٢٣ - ٱلْمُؤْمِنُون
23 - Al-Mu'minoon (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
101
Tafseer
الرازي
تفسير : إعلم أنه سبحانه لما قال: { أية : وَمِن وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ } تفسير : [المؤمنون: 100] ذكر أحوال ذلك اليوم فقال {فَإِذَا نُفِخَ فِى ٱلصُّورِ } وفيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن الصور آلة إذا نفخ فيها يظهر صوت عظيم، جعله الله تعالى علامة لخراب الدنيا ولإعادة الأموات، روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قرن ينفخ فيه وثانيها: أن المراد من الصور مجموع الصور، والمعنى فإذا نفخ في الصور أرواحها وهو قول الحسن فكان يقرأ بفتح الواو والفتح والكسر عن أبي رزين وهو حجة لمن فسر الصور بجمع صورة وثالثها: أن النفخ في الصور استعارة والمراد منه البعث والحشر، والأول أولى للخبر وفي قوله: { أية : ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ } تفسير : [الزمر: 68] دلالة على أنه ليس المراد نفخ الروح والإحياء لأن ذلك لا يتكرر. أما قوله: {فَلاَ أَنسَـٰبَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءلُونَ } فمن المعلوم أنه سبحانه إذا أعادهم فالأنساب ثابتة لأن المعاد هو الولد والوالد، فلا يجوز أن يكون المراد نفي النسب في الحقيقة بل المراد نفي حكمه. وذلك من وجوه: أحدها: أن من حق النسب أن يقع به التعاطف والتراحم كما يقال في الدنيا: أسألك بالله والرحم أن تفعل كذا. فنفى سبحانه ذلك من حيث إن كل أحد من أهل النار يكون مشغولاً بنفسه وذلك يمنعه من الالتفات إلى النسب، وهكذا الحال في الدنيا لأن الرجل متى وقع في الأمر العظيم من الآلام ينسى ولده ووالده وثانيها: أن من حق النسب أن يحصل به التفاخر في الدنيا، وأن يسأل بعضهم عن كيفية نسب البعض، وفي الآخرة لا يتفرغون لذلك وثالثها: أن يجعل ذلك استعارة عن الخوف الشديد فكل امرىء مشغول بنفسه عن بنيه وأخيه وفصيلته التي تؤويه فكيف بسائر الأمور، قال ابن مسعود رضي الله عنه يؤخذ العبد والأمة يوم القيامة على رؤوس الأشهاد وينادي مناد ألا إن هذا فلان فمن له عليه حق فليأت إلى حقه فتفرح المرأة حينئذ أن يثبت لها حق على أمها أو أختها أو أبيها أو أخيها أو ابنها أو زوجها {فَلاَ أَنسَـٰبَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ } وعن قتادة لا شيء أبغض إلى الإنسان يوم القيامة من أن يرى من يعرفه مخافة أن يثبت له عليه شيء ثم تلا { أية : يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْء مِنْ أَخِيهِ وَأُمّهِ وَأَبِيهِ } تفسير : [عبس: 34] وعن الشعبي قال: قالت عائشة رضي الله عنها يا رسول الله، أما نتعارف يوم القيامة، أسمع الله تعالى يقول: {فَلاَ أَنسَـٰبَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءلُونَ } فقال عليه الصلاة والسلام « حديث : ثلاث مواطن تذهل فيها كل نفس؛ حين يرمي إلى كل إنسان كتابه، وعند الموازين، وعلى جسر جهنم » تفسير : وطعن بعض الملحدة فقال قوله: {وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ } وقوله: { أية : وَلاَ يَسْـئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً } تفسير : [المعارج: 10] يناقض قوله: { أية : وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ } تفسير : [الصافات: 27] وقوله: { أية : يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ } تفسير : [يونس: 45] الجواب: عنه من وجوه: أحدها: أن يوم القيامة مقداره خمسون ألف سنة ففيه أزمنة وأحوال مختلفة فيتعارفون ويتساءلون في بعضها، ويتحيرون في بعضها لشدة الفزع وثانيها: أنه إذا نفخ في الصور نفخة واحدة شغلوا بأنفسهم عن التساؤل، فإذا نفخ فيه أخرى أقبل بعضهم على بعض وقالوا: { أية : يٰوَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمـٰنُ } تفسير : [يس: 52] وثالثها: المراد لا يتساءلون بحقوق النسب ورابعها: أن قوله: {لاَ يَتَسَاءَلُونَ } صفة للكفار وذلك لشدة خوفهم. أما قوله: {فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ } فهو صفة أهل الجنة إذا دخلوها، واعلم أنه سبحانه قد بين أن بعد النفخ في الصور تكون المحاسبة، وشرح أحوال السعداء والأشقياء، وقيل لما بين سبحانه أنه ليس في الآخرة إلا ثقل الموازين وخفتها، وجب أن يكون كل مكلف لا بد وأن يكون من أهل الجنة وأهل الفلاح أو من أهل النار فيبطل بذلك القول بأن فيهم من لا يستحق الثواب والعقاب أو من يتساوى له الثواب والعقاب، ثم إنه سبحانه شرح حال السعداء بقوله: { فَمَن ثَقُلَتْ مَوٰزِينُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } وفي الموازين أقوال: أحدها: أنه استعارة من العدل وثانيها: أن الموازين هي الأعمال الحسنة فمن أتى بما له قدر وخطر فهو الفائز الظافر، ومن أتى بما لا وزن له كقوله تعالى: { أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَعْمَـٰلُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً } تفسير : [النور: 39] فهو خالد في جهنم. قال ابن عباس رضي الله عنهما الموازين جمع موزون وهي الموزونات من الأعمال أي الصالحات التي لها وزن وقدر عند الله تعالى من قوله: { أية : فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَزْناً } تفسير : [الكهف: 105] أي قدراً وثالثها: أنه ميزان له لسان وكفتان يوزن فيه الحسنات في أحسن صورة، والسيئات في أقبح صورة فمن ثقلت حسناته سيق إلى الجنة ومن ثقلت سيئاته فإلى النار، وتمام الكلام في هذا الباب قد تقدم في سورة الأنبياء عليهم السلام. وأما الأشقياء فقد وصفهم الله تعالى بأمور أربعة: أحدها: أنهم خسروا أنفسهم، قال ابن عباس رضي الله عنهما غبنوها بأن صارت منازلهم للمؤمنين، وقيل امتنع انتفاعهم بأنفسهم لكونهم في العذاب وثانيها: قوله: {فِي جَهَنَّمَ خَـٰلِدُونَ } ودلالته على خلود الكفار في النار بينة. قال صاحب «الكشاف»: {فِي جَهَنَّمَ خَـٰلِدُونَ } بدل من خسروا أنفسهم أو خبر بعد خبر لأولئك أو خبر مبتدأ محذوف وثالثها: قوله: {تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ } قال ابن عباس رضي الله عنهما أي تضرب وتأكل لحومهم وجلودهم، قال الزجاج: اللفح والنفخ واحد إلا أن اللفح أشد تأثيراً ورابعها: قوله: {وَهُمْ فِيهَا كَـٰلِحُونَ } والكلوح أن تتقلص الشفتان ويتباعدا عن الأسنان، كما ترى الرؤوس المشوية، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : تشويه النار فتتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخي شفته السفلى حتى تبلغ سرته » تفسير : ، وقرىء (كلحون)، ثم إنه سبحانه لما شرح عذابهم، حكى ما يقال لهم عند ذلك تقريعاً وتوبيخاً، وهو قوله تعالى: {أَلَمْ تَكُنْ ءَايَـٰتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ } ثم إنكم كنتم تكذبون بها مع وضوحها، فلا جرم صرتم مستحقين لما أنتم فيه من العذاب الأليم. قالت المعتزلة: الآية تدل على أنهم إنما وقعوا في ذلك العذاب لسوء أفعالهم، ولو كان فعل العباد بخلق الله تعالى لما صح ذلك والجواب: أن القادر على الطاعة والمعصية إن صدرت المعصية عنه لا لمرجح ألبتة كان صدورها عنه اتفاقياً لا اختيارياً، فوجب أن لا يستحق العقاب، وإن كان لمرجح، فذاك المرجح ليس من فعله وإلا لزم التسلسل، فحينئذ يكون صدور تلك الطاعة عنه اضطرارياً لا اختيارياً، فوجب أن لا يستحق الثواب.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ} المراد بهذا النفخ النفخةُ الثانية. {فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ} قال ابن عباس: لا يفتخرون بالأنساب في الآخرة كما يفتخرون بها في الدنيا، ولا يتساءلون فيها كما يتساءلون في الدنيا؛ من أيّ قبيلة أنت ولا من أيّ نسب، ولا يتعارفون لهَوْل ما أذهلهم. وعن ابن عباس أن ذلك في النفخة الأولى حين يصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله فلا أنساب بينهم يومئذٍ ولا يتساءلون، ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون. وسأل رجل ابن عباس عن هذه الآية وقوله: {أية : فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ} تفسير : [الصافات: 50] فقال: لا يتساءلون في النفخة الأولى؛ لأنه لا يبقى على الأرض حيّ، فلا أنساب ولا تساؤل. وأما قوله: «فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون» فإنهم إذا دخلوا الجنة تساءلوا. وقال ابن مسعود: إنما عنى في هذه الآية النفخة الثانية. وقال أبو عمر زاذان: دخلت على ابن مسعود فوجدت أصحاب الخير واليمنة قد سبقوني إليه، فناديت بأعلى صوتي: يا عبد الله بن مسعود! من أجل أني رجل أعجميّ أدْنيت هؤلاء وأقصيتني! فقال: ادْنُهْ؛ فدنوت، حتى ما كان بيني وبينه جليس فسمعته يقول: يؤخذ بيد العبد أو الأَمَة يوم القيامة فينصب على رؤوس الأوّلين والآخرين ثم ينادي منادٍ: هذا فلان بن فلان، ومن كان له حق فليأت إلى حقه؛ فتفرح المرأة أن يدور لها الحق على أبيها أو على زوجها أو على أخيها أو على ابنها؛ ثم قرأ ابن مسعود: {فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ} فيقول الربّ سبحانه وتعالى: «آت هؤلاء حقوقهم» فيقول: يا ربّ قد فنِيت الدنيا فمن أين أوتيهم؛ فيقول الرب للملائكة: «خذوا من حسناته فأعطوا كل إنسان بقدر طَلِبَتِه» فإن كان وليًّا لله فضلت من حسناته مثقال حبة من خردل فيضاعفها الله تعالى حتى يدخله بها الجنة، ثم قرأ ابن مسعود: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً} تفسير : [النساء: 40]. وإن كان شقياً قالت الملائكة: رب فنِيت حسناته وبقي طالبون؛ فيقول الله تعالى: «خذوا من أعمالهم فأضيفوها إلى سيئاته وصُكُّوا له صَكًّا إلى جَهَنَّمَ».
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى أنه إذا نفخ في الصور نفخة النشور، وقام الناس من القبور، {فَلاَ أَنسَـٰبَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ} أي: لا تنفع الأنساب يومئذ، ولا يرثي والد لولده، ولا يلوي عليه، قال الله تعالى: {أية : وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً يُبَصَّرُونَهُمْ} تفسير : [المعارج: 10 ــــ 11] أي: لايسأل القريب عن قريبه، وهو يبصره، ولو كان عليه من الأوزار ما قد أثقل ظهره، وهو كان أعز الناس عليه في الدنيا، ما التفت إليه، ولا حمل عنه وزن جناح بعوضة، قال الله تعالى: {أية : يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَـٰحِبَتِهُ وَبَنِيهِ لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} تفسير : [عبس: 34 ــــ 37] الآية، وقال ابن مسعود: إذا كان يوم القيامة، جمع الله الأولين والآخرين، ثم نادى مناد: ألا من كان له مظلمة، فليجىء فليأخذ حقه ــــ قال: فيفرح المرء أن يكون له الحق على والده أو ولده أو زوجته، وإن كان صغيراً، ومصداق ذلك في كتاب الله، قال الله تعالى: {فَإِذَا نُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَلاَ أَنسَـٰبَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ} رواه ابن أبي حاتم. وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثتنا أم بكر بنت المسور بن مخرمة عن عبد الله بن أبي رافع عن المسور ــــ هو ابن مخرمة ــــ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : فاطمة بضعة مني، يقبضني ما يقبضها، ويبسطني ما يبسطها، وإن الأنساب تنقطع يوم القيامة، إلا نسبي وسببي وصهري» تفسير : وهذا الحديث له أصل في "الصحيحين" عن المسور بن مخرمة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : فاطمة بضعة مني، يريبني ما يريبها، ويؤذيني ما آذاها».تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو عامر، حدثنا زهير عن عبد الله بن محمد عن حمزة بن أبي سعيد الخدري عن أبيه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على هذا المنبر: «حديث : ما بال رجال يقولون: إن رحم رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تنفع قومه؟ بلى، والله إن رحمي موصولة في الدنيا والآخرة، وإني أيها الناس فرط لكم، إذا جئتم، قال رجل: يا رسول الله أنا فلان بن فلان، وقال أخوه: أنا فلان بن فلان، فأقول لهم: أما النسب، فقد عرفت، ولكنكم أحدثتم بعدي، وارتددتم القهقرى» تفسير : وقد ذكرنا في مسند أمير المؤمنين عمر بن الخطاب من طرق متعددة عنه رضي الله عنه: أنه لما تزوج أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب رضي الله عنهما قال: أما والله ما بي إلا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : كل سبب ونسب، فإنه منقطع يوم القيامة، إلا سببي ونسبي» تفسير : رواه الطبراني والبزار والهيثم بن كليب والبيهقي، والحافظ الضياء في المختارة، وذكر أنه أصدقها أربعين ألفاً؛ إعظاماً وإكراماً، رضي الله عنه، فقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة أبي العاص بن الربيع زوج زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم من طريق أبي القاسم البغوي: حدثنا سليمان بن عمر بن الأقطع، حدثنا إبراهيم بن عبد السلام عن إبراهيم بن يزيد عن محمد بن عباد بن جعفر، سمعت ابن عمر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : كل نسب وصهر ينقطع يوم القيامة، إلا نسبي وصهري» تفسير : وروي فيها من طريق عمار بن سيف عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً: «حديث : سألت ربي عز وجل أن لا أتزوج إلى أحد من أمتي، ولا يتزوج إلي أحد منهم إلا كان معي في الجنة، فأعطاني ذلك» تفسير : ومن حديث عمار بن سيف عن إسماعيل عن عبد الله بن عمرو. وقوله تعالى: {فَمَن ثَقُلَتْ مَوَٰزِينُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} أي: من رجحت حسناته على سيئاته، ولو بواحدة، قاله ابن عباس، {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} أي: الذين فازوا، فنجوا من النار، وأدخلوا الجنة، وقال ابن عباس: أولئك الذين فازوا بما طلبوا، ونجوا من شر ما منه هربوا، {وَمَنْ خَفَّتْ مَوَٰزِينُهُ} أي: ثقلت سيئاته على حسناته، {فَأُوْلَـٰۤئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُم} أي: خابوا وهلكوا، وفازوا بالصفقة الخاسرة. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا إسماعيل بن أبي الحارث، حدثنا داود بن المحبر، حدثنا صالح المري عن ثابت البناني وجعفر بن زيد ومنصور بن زاذان عن أنس بن مالك يرفعه قال: «حديث : إن لله ملكاً موكلاً بالميزان، فيؤتى بابن آدم، فيوقف بين كفتي الميزان، فإن ثقل ميزانه، نادى ملك بصوت يسمعه الخلائق: سعد فلان سعادة لا يشقى بعدها أبداً، وإن خف ميزانه، نادى ملك بصوت يسمع الخلائق: شقي فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبداً» تفسير : إسناده ضيعف؛ فإن داود بن المحبر ضعيف متروك، ولهذا قال تعالى: {فِى جَهَنَّمَ خَـٰلِدُونَ} أي: ما كثون فيها، دائمون مقيمون فلا يظعنون، {تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ} كما قال تعالى: {أية : وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمْ ٱلنَّارُ} تفسير : [إبراهيم: 5] وقال تعالى: {أية : لَوْ يَعْلَمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ حِينَ لاَ يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ ٱلنَّارَ وَلاَ عَن ظُهُورِهِمْ} تفسير : [الأنبياء: 39] الآية. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا فروة بن أبي المغراء، حدثنا محمد بن سليمان بن الأصبهاني عن أبي سنان ضرار بن مرة عن عبد الله بن أبي الهذيل عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن جهنم لما سيق لها أهلها، تلقاهم لهبها، ثم تلفحهم لفحة، فلم يبق لهم لحم إلا سقط على العرقوب» تفسير : وقال ابن مردويه: حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى القزاز، حدثنا الخضر بن علي بن يونس القطان، حدثنا عمر بن أبي الحارث بن الخضر القطان، حدثنا سعد بن سعيد المقبري عن أخيه عن أبيه عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول الله تعالى: {تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ} قال: «حديث : تلفحهم لفحة تسيل لحومهم على أعقابهم».تفسير : وقوله تعالى: {وَهُمْ فِيهَا كَـٰلِحُونَ} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يعني: عابسون. وقال الثوري عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود: {وَهُمْ فِيهَا كَـٰلِحُونَ} قال: ألم تر إلى الرأس المشيط الذي قد بدا أسنانه، وقلصت شفتاه؟ وقال الإمام أحمد: أخبرنا علي بن إسحاق، أخبرنا عبد الله ــــ هو ابن المبارك رحمه الله ــــ أخبرنا سعيد بن يزيد عن أبي السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : {وَهُمْ فِيهَا كَـٰلِحُونَ} ــــ قال ــــ تشويه النار، فتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه، وتسترخي شفته السفلى حتى تبلغ سرته» تفسير : ورواه الترمذي عن سويد بن نصر عن عبد الله بن المبارك به، وقال: حسن غريب.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَإِذَا نُفِخَ فِى ٱلصُّورِ } القرن النفخة الأولى {فَلاَ أَنسَٰبَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ } يتفاخرون بها {وَلاَ يَتَسآءَلُونَ } عنها خلاف حالهم في الدنيا لما يشغلهم من عظم الأمر عند ذلك في بعض مواطن القيامة، وفي بعضها يفيقون. وفي آية: { أية : فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ }تفسير : [5:37] .
الماوردي
تفسير : قوله: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ} فيه وجهان: أحدهما: أي لا يتعارفون للهول الذي قد أذهلهم. الثاني: أنهم لا يتواصلون عليها ولا يتقابلون بها مع تعارفهم لقوله تعالى: {أية : يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرءُ مِنْ أَخيهِ} تفسير : [عبس: 34 ] {وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ} فيه وجهان: أحدهما: لا يتساءلون أن يحمل بعضهم عن بعض، أو يعين بعضهم بعضاً، قاله يحيى بن سلام. الثاني: لا يسأل بعضهم بعضاً عن خبره لانشغال كل واحد بنفسه قاله ابن عيسى.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَلا أَنسَابَ} يتواصلون بها، أو لا يتعارفون للهول {وَلا يَتَسَآءَلُونَ} أن يحمل بعضهم عن بعض ولا أن يعين بعضهم بعضاً، أو لا يتساءلون لانشغال كل منهم بنفسه.
النسفي
تفسير : {فَإِذَا نُفِخَ فِى ٱلصُّورِ } قيل: إنها النفخة الثانية {فَلاَ أَنسَـٰبَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ } وبالإدغام: أبو عمرو لاجتماع المثلين وإن كانا من كلمتين يعني يقع التقاطع بينهم حيث يتفرقون مثابين ومعاقبين ولا يكون التواصل بينهم بالأنساب إذ يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه، وإنما يكون بالأعمال. {وَلاَ يَتَسَاءلُونَ } سؤال تواصل كما كانوا يتساءلون في الدنيا لأن كلاً مشغول عن سؤال صاحبه بحاله. ولا تناقض بين هذا وبين قوله {أية : وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ }تفسير : [الصافات: 27] فللقيامة مواطن. ففي موطن يشتد عليهم الخوف فلا يتساءلون، وفي موطن يفيقون فيتساءلون. {فَمَن ثَقُلَتْ مَوٰزِينُهُ } جمع موزون وهي الموزونات من الأعمال الصالحة التي لها وزن وقدر عند الله تعالى من قوله: {أية : فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَزْناً} تفسير : [الكهف: 105] {فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوٰزِينُهُ } بالسيئات والمراد الكفار {فَأُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم } غبنوها {فِى جَهَنَّمَ خَـٰلِدُونَ } بدل من {خسروا أنفسهم} ولا محل للبدل والمبدل منه لأن الصلة لا محل لها أو خبر بعد خبر لـــــ {أولئك} أو خبر مبتدأ محذوف {تَلْفَحُ } أي تحرق {وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَـٰلِحُونَ } عابسون فيقال لهم
ابن عادل
تفسير : قوله: {فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ} الآية لمَّا قال: {أية : وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ} تفسير : [المؤمنون: 100] ذكر أحوال ذلك اليوم فقال: {فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ} وقرأ العامة بضم الصاد وسكون الواو، وهو آلة إذا نُفِخ فيها ظهر صوت عظيم جعله الله علامة لخراب الدنيا ولإعادة الأموات، قال عليه السلام: "حديث : إِنَّه قَرْنٌ يُنفخُ فِيه"تفسير : وقرأ ابن عباس والحسن: بفتح الواو جمع صُورة. والمعنى: فإذا نُفخ في الصور أَرْوَاحها وقرأ أبو رزين: بكسر الصاد وفتح الواو، وهو شاذ. هذا عكس (لُحَى) بضم اللام جمع (لِحْية) بكسرها. وقيل: إنّ النفخ في الصور استعارة، والمراد منه البعث والحشر. قوله: "فَلا أَنْسَابَ" الأنساب جمع نَسَب، وهو القرابة من جهة الولادة، ويُعبّر به عن التواصل، وهو في الأصل مصدر قال: شعر : 3811- لاَ نَسَبَ اليَوْمَ وَلاَ خُلَّةً اتسعَ الخَرْقُ عَلَى الرَّاقِعِ تفسير : قوله: "بَيْنَهُم" يجوز تعلقه بنفس "أَنْسَابَ"، وكذلك "يَوْمَئِذٍ"، أي: فلا قربة بينهم في ذلك اليوم. ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنّه صفة لـ "أَنْسَابَ"، والتنوين في "يَوْمَئِذٍ" عوض عن جملة تقديره: يومئذ نفخ في الصور. فصل من المعلوم أنَّه تعالى إذا أَعادهم فالأنساب ثابتة، لأنّ المعاد هو الولد والوالد، فلا يجوز أن يكونَ المراد نفي النسب حقيقة بل المراد نفي حكمه وذلك من وجوه: أحدها: أنّ من حق النسب أنْ يقع به التعاطف والتراحم كما يُقال في الدنيا: أسألك باللَّه والرحم أن تفعل كذا، فنفى سبحانه ذلك من حيث أنَّ كل أحد من أهل النار يكون مشغولاً بنفسه، وذلك يمنعه من الالتفات إلى النسب كما أنَّ الإنسان في الدنيا إذا كان في آلام عظيمة ينسى ولده ووالده. وثانيها: أنَّ من حق النسب أنْ يحصل به التفاخر في الدنيا، وأنْ يسأل البعض عن أحوال البعض، وفي الآخرة لا يَتَفَرغونَ لذلك. وثالثها: أنّ ذلك عبارة عن الخوف الشديد، فكل امرئٍ مشغول بنفسه عن نسبه وأخيه وفصيلته التي تؤويه. قال ابن مسعود: يؤخذ العبد والأمة يوم القيامة على رؤوس الخلائق ينادي منادٍ ألا إنّ هذا فلان فمن له عليه حق فليأت إلى حقه، فيفرح المرء يومئذ أن يثبت له الحق على أمه أو أخيه أو أبيه ثم قرأ ابن مسعود {فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ} وروى عطاء عن ابن عباس: أنّها النفخة الثانية. {فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ} أي: لا يتفاخرون في الدنيا ولا يتساءلون سؤال تواصل كما كانوا يتساءلون في الدنيا مَنْ أنت؟ ومن أي قبيلة أنت؟ ولم يرد أنّ الأنساب تنقطع. فإن قيل: أليس قد جاء في الحديث: "حديث : كل سَبَبٍ ونسب ينقطع إلا سَبَبِي ونَسَبِي" تفسير : قيل معناه: لا ينفع يوم القيامة سبب ولا نسب إلاّ سببه ونسبه، وهو الإيمان والقرآن. فإن قيل: قد قال ههنا "وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ" وقال: {أية : وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً} تفسير : [المعارج: 10]. وقال {أية : وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ} تفسير : [الصافات: 27]. فالجواب: رُوي عن ابن عباس أنّ للقيامة أحوالاً ومواطن، ففي موطن يشتد عليهم الخوف فيشغلهم عِظَم الأمر عن التساؤل فلا يتساءلون، وفي موطن يفيقون إفاقة يتساءلون. وقيل: إذا نفخ في الصور نفخة واحدة شُغلوا بأنفسهم عن التساؤل، فإذا نفخ فيه أخرى أقبل بعضهم على بعض وقالوا: {أية : يٰوَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا} تفسير : [يس: 52]. وقيل: المراد لا يتساءلون بحقوق النسب. وقيل: "لاَ يَتَسَاءَلُونَ" صفة للكفار لشدة خوفهم، وأمّا قوله: {أية : وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ} تفسير : [الصافات: 27] فهو صفة أهل الجنة إذا دخلوها. وعن الشعبي قالت عائشة: حديث : يا رسول الله أما نتعارف يوم القيامة أسمع الله يقول: {فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ} فقال عليه السلام "ثلاثة مواطن تذهل فيها كُلُّ مرضعةٍ عما أرضعت عند رؤية القيامة وعند الموازين وعلى جسر جهنم ". تفسير : قوله: {فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} لمَّا ذكر القيامة شرح أحوال السعداء والأشقياء. قيل المراد بالموازين الأعمال فمن أُتِيَ بِمَا لَهُ قدر وخطر فهو الفائز المفلح، ومن أتي بِمَا لاَ وزن له ولا قدر فهو الخاسر. وقال ابن عباس: الموازين جمع موزون وهي الموزونات من الأعمال الصالحة التي لها وزن وقدر عند الله من قوله: {أية : فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَزْناً} تفسير : [الكهف: 105] أي: قدراً وقيل: ميزان له لسان وكفتان يوزن به الحسنات في أحسن صورة، والسيّئات في أقبح صورة. وتقدّم ذلك في سورة الأنبياء. قوله: {وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فأُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ} قال ابن عباس: غبنوها بأن صارت منازلهم للمؤمنين. وقيل: امتنع انتفاعهم بأنفسهم لكونهم في العذاب. قوله: {فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ} يجوز أن يكون "خَالِدُونَ" خبراً ثانياً لـ (أُولَئِكَ)، وأن يكون خبر مبتدأ مضمر، أي: هم خالدون. وقال الزمخشري: {فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ} بدل من "خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ"، ولا محل للبدل والمبدل منه، لأنّ الصلة لا محل لها. قال أبو حيان: جعل "فِي جَهَنَّمَ" بدلاً من (خَسِرُوا)، وهذا بدل غريب، وحقيقته أن يكون البدل الفعل الذي تعلق به "فِي جَهَنَّمَ" أي: استقروا في جهنم وهو بدل شيء من شيء لأنّ من خسر نفسه استقر في جهنم. قال شهاب الدين: فجعل الشيخ الجار والمجرور البدل دون "خالدون"، والزمخشري جعل جميع ذلك بدلاً، بدليل قوله بعد ذلك: أو خبراً بعد خبر، لـ "أُولَئِكَ" أو خبر مبتدأ محذوف. وهذان إنّما يليقان بـ "خَالِدُونَ"، وأما "فِي جهنَّم" فمتعلق به، فيحتاج كلام الزمخشري إلى جواب، وأيضاً فيصير "خَالِدُونَ" معلقاً. وجوَّز أبو البقاء أن يكون الموصول نعتاً لاسم الإشارة، وفيه نظر، إذ الظاهر كونه خبراً له. قوله: "تَلْفَحُ" يجوز استئنافه، ويجوز حَالِيته، ويجوز كونه خبراً لـ "أُولَئِك". واللَّفْحُ إصابة النار الشيء بِوَهجها وإحراقها له، وهو أشدُّ من النفح، وقد تقدّم النفح في الأنبياء. قوله: {وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ} الكُلُوح تشمير الشفة العليا، واسترخاء السفلى. قال عليه السلام في قوله: {وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ} قال: "حديث : تَشْويه النَّارُ فَتَقْلِصُ شَفَتُه العُلْيَا حَتّى تَبْلغ وَسَطَ رَأْسِه، وتَسْترخِي شَفَتُهُ السُفْلَى حَتّى تَبْلغَ سُرَّتَهُ"تفسير : . وقال أبو هريرة: يعظم الكافر في النار مسيرة سبع ليال ضرسه مثل أحد، وشفاههم عند سررهم سود زرق خنق مقبوحون. ومنه كُلُوح الأسد أي: تكشيره عن أنيابه، ودهرٌ كالح (وبرد كالح) أي: شديد وقيل الكُلُوح: تقطيب الوجه وتسوره، وكَلَحَ الرجلُ يَكْلَحُ كُلُوحاً (وكُلاَحاً). قوله: {أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} يعني القرآن تخوفون بها {فكنتم بها تكذبون} قالت المعتزلة دلّت الآية على أنهم إنّما عُذِّبُوا بسوء أفعالهم، ولو كان فعل العبد بخلق الله لما صحّ ذلك. والجواب: أن القادر على الطاعة والمعصية إنْ صدرت المعصية عنه لا لِمُرجح ألبتّة كان صدورها عنه اتفاقيّاً لا اختيارياً فوجب أن لا يستحق العقاب، وإن كان لمرجح فذلك المرجح ليس من فعله وإلاّ لزم التسلسل فحينئذ يكون صدور تلك الطاعة عنه اضطرارياً لا اختيارياً فوجب أن لا يستحق الثواب.
البقاعي
تفسير : ولما غيَّى ذلك بالبعث فتشوفت النفس إلى ما يكون بعده، وكان قد تقدم أن الناس - بعد أن كانوا أمة واحدة في الاجتماع على ربهم - تقطعوا قطعاً، وتحزبوا أحزاباً، وتعاضدوا بحكم ذلك وتناصروا، قال نافياً لذلك: {فإذا نفخ} أي بأسهل أمر النفخة الثانية وهي نفخة النشور، أو الثالثة للصعق {في الصور} فقاموا من القبور أو من الصعق {فلا أنساب} وهي أعظم الأسباب {بينهم} يذكرونها يتفاخرون بها {يومئذ} لما دهمهم من الأمر وشغلهم من البأس ولحقهم من الدهش ورعبهم من الهول وعلموا من عدم نفعها إلا ما أذن الله فيه، بل يفر الإنسان من أقرب الناس إليه، وإنما أنسابهم الأعمال الصالحة {ولا يتساءلون*} أي في التناصر لأنه انكشف لهم أن لا حكم إلا الله وأنه لا تغني نفس عن نفس شيئاً، فتسبب عن ذلك أنه لا نصرة إلا بالأعمال رحم الله بالتيسير لها ثم رحم بقبولها، فلذلك قال: {فمن ثقلت موازينه} أي بالأعمال المقبولة، ولعل الجمع لأن لكل عمل ميزاناً يعرف أنه لا يصلح له غيره، وذلك أدل على القدرة {فأولئك} أي خاصة، ولعله جمع للبشارة بكثرة الناجي بعد أن أفرد الدلالة على كثرة الأعمال أو على عموم الوزن لكل فرد {هم المفلحون*} لأنهم المؤمنون الموصوفون {ومن خفت موازينه} لإعراضه عن تلك الأعمال المؤسسة على الإيمان {فأولئك} خاصة {الذين خسروا أنفسهم} لإهلاكهم إياها باتباعها شهواتها في دار الأعمال وشغلها بأهوائها عن مراتب الكمال؛ ثم علل ذلك أو بينه بقوله: {في جهنم خالدون*} وهي دار لا ينفك أسيرها، ولا ينطفىء سعيرها؛ ثم استأنف قوله: {تلفح} أي تغشى بشديد حرها وسمومها ووهجها {وجوههم النار} فتحرقها فما ظنك بغيرها {وهم فيها كالحون*} أي متقلصو الشفاه عن الأسنان مع عبوسة الوجوه وتجعدها وتقطبها شغل من هو ممتلىء الباطن كراهية لما دهمه من شدة المعاناة وعظيم المقاساة في دار التجهم، كما ترى الرؤس المشوية، ولا يناقض نفي التساؤل هنا إثباته في غيره لأنه في غير تناصر بل في التلاوم والتعاتب والتخاصم على أن المقامات في ذلك اليوم طويلة وكثيرة، فالمقالات والأحوال لأجل ذلك متباينة وكثيرة، وسيأتي عن ابن عباس رضي الله عنهما في سورة الصافات نحو ذلك.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون} قال: حين ينفخ في الصور فلا يبقى حي إلا الله عز وجل. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن السدي {فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون} قال: في النفخة الأولى. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في الآية قال: ليس أحد من الناس يسأل أحداً بنسبه ولا بقرابته شيئاً. وأخرج ابن جرير عن ابن جريج في الآية قال: لا يسأل أحد يومئذ بنسب شيئاً ولا ينمي إليه برحم. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه سئل عن قوله {فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون} وقوله {أية : وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون}تفسير : [الصافات: 27] فقال: إنها مواقف. فأما الموقف الذي لا أنساب بينهم ولا يتساءلون عند الصعقة الأولى لا أنساب بينهم فيها إذا صعقوا، فإذا كانت النفخة الآخرة فإذا هم قيام يتساءلون. وأخرج ابن جرير والحاكم وصححه من وجه آخر عن ابن عباس أنه سئل عن الآيتين فقال: أما قوله {ولا يتساءلون} فهذا في النفخة الأولى حين لا يبقى على الأرض شيء. وأما قوله {أية : فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون}تفسير : [الصافات: 27] فإنهم لما دخلوا الجنة أقبل بعضهم على بعض يتساءلون. وأخرج ابن المبارك في الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية وابن عساكر عن ابن مسعود قال: إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين - وفي لفظ : يؤخذ بيد العبد أو الأمة يوم القيامة على رؤؤس الأوّلين والآخرين - ثم ينادي مناد ألا إن هذا فلان ابن فلان فمن كان له حق قبله فليأت إلى حقه - فيفرح - والله - المرء أن يكون له الحق على والده أو زوجته وإن كان صغيراً. ومصداق ذلك في كتاب الله {فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون}. وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: ليس شيء أبغض إلى الإنسان يوم القيامة من أن يرى من يعرفه مخافة أن يدور له عليه شيء، ثم قرأ {أية : يوم يفر المرء من أخيه}تفسير : [عبس: 34]. وأخرج أحمد والطبراني والحاكم والبيهقي في سننه عن المسور بن مخرمة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الأنساب تنقطع يوم القيامة غير نسبي، وسببي، وصهري ". تفسير : وأخرج ابن عساكر عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : كل نسب وصهر ينقطع يوم القيامة إلا نسبي وصهري ".
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ} [الآية: 101]. قال فارس: الأنساب رؤية الأعمال، ورجاء الإخلاص بها، ولا يتساءلون لا يتذاكرون مما جرى عليهم فى الدنيا من نعيمها، وبؤسها شغلاً بما هم فيه.
القشيري
تفسير : يومئذٍ لا تنفع الأنسابُ وتنقطعُ الأسبابُ، ولا ينفع النّدم، وسيلقى كلٌّ غِبَّ ما اجترم؛ فَمَنْ ثَقُلتْ بالخيرات موازينُه لاحَ عليه تزيينُه. ومن ظهرَ ما يشينه فله من البلاء فنونه؛ تلفح وجوههم النار، وتلمح من شواهدهم الآثار، ويتوجه عليهم الحِجاج، فلا جواب لهم يُسْمَع، ولا عُذْر منهم يُقْبل، ولا عذاب عنهم يُرْفَع ولا عقابُ عنهم يُقطَع.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ} اخبر عن اوائل كشف جلاله وجماله فاذا قاموا على بساط الهيبة وسرادق الكبرياء والعزة وعاينوا بالذات القديم ولهوا فى مشاهدته مستغرقين فى بحار انوار جماله وجلاله واشتغلوا ----فى وصاله من وصاله عن موافقة كل رفيق ومصادقة كل صديق وانتسابهم الى الاخرة والمصاحبة ولا يتسالون عند سطوات عظمته حالهم بعضهم بعضا لشغلهم بمعاينة وجوده ونثر جوده فانهم غائبون فى شهودهم مشاهدة قربه ومعانة قدمه وبقائه فنسهبم هناك نسب المعرفة والمحبة الازلية واصطفائية القدمية لا يفتخرون بشئ دون من العرش الى الثرى قال فارس الانساب رؤية الاعمال ورجاء الخلاص بها ولا يتسالون لا يتذاكرون مما جرى عليهم فى الدنيا من نعيهما ويؤسها شغلا بما هو فيه قال محمد على الترمذى الانسان كلها منقطعة الا من كانت نسبته صحيحة فى عبودية ربه فان تلك نسبة لا ينقطع ابدا وتلك النسبة المفتخرة بها لا نسبة الاجناس من الاباء والامهات والاولاد.
اسماعيل حقي
تفسير : {فاذا نفخ فى الصور} لقيام الساعة وهى النفخة الثانية التى عندها البعث والنشور والنفخ نفخ الريح فى الشىء والصور مثل قرن ينفخ فيه فيجعل الله ذلك سببا لعود الارواح الى اجسادها {فلا انساب بينهم} تنفعهم لزوال التراحم والتعاطف من فرط الحيرة واستيلاء الدهشة بحيث يفر المرء من اخيه وامه وابيه وصاحبته وبنيه او لا انساب يفتخرون بها والنسب القرابة بين اثنين فصاعدا اى اشتراك من جهة احد الابوين وذلك ضربان نسب بالطول كالاشتراك بين الاباء والابناء ونسب بالعرض كالنسب بين الاخوة وبنى الاعمام {يومئذ} كما بينهم اليوم {ولا يتساءلون} اى لا يسأل بعضهم بعضا فلا يقول له من انت ومن أى قبيلة ونسب انت ونحو ذلك لاشتغال كل منهم بنفسه لشدة الهول فلا يتعارفون ولا يتساءلون كما انه اذا عظم الامر فى الدنيا لم يتعرف الوالد لولده ولا يناقضه قوله تعالى {أية : فاقبل بعضهم على بعض يتساءلون}تفسير : لان عدم التساؤل عند ابتداء النفخة الثانية قبل المحاسبة والتساؤل بعد ذلك وايضا يوم القيامة يوم طويل فيه خمسون موطنا كل موطن الف سنة ففى موطن يشتد عليم الهول والفزع بحيث يشغلهم عن التساؤل والتعارف فلا يفطنون لذلك وفى موطن يفيقون افاقة فيتساءلون وتتعارفون، وعن الشعبى قالت عائشة رضى الله عنها يا رسول الله اما نتعارف يوم القيامة اسمع الله يقول {فلا انساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون} فقال عليه السلام "حديث : ثلاثة مواطن تذهل فيها كل نفس حين يرمى الى كل انسان كتابه وعند الموازين وعلى جسر جهنم"تفسير : قال ابن مسعود رضى الله عنه يؤخذ بيد العبد والامة يوم القيامة فينصب على رؤس الاولين والآخرين ثم ينادى مناد ألا ان هذا فلان ابن فلان فمن كان له عليه حق فليأت الى حقه فيفرح العبد يومئذ ان يثبت له حق على والده وولده او زوجته واخيه فلا انساب بينهم يومئذ، وعن قتادة لاشىء ابغض الى الانسان يوم القيامة من ان يرى من يعرفه ان يثبت له عليه شىء ثم تلا {أية : يوم يفر المرء من اخيه}تفسير : الآية، قال محمد بن على الترمذى قدس سره الانساب كلها منقطعة الا من كانت نسبته صحيحة فى عبودية ربه فان تلك نسبة لاتنقطع ابدا وتلك النسبة المفتخر بها لانسبة الاجناس من الآباء والامهات والاولاد، قال الاصمعى كنت اطوف بالكعبة فى ليلة مقمرة فسمعت صوتا حزينا فتبعت الصوت فاذا انا بشاب حسن ظريف تعلق باستار الكعبة وهو يقول نامت العيون وغارت النجوم وانت الملك الحى القيوم وقد غلقت الملوك ابوابها واقامت عليها حرسها وحجابها وبابك مفتوح للسائلين فها انا سائلك ببابك مذنبا فقيرا مسكينا اسيرا جئت انتظر رحمتك يا ارحم الرحمين ثم انشأ يقول شعر : يامن يجيب دعا المضطر فى الظلم يا كاشف الضر والبلوى مع القسم قد نام وفدى حول البيت وانتبهوا وانت ياحى ياقيوم لم تنم ادعوك ربى ومولاى ومستندى فارحم بكائى بحق البيت والحرم انت الغفور فجد لى منك مغفرة اواعف عنى ياذا الجود والنعم ان كان عفوك لا يرجوه ذو جرم فمن يجود على العاصين بالكرم تفسير : ثم رفع رأسه نحو السماء وهو ينادى يا الهى وسيدى مولاى ان اطعتك فلك المنة على وان عصيتك فبجهلى فلك الحجة على اللهم فباظهار منتك على واثبات حجتك لدىّ ارحمنى واغفر ذنوبى ولا تحرمنى رؤية جدى قرة عينى وحبيبك وصفيك ونبيك محمد صلى الله عليه وسلم ثم انشأ يقول شعر : ألا ايها المأمول فى كل شدة اليك شكوت الضر فارحم شكايتى ألا يارجائى انت كاشف كربتى فهب لى ذنوبى كلها واقض حاجتى فزادى قليل مااراه مبلغى على الزاد ابكى ام لبعد مسافتى اتيت باعمال قباح رديئة وما فى الورى خلق جنى كجنايتى تفسير : فكان يكرر هذه الابيات حتى سقط على الارض مغشيا عليه فدنوت منه فاذا هو زين العابدين على بن الحسين بن على بن ابى طالب فوضعت رأسه فى حجرى وبكيت لبكائه بكاء شديدا شفقة عليه فقطر من دموعى على وجهه فافاق من غيشته وفتح عينه وقال من الذى شغلنى عن ذكر مولاى فقلت انا الاصمعى يا سيدى ما هذا البكاء وماهذا الجزع وانت من اهل بيت النبوة ومعدن الرسالة أليس الله يقول {أية : انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا}تفسير : قال فاستوى جالسا وقال يا اصمعى هيهات ان الله تعالى خلق الجنة لمن اطاعه وان كان عبدا حبشيا خلق النار لمن عصاه وان كان ملكا قرشيا اما سمعت قوله تعالى {فاذا نفخ فى الصور فلا انساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون}. وفى التأويلات النجمية يشير الى ان نفحة العناية الربوبية اذا نفخت فى صور القلب قامت القيامة وانقطعت الاسباب فلا يلتفت احد الى احد من انسابه لا الى اهل ولا الى ولد لاشتغاله بطلب الحق تعالى واستغراقه فى بحر المحبة فلا يسأل بعضهم بعضا عم تركوا من اسباب الدنيا ولا عن احوال اهاليهم واخدانهم واوطانهم واذا فارقوها كان لكل امرىء منهم يومئذ شأن فى طلب الحق يغنيه عن مطالبة الغير.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {فإذا نُفخ في الصور} لقيام الساعة، وهي نفخة البعث والنشور، وقيل: فإذا نفخ في الأجسادِ أرواحها، على أن الصور جمع صورة، ويؤيده القراءة بفتح الواو مع الضم، وبه مع كسر الصاد. {فلا أنساب بينهم يومئذٍ} تنفعهم، لزوال التراحم والتعاطف بينهم؛ من فرط الحيرة واستيلاء الدهشة، بحيث يفر المرءُ من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه. قال ابن عباس: (لا يفتخرون بالأنساب والأحساب في الآخرة، كما كانوا يفتخرون في الدنيا) {ولا يتساءلون} لا يسأل بعضهم بعضاً؛ لاشتغال كل منهم بنفسه، ولا يناقضه قوله تعالى: {أية : وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ}تفسير : [الصافات: 27]؛ لأن هذا - أي: سكوتهم - عند ابتداء النفخة الثانية، وذلك بعدها؛ لأن يوم القيامة ألوان، تارة يبهتون ولا يتساءلون،وتارة يفيقون، فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون. وقال ابن عباس: إنما عنى النفخة الأولى، حين يصعق الناس، (فلا أنساب بينهم يومئذٍ ولا يتساءلون)،{أية : ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ}تفسير : [الزمر: 68]، {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ}. نقله الثعلبي. {فمن ثَقُلَتْ موازينهُ} أي: موزونات حسناته من العقائد الصحيحة والأعمال الصالحة، {فأولئك هم المفلحون}؛ الفائزون بكل مرغوب، الناجون من كل مرهوب، {ومن خفت موازينهُ} أي: ومن لم يكن له من العقائد والأعمال ما يوزن - وهم الكفار - لقوله: {أية : فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَزْناً}تفسير : [الكهف: 105]، وتقدم ما فيه. {فأولئك الذين خسروا أنفسهم}: ضيعوها بتضييع زمان استكمالها، وأبطلوا استعدادها لنيل كمالها، {في جهنم خالدون}، وهو خبر ثان لأولئك، أو بدل من الصلة، وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (يؤخذ بيد العبدِ أو الأمة يوم القيامة، فينصب على رؤوس الأولين والآخرين، ثم ينادي مناد: هذا فلان بن فلان، من كان له حق فليأت إلى حقه، فتفرح المرأة أن يدور لها الحق على ابنها، أو على زوجها، أو على أبيها، أو على أخيها، ثم قرأ ابن مسعود: {فلا أنساب بينهم يومئذٍ ولا يتساءلون}، ثم يقول الرب تعالى: آت هؤلاء حقوقهم، فيقول ربِّ، فنيت الدنيا؛ فمن أين آتيهم؟ فيقول للملائكة: خذوا من حسناته فأعطوا كل إنسان بقدر طلْبته...) إلخ الحديث، انظر النسفي. قال تعالى: {تلفح وجوهَهُم النار}؛ تحرقها، واللفح كالنفخ، إلاَّ أنه أشد تأثيراً منه، وتخصيص الوجوه بذلك؛ لأنها أشرف الأعضاء. {وهم فيها كالحون}: عابسون من شدة الإحراق، والكلوح: تقلص الشفتين من الإنسان، قال النبي صلى الله عليه وسلم في كالحون: "حديث : تَشْوِيهِ النَّارُ فَتَقلَّص شَفَتَهُ العُلْيَا، حَتَّى تَبْلُغَ وَسَطَ رَأَسِهِ، وَتَسْتَرخِي السُّفْلَى حَتَّى تَبْلُغَ سُرَّته" تفسير : . فيقال لهم - تعنيفاً وتذكيراً لما به استحقوا ما ابتلوا به: {ألم تكن آياتي} أي: القرآن {تُتْلَى عليكم} في الدنيا {فكنتم بها تُكذِّبون} حينئذٍ، فذوقوا وبال ما كنتم به تكذبون. نسأل الله التوفيق والهداية. الإشارة: قال الترمذي الحكيم: الأنساب كلها منقطعة إلا من كانت نسبته صحيحة في عبودية ربه، فإن تلك نسبة لا تنقطع أبداً، وتلك النسبة المفتخر بها، لا نسبة الأجناس من الآباء والأمهات والأولاد. هـ. وقال الورتجبي: عند المعاينة والمشاهدة بوجوده ونشر جوده، نسبهم هناك نسب المعرفة والمحبة الأزلية، واصطفائيته القدسية، لا يفتخرون بشيء دونه، من العرش إلى الثرى، ولا يتساءلون؛ شغلاً بما هم فيه. هـ. ومعنى كلام الشيخين: أن العبد، إذا صحت نسبته إلى مولاه، وانقطع بكليته إليه، ورفض كل ما سواه، اتصلت نسبته، ودامت محبته وأنسه، ومن تعلق بغيره، وتودد إلى سواه، انقطع ذلك وانفصل، ومن النسب التي تتصل وتدوم، النسبة إلى أولياء الله، والتحبب إليهم وخدمتهم، وهي في الحقيقة من نسبة الله تعالى؛ لأنها سبب معرفته والتحقق بعبوديته، فهي عينها، فمن انتسب إليهم فقد انتسب إلى الله، ومن أحبهم فإنما أحب الله، فمحبتهم، والاجتماع معهم يؤدي إلى محبة الله ورضوانه، وهم الذين يكونون عن يمين الرحمن، يغشى نورُهُم الناس يوم القيامة، يغبطهم النبيون والشهداء؛ لمنزلتهم عند الله. قال عليه الصلاة والسلام: لما سئل عنهم: "حديث : هم رجال من قبائل شتى، يجتمعون على ذكر الله ومحبته" تفسير : أو كما قال صلى الله عليه وسلم كما في الحديث. والله تعالى أعلم. ثمَّ ذكر جواب أهل النار
الطوسي
تفسير : قوله تعالى {فإذا نفخ في الصور} ليوم الحشر والجزاء ومعنى نفخ الصور: هو علامة لوقت اعادة الخلق. وفي تصورهم الاخبار عن تلك الحال صلاح لهم في الدنيا، لانهم على ما اعتادوه فى الدنيا من بوق الرحيل والقدوم. وقال الحسن: الصور جمع صورة أي إذا نفخ فيها الأرواح واعيدت احياء. وقال قوم: هو قرن ينفخ فيه إسرافيل بالصوت العظيم الهائل، على ما وصفه الله. وقوله {فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون} اخبار منه تعالى عن هول ذلك اليوم، فانهم لا يتواصلون هناك بالانساب، ولا يحنون اليها، لشغل كل انسان بنفسه. وقيل معناه: انهم لا يتناسبون في ذلك اليوم، ليعرف بعضهم بعضاً من أجل شغله بنفسه عن غيره. وقال الحسن: معناه لا أنساب بينهم يتعاطفون بها، وإن كانت المعرفة بأنسابهم حاصلة بدلالة قوله {أية : يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه} تفسير : فاثبت انهم يعرفون أقاربهم وإن هربهم منهم لاشتغالهم بنفوسهم، والنسب هو إضافة الى قرابة في الولادة. وقوله {ولا يتساءلون} معناه لا يسأل بعضهم بعضاً عن خبره وحاله، كما كانوا فى الدنيا، لشغل كل واحد منهم بنفسه. وقيل: لا يسأل بعضهم بعضاً أن يحمل عنه من ذنوبه شيئاً. ولا يناقض ذلك قوله {أية : وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون} تفسير : لان هناك مواطن، فمنها ما يشغلهم من عظيم الأمر الذي ورد عليهم عن المساءلة، ومنها حال يفيقون فيها فيتساءلون. وقال ابن عباس: قوله {فإذا نفخ في الصور} يعني النفخة الاولى التي يهلك عندها الخلق، فلا احد يبقى، ولا نسب هناك ولا تساؤل. وقوله {وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون} فذلك عند دخولهم الجنة، فانه يسأل بعضهم بعضاً، وهو قول السدي. وقوله {فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون} اخبار منه تعالى أن من عظمت طاعاته وسلمت من الاحباط - فى قول من يقول بذلك - ومن لا يقول بالاحباط فمعناه عندهم: إن من كثرت طاعاته، وهو غير مستحق للعقاب، فان اولئك هم المفلحون الفائزون. {ومن خفت موازينه} بأن يكون احبطت طاعاته، لكثرة معاصيه. ومن لا يقول بالاحباط، قال: معناه من لم يكن معه شيء من الطاعات وإنما معهم المعاصي، لان الميزان إذا لم يكن فيه شيء يوصف بالخفة، كما يوصف بالخفة إذا كان فيه شيء يسير في مقابلته ما هو أضعافه، فان من هذه صورته {فأولئك الذين خسروا أنفسهم} لأنهم أهلكوها بالمعاصي التي استحقوا بها العقاب الدائم، وهم {في جهنم} مؤبدون {خالدون}. وقال الحسن والجبائي وغيرهما: هناك ميزان له كفتان ولسان. واختلفوا: فمنهم من قال: يوزن بها صحف الأعمال. وقال بعضهم: يظهر فى احدى الكفتين النور، وفي الأخرى الظلمة، فأيهما رجح تبينت الملائكة المستحق للثواب من المستحق للعقاب. وقال قتادة والبلخي: الميزان عبارة عن معادلة الاعمال بالحق. وبيان أنه ليس هناك مجازفة ولا تفريط. ثم اخبر تعالى بأن النار التي يجعلون فيها {تلفح وجوههم} وانهم فيها {كالحون} يقال: لفح ونفح بمعنى واحد، غير أن اللفح أعظم من النفخ. واشد تأثيراً، وهو ضرب من السموم للوجه، والنفح ضرب الريح للوجه، والكلوح تقلص الشفتين عن الاسنان حتى تبدو الأسنان، قال الاعشى: شعر : وله المقدم لا مثل له ساعة الشدق عن الناب كلح
الجنابذي
تفسير : {فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ} الصّور بضمّ الصّاد وسكون الواو القرن الّذى ينفخ فيه. شرح فى نفخ الصّور ورد فى الخبار انّه قرن من نورٍ ينفخ فيه اسرافيل وله رأس وطرفان فينفخ فيه اسرافيل فيخرج الصّوت من الطّرف الّذى يلى الارض فيموت اهل الارض، ويخرج الصّوت من الطّرف الّذى يلى السّماوات فيموت اهل السّماوات ثمّ يمكث الارض والسّماوات خالية من اهلها وسكّانها ما شاء الله بعدما امات الله جبرائيل وميكائيل واسرافيل وعزرائيل ثمّ ينفخ الله فى الصّور او يبعث الله اسرافيل فيأمره فينفخ فى الصّور مرّة اخرى وله ثقب بعدد ارواح الخلائق فيخرج الصّوت من احد طرفيه الّذى يلى السّماوات فلا يبقى فى السّماوات احد إلاّ حيى وقام كما كان ويعود حملة العرش ويحضر الجنّة والنّار وتحشر الخلائق للحساب، وقيل: انّ الصّور ههنا وفى غير هذا الموضع ممّا ذكر من امثال الآية جمع الصّورة ويؤيّد هذا قراءته بضمّ الصّاد وفتح الواو وبكسر الصّاد وفتح الواو فانّهما ليسا الاّ جمع الصّورة بمعنى الشّكل والهيئة، ونسب الى السّجّاد (ع) انّه سئل عن النفختين كم بينهما؟- قال: ما شاء الله، قيل: فأخبرنى يابن رسول الله (ص) كيف ينفخ فيه؟- فقال: امّا النّفخة الاولى فانّ الله عزّ وجلّ يأمر اسرافيل فيهبط الى الدّنيا ومعه الصّور وللصّور رأس واحد وطرفان وبين رأس كلّ طرف منهما الى الآخر مثل ما بين السّماء الى الارض، فاذا رأت الملائكة اسرافيل قد هبط الى الدّنيا ومعه الصّور قالوا: قد اذن الله تعالى فى موت اهل الارض وفى موت اهل السّماء، قال: فيهبط اسرافيل بحظيرة بيت المقدّس وهو مستقبل الكعبة فاذا رآه اهل الارض قالوا: قد اذن الله تعالى فى موت اهل الارض فينفخ نفخة فيخرج الصّوت من الطّرف الّذى يلى الارض فلا يبقى فى الارض ذو روحٍ الاّ صعق ومات، ويخرج الصّوت من الطّرف الّذى يلى السّماوات فلا يبقى فى السّماوات ذو روحٍ الاّ صعق ومات الاّ اسرافيل، قال (ع): فيقول الله لاسرافيل: يا اسرافيل مُت؛ فيموت اسرافيل، فيمكثون فى ذلك ما شاء الله، ثمّ يأمر السّماوات فتمور، ويأمر الجبال فتسير؛ وهو قوله تعالى {أية : يَوْمَ تَمُورُ ٱلسَّمَآءُ مَوْراً، وَتَسِيرُ ٱلْجِبَالُ سَيْراً} تفسير : [الطور:9-10] يعنى يبسط ويبدّل الارض غير الارض يعنى بأرض لم تكسب عليها الذّنوب بارزةً ليس عليها جبال ولا نبات كما دحاها اوّل مرةٍ ويعيد عرشه على الماء كما كان اوّل مرّة مستقلاًّ بعظمته وقدرته قال (ع): فعند ذلك ينادى الجبّار تبارك وتعالى بصوتٍ من قبله جَهْوََرىّ يسمع اقطار السّماوات والارضين: {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ} تفسير : [غافر: 16] - فلا يجيبه مجيب فعند ذلك يقول الجبّار عزّ وجلّ مجيباً لنفسه: {أية : لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ} تفسير : [غافر: 16]، وانا قهرت الخلائق كلّهم وامتّهم انّى انا الله لا اله الاّ انا وحدى، لا شريك لى ولا وزير، وانا خلقت خلقى بيدى، وانا امتّهم بمشيّتى، وانا احييهم بقدرتى، قال (ع): فينفخ الجبّار نفخة اخرى فى الصّور فيخرج من احد الطّرفين الّذى يلى السّماوات فلا يبقى فى السّماوات احداً لا حيّى وقام كما كان، ويعود حملة العرش ويحضر الجنّة والنّار ويحشر الخلائق للحساب، وقد ورد غير ذلك من الاخبار مفصّلاً من اراد فليرجع الى المفصّلات. ولمّا كانت النّسب الجسمانيّة من التّناسب والمصاهره وهكذا ولاء العتق لا تحصل الاّ بتوسّط المادّة الجسمانيّة والاعتبارات الجرمانيّة سواء حصل التّناسب بين النّفسين بتلك النّسبة الجسمانيّة او لم يحصل، وبالنّفخة الاولى يخلص النّفوس من المادّة الجرمانيّة سواء صارت متعلّقة بابدانٍ مثاليّة او كانت مجرّدة عن ذلك، وبالنّفخة الثّانية لا تعود الموادّ بل الاجسام مجرّدة عن موادّها كان كلّ نسبة وخلّة جسمانيّة منقطعةً فى النّفختين الاّ النّسب الرّوحانيّة الّتى تحصل للانسان باحدى البيعتين او بالسّنخيّة والتّوادد بين المتناسبين فلا يبقى انساب جسمانيّة بينهم {يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ} امّا فى النّفخة الاولى فظاهر وامّا فى النّفخة الثّانية ففى موقف الحساب لا فى جميع المواقف فانّ فى بعض المواقف يُقبل بعضهم على بعضٍ يتساءلون.
فرات الكوفي
تفسير : {فاذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذٍ ولا يتساءلون101} [سيأتي في الرواية الأولى والثانية من ذيل الآية 90/ النمل 27 ما يرتبط بهذه الآية عن علي بن أبي طالب عليه السلام].
الهواري
تفسير : قوله: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ}. والصور قرن. وقد فسّرناه قبل هذا الموضع. قوله: {فَلآ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ}. ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ثلاثة مواطن لا يسأل فيهن أحد أحداً: إذا وضعت الموازين حتى يعلم أيثقل ميزانه أم يخف، وإذا تطايرت الصحف حتى يعلم أيأخذ كتابه بيمينه أم بشماله، وعند الصراط حتى يعلم أيجوز الصراط أم لا يجوز ". تفسير : وفي تفسير عمرو عن الحسن أن أنسابهم يومئذ قائمة معروفة. قال: يقول الله: (أية : يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ) تفسير : [عبس: 34-36]. وقال بعض الكوفيين في قوله تعالى: (أية : يُبَصَّرُونَهُمْ) تفسير : [المعارج: 11]. أي: يرونهم، يقول: يعرفونهم في مواطن ولا يعرفونهم في مواطن. وقال الحسن: {فَلآ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ} يتعاطفون عليها كما كانوا يتعاطفون عليها في الدنيا، {وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ} عليها أي: أن يحمل بعضهم عن بعض كما كانوا يتساءلون في الدنيا بأنسابهم، كما يقول الرجل: أسألك بالله وبالرحم.
اطفيش
تفسير : {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ} القرن نفخة البعث أو نفخة الموت أو نفخة السكر ويناسب السياق والاحق الوجه الاول. وقيل: الصور جمع صورة بدليل قراءة الحسن بضم الصاد وفتح الواو وابي رزين بكسر الصاد وفتح الواو * {فَلآ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ} ينقطع التفاخر بينهم بالانساب والتناصر بها وينقطع السؤال الذي كان بينهم ما حالك وكيف كان كذا ومن اين ومن اي قبيلة؟ وذلك الفزع والتناكر لهول الحشر أو للموت وليس المراد انقطاع النسب بل انقطاع التفاخر أو تقاطعهم حيث يتفرقون معاقبين ومثابين ولا تواصل بينهم إلا بالاعمال أو المراد انقطاعها نفسها مبالغة أو عدمها كأنها عدمت لزوال الانتفاع بها؛ نفى التساؤل هنا وفي غير موضع واثبته في نحو. واقبل بعضهم على بعض يتساءلون وقوله يتعارفون بينهم لان مقداره خمسون ألف سنة يتعارفون في بعضها ويتساءلون وفي بعضها لا يفطنون لذلك لشدة الهول والفزع أو التناكر يكون عند النفخة الاولى أو بعد الحساب أو الدخول وإذا كان البعث تعارفوا وتساءلوا والوجهان الاولان عن ابن عباس. وقرأ ابن مسعود (ولا يسألون) بابدال التاء سينا وادغامها في السين وعن قتادة ليس احد أبغض إلى الانسان في ذلك اليوم ممن يعرف لانه يخاف ان يكون له عنده مظلمة ويفرح المرء ان يكون له حق على ابنه أو ابيه أو كل من يحبه وذلك يوم ينادى فيه على رؤوس الاشهاد الا ان فلانا قد شقي شقاوة لا سعادة بعدها بعد ان يؤخذ بيده ويشهر وفلانا سعد سعادة لا شقاوة بعدها ويأتي كلام في ذلك ان شاء الله.
اطفيش
تفسير : {فإذا نُفخ فى الصُّور} نفخ إسرائيل فى القرن نفخ البعث، أو نفخت الأرواح فى الأجساد على أنه جماعة مفردة صورة، ويدل له قراءة ضم الصاد وفتح الواو، وقراءة كسرها وفتح الواو، والماصدق واحد، لأن النفخ فى القرن يؤدى الى الأجساد {فلا أنساب بينهم يومئذٍ} لا يعتبرونها، ولا تنفعهم كما اعتبروها فى الدنيا، وتدعو بها الى الشرك وغيره، كأنها لم تكن، وكأنهم أجانب فذلك استعارة، أو يقدر نعت أى لا انساب نافعة، ويلتحق بذلك الموحدون، كما جاء عن ابن مسعود: "يبرز الرجل والمرأة للأولين والآخرين وينادى عليه بهذا فلان او فلانة من له عليه حق فليأته فيجب الوالد أو الولد أو الزوج أن يكون له عليه حق". وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : كل نسب ينقلع يوم القيامة إلاَّ نسبى"تفسير : وذلك فيمن آمن به لكن جاء أنه خاطب بنته فاطمة، وعمه العباس، وعمته صفية فقال: "حديث : اعملوا لأنفسكم فإنى لا أغنى عنكم لا يأتينى الناس بأعمالهم وتأتونى بأنسابكم" تفسير : فمن أتى من نسبه بالأعمال الصالحة، والتوبة نفعه نسبه فى زيادة الدرجات، ويوم متعلق بما تعلق به بين أى ثابتة أو ثبتت، أو يبين لنابته عنه. {ولا يتساءلون} يومئذٍ من أنت ومن أى بلد، لشغلهم عن ذلك بشهادة العول، ولا يتساءلون عن الأنساب طمعاً فى النفع بانتفاء النفع، أو لا يتساءلون بالأرحام فى النفع كما فى الدنيا كقوله تعالى: "أية : تساءلون به والأرحام"تفسير : [النساء: 1] فى قراءة الجر، وليس من ذلك قولهم: من بعثنا مع أنه قد لا يكون سؤالا من بعض لبعض، ولا قوله: "أية : وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون"تفسير : [الصافات: 27] بالواو لا بالفاء فانه فى النار، ومع أنه ليس طلب الدفع سوء.
الالوسي
تفسير : {فَإِذَا نُفِخَ فِى ٱلصُّورِ} لقيام الساعة وهي النفخة الثانية التي يقع عندها البعث والنشور، وقيل: المعنى فإذا نفخ في الأجساد أرواحها على أن الصور جمع صورة على نحو بسر وبسرة لا القرن، وأيد بقراءة ابن عباس والحسن وابن عياض {فِى ٱلصُّورِ} بضم الصاد وفتح الواو، وقراءة أبي رزين {فِى ٱلصُّورِ} بكسر الصاد وفتح الواو فإن المذكور في هاتين القراءتين جمع صورة لا بمعنى القرن قطعاً والأصل توافق معاني القراءات، ولا تنافي بين النفخ في الصور بمعنى القرن الذي جاء في الخبر ودلت عليه آيات أخر وبين النفخ في الصور جمع صورة فقد جاء أن هذا النفخ عند ذاك {فَلاَ أَنسَـٰبَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ} أي يوم إذ نفخ في الصور كما هي بينهم اليوم، والمراد أنها لا تنفعهم شيئاً فهي منزلة منزلة العدم لعظم الهول واشتغال كل بنفسه بحيث يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه. وقد أخرج ابن المبارك في «الزهد» وابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم وأبو نعيم في «الحلية» وابن عساكر عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: إذا كان يوم القيامة جمع الله تعالى الأولين والآخرين / وفي لفظ «يؤخذ بيد العبد أو الأمة يوم القيامة على رؤوس الأولين والآخرين ثم ينادي مناد ألا إن هذا فلان بن فلان فمن كان له حق قبله فليأت إلى حقه ـ وفي لفظ ـ من كان له مظلمة فليجيء ليأخذ حقه فيفرح والله المرء أن يكون له الحق على والده أو ولده أو زوجته وإن كان صغيراً ومصداق ذلك في كتاب الله تعالى: {فَإِذَا نُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَلاَ أَنسَـٰبَ بَيْنَهُمْ}» وهذا الأثر يدل على أن هذا الحكم غير خاص بالكفرة بل يعمهم وغيرهم، وقيل: هو خاص بهم كما يقتضيه سياق الآية، وقيل لا ينفع نسب يومئذٍ إلا نسبه صلى الله عليه وسلم. فقد أخرج البزار والطبراني والبيهقي وأبو نعيم والحاكم والضياء في «المختارة» عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببـي ونسبـي » تفسير : . وقد أخرج جماعة نحوه عن مسور بن مخرمة رضي الله تعالى عنه مرفوعاً، وأخرج ابن عساكر نحوه مرفوعاً أيضاً عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما وهو خبر مقبول لا يكاد يرده إلا من في قلبه شائبة نصب، نعم ينبغي القول بأن نفع نسبه صلى الله عليه وسلم إنما هو بالنسبة للمؤمنين الذين تشرفوا به وأما الكافر والعياذ بالله تعالى فلا نفع له بذلك أصلاً، وقد يقال: إن هذا الخبر لا ينافي إرادة العموم في الآية بأن يكون المراد نفي الالتفات إلى الأنساب عقيب النفخة الثانية من غير فصل حسبما يؤذن به الفاء الجزائية فإنها على المختار تدل على التعقيب ويكون المراد تهويل شأن ذلك الوقت ببيان أنه يذهل فيه كل أحد عمن بينه وبينه نسب ولا يلتفت إليه ولا يخطر هو بباله فضلاً عن أنه ينفعه أو لا ينفعه، وهذا لا يدل على عدم نفع كل نسب فضلاً عن عدم نفع نسبه صلى الله عليه وسلم، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وحكي عن الجبائي أن المراد أنه لا يفتخر يومئذٍ بالأنساب كما يفتخر بها في الدنيا وإنما يفتخر هناك بالأعمال والنجاة من الأهوال فحيث لم يفتخر بها ثمت كانت كأنها لم تكن، فعلى هذا وكذا على ما تقدم يكون قوله تعالى: {فَلاَ أَنسَـٰبَ} من باب المجاز. وجوز أن يكون فيه صفة مقدرة أي فلا أنساب نافعة أو ملتفتاً إليها أو مفتخراً بها وليس بذاك، والظاهر أن العامل في {يَوْمَئِذٍ} هو العامل في {بَيْنَهُمْ} لا {أَنسَـٰبَ} لما لا يخفى. {وَلاَ يَتَسَاءلُونَ} أي ولا يسأل بعضهم بعضاً عن حاله وممن هو ونحو ذلك لاشتغال كل منهم بنفسه عن الالتفات إلى أبناء جنسه وذلك عقيب النفخة الثانية من غير فصل أيضاً فهو مقيد بيومئذٍ وإن لم يذكر بعده اكتفاءً بما تقدم، وكأن كلا الحكمين بعد تحقق أمر تلك النفخة لديهم ومعرفة أنها لماذا كانت، وحينئذٍ يجوز أن يقال: إن قولهم: { أية : مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا } تفسير : [يس: 52] قبل تحقق أمر تلك النفخة لديهم فلا إشكال، ويحتمل أن كلا الحكمين في مبدأ الأمر قبل القول المذكور كأنهم حين يسمعون الصيحة يذهلون عن كل شيء الأنساب وغيرها كالنائم إذا صيح به صيحة مفزعة فهب من منامه فزعاً ذاهلاً عمن عنده مثلاً فإذا سكن روعهم في الجملة قال قائلهم: { أية : مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا } تفسير : [يس: 52] وقيل: لا نسلم أن قولهم: { أية : مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا } تفسير : [يس: 52] أنه كان بطريق التساؤل، وعلى الاحتمالين لا يشكل هذا مع قوله تعالى في شأن الكفرة يوم القيامة { أية : وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ } تفسير : [الصافات: 27] وفي شأن المؤمنين { أية : فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ } تفسير : [الصافات: 50] فإن تساؤل الكفرة المنفي في موطن وتساؤلهم المثبت في موطن آخر ولعله عند جهنم وهو بعد النفخة الثانية بكثير، وكذا تساؤل المؤمنين بعدها بكثير أيضاً فإنه في الجنة كما يرشد إليه الرجوع إلى ما قبل الآية، وقد يقال: إن التساؤل المنفي هنا تساؤل التعارف ونحوه مما يترتب عليه دفع مضرة / أو جلب منفعة والتساؤل المثبت لأهل النار تساؤل وراء ذلك وقد بينه سبحانه بقوله عز من قائل: { أية : قَالُواْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ } تفسير : [الصافات: 28] الآية، وقد بين جل وعلا تساؤل أهل الجنة بقوله سبحانه: { أية : قَالَ قَائِلٌ مّنْهُمْ إِنّى كَانَ لِى قَرِينٌ } تفسير : [الصافات: 51] الآية، وهو أيضاً نوع آخر من التساؤل ليس فيه أكثر من الاستئناس دون دفع مضرة عمن يتكلم معه أو جلب منفعة له. وقيل المنفي التساؤل بالأنساب فكأنه قيل لا أنساب بينهم ولا يسأل بعضهم بعضاً بها، والمراد أنها لا تنفع في نفسها وعندهم والآية في شأن الكفرة وتساؤلهم المثبت في آية أخرى ليس تساؤلاً بالأنساب وهو ظاهر فلا إشكال. وروى جماعة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه سئل عن وجه الجمع بين النفي هنا والإثبات في قوله سبحانه: { أية : وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ } تفسير : [الصافات: 27] فقال: إن نفي التساؤل في النفخة الأولى حين لا يبقى على وجه الأرض شيء وإثباته في النفخة الثانية، وعلى هذا فالمراد عنده بقوله تعالى: {فَإِذَا نُفِخَ فِى ٱلصُّورِ} فإذا نفخ النفخة الأولى وهذه إحدى روايتين عنه رضي الله تعالى عنه، والرواية الثانية حمله على النفخة الثانية، وحينئذٍ يختار في وجه الجمع أحد الأوجه التي أشرنا إليها. وقرأ ابن مسعود {وَلاَ يساءلون} بتشديد السين.
ابن عاشور
تفسير : تفريع على قوله { أية : إلى يوم يبعثون } تفسير : [المؤمنون: 100] فإن زمن النفخ في الصور هو يوم البعث فالتقدير: فإذا جاء يوم يبعثون، ولكن عدل عن ذلك إلى {فإذا نفخ في الصور} تصوير لحالة يوم البعث. والصور: البوق الذي ينفخ فيه النافخ للتجمع والنفير، وهو مما ينادى به للحرب وينادى به للصلاة عند اليهود كما جاء في حديث بدء الأذان من «صحيح البخاري». وتقدم ذكر الصور عند قوله تعالى: { أية : وله الملك يوم ينفخ في الصور } تفسير : في سورة الأنعام (73). وأسند {نُفِخ} إلى المجهول لأن المعتنى به هو حدوث النفخ لا تعيين النافخ. وإنما يُنفخ فيه بأمر تكوين من الله تعالى، أو ينفخ فيه أحد الملائكة وقد ورد أنه الملك إسرافيل. والمقصود التفريع الثاني في قوله {فمن ثقلت موازينه} إلى آخره لأنه مناط بيان الرد على قول قائلهم { أية : رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت } تفسير : [المؤمنون: 99، 100] المردود إجمالاً بقوله تعالى { أية : كلا إنها كلمة هو قائلها } تفسير : [المؤمنون: 100] فقدم عليه ما هو كالتمهيد له وهو قوله {فلا أنساب بينهم} إلى آخره مبادرة بتأييسهم من أن تنفعهم أنسابهم أو استنجادهم. والأظهر أن جواب (إذا) هو قوله الآتي { أية : قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين } تفسير : [المؤمنون: 112] كما سيأتي وما بينهما كله اعتراض نشأ بعضه عن بعض. وضمير {بينهم} عائد إلى ما عادت عليه ضمائر جمع الغائبين قبله وهي عائدة إلى المشركين. ومعنى نفي الأنساب نفي آثارها من النجدة والنصر والشفاعة لأن تلك في عرفهم من لوازم القرابة. فقوله {فلا أنساب بينهم} كناية عن عدم النصير. والتساؤل: سؤال بعضهم بعضاً. والمعنيّ به التساؤل المناسب لحلول يوم الهول، وهو أن يسأل بعضهم بعضاً المعونة والنجدة، كقوله تعالى { أية : ولا يسأل حميم حميماً } تفسير : [المعارج: 10]. وأما إثبات التساؤل يومئذ في قوله تعالى { أية : وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين قالوا بل لم تكونوا مؤمنين وما كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم قوماً طاغين فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون فأغويناكم إنا كنا غاوين فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون } تفسير : [الصافات: 27 ـــ 33] فذلك بعد يأسهم من وجود نصير أو شفيع. وفي «البخاري»: أن رجلاً (هو نافع بن الأزرق الخارجي) قال لابن عباس: إني أجد في القرآن أشياء تختلف علي قال {فلا أنساب بينهم يومئذٍ ولا يتساءلون} وقال { أية : وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } تفسير : [الصافات: 27] فقال ابن عباس: أما قوله {فلا أنساب بينهم} فهو في النفخة الأولى فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله فلا أنساب بينهم عند ذلك ولا يتساءلون، ثم في النفخة الآخرة أقبل بعضهم على بعض يتساءلون اهــــ. يريد اختلاف الزمان وهو قريب مما قلناه. وذكر من {ثقلت موازينه} في هذه الآية إدماج للتنويه بالمؤمنين وتهديد المشركين لأن المشركين لا يجدون في موازين الأعمال الصالحة شيئاً، قال تعالى: { أية : وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً }تفسير : [الفرقان: 23]. وتقدم الكلام على نظير قوله { أية : فمن ثقلت موازينه } تفسير : في أول سورة الأعراف (8). والخسارة: نقصان مال التجارة وتقدم في قوله تعالى: {الذين خسروا أنفسهم} في سورة الأنعام (12)، وقوله { أية : فأولئك الذين خسروا أنفسهم } تفسير : في أول الأعراف (9). وهي هنا تمثيل لحال خيبتهم فيما كانوا يأملونه من شفاعة أصنامهم وأن لهم النجاة في الآخرة أو من أنهم غير صائرين إلى البعث، فكذبوا بما جاء به الإسلام وحسبوا أنهم قد أعدوا لأنفسهم الخير فوجدوا ضده فكانت نفوسهم مخسورة كأنها تَلِفَت منهم. ولذلك نصب {أنفسهم} على المفعول بــــ{خسروا}. واسما الإشارة لزيادة تمييز الفريقين بصفاتهم. وجملة {تلفح وجوههم النار} في موضع الحال من {الذين خسروا أنفسهم}. ومعنى {تلفح وجوههم النار} تحرق. واللفح: شدة إصابة النار. والكالح: الذي به الكلوح وهو تقلص الشفتين وظهور الأسنان من أثر تقطب أعصاب الوجه عند شدة الألم.
الشنقيطي
تفسير : في هذه الآية الكريمة، سؤالان معروفان يحتاجان إلى جواب مبين للمقصود مزيل للإشكال. السؤال الأول: أنه تعالى ذكر في هذه الآية: أنه إذا نفخ في الصور، والظاهر أنها النفخة الثانية، أنهم لا أنساب بينهم يومئذ، فيقال: ما وجه نفي الأنساب بينهم، مع أنها باقية كما دل عليه قوله تعالى: {أية : فَإِذَا جَآءَتِ ٱلصَّآخَّةُ يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهُ وَبَنِيهِ}تفسير : [عبس: 33-36] ففي هذه الآية ثبوت الأنساب بينهم. السؤال الثاني: أنه قال: {وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ} مع أنه ذكر في آيات أخر أنهم في الآخرة يتساءلون، كقوله في سورة الطور {أية : وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ}تفسير : [الطور: 25] وقوله في الصافات {أية : فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ}تفسير : [الصافات: 50] إلى غير ذلك من الآيات. وقد ذكرنا الجواب عن هذين السؤالين في كتابنا: دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب بما حاصله: إن الجواب عن السؤال الأول: هو أن المراد بنفي الأنساب انقطاع آثارها، التي كانت مترتبة عليها في دار الدنيا، من التفاخر بالآباء، والنفع والعواطف والصلات. فكل ذلك ينقطع يوم القيامة، ويكون الإنسان لا يهمه إلا نفسه، وليس المراد نفي حقيقة الأنساب، من أصلها بدليل قوله: {أية : يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ}تفسير : [عبس: 34-35] الآية. وإن الجواب عن السؤال الثاني من ثلاثة أوجه: الأول: هو قول من قال: إن نفي السؤال بعد النفخة الأولى، وقبل الثانية، وإثباته بعدهما معاً. وهذا الجواب فيما يظهر لا يخلو من نظر. الثاني: أن نفي السؤال عند اشتغالهم بالصعق والمحاسبة، والجواز على الصراط وإثباته فيما عدا ذلك وهو عن السدي، من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس. الثالث: أن السؤال المنفي سؤال خاص، وهو سؤال بعضهم العفو من بعض، فيما بينهم من الحقوق، لقنوطهم من الإعطاء، ولو كان المسؤول أباً أو ابناً أو أماً أو زوجة، ذكر هذه الأوجه الثلاثة صاحب الإتقان.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: في الصور: أي في القرن المعبر عنه بالبوق نفخة القيام من القبور للحساب والجزاء. المفلحون: أي الفائزون بالنجاة من النار ودخول الجنة. تلفح وجوههم النار: أي تحرقها. وهم فيها كالحون: الكالح من أحرقت النار جلدة وجهه وشفتيه فظهرت أسنانه. ألم تكن آياتي تتلى عليكم: أي يوبخون ويذكرون بالماضي ليحصل لهم الندم والمراد بالآيات آيات القرآن. غلبت علينا شقوتنا: أي الشقاوة الأزلية التي تكتب على العبد في كتاب المقادير قبل وجوده. أخرجنا منها فإن عدنا: أي من النار فإن عدنا إلى الشرك والمعاصي. معنى الآيات: ما زال السياق في تقرير التوحيد والنبوة والبعث والجزاء والدعوة إلى ذلك وعرض الأدلة وتبيينها وتنويعها، إذ لا يمكن استقامة إنسان في تفكيره وخلقه وسلوكه على مناهج الحق والخبر إلا إذا آمن إيماناً راسخاً بوجود الله تعالى ووجوب طاعته وتوحيده في عباداته، وبالواسطة في ذلك وهو الوحي والنبي الموحي إليه، وبالبعث الآخر الذي هو دور الحصاد لما زرع الإِنسان في هذه الحياة من خير وشر فقوله تعالى: {فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ} هذا عرض لما يجري في الآخرة فيخبر تعالى أنه إذا نفخ إسرافيل بإذن الله في الصور الذي هو القرن أي كقرن الشاة لقوله تعالى: {أية : فَإِذَا نُقِرَ فِي ٱلنَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ}تفسير : [المدثر: 8-9] فلشدة الهول وعظيم الفزع لم يبق نسب يراعى أو يلتفت إليه بل كل واحد همه نفسه فقط، ولا يسأل حميم حميماً وسألت عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : قالت: هل تذكرون أهليكم يا رسول الله يوم القيامة فقال أما عند ثلاثة فلا: إذا تطايرت الصحف، وإذا وضع الميزان وإذا نصب الصراط تفسير : ومعنى هذا الحديث واضح والشاهد منه ظاهر وهو أنهم لا يتساءلون. وقوله تعالى: {فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} أي من رجحت كفة حسناته على كفة سيئآته أفلح أي نجا من النار وأدخل الجنة وَمن خفت موازينه بأن حصل العكس فقد خسر وأبعد عن الجنة وأدخل النار وهذا معنى قوله تعالى {وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فأُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ} أي تحرق وجوههم النار فيكلحون باحتراق شفاههم وتظهر أسنانهم وهو أبشع منظر وأسوأه وقوله تعالى: {أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ}؟ هذا يقال لهم تأنيباً وتوبيخاً وهم في جهنم وهو عذاب نفساني مع العذاب الجثماني {أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} أما كان رسلنا يتلون عليكم آياتنا {فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ} بأقوالكم وأعمالكم أو بأعمالكم دون أقوالكم فلم تحرموا ما حرم الله ولم تؤدوا ما أوجب الله، ولم تنتهوا عما نهاكم عنه. وقوله تعالى: {قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا} هذا جوابهم كالمعتذرين بأن شقاءهم كان بقضاء وقدر فلذا حيل بينهم وبين الإِيمان والعمل الصالح. وقوله تعالى: {وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ} هذا قولهم أيضاً وهو اعتراف صريح بأنهم كانوا ضالين. ثم قالوا ما أخبر تعالى به عنهم بقوله: {رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ} هذا دعاؤهم وهم في جهنم يسْألون ربهم أن يردهم إلى الدنيا ليؤمنوا ويستقيموا على صراط الله المستقيم الذي هو الإِسلام وسوف ينتظرون جواب الله تعالى ألف سنة، وهو ما تضمنته الآيات التالية. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير عقيدة البعث والجزاء من خلال عرض أحداثها في هذه الآيات. 2- تقرير أن وزن الأعمال يوم القيامة حق وإنكاره بدعة مكفرة. 3- تقرير أن إسرافيل ينفخ في الصور وإنكار ذلك وتأويله بلفظ الصور كما فعل المراغي عند تفسيره هذه الآية مع الأسف بدعة من البدع المنكرة ولذا نبهت عليها هنا حتى لا يغتر بها المؤمنون. 4- الإِعتذار بالقدر لا ينفع صاحبه، إذ القدر مستور فلا ينظر إليه والعبد مأمور فليؤتمر بأمر الله ورسوله ولينته بنهيهما ما دام العبد قادراً على ذلك فإن عجز فهو معذور.
القطان
تفسير : الصور: بوق ينفخ فيه. لا يتساءلون: لا يسأل بعضهم بعضا، كل واحد مشغول بنفسه. موازينه: بما فيها من حسنات او سيئات. المفلحون: الفائزون. تلفح وجوههم النار: تحرقها. كالحون: مكشرّون عابسون. غلبت علينا شِقوتنا: سوء العاقبة، شقاؤنا من كثرة معاصينا. اخسئوا: كلمة زجر، اسكتوا سكوت ذل وهوان. حتى أنسوكم ذِكري: حتى أنسوكم عبادتي. {فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ} اذا جاء موعد البعث دعوناهم الى الخروج من قبورهم بالنفخ في الصور فيقومون مذهولين، لا تنفع أحداً منهم يومئذ قرابة ولا نسب، ولا يسأل بعضهم بعضا.... كل امرىءٍ مشغولٌ بنفسه {أية : لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ}تفسير : [عبس:37]. {فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فأُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ} وفي ذلك اليوم يكون العمل هو ميزان التقدير، فمن جاء بعملٍ صالح رجَح ميزانُه وفاز فوزاً عظيما، ومن لم يكن له عمل صالح ولا حسنات فقد خفّ ميزانه وخسِر كل شيء وذهب إلى نار جهنم خالداً فيها. {تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ} يومئذ تحرق النار وجوه الذين خسروا، وهم فيها معبِسون مكشّرون. نعوذُ بالله منهم، ومن سوء المصير. {أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ} هنا يعدِل الحديثُُ عن اسلوب الحكاية الى الخطاب والمواجهة: لقد كانت آياتي المنزلة تُقرأ عليكم في الدنيا، لكنّكم كنتم تكذّبون بما فيها. فيقولون مقرّين بخطئهم: {قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ} إننا نعترف إليك يا ربنا بكثرة معاصينا التي أورثتنا الشقاءَ، وكنا بذلك ضالّين عن طرق الهدى. ثم يطلبون من الله أن يخرجَهم من النار ليعملوا صالحاً: {رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ} وذلك بعد ان انسدّ باب التوبة، وانقطع التكليف. فيأتيهم الجوابُ القاطع. {قَالَ ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ} اخرسوا واسكتوا أذلاّء مهانين، ولا تكلّموني مطلقا. {إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّاحِمِينَ}. كيف أرحمكم وأترك عباداً لي آمنوا برسلي والتزموا بما أمرتُهم وقدّموا الأعمالَ الصالحة وكانوا يطلبون الرحمة والغفران في جميع احوالهم! ليس من العدالة في شيء ان تكونوا مثلهم في هذا اليوم، فلم يكن جُرمكم أنكم لم تؤمنوا فحسب، بل إنكم تماديتم في السخرية منهم. {فَٱتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ} لقد بلغ بكم السَفَهُ والوقاحة ان تسخَروا من الذين آمنوا وتضحكوا منهم حتى شَغَلَكُم ذلك عن ذكري وطاعتي. ثم بيّن الله ما جازى به أولئك المستضعَفين فقال: {إِنِّي جَزَيْتُهُمُ ٱلْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوۤاْ أَنَّهُمْ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ} لقد صبروا فكان جزاؤهم الجنةَ وفازوا بنعيمها خالدين فيها ابدا. قراءات: قرأ اهل الكوفة: غلبت علينا شقاوتنا. والباقون: شقوتنا بكسر الشين كما هو في المصحف.
د. أسعد حومد
تفسير : {يَوْمَئِذٍ} (101) - فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةُ النُّشُورِ، قَامَ النَّاسُ مِنَ القُبُورِ، فَلاَ تَنْفَعُ الإِنْسَانَ فِي ذَلِكَ اليَومِ قَرَابَةٌ، وَلاَ يسْأَلُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، فَلِكُلّ امْرىءٍ يَوْمَئِذٍ شَأنٌ يُغْنِيهِ. الصُّورُ - قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ فَيُحْدِثُ صَوْتاً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الصُّور: البُوق الذي ينفخ فيه إسرافيل، والمراد هنا النفخة الثانية للبعث. والأنساب: جمع نَسَب، وهو الالتقاء في أصل مباشر، كالتقاء الابن بالأب، أو الأب بالابن، أو التقاء بواسطة كالعمومة والخؤولة. والنسب هو أول لُحمة في الكون تربط بين الناس في مصالح مشتركة، وهو الالتقاء الضروري الذي يوجد لكل الناس، فقد لا يكون لك أصدقاء ولا أصحاب ولا زملاء عمل، لكن لا بُدَّ أن يكون لك نَسَب وقرابة وأهل. فحين ينفي الحق - سبحانه وتعالى - النسب يقول: {فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ ..} [المؤمنون: 101] فليس النفي لوجود النسب، فإذا نُفِخ في الصور منعت البُنوَّة من الأبوة، أو الأبوة من البنوة. إنما النسب موجود حقيقة، لكن لأن النسب المعروف فيه التعاون على الخير والتآزر في دفع الشر، فالنفي هنا لهذه المنفعة في هذا اليوم بالذات حيث لا ينفع أحد أحداً، فالنسب موجود لكن دون نفع، فالنفع من أمور الدنيا أن يُوجد قوي وضعيف، فالقوي يُعين الضعيف، ويفيض عليه، أمّا في هذا الموقف فالكل ضعيف. كما قال تعالى: {أية : يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَٰحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} تفسير : [عبس: 34-37]. ويقول: {أية : كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} تفسير : [المدثر: 38]. لذلك حينما حدَّثَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أننا سنُحشر يوم القيامة حُفَاة عُراة تعجبت السيدة عائشة، واستحيتْ من هذا الموقف، فأخبرها رسول الله أن الأمر ليس كذلك، فهذا موقف ينشغل كُلٌّ بنفسه، والحال أصعب من أن ينظر أحد لأحد. إذن: النفي لنفع الأنساب، لا للأنساب نفسها. وإنْ كان نفع الأنساب يمتنع لهول الآخرة فقد يتسامى الإنسان فيمنع نفعه حتى في الدنيا عن ذوي قرابته إنْ كانوا غير مؤمنين، وقد ضربها الله مثلاً في قصة نوح - عليه السلام - وولده، وخاطبه ربه: {أية : إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ..} تفسير : [هود: 46] فامتنع النسب حتى في الدنيا، فالنبوة ليست بُنوة الدم واللحم، البنوة - خاصة عند الأنبياء - بنوة عمل واتباع. وإذا تأملتَ تاريخ المسلمين الأوائل لوجدتهم يعتزُّون بالإسلام، لا بالأنساب، فالدين والعقيدة هما اللُّحمْة، وهما الرابطة القوية التي تربط الإنسان بغيره، وإنْ كان أدنى منه في مقاييس الحياة. قرأنا في قصة بدر أن مصعب بن عمير - رضوان الله عليه - وكان فتى قريش المدلل، وأغنى أغنيائها، يلبس أفخر الثياب ويعيش ألين عيشة، فلما أُشرِب قلبه الإيمان زهد في كل هذا النعيم، وحُرِم من خير أهله، ثم هاجر إلى المدينة، وهناك رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس جلد شاة فقال: "حديث : انظروا ماذا فعل الإيمان بأخيكم ". تفسير : وفي المعركة، رأى مصعب أخاه أبا عزيز أسيراً في يد واحد من الأنصار هو الصحابي أبو اليَسَر فقال له مصعب: اشدد على أسيرك - يعني: إياك أن يفلت منك - فإن أُمَّه غنية، وستفديه بمال كثير، فنظر أو عزيز إلى مصعب وقال: أهذه وصاتك بأخيك؟ فقال: هذا أخي دونك. إذن: فلا أنسابَ بينهم، حتى في الدنيا قبل الآخرة. وفي غزوة أحد استُشهد مصعب بن عمير، ولم يجدوا ما يكفنونه فيه إلا ثوباً قَصيراً، إنْ غطى رأسه انكشفتْ رِجْلاه، وإنْ غطّى رِجْلَيْه انكشفت رأسه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : غطوا رأسه، واجعلوا على رِجْلَيْه من الإذخر ". تفسير : والسيدة أم حبيبة بنت أبي سفيان لما أسلمتْ وهاجرت مع زوجها إلى الحبشة، لكن اتهمها البعض بأنها هاجرت لا من إجل دينها، ولكن من أجل زوجها، فيشاء الله تعالى أن يُظهِر براءتها، فينتصَّر زوجها عبيد الله بن جحش هناك وتظل هي على الإيمان، ولَما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمرها أراد أن يعوضها فخطبها لنفسه، ولم ينتظر إلى أن تجيء ليعقد عليها، فوكّل النجاشي ملك الحبشة ليعقد له عليها. وبعد زواجها من رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أبوها سفيان زيارتها، وكانت تمهِّد فراش رسول الله، فلما أراد أبو سفيان أن يجلس عليه نَحَّتْهُ جانباً، ومنعتْه أن يجلس - وهو كافر - على فراش رسول الله، فقال: أضنَاً بالفراش عليَّ؟ فقالت: نعم. إذن: نَفْع الأنساب يمتنع في الدنيا قبل امتناعه في الآخرة، لكن الحق - سبحانه وتعالى - تفضّل بأن أبقى مطلوبات النسب في الدنيا ودعانا إلى الحفاظ عليها حتى مع الكافرين؛ لأنه سبحانه وَسِع الكافر، فعلى المؤمن أن يسعه من باب أَوْلَى، فإنْ رأيت الكافر في شدة وقدرت أن تُعينه فَأعِنْه. واقرأ في هذا قوله تعالى: {أية : وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً ..} تفسير : [لقمان: 15]. فهما كافران، بل ويريدانك كافراً، ومع ذلك احفظ لهما حَقَّ النسب، ولا تقطع الصلة بهما. ويُرْوَى أن إبراهيم - عليه السلام - وقد أعطاه الله الخُلَّة، وقال عنه: {أية : وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ} تفسير : [النجم: 37] وابتلاه بكلمات فأتمهُنَّ، مرَّ عليه عابر سبيل بليل، فقبل أن يُدخِله ويُضيفه سأله عن ديانته، فأخبره أنه غير مؤمن، فأعرض عنه إبراهيم - عليه السلام - وتركه ينصرف، فأوحى الله إليه: يا إبراهيم وسعْتُ عبدي وهو كافر بي، وتريده أن يغير دينه لضيافة ليلة؟ فأسرع إبراهيم خلف الرجل حتى لحق به، وأخبره بما كان من عتاب ربه له في شأنه، فقال الرجل: نِعْم الرب الذي يعاتب أحبابه في أمر أعدائه، وشهد أن لا إله إلا الله وأن إبراهيم رسول الله. ويرتقي أهل المعرفة بالنسب، فيروْنَ أنه يتعدَّى الارتباط بسبب وجودك، وهو الأب أو الأم، فالنسب وإن كان ميلاد شيء من شيء، أو تفرُّع شيء من شيء، فهناك نسب أعلى، لا لمن أوجدك بسبب، وإنما لمن أوجدك بلا سبب الوجود الأول، فكان عليك أن تراعي هذا النسب أولاً الذي أوجدك من عدم، وإنْ أثبت حقاً للوالدين؛ لأنهما سبب وجودك. فكيف بالموجد الأعلى؟ وقوله تعالى: {وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ} [المؤمنون: 101] سأل: تقتضي سائلاً ومسئولاً، أمّا الفعل (تساءل) فيدل على المفاعلة يعني: كل منهما سائل مرة، ومسئول أخرى، كما تقول: شارك محمد عمرًا، وقاتل .. الخ. وقد اعترض على هذه الآية بعض المستشرقين الذين يحبون أن يتوركوا على كتاب الله، قائلين: إن المسلمين ينظرون إلى كتاب الله بمهابة وتقديس يمنعهم ويحجب عقولهم عن تعقُّل ما فيه، لماذا وقد قال تعالى عن القرآن: {أية : وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً} تفسير : [النساء: 82]؟ يقول هؤلاء: إن القرآن نفى التساؤل في هذه الآية، وأثبته في قوله تعالى: {أية : وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ} تفسير : [الطور: 25] في الحوار بين الكفار. وهناك تساؤل بين المؤمنين والكافرين: {أية : كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلاَّ أَصْحَابَ ٱلْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ ٱلْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ ٱلْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلُخَآئِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ} تفسير : [المدثر: 38-46]. ومرة يكون التساؤل بين المؤمنين بعضهم وبعض: {أية : وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ * قَالُوۤاْ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِيۤ أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ ٱلْبَرُّ ٱلرَّحِيمُ} تفسير : [الطور: 25-28]. إذن: كيف بعد ذلك ينفي التساؤل؟ ويقول: {وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ} [المؤمنون: 101]. وهذا التضارب الذي يروْنَه تضارب ظاهري؛ لأنه هناك فرقاً بين أن تسمع عن شيء وبين أن تُفاجأ به وأنت غير مؤمن، لقد قالوا: {أية : إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} تفسير : [المؤمنون: 37]. فحين فُوجئوا بالنفخ في الصُّور، وداهمتهم القيامة التي كانوا يُكذِّبون بها بُهِتوا ودُهِشُوا، وخرست ألسنتهم عن الكلام من شدة دهشتهم، وكيف وما كانوا ينكرونه ماثل أمامهم فجأة، ثم يتدرجون من هذه الحالة إلى أن يأخذوه أمراً واقعاً لا مَفرَّ منه، فيبدأون بالكلام ويسأل بعضهم بعضاً عَمَّا هم فيه وعَمَّا نزل بهم. إذن: فالسؤال له زمن، ونَفْي السؤال له زمن؛ لذلك يقولون في مثل هذه المسألة أن الجهة مُنفكَّة، فإذا رأيتَ شيئاً واحداً أُثبتَ مرة، ونُفِي أخرى من قائل واحد منسوب إلى الحكمة وعدم التضارب، فاعلم أن الجهة مُنفكّة. ومثل هذا الموقف من أهل الاستشراق وقفوه أيضاً في سؤال أهل المعاصي، حيث يقول تعالى في إثبات سؤالهم: {أية : وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ} تفسير : [الصافات: 24] ويقول في نفي سؤالهم {أية : فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ} تفسير : [الرحمن: 39] فكيف يثبت الفعل وينفيه، والفاعل واحد؟ وهذا الاعتراض منهم ناشىء عن عدم فَهْم للغة القرآن والمَلَكة العربية، أو لأنهم يريدون مجرد الاستدراك على كتاب الله وإثارة الشكوك حوله. لكن رُبَّ ضارَّة نافعة، فقد حرّكت شكوكهم ومآخذهم علماء المسلمين للتصدِّي لهم، وللرد على أباطيلهم وكشف نواياهم، فمثلنا كمثل الذي يستعد لملاقاة المرض بالطُّعْم المناسب الذي يعطي للجسم مناعة وحصانة ضد هذا المرض. وسيدنا عمر - رضي الله عنه - وكان القرآن ينطق على وَفْق ما يريد، يرى الناس يُقبِّلون الحجر الأسود، فتوقع أن يتكلم الناس في هذه المسألة، وكيف أن الدين ينهاهم عن عبادة الأصنام وهي حجارة ويأمرهم بتقبيل الحجر، وكان رضي الله عنه يُقبّله ويقول: "والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله يُقبّلك ما قبَّلتك". فلفت الناس إلى أصل التشريع وأن الحجرية لا عبادةَ لها عندنا، لكن عندنا النبي صلى الله عليه وسلم وهو مُشرِّع لنا وواجب علينا اتباعه، وهكذا كان ردّ عمر على مَنْ أثاروا هذه الفتنة. ولما تكلم عمر في غلاء المهور وكان مُلْهماً يوافق قولُه قولَ القرآن الكريم، وقفتْ له امرأة وراجعته وقالت له: اخطأتَ يا عمر، كيف تنهى عن الغلاء في المهور، والله تعالى يقول: {أية : وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً ..} تفسير : [النساء: 20]. فأجاز أن يكون المهر قنطاراً من ذهب، عندها قال عمر بجلالة قدره: "أصابت امرأة وأخطأ عمر" ليبين أنه لا كبيرَ أمام شرع الله. إذن: هذه مسائل مرسومة ولها أصل، يجب أن تُعلم لنردّ بها حين نسأل في أمور ديننا. نعود إلى مسألة سؤال أهل المعصية، حيث نفاه القرآن مرة وأثبته أخرى. ونقول: جاء القرآن بأسلوب العرب وطريقتهم، والسؤال في الأسلوب العربي إما سؤال مِمَّنْ يجهل ويريد المعرفة، كما يسـأل التلميذ مُعلِّمه، أو يسأل العالم الجاهل لا ليعلم منه، ولكن ليقرره بما يريد. فإذا نفى الله تعالى السؤال، فلا تظنوا أنه يسألكم ليعرف منكم، إنما يسألكم لتقروا؛ لذلك قال سبحانه: {أية : كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً} تفسير : [الإسراء: 14]. إذن: إثبات السؤال له معنى، ونَفْيه له معنى، فإذا نفى فقد نفى سؤال العلم من جهتهم، وإذا أثبت فقد أثبت سؤال الإقرار من جهتهم؛ لتكون الحجة ألزم؛ لأن الإقرار سيد الأدلة. وقد أوضحنا هذه المسألة بمثال: التلميذ المهمل الذي يتظاهر أمام أبيه بالمذاكرة، فيفتح كتابه ويهزّ رأسه كأنه يقرأ، فإذا ما سأله والده لم يجده حصَّل شيئاً، فيقول له: ذاكرت وما ذاكرت. ومن ذلك أيضاً قوله تعالى مخاطباً رسوله صلى الله عليه وسلم: {أية : وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ} تفسير : [الأنفال: 17] هكذا نَفْي وإثبات في آية واحدة لفاعل واحد، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ فعلاً حَفْنة من الحصى ورَمَى بها نحو الأعداء، لكن هل في قدرته أن يُوصّل هذه الحفنة إلى أعين الأعداء جميعاً؟ فالعمل والرمي للرسول، والنتيجة والغاية لله عز وجل. ثم يقول الحق سبحانة: {فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ ...}.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن ابتغاء الأنساب يوم الحساب بقوله تعالى: {فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ} [المؤمنون: 101] يشير إلى نفخة العناية الربانية إذا نفخت في صور القلب قامت القيامة وانقطعت الأنساب فلا يلتفت إلى أحد من أنسابه ولا إلى أهل ولا إلى ولد؛ لاشتغاله بطلب الحق واستغراقه في بحر المحبة، فلا يسأل بعضهم بعضاً عما تركوا من أسباب الدنيا ولا إلى ولد لاشتغاله ولا عن أحوال أهاليهم وإخوانهم وأوطانهم إذا فارقوها؛ لأن {أية : لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} تفسير : [عبس: 37] عن مطالبة الغير {فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ} [المؤمنون: 102] في طلب الحق سبحانه {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} في الطلب بفوز المطلوب ونيل المقصود. {وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ} [المؤمنون: 103] عن الطلب وقع عليه طريق الحق بنوع من التعلقات ورجوعه قهقري {فأُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ} [المؤمنون: 103] بإبطال استعداد الطلب وإفساده، فإن الإنسان كالبيضة مستعدة لقبول تصرف ولاية الدجاجة وخروج الفرُّوج منها، فما لم تتصرف فيه الدجاجة يكون استعداده باقياً، فإذا تصرفت الدجاجة فيه فتغير حاله إلى حال الفروجية، ثم إذا انقطع تصرف الدجاجة تفسد البيضة فلا ينفعها الصرف بعد ذلك لفساد والاستعداد؛ ولهذا قال المشايخ: مرتد الطريقة شر من مرتد الشريعة، وبهذا يكون معنى قوله تعالى: {فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ} [المؤمنون: 103] أي: في جهنم أنفسهم فلا يخرجون حيث {تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ} [المؤمنون: 104] أي: نار القطيعة. {وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ} [المؤمنون: 104] عابسين عبوس المنقطعين عن مطالبهم المبعدين عن مقاصدهم يقال لهم: {أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُم} [المؤمنون: 105] أي: ألم يكن النصحاء يثبتون لكم بالدلائل الواضحة والنصائح الصادقة كيفية الطريق وسلوكه وكمالية الوصول إلى الحضرة {فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ} [المؤمنون: 105] وفي عالم الطبيعة الحيوانية ما يكون قالوا: {قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا} التي كتبت علينا وقدرتها، {وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ} [المؤمنون: 106] بإضلالك عن طريق الطلب حيث أخطأنا النور المرشرش في عالم الأرواح وإصابة غيرنا.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى عن هول يوم القيامة، وما في ذلك اليوم، من المزعجات والمقلقات، وأنه إذا نفخ في الصور نفخة البعث، فحشر الناس أجمعون، لميقات يوم معلوم، أنه يصيبهم من الهول ما ينسيهم أنسابهم، التي هي أقوى الأسباب، فغير الأنساب من باب أولى، وأنه لا يسأل أحد أحدا عن حاله، لاشتغاله بنفسه، فلا يدري هل ينجو نجاة لا شقاوة بعدها؟ أو يشقى شقاوة لا سعادة بعدها؟ قال تعالى: {أية : يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ }. تفسير : وفي القيامة مواضع، يشتد كربها، ويعظم وقعها، كالميزان الذي يميز به أعمال العبد، وينظر فيه بالعدل ما له وما عليه، وتبين فيه مثاقيل الذر، من الخير والشر، { فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ } بأن رجحت حسناته على سيئاته { فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } لنجاتهم من النار، واستحقاقهم الجنة، وفوزهم بالثناء الجميل ، { وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ } بأن رجحت سيئاته على حسناته، وأحاطت بها خطيئاته { فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ } كل خسارة، غير هذه الخسارة، فإنها -بالنسبة إليها- سهلة، ولكن هذه خسارة صعبة، لا يجبر مصابها، ولا يستدرك فائتها، خسارة أبدية، وشقاوة سرمدية، قد خسر نفسه الشريفة، التي يتمكن بها من السعادة الأبدية ففوتها هذا النعيم المقيم، في جوار الرب الكريم. { فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ } لا يخرجون منها أبد الآبدين، وهذا الوعيد، إنما هو كما ذكرنا، لمن أحاطت خطيئاته بحسناته، ولا يكون ذلك إلا كافرا، فعلى هذا، لا يحاسب محاسبة من توزن حسناته وسيئاته، فإنهم لا حسنات لهم، ولكن تعد أعمالهم وتحصى، فيوقفون عليها، ويقررون بها، ويخزون بها، وأما من معه أصل الإيمان، ولكن عظمت سيئاته، فرجحت على حسناته، فإنه وإن دخل النار، لا يخلد فيها، كما دلت على ذلك نصوص الكتاب والسنة. ثم ذكر تعالى، سوء مصير الكافرين فقال: { تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ } أي: تغشاهم من جميع جوانبهم، حتى تصيب أعضاءهم الشريفة، ويتقطع لهبها عن وجوههم، { وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ } قد عبست وجوههم، وقلصت شفاههم، من شدة ما هم فيه، وعظيم ما يلقونه. فيقال لهم - توبيخا ولوما -: { أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ } تدعون بها، لتؤمنوا، وتعرض عليكم لتنظروا، { فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ } ظلما منكم وعنادا، وهي آيات بينات، دالات على الحق والباطل، مبينات للمحق والمبطل ، فحينئذ أقروا بظلمهم، حيث لا ينفع الإقرار { قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا } أي: غلبت علينا الشقاوة الناشئة عن الظلم والإعراض عن الحق، والإقبال على ما يضر، وترك ما ينفع، { وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ } في عملهم، وإن كانوا يدرون أنهم ظالمون، أي: فعلنا في الدنيا فعل التائه، الضال السفيه، كما قالوا في الآية الأخرى: {أية : وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ } تفسير : { رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ } وهم كاذبون في وعدهم هذا، فإنهم كما قال تعالى: {أية : وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ } تفسير : ولم يبق الله لهم حجة، بل قطع أعذارهم، وعمرهم في الدنيا، ما يتذكر فيه [من] المتذكر، ويرتدع فيه المجرم، فقال الله جوابا لسؤالهم: { اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ } وهذا القول - نسأله تعالى العافية- أعظم قول على الإطلاق يسمعه المجرمون في التخييب، والتوبيخ، والذل، والخسار، والتأييس من كل خير، والبشرى بكل شر، وهذا الكلام والغضب من الرب الرحيم، أشد عليهم وأبلغ في نكايتهم من عذاب الجحيم ، ثم ذكر الحال التي أوصلتهم إلى العذاب، وقطعت عنهم الرحمة فقال: { إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ } فجمعوا بين الإيمان المقتضي لأعماله الصالحة، والدعاء لربهم بالمغفرة والرحمة، والتوسل إليه بربوبيته، ومنته عليهم بالإيمان، والإخبار بسعة رحمته، وعموم إحسانه، وفي ضمنه، ما يدل على خضوعهم وخشوعهم، وانكسارهم لربهم، وخوفهم ورجائهم. فهؤلاء سادات الناس وفضلائهم، { فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ } أيها الكفرة الأنذال ناقصو العقول والأحلام { سِخْرِيًّا } تهزءون بهم وتحتقرونهم، حتى اشتغلتم بذلك السفه. { حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ } وهذا الذي أوجب لهم نسيان الذكر، اشتغالهم بالاستهزاء بهم، كما أن نسيانهم للذكر، يحثهم على الاستهزاء، فكل من الأمرين يمد الآخر، فهل فوق هذه الجراءة جراءة؟! { إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا } على طاعتي، وعلى أذاكم، حتى وصلوا إلي. { أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ } بالنعيم المقيم، والنجاة من الجحيم، كما قال في الآية الأخرى: {أية : فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ } تفسير : الآيات. { قَالَ } لهم على وجه اللوم، وأنهم سفهاء الأحلام، حيث اكتسبوا في هذه المدة اليسيرة كل شر أوصلهم إلى غضبه وعقوبته، ولم يكتسبوا ما اكتسبه المؤمنون [من] الخير، الذي يوصلهم إلى السعادة الدائمة ورضوان ربهم. { كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } كلامهم هذا مبني على استقصارهم جدا لمدة مكثهم في الدنيا وأفاد ذلك لكنه لا يفيد مقداره ولا يعينه فلهذا قالوا { فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ } أي الضابطين لعدده وأما هم ففي شغل شاغل وعذاب مذهل عن معرفة عدده فقال لهم { إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا قَلِيلا } سواء عينتم عدده أم لا { لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ }.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):