Verse. 2782 (AR)

٢٣ - ٱلْمُؤْمِنُون

23 - Al-Mu'minoon (AR)

اِنَّہٗ كَانَ فَرِيْقٌ مِّنْ عِبَادِيْ يَقُوْلُوْنَ رَبَّنَاۗ اٰمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَاَنْتَ خَيْرُ الرّٰحِمِيْنَ۝۱۰۹ۚۖ
Innahu kana fareequn min AAibadee yaqooloona rabbana amanna faighfir lana wairhamna waanta khayru alrrahimeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إنه كان فريق من عبادي» هم المهاجرون «يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحما وأنت خير الراحمين».

109

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا} الآية. قال مجاهد: هم بِلال وخَبّاب وصُهَيب، وفلان وفلان من ضعفاء المسلمين؛ كان أبو جهل وأصحابه يهزؤون بهم. {فَٱتَّخَذْتُمُوهُمْ سُخْرِيّاً} بالضم قراءة نافع وحمزة والكسائي هاهنا وفي «صۤ». وكسر الباقون. قال النحاس: وفرّق أبو عمرو بينهما، فجعل المكسورة من جهة التهزّؤ، والمضمومة من جهة السُّخْرة، ولا يَعرف هذا التفريق الخليلُ ولا سيبويه ولا الكسائيّ ولا الفرّاء. قال الكسائيّ: هما لغتان بمعنًى واحد؛ كما يقال: عُصِيّ وعِصِيّ، ولُجِيّ ولِجِيّ. وحكى الثّعلبِيّ عن الكسائيّ والفرّاء الفرقَ الذي ذكره أبو عمرو، وأن الكسر بمعنى الاستهزاء والسخرية بالقول، والضَّمّ بمعنى التسخير والاستعباد بالفعل. وقال المبرد: إنما يؤخذ التفريق بين المعاني عن العرب، وأما التأويل فلا يكون. والكسر في سخريّ في المعنيين جميعاً؛ لأن الضمة تستثقل في مثل هذا. {حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي} أي حتى اشتغلتم بالاستهزاء بهم عن ذكري. {وَكُنْتُمْ مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ} استهزاء بهم، وأضاف الإنْساء إلى المؤمنين لأنهم كانوا سبباً لاشتغالهم عن ذكره؛ وتعدّى شؤم استهزائهم بالمؤمنين إلى استيلاء الكفر على قلوبهم. {إِنِّي جَزَيْتُهُمُ ٱلْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوۤاْ} على أذاكم، وصبروا على طاعتي. {أَنَّهُمْ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ} قرأ حمزة والكسائيّ بكسر الهمزة على ابتداء المدح من الله تعالى لهم، وفتح الباقون؛ أي لأنهم هم الفائزون. ويجوز نصبه بوقوع الجزاء عليه، تقديره: إني جزيتهم اليوم الفوز بالجنة. قلت: وينظر إلى معنى هذا قوله تعالى في آخر المُطَفِّفِين: {أية : فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ} تفسير : [المطففين: 34] إلى آخر السورة، على ما يأتي بيانه هناك إن شاء الله تعالى. ويستفاد من هذا: التحذيرُ من السّخريّة والاستهزاء بالضعفاء والمساكين والاحتقار لهم، والإزراء عليهم والاشتغال بهم فيما لا يعني، وأن ذلك مُبْعِد من الله عز وجل.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِى } هم المهاجرون {يَقُولُونَ رَبَّنآ ءَامَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلراحِمِينَ }.

ابن عطية

تفسير : قرأ هارون "أنه كان" بفتح الألف وهي قراءة أبي ابن كعب، وروي أن في مصحف أبي بن كعب "أن كان" وهذا كله متعاضد، وفي قراءة ابن مسعود "تكلمون كان فريق" بغير "إنه" وهذه تعضد كسر الألف من "إنه" لأنها استئناف، وهذه الهاء هي مبهمة ضمير للأمر، والكوفيون يسمونها المجهولة وهي عبارة فاسدة، وهذه الآية كلها مما يقال للكفار على جهة التوبيخ، و"الفريق" المشار إليه كل مستضعف من المؤمنين يتفق أن تكون حاله مع كفار في مثل هذه الحال، ونزلت الآية في كفار قريش مع صهيب وبلال وعمار ونظرائهم ثم هي عامة فيمن جرى مجراهم قديماً وبقية الدهر، وقرأ نافع وحمزة والكسائي "سُخرياً" بضم السين، وقرأ الباقون "سِخرياً" بكسرها، فقالت طائفة هما بمعنى واحد وذكر ذلك الطبري، وقال ذلك أبو زيد الأنصاري إنهما بمعنى الهزء، وقال أبو عبيدة وغيره: إن ضم السين من "السخرة" والتخديم وكسر السين من السخر وهو الاستهزاء ومنه قول الأعشى: [البسيط] شعر : إني أتاني حديث لا أسرُّ به من علو لا كذب ولا سخر تفسير : قال أبو علي قراءة كسر السين أوجه لأنه بمعنى الاستهزاء والكسر فيه أكثر وهو أليق بالآية ألا ترى إلى قوله: {وكنتم منهم تضحكون}.. قال القاضي أبو محمد: ألا ترى إلى إجماع القراء على ضم السين في قوله {أية : لتخذ بعضهم بعضاً سخرياً} تفسير : [الزخرف: 32] لما تخلص الأمر للتخديم، قال يونس إذا أريد التخديم فضم السين لا غير، وإذا أريد تخلص الاستهزاء فالضم والكسر، وقرأ أصحاب عبد الله والأعرج وابن أبي إسحاق كل ما في القرآن بضم السين، وقرأ الحسن وأبو عمرو كل ما في القرآن بالكسر إلا التي في الزخرف فإنهما ضما السين كما فعل الناس لأنها من التخديم، وأضاف "الإنسان" إلى "الفريق" من حيث كان بسببهم والمعنى أن اشتغالهم بالهزء بهؤلاء أنساهم ما ينفعهم، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر "أنهم هم الفائزون" بفتح الألف، فـ {جزيتهم} عامل في "أن"، ويجوز أن يعمل في مفعول محذوف ويكون التقدير لأنهم، وقرأ حمزة والكسائي وخارجة عن نافع "إنهم" بكسر الألف فالمفعول الثاني لـ "جزية" مقدر تقديره الجنة أو الرضوان، و{الفائزون} المنتهون إلى غايتهم التي كانت أملهم، ومعنى الفوز النجاة من هلكة إلى نعمة.

الثعالبي

تفسير : وقوله عز وجل: {إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا ءامَنَّا...} الآية الهاء في {إنه}: مُبْهَمَةٌ: وهي ضمير الأمر والشأن، والفريقُ المُشَارُ إليه: كُلُّ مُسْتَضْعَفٍ من المؤمنين يَتَّفِقُ أنْ تكون حالُه مع كُفَّارٍ مِثلَ هذه الحال، ونزلت الآية في كُفَّارِ قريشِ مع صُهَيْبٍ، وعَمَّار، وبلال، ونظرائهم، ثم هي عامة فيمَنْ جرى مجراهم قديماً وبقيةَ الدهر، وقرأ نافع وحمزة والكسائي: «سُخْرِيّاً» بضم السين، والباقون بكسرها؛ فقيل هما بمعنى واحد؛ ذكر ذلك الطبريُّ. وقال ذلك أبو زيد الأنصاريُّ: إنهما بمعنى الهُزْءِ، وقال أبو عبيدَة وغيره: إنَّ ضم السين من السخرة والاستخدام، وكسرها من السخر وهو الاستهزاء، ومعنى الاستهزاء هنا أليق؛ أَلاَ ترى إلى قوله: {وَكُنْتُمْ مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ}. وقوله سبحانه: {كَمْ لَبِثْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ...} الآية قوله: {فِي ٱلأَرْضِ}. قال الطبريُّ معناه: في الدنيا أحياءَ، وعن هذا وقع السؤال، ونَسُوا لفرط هول العذاب حَتَّى قالوا: {يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ}، والغرضُ توقيفهم على أَنَّ أعمارهم قصيرة أَدَّاهُمُ الكُفْرُ فيها إلى عذاب طويل، عافانا اللّه من ذلك بِمَنِّهِ وكرمه!. وقال الجمهور: معناه: كم لَبِثْتُمْ في جوف التراب أمواتاً؟ قال * ع *: وهذا هو الأصوب من حيث أنكروا البعث. وكان قولهم: إنهم لا يقومون من التراب، وقوله آخراً: {وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ} يقتضي ما قلناه. قلت: الآيات محتملة للمعنيين، واللّه أعلم بما أراد سبحانه؛ قال البخاريُّ: قال ابن عباس: {فَسْئَلِ ٱلْعَآدِّينَ} أي: الملائكة، انتهى. * ص *: قرأ الجمهور: «العَادِّينَ» - بتشديد الدال - اسم فاعل من «عَدَّ»، وقرأ الحسن وفي رواية: «العَادِينَ» بتخفيف الدال، أي: الظَّلَمَةَ، و«إنْ» من قوله: {إِن لَّبِثْتُمْ} نافيةٌ، أي: ما لبثتم إلاَّ قليلاً، اهـ. و {عَبَثاً}: معناه: باطلاً، لغير غَايَةٍ مُرَادَةٍ، وخَرَّجَ أبو نُعَيْمٍ الحافظُ عن حنش الصنعانيِّ عن ابن مسعود «حديث : أنه قرأ في أذن مبتلى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً...} إلى آخر السورة، فأفاق، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: ما قرأتَ في أذنه؟ قال: قرأت: {أَفَحَسِبْتُمْ...} إلى آخر السورة، فقال النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: لَوْ أَنَّ رَجُلاً مُوقِناً قَرَأَهَا عَلَى جَبَلٍ لَزَال»تفسير : ، انتهى، وخَرَّجَهُ ابن السُّنِّيُّ أيضاً، ذكره النووي. وقوله سبحانه: {فَتَعَالَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ}: المعنى: فتعالى اللّه عن مقالتهم في دعوى الشريك والصاحبة والولد، ثم تَوَعَّدُ سبحانه عَبَدَةَ الأوثان بقوله: {فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ}، وفي حرف عبد اللّه: «عند ربك»، وفي حرف أُبَيِّ: «عند اللّه» ثم أَمر تعالى نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم بالدعاء والذكر له فقال: {وَقُل رَّبِّ ٱغْفِرْ وَٱرْحَمْ وَأنتَ خَيْرُ ٱلرَّاحِمِينَ}.

القشيري

تفسير : الحقُّ - سبحانه - ينتقم من أعدائه بما يطيِّبُ به قلوبَ أوليائه، وتلك خصومةُ الحق، فيقول: قد كان قومٌ من أوليائي يُفْصِحون بمدحي وثنائي، ويتصفون بمدحي وإطرائي، فاتخذتموهم سخرياً... فأنا اليوم أُجازيهم، وأنتقم ممن كان يناويهم.

الجنابذي

تفسير : {إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ} حالاً وقالاً {رَبَّنَآ آمَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّاحِمِينَ} يعنى انّ جماعة من عبادى وهم الّذين تولّوا عليّاً (ع) بالبيعة الخاصّة توسّلوا بى وتضرّعوا علىّ والتجأوا الىّ.

اطفيش

تفسير : {إِنَّهُ} اي الشأن وقرأ ابي بفتح الهمزة اي لانه * {كَانَ فَرِيقٌ} يعني المؤمنين المهاجرين وعبارة بعضهم يعني ضعفاء المؤمنين كصهيب وعمار وبلال وسلمان وخباب ونظائرهم رضي الله عنهم وان الآية جارية فيمن جرى مجراهم قديما وبينه الدهر. وقد قيل: المراد الصحابة. وقيل: اهل الصفة {مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ} افضل من رحم يجعل الله الرحمة في قلب من يشاء. وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : خلق الله مائة رحمة كل رحمة منها طباقها السماوات والارض أَنزل منها واحدة فمنها يتراحم الخلائق حتى ترحم الوالدة ولدها والبهيمة بهيمتها فإِذا كان يوم القيامة جاء بتلك التسعة والتسعين رحمة فذلك مائة رحمة ثم يصيبها بينه وبين خلقه فالمحروم من حرم من تلك الرحمة

اطفيش

تفسير : {إنه كان فريق من عبادى يقولون ربَّنا آمنا فاغْفر لنا وارْحَمنا وأنت خَير الراحمين * فاتَّخذتْموهم سِخْرياً حتى أنْسَوكم ذِكرى وكُنْتم منهم تَضْحكُون * إنِّى جَزيتُهم اليوم بما صبروا إنَّهم هُم الفائزونَ} فقيل: إن بين كل كلام وجواب الف سنة يلهجون فيها بسؤال، ويروى أنه لا كلام لهم بعد قولهم: "أية : ربَّنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنَّا ظالمون"تفسير : [المؤمنون: 107] فتطمس أفواههم وأنوفهم، فيتنفسون فى أجوافهم وأنه الخ تعليل جملى، كان فى الدنيا فريق هم مؤمنون كل عصر اتخذهم فيه المشركون، وقيل الصحابة، وقيل أهل الصفة، والسخرى المهزء، أى ذوى سخر أو مسخوراً بهم، وحتى أنسوكم أو أنساكم سخركم الذى تسخرونه وتشتغلون به، وذكرى ذكركم إيلى بالعذاب، أو ذكرى فى أوليائى، والانساء الترك البتة لا بعد ذكر، لأنهم لم يكونوا يذكرونه بالعقاب. والإنساء الازالة عن الحافظة، وهو أبلغ فى الاعراض واسناد الانساء الىالفريق اسناد الى السبب، وكذا الى السخر بهم والضحك، مع الاتخاذ سخرياً غاية استهزاء، فجازاهم بما هو غاية بان قال: اخسئوا الخ، وبما صبروا بصبرهم، أو بالصبر الذى صبروه، أو بصبر عظيم صبروه، أو بسبب ذلك، وأنهم هم الفائزون مفعول ثان لجزيت، أو يقدر الباء، والفوز هو بالنجاة من النار، ودخول الجنة ولا يتبادر جزيتهم بكل ما يحسن لفوزهم فى الدنيا بالتوحيد.

الالوسي

تفسير : {إِنَّهُ} تعليل لما قبله من الزجر عن الدعاء أي إن الشأن. وقرأ أبـي وهارون العتكي {أَنَّهُ} بفتح الهمزة أي لأن الشأن {كَانَ} في الدنيا التي تريدون الرجعة إليها {فَرِيقٌ مّنْ عِبَادِى} وهم المؤمنون، / وقيل: هم الصحابة، وقيل: أهل الصفة رضي الله تعالى عنهم أجمعين. {يَقُولُونَ رَبَّنَا ءامَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرٰحِمِينَ}.

الشنقيطي

تفسير : فقد تقرر في الأصول في مسلك الإيماء والتنبيه، أن إن المكسورة المشددة من حروف التعليل، كقولك: عاقبه إنه مسيء: أي لأجل إساءته. وقوله في هذه الآية: {إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي} الآيتين. يدل فيه لفظ إن المكسورة المشددة، على أن من الأسباب التي أدخلتهم النار هو استهزاؤهم، وسخريتهم من هذا الفريق المؤمن الذي يقول: {رَبَّنَآ آمَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّاحِمِينَ} فالكفار يسخرون من ضعفاء المؤمنين في الدنيا حتى ينسيهم ذلك ذكر الله، والإيمان به فيدخلون بذلك النار. وما ذكره تعالى في هاتين الآيتين الكريمتين أشار له في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ}تفسير : [المطففين: 29-30] وكقوله تعالى: {أية : وَكَذٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِّيَقُولوۤاْ أَهَـٰؤُلاۤءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ}تفسير : [الأنعام: 53] الآية وكل ذلك احتقار منهم لهم، وإنكارهم أن الله يمن عليهم بخير، وكقوله تعالى: {أية : أَهَـۤؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ ٱللَّهُ بِرَحْمَةٍ}تفسير : [الأعراف: 49] الآية. وقوله تعالى عنهم: {أية : لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ}تفسير : [الأحقاف: 11] وكل ذلك احتقار منهم لهم. وقوله: {فَٱتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً} والسخري بالضم والكسر: مصدر سخر منه، إذا استهزأ به على سبيل الاحتقار. قال الزمخشري في ياء النسب: زيادة في الفعل، كما قيل في الخصوصية بمعنى الخصوص، ومعناه: أن الياء المشددة في آخره تدل على زيادة سخرهم منهم: ومبالغتهم في ذلك، وقرأ نافع وحمزة والكسائي: سخريا بضم السين، والباقون بكسرها ومعنى القراءتين واحد، وهو سخرية الكفار واستهزاؤهم بضعفاء المؤمنين، كما بينا. وممن قال بأن معناهما واحد: الخليل وسيبويه، وهو الحق إن شاء الله تعالى. وعن الكسائي والفراء: أن السخري بكسر السين من قبيل ما ذكرنا من الاستهزاء، وأن السخري بضم السين من التسخير، الذي هو التذليل والعبودية. والمعنى: أن الكفار يسخرون ضعفاء المؤمنين، ويستبعدونهم كما كان يفعله أمية بن خلف ببلال، ولا يخفى أن الصواب هو ما ذكرنا إن شاء الله تعالى، وحتى في قوله: {حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي} حرف غاية، لاتخاذهم إياهم سخرياً: أي لم يزالوا كذلك، حتى أنساهم ذلك ذكر الله والإيمان به، فكان مأواهم النارن والعياذ بالله.

د. أسعد حومد

تفسير : {آمَنَّا} {ٱلرَّاحِمِينَ} (109) - ثُمَّ يَقُولُ تَعَالَى مُذَكِّراً لِهَؤُلاَءِ بِذُنُوِبِهِمْ فِي الدُّنْيَا، وَبِاسْتِهْزَائِهِمْ بِعِبَادِه المُؤْمِنِينَ وَأَوْلِيَائه: إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي آمنُوا بِي وَبِرُسُلِي، وَكَانُوا يَقُولُون: رَبَّنَا آمَنَّا بِكَ، وَبِرُسُلِكَ، فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا، وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والمراد هنا الضعاف من المؤمنين أمثال عمار وبلال وخباب بن الأرت، وكانوا يقولون هذا الكلام، وهو كلام طيب لا يرد، بل يجب أن يُسمع، وأن يُحتذَى به، ويُؤخَذ قدوة.

الجيلاني

تفسير : أما تستحيون أيها المسرفون تذكروا ما أنتم عليه {إِنَّهُ} أي: إن شأنكم وأمركم في دنياكم {كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ} خُلّص {عِبَادِي يَقُولُونَ} متضرعين متحننين نحونا راجعين العفو والرحمة منا بقولهم: {رَبَّنَآ} كما ربيتنا بأنواع الكرم {آمَنَّا} وصدقناك بالربوبية والألوهية {فَٱغْفِرْ لَنَا} ذنوبنا واستر لنا عيوبنا {وَٱرْحَمْنَا} تفضلاً علينا وامتناناً {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّاحِمِينَ} [المؤمنون: 109] إذ رحمتك بنا لا تُعَلَّلُ بغرضٍ منك وعوضٍ منا. ومتى سمعتم مناجاتهم هذه، ودعاءهم هذا {فَٱتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً} وصرتم مستهزئين بأقوالهم وأعمالهم، متمادين في الهزء والسخرية، متوغلين في الغفلة والغرور {حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ} جهلَكم وغفلَتكم {ذِكْرِي} والتوجه نحوي، والرجوع إليِّ بل صرتم غافلين ذاهلين، محرومين عن كمال الإنسان، منحطين عن رتبة الخلافة، مستحقين لأنواع السخرية والضحكة {وَ} مع ذلك {كُنْتُمْ مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ} [المؤمنون: 110] مع أنهم ساعون نحونا، سالكون في طريق توحيدنا، طالبون الوصول إلى ما هم جبلوا لأجله. لذلك {إِنِّي} من كما لطفي وإشفاقي معهم {جَزَيْتُهُمُ ٱلْيَوْمَ} أحسن انلجزاء {بِمَا صَبَرُوۤاْ} على أذاكم أيها الجاهلون في النشأة الأولى، وهم بسبب صبرهم وتمكنهم على أذاكم في دنياكم حفظاً لدينهم وإيمانهم {أَنَّهُمْ} القوم {هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ} [المؤمنون: 111] المقصورون على الفوز والفلاح إلى ما هو النجاة و النجاح، بـ {أية : لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}تفسير : [البقرة: 38]. وبعدما صاروا مخلَّدين مؤبَّدين في النار، صاغرين مهانين فيها {قَالَ} قائلُ من قِبَل الحق على سبيل التوبيخ والتقريع إظهاراً لقبح استبدالهم، واختيارهم الأدنى بدل الأعلى: {كَمْ لَبِثْتُمْ} أيها الضالون المسرفون {فِي ٱلأَرْضِ} التي كنت تستكبرون عليها خيلاءَ مغرورين {عَدَدَ سِنِينَ} [المؤمنين: 112] أي: كم مدةً وسنةً استقررتم عليها متفوهين؟!. {قَالُواْ} مستقصرين مستحقرين: {لَبِثْنَا} عليها {يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} أي: بل بعض يوم بالنسبة إلى هذه الأيام الطوال التي كنا فيها مذنبين، بل نسينا نحن مدة ما كنا عليها لغاية قصرها ولا نقدر عليها {فَسْئَلِ ٱلْعَآدِّينَ} [المؤمنون: 113] المعاصرين بنا من أهل القبول والسرور، والموكَّلين علينا من الموكلين علينا من الملائكة، المستحضرين لأعمارنا وأعمالنا وجميع ما كنا عليها من الأحوال. {قَالَ} القائل المذكور في جوابهم تصديقاً لهم في مقالهم واستقلالهم: {إِن لَّبِثْتُمْ} أي: ما لبثتم فيها {إِلاَّ قَلِيلاً} قصيراً في غاية القلة والقصر {لَّوْ أَنَّكُمْ} أيها الضالون المسرفون {كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [المؤمنون: 114] في أنفسكم طول مدة العذاب وعدم تناهيها، لما اخترتم لأنفسكم ما يستجلب عليكم العذاب ويوقعكم فيه، ومع جهلكم هذا لم تقبلوه من الأنبياء العارفين الهادين أيضاً، بل أنكرتم عليهم واستهزأتم مستكبرين مستنكرين. {أَ} تزعمون أيها الجاهلون المعاندون أن أفعالنا خاليةُ عن الحكمة والمصلحة ومقدوراتنا صدرتْ عنا حشواً بلا طائلٍ {فَحَسِبْتُمْ} وظننتم بل جزمتم وأيقتنم {أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ} وأظهرناكم من كتم الع دم {عَبَثاً} أي: عابثين ساعين فيها بلا طائلٍ مرتكبين لهم بلا حِكَمِ ومصالحَ {وَ} أيضاً ظننتم أيها الغافلون الجاهلون {أَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ} [المؤمنون: 115] للجزاء وتنقيد الأعمال وعرض الأحوال. وكيف لا تُرجون إلى ربكم أيها المجرمون، وكيف عن أعمالكم لا تُسألون أيها المسرفون ولا تحاسبون؟! {فَتَعَالَى ٱللَّهُ} المحيط للكل حضوراً وشهوداً أن يتصف ذاته بالغفلة والذهول، وأوصافه بعدم الحيطة والشمول، وأفعاله بالعبث والفضول؛ إذ هو {ٱلْمَلِكُ} المستحضِر لجميع مماليكه، لا يعزب عنه مثقال ذرةٍ في الأرض ولا في السماء، وكيف يعزم ويغيب عنه شيء من الأشياء؛ إذ هو {ٱلْحَقُّ} الثابت المحقق والقيوم المطلق المثبت، لا يشغله شأُ عن شأنٍ، وهو في شأنٍ لا يعرضه شأن، ولا يعتريه زمانُ ومكانُ بل الشئون كلها مندرجةُ في علوٍّ شأنه؛ إذ {لاَ إِلَـٰهَ} في الوجود {إِلاَّ هُوَ} لأنه {رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ} [المؤمنون: 116] المحيط لذرائر الكائنات، وهو الوجود العيني الظلي الكامن الفائض من حضرة القدوس على هياكل العكوس. {وَ} بعدما تحقق أن الكل في حيطة أوصافه وأسمائه، ومن أضلاله، وتحت لوائه {مَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ} المحيط للكل {إِلَـهَا آخَرَ} من الأضلال المحاطة والعكوس الساقطة مع أنه {لاَ بُرْهَانَ لَهُ} يثبت به وجود إله آخر سواه، بعدما شمل سواه سبحانه الكل وأحاط {بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ} أي: حساب المدعي، وجزاء ما ادعى من الشرك {عِندَ رَبِّهِ} يجازيه على مقتضى علمه {إِنَّهُ} أي: إن الشأن والأمر عنده سبحانه إنه {لاَ يُفْلِحُ} ولا يفوز {ٱلْكَافِرُونَ} [المؤمنون: 117] بكفرهم وشركهم إلى ما هو موجبُ للفلاح والنجاح؟ {وَ} بعدما أثبت سبحانه الفلاحَ للمؤمنين الموحِّدين في أول السورة، ونفاه عن الكافرين المشركين في أخرها {قُل} يا أكمل الرسل تعليماً لكل من يقتدي بك ويقتفي أثرك، وتنبيهاً عليه وتذكيراً لهم: {رَّبِّ} يا من رباني بكنفك وجوارك {ٱغْفِرْ} واستر أنانيتي عن عين بصيرتي {وَٱرْحَمْ} عليّ بنفي هويتي وإفنائها في هويتك {وَأنتَ} بذاتك وأسمائك وصفاتك {خَيْرُ ٱلرَّاحِمِينَ} [المؤمنين: 118] الذين هم أيضاً من مقتضيات أوصافك وعكوس أسمائك، والكل بك منك، ولا راحم سواك، ولا مربي غيرك. خاتمة السورة عليك أيها المحمدي، المتحقق بمقام العبودية أن تلازم على هذه الكلمة التي أسمعَك الحق على لسان نبيك وتداومَ عليها، سيما في خلواتك وأعقاب صلواتك، عازماً عليها، سامعاً لها سمعَ قبولٍ ورضا، حتى يترسخ في قلبك، وتتمرن فيه إلى حيث نطقت حالك بها بلا ترجمان من لسانك. ومتى تحققتَ وتمكنتَ في هذه المرتبة أتممت مرتبة العبودية، فلك بعدما كملت عبوديتك الترقي منها بتوفيق الله، وجذبٍ من جانبه إلى مرتبة الفناء في الله والبقاء ببقائه. وذلك لا يتم إلا باضمحلال هويتك، وتلاشي بشريتك وماهيتك إلى حيث سقطت عنك تعيناتك رأساً، وفنيت تشخصاتك جملةً، وحينئذٍ فزتَ بما فزتَ، ووصلتَ بما وصلتَ، وليس وراء الله مرمى ولا منتهى.