برزخٌ} حاجز يمنعهم عن الرجوع {إلى يوم يُبْعثون} زيادة إقناط من الرجوع، أى لا بد من البعث من هذه الموتة التي متم، الا أن بينهما برزخاً، ولا يتبادر أن المعنى حاجز بينهم وبين العذاب التام الذى هو أشد من عذاب القبور.
الالوسي
تفسير : {حَتَّىٰ إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ} {حَتَّىٰ} ابتدائية وغاية لمقدر يدل عليه ما قبلها والتقدير فلا أكون كالكفار الذين تهمزهم الشياطين وتحضرهم حتى إذا جاء الخ، ونظير ذلك قوله: شعر : فيا عجباً حتى كليب تسبني تفسير : فإن التقدير يسبني كل الناس حتى كليب إلا أنه حذفت الجملة هنا لدلالة ما بعد حتى، وقيل إن هذا الكلام مردود على { أية : يَصِفُونَ } تفسير : [المؤمنون: 96] الثاني على معنى أن حتى متعلقة بمحذوف يدل عليه كأنه قيل: لا يزالون على سوء المقالة والطعن في حضرة الرسالة حتى إذا الخ، وقوله تعالى: { أية : وَقُل رَّبّ } تفسير : [المؤمنون: 97] الخ اعتراض مؤكد للإغضاء المدلول عليه بقوله سبحانه: { أية : ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ } تفسير : [المؤمنون: 96] الخ بالاستعاذة به تعالى من الشياطين أن يزلوه عليه الصلاة والسلام عما أمر به، وقيل على { أية : يَصِفُونَ } تفسير : [المؤمنون: 91] الأول أو على { أية : يُشْرِكُونَ } تفسير : [المؤمنون: 92] وليس بشيء. وجوز الزمخشري أن يكون مروراً على قوله تعالى: { أية : وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ } تفسير : [المؤمنون:90] ويكون من قوله سبحانه { أية : مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ } تفسير : [المؤمنون: 91] إلى هذا المقام كالاعتراض تحقيقاً لكذبهم ولاستحقاقهم جزاءه وليس بالوجه، ويفهم من كلام ابن عطية أنه يجوز أن تكون {حَتَّىٰ} هنا ابتدائية لا غاية لما قبلها، وتعقبه أبو حيان بأنها إذا كانت ابتدائية لا تفارقها الغاية، والظاهر الذي لا ينبغي العدول عنه أن ضمير {أَحَدِهِمْ} راجع إلى الكفار. والمراد من مجيء الموت ظهور أماراته أي إذا ظهر لأحدهم أي أحد كان منهم أمارات الموت وبدت له أحوال / الآخرة {قَالَ} تحسراً على ما فرط في جنب الله تعالى: {رَبّ ٱرْجِعُونِ } أي ردني إلى الدنيا، والواو لتعظيم المخاطب وهو الله تعالى كما في قوله: شعر : ألا فارحموني يا إلٰه محمد فإن لم أكن أهلاً فأنت له أهل تفسير : وقول الآخر: شعر : وإن شئت حرمت النساء سواكم وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا برداً تفسير : والحق أن التعظيم يكون في ضمير المتكلم والمخاطب بل والغائب والاسم الظاهر وإنكار ذلك غير رضي والإيهام الذي يدعيه ابن مالك هنا لا يلتفت إليه. وقيل: الواو لكون الخطاب للملائكة عليهم السلام والكلام على تقدير مضاف أي يا ملائكة ربـي ارجعوني، وجوز أن يكون {رَبّ} استغاثة به تعالى و {ارجعوني} خطاب للملائكة عليهم السلام، وربما يستأنس لذلك بما أخرجه ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج قال: زعموا أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة رضي الله تعالى عنها: " حديث : إن المؤمن إذا عاين الملائكة قالوا: نرجعك إلى دار الدنيا؟ قال: إلى دار الهموم والأحزان بل قدوماً إلى الله تعالى وأما الكافر فيقولون له نرجعك؟ فيقول: رب ارجعوني "تفسير : . وقال المازني: جمع الضمير ليدل على التكرار فكأنه قال: رب ارجعني ارجعني ارجعني، ومثل ذلك تثنية الضمير في قفا نبك ونحوه. واستشكل ذلك الخفاجي بأنه إذا كان أصل ارجعوا مثلاً ارجع ارجع ارجع لم يكن ضمير الجمع بل تركيبه الذي فيه حقيقة فإذا كان مجازاً فمن أي أنواعه وكيف دلالته على المراد وما علاقته وإلا فهو مما لا وجه له. ومن غريبه أن ضميره كان مفرداً واجب الاستتار فصار غير مفرد واجب الإظهار ثم قال: لم تزل هذه الشبهة قديماً في خاطري والذي خطر لي أن لنا استعارة أخرى غير ما ذكر في المعاني ولكونها لا علاقة لها بالمعنى لم تذكر وهي استعارة لفظ مكان لفظ آخر لنكتة بقطع النظر عن معناه وهو كثير في الضمائر كاستعمال الضمير المجرور الظاهر مكان المرفوع المستتر في كفى به حتى لزم انتقاله عن صفة إلى صفة أخرى ومن لفظ إلى آخر وما نحن فيه من هذا القبيل فإنه غير الضمائر المستترة إلى ضمير جمع ظاهر فلزم الاكتفاء بأحد ألفاظ الفعل وجعل دلالة ضمير الجمع على تكرر الفعل قائماً مقامه في التأكيد من غير تجوز فيه. ولابن جني في «الخصائص» كلام يدل على ما ذكرناه فتأمل انتهى كلامه. ولعمري لقد أبعد جداً، ولعل الأقرب أن يقال: أراد المازني أنه جمع الضمير للتعظيم بتنزيل المخاطب الواحد منزلة الجماعة المخاطبين ويتبع ذلك كون الفعل الصادر منه بمنزلة الفعل الصادر من الجماعة ويتبعهما كون {ارجعوني} مثلاً بمنزلة ارجعني ارجعني ارجعني لكن إجراء نحو هذا في نحو ـ قفا نبك ـ لا يتسنى إلا إذا قيل بأنه قد يقصد بضمير التثنية التعظيم كما قد يقصد ذلك بضمير الجمع؛ ولم يخطر لي أني رأيته فليتتبع وليتدبر.
سيد قطب
تفسير : في هذا الدرس الأخير في السورة يستطرد في الحديث عن نهاية المشركين؛ فيبرزها في مشهد من مشاهد القيامة. يبدأ بمشهد الاحتضار في الدنيا، وينتهي هنالك بعد النفخ في الصور. ثم تنتهي السورة بتقرير الألوهية الواحدة، وتحذير من يدعون مع الله إلهاً آخر وتخويفهم من مثل تلك النهاية. وتختم السورة بتوجيه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى ربه ليطلب غفرانه ورحمته؛ والله خير الراحمين. {حتى إذا جاء أحدهم الموت قال: رب ارجعون، لعلي أعمل صالحاً فيما تركت}.. إنه مشهد الاحتضار، وإعلان التوبة عند مواجهة الموت، وطلب الرجعة إلى الحياة، لتدارك ما فات، والإصلاح فيما ترك وراءه من أهل ومال.. وكأنما المشهد معروض اللحظة للأنظار، مشهود كالعيان! فإذا الرد على هذا الرجاء المتأخر لا يوجه إلى صاحب الرجاء، إنما يعلن على رؤوس الأشهاد: {كلا: إنها كلمة هو قائلها..} كلمة لا معنى لها، ولا مدلول وراءها، ولا تنبغي العناية بها أو بقائلها. إنها كلمة الموقف الرهيب، لا كلمة الإخلاص المنيب. كلمة تقال في لحظة الضيق، ليس لها في القلب من رصيد! وبها ينتهي مشهد الاحتضار. وإذا الحواجز قائمة بين قائل هذه الكلمة والدنيا جميعاً. فلقد قضي الأمر، وانقطعت الصلات، وأغلقت الأبواب، وأسدلت الأستار: {ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون}.. فلا هم من أهل الدنيا، ولا هم من أهل الآخرة. إنما هم في ذلك البرزخ بين بين، إلى يوم يبعثون. ثم يستطرد السياق إلى ذلك اليوم، يصوره ويعرضه للأنظار. {فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون}.. إنما تقطعت الروابط، وسقطت القيم التي كانوا يتعارفون عليها في الدنيا {فلا أنساب بينهم يومئذ}. وشملهم الهول بالصمت، فهم ساكنون لا يتحدثون {ولا يتساءلون}. ويعرض ميزان الحساب وعملية الوزن في سرعة واختصار. {فمن ثقلت موازينه فأولـئك هم المفلحون. ومن خفت موازينه فأولـئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون. تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون}.. وعملية الوزن بالميزان تجري على طريقة القرآن في التعبير بالتصوير، وتجسيم المعاني في صور حسية، ومشاهد ذات حركة. ومشهد لفح النار للوجوه حتى تكلح، وتشوه هيئتها، ويكدر لونها.. مشهد مؤذ أليم. وهؤلاء الذين خفت موازينهم خسروا كل شيء. فقد خسروا أنفسهم. وحين يخسر الإنسان نفسه فماذا يملك إذن؟ وما الذي يتبقى له. وقد خسر نفسه التي بين جنبيه، وخسر ذاته التي تميزه، فكأنما لم يكن له وجود. وهنا يعدل عن أسلوب الحكاية إلى أسلوب الخطاب والمواجهة، فإذا العذاب الحسي ـ على فظاعته ـ أهون من التأنيب والخزي الذي يصاحبه. وكأنما نحن نراه اللحظة ونشهده في حوار ممض طويل: {ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون!}.. وكأنما يخيل إليهم ـ وقد سمعوا هذا السؤال ـ إنهم مأذونون في الكلام، مسموح لهم بالرجاء. وأن الإعتراف بالذنب قد يجدي في قبول الرجاء: {قالوا: ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوماً ضالين. ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون}.. وهو اعتراف تتجلى فيه المرارة والشقوة.. ولكن كأنما هم قد تجاوزوا حدهم وأساءوا أدبهم، فلم يكن مأذوناً لهم في غير الإجابة على قدر السؤال. بل لعله كان سؤالاً للتبكيت لا يطلب عليه منهم جواب. فهم يزجرون زجراً عنيفاً قاسياً: {قال: اخسأوا فيها ولا تكلمون}.. إخرسوا واسكتوا سكوت الأذلاء المهينين، فإنكم لتستحقون ما أنتم فيه من العذاب الأليم والشقاء المهين: {إنه كان فريق من عبادي يقولون: ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين. فاتخذتموهم سخرياً حتى أنسوكم ذكري، وكنتم منهم تضحكون}.. وكذلك لم يكن جرمكم أنكم كفرتم فحسب، واقتصرتم على أنفسكم بالكفر وهو جرم عظيم؛ إنما بلغ بكم السفه والتوقح أن تسخروا ممن آمنوا، وراحوا يرجون غفران ربهم ورحمته؛ وأن تضحكوا منهم حتى ليشغلكم هذا الهذر عن ذكر الله، ويباعد بينكم وبين التدبر والتفكر في دلائل الإيمان المبثوثة في صفحات الوجود.. فانظروا اليوم أين مكانكم ومكان أولئك الذين كنتم تسخرون منهم وتضحكون: {إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون}.. وبعد هذا الرد القاسي المهين، وبيان أسبابه، وما في هذا البيان من ترذيل وتبكيت.. يبدأ استجواب جديد: {قال: كم لبثتم في الأرض عدد سنين؟}.. وإن الله ـ سبحانه ـ ليعلم. ولكنه سؤال لاستصغار أمر الأرض، واستقصار أيامهم فيها. وقد باعوا بها حياة الخلود.. وإنهم ليحسون اليوم بقصر تلك الحياة وضآلتها. وإنهم ليائسون ضيقو الصدر، لا يعنيهم حسابها وعدتها: {قالوا: لبثنا يوماً أو بعض يوم. فاسأل العادين}.. وهي إجابة الضيق واليأس والأسى والقنوط! والرد: إنكم لم تلبثوا إلا قليلاً بالقياس إلى ما أنتم عليه مقبلون لو كنتم تحسنون التقدير: {قال: إن لبثتم إلا قليلاً لو أنكم كنتم تعلمون}.. ثم عودة إلى الترذيل والتعنيف على تكذيبهم بالآخرة، مع التبصير بحكمة البعث المكنونة منذ أول الخلق: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً؛ وإنكم إلينا لا ترجعون؟}.. فحكمة البعث من حكمة الخلق. محسوب حسابها، ومقدر وقوعها، ومدبر غايتها. وما البعث إلا حلقة في سلسلة النشأة، تبلغ بها كمالها، ويتم فيها تمامها. ولا يغفل عن ذلك إلا المحجوبون المطموسون، الذين لا يتدبرون حكمة الله الكبرى؛ وهي متجلية في صفحات الكون، مبثوثة في أطواء الوجود.. وتنتهي سورة الإيمان بتقرير القاعدة الأولى للإيمان.. التوحيد.. وإعلان الخسارة الكبرى لمن يشركون بالله، في مقابل الفلاح في أول السورة للمؤمنين. وبالتوجه إلى الله في طلب الرحمة والغفران وهو أرحم الراحمين: {فتعالى الله الملك الحق، لا إلـه إلا هو رب العرش الكريم. ومن يدع مع الله إلـها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه، إنه لا يفلح الكافرون. وقل: رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين}.. هذا التعقيب يجيء بعد مشهد القيامة السابق؛ وبعد ما حوته السورة قبل هذا المشهد من جدل وحجج ودلائل وبينات.. يجيء نتيجة طبيعية منطقية لكل محتويات السورة. وهو يشهد بتنزيه الله ـ سبحانه ـ عما يقولون ويصفون. ويشهد بأنه الملك الحق، والمسيطر الحق، الذي لا إله إلا هو. صاحب السلطان والسيطرة والاستعلاء: {رب العرش الكريم}. وكل دعوى بألوهية أحد مع الله، فهي دعوى ليس معها برهان. لا من الدلائل الكونية، ولا من منطق الفطرة، ولا من حجة العقل. وحساب مدعيها عند ربه، والعاقبة معروفة: {إنه لا يفلح الكافرون}. سنة نافذة لا تتخلف، كما أن الفلاح للمؤمنين طرف من الناموس الكبير. وكل ما يراه الناس على الكافرين من نعمة ومتاع، وقوة وسلطان، في بعض الأحيان، فليس فلاحاً في ميزان القيم الحقيقية. إنما هو فتنة واستدراج، ينتهي بالوبال في الدنيا. فإن ذهب بعضهم ناجين في الدنيا، فهناك في الآخرة يتم الحساب. والآخرة هي الشوط الأخير في مراحل النشأة، وليست شيئاً منفصلاً في تقدير الله وتدبيره. ومن ثم هي ضرورة لا بد منها في النظرة البعيدة. وآخر آية في سورة "المؤمنون" هي اتجاه إلى الله في طلب الرحمة والغفران: {وقل: رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين}.. وهنا يلتقي مطلع السورة وختامها في تقرير الفلاح للمؤمنين والخسران للكافرين. وفي تقرير صفة الخشوع في الصلاة في مطلعها والتوجه إلى الله بالخشوع في ختامها.. فيتناسق المطلع والختام في ظلال الإيمان..
ابن عاشور
تفسير : {حتى} ابتدائية وقد علمت مفادها غير مرة، وتقدمت في سورة الأنبياء. ولا تفيد أن مضمون ما قبلها مُغيّا بها فلا حاجة إلى تعليق (حتى) بــــ { أية : يصفون } تفسير : [المؤمنون: 91]. والوجه أن (حتى) متصلة بقوله { أية : وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون } تفسير : [المؤمنون: 95]. فهذا انتقال إلى وصف ما يلقون من العذاب في الآخرة بعد أن ذكر عذابهم في الدنيا فيكون قوله هنا {حتى إذا جاء أحدهم الموت} وصفاً أُنُفا لعذابهم في الآخرة. وهو الذي رجحنا به أن يكون ما سبق ذكره من العذاب ثلاث مرات عذاباً في الدنيا لا في الآخرة. فإن حملتَ العذاب السابق الذكر على عذاب الآخرة كان ذلك إجمالاً وكان قوله {حتى إذا جاء أحدهم الموت} إلى آخره تفصيلاً له. وضمائر الغيبة عائدة إلى ما عادت عليه الضمائر السابقة من قوله { أية : قالوا أإذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أإنا لمبعوثون } تفسير : [المؤمنون: 82] إلى ما هنا وليست عايدة إلى الشياطين. ولقصد إدماج التهديد بما سيشاهدون من عذاب أعدّ لهم فيندمون على تفريطهم في مدة حياتهم. وضمير الجمع في {ارجعون} تعظيم للمخاطب. والخطاب بصيغة الجمع لقصد التعظيم طريقة عربية، وهو يلزم صيغة التذكير فيقال في خطاب المرأة إذا قصد تعظيمها: أنتم. ولا يقال: أنتن. قال العرجي: شعر : فإن شئتِ حرَّمتُ النساء سواكم وإن شئتِ لم أطعم نُقاخاً ولا بردا تفسير : فقال: سواكم، وقال جعفر بن علبة الحارثي من شعراء الحماسة: شعر : فلا تحسبي أني تخشعت بعدكم لشيء ولا أني من الموت أفرق تفسير : فقال: بعدكم، وقد حصل لي هذا باستقراء كلامهم ولم أر من وقَّف عليه. وجملة الترجي في موضع العلة لمضمون {ارجعون}. والترك هنا مستعمل في حقيقته وهو معنى التخلية والمفارقة. وما صدق {ما تركت} عالم الدنيا. ويجوز أن يراد بالترك معناه المجازي وهو الإعراض والرفض، على أن يكون ما صدق الموصول الإيمان بالله وتصديق رسوله، فذلك هو الذي رفضه كل من يموت على الكفر، فالمعنى: لعلي أسلم وأعمل صالحاً في حالة إسلامي الذي كنت رفضته، فاشتمل هذا المعنى على وعد بالامتثال واعتراف بالخطأ فيما سلف. ورُكب بهذا النظم الموجز قضاءً لحق البلاغة. و{كلاّ} ردع للسامع ليعلم إبطال طلبة الكافر. وقوله: {إنها كلمة هو قائلها} تركيب يجري مجرى المثل وهو من مبتكرات القرآن. وحاصل معناه: أن قول المشرك {رب ارجعون} إلخ لا يتجاوز أن يكون كلاماً صدر من لسانه لا جدوى له فيه، أي لا يستجاب طلبه به. فجملة {هو قائلها} وصف لــــ{كلمة}، أي هي كلمة هذا وصفها. وإذ كان من المحقق أنه قائلها لم يكن في وصف {كلمة} به فائدة جديدة فتعين أن يكون الخبر مستعملاً في معنى أنه لا وصف لكلمته غير كونها صدرت من في صاحبها. وبذلك يعلم أن التأكيد بحرف (إن) لتحقيق المعنى الذي استعمل له الوصف. والكلمة هنا مستعمل في الكلام كقول النبي صلى الله عليه وسلم « حديث : أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: ) شعر : ألا كل شيء ما خلا الله باطل» تفسير : وكما في قولهم: كلمة الشهادة وكلمة الإسلام. وتقدم قوله تعالى { أية : ولقد قالوا كلمة الكفر } تفسير : في سورة براءة (74). والوراء هنا مستعار للشيء الذي يصيب المرء لا محالة ويناله وهو لا يظنه يصيبه. شبه ذلك بالذي يريد اللحاق بالسائر فهو لاحقه، وهذا كقوله تعالى { أية : والله من ورائهم محيط } تفسير : [البروج: 20] وقوله { أية : ومن ورائهم جهنم } تفسير : [الجاثية: 10] وقوله { أية : من ورائهم عذاب غليظ } تفسير : [إبراهيم: 17]. وتقدم قوله: { أية : وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً } تفسير : [الكهف: 79]. وقال لبيد: شعر : أليس ورائي أن تراخت منيتي لزوم العصا تُحنى عليها الأصابع تفسير : والبرزخ: الحاجز بين مكانين. قيل: المراد به في هذه الآية القبر، وقيل: هو بقاء مدة الدنيا، وقيل: هو عالم بين الدنيا والآخرة تستقر فيه الأرواح فتكاشف على مقرها المستقبل، وإلى هذا مال الصوفية. وقال السيد في «التعريفات»: البرزخ العالم المشهود بين عالم المعاني المجردة وعالم الأجسام المادية، أعني الدنيا والآخرة ويعبر به عن عالم المثال اهــــ، أي عند الفلاسفة القدماء. ومعنى {إلى يوم يبعثون} أنهم غير راجعين إلى الحياة إلى يوم البعث. فهي إقناط لهم لأنهم يعلمون أن يوم البعث الذي وُعدوه لا رجوع بعده إلى الدنيا فالذي قال لهم {إلى يوم يبعثون} هو الذي أعلمهم بما هو البعث.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ لَعَلِّيۤ أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ}. الظاهر عندي: أن حتى في هذه الآية: هي التي يبتدأ بعدها الكلام، ويقال لها: حرف ابتداء، كما قاله ابن عطية، خلافاً للزمخشري القائل: إنها غاية لقوله: {أية : نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ}تفسير : [المؤمنون:96] ولأبي حيان القائل: إن الظاهر له أن قبلها جملة محذوفة هي غاية له يدل عليها ما قبلها، وقدر الجملة المذكورة بقوله فلا أكون كالكفار الذين تهزمهم الشياطين ويحضرونهم، حتى إذا جاء أحدهم الموت قال: رب ارجعون. ونظير حذف هذه الجملة قول الشاعر وهو الفرزدق: شعر : فواعجبا حتى كليب تسبني كأن أباها نهشل أو مجاشع تفسير : قال: المعنى: يسبني الناس حتى كليب، فدل ما بعد حتى على الجملة المحذوفة. وفي الآية دل ما قبلها عليها. انتهى الغرض من كلام أبي حيان، ولا يظهر عندي كل الظهور. بل الأظهر عندي: هو ما قدمتها وهو قول ابن عطية، وما تضمنته هذه الآية الكريمة، من أن الكافر والمفرط في عمل الخير إذا حضر أحدهما الموت طلبا الرجعة إلى الحياة، ليعملا العمل الصالح الذي يدخلهما الجنة، ويتداركا به ما سلف منهما من الكفر والتفريط وأنهما لا يجابان لذلك، كما دل عليه حرف الزجر والردع الذي هو كلا جاء موضحاً في مواضع أخر كقوله تعالى: {أية : وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ فَيَقُولُ رَبِّ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفْساً إِذَا جَآءَ أَجَلُهَآ}تفسير : [المنافقون: 10-11] الآية. وقوله تعالى: {أية : وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ فَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوۤاْ أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ}تفسير : [إبراهيم: 44] إلى غير ذلك من الآيات، وكما أنهم يطلبون الرجعة عند حضور الموت، ليصلحوا أعمالهم فإنهم يطلبون ذلك يوم القيامة ومعلوم أنهم لا يجابون إلى ذلك. ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: {أية : يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَآ أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ ٱلَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ}تفسير : [الأعراف: 53] وقوله تعالى: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ}تفسير : [السجدة: 12] وقوله تعالى: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ فَقَالُواْ يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}تفسير : [الأنعام: 27-28] وقوله تعالى: {أية : وَتَرَى ٱلظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَىٰ مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ} تفسير : [الشورى: 44] وقوله تعالى: {أية : قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ}تفسير : [غافر: 11] وقوله تعالى: {أية : وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ فَذُوقُواْ فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ}تفسير : [فاطر: 37] وقوله تعالى: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ فَزِعُواْ فَلاَ فَوْتَ وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ وَقَالُوۤاْ آمَنَّا بِهِ وَأَنَّىٰ لَهُمُ ٱلتَّنَاوُشُ مِن مَّكَانِ بَعِيدٍ وَقَدْ كَـفَرُواْ بِهِ مِن قَـبْلُ}تفسير : [سبأ: 51-53] الآية. وقد تضمنت هذه الآيات التي ذكرنا، وأمثالها في القرآن: أنهم يسألون الرجعة فلا يجابون عند حضور الموت، ويوم النشور ووقت عرضهم على الله تعالى، ووقت عرضهم على النار. وفي هذه الآية الكريمة سؤال معروف: وهو أن يقال: ما وجه صيغة الجمع في قوله: {رَبِّ ٱرْجِعُونِ} ولم يقل: رب ارجعني بالإفراد. وقد أوضحنا الجواب عن هذا في كتابنا: دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب، وبيَّنَّا أنه يجاب عنه من ثلاثة أوجه: الأول: وهو أظهرها: أن صيغة الجمع في قوله: ارجعون، لتعظيم المخاطب وذلك النادم السائل الرجعة يظهر في ذلك الوقت تعظيمه ربه، ونظير ذلك من كلام العرب قول الشاعر حسان بن ثابت أو غيره: شعر : ألا فارحموني يا إله محمد فإن لم أكن أهلاً فأنت له أهل تفسير : وقول الآخر يخاطب امرأة: شعر : وإن شئت حرمت النساء سواكم وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا تفسير : والنقاخ الماء البارد والبرد: النوم، وقيل: ضد الحر. والأول أظهر. الوجه الثاني: قوله: رب استغاثة به تعالى، وقوله: ارجعون: خطاب للملائكة، ويستأنس لهذا الوجه بما ذكره ابن جرير، عن ابن جريج قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة: "حديث : إذا عاين المؤمن الملائكة قالوا نرجعك إلى دار الدنيا فيقول: إلى دار الهموم والأحزان، فيقول: بل قدموني إلى الله وأما الكافر فيقولون له: نرجعك؟ فيقول: رب ارجعون ". تفسير : الوجه الثالث: وهو قول المازني: إنه جمع الضمير ليدل على التكرار فكأنه قال: رب ارجعني ارجعني ارجعني، ولا يخفى بعد هذا القول كما ترى. والعلم عند الله تعالى. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {لَعَلِّيۤ أَعْمَلُ صَالِحاً} [المؤمنون: 100] الظاهر أن لعل فيه التعليل: أي ارجعون، لأجل أن أعمل صالحاً، وقيل: هي للترجي والتوقع، لأنه غير جازم، بأنه إذا رد للدنيا عمل صالحاً، والأول أظهر، والعمل الصالح يشمل جميع الأعمال من الشهادتين والحج الذي كان قد فرط فيه والصلوات والزكاة ونحو ذلك. والعلم عند الله تعالى. وقوله كلا: كلمة زجر: وهي دالة على أن الرجعة التي طلبها لا يعطاها كما هو واضح.
د. أسعد حومد
تفسير : (99) - ولا يَزَالُ الكَافِرُ يَجْتَرِحُ السَّيِّئَاتِ، ولا يُبَالِي بِمَا يَأْتِي وَما يَذَرُ مِنْ الآثَامِ والأَوْزَارِ. حَتَّى إذا جَاءَهُ المَوْتُ، وعَايَنَ ما هو مُقْدِمُ عَلَيْهِ مِنْ عَذَابِ اللهِ نَدِمَ على مَا فَاتَ، وأَسِفَ على مَا فَرَّطَ في جَنْبِ اللهِ، وقَالَ: رَبِّ ارجِعُونِ لأَعْمَلَ صَالِحاً فِيمَا قَصَّرْتُ مِنْ عِبَادَتِكَ، وحُقُوقِ عِبَادِكَ.
الثعلبي
تفسير : {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ} يعني هؤلاء المشركين، وذلك حين ينقطع عن الدنيا ويعاين الآخرة قبل أن يذوق الموت. {قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ} ولم يقل ارجعني وهو خطاب الواحد على التعظيم كقوله (إنّا نحن) فخوطب على نحو هذا كما ابتدأ بلفظ التعظيم. وقال بعضهم: هذه المسألة إنما كانت منهم للملائكة الذين يقبضون روحه، وإنما ابتدأ الكلام بخطاب الله سبحانه لأنهم استغاثوا أولاً بالله سبحانه ثم رجعوا الى مسألة الملائكة الرجوع الى الدنيا. {لَعَلِّيۤ أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ} صنعت {كَلاَّ} أي لا يرجع إليها، وهي كلمة ردع وزجر {إِنَّهَا} يعني سؤاله الرجعة {كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا} ولا ينالها. حديث : روت عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا عاين المؤمن الملائكة قالوا: نرجعك الى الدنيا؟ فيقول: الى دار الهموم والأحزان ؟ بل قدما إلى الله عزَّ وجلّ، وأمّا الكافر فيقول {رَبِّ ٱرْجِعُونِ} الآية" . تفسير : {وَمِن وَرَآئِهِمْ} أمامهم {بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ} أي حاجز بين الموت والرجوع الى الدنيا عن مجاهد، ابن عباس: حجاب، السدّي: أجل، قتادة: بقيّة الدنيا، الضحّاك وابن زيد: ما بين الموت إلى البعث، أبو أمامة: القبر، وقيل: الإمهال لا يفتخرون بالأنساب في الآخرة كما كانوا يفتخرون. {فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ}. قال أبو العالية: هو كقوله {أية : وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً}تفسير : [المعارج: 10]. وقال ابن جريج: معنى الآية لا يُسأل أحد يومئذ شيئاً بنسب ولا يتساءلون، لا يمتّ إليه برحم، واختلف المفسّرون في المراد بقوله {فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ} أىّ النفختين عنى؟ فقال ابن عباس: هي النفخة الأُولى. أخبرني ابن فنجويه بقراءتي عليه قال: حدَّثنا عبد الله بن إبراهيم بن أيوب قال: حدَّثنا أبو عبد الله أحمد بن عبد الرَّحْمن بن أبي عوف قال: حدَّثنا إسماعيل بن عبيد بن أبي كريمة الحّراني قال: حدَّثنا محمد بن سلمة بن أبي عبد الرحيم قال: حدّثني زيد بن أبي أنيسة عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن عبد الله بن عباس، قوله سبحانه {فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ} فهذه في النفخة الاولى {أية : وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ}تفسير : [الزمر: 68] {فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ} {أية : ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ}تفسير : [الزمر: 68] {أية : وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَآءَلُون}تفسير : [الصافات: 27]. وقال ابن مسعود: هي النفخة الثانية. أخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه قال: حدَّثنا عبيد الله بن محمد بن شيبة قال: حدَّثنا جعفر بن محمد الفريابي قال: حدَّثنا يزيد بن موهب الرملي قال: حدَّثنا عيسى بن يونس عن هارون بن أبي وكيع قال: سمعت زاذان أبا عمر يقول: دخلت على ابن مسعود فوجدت أصحاب الخز واليمنة قد سبقوني إلى المجالس، فناديته، يا عبد الله بن مسعود من أجل أنّي رجل أعجمي أدنيتَ هؤلاء وأقصيتني؟ فقال: ادنُ، فدنوت حتى ما كان بيني وبينه جليس، فسمعته يقول: يؤخذ بيد العبد أو الأمة يوم القيامة فينصب على رؤوس الأوّلين الآخرين ثمَّ ينادي مناد: هذا فلان ابن فلان فمن كان له قِبَله حقّ فليأتِ إلى حقّه، فتفرح المرأة أن يدور لها الحقّ على أبيها أو على زوجها أو على ابنها أو على أُختها، ثم قرأ ابن مسعود {فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ} قال: فيقول الله سبحانه: آت هؤلاء حقوقهم، فيقول: ربّ فنيت الدنيا، فيقول للملائكة: خذوا من أعماله فأعطوا كلّ إنسان بقدر طلبته، فإن كان ولياً لله عزَّ وجل وفضلت له من حسناته مثقال حبّة من خردل ضاعفها حتى يدخله بها الجنة، ثم قرأ ابن مسعود: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا}تفسير : [النساء: 40]. وإن كان شقيّاً قالت الملائكة: ربّ فنيتْ حسناته وبقي طالبون، فيقول: خذوا من أعمالهم السيئة فأضيفوها إلى سيئاته وصكّوا له صكاً الى النار. { فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فأُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ} تسفع {وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ} عابسون عن ابن عباس، وقال غيره: الكلوح أن تتقلص الشفتان عن الإنسان حتى تبدو الأسنان. قال ابن مسعود: ألم تر إلى الرأس المشيّظ بالنار قد بدت أسنانه وقلصت شفتاه. قال الأعشى: شعر : وله المقْدم لا مثل له ساعة الشدق عن الناب كلح تفسير : أخبرني الحسين بن محمد بن الحسين قال: حدَّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان بن عبد الله قال: حدَّثنا محمد بن إسحاق المسوحي قال: حدَّثنا يحيى الحماني قال: حدَّثنا ابن مبارك عن سعيد بن يزيد أبي شجاع عن أبي السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله عزَّ وجلّ {تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ} قال: "حديث : تشويه النار فتتقلّص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخي شفته السفلى حتى تبلغ سرته ". تفسير : {أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا} التي كتبت علينا، قرأ أهل الكوفة غير عاصم: شقاوتنا بالألف وفتح الشين، غيرهم: شِقوتنا بغير ألف وكسر الشين وهما لغتان، وهي المضرّة اللاحقة في العاقبة، والسعادة هي المنفعة اللاحقة في العاقبة. {وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ} عن الهدى {رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا} أي من النار {فَإِنْ عُدْنَا} لما تكره {فَإِنَّا ظَالِمُونَ} فيجابون بعد ألف سنة {ٱخْسَئُواْ فِيهَا} أي ابعدوا، كما يقال للكلب: اخسأ إذا طُرد وأُبعد {وَلاَ تُكَلِّمُونِ} في رفع العذاب فإنّي لا أرفعه عنكم ولا أخفّفه عليكم، وقيل: هو دلالة على الغضب اللازم لهم فعند ذلك أيس المساكين من الفرج. قال الحسن: هو آخر كلام يتكلّم به أهل النار ثم لا يتكلّمون بعدها إلاّ الشهيق والزفير ويصير لهم عواء كعواء الكلب لا يُفهمون ولا يَفهَمون. {إِنَّهُ} هذه الهاء عماد وتسمّى أيضاً المجهولة {كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي} وهم المؤمنون {يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّاحِمِينَ * فَٱتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً} قرأ أهل المدينة والكوفة إلاّ عاصماً بضم السين ههنا وفي سورة ص، الباقون: بكسرها. قال الخليل وسيبويه: هما لغتان مثل قول العرب: بحر لُجيٌّ ولِجّي، وكوكب دُرّي ودِرِي، وكُرسي وكِرسي. وقال الكسائي والفرّاء: الكسر بمعنى الاستهزاء بالقول، والضم بمعنى التسخير والاستعباد بالفعل، ولم يختلفوا في سورة الزخرف أنّه بالضم لأنّه بمعنى التسخير والاستعباد إلاّ ما روي عن ابن محيص أنّه كسره قياساً على سائره وهو غير قوىّ. {حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي} أي أنساكم اشتغالكم بالاستهزاء بهم وتسخيرهم ذكري {وَكُنْتُمْ مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ} نظيره قوله سبحانه {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ}تفسير : [المطففين: 29]. {إِنِّي جَزَيْتُهُمُ ٱلْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوۤاْ} على استهزائكم بهم في الدنيا، والجزاء: مقابلة العمل بما يستحقّ عليه من ثواب أو عقاب. {أَنَّهُمْ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ} قرأ حمزة والكسائي: إنهم بكسر الألف على الاستيناف، والباقون: بفتحه على معنى لأنهم هم الفائزون، ويُحتمل أن يكون نصباً بوقوع الجزاء عليه أنّي جزيتهم اليوم الفوز بالجنة.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ذلك لمجرد أن تحضره سكرات الموت ويُوقِن أنه ميّت تتكشف له الحقائق ويرى ما لا نراه نحن، كما جاء في قوله تعالى: {أية : فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ} تفسير : [ق: 22]. فيتمنى الإنسان أن يرجع إلى الدنيا وهو ما يزال يحتضر، لماذا؟ لأنه رأى الحقيقة التي كان ينكرها ويُكذِّب بها، والذين يشاهدون حال الموتى ساعة الاحتضار يروْنَ منهم إشارات تدلّ على أنهم يروْنَ أشياء لا نراها نحن، كُلٌّ حَسْب حاله وخاتمته. وأذكر حين مات أبي، وكان على صدري ساعتها أنه قال لي: يا أمين - وهذا اسمي في بلدي - كيف تبني كل هذه القصور ولا تخبرني بها؟ والجنود الذين صاحوا في المعركة: هُبِّي يا رياح الجنة. لا بُدَّ أنهم رأوها وشَمُّوا رائحتها، وإلا ما الذي جعلهم يتلهفّون للموت، ويشتاقون للشهادة إلا أنهم يرون حالاً ينتظرهم أفضل مما هم فيه. ومن هؤلاء الصحابي الجليل الذي حدثَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أجر الشهداء عند الله، وكان في يده تمرات أو في فمه يمضغها، فقال: يا رسول الله، أليس بيني وبين الجنة إلا أن أدخل هذه المعركة فأُقتل في سبيل الله؟ قال: نعم، فألقى التمرة من فمه ومضى إلى المعركة. كأنه استكثر أن يقعد عن طلب الجنة مدة مَضْغ هذه التمرات. فإلى هذه الدرجة بلغ يقينُ هؤلاء الرجال في الله وفي رسول الله. ونلحظ في هذه الآية: {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ ..} [المؤمنون: 99] هكذا بصيغة المفرد {قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ} [المؤمنون: 99] جاء بالجمع على سبيل التعظيم، ولم يقل: ربِّ ارجعني، كما جاء في قوله تعالى: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} تفسير : [الحجر: 9]. فهنا الحق - تبارك وتعالى - يُعظِّم ذاته، لكن هذا يُعظِّم الله الآن، وهو في حال الاحتضار، وقد كان كافراً به، وهو في سَعَة الدنيا وبحبوحة العيش. أو: أنه كرر الطلب: أرجعني أرجعني أرجعني، فجمعها الله تعالى. أو: أنه استغاث بالله فقال: ربّ ثم خاطب الملائكة: ارجعون إلى الدنيا. لكن، لماذا الرجوع؟ {لَعَلِّيۤ أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ} أي: أنني تركتُ كثيراً من أعمال الخير، فلعلِّي إنْ رجعتُ بعد أنْ عاينتُ الحقيقة أستدرك ما فاتني من الصالحات، أو لعلِّي أعمل صالحاً فيما تركتُ، لأنني ضننْتُ بمالي وبمجهودي وفَضْلي على الناس، وكنْزتُ المال الكثير، وتركتُه خلفي ثم أُحاسب أنا عليه، فإنْ عُدت قدمته وأنفقته فيما يدخر لي ليوم القيامة. ثم تأتي الإجابة: {كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا ..} [المؤمنون: 100] أي: قوله: ارجعون لعلِّي أعمل صالحاً فيما تركت، إنها مجرد كلمة لا واقع لها، كلمة يقولها وقت الضيق والشدة، فالله تعالى لن يرجعهم، ولو أرجعهم ما فعلوا؛ لذلك نفاها بقوله (كلا) التي ترد على قضايا تريد إثباتها، ويريد الله تعالى نفيها كما ورد في سورة الفجر: {أية : فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ * وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَهَانَنِ} تفسير : [الفجر: 15-16]. فيرد الحق سبحانه: (كلا) لا أنت صادق ولا هو، فليس المال والغِنَى وكثرة العَرض دليل كرامة، ولا الفقر دليل إهانة، فكلتا القضيتين خطأ، بدليل أنك إذا أعطاك الله المال، ثم لا تؤدي فيه حَقَّ الله وحَقَّ العباد، ولا يعينك على أداء ما فُرِض عليك صار المال وبالاً عليك وإهانة لا كرامة. ما جدوى المال إنْ دخلتَ في قوله تعالى: {أية : كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ} تفسير : [الفجر: 17]؟ ساعتها سيكون مالك حُجَّة عليك. كذلك الحال مع مَنْ يظن أن الفقر إهانةٌ، فإنْ سلب الله منك المال الذي يُطغيك فقد أكرمك، وإنْ كنت لا تدري بهذا الإكرام. ثم يقول سبحانه: {وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [المؤمنون: 100] أي: كيف يتمنوْنَ الرجوع وبينهم وبينه برزَخ يمنعهم العودة إلى الدنيا؛ لذلك تُسمَّى الفترة بين الحياة الدنيا والآخرة بالحياة البرزخية، فليست من الدنيا، وليست من الآخرة. وفي موضع آخر يُصوِّر الحق سبحانه هذا الموقف بقوله: {أية : وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ ..} تفسير : [الأنعام: 28] أي: لو رددناهم من الآخرة لعادوا لما كانوا عليه من معصية الله، وإنْ كانت هذه قضية عقلية ففي واقعهم ما يثبت صِدْق هذه القضية، واقرأ فيهم قول الله تعالى: {أية : وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ ..} تفسير : [الإسراء: 83] فأخذ نعمة الله وتقلَّب فيها، ثم تنصَّل من طاعة الله. ويقول تعالى في هذا المعنى أيضاً: {أية : وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ ..} تفسير : [يونس: 12]. إذن: المسألة اضطرارات، كلما اضطروا دَعَوا الله ولجئوا إليه، وتوسَّلوا، فخذوا من واقع حياتهم ما يدل على صِدْق حكمي عليهم لو عادوا من الآخرة. والبرزخ: هو الحاجز بين شيئين، وهذا الحاجز يأخذ قوته من صاحب بنائه، فإنْ كان هذا الحاجز من صناعته - سبحانه وتعالى - فلن ينفذ منه أحد. ومن ذلك قوله تعالى: {أية : مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ} تفسير : [الرحمن: 19-20] وما داما يلتقيان، فما فائدة البرزخ هنا؟ قالوا: نعم يلتقيان، ولا يبغي أحدهما على الآخر؛ لأن المسألة ليست سَدَّاً أو بناءً هندسياً، إنما برزخ خاصٌّ لا يقدر عليه إلا طلاقة القدرة الإلهية التي خرقتْ النواميس، فجعلتْ الماءَ السائلَ جبلاً ، بعد أن ضربه موسى بعصاه، فصار كل فِرْق كالطود العظيم، طلاقة القدرة التي فجرت الحجر عيوناً. إذن: المسألة ليست (ميكانيكا) كما يظن البعض. والبرزخ بين الماء المالح والماء العَذْب آية من آيات الله شاخصة أمامنا، يمكننا جميعاً أنْ نتأكد من صحة هذه الظاهرة. لكن هذا البرزخ من أمامهم، فلماذا قال تعالى: {وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [المؤمنون: 100]. قالوا: لأن اللفظ الواحد يُطلق في اللغة وله معَانٍ عدَّة واللفظ واحد؛ لذلك يُسمُّونه المشترك، فمثلاً كلمة عَيْن تطلق على العين الباصرة، وعلى عين الماء، وعلى الجاسوس، وتُقال للذهب وللفضة، وللرجل البارز في قومه، والسياق هو الذي يُحدِّد المعنى المراد؛ لذلك على السامع أن تكون عنده يقظة ليردّ اللفظ إلى المعنى المناسب لسياقه. وكذلك كلمة (النجم) فتعني الكوكب في السماء، وتعني كذلك مَا لا ساقَ له من النبات، وهو العُشْب الذي ترعاه البهائم، ومنه قول الشاعر: شعر : أُرَاعي النجْمَ في سَيْري إليكُمُ ويرعَاهُ مِنَ البَيْدا جَوَادِيَ تفسير : فكلمة (وراء) تُطلَق ويُراد بها معانٍ عدة، قد تكون متقابلة يُعيِّنها السياق، فتأتي وراء بمعنى (بَعْد) كما في قوله تعالى: {أية : وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} تفسير : [هود: 71] وتأتي بمعنى (غَيْر) كما في قوله تعالى: {أية : فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذٰلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ} تفسير : [المؤمنون: 7]. وتأتي بمعنى (أمام) كما قوله تعالى: {أية : وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً} تفسير : [الكهف: 79] فالملك كان أمامهم ينتظر كل سفينة قادمة. وكذلك في قوله تعالى: {أية : مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ} تفسير : [إبراهيم: 16]. فقوله تعالى: {وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [المؤمنون: 100] أي: أمامهم. ثم يقول الحق سبحانه: {فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى عن حال من حضره الموت، من المفرطين الظالمين، أنه يندم في تلك الحال، إذا رأى مآله، وشاهد قبح أعماله فيطلب الرجعة إلى الدنيا، لا للتمتع بلذاتها واقتطاف شهواتها وإنما ذلك يقول: { لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ } من العمل، وفرطت في جنب الله. { كَلا } أي: لا رجعة له ولا إمهال، قد قضى الله أنهم إليها لا يرجعون، { إِنَّهَا } أي: مقالته التي تمنى فيها الرجوع إلى الدنيا { كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا } أي: مجرد قول باللسان، لا يفيد صاحبه إلا الحسرة والندم، وهو أيضا غير صادق في ذلك، فإنه لو رد لعاد لما نهي عنه. { وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } أي: من أمامهم وبين أيديهم برزخ، وهو الحاجز بين الشيئين، فهو هنا: الحاجز بين الدنيا والآخرة، وفي هذا البرزخ، يتنعم المطيعون، ويعذب العاصون، من موتهم إلى يوم يبعثون، أي: فليعدوا له عدته، وليأخذوا له أهبته.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):