Verse. 2779 (AR)

٢٣ - ٱلْمُؤْمِنُون

23 - Al-Mu'minoon (AR)

قَالُوْا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَاۗلِّيْنَ۝۱۰۶
Qaloo rabbana ghalabat AAalayna shiqwatuna wakunna qawman dalleena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا» وفي قراءة شقاوتنا بفتح أوله وألف وهما مصدران بمعنى «وكنا قوماً ضالين» عن الهداية.

106

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه سبحانه لما قال: { أية : أَلَمْ تَكُنْ ءايَـٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذّبُونَ } تفسير : [المؤمنون: 105] ذكروا ما يجري مجرى الجواب عنه وهو من وجهين: الأول: قولهم: {رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قال صاحب «الكشاف»: غلبت علينا ملكتنا من قولك غلبني فلان على كذا إذا أخذه منك، والشقاوة سوء العاقبة، قرىء: (شقوتنا) و(شقاوتنا) بفتح الشين وكسرها فيهما، قال أبو مسلم: الشقوة من الشقاء كجرية الماء، والمصدر الجري، وقد يجيء لفظ فعله، والمراد به الهيئة والحال، فيقول جلسة حسنة وركبة وقعدة وذلك من الهيئة، وتقول عاش فلان عيشة طيبة ومات ميتة كريمة، وهذا هو الحال والهيئة، فعلى هذا المراد من الشقوة حال الشقاء. المسألة الثانية: قال الجبائي: المراد أن طلبنا اللذات المحرمة وحرصنا على العمل القبيح ساقنا إلى هذه الشقاوة، فأطلق اسم المسبب على السبب. وليس هذا باعتذار منهم لعلمهم بأن لا عذر لهم فيه، ولكنه اعتراف بقيام حجة الله تعالى عليهم في سوء صنيعهم، قلنا إنك حملت الشقاوة على طلب تلك اللذات المحرمة، وطلب تلك اللذات حصل باختيارهم أو لا باختيارهم فإن حصل باختيارهم فذلك الاختيار محدث، فإن استغنى عن المؤثر فلم لا يجوز في كل الحوادث ذلك، وحينئذ ينسد عليك باب إثبات الصانع، وإن افتقر إلى محدث فمحدثه إما العبد أو الله تعالى؟ فإن كان هو العبد فذلك باطل لوجوه: أحدها: أن قدرة العبد صالحة للفعل والترك، فإن توقف صدور تلك الإرادة عنها إلى مرجح آخر، عاد الكلام فيه ولزم التسلسل، وإن لم يتوقف على المرجح فقد جوزت رجحان أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح، وذلك يسد باب إثبات الصانع وثانيها: أن العبد لا يعلم كمية تلك الأفعال ولا كيفيتها، والجاهل بالشيء لا يكون محدثاً له، وإلا لبطلت دلالة الإحكام والإتقان على العلم والثاني: أن أحداً في الدنيا لا يرضى بأن يختار الجهل، بل لا يقصد إلا تحصيل العلم، فالكافر ما قصد إلا تحصيل العلم، فإن كان الموجد لفعله هو فوجب أن لا يحصل إلا ما قصد إيقاعه، لكنه لم يقصد إلا العلم فكيف حصل الجهل؟ فثبت أن الموجد للدواعي والبواعث هو الله تعالى، ثم إن الداعية إن كانت سائقة إلى الخير كانت سعادة، وإن كانت سائقة إلى الشر كانت شقاوة الوجه الثاني: لهم في الجواب قولهم: {وَكُنَّا قَوْماً ضَالّينَ } وهذا الضلال الذي جعلوه كالعلة في إقدامهم على التكذيب إن كان هو نفس ذلك التكذيب لزم تعليل الشيء بنفسه، ولما بطل ذلك لم يبق إلا أن يكون ذلك الضلال عبارة عن شيء آخر ترتب عليه فعلهم وما ذاك إلا خلق الداعي إلى الضلال، ثم إن القوم لما أوردوا هذين العذرين، قال لهم سبحانه: {ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ } وهذا هو صريح قولنا في أن المناظرة مع الله تعالى غير جائزة، بل لا يسأل عما يفعل. قال القاضي في قوله: {رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا } دلالة على أنه لا عذر لهم إلا الاعتراف، فلو كان كفرهم من خلقه تعالى وبإرادته وعلموا ذلك لكانوا بأن يذكروا ذلك أجدر وإلى العذر أقرب، فنقول قد بينا أن الذي ذكروه ليس إلا ذلك ولكنهم مقرون أن لا عذر لهم فلا جرم، قال لهم: {ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ }. أما قوله: {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَـٰلِمُونَ } فالمعنى: أخرجنا من هذه الدار إلى دار الدنيا، فإن عدنا إلى الأعمال السيئة فإنا ظالمون، فإن قيل كيف يجوز أن يطلبوا ذلك وقد علموا أن عقابهم دائم؟ قلنا يجوز أن يلحقهم السهو عن ذلك في أحوال شدة العذاب فيسألون الرجعة. ويحتمل أن يكون مع علمهم بذلك يسألون ذلك على وجه الغوث والاسترواح. أما قوله: {اخسئوا فيها } فالمعنى ذلوا فيها وانزجروا كما يزجر الكلاب إذا زجرت، يقال: خسأ الكلب وخسأ بنفسه. أما قوله: {وَلاَ تُكَلّمُونِ } فليس هذا نهياً لأنه لا تكليف في الآخرة، بل المراد لا تكلمون في رفع العذاب فإنه لا يرفع ولا يخفف، قيل هو آخر كلام يتكلمون به ثم لا كلام بعد ذلك إلا الشهيق والزفير، والعواء كعواء الكلاب، لا يفهمون ولا يفهمون. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أن لهم ست دعوات، إذا دخلوا النار قالوا ألف سنة { أية : رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَٱرْجِعْنَا } تفسير : [السجدة: 12] فيجابون { أية : حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنْى } تفسير : [السجدة: 13] فينادون ألف سنة ثانية { أية : رَبَّنَا أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ } تفسير : [غافر: 11] فيجابون { أية : ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِىَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ } تفسير : [غافر: 12] فينادون ألف ثالثة { أية : يٰمَـٰلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ } تفسير : [الزخرف: 77] فيجابون { أية : إِنَّكُمْ مَّـٰكِثُونَ } تفسير : [الزخرف: 77] فينادون ألفاً رابعة {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا } فيجابون { أية : أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُمْ مّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مّن زَوَالٍ } تفسير : [إبراهيم: 44] فينادون ألفاً خامسة { أية : أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَـٰلِحاً } تفسير : [فاطر: 37] فيجابون { أية : أَوَلَمْ نُعَمّرْكُمْ } تفسير : [فاطر: 37] فينادون ألفاً سادسة { أية : رَبّ ٱرْجِعُونِ } تفسير : [المؤمنون: 99] فيجابون {اخسئوا فيها} ثم بين سبحانه وتعالى، أن فزعهم بأمر يتصل بالمؤمنين، وهو قوله: {إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مّنْ عِبَادِى يَقُولُونَ رَبَّنَا ءامَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرحِمِينَ * فَٱتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً } فوصف تعالى أحد ما لأجه عذبوا وبعدوا من الخير، وهو ما عاملوا به المؤمنين. وفي حرف أبي {إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ } بالفتح بمعنى لأنه. وقرأ نافع وأهل المدينة وأهل الكوفة عن عاصم بضم السين في جميع القرآن، وقرأ الباقون بالكسر ههنا وفي ص قال الخليل وسيبويه هما لغتان كدرى ودرى. وقال الكسائي والفراء الكسر بمعنى الاستهزاء بالقول، والضم بمعنى السخرية. قال مقاتل: إن رؤساء قريش مثل أبي جهل وعتبة وأبي بن خلف كانوا يستهزئون بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويضحكون بالفقراء منهم مثل بلال وخباب وعمار وصهيب، والمعنى اتخذتموهم هزواً حتى أنسوكم بتشاغلكم بهم على تلك الصفة ذكرى وأكد ذلك بقوله: {وَكُنْتُمْ مّنْهُمْ تَضْحَكُونَ } ثم بين سبحانه ما يقتضي فيهم الأسف والحسرة بأن وصف ما جازى به أولئك المؤمنين فقال: {إِنِى جَزَيْتُهُمُ ٱلْيَوْمَ بِمَا صَبَرُواْ أَنَّهُمْ هُمُ ٱلْفَائِزُونَ } قرأ حمزة والكسائي أنهم بالكسر والباقون بالفتح فالكسر استئناف أي قد فازوا حيث صبروا فجوزوا بصبرهم أحسن الجزاء، والفتح على أنه في موضع المفعول الثاني من جزيت، ويجوز أن يكون نصباً بإضمار الخافض أي جزيتهم الجزاء الوافر لأنهم هم الفائزون.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا} قراءة أهل المدينة وأبي عمرو وعاصم «شِقوتنا» وقرأ الكوفيون إلا عاصماً «شقاوتنا». وهذه القراءة مروية عن ابن مسعود والحسن. ويقال: شقاء وشقاً؛ بالمد والقصر. وأحسن ما قيل في معناه: غلبت علينا لذاتنا وأهواؤنا؛ فسمى اللّذات والأهواء شقوة، لأنهما يؤدّيان إليها، كما قال الله عز وجل: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَامَىٰ ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً} تفسير : [النساء: 10]؛ لأن ذلك يؤديهم إلى النار. وقيل: ما سبق في علمك، وكتب علينا في أمّ الكتاب من الشقاوة. وقيل: حسن الظن بالنفس وسوءُ الظن بالخلق. {وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ} أي كنا في فعلنا ضالين عن الهدى. وليس هذا اعتذار منهم إنما هو إقرار. ويدلّ على ذلك قولهم {رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ } طلبوا الرجعة إلى الدنيا كما طلبوها عند الموت. {فَإِنْ عُدْنَا} إلى الكفر {فَإِنَّا ظَالِمُونَ} لأنفسنا بالعَوْد إليه فيجابون بعد ألف سنة: {ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ} أي ابْعُدُوا في جهنم؛ كما يقال للكلب: اِخْسأ؛ أي ابْعُدْ. خسأت الكلب خَسْئاً طردته. وخسأ الكلبُ بنفسه خسوءاً؛ يتعدّى ولا يتعدى. وانخسأ الكلب أيضاً. وذكر ابن المبارك قال: حدّثنا سعيد بن أبي عَرُوبة عن قتادة يذكره عن أبي أيوب عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: إن أهل جهنم يَدْعون مالكاً فلا يجيبهم أربعين عاماً، ثم يردّ عليهم: إنكم ماكثون. قال: هانت والله دعوتهم على مالك وربِّ مالك. قال: ثم يدعون ربهم فيقولون: {رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ }. قال: فيسكت عنهم قدر الدنيا مرتين. قال: ثم يرد عليهم اخسؤوا فيها. قال: فوالله ما نَبَس القوم بعدها بكلمة، وما هو إلا الزَّفِير والشّهيق في نار جهنم. فشبّه أصواتهم بصوت الحمير، أوّلها زفير وآخرها شهيق. خرجه الترمذي مرفوعاً بمعناه من حديث أبي الدّرداء. وقال قتادة: صوت الكفار في النار كصوت الحمار، أوّله زفير وآخره شهيق. وقال ابن عباس: يصير لهم نُباح كنباح الكلاب. وقال محمد بن كعب القُرَظي: بلغني أو ذُكر لي أن أهل النار استغاثوا بالخَزَنة... الخبر بطوله، ذكره ابن المبارك، وقد ذكرناه بكماله في التّذكرة، وفي آخره: ثم مكث عنهم ما شاء الله، ثم ناداهم {أية : أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ } تفسير : [المؤمنون: 105] قال: فلما سمعوا صوته قالوا: الآن يرحمنا ربنا فقالوا عند ذلك {رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا} أي الكتاب الذي كتب علينا {وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ } فقال عند ذلك {ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ} فانقطع عند ذلك الدعاء والرجاء، وأقبل بعضهم على بعض ينبَحُ بعضهم في وجوه بعض، وأطبقت عليهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا } وفي قراءة «شَقاوتنا» بفتح أوّله وألف وهما مصدران بمعنى {وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ } عن الهداية.

ابن عبد السلام

تفسير : {شِقْوَتُنَا} الهوى، أو حسن الظن بالنفس، وسوء الظن بالخلق.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا} الآية. لمّا قال سبحانه {أية : أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ} تفسير : [المؤمنون: 105] ذكر ما يجري مجرى الجواب عنه وهو من وجهين الأول قولهم: {رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا} قرأ الأخوان: "شقاوتنا" بفتح الشين وألف بعد القاف. والباقون بكسر الشين وسكون القاف. وهما مصدران بمعنى واحد فالشقاوة كالقساوة، وهي لغة فاشية، والشقوة كالفطنة والنعمة، وأنشد الفراء: شعر : 3812- كُلِّفَ مِنْ عَنَائِهِ وشِقْوَتِهْ بِنْتَ ثَمَانِي عَشْرَةٍ مِنْ حِجَّتِهْ تفسير : وهي لغة الحجاز. قال أبو مسلم: "الشقْوَة من الشقَاء كجِرْيَة الماء، والمصدر الجَرْي، وقد يجيء لفظ فِعْلَة، والمراد به الهيئة والحال فيقول: جِلْسَة حَسنة ورِكْبَة وقِعْدَة، وذلك من الهيئة، وتقول: عاش فلان عِيشَةً طيبة، ومات مِيتَةً كريمة، وهذا هو الحال والهيئة، فَعَلَى هذا المراد من الشقْوَة حال الشقاء. وقرأ قتادة والحسن في رواية كالأخوين إلاّ أنهما كسرا الشين، وشبل في اختياره كالباقين إلاّ أنّه فتح الشين. قال الزمخشري: "غَلَبَتْ عَلَيْنَا" ملكتنا من قولك غَلَبَنِي فلان على كذا إذا أخذه منك (وامتلكه) والشَّقاوة سوء العاقبة. فصل قال الجبائي: المراد أن طلبنا اللذّات المحرّمة، وخروجنا عن العمل الحسن ساقنا إلى هذه الشقاوة، فأطلق اسم المُسبب على السبب، وليس هذا باعتذار فيه، لأن علمهم بأن لا عُذر لهم فيه ثابت عندهم، ولكنه اعتراف بقيام الحجة عليهم في سوء صنيعهم. وأجيب: بأنك حملت الشقاوة على طلب تلك اللذّات المحرّمة، وطلب تلك اللذّات حاصل باختيارهم أو لا باختيارهم، فإن حصل باختيارهم فذلك الاختيار محدث فإن استغنى عن المؤثر، فَلِم لا يجوز في كل الحوادث ذلك؟ وحينئذ يَنْسد عليك باب إثبات الصانع، وإن افتقر إلى مُحدث فمحدثه إمَّا العبد أو الله، فإن كان هو العبد فذلك باطل لوجوه: أحدها: أنَّ قدرة العبد صالحة للفعل والترك، فإن توقَّف صدور تلك الإرادة عنه إلى مرجح آخر، عاد الكلام فيه، ولزم التسلسل، وإن لم يتوقف على المرجّح، فقد جوزتَ رجحان أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجّح، وذلك يسد باب إثبات الصانع. وثانيها: أنَّ العبد لا يعلم كمية تلك الأفعال، ولا كيفيّتها، والجاهل بالشيء لا يكون محدثاً له، وإلاّ لبطلت دلالة الأحكام، ولا يقال علم العلم. وثالثها: أَنَّ أحداً في الدنيا لا يرضى بأن يختار الجهل، بل لا يقصد إلا (ما قصد إيقاعه لكنه لم يقصد إلاّ) تحصيل العلم فكيف حصل الجهل فثبت أن الموجد للداعي والبواعث هو الله، ثم إنَّ الداعية إِذا كانت سائقة إلى الخير كانت سعادة، وإن كانت سائقة إلى الشرّ كانت شقاوة. وقال القاضي، قولهم {رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا} دليل على أنه لا عذر لهم لاعترافهم، فلو كان كفرهم من خلقه وإرادته، وعَلِمُوا ذلك، لكان ذكرهم ذلك أولى وأقرب إلى العذر. والجواب: قد بيّنا أنّ الذي ذكروه ليس إلاّ ذلك، ولكنهم مُقرّون أن لا عذر لهم فلا جرم قيل: "اخْسَئُوا فِيهَا". والوجه الثاني لهم في الجواب: قولهم: {وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ} أي: عن الهدى، وهذا الضلال الذي جعلوه كالعِلّة في إقدامهم على التكذيب إن كان هو نفس التكذيب لزم تعليل الشيء بنفسه، وهو باطل، فلم يبق إلاّ أن يكون ذلك الضلال (عبارة عن شيء آخر ترتب عليه فعلهم، وما ذلك إلاّ خلق الداعي إلى الضلال). ثم إنّ القوم لما اعتذرُوا بهذين العُذرين، قالوا: {رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا} أي: من النار "فَإِنْ عُدْنَا" لما أنكرنا "فَإِنَّا ظَالِمُونَ" فعند ذلك أجابهم الله تعالى فقال: {ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ}. فإن قيل: كيف يجوز أن يطلبوا الخروج وقد علموا أنَّ عقابهم دائم؟ قلنا: يجوز أن يلحقهم السهو عن ذلك في أحوال شدة العذاب فيسألون الرجعة. ويحتمل أن يكون مع علمهم بذلك يسألون على وجه الغوث والاسترواح. قوله: "اخْسَئُوا فِيهَا" أقيموا فيها، كما يقال للكلب إذا طُرد اخسأ؛ أي: انزجر كما تنزجر الكلاب إذا زُجرت، يقال: خسأ الكلب وخَسَأَ بِنَفْسِه. "وَلاَ تُكَلمون" في رفع العذاب فإِنّي لا أرفعه عنكم، وليس هذا نهياً، لأنّه لا تكليف في الآخرة. قال الحسن: هو آخر كلام يتكلم به أهل النار، ثم لا يتكلّمون بعده إلا الشهيق والزفير. ويصير لهم عواء كعواء الكلب لا يَفْهمُون ولا يُفْهمُون. قوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي} الآية. العامة على كسر همزة (إِنَّهُ) استئنافاً. وأُبّي والعتكي: بفتحها أي: لأنه والهاء ضمير الشأن. قال البغوي: الهاء في إنه عماد، وتسمى المجهولة أيضاً. قوله: "فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرياً" قرأ الأخوان ونافع هنا وفي ص بكسر السين. والباقون: بضمها في المَوْضعين. و(سِخْريًّا) مفعول ثان للاتخاذ. واختلف في معناها فقال الخليل وسيبويه والكسائي وأبو زيد: هما بمعنى واحد نحو دُريّ ودِريّ، وبَحْر لُجِّي ولِجِّي بضم اللام وكسرها. وقال يونس: إن أريد الخدمة والسخرة فالضم لا غير، وإن أريد الهزء فالضم والكسر ورَجّح أبو عليّ وتَبعه مكي قراءة الكسر، قالا: لأنّ ما بعدها أَلْيَق لها لقوله: {وَكُنْتُمْ مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ}. ولا حجة فيه، لأنّهم جمعوا بين الأمرين سَخروهم في العمل، وسَخِرُوا منهم استهزاءً. والسُّخْرَة بالتاء الاستخدام وسُخْرِيًّا بالضم منها، والسُّخْر بدونها الهُزء والمكسور منه، قال الأعشى: شعر : 3813- إِنِّي أَتَانِي حَدِيثٌ لاَ أُسَرُّ بِهِ مِنْ عَلْوٍ لاَ كذبٌ فِيهِ ولاَ سَخَرُ تفسير : ولم يختلف السبعة في ضم ما في الزخرف، لأنّ المراد الاستخدام، وهو يُقوِّي قول من فرّق بينهما، إلاَّ أنَّ ابن محيصن وابن مسلم وأصحاب عبد الله كَسَرُوه أيضاً، وهي مُقَوية لقول من جعلهما بمعنى والياء في سُخْريًّا وسِخْريًّا للنسب زيدت للدلالة على قوة الفعل، فالسُّخْريّ أقوى من السُّخْر، كما قيل في الخصوص خُصُوصيّة دلالة على قوة ذلك. قال معناه الزمخشري. فصل اعلم أنّه تعالى قرعهم بأمر يتصل بالمؤمنين قال مقاتل: إن رؤوس قريش مثل أبي جهل، وعقبة وأبيّ بن خلف، كانوا يستهزؤون بأصحاب محمدٍ، ويضحكون بالفقراء منهم، كبلال، وخباب، وعمّار، وصهيب، والمَعْنى: اتخذتموهم هزواً "حَتَّى أَنْسَوْكُمْ" بتشاغلكم بهم على تلك الصفة {ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ} ونظيره: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ} تفسير : [المطففين: 29] ثم إنّه تعالى ذكر ما يوجب أسفهم وخسرانهم بأَنْ وصف ما جازى به أولئك فقال: {جَزَيْتُهُمُ ٱلْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوۤاْ} أي: جزيتهم اليوم الجزاء الوافر. قوله: {أَنَّهُمْ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ} قرأ الأخوان بكسر الهمزة، استئنافاً. والباقون بالفتح، وفيه وجهان: أظهرهما: أنَّه تعليل فيكون نصباً بإضمار الخافض أي: لأنهم هم الفائزون، وهي موافقة للأُولى فإنّ الاستئناف يعلل به أيضاً. والثاني: قاله الزمخشري، ولم يذكر غيره، أنه مفعول ثان لـ "جَزَيْتُهُمْ" أي: بأنهم أي: فوزهم وعلى الأَوّل يكون المفعول الثاني محذوفاً.

السيوطي

تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد {قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا} قال: شقوتهم التي كتبت عليهم. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن. أنه كان يقرأ "غلبت علينا شقاوتنا". وأخرج عبد بن حميد عن إسحق قال: في قراءة عبد الله "شقاوتنا".

السلمي

تفسير : قوله جل ذكره: {رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا} [الآية: 106]. قال أبو تراب: الشقوة حسن الظن بالنفس، وسوء الظن.

القشيري

تفسير : قوله جل ذكره: {قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ}. نطقوا بالحقِّ... ولكن في يومٍ لا ينفع فيه الإقرار، ولا يُقْبَلُ الاعتذار، ثم يقولون: قوله جل ذكره: {رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ}. والحقُّ يقول: لو رُدُّوا لعادوا لما نُهوا عنه. عِلمَ أنّ ردَّهم إلى الدنيا لا يكون، ولكنه عِلم أنّه لو كان فكيف كان يكون.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ} اى غلبت علينا الدعاوى الباطلة والخوض فى الطامات والترهات قال ابو تراب الشقوة حسن الظن بالنفس وسوء الظن بالخلق.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {قالوا} أي: أهل النار {ربنا غلبت علينا} أي: ملكتنا {شِقْوَتُنا}: شقاوتنا التي اقترفناها بسوء اختيارنا، كما يُنبئ عنه إضافتها إلى أنفسهم، أي: شقينا بأعمالنا السيئة التي عملناها، ولا يصح حمله على الشقاوة الأزلية؛ لأنهم غير مكلفين بصرفها عنهم؛ إذ ليس في اختيارهم. {وكنا قوماً ضالِّين} عن الحق، ولذلك فعلنا ما فعلنا من التكذيب، وهذا، كما ترى، اعتراف منهم بأن ما أصابهم إنما أصابهم بسوء صنعهم، وأمَّا ما قيل: من أنه اعتذار منهم بغلبة ما كتب عليهم من الشقاوة الأزلية، فلا يصح؛ لأن الله تعالى ما كتب عليهم الشقاء حتى علم أنهم يفعلونه باختيارهم، لا بما كتب عليهم. ثم قالوا: {ربنا أَخْرِجْنَا منها فَإِن عُدْنا فإِنا ظالمون} أي: أخرجنا من النار، وردنا إلى الدنيا، فإن عدنا بعد ذلك إلى ما كنا عليه من الكفر والمعاصي، فإنا متجاوزون الحد في الظلم، ولو كان اعتقادهم أنهم مجبورون على ما صدر عنهم لما سألوا الرجعة إلى الدنيا، ولما وَعَدوا بالطاعة والإيمان. قال القرطبي: طلبوا الرجعة إلى الدنيا كما طلبوها عند الموت. ثم يجيبهم الحق تعالى، بعد ألف سنة، بقوله: {قال اخسؤوا فيها} أي: اسكتوا في النار سكوت ذل وهوان، وانزجروا انزجار الكلاب، يقال: خسأت الكلب، إذا زجرته، فخسأ، أي: انزجر. {ولا تُكَلِّمونِ} باستدعاء الإخراج من النار والرجوع إلى الدنيا، أو في رفع العذاب عنكم؛ فإنه لا يرفع ولا يخفف، روي أنه آخر كلام يتكلمون به، ثم لا كلام بعد ذلك إلاَّ الشهيق والزفير، ويصير لهم عُواء كعُواء الكلاب لا يفهمون ولا يُفهمون. قيل: ويرده الخطابات الآتية، وقد يجاب: بأن قبل هذه الكلمة. ثم علل استحقاقهم لذلك العذاب بقوله: {إنه} أي: الأمر والشأن {كان فريق من عبادي} وهم المؤمنون، او الصحابة، أو أهل الصفة - رضوان الله تعالى عليهم أجمعين - {يقولون} في الدنيا: {ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين فاتخذتموهم سخريا} أي: هزواً، وهو مصدر سخر، زيدت فيه ياء النسب؛ للمبالغة، وفيه الضم والكسر. وقال الكوفيون: المكسور بمعنى الهزء، والمضموم من السخرة، بمعنى الانقياد للخدمة، ولذلك اتفق عليه في الزخرف، أي: اتخذتموهم؛ مهزواً بهم، وتشاغلتم بهم {حتى أَنْسَوْكم ذكري}، من فرط اشتغالكم بالاستهزاء بهم، ولم تخافوني في أوليائي، {وكنتم منهم تضحكون}، وذلك غاية الاستهزاء. قال تعالى: {إني جَزَيْتُهُم اليوم} جزاء على صبرهم على أذاكم، {أنهم همُ الفائزون} بكل مطلوب دونكم، فأنهم: مفعول "جزيتهم"؛ لأنه يتعدى إلى مفعولين، وقرأ حمزة بالكسر؛ على الإستئناف؛ تعليلاً للجزاء، وبياناً أنه في غاية الحسن، {قال كم لبثتم}، القائل هو الله تعالى، أو الملك، وقرأ المكي وحمزة: "قل"؛ التي بلفظ الأمر للملك، يسألهم: كم لبثوا، {في الأرض} التي دعوا الله أن يردهم إليها، {عدد سنين}، وهو تمييز، أي: كم لبثتم في الأرض عدد السنين، {قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم}، استقصار لمدة لبثهم فيها بالنسبة إلى خلودهم، ولِمَا هم فيه من عذابها؛ لأن الممتحن يستطيل أيام محنته، ويستقصر ما مر عليه من أيام الدعة، {فاسْئَل العادِين} أي: المتمكنين من العد؛ فإنا بما دُهمنا من العذاب بمعزل من العد، أو الملائكة العادين لأعمار العباد وأعمالهم. {قال} الله تعالى، أو الملك، تصديقاً لهم في مقالهم: {إن لبثتم إلاَّ قليلاً}: ما لبثتم إلا زماناً قليلاً, أو لبثاً قليلاً بالنسبة لما بعده، {لو أنكم كنتم تعلمون} شيئاً، أو: لو كنتم من أهل العلم لعلمتم قلة لبثكم فيها، فالجواب محذوف. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا تميز المتحابون في الله، المجتمعون على ذكر الله ومحبته وطلب معرفته، وعُرفوا بأنوارهم وأسرارهم، وانحازوا إلى ظل العرش، يوم لا ظل إلا ظله، ورآهم البطالون المنكرون عليهم، وهم في حسرة الحساب، يقولون بلسان الحال أو المقال: (ربنا غلبت علينا شقوتنا)؛ حيث لم نصحب هؤلاء الأولياء، وكنا قوماً ضالين، ربنا أخرجنا من هذه الحسرة، وردنا إلى الدنيا، فإن عدنا إلى البطالة والإنكار عليهم فإنا ظالمون، فيقال لهم: اخسؤوا فيها؛ فقد فات الإبان، إنه كان فريق من عبادي، وهم المنتسبون من أهل التجريد، المتزيون بزي الصوفية أهل التفريد، يقولون: ربنا آمنا بطريق الخصوصية ودخلنا فيها، فاغفر لنا، أي: غط مساوئنا، وارحمنا رحمة تضمنا إلى حضرتك، وأنت خير الراحمين، فاتخذتموهم سخرياً، وانشغلتم بالوقوع فيهم، حتى أنسوكم ذكري، وكنتم منهم تضحكون، إني جزيتهم اليوم، بما صبروا، أنهم هم الفائزون بشهود ذاتي، والقرب من أحبابي، المتنزهون في كمال جمالي، في درجات المقربين من النبيين والصديقين. قال القشيري: الحق ينتقم من أعدائه بما يُطَيَّبُ به قلوبَ أوليائه، وتلك خَصْمَةُ الحق، فيقول لهم: كان فريقٌ من أوليائي يُفْصِحون بمدحي وإطرائي، فاتخذتموهم سخرياً، فأنا اليوم أُجازيهم، وأنتقم ممن كان يناويهم. هـ. قوله تعالى: {قال كم لبثتم...} إلخ، اعلم أن أيام الدنيا كلها تقصر عند انقضاء عمر العبد، فتعود كيوم واحد، أو بعض يوم، فإن أفضى إلى الراحة بعد الموت نسي أيام التعب، وغاب عنها، فتصير كأضغاث أحلام، وإن أفضى إلى التعب، نسي أيام الراحة, كأنها طيف منام. قال في الحاشية: الأشياء, وإن كانت كثيرة, فقد تنقص وتقل بالإضافة إلى ما يرجّى عليها, كذلك مدة مقامهم تحت الأرض, إن كانوا في الراحة فقد تقل، بالإضافة إلى الراحات التي يلقونها في القيامة، وإن كانت شديدة فقد تتلاشى في جنب رؤية ذلك اليوم؛ لما فيه من أليم تلك العقوبات المتوالية. هـ. ثمَّ تممَّ توبيخيهم يوم القيامة

الطوسي

تفسير : قرأ اهل الكوفة إلا عاصماً {شقاوتنا} باثبات الألف. الباقون {شقوتنا}. وقرأ اهل الكوفة إلا عاصماً ونافع {سخرياً} بضم السين. الباقون بكسرها. حكى الله تعالى عن هؤلاء الكفار انهم يعترفون على نفوسهم بالخطأ، ويقولون {ربنا غلبت علينا شقوتنا} والشقوة المضرة اللاحقة فى العاقبة. والسعادة المنفعة اللاحقة فى العاقبة، وقد يقال لمن حصل فى الدنيا على مضرة فادحة: شقي، من حيث أنه يؤدي الى أمر شديدة، فالمعاصي شقوة، تؤدي الى العقاب الدائم. ويجوز أن يكون المراد بالشقوة العذاب الذي يفعل الله بهم ويغلب عليهم. وقوله {وكنا قوماً ضالين} اعتراف منهم على نفوسهم أنهم ضلوا عن الحق فى الدنيا وزمان التكليف، ويسألون الله تعالى فيقولون {ربنا أخرجنا منها} أى من هذه النار {فإن عدنا فإنا ظالمون} ولا يجوز أن يكونوا لو أُخرجوا الى دار التكليف لما عادوا، لان الشهوة العاجلة والاغترار بالامهال يعود اليهم فلا يكونون ملجئين. وقد قال الله تعالى {أية : ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون}. تفسير : وقال الحسن: هو آخر كلام يتكلمون به أهل النار، فيقول الله تعالى لهم فى جوابهم {اخسئوا فيها} يعني في النار {ولا تكلمون} أي ابعدوا، بعد الكلب. واذا قيل للكلب اخسأ، فهو زجر بمعنى ابعد بعد غيرك من الكلاب، واذا خوطب به انسان، فهو إهانة له، ولا يكون ذلك إلا عقوبة، وخسأت فلاناً أخسأه خسأ، فهو خاسئ إذا أبعدته بمكروه، ومنه قوله {أية : كونوا قردة خاسئين} تفسير : وقوله {ولا تكلمون} قيل فى معناه قولان: احدهما - ان ذلك على وجه الغضب اللازم لهم، فذكر ذلك ليدل على هذا المعنى، لان من لا يكلم اهانة له وغضباً، فقد بلغ به الغاية في الاذلال. والثاني - ولا تكلمون في رفع العذاب عنكم، فاني لا أرفعه عنكم، ولا افتره وهو على صيغة النهي، وليس بنهي. ثم يقول الله تعالى لهؤلاء الكفار على وجه التهجين لهم والتوبيخ {إنه كان فريق من عبادي} يعني المؤمنين فى دار الدنيا {يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين} أي يدعون بهذه الدعوات، عبادة لله، وطلباً لما عنده من الثواب {فاتخذتموهم} انتم يا معشر الكفار {سخرياً} اي كنتم تستهزؤن بهم وتسخرون منهم. وقيل (السخري) بضم السين من التسخير و (السخري) بكسر السين من الهزء. وقيل: هما لغتان. وقوله {حتى أنسوكم ذكري} معناه لتشاغلكم بالسخرية نسيتم ذكري {وكنتم منهم تضحكون} فلذلك نسب اليهم انهم انسوهم ذكر الله، لما كان بسببهم، والاشغال باغوائهم نسوا ذكر الله.

اطفيش

تفسير : {قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا} ملكتنا بحيث صارت اعمالنا واعتقادنا لجارية على مقتضاها وهي العاقبة السابقة في الازل ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم. وقرئ بفتح الشين وكسرها. وقرأ حمزة والكسائي (شقاوتنا) بالفتح. وقرئ (شقاوتنا) بالكسر والكل مصدر. {وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ} عن الهداية والحق.

الالوسي

تفسير : {قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا} أي استولت علينا وملكتنا شقاوتنا التي اقتضاها سوء استعدادنا كما يومىء إلى ذلك إضافتها إلى أنفسهم. وقرأ شبل في اختياره {شقوتنا} بفتح الشين. وقرأ عبد الله والحسن وقتادة وحمزة والكسائي والمفضل عن عاصم وأبان والزعفراني وابن مقسم {شقاوتنا} بفتح الشين وألف بعد القاف. وقرأ قتادة أيضاً والحسن في رواية خالد بن حوشب عنه {شقاوتنا} بالألف وكسر الشين وهي في جميع ذلك مصدر ومعناها ضد السعادة، وفسرها جماعة بسوء العاقبة التي علم الله تعالى أنهم يستحقونها بسوء أعمالهم ونسب ذلك لجمهور المعتزلة، وعن الأشاعرة أن المراد بها ما كتبه الله تعالى عليهم في الأزل من الكفر والمعاصي، وقال الجبائي: المراد بها الهوى وقضاء اللذات مجازاً من باب إطلاق المسبب على السبب، وأياً ما كان فنسبة الغلب إليها لاعتبار تشبيهها بمن يتحقق منه ذلك ففي الكلام استعارة مكنية تخييلية. ولعل الأولى أن يخرج الكلام مخرج التمثيل ومرادهم بذلك على جميع الأقوال في الشقوة الاعتراف بقيام حجة الله تعالى عليهم لأن منشأها على جميع الأقوال عند التحقيق ما هم عليه في أنفسهم فكأنهم قالوا: ربنا غلب علينا أمر منشؤه ذواتنا {وَكُنَّا} بسبب ذلك {قَوْماً ضَالّينَ} عن الحق مكذبين بما يتلى من الآيات فما تنسب إلى حيف في تعذيبنا، ولا يجوز أن يكون اعتذاراً بما علمه الله تعالى فيهم وكتبه عليهم من الكفر أي غلب علينا ما كتبته علينا من الشقاوة وكنا في علمك قوماً ضالين أو غلب علينا ما علمته وكتبته وكنا بسبب ذلك قوماً ضالين فما وقع منا من التكذيب بآياتك لا قدرة لنا على رفعه وإلا لزم انقلاب العلم جهلاً وهو محال لأن ذلك باطل في نفسه لا يصلح للاعتذار فإنه سبحانه ما كتب إلا ما علم وما علم إلا ما هم عليه في نفس الأمر من سوء الاستعداد المؤدي إلى سوء الاختيار فإن العلم على ما حقق في موضعه تابع للمعلوم، ويؤيد دعوى الاعتراف قوله تعالى حكاية عنهم.

د. أسعد حومد

تفسير : (106) - وَيَرُدُّونَ قَائِلِينَ: يَا رَبِّ لَقد كَثُرَتْ مَعَاصِينَا التي أَوْرَثَتْنَا الشَّقَاءَ وَقَدْ قَامَتْ عَلَيْنَا الحُجَّةُ وَلِكِنَّنَا كُنَّا أَشْقَى مِنْ أَنْ نَنْقَادَ لَهَا، وَكُنَّا بِذَلِكَ ضَالِّينَ عَنْ طَرِيقِ الثَّوَابِ. غَلَبَتْ عَلَيْنَا - اسْتَوْلَتْ عَلَيْنَا وَمَلَكَتْنَا. شِقْوَتُنَا - شَقَاوَتُنَا، أَو لَذَّتُنَا وَشَهَوَاتُنَا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : {شِقْوَتُنَا ..} [المؤمنون: 106] أي: الشقاوة وهي الألم الذي يملك كل ملكات النفس لا يترك منها جانباً، يقولون: فلان شقي يعني مُضيَّق عليه ومُتعَب في كل أمور حياته، لا يرى راحة في شيء منها. وكأنهم بقولهم: {غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا ..} [المؤمنون: 106] يريدون أن يُبِعِدوا المسألة عن أنفسهم ويُلْقون بها عند الله تعالى، يقولون: يا رب لقد كتبتَ علينا الشقوة من الأزل، فلا ذنبَ لنا، وكيف نسعد نحن أنفسنا؟ يقولون: لو شاء ربنا ما فعلنا ذلك. ونقول لهم: لقد كتب الله عليكم أزلاً؛ لأنه سبحانة علم أنكم ستختارون هذا.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 706 : 14 : 49 - سفين عن مجاهد، انه كان يقرؤها {ربنا غلبت علينا شقاوتنا}. [الآية 106].