Verse. 2781 (AR)

٢٣ - ٱلْمُؤْمِنُون

23 - Al-Mu'minoon (AR)

قَالَ اخْسَـُٔـوْا فِيْہَا وَلَا تُكَلِّمُوْنِ۝۱۰۸
Qala ikhsaoo feeha wala tukallimooni

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قال» لهم بلسان مالك بعد قدر الدنيا مرتين «أخسؤا فيها» ابعدوا في النار أذلاء «ولا تكلمون» في رفع العذاب عنكم لينقطع رجاؤهم.

108

Tafseer

ابن كثير

تفسير : هذا جواب من الله تعالى للكفار إذا سألوا الخروج من النار والرجعة إلى هذه الدار. يقول: {ٱخْسَئُواْ فِيهَا} أي: امكثوا فيها صاغرين مهانين أذلاء، {وَلاَ تُكَلِّمُونِ} أي: لا تعودوا إلى سؤالكم هذا؛ فإنه لا جواب لكم عندي. قال العوفي عن ابن عباس: {ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ} قال: هذا قول الرحمن حين انقطع كلامهم منه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبدة بن سليمان المروزي، حدثنا عبد الله بن المبارك عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أبي أيوب عن عبد الله بن عمرو قال: إن أهل جهنم يدعون مالكاً، فلا يجيبهم أربعين عاماً، ثم يرد عليهم: إنكم ماكثون، قال: هانت دعوتهم والله على مالك، ورب مالك، ثم يدعون ربهم فيقولون: {قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَـٰلِمُونَ } قال: فيسكت عنهم قدر الدنيا مرتين، ثم يرد عليهم: {ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ} قال: فوالله ما نبس القوم بعدها بكلمة واحدة، وما هو إلا الزفير والشهيق في نار جهنم، قال: فشبهت أصواتهم بأصوات الحمير، أولها زفير، وآخرها شهيق. وقال ابن أبي حاتم أيضاً: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان عن سلمة بن كهيل، حدثنا أبو الزعراء قال: قال عبد الله بن مسعود: إذا أراد الله تعالى أن لا يخرج منهم أحداً، يعني: من جهنم، غير وجوههم وألوانهم، فيجيء الرجل من المؤمنين، فيشفع فيقول: يا رب فيقول الله: من عرف أحداً فليخرجه، فيجيء الرجل من المؤمنين فينظر فلا يعرف أحداً، فيناديه الرجل: يا فلان أنا فلان، فيقول: ما أعرفك، قال: فعند ذلك يقولون: {رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَـٰلِمُونَ} فعند ذلك يقول الله تعالى: {ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ} فإذا قال ذلك، أطبقت عليهم النار، فلا يخرج منهم أحد. ثم قال تعالى مذكراً لهم بذنوبهم في الدنيا، وما كانوا يستهزئون بعباده المؤمنين وأوليائه، فقال تعالى: {إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِى يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَٰحِمِينَ فَٱتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً} أي: فسخرتم منهم في دعائهم إياي، وتضرعهم إلي، {حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِى} أي: حملكم بغضهم على أن نسيتم معاملتي، {وَكُنْتُمْ مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ} أي: من صنيعهم وعبادتهم، كما قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَضْحَكُونَ وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ} تفسير : [المطففين: 29 ــــ 30] أي: يلمزونهم استهزاء: ثم أخبر تعالى عما جازى به أولياءه وعباده الصالحين، فقال تعالى: {إِنِّى جَزَيْتُهُمُ ٱلْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوۤاْ} أي: على أذاكم لهم، واستهزائكم بهم {أَنَّهُمْ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ} بالسعادة والسلامة والجنة والنجاة من النار.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالَ } لهم بلسان مالك بعد قدر الدنيا مرتين {ٱخْسَئُواْ فِيهَا} أبعدوا في النار أذلاء {وَلاَ تُكَلّمُونِ } في رفع العذاب عنكم فينقطع رجاؤهم.

الماوردي

تفسير : {قَالَ اخْسَئُواْ فِيهَا} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: معناه اصغروا والخاسىء الصاغر، قاله الحسن، والسدي. الثاني: أن الخاسىء الساكت الذي لا يتكلم، قاله قتادة. الثالث: ابعدوا بعد الكلب، قاله ابن عيسى. {وَلاَ تُكَلِّمُونِ} فيه وجهان: أحدهما: لا تكلمون في دفع العذاب عنكم. الثاني: أنهم زجروا عن الكلام، غضباً عليهم، قاله الحسن، فهو آخر كلام يتكلم به أهل النار. {فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً} قرأ بضم السين نافع، وحمزة، والكسائي، وقرأ الباقون بكسرها. واختلف في الضم والكسر على قولين. أحدهما: أنهما لغتان، ومعناهما سواء وهما من الهزء. الثاني: أنها بالضم من السُخرة والاستعباد وبالكسر من السخرية والاستهزاء.

ابن عبد السلام

تفسير : {اخْسَئُواْ} اصغروا، الخاسىء: الصاغر "ح"، أو الساكت الذي لا يتكلم، أو ابعدوا بُعد الكلب {وَلا تُكَلِّمُونِ} في دفع العذاب، أو زجرهم عن الكلام غضباً عليهم "ح"، فهو آخر كلام يُكلمون به.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي شيبة والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والبيهقي في البعث عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : يلقى على أهل النار الجوع حتى يعدل ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون بالطعام، فيغاثون بطعام من ضريع لا يسمن ولا يغني من جوع، فيستغيثون بالطعام فيغاثون بطعام ذي غصة، فيذكرون أنهم كانوا يجيزون الغصص في الدنيا بالشراب، فيستغيثون بالشراب فيرفع إليهم الحميم بكلاليب الحديد، فإذا دنت من وجوههم شوت وجوههم، وإذا دخلت بطونهم قطعت ما في بطونهم، فيقولون: ادعوا خزنة جهنم فيدعون خزنة جهنم إن{ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب} [غافر: 49] فيقولون {أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال} [غافر: 50] فيقولون ادعوا مالكاً فيقولون {يا مالك ليقض علينا ربك}[الزخرف: 77] فيجيبهم {إنكم ماكثون} فيقولون ادعوا ربكم فلا أحد خير من ربكم، فيقولون{ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوماً ضالين، ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون} [المؤمنون: 106-107] فيجيبهم {اخسئوا فيها ولا تُكَلِّمون} فعند ذلك يئسوا من كل خير، وعند ذلك أخذوا في الزفير والحسرة والويل ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وهناد وعبد بن حميد وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في البعث عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: إن أهل جهنم ينادون مالكاً {يا مالك ليقض علينا ربك} فيذرهم أربعين عاماً لا يجيبهم ثم يجيبهم {إنكم ماكثون} ثم ينادون ربهم {ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فانا ظالمون} فيذرهم مثلي الدنيا لا يجيبهم ثم يجيبهم {اخسئوا فيها ولا تُكَلِّمون} قال: فيئس القوم بعدها، وما هو إلا الزفير والشهيق. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الشعب عن محمد بن كعب قال: لأهل النار خمس دعوات يجيبهم الله في أربعة، فإذا كانت الخامسة لم يتكلموا بعدها أبداً يقولون {أية : ربنا أمتَّنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل} تفسير : [غافر: 11] فيجيبهم الله {أية : ذلكم بأنه إذا دعيَ الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير}تفسير : [غافر: 12] ثم يقولون {أية : ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحاً انا موقنون}تفسير : [السجدة: 12] فيجيبهم الله {أية : فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا انا نسيانكم وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون} تفسير : [السجدة: 14] ثم يقولون {أية : ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل}تفسير : [ابراهيم: 44] فيجيبهم الله {أو لم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال} ثم يقولون {أية : ربنا أخرجنا نعمل صالحاً غير الذي كنا نعمل}تفسير : [فاطر: 37] فيجيبهم الله {أية : أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير}تفسير : [فاطر: 37] ثم يقولون {أية : ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوماً ضالين، ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فانا ظالمون}تفسير : [المؤمنون: 106] فيجيبهم الله {اخسئوا فيها ولا تكلمون} فلا يتكلمون بعدها أبداً. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج قال: بلغنا أن أهل النار نادوا خزنة جهنم أن {أية : ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب}تفسير : [غافر: 49] فلم يجيبوهم ما شاء الله، فلما أجابوهم بعد حين قالوا لهم {أية : ادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال} تفسير : [غافر: 50] ثم نادوا {يا مالك} لخازن النار {أية : ليقض علينا ربك} تفسير : [الزخرف: 77] فسكت عنهم مالك مقدار أربعين سنة ثم أجابهم فقال {إنكم ماكثون} ثم نادى الأشقياء ربهم فقالوا {ربنا أخرجنا منها فان عدنا فانا ظالمون} [فسكت عنهم.. مقدار الدنيا ثم أجابهم بعد ذلك {اخسئوا فيها ولا تكلمون}. وأخرج عبد بن حميدعن الحسن في الآية قال: تكلموا قبل ذلك وخاصموا فلما كان آخر ذلك قال {اخسئوا فيها ولا تكلمون} قال: منعوا الكلام آخر ما عليهم. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن زياد بن سعد الخراساني في قوله {اخسئوا فيها ولا تكلمون} قال: فتنطبق عليهم فلا يسمع منها إلا مثل طنين الطست. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله {اخسئوا} قال: اصغروا. وأخرج ابن جرير والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس {اخسئوا فيها ولا تكلمون} قال: هذا قول الرب عز وجل حين انقطع كلامهم منه. وأخرج ابن أبي الدنيا في صفة النار عن حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن الله إذا قال لأهل النار {اخسئوا فيها ولا تكلمون} عادت وجوهم قطعة لحم ليس فيها أفواه ولا مناخير تردد النفس في أجوافهم ". تفسير : وأخرج هناد عن ابن مسعود قال: ليس بعد الآية خروج {اخسئوا فيها ولا تكلمون}.

ابو السعود

تفسير : {قَالَ ٱخْسَئُواْ فِيهَا} أي اسكتُوا في النَّارِ سكوتَ هوانٍ وذِلُّوا وانزجرُوا انزجارَ الكلابِ إذا زُجرتْ. من خسأتُ الكلبَ إذا زجرتَه فَخَسِأ أي انزجرَ {وَلاَ تُكَلّمُونِ} أي باستدعاءِ الإخراجِ من النَّار، والرَّجْعِ إلى الدُّنيا وقيل: لا تُكلِّمونِ في رفع العذابِ ويردُّه الَّعليلُ الآتِي وقيل: لا تُكلِّمونِ رأساً وهو آخرُ كلامٍ يتكلَّمونَ به ثم لا كلامَ بعد ذلكَ إلا الشَّهيقُ والزَّفيرُ والعُواءُ كعواءِ الكلبِ لا يَفْهمون ولا يُفهمون ويردُّه الخطاباتُ الآتيةُ قطعاً. وقوله تعالى: {إِنَّهُ} تعليلٌ لما قبله من الزجرِ عن الدُّعاءِ أي أنَّ الشَّأنَ. وقُرىء بالفتحِ أي لأنَّ الشَّأنَ {كَانَ فَرِيقٌ مّنْ عِبَادِى} وهُم المُؤمنون. وقيل: هم الصَّحابةُ. وقيل: أهلُ الصُّفَّةِ رضوان الله تعالى عليهم أجمعينَ {يَقُولُونَ} في الدُّنيا {رَبَّنَا ءامَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرحِمِينَ * فَٱتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً} أي اسكتُوا عن الدُّعاءِ بقولكم: ربنا الخ، لأنَّكم كنتُم تستهزئُون بالدَّاعينَ بقولهم: ربنا آمنا الخ، وتتشاغلُون باستهزائِهم {حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ} أي الاستهزاءُ بهم {ذِكْرِى} من فرطِ اشتغالِكم باستهزائِهم {وَكُنْتُمْ مّنْهُمْ تَضْحَكُونَ} وذلك غايةُ الاستهزاءِ. وقولُه تعالى: {إِنِى جَزَيْتُهُمُ ٱلْيَوْمَ} استئنافٌ لبـيانِ حُسنِ حالِهم وأنَّهم انتفعُوا بمَا آذوهم {بِمَا صَبَرُواْ} بسبب صبرِهم على أذيَّتِكم. وقولُه تعالى: {أَنَّهُمْ هُمُ ٱلْفَائِزُونَ} ثاني مفعولَيْ الجزاءِ أي جزيتُهم فوزَهم بمجامعِ مراداتِهم مخصُوصينَ به. وقُرىء بكسرِ الهمزةِ على أنَّه تعليلٌ للجزاءِ وبـيانٌ لكونِه في غايةِ ما يكونُ من الحُسنِ. {قَالَ} أي الله عزَّ وجلَّ أو المَلَكُ المأمور بذلك تذكيراً لِما لبثُوا فيما سألُوا الرُّجوعَ إليه من الدُّنيا بعد التَّنبـيهِ على استحالتِه بقولِه: اخسؤُا فيها الخ. وقُرىء قُل، على الأمرِ للمَلَكِ {كَمْ لَبِثْتُمْ فِى ٱلأَرْضِ} التي تدْعُون أنْ ترجِعوا إليها {عَدَدَ سِنِينَ} تميـيزٌ لكَمْ.

القشيري

تفسير : عند ذلك يتمُّ عليهم البلاء، ويشتدُّ عليهم العناء، لأنهم ما داموا يذكرون الله لم يحصل الفراق بالكلية، فإذا حِيلَ بينهم وبين ذكره تتم لهم المحنة، وهو أحدُ ما قيل في قوله:{أية : لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ}تفسير : [الأنبياء: 103]. وفي الخبر: "أنهم ينصرفون بعد ذلك فإذا لهم عواءٌ كعواء الذئب". وبعض الناس تغار من أحوالهم؛ لأن الحق يقول لهم: {ٱخْسَئُواْ فِيهَا}، فيقولون: يا ليتنا يقول لنا! أليس هو يخاطبنا بذلك؟! وهؤلاء يقولون: قَدْحُ الأحباب ألذُّ من مَدْح الأجانب، وينشدون في هذا المعنى: شعر : أتاني عنكِ سَبُّكِ لي.. فسُبِّي أليس جرى بِفِيكِ اسمي؟ فَحسْبِي

الجنابذي

تفسير : {قَالَ ٱخْسَئُواْ فِيهَا} اخسأ كلمة تقال لزجر الكلب {وَلاَ تُكَلِّمُونِ} هاتان الكلمتان اظهار لغاية السّخط عليهم وردع لهم عن ساحة حضوره ومحلّ خطابه.

الأعقم

تفسير : {قال اخسؤوا فيها} ذلوا وانزجروا كما تنزجر الكلاب إذا زجرت، يقال: خسأ الكلب {ولا تكلمون} قيل: يجابون بعد ألف سنة: ولا تكلمون في دفع العذاب، وعن ابن عباس: لهم ست دعوات إذا دخلوا النار فقالوا ألف سنة: ربنا أبصرنا وسمعنا، فيجابون: حقّ القول مني، فينادون ألفاً: ربنا أمتنا اثنتين، فيجابون: ذلكم بأنكم إذا دعي الله، فينادون ألفاً: يا مالك ليقض علينا ربك، فيجابون: إنكم ماكثون، فينادون ألفاً: ربنا أخرجنا منها، فيجابون: أولم تكونوا، فينادون ألفاً: أخرجنا نعمل صالحاً، فيجابون: أولم نعمركم، فينادون ألفاً، رب ارجعون، فيجابون: اخسأوا فيها، قوله تعالى: {إنه كان فريق من عبادي يقولون} يعني المؤمنين {ربنا آمنا} يعني صدقنا بك وبرسولك {فاغفر لنا ذنوبنا وارحمنا} بأن تدخلنا الجنة {وأنت خير الراحمين} {فاتخذتموهم سخريّاً} قيل: تستهزئون بهم، وقيل: تستعبدونهم {حتى أنسوكم ذكري}، قيل: أنساكم اشتغالكم بالاستهزاء بهم عما لزمهم من ذكري فتركتموهم أي تركتم أن تذكروني {وكنتم منهم تضحكون} {إني جزيتهم اليوم بما صبروا} على الاستهزاء، وأقاموا على الدين {أنَّهم هم الفائزون} بالجنة {قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين} هذا سؤال توبيخ وتبكيت، يعني آثرتم الدنيا واشتغلتم بها وبزينتها، السائل لهم الملائكة، وقيل: هو الله، فأجابوا مصدقين و{قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم}، قال جار الله: استقصروا مدة لبثهم في الدنيا بالإِضافة إلى خلودهم ولما هم فيه من عذابها ولأنهم كانوا في سرور وأيام السرور قصار، وقيل: كم لبثتم في القبور مع إنكاركم البعث، وقيل: أرادوا أنهم لا يعرفون ذلك، قال: {فاسأل العادين} قيل: من الملائكة لأنهم يحصون أعمال العباد، وقيل: العادين من الحساب لأنهم يعدون الشهور والسنين، قال تعالى: {إن لبثتم إلا قليلاً} لأن لها نهاية وانقضت لذاتكم {لو أنكم كنتم تعلمون} قيل: البعث والخزي، أي لو علمتم الجزاء ما اعتقدتم دوام اللبث تحت الأرض، وقيل: لو علمتم أن الباقي خير من الفاني {أفحسبتم} أي ظننتم {أَنما خلقناكم عبثاً}، قيل: لعباً وباطلاً لا لغرض وحكمة {وأَنكم إلينا لا ترجعون} أي إلى حكمنا والموضع الذي لا يملك الحكم فيه غيرنا {فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم} أي تعالى صفاته، قال جار الله: وصف العرش بالكرم لأن رحمته تنزل منه والخير والبركة، أي نسبته إلى أكرم الأكرمين كما يقال بيت كريم إذا كان ساكنوه كراماً {ومن يدع مع الله إلهاً آخر لا برهان له به} أي لا حجة له {فإنما حسابه عند ربه} قيل: جزاؤه ومكافأته عند الله والمحاسبة والمكافأة نظائر {إنه لا يفلح الكافرون} أي لا يظفر بما يطوله المؤمنون من الجنة بإيجاب {وقل رب اغفر} الذنوب {وارحم} بإيجاب الثواب {وأنت خير الراحمين} لأن عطاءه لا ينفد بل يتصل ويدوم ولأن أصول النعم وفور منه.

الهواري

تفسير : ثم يرد عليهم: {قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ}. قال: فوالله ما ينبس القوم بعدها بكلمة، وما هو إلا الزفير والشهيق، فشبه أصواتهم بأصوات الحمير أولها زفير وآخرها شهيق. ذكر بعضهم أنهم يدعون - قبل أن يدعوا مالكاً - خزنة جهنم عشرين عاماً فلا تجيبهم. ثم تجيبهم: (أية : أَوَلَمْ تَكُ تَأتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَآءُ الكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ) تفسير : [غافر: 50]، ثم يدعون مالكاً فلا يجيبهم أربعين عاماً، ثم يجيبهم: {أية : إِنَّكُم مَّاكِثُونَ}تفسير : . ثم يدعون ربهم فيذرهم قدر عمر الدنيا مرّتين ثم يجيبهم: {اخْسَئُوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ} أي: اصغروا فيها. والخاسئ الصاغر. وقال بعضهم: الخاسئ الذي لا يتكلم بشيء، ليس إلا الزفير والشهيق. قوله: {إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي} يعني المؤمنين {يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ} أي: أفضل من رحم. وقد يجعل الله الرحمة في قلوب من يشاء، وذلك من رحمة الله، وهو أرحم الراحمين. ذكروا عن سلمان الفارسي قال: خلق الله مائة رحمة، كل رحمة منها طباقها السماوات والأرض. فأنزل الله منها رحمة واحدة؛ فبها يتراحم الخلائق حتى ترحم الوالدة ولدها والبهيمة بهيمتها. فإذا كان يوم القيامة جاء بتلك التسع والتسعين رحمة فكملها مائة رحمة، ثم نصبها بينه وبين خلقه. فالمحروم من حرم تلك الرحمة. قوله: {فَاتَّخَذتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً} يقوله لأهل النار {حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ} أي: كانوا يسخرون بأصحاب الأنبياء ويضحكون منهم. {حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي} ليس يعني أن أصحاب الأنبياء أنسوهم ذكر الله فأمروهم ألا يذكروه، ولكن جحودهم واستهزاؤهم وضحكهم هو الذي أنساهم ذكر الله، فأضاف ذلك إلى أصحاب النبي فقال: {حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي} أي: هم كانوا أسباب نسيانكم لذكري. كقوله: (أية : فَأَمَّا الذِينَ ءَامَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيْمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ) تفسير : [التوبة: 124-125] فأضاف رجسهم إلى السورة لأنها كانت سبب كفرهم. وهذا من المضاف، كقول القائل: أنساني فلان كل شيء، وفلان غائب عنه، بلغه عنه أمر، فشغل ذلك قلبه. وهي كلمة عربية معروفة في اللغة.

اطفيش

تفسير : {قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا} قال لهم بلسان ملك ابعدوا في النار اذلاء واسكتوا فيها سكوت هوان فانها ليست مقام سؤال من (خسأ الكلب) إذا ذهب وسكت بزجر ويتعدى ايضا يقال خسأته * {وَلاَ تُكَلِّمُونَ} فتنطبق عليهم جهنم ويقع الاياس عافانا الله من عذابه بفضله فذلك آخر كلام يتكلمون به فما بعده الا زفير وشهيق وعوي كعوي الكلاب لا يفهمون ولا يفقهون وكأن بعضا ينبح في وجه بعض. وعن عبدالله بن عمر وابي الدرداء ان أهل جهنم يدعون مالكا خازن النار فيقول بعد تمام اربعين عاما انكم ماكثون وينادون ربهم ربنا اخرجنا منها الخ فيقول بعد عمر الدنيا مرتين (اخسأوا فيها) الخ. وروي إنهم يدعون الخزنة عشرين عاما فلا تجيبهم ثم تقول {أية : الم تأتكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين الا في ضلال}تفسير : ثم يدعون مالكا أربعين عاما ثم يجيبهم انكم ماكثون ثم يدعون ربهم فيذرهم قدر الدنيا مرتين ثم يجيبهم (اخسأوا فيها ولا تكلمون) اي لا تكلمون في رفع العذاب أو لا تكلمون رأسا. وروي انهم يقولون ألف سنة {ربنا ابصرنا وسمعنا} فيجابون {حق القول مني} فيقولون الفا {ربنا أَمتنا اثنتين} فيجابون {ذلكم بانه إذا دعي الله وحده كفرتم} فيقولون الفا {يا مالك ليقض علينا ربك} فيجابون {انكم ماكثون} فيقولون الفا {ربنا أَخرنا إلى أجل قريب} فيجابون {أَو لم تكونوا أَقسمتم} فيقولون الفا {أَخرجنا نعمل صالحا} فيجابون {أو لم نعمركم}؟ فيقولون الفا {رب ارجعون} فيجابون {اخسأوا فيها ولا تكلمون} فتلك ست دعوات ذكرها إبن عباس.

اطفيش

تفسير : {قال} الله عز وجل إقناطاً لهم أشد إقناطٍ {اخْسئُوا فيها} ذلوا فيها ذل الكلب، شبههم بالكلاب، ودل على ذلك بنسبة ما للكلب إليهم وهو الخسء، يقال خسأت الكلب فخسأ ففى ذلك استعارة مكنية واخسىء استعارة تبعية تصريحية {ولا تُكلِّمون} فى الاخراج كما يدل عليه ما قبل، وأما بعد فقيل: يمنع التفسير بلا تكلمون فى رفع العذاب، وليس كذلك يقولون: "أية : ربَّنا أمتَنا اثنتين"تفسير : [غافر: 11] الخ، فيجيبهم: "أية : ذٰلكم بأنه إذا دُعى الله وحده"تفسير : [غافر: 12] الخ، ويقولون: "أية : ربنا أبصرنا"تفسير : [السجدة: 12] الخ فيجيبهم "أية : فذوقوا بما نسيتم"تفسير : [السجدة: 14] الخ ويقولون: "أية : ربنا أخرنا إلى أجل "تفسير : [إبراهيم: 44] الخ فيجيبهم: "أية : أو لم تكونوا أقسمتم"تفسير : [إبراهيم: 44] الخ، ويقولون: "أية : ربنا أخرجنا نعمل"تفسير : [فاطر: 37] الخ فيقول: "أية : أو لم نعمركم"تفسير : [فاطر: 37] الخ، ويقولون: "أية : ربنا غلبت علينا"تفسير : [المؤمنون: 106] الخ فيقول: {اخسئوا فيها ولا تكلمون}.

الالوسي

تفسير : {قَالَ} الله سبحانه إقناطاً لهم أشد إقناط {ٱخْسَئُواْ فِيهَا} أي ذلوا وانزجروا انزجار الكلاب إذا زجرت من خسأت الكلب إذا زجرته فخسأ أي انزجر أو اسكتوا سكوت هوان ففيه استعارة مكنية قرينتها تصريحية {وَلاَ تُكَلّمُونِ} باستدعاء الإخراج من النار والرجع إلى الدنيا، وقيل: لا تكلمون في رفع العذاب، ولعل الأول أوفق بما قبله وبالتعليل الآتي، وقيل: لا تكلمون أبداً وهو آخر كلام يتكلمون به. أخرج ابن أبـي الدنيا في «صفة النار» عن حذيفة « حديث : أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله تعالى إذا قال لأهل النار اخسئوا فيها ولا تكلمون عادت وجوههم قطعة لحم ليس فيها أفواه ولا مناخر يتردد النفس في أجوافهم » تفسير : وأخرج الطبراني والبيهقي في «البعث» وعبد الله بن أحمد في «زوائد الزهد» والحاكم وصححه وجماعة عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: إن أهل جهنم ينادون مالكاً {لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} فيذرهم أربعين عاماً لا يجيبهم ثم يجيبهم { أية : إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ } تفسير : [الزخرف: 77] ثم ينادون ربهم { أية : رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ } تفسير : [المؤمنون: 107] فيذرهم مثلي الدنيا لا يجيبهم ثم يجيبهم {ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ} قال: فما نبس القوم بعدها بكلمة وما هو إلا الزفير والشهيق. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وغيرهما عن محمد بن كعب قال: لأهل النار خمس دعوات يجيبهم الله تعالى في أربعة فإذا كانت الخامسة لم يتكلموا بعدها أبداً يقولون: { أية : رَبَّنَا أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مّن سَبِيلٍ } تفسير : [غافر: 11] فجيبهم الله تعالى: { أية : ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِىَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ فَٱلْحُكْمُ للَّهِ ٱلْعَلِـىّ ٱلْكَبِيرِ } تفسير : [غافر: 12] ثم يقولون: { أية : رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَـٰلِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ } تفسير : [السجدة: 12] فيجيبهم الله تعالى: {أية : فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَآ إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُـواْ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} تفسير : [السجدة: 14] ثم يقولون: { أية : رَبَّنَا أَخّرْنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ } تفسير : فيجيبهم الله تعالى: { أية : أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُمْ مّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مّن زَوَالٍ } تفسير : [إبراهيم: 44] ثم يقولون: { أية : رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَـٰلِحاً غَيْرَ ٱلَّذِى كُـنَّا نَعْمَلُ } تفسير : [فاطر: 37] فيجيبهم الله تعالى: { أية : أَوَلَمْ نُعَمّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ ٱلنَّذِيرُ فَذُوقُواْ فَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِن نَّصِيرٍ } تفسير : [فاطر: 37] ثم يقولون: { أية : رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَـٰلِمُونَ } تفسير : [المؤمنون: 106-107] فيجيبهم الله تعالى:{ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ} فلا يتكلمون بعدها أبداً، وفي بعض الآثار أنهم يلهجون بكل دعاء ألف سنة، ويشكل على هذه الأخبار ظواهر الخطابات الآتية كما لا يخفى ولعلها لا يصح منها شيء وتصحيح الحاكم محكوم عليه بعدم الاعتبار والله تعالى أعلم.

ابن عاشور

تفسير : {اخسئوا} زجر وشتم بأنهم خاسئون، ومعناه عدم استجابة طلبهم. وفعل خسأ من باب منع ومعناه ذل. ونهوا عن خطاب الله والمقصود تأييسهم من النجاة مما هم فيه. وجملة {إنه كان فريق من عبادي} إلى آخرها استئناف قصد منه إغاظتهم بمقابلة حالهم يوم العذاب بحال الذين أنعم الله عليهم، وتحسيرُهم على ما كانوا يعاملون به المسلمين. والإخبار في قوله: {إنه كان فريق من عبادي} إلى قوله: {سخرياً} مستعمل في كون المتكلم عالماً بمضمون الخبر بقرينة أن المخاطب يعلم أحوال نفسه. وتأكيد الخبر بــــ(إن) وضمير الشأن للتعجيل بإرهابهم. وجملة {إنى جزيتهم} خبر (إن) الأولى لزيادة التأكيد. وتقدم نظيره في قوله: { أية : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً } تفسير : في سورة الكهف (30). والسخري بضم السين في قراءة نافع والكسائي وأبي جعفر وخلف، وبكسر السين في قراءة الباقين، وهما وجهان ومعناهما واحد عند المحققين من أيمة اللغة لا فرق بينهما خلافاً لأبي عبيدة والكسائي والفراء الذين جعلوا المكسور مأخوذاً من سخر بمعنى هزأ، والمضموم مأخوذاً من السخرة بضم السين وهي الاستخدام بلا أجر. فلما قصد منه المبالغة في حصول المصدر أدخلت ياء النسبة كما يقال: الخصوصية لمصدر الخصوص. وسلط الاتخاذ على المصدر للمبالغة كما يوصف بالمصدر. والمعنى: اتخذتموهم مسخوراً بهم، فنصب {سخرياً} على أنه مفعول ثان لــــ{اتخذتموهم}. و{حتى} ابتدائية ومعنى (حتى) الابتدائية معنى فاء السببية فهي استعارة تبعية. شبه التسبب القوي بالغاية فاستعملت فيه (حتى). والمعنى: أنكم لهوتم عن التأمل فيما جاء به القرآن من الذكر، لأنهم سخروا منهم لأجل أنهم مسلمون فقد سخروا من الدين الذي كان اتباعهم إياه سبب السخرية بهم فكيف يرجى من هؤلاء التذكر بذلك الذكر وهو من دواعي السخرية بأهله. وتقدم الكلام على فعل (سخر) عند قوله: { أية : فحاق بالذين سخروا منهم } تفسير : في سورة الأنعام (10) وقوله: { أية : يسخرون منهم } تفسير : في سورة براءة (79). فإسناد الإنساء إلى الفريق مجاز عقلي لأنهم سببه، أو هو مجاز بالحذف بتقدير: حتى أنساكم السخري بهم ذكري. والقرينة على الأول معنوية وعلى الثاني لفظية. وقوله: {أنهم هم الفائزون} قرأه الجمهور بفتح همزة (أن) على معنى المصدرية والتأكيد، أي جزيتهم بأنهم. وقرأه حمزة والكسائي بكسر همزة (إن) على التأكيد فقط فتكون استئنافاً بيانياً للجزاء. وضمير الفصل للاختصاص، أي هم الفائزون لا أنتم. وقوله: {بما صبروا} إدماج للتنويه بالصبر، والتنبيه على أن سخريتهم بهم كانت سبباً في صبرهم الذي أكسبهم الجزاء. وفي ذلك زيادة تلهيف للمخاطبين بأن كانوا هم السبب في ضر أنفسهم ونفع من كانوا يعدّونهم أعداءهم.

الواحدي

تفسير : {ٱخْسَئُواْ} أي: تباعدوا تباعد سخطٍ عليكم.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: إخسأوا: أي أبعدوا في النار أذلاء مخزيين. فريق من عبادي: هم المؤمنون المتقون. فاتخذتموهم سخرياً: أي جعلتموهم محط سخريتكم واستهزائكم. بما صبروا: أي على الإِيمان والتقوى. هم الفائزون: أي الناجون من النار المنعمون في الجنة. معنى الآيات: قوله تعالى: {قَالَ ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ} هذا جواب سؤالهم المتقدم حيث قالوا: {أية : رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ} تفسير : [المؤمنون: 107] وعلل تعالى لحكمه فيهم بالإٍبعاد في جهنم أذلاء مخزيين بقوله: {إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي} وهو فريق المؤمنين المتقين يقولون {رَبَّنَآ آمَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا} ذنوبنا {وَٱرْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّاحِمِينَ} أي يعبدوننا ويتقربون إلينا ويتوسلون بإيمانهم وصالح أعمالهم ويسألوننا المغفرة والرحمة وكنتم أنتم تضحكون من عبادتهم ودعائهم وضراعتهم إلينا وتسخرون منهم إني جزيتهم اليوم بصبرهم على طاعتنا مع ما يلاقون منكم من اضطهاد وسخرية. {أَنَّهُمْ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ} برضواني في جناتي لا غيرهم. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان مدى حسرة أهل النار لما يجابون بكلمة: {ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ}. 2- فضيلة التضرع إلى الله تعالى ودعائه والتوسل إليه بالإِيمان وصالح الأعمال. 3- حرمة السخرية بالمسلم والاستهزاء به والضحك منه. 4- فضيلة الصبر ولذا ورد أن منزلة الصبر من الإِيمان كمنزلة الرأس من الجسد.

د. أسعد حومد

تفسير : (108) - وَيَرُّدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَى الكُفَّارِ إِذَا سَأَلُوا الخُرُوجَ مِنَ النَّارِ، والرَّجْعَةَ إِلَى الدُّنْيَا، وَيَقُولُ لَهُمْ: امْكُثُوا فِيهَا صَاغِرِينَ مُهَانِينَ أَذِلاَّءَ واسْكُتُوا (اخْسَؤُوا) وَلاَ تَعُودُوا إِلَى سُؤَالِكُمْ هَذَا، فَإِنَّهُ لاَ رَجْعَةَ لَكُمْ إِلَى الدُّنْيَا. اخْسَؤُوا فِيهَا - اسْكُتُوا سُكُوتَ ذِلَّةٍ وَهَوَانٍ كَالْكِلاَبِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : {ٱخْسَئُواْ} [المؤمنون: 108] كلمة بليغة في الزجر تعني: السكوت مع الذّلة والهوان؛ لذلك يقولونها للكلاب، وقد تقول لصاحبك: اسكت على سبيل التكريم له، كما لو حدَّثك عن فضلك عليه، وأنك قدَّمْتَ له كذا وكذا فتقول له: اسكت اسكت، تريد له العزة، وألاَّ يقف أمامك موقف الضعف والذلة. والخسوء من معانيها أنك تضعف عن تحمُّل الشيء، كما في قوله تعالى: {أية : ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ} تفسير : [الملك: 4] يعني: ضعيف عن تحمُّل الضوء. وفي قوله سبحانه: {أية : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَواْ مِنْكُمْ فِي ٱلسَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ} تفسير : [البقرة: 65] يعني: مطرودون مُبْعدون عن سُمو الإنسانية وعِزّتها؛ لذلك نرى القردة مفضوحي السَّوْءة، خفيفي الحركة بما لا يتناسب وكرامة الإنسان. إذن: ليس المراد أنهم أصبحوا قردة، إنما كونوا على هيئة القردة؛ لذلك نراهم حتى الآن لا يهتمون بمسألة العِرْض وانكشاف العورة. إذن: المعنى {ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ} [المؤمنون: 108] اسكتوا سكوتاً بذلّة وهَوَان، ويكفي ما صنعتموه بالمؤمنين بي؛ فيقول الحق سبحانه: {إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا ...}.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {ٱخْسَئُواْ فِيهَا} [108] 375 - أنا قُتيبةُ بن سعيدٍ، نا اللَّيثُ، عن سعيد بن أبي سعيدٍ عن أبي هُريرة قال: حديث : لما فُتحتْ خيبرُ، أُهديت لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم شاةٌ فيها سُمٌّ فقال رسولُّ الله صلى الله عليه وسلم: "اجمعوا لي من كان ههُنا من اليهود" فجُمعُوا له، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني سائلُكم عن شيءٍ فهل أنتم صادقوني فيه؟" قالوا: نعم يا أبا القاسمِ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أبُوكُمْ" قالوا: فُلانٌ. قال رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم: "كذبتم، بل أبُوكم فُلانٌ" قالوا: صدقتَ وبررتَ. قال: "هل أنتم صادقوني عن شيءٍ إن سألتكم عنهُ؟" قالوا: نعم، وإن كذبنا عرفت كذبنا كما عرفت في أبِينا. فقال لهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "من أهلُ النار؟" فقالوا: نكونُ فيها يسيراً ثم تخلفوننا فيها... فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: اخسأُوا فيها، والله لا نَخلُفُكُم فيها أبداًتفسير : . وساقَ الحديثَ.

همام الصنعاني

تفسير : 1991- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ}: [الآية: 108]، قال: بلغني أنهم ينادون مالكاً فيقولون: {أية : لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ}تفسير : : [الزخرف: 77]، فيسكت عنهم قدر أربعين سنة، ثم يقول: إنكم ماكثون. قال: ثم ينادون ربهم، فيسكت عنهم قدر الدنيا مرتين، ثم يقول: {ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ}، قال: فييأس القوم بعدها، ولا يتكلمون بَعْدَها كلمةً، وإنما هو الزفير والشهيق. 1992- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا عبد الله بن عيسى، عن زياد الخرساني: قال (أسنده) في قوله: {ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ}: [الآية: 108]، قال: فيسْكُتُونَ، فلا تسمع لهم حِسّاً إلا كطنين الطِّسْتِ. 1993- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة قال: صوت الكافر في النار مثل صَوْتِ الحِمَار، أَوَّلَهُ زفير وآخره شهيق.