٢٣ - ٱلْمُؤْمِنُون
23 - Al-Mu'minoon (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
105
Tafseer
ابن كثير
تفسير : هذا تقريع من الله وتوبيخ لأهل النار على ما ارتكبوه من الكفر والمآثم والمحارم والعظائم التي أوبقتهم في ذلك، فقال تعالى: {أَلَمْ تَكُنْ ءَايَـٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ} أي: قد أرسلت إليكم الرسل، وأنزلت عليكم الكتب، وأزلت شبهكم، ولم يبق لكم حجة تدلون بها؛ كما قال تعالى: {أية : لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ} تفسير : [النساء: 165] وقال تعالى: {أية : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً} تفسير : [الإسراء: 15] وقال تعالى: {أية : كُلَّمَا أُلْقِىَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ} تفسير : ــــ إلى قوله ــــ {أية : فَسُحْقاً لأَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ} تفسير : [الملك: 8 ــــ 11] ولهذا قالوا: {رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ} أي: قد قامت علينا الحجة، ولكن كنا أشقى من أن ننقاد لها ونتبعها، فضللنا عنها، ولم نرزقها. ثم قالوا: {رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَـٰلِمُونَ} أي: ارددنا إلى الدار الدنيا، فإن عدنا إلى ما سلف منا، فنحن ظالمون مستحقون للعقوبة، كما قال: {أية : فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبٍيلٍ} تفسير : ــــ إلى قوله ــــ {أية : فَٱلْحُكْمُ للَّهِ ٱلْعَلِـيِّ ٱلْكَبِيرِ} تفسير : [غافر: 11 ــــ 12] أي: لا سبيل إلى الخروج؛ لأنكم كنتم تشركون بالله إذا وحده المؤمنون.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَلَمْ تَكُنْ ءَايَٰتِى } من القرآن {تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ } تُخَوَّفُونَ بها {فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ }.
الماوردي
تفسير : قوله: {قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا} فيه وجهان: أحدهما: الهوى. الثاني: حسن الظن بالنفس وسوء الظن بالخلق.
النسفي
تفسير : {أَلَمْ تَكُنْ ءايَـٰتِى } أي القرآن {تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ } في الدنيا {فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذّبُونَ } وتزعمون أنها ليست من الله تعالى. {قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا } ملكتنا {شِقْوَتُنَا } {شقاوتنا} حمزة وعلي وكلاهما مصدر أي شقينا بأعمالنا السيئة التي عملناها. وقول أهل التأويل غلب علينا ما كتب علينا من الشقاوة لا يصح، لأنه إنما يكتب ما يفعل العبد وما يعلم أنه يختاره ولا يكتب غير الذي علم أنه يختاره فلا يكون مغلوباً ومضطراً في الفعل، وهذا لأنهم إنما يقولون ذلك القول اعتذاراً لما كان منهم من التفريط في أمره فلا يجمل أن يطلبوا لأنفسهم عذراً فيما كان منهم {وَكُنَّا قَوْماً ضَالّينَ } عن الحق والصواب {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا } أي من النار {فَإِنْ عُدْنَا } إلى الكفر والتكذيب {فَإِنَّا ظَـٰلِمُونَ } لأنفسنا. {قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا } اسكتوا سكوت ذلة وهوان {وَلاَ تُكَلّمُونِ } في رفع العذاب عنكم فإنه لا يرفع ولا يخفف. قيل: هو آخر كلام يتكلمون به ثم لا كلام بعد ذلك إلا الشهيق والزفير أن يحضروني. {ارجعوني} {ولا تكلموني} بالياء في الوصل والوقف: يعقوب وغيره بلا ياء {إِنَّهُ } إن الأمر والشأن {كَانَ فَرِيقٌ مّنْ عِبَادِى يَقُولُونَ رَبَّنَا ءامَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرحِمِينَ فَٱتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً } مفعول ثان وبالضم: مدني وحمزة وعلي، وكلاهما مصدر سخر كالسخر إلا أن في ياء النسبة مبالغة. قيل: هم الصحابة رضي الله عنهم. وقيل: أهل الصفة خاصة ومعناه اتخذتموهم هزؤوا وتشاغلتم بهم ساخرين {حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ } بتشاغلكم بهم على تلك الصفة {ذِكْرِى } فتركتموه أي كان التشاغل بهم سبباً لنسيانكم ذكري {وَكُنْتُمْ مّنْهُمْ تَضْحَكُونَ } استهزاء بهم
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي} أي: يقال لهم، والآياتُ هنا القرآن، وقرأ حمزة: «شَقَاوَتُنَا» ثم وقع جواب رغبتهِم بحسب ما حتمه اللّه من عذابهم بقوله: {ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ} ويقال: إنَّ هذه الكلمة إذا سمعُوها يئسوا من كل خير، فتنطبق عليهم جَهَنَّمُ، ويقع اليأسُ ـــ عافانا اللّه من عذابه بمنّه وكرمه -! وقوله: {ٱخْسَئُواْ} زجر، وهو مستعمل في زجر الكلاب.
البقاعي
تفسير : ولما جرت العادة بأن المعذب بالفعل يضم إليه القيل، أجيب من قد يسأل عن ذلك بقوله: {ألم} أي يقال لهم في تأنيبهم وتوبيخهم: ألم {تكن آياتي} التي انتهى عظمها إلى أعلى المراتب بإضافتها إليّ. ولما كان مجرد ذكرها كافياً في الإيمان، نبه على ذلك بالبناء للمفعول: {تتلى عليكم} أي تتابع لكم قراءتها في الدنيا شيئاً فشيئاً. ولما كانت سبباً للإيمان فجعلوها سبباً للكفران، قال: {فكنتم} أي كوناً أنتم عريقون فيه {بها تكذبون*} وقدم الظرف للإعلام بمبالغتهم في التكذيب؛ ثم استأنف جوابهم بقوله: {قالوا ربنا} أيها المسبغ علينا نعمه {غلبت علينا شقوتنا} أي أهواؤنا التي قادتنا إلى سوء الأعمال اليت كانت سبباً ظاهراً للشقاوة. ولما كان التقدير: فكنا معها كالمأسورين، تؤزنا إليها الشياطين أزاً، عطف عليه قوله {وكنا} أي بما جبلنا عليه {قوماً ضالين*} في ذلك عن الهدى، أقوياء في موجبات الشقوة، فكان سبباً للضلال عن طريق السعادة. ولما تضمن هذا الإقرار الاعتذار، وكان ذلك ربما سوغ الخلاص، وصلوا به قولهم: {ربنا} يا من عودنا بالإحسان {أخرجنا منها} أي النار تفضلاً منك على عادة فضلك، وردّنا إلى دار الدنيا لنعمل ما يرضيك {فإن عدنا} إلى مثل تلك الضلالات {فإنا ظالمون*} فاستؤنف جوابهم بأن {قال} لهم كما يقال للكلب: {اخسئوا} أي انزجروا زجر الكلب وانطردوا عن مخاطبتي ساكتين سكوت هوان {فيها} أي النار {ولا تكلمون*} أصلاً، فإنكم لستم أهلاً لمخاطبتي، لأنكم لم تزالوا متصفين بالظلم، ومنه سؤالكم هذا المفهم لأن اتصافكم به لا يكون إلا على تقدير عودكم بعد إخراجكم. ولما كانت الشماتة أسر السرور للشامت وأخزى الخزي للمشموت به، علل ذلك بقوله: {إنه كان} أي كوناً ثابتاً {فريق} أي ناس استضعفتموهم فهان عليكم فراقهم لكم وفراقكم لهم وظننتم أنكم تفرقون شملهم {من عبادي} أي الذين هم أهل للإضافة إلى جنابي لخلوصهم عن الأهواء {يقولون} مع الاستمرار: {ربنا} أيها المحسن إلينا بالخلق والرزق {آمنا} أي أوقعنا الإيمان بجميع ما جاءتنا به الرسل لوجوب ذلك علينا لأمرك لنا به. ولما كان عظم المقام موجباً لتقصير العابد، وكان الاعتراف بالتقصير جابراً له قالوا: {فاغفر لنا} أي استر بسبب إيماننا عيوبنا التي كان تقصيرنا بها {وارحمنا} أي افعل بنا فعل الراحم من الخير الذي هو على صورة الحنو والشفقة والعطف. ولما كان التقدير: فأنت خير الغافرين، فإنك إذا سترت ذنباً أنسيته لكل أحد حتى للحفظة، عطف عليه قوله: {وأنت خير الراحمين*} لأنك تخلص مَنْ رحمته من كل شقاء وهوان، بإخلاص الإيمان، والخلاص من كل كفران. ولما تسبب عن إيمان هؤلاء زيادة كفران أولئك قال: {فاتخذتموهم سخرياً} أي موضعاً للهزء والتلهي والخدمة لكم، قال الشهاب السمين في إعرابه: والسخرة - بالضم: الاستخدام، وسخريا - بالضم منها والسخر بدون هاء - الهزء والمكسور منه يعني على القراءتين وفي النسبة دلالة على زيادة قوة في الفعل كالخصوصية والعبودية {حتى أنسوكم} أي لأنهم كانوا السبب في ذلك بتشاغلكم بالاستهزاء بهم واستبعادهم {ذكري} أي أن تذكروني فتخافوني بإقبالكم بكليتكم على ذلك منهم. ولما كان التقدير: فتركتموه فلم تراقبوني في أوليائي، عطف عليه قوله: {وكنتم} أي بأخلاق هي كالجبلة {منهم} أي خاصة {تضحكون*} كأنهم لما صرفوا قواهم إلى الاستهزاء بهم عد ضحكهم من غيرهم عدماً.
اسماعيل حقي
تفسير : {ألم تكن آياتى تتلى عليكم} فى الدنيا {فكنتم بها تكذبون} حينئذ {قالوا} يا {ربنا غلبت علينا} اى ملكتنا {شقوتنا} التى اقترفناها بسوء اختيارنا فصارت احوالنا مؤدية الى سوء العاقبة، قال القرطبى واحسن ما قيل فى معناه غلبت علينا لذاتنا واهواؤنا فمسى اللذات والاهواء شقوة لانهما تؤديان اليها، قال ابو تراب الشقوة حسن الظن بالنفس وسوء الظن بالخلق {وكنا} بسبب ذلك {قوما ظالين} عن الحق ولذلك فعلنا ما فعلنا من التكذيب وسائر المعاصى.
الجنابذي
تفسير : {أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} جملة مستأنفة بتقدير القول وجواب لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: ما يقال لهم حينئذٍ؟- فقال: يقال: لتأنيبهم: الم تكن آياتى تتلى عليكم {فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ قَالُواْ} هذا ايضاً جواب لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: فما يقولون؟- فقال: يقولون لكنّه عدل الى الماضى لتحقّق وقوعه {رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا} فلم تدعنا نتّبع آياتك وقادتنا الى تكذيب الآيات وسوء العاقبة {وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ} بحسب الفطرة.
اطفيش
تفسير : {أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ} تخويفا لكم اي يقال لهم وهم في النار: {أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ} {فَكُنتُم بِهَا تُكَذَّبُونَ} تذكير لهم بما استحقوا به هذا العذاب.
اطفيش
تفسير : {ألَم تَكُن آياتى تُتْلى عليْكُم} فى الدنيا {فكنْتُم بها تكذبون * قالوا} اعترافاً {ربنا غلبتْ} استولت {علينا شِقْوتنا} بمعنى التعب والعذاب التى كانت باختيارنا، ما يوجبها من الاشراك والمعاصى الناشئين عن اتباع الهوى، وقيل: المراد هذا الموجب اطلاقاً للمسبب على السبب، ولا يصح، وقيل الشقوة ما قضى الله من الكفر والمعاصى، وإسناد الغلب إليها تشبيه بمن يتحقق منه القلب، ففى الكلام استعارة مكنية تخييلية {وكنا قوماً ضالين} عن الحق باختيارنا، فما ظلمتنا.
الالوسي
تفسير : {أَلَمْ تَكُنْ ءايَـٰتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} على إضمار القول أي يقال لهم تعنيفاً وتوبيخاً وتذكيراً لما به استحقوا ما ابتلوا به من العذاب ألم تكن آياتي تتلى عليكم في الدنيا {فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذّبُونَ} حينئذٍ.
ابن عاشور
تفسير : جملة {ألم تكن آياتي تتلى عليكم} مقول قول محذوف، أي يقال لهم يومئذ. وهذا تعرض لبعض ما يجري يومئذ. والآيات: آيات القرآن بقرينة قوله {تتلى عليكم} وقوله {فكنتم بها تكذبون} حملاً على ظاهر اللفظ. والتلاوة: القراءة. وقد تقدم عند قوله تعالى: { أية : واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان } تفسير : في البقرة (102)، وقوله: إذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً في سورة الأنفال (2). والاستفهام إنكار. والغلب حقيقته: الاستيلاء والقهر. وأطلق هنا على التلبس بالشقوة دون التلبس بالسعادة. ومفعول غلبت} محذوف يدل عليه {شقوتنا} لأن الشقوة تقابلها السعادة، أي غلبت شقوتنا السعادة. والمجرور بــــ(على) بعد مادة الغلب هو الشيء المتغالب عليه كما في الحديث « حديث : قال النساء: غلّبنا عليك الرجال ». تفسير : مُثِّلَت حالة اختيارهم لأسباب الشقوة بدل أسباب السعادة بحالة غائرة بين السعادة والشقاوة على نفوسهم. وإضافة الشقوة إلى ضميرهم لاختصاصها بهم حين صارت غالبة عليهم. والشِّقوة بكسر الشين وسكون القاف في قراءة الجمهور. وهي زنة الهيئة من الشقاء. وقرأ حمزة والكسائي وخلف {شقاوتنا} بفتح الشين وبألف بعد القاف وهو مصدر على صيغة الفعالة مثل الجزالة والسذاجة. وزيادة قوله {قوماً} على أن الضلالة من شيمتهم وبها قوام قوميتهم كما تقدم عند قوله { أية : لآيات لقوم يعقلون } تفسير : في سورة البقرة (164) وعند قوله { أية : وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون } تفسير : في آخر سورة يونس (101). وهم ظنوا أنهم إن أخرجوا من النار رجعوا إلى الإيمان والعمل الصالح فالتزموا لله بأنهم لا يعودون إلى الكفر والتكذيب. وحذف متعلق {عدنا} لظهوره من المقام إذ كان إلقاؤهم في النار لأجل الإشراك والتكذيب كما دل عليه قولهم {وكنا قوماً ضالين}. والظلم في {فإنا ظالمون} هو تجاوز العدل، والمراد ظلم آخر بعد ظلمهم الأول وهو الذي ينقطع عنده سؤال العفو.
الشنقيطي
تفسير : ما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة: من أن أهل النار يسألون يوم القيامة، فيقول لهم ربهم {أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} أي في دار الدنيا على ألسنة الرسل فكنتم بها تكذبون، وأنهم اعترفوا بذلك، وأنهم لم يجيبوا الرسل لما دعوهم إليه من الإيمان، لأن الله أراد بهم الشقاء وهم ميسرون لما خلقوا له، فلذلك كفروا، وكذبوا الرسل. قد أوضحنا الآيات الدالة عليه في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً}تفسير : [الإسراء: 15] فأغنى ذلك عن إعادته هنا. وقوله هنا: {قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ} الظاهر أن معنى قولهم: {غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا} أن الرسل بلغتهم، وأنذرتهم وتلت عليهم آيات ربهم، ولكن ما سبق في علم الله من شقاوتهم الأزلية، غلب عليهم، فكذبوا الرسل، ليصيروا إلى ما سبق في علمه جل وعلا، من شقاوتهم. ونظير الآية على هذا الوجه قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ}تفسير : [يونس: 96-97] وقوله عن أهل النار {أية : قَالُواْ بَلَىٰ وَلَـٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ}تفسير : [الزمر: 71] إلى غير ذلك من الآيات، ويزيد ذلك إيضاحاً قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : كلٌّ ميسر لما خلق له" تفسير : وقوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ}تفسير : [التغابن: 2] وقوله: {أية : وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ}تفسير : [هود: 118-119] على أصح التفسيرين وقوله عنهم {وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ} اعتراف منهم بضلالهم، حيث لا ينفع الاعتراف بالذنب ولا الندم عليه، كقوله تعالى: {أية : فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ فَسُحْقاً لأَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ}تفسير : [الملك: 11] ونحو ذلك من الآيات. وهذا الذي فسرنا به الآية، هو الأظهر الذي دل عليه الكتاب والسنة، وبه تعلم أن قول أبي عبدالله القرطبي في تفسير هذه الآية، وأحسن ما قيل في معناه: غلبت علينا لذاتنا وأهواؤنا، فسمى اللذات والأهواء شقوة لأنهما يؤديان إليها كما قال الله عز وجل: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَامَىٰ ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً}تفسير : [النساء: 10] لأن ذلك يؤديهم إلى النار ا هـ تكلف مخالف للتحقيق. ثم حكى القرطبي ما ذكرنا أنه الصواب بقيل ثم قال: وقيل حسن الظن بالنفس، وسوء الظن بالخلق ا هـ. ولا يخفى أن الصواب هو ما ذكرنا إن شاء الله تعالى، وقوله هنا: {قَوْماً ضَآلِّينَ} أي عن الإسلام إلى الكفر، وعن طريق الجنة إلى طريق النار، وقرأ هذا الحرف: حمزة، والكسائي: شقاوتنا بفتح الشين، والقاف وألف بعدها، وقرأه الباقون: بكسر الشين، وإسكان القاف وحذف الألف.
د. أسعد حومد
تفسير : {آيَاتِي} (105) - وَيُقَالُ لأَِهْلِ النَّارِ تَوْبِيخاً وَتَقْرِيعاً لَهُمْ عَلَى مَا ارْتَكَبُوا مِنْ كُفْرِ وَآثَامٍ فِي الدُّنْيَا فَأَوْصَلَهُمْ ذَلِكَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ: لَقَدْ أَرْسَلْتُ إِلَيْكُمُ الرُّسُلَ، وَأَنْزَلْتُ إِلَيْكُمُ الكُتُبَ، وَأَزَلْتُ شُبَهَكُمْ، فَلَمْ تَبْقَ لَكُمْ حُجَّةٌ، وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِآيَاتِي.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : يعني: أنتم السبب فيما أنتم فيه من العذاب، فليس للناس على الله حجة بعد الرسل، وليس لأحد عذر بعد البلاغ، لذلك حينما يدخل أهل النار النارَ يخاطبهم ربهم: {أية : أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ ..} تفسير : [الزمر: 71]. فالآية تثبت أنهم هم المذنبون أمام نفوسهم: {أية : وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} تفسير : [النحل: 118] فلم نفاجئهم بعقوبة على شيء لم نُبصِّرهم به، إنما أرسلنا إليهم رسولاً يأمرهم وينهاهم ويُبشِّرهم وينذرهم. والإنذار بالشر قبل أن يقع نعمة من النعم، كما قلنا في سورة الرحمن عن قوله تعالى: {أية : يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ * فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} تفسير : [الرحمن: 35-36] وهل النار والشواظ نعمة؟ نعم نعمة؛ لأننا نحذرك منها قبل وقوعها، وأنت ما زِلْتَ في سعة الدنيا، وأمامك فرصة الاستدراك. والآيات - كما قلنا - تُطلَق على الآيات الكونية التي تلفت الناس إلى وجود الخالق الأعلى الذي أنشأ هذا الكون بهذه الهندسة البديعة، وتُطلَق على المعجزات التي تثبت صِدْق الرسول في البلاغ عن الله، وتُطلَق على الآيات الحاملة للأحكام وهي آيات القرآن. وقد جئناكم بكل هذه الآيات تُتْلَى عليكم وتسمعونها وترونها، ومع ذلك كذَّبْتم، ومعنى {تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ..} [المؤمنون: 105] أننا نبهناكم إليها، ولفتْنَا أنظاركم إلى تأملها، حتى لا تقولوا: غفلنا عنها.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):