٢٣ - ٱلْمُؤْمِنُون
23 - Al-Mu'minoon (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
112
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن في هذه الآية مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب «الكشاف» في مصاحف أهل الكوفة {قَالَ } وهو ضمير الله أو المأمور بسؤالهم من الملائكة، و {قُلْ } في مصاحف أهل الحرمين والبصرة والشام وهو ضمير الملك أو بعض رؤساء أهل النار. المسألة الثانية: الغرض من هذا السؤال التبكيت والتوبيخ، فقد كانوا ينكرون اللبث في الآخرة أصلاً ولا يعدون اللبث إلا في دار الدنيا ويظنون أن بعد الموت يدوم الفناء ولا إعادة فلما حصلوا في النار وأيقنوا أنها دائمة وهم فيها مخلدون سألهم {كَمْ لَبِثْتُمْ فِى ٱلأَرْضِ } تنبيهاً لهم على أن ما ظنوه دائماً طويلاً فهو يسير بالإضافة إلى ما أنكروه، فحينئذ تحصل لهم الحسرة على ما كانوا يعتقدونه في الدنيا من حيث أيقنوا خلافه، فليس الغرض السؤال بل الغرض ما ذكرنا. فإن قيل فكيف يصح في جوابهم أن يقولوا: {لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } ولا يقع من أهل النار الكذب قلنا لعلهم نسوا ذلك لكثرة ما هم فيه من الأهوال وقد اعترفوا بهذا النسيان حيث قالوا: {فَاسْأَلِ ٱلْعَادّينَ } قال ابن عباس رضي الله عنهما أنساهم ما كانوا فيه من العذاب بين النفختين وقيل مرادهم بقولهم: {لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } تصغير لبثهم وتحقيره بالإضافة إلى ما وقعوا فيه وعرفوه من أليم العذاب والله أعلم. المسألة الثالثة: اختلفوا في أن السؤال عن أي لبث وقع، فقال بعضهم لبثهم إحياؤهم في الدنيا ويكون المراد أنهم أمهلوا حتى تمكنوا من العلم والعمل فأجابوا بأن قدر لبثهم كان يسيراً بناء على أن الله تعالى أعلمهم أن الدنيا متاع قليل وأن الآخرة هي دار القرار، وهذا القائل احتج على قوله بأنهم كانوا يزعمون أن لا حياة سواها، فلما أحياهم الله تعالى في النار وعذبوا سألوا عن ذلك توبيخاً لأنه إلى التوبيخ أقرب، وقال آخرون بل المراد اللبث في حال الموت، واحتجوا على قولهم بأمرين: الأول: أن قوله في الأرض يفيد الكون في القبر ومن كان حياً فالأقرب أن يقال إنه على الأرض وهذا ضعيف لقوله: { أية : وَلاَ تُفْسِدُواْ فِى ٱلأَرْضِ } تفسير : [الأعراف: 56]، الثاني: قوله تعالى: { أية : وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُقْسِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ } تفسير : [الروم: 55] ثم بين سبحانه أنهم كذبوا في ذلك وأخبر عن المؤمنين قولهم: { أية : لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْبَعْثِ } تفسير : [الروم: 56]. المسألة الرابعة: احتج من أنكر عذاب القبر بهذه الآية فقال قوله: {كَمْ لَبِثْتُمْ فِى ٱلأَرْضِ } يتناول زمان كونهم أحياء فوق الأرض وزمان كونهم أمواتاً في بطن الأرض فلو كانوا معذبين في القبر لعلموا أن مدة مكثهم في الأرض طويلة فما كانوا يقولون: {لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } والجواب: من وجهين: أحدهما: أن الجواب لا بد وأن يكون بحسب السؤال، وإنما سألوا عن موت لا حياة بعده إلا في الآخرة، وذلك لا يكون إلا بعد عذاب القبر والثاني: يحتمل أن يكونوا سألوا عن قدر اللبث الذي اجتمعوا فيه، فلا يدخل في ذلك تقدم موت بعضهم على البعض، فيصح أن يكون جوابهم {لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } عند أنفسنا. أما قوله: {فَاسْأَلِ ٱلْعَادّينَ } ففيه وجوه: أحدها: المراد بهم الحفظة وأنهم كانوا يحصون الأعمال وأوقات الحياة ويحسبون أوقات موتهم وتقدم من تقدم وتأخر من تأخر، وهو معنى قول عكرمة فاسأل العادين أي الذين يحسبون وثانيها: فاسأل الملائكة الذين يعدون أيام الدنيا وساعاتها وثالثها: أن يكون المعنى سل من يعرف عدد ذلك فإنا قد نسيناه ورابعها: قرىء العادين بالتخفيف أي الظلمة فإنهم يقولون مثل ما قلنا وخامسها: قرىء العاديين أي القدماء المعمرين، فإنهم يستقصرونها فكيف بمن دونهم؟ أما قوله: {لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً } فالمعنى أنهم قالوا: {لَبِثْنَا يَوْمًا * أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } على معنى أنا لبثنا في الدنيا قليلاً، فكأنه قيل لهم صدقتم ما لبثتم فيها إلا قليلاً إلا أنها انقضت ومضت، فظهر أن الغرض من هذا السؤال تعريف قلة أيام الدنيا في مقابلة أيام الآخرة. فأما قوله تعالى: {لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } فبين في هذا الوجه أنه أراد أنه قليل لو علمتم البعث والحشر، لكنكم لما أنكرتم ذلك كنتم تعدونه طويلاً. ثم بين تعالى ما هو في التوبيخ أعظم بقوله: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَـٰكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قال صاحب «الكشاف» {عَبَثاً } حال أي عابثين كقوله: {لاَعِبِينَ } أو مفعول به أي ما خلقناكم للعبث. المسألة الثانية: أنه سبحانه لما شرح صفات القيامة ختم الكلام فيها بإقامة الدلالة على وجودها وهي أنه لولا القيامة لما تميز المطيع من العاصي والصديق من الزنديق، وحينئذ يكون خلق هذا العالم عبثاً، وأما الرجوع إلى الله تعالى فالمراد إلى حيث لا مالك ولا حاكم سواه لا أنه رجوع من مكان إلى مكان لاستحالة ذلك على الله تعالى ثم إنه تعالى نزه نفسه عن العبث بقوله: {فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ } والملك هو المالك للأشياء الذي لا يبيد ولا يزول ملكه وقدرته، وأما الحق فهو الذي يحق له الملك لأن كل شيء منه وإليه، وهو الثابت الذي لا يزول ولا يزول ملكه، وبين أنه لا إله سواه وأن ما عداه فمصيره إلى الفناء وما يفنى لا يكون إلهاً وبين أنه تعالى: {رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ }. قال أبو مسلم والعرش ههنا السموات بما فيها من العرش الذي تطوف به الملائكة ويجوز أن يعني به الملك العظيم، وقال الأكثرون: المراد هو العرش حقيقة وإنما وصفه بالكريم لأن الرحمة تنزل منه والخير والبركة ولنسبته إلى أكرم الأكرمين كما يقال بيت كريم إذا كان ساكنوه كراماً، وقرىء الكريم بالرفع ونحوه ذو العرش المجيد.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ} قيل: يعني في القبور. وقيل: هو سؤال لهم عن مدّة حياتهم في الدنيا. وهذا السؤال للمشركين في عَرَصات القيامة أو في النار. {عَدَدَ سِنِينَ} بفتح النون على أنه جمع مسلّم، ومن العرب من يخفضها وينوّنها. {قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} أنساهم شدّةُ العذاب مدّةَ مكثهم في القبور. وقيل: لأن العذاب رفع عنهم بين النفختين فنسوا ما كانو فيه من العذاب في قبورهم. قال ابن عباس: أنساهم ما كانوا فيه من العذاب من النفخة الأولى إلى الثانية؛ وذلك أنه ليس من أحد قَتَلَه نبيّ أو قتل نبيًّا أو مات بحضرة نبيّ إلا عُذب من ساعة يموت إلى النفخة الأولى، ثم يُمْسَك عنه العذاب فيكون كالماء حتى يُنفخ الثانية. وقيل: استقصروا مدّة لَبثهم في الدنيا وفي القبور ورأوه يسيرا بالنسبة إلى ما هم بصدده. {فَاسْأَلِ ٱلْعَآدِّينَ} أي سلِ الحُسّاب الذين يعرفون ذلك فإنا قد نسيناه، أو فاسأل الملائكة الذين كانوا معنا في الدنيا؛ الأوّل قول قتادة، والثاني قول مجاهد. وقرأ ابن كَثير وحمزة والكسائي «قل كم لبِثتم في الأرضِ» على الأمر. ويحتمل ثلاثة معانٍ: أحدها: قولوا كم لبثتم؛ فأخرج الكلام مخرج الأمر للواحد والمرادُ الجماعة؛ إذ كان المعنى مفهوماً. الثاني: أن يكون أمراً للمَلَك ليسألهم يوم البعث عن قدر مكثهم في الدنيا. أو أراد قل أيها الكافر كم لبثتم، وهو الثالث. الباقون «قال كم» على الخبر؛ أي قال الله تعالى لهم، أو قالت الملائكة لهم كم لبثتم. وقرأ حمزة والكسائيّ أيضاً {قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً} الباقون «قال» على الخبر، على ما ذكر من التأويل في الأوّل؛ أي ما لبثتم في الأرض إلا قليلاً؛ وذلك أن مكثهم في القبور وإن طال كان متناهياً. وقيل: هو قليل بالنسبة إلى مكثهم في النار؛ لأنه لا نهاية له. {لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} ذلك.
البيضاوي
تفسير : {قَالَ} أي الله أو الملك المأمور بسؤالهم، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي على الأمر للملك أو لبعض رؤساء أهل النار. {كَمْ لَبِثْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ} أحياء أو أمواتاً في القبور. {عَدَدَ سِنِينَ} تمييز لكم.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى منبهاً لهم على ما أضاعوه في عمرهم القصير في الدنيا من طاعة الله تعالى وعبادته وحده، ولو صبروا في مدة الدنيا القصيرة، لفازوا كما فاز أولياؤه المتقون: {قَـٰلَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِى ٱلأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ} أي: كم كانت إقامتكم في الدنيا؟ {قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ ٱلْعَآدِّينَ} أي: الحاسبين {قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً} أي: مدة يسيرة على كل تقدير {لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} أي: لما آثرتم الفاني على الباقي، ولما تصرفتم لأنفسكم هذا التصرف السيىء، ولا استحققتم من الله سخطه في تلك المدة اليسيرة، فلو أنكم صبرتم على طاعة الله وعبادته كما فعل المؤمنون، لفزتم كما فازوا. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن الوزير، حدثنا الوليد، حدثنا صفوان عن أيفع بن عبد الكلاعي: أنه سمعه يخطب الناس، فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله إذا أدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، قال: يا أهل الجنة كم لبثتم في الأرض عدد سنين؟ قالوا: لبثنا يوماً أو بعض يوم، - قال -: لنعم ما اتجرتم في يوم أو بعض يوم رحمتي ورضواني وجنتي، امكثوا فيها خالدين مخلدين، ثم قال: يا أهل النار كم لبثتم في الأرض عدد سنين؟ قالوا: لبثنا يوماً أو بعض يوم، فيقول: بئس ما اتجرتم في يوم أو بعض يوم ناري وسخطي، امكثوا فيها خالدين مخلدين».تفسير : وقوله تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَـٰكُمْ عَبَثاً} أي: أفظننتم أنكم مخلوقون عبثاً بلا قصد ولا إرادة منكم، ولا حكمة لنا؟ وقيل: للعبث، أي: لتلعبوا وتعبثوا كما خلقت البهائم، لا ثواب لها ولا عقاب، وإنما خلقناكم للعبادة وإقامة أوامر الله عز وجل {وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ} أي: لا تعودون في الدار الآخرة، كما قال تعالى: {أية : أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَـٰنُ أَن يُتْرَكَ سُدَىً} تفسير : [القيامة: 36] يعني: هملاً. وقوله: {فَتَعَـٰلَىٰ ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ} أي: تقدس أن يخلق شيئاً عبثاً؛ فإنه الملك الحق المنزه عن ذلك {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ} فذكر العرش لأنه سقف جميع المخلوقات، ووصفه بأنه كريم، أي: حسن المنظر، بهي الشكل، كما قال تعالى: {أية : ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ} تفسير : [لقمان: 10]. قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا إسحاق بن سليمان ــــ شيخ من أهل العراق ــــ أنبأنا شعيب بن صفوان عن رجل من آل سعيد بن العاص قال: كان آخر خطبة خطبها عمر بن عبد العزيز أن حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، أيها الناس إنكم لم تخلقوا عبثاً، ولن تتركوا سدى، وإن لكم معاداً ينزل الله فيه للحكم بينكم، والفصل بينكم، فخاب وخسر وشقي عبد أخرجه الله من رحمته، وحرم جنة عرضها السموات والأرض، ألم تعلموا أنه لا يأمن عذاب الله غداً إلا من حذر هذا اليوم وخافه، وباع نافداً بباق، وقليلاً بكثير، وخوفاً بأمان؟ ألا ترون أنكم من أصلاب الهالكين، وسيكون من بعدكم الباقين حتى تردون إلى خير الوارثين؟ ثم إنكم في كل يوم تشيعون غادياً ورائحاً إلى الله عز وجل، قد قضى نحبه، وانقضى أجله، حتى تغيبوه في صدع من الأرض، في بطن صدع غير ممهد ولا موسد، قد فارق الأحباب وباشر التراب، وواجه الحساب، مرتهن بعمله، غني عما ترك، فقير إلى ما قدم. فاتقوا الله قبل انقضاء مواثيقه ونزول الموت بكم. ثم جعل طرف ردائه على وجهه فبكى، وأبكى من حوله. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يحيى بن نصير الخولاني، ثنا ابن وهب، أخبرني ابن لهيعة عن أبي هبيرة عن حنش بن عبد الله: أن رجلاً مصاباً مر به عبد الله بن مسعود، فقرأ في أذنه هذه الآية: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَـٰكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ} حتى ختم السورة، فبرأ، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : بماذا قرأت في أذنه؟» تفسير : فأخبره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : والذي نفسي بيده لو أن رجلاً موقناً قرأها على جبل لزال» تفسير : وروى أبو نعيم من طريق خالد بن نزار عن سفيان بن عيينة عن محمد بن المنكدر عن محمد بن إبراهيم بن الحارث عن أبيه قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية، وأمرنا أن نقول إذا نحن أمسينا وأصبحنا: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَـٰكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ} قال: فقرأناها، فغنمنا وسلمنا. وقال ابن أبي حاتم أيضاً: حدثنا إسحاق بن وهب العلاف الواسطي، حدثنا أبو المسيب سلمة بن سلام، حدثنا بكر بن حُبَيش عن نهشل بن سعيد عن الضحاك بن مزاحم عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أمان أمتي من الغرق إذا ركبوا السفينة: باسم الله الملك الحق، وما قدروا الله حق قدره، والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة، والسموات مطويات بيمينه، سبحانه وتعالى عما يشركون، باسم الله مجراها ومرساها، إن ربي لغفور رحيم».
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالَ } تعالى لهم بلسان مالك. وفي قراءة:( قل) {كَمْ لَبِثْتُمْ فِى ٱلأَرْضِ } في الدنيا وفي قبوركم {عَدَدَ سِنِينَ } تمييز.
الماوردي
تفسير : قوله: {قَالَ كَمْ لَبِثْتُم فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ} فيه وجهان: أحدهما: أنه سؤال لهم من مدة حياتهم في الدنيا، قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم، استقلالاً لحياتهم في الدنيا لطول لبثهم في عذاب جهنم. الثاني: أنه سؤال لهم عن مدة لبثهم في القبور وهي حالة لا يعلمونها فأجابوا بقصرها لهجوم العذاب عليهم، وليس بكذب منهم لأنه إخبار عما كان عندهم. {فَاسْئَلِ الْعَادِّينَ} فيه قولان: أحدهما: الملائكة، قاله مجاهد. الثاني:الحُسّابُ، قاله قتادة.
ابن عطية
تفسير : قرأ نافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر "قال كم لبثتم" و "قل إن لبثتم"، وقرأ حمزة والكسائي فيهما "قل لكم لبثتم" و "قل إن لبثتم"، وروى البزي عن ابن كثير "قل كم" على الأمر "قال إن" على الخبر، وأدغم أبو عمرو وحمزة والكسائي التاء، والباقون لا يدغمون. فمعنى الأول إخبار عن الله بوقفهم بالسؤال عن المدة ثم يعلمهم آخراً بلبثهم قليلاً، ومعنى الثانية الأمر لواحد منهم مشار إليه بمعنى يقال لأحدهم قل كذا فإذا غير القويم قيل له "قل إن لبثتم"، ومعنى رواية البزي التوقيف ثم الإخبار وفي المصاحف قال فيهما إلا في مصحف الكوفة فإن فيه "قل" بغير الألف، وقوله {في الأرض} قال الطبري معناه في الدنيا أحياء وعن هذا وقع السؤال ونسوا لفرط هول العذاب حتى قالوا {يوماً أو بعض يوم}. قال الفقيه الإمام القاضي: والغرض من هذا توقيفهم على أن أعمارهم قصيرة أداهم الكفر فيها إلى عذاب طويل، وقال جمهور المتأولين معناه في جوف التراب أمواتاً. قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا هو الأصوب من حيث أنكروا البعث، وكان قوله إنهم لا يقومون من التراب قيل لهم لما قاموا {كم لبثتم}؟ وقوله آخراً {وأنكم إلينا لا ترجعون} يقتضي ما قلناه، و {عدد} نصب بـ {كم} على التمييز، وقرأ الأعمش "عدداً سنين" بتنوين "عدداً" وقال مجاهد أرادوا بـ {العادين} الملائكة، وقال قتادة أرادوا أهل الحساب. قال الفقيه الإمام القاضي: وظاهر اللفظ أنهم أرادوا سل من يتصف بهذه الصفة، ولم يعينوا ملائكة ولا غيرها لأن النائم والميت لا يعد الحركة فيقدر له الزمن، وقوله {إن لبثتم إلا قليلاً} مقصده على القول بأن اللبث في الدنيا، أي قليل القدر في جنب ما تعذبون، وعلى القول بأن اللبث في القبور معناه أنه قليل إذ كل آت قريب ولكنكم كذبتم به إذ كنتم لا تعلمون إذ لم ترغبوا في العلم والهدى، و {عبثاً} معناه باطلاً لغير غاية مرادة، وقرأ الجمهور "تُرجعون" بضم التاء وفتح الجيم، وقرأ حمزة والكسائي "تَرجِعون" بفتح التاء وكسر الجيم والمعنى فيهما بين.
ابن عبد السلام
تفسير : {لَبِثْتُمْ} في الدنيا، أو القبور، استقلوا ذلك لما صاروا إليه من العذاب الطويل.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ} قرأ الأخوان: {قُلْ كَمْ لَبِثْتُمْ} {قُلْ إِنْ لَبِثْتُمْ} بالأمر في الموضعين وابن كثير كالأخوين في الأوَّل فقط. والباقون: "قَالَ" في الموضعَين على الإخبار عن الله أو الملك. والفعلان مرسومان بغير ألف في مصاحف الكوفة، وبألف في مصاحف مكة والمدينة والشام والبصرة. فحمزة والكسائي وَافَقَا مصاحف الكوفة، وخالفها عاصم أو وافقها على تقدير حذف الألف من الرسم وإرادتها. وابن كثير وافق في الثاني مصاحف مكة، وفي الأَوَّل غيرها، أو إيّاها على تقدير حذف الألف وإرادتها. وأمّا الباقون فوافقُوا مصاحفهم في الأوّل والثاني. فَعَلَى الأمر معنى الآية: قُولُوا أَيُّها الكَافِرُونَ، فأخرج الكلام مخرج الواحد، والمراد منه الجماعة إذ كان معناه مفهوماً. ويجوز أن يكون الخطاب لكل واحد منهم، أي: قل أيها الكافرون. وأمّا على الخبر أي قال الله - عزَّ وجلَّ - للكفار يوم البعث {كَمْ لَبِثْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ} أي: في الدنيا أو في القبور. و(كَمْ) في موضع نصب على ظرف الزمان، أي: كم سنة، و"عَدَد" بدل من "كَمْ" قاله أبو البقاء، وقال غيره: "عَدَدَ سَنِينَ" تمييز لـ "كَمْ" وهذا هو الصحيح. وقرأ الأعمش والمفضّل عن عاصم: "عَدَداً" منوناً، وفيه أوجه: أحدها: أن يكون عدداً مصدراً أقيم مقام الاسم فهو نعت مقدّم على المنعوت قاله صاحب اللوامح. يعني: أنَّ الأصل سنين عدداً. أي: معدودة، لكنّه يلزم تقديم النعت على المنعوت، فصوابُه أن يقول فانتُصب حالاً هذا مذهب البصريين. والثاني: أن "لَبِثْتُم" بمعنى: عددتم، فيكون نصب "عَدَداً" على المصدر و"سَنِينَ" بدل منه. قاله صاحب اللوامح أيضاً. وفيه بُعْد لعدم دلالة اللبث على العدد. والثالث: أنَّ "عَدَداً" تمييز لـ "كَمْ" و"سِنِينَ" بدل منه. فصل الغرض من هذا السؤال التبكيت والتوبيخ، لأنّهم كانُوا ينكرون لبثاً في الآخرة أصلاً، ولا يُعدون اللبث إلاّ في دار الدنيا، ويظنون أنَّ بعد الموت يدوم الفناء ولا إعادة. فلمّا حصلوا في النار، وأيقنوا دوامها، وخلودهم فيها سألهم {كَمْ لَبِثْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ} مُنبِّهاً لهم على ما ظَنُّوه دائماً طويلاً، وهو يسير بالإضافة إلى ما أنكروه، فحينئذٍ تحصل لهم الحسرة على ما كانوا يعتقدونه في الدنيا، حيث تيقّنوا خلافه، وهذا هو الغرض من السؤال فإنْ قيل: فكيف يصح أن يقولوا في جوابهم: {لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} ولا يقع الكذب من أهل النار؟ فالجواب: لعلّهم نسوا لكثرة ما هم فيه من الأهوال، وقد اعترفوا بهذا النسيان وقالوا: "فَاسْأَلِ العَادِّينَ". قال ابن عباس: أنساهم ما كانُوا فيه من العذاب بين النفختين. وقيل: مرادهم بقولهم: {لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} تصغير لبثهم وتحقيره بالإضافة إلى ما وقعوا فيه من العذاب. وقيل: أرادوا أن لبثهم في الدنيا يوماً أو بعض يوم من أيام الآخرة، لأن يوم القيامة مقداره خمسين ألف سنة. فصل اختلفوا في أنّ السؤال عن أيّ لبث؟ فقيل عن لبثهم أحياء في الدنيا، فأجابوا بأَنّ قدر لبثهم كان يسيراً بناء على أنّ الله أعلمهم أنَّ الدنيا متاع قليل وأن الآخرة هي دار القرار. وقيل: المراد اللبث في حال الموت، لأنَّ قوله: "فِي الأَرْضِ" يفيد الكَوْن في الأَرض أي: في القبر، والحيّ إِنّما يقال فيه أنّه على الأرض. وهذا ضعيف لقوله: {أية : وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [الأعراف: 56، 85]، واستدلوا أيضاً بقوله: {أية : وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُقْسِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ} تفسير : [الروم: 55] ثم قالوا: "فَاسْأَلِ العَادِّينَ" أي: الملائكة الذين يحفظون أعمال بني آدم ويُحْصُونها عليهم، وهذا قول عكرمة. وقيل الملائكة الذين يعدّون أيام الدنيا. وقيل: المعنى سَلْ من يعرف عدد ذلك فإنّا نسيناه. وقُرئ "العَادِينَ" بالتخفيف، وهي قراءة الحسن والكسائي في رواية جمع (عَادِي) اسم فاعل من (عَدَا) أي: الظلمة فإنّهم يقولون مثل ما قلنا. وقيل: العَادين: القدماء المعمرين، فإنّهم سيقصرونها. قال أبو البقاء: كقولك: هذا بئر عَاديَة، أي؛ سل من تقدّمنا، وحذف إحدى ياءي النسب كما قَالُوا: الأشعرون، وحُذفت الأخرى لالتقاء الساكنين. قال شهاب الدين: المحذوف أَوّلاً الياء الثانية؛ لأنّها المتحركة وبحذفها يلتقي ساكنان. ويؤيد ما ذكره أبو البقاء ما نقله الزمخشري قال: وقُرئ (العَادِيين أي: القدماء المعمرين، فإنهم يستقصرُونَها، فكيف بِمَن دُونهم؟ قال ابن خالويه: ولغة أخرى العَادِيّين يعني: بياء مشددة جمع عَادِيّة بمعنى القدماء). فصل احتجّ من أنكر عذاب القبر بهذه الآية فقال: قوله: {كَمْ لَبِثْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ} يتناول زمان كونهم أحياء فوق الأرض، وزمان كونهم أمواتاً في بطن الأرض، فلو كانُوا معذبين في القبر لعلموا أنَّ مدة مكثهم في الأرض طويلة، فلم يقولوا: {لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ}. والجواب من وجهين: الأول: أنّ الجواب لا بُدّ وأن يكون بحسب السؤال، وإنّما سألوا عن موتٍ لا حياةَ بعده إلاّ في الآخرة، وذلك لا يكون إلاّ بعد عذاب القبر. والثاني: يحتمل أن يكونُوا سألوا عن قدر اللبث الذي اجتمعوا فيه، فلا مدخل في تقدّم موت بعضهم على بعض فيصح أن يكون جوابهم {لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} عند أنفسنا. قوله: "إِنْ لَبِثْتُم" أي: ما لبثتم "إِلاَّ قَلِيلاً"، وكأنه قيل لهم: صدقتم ما لبثتم فيها إِلاّ قليلاً، لأنها في مقابلة أيام الآخرة. قوله: "لَوْ أَنَّكُمْ" جوابها محذوف تقديره: لو كنتم تعلمون مقدار لبثكم من الطول لمَا أجبتم بهذه المدة. وانتصب "قليلاً" (على النعت) لزمن محذوف (أو لمصدر محذوف) أي: إلاّ زمناً قليلاً، أو إِلاّ لُبْثاً قليلاً. قوله تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً} الآية في نصب (عَبَثاً) وجهان: أحدهما: أنّه مصدر واقع موقع الحال أي: عابثين. والثاني: أنه مفعول من أجله أي: لأجل العبث. والعَبَث: اللعب، وما لا فائدة فيه، أي: لتعبثوا وتلعبوا، كما خلقت البهائم لا ثواب لها ولا عقاب، وكل ما ليس له غرض صحيح. يقال: عَبَثَ يَعْبِثُ عَبثاً إذا خلط عليه بلعب، وأصله من قولهم عبثت الأَقِط، أي: خلطته، والعَبِيث: طعام مخلوط بشيء، ومنه العَوْبَثَانِي لتمر وسُوَيْق وسمن مختلط. قوله: "وَأَنَّكُمْ" يجوز أن يكون معطوفاً على (أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ) لكون الحسبان منسحباً عليه وأن يكون معطوفاً على (عَبَثاً) إذا كان مفعولاً من أجله. قال الزمخشري: ويجوز أن يكون معطوفاً على (عَبَثاً) أي: للعبث ولترككم غير مرجوعين وقُدّم "إِلَيْنَا" على (تُرْجَعُونَ) لأجل الفواصل. قوله: "لاَ تُرْجَعُونَ" هو خبر "أَنَّكُمْ"، وقرأ الأخوان "تَرْجِعُونَ" مبنياً للفاعل، والباقون مبنياً للمفعول. وقد تقدّم أن (رجع) يكون لازماً ومتعدياً. وقيل: لا يكون إلا متعدّياً، والمفعول محذوف. فصل لما شرح صفات القيامة استدل على وجودها بأنّه لولا القيامة لما تميّز المُطيع عن العاصي، والصديق عن الزنديق، وحينئذ يكون هذا العالم عَبَثاً، وهو كقوله: {أية : أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى} تفسير : [القيامة: 36]. والمعنى: أَنَّما خلقتم للعبادة وإقامة أوامر الله عزَّ وجلَّ. حديث : رُوي أن رجلاً مُصاباً مُرَّ به على ابن مسعود فَرَقَاهُ في أذنيه {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ} حتى ختمها، فَبَرأ، (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بماذا رقيته في أذنه فأخبره) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده لو أنّ رجلاً موقناً قرأها على جبل لَزَال" تفسير : ثم نَزّه نفسه عما يصفه به المشركون فقال: {فَتَعَالَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ}، والمَلِكُ: هو المالك للأشياء الذي لا يزول ملكه وقدرته، والحَقّ: هو الذي يحق له الملك، لأنّ كل شيء منه وإليه، والثابت الذي لا يزول ملكه. {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ} قرأ العامة "الكريم" مجروراً نعتاً للعرش، وُصف بذلك لتنزُّل الخيرات منه والبركات والرحمة. أو لِنسْبته إلى أكرم الأكرمين، كما يُقال: بَيْتٌ كَريم إذا كان ساكنوه كراماً. وقرأ أبو جعفر وابن محيصن وإسماعيل عن ابن كثير وأبان بن تغلب بالرفع وفيه وجهان: أحدهما: أنّه نعت للعرش أيضاً، ولكنه قطع عن إعرابه لأجل المدح على خبر مبتدأ مضمر. وهذا جيّد لتوافق القراءتين في المعنى. والثاني: أنه نعت لـ (رَبّ). فصل قال المفسرون: العرش السرير الحسن. وقيل: المرتفع. وقال أبو مسلم: العرش هنا السموات بما فيها من العرش الذي تطوف به الملائكة، ويجوز أن يُراد به الملك العظيم. والأكثرون: على أنّه العرش حقيقة. قوله: "وَمَنْ يَدْعُ" شرط، وفي جوابه وجهان: أحدهما: أنه قوله: "فَإِنَّما حِسَابُهُ" وعلى هذا ففي الجملة المنفية وهي قوله: {لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ} وجهان: أحدهما: أنها صفة، لـ "إِلهاً" وهي صفة لازمة، أي: لا يكون الإله المَدْعو من دون الله إلاّ كذا، فليس لها مفهوم لفساد المعنى. ومثله {أية : وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} تفسير : [الأنعام: 38] لا يفهم أنّ ثمَّ إِلهاً آخر مَدْعُوًّا من دون الله له برهان، وأن ثمَّ طَائِراً يطيرُ بغير جناحيه. والثاني: أنها جملة اعتراض بين الشرط وجوابه، وإلى الوجهين أشار الزمخشري بقوله وهي صفة لازمة كقوله: "يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ" جِيءَ بها للتوكيد لا أن يكون في الآلهة ما يجوز أن يقوم عليه برهان، ويجوز أن يكون اعتراضاً بين الشرط والجزاء كقولك: مَنْ أَحْسَن إلى زيدٍ لا أحد أَحقُّ بالإحسان منه فاللَّهُ مثيبه. والثاني من الوجهين الأَولين: أن جواب الشرط قوله: {لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ} كأنه فرَّ من مفهوم الصفة لِمَا يلزم من فساده، فوقع في شيء لا يجوز إِلاّ في ضرورة شعر، وهو حذف فاء الجزاء من الجملة الاسمية كقوله: شعر : 3814- مَنْ يَفْعَلِ الحَسَنَاتِ اللَّهُ يَشْكُرهَا والشَّرُّ بِالشَّر عِنْدَ اللَّهِ سِيَّانِ تفسير : وقد تقدّم تخريج كون {لاَ بُرْهَانَ لَهُ} على الصفة، ولا إشكال، لأنها صفة لازمة، أو على أنها جملة اعتراض. فصل لمّا بيَّن أنَّه {ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ} أتبعهُ بأن من ادّعى إلهاً آخر فقد ادّعى باطلاً، لأنه {لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ} لا حجّة ولا بيّنة، لأنه لا حجّة في دعوى الشرك، وهذا يدل على صحة النظر وفساد التقليد. ثم قال: "فَإِنَّما حِسَابُهُ" أي: جزاؤه عند ربه يجازيه بعمله كما قال: {أية : ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ} تفسير : [الغاشية: 26] كأنّه قال: إن عقابه بلغ إلى حيث لا يقدر أحد على حسابه إلاّ الله. قوله: {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَافِرُونَ} فشتّان ما بين فاتحة السورة وخاتمتها. قرأ الجمهور بكسر همزة (إنّه) على الاستئناف المفيد للعلة. وقرأ الحسن وقتادة "أَنَّه" بالفتح، وخرّجه الزمخشري على أن يكون خبر "حِسَابُه" قال: ومعناه حسابه عدم الفلاح، والأصل حساب أنّه لا يفلح هو، فوضع الكافرون في موضع الضمير، لأن "مَنْ يَدْعُ" في موضع الجمع، وكذلك حسابه أنّه لا يفلح في معنى حسابهم أنهم لا يفلحون. انتهى. ويجوز أن يكون ذلك على حذف حرف العلة أي: لأنّه لا يفلح. وقرأ الحسن: "لاَ يَفْلحُ" مضارع (فَلح) بمعنى (أَفْلَح) (فَعَل) و(أَفْعَل) فيه بمعنى، والله أعلم. فصل المعنى لا يسعد من جحَد وكذّب، وأمر الرسول بأن يقول: {رَّبِّ ٱغْفِرْ وَٱرْحَمْ} ويثني عليه بأن "خَيْرُ الرَّاحِمِينَ"، وقد تقدّم بيان كونه "أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ". فإن قيل: كيف اتصال هذه الخاتمة بما قبلها؟ فالجواب: أنّه سبحانه لما شرح أحوال الكفار في جهلهم في الدنيا وعذابهم في الآخرة أمر بالانقطاع إلى الله والالتجاء إلى غفرانه ورحمته، فإنهما العاصمان عن كل الآفات والمخافات. رُوي أنَّ أَوَّل سورة (قد أفلح) وآخرها من كنوز العرش من عَمِل بثلاثِ آياتٍ من أولها، واتعظ بأربع من آخرها فقد نَجَا وأفلح. وروَى الثعلبي في تفسيره عن أُبي بن كعب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : من قرأ سورة المؤمنون بشرته الملائكة بالرَّوْحِ والرَّيْحَانِ، وما تقرّ بِهِ عَيْنُه عند نزول ملك الموت ".
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن أيفع بن عبد الكلاعي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله إذا أدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار قال لأهل الجنة {كم لبثتم في الأرض عدد سنين} قالوا: {لبثنا يوماً أو بعض يوم} قال: لنعم ما اتجرتم في يوم أو بعض يوم، رحمتي ورضواني وجنتي اسكنوا فيها خالدين مخلدين، ثم يقول: يا أهل النار {كم لبثتم في الأرض عدد سنين} قالوا {لبثنا يوماً أو بعض يوم} فيقول: بئس ما اتجرتم في يوم أو بعض يوم. ناري وسخطي امكثوا فيها خالدين"تفسير : . وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {فاسأل العادين} قال: الحساب. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد {فاسأل العادين} قال: الملائكة.
القشيري
تفسير : عددُ سنين الأشياء - وإن كانت كثيرة - فقد تقصر أو تقل بالإضافة إلى ما يوفي ويُرْبِي عليها، كذلك مدة مقامهم تحت الأرض؛ إن كانوا في الراحة فقد تقل بالإضافة إلى الراحات التي يلقونها في القيامة، وإن كانت شدائد فتتلاشى في جنب ما يرونه. ذلك اليوم من أليم تلك العقوبات المتوالية.
اسماعيل حقي
تفسير : {قال} الله تعالى تذكيرا لما لبثوا فيما سألوا الرجوع اليه من الدنيا بعد التنبيه على استحالته بقوله {أية : اخسأوا فيها ولا تكلمون}تفسير : {كم لبثتم فى الارض} التى تدعون ان ترجعوا اليها يقال لبث بالمكان اقام به ملازما له {عدد سنين} تمييز لكم {قالوا لبثنا يوما او بعض يوم} استفصارا لمدة لبثهم فيها بالنسبة الى دخولهم فى النار او لانها كانت ايام السرور وايام السرور قصار أو لانها منقضية والمنقضى كالمعدوم شعر : هردم ازعمر كرامى هست كنج بى بدل ميرود كنجى جنين هر لخظه برباد آه آه تفسير : {فاسأل العادين} اى الذين يعلمون عد ايامها ان اردت تحقيقها فانا لما نحن فيه من العذاب مشغولون عن تذكرها واحصائها.وفى التأويلات النجمية فاسأل العادين يعنى الذين يعدّون انفاسنا وايامنا وليالينا من الملائكة الموكلين علينا.
الجنابذي
تفسير : {قَالَ} اى قال الله او الملك الموكّل بهم وقرئ قل:على ان يكون امراً للملك الموكّل بهم {كَمْ لَبِثْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ} اى حين الحيٰوة الدّنيا او فى ارض القبور بعد الموت {عَدَدَ سِنِينَ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} فانّهم لدهشتهم ووحشتهم استقلّوا مدّة لبثهم فى الدّنيا او فى القبور {فَسْئَلِ ٱلْعَآدِّينَ} اى الملائكة الموكّلين بحفظ الاعوام والشّهور والايّام علينا يستشهدون الملائكة على صدق مقالتهم او كأنهم يلتفتون انّهم مخالطون متحيّرون فى تعيين الايّام والشّهور ويقولون: لا علم لنا بما نقول فاسئل الملائكة.
اطفيش
تفسير : {قَالَ} الله للكفار إذ بعثوا وصيغة الماضي لتحقق الوقوع ويجوز عود الضمير للملك المامور بسؤالهم. وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي قل خطابا للملك أو بغض رؤساء أهل النار والقراءة الاولى في مصاحف أهل الكوفة والثاني في مصاحف أهل الحرمين والبصرة والشام {كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ} قيل المراد كم لبثتم في الدنيا والقبور. وقال الطبري: كم لبثتم في الدنيا. وقيل: كم لبثتم في القبور ونسب للجمهور. قال ابن عطية: وهذا هو الاصوب من حيث انكروا البعث وقالوا انهم لا يقومون من القبور (وكم) ظرف زمان لتمييزه بما هو اسم للزمان وهو عدد وانما كان عدد اسم زمان لاضافته إلى سنين الذي هو اسم زمان.
اطفيش
تفسير : {قال} الله بواسطة الملك، أو بخلق الكلام حيث شاء توبيخاً لأهل النار لا أكبر أهل النار كما قيل إذ لا دليل عليه {كم } ظرف زمان متعلق بقوله: {لبثْتُم فى الأرض} المعهودة ارض الدنيا، إذ كنتم فيها، وطلبتم الآن العود إليها {عدد سنين} تمييز لا بدل من كم، لأنه لو جعل فى موضع كم لم يبق استفهام.
الالوسي
تفسير : {قَالَ} الله تعالى شأنه أو الملك المأمور بذلك لا بعض رؤساء أهل النار كما قيل، تذكيراً لما لبثوا فيما سألوا الرجعة إليه من الدنيا بعد التنبيه على استحالته وفيه توبيخ على إنكارهم الآخرة. وقرأ حمزة والكسائي وابن كثير {قُلْ} على الأمر للملك لا لبعض الرؤساء كما قيل ولا لجميع الكفار على إقامة الواحد مقام الجماعة كما زعمه الثعالبـي {كَمْ لَبِثْتُمْ فِى ٱلأَرْضِ} التي تدعون أن ترجعوا إليها / أي كم أقمتم فيها أحياء {عَدَدَ سِنِينَ} تمييز لكم وهي ظرف زمان للبثتم، وقال: أبو البقاء {عَدَد} بدل من {كَمْ}، وقرأ الأعمش والمفضل عن عاصم {عَدَدًا} بالتنوين فقال أبو الفضل الرازي {سِنِينَ} نصب على الظرف {وعدداً} مصدر أقيم مقام الاسم فهو نعت مقدم على المنعوت، وتجويز أن يكون معنى {لَّبِثْتُمْ} عددتم بعيد، وقال أبو البقاء: {سِنِينَ} على هذه القراءة بدل من {عَدَدًا}.
ابن عاشور
تفسير : قرأ الجمهور: {قال كم لبثتم} بصيغة الماضي فيتعين أن هذا القول يقع عند النفخ في الصور وحياة الأموات من الأرض، فالأظهر أن يكون هو جواب (إذا) في قوله فيما سبق { أية : فإذا نفخ في الصور } تفسير : [المؤمنون: 101]. والتقدير: قال الله لهم إذا نفخ في الصور. كم لبثتم في الأرض عدد سنين. وما بينهما اعتراضات نشأت بالتفريع والعطف والحال والمقاولات العارضة في خلال ذلك كما علمته مما تقدم في تفسير تلك الآي. وليس من المناسب أن يكون هذا القول حاصلاً بعد دخول الكافرين النار، والمفسرون الذين حملوه على ذلك تكلفوا ما لا يناسب انتظام المعاني. وقرأه ابن كثير وحمزة و الكسائي {قل} بصيغة الأمر. والخطاب للملَك الموكل بإحياء الأموات. وجملة: {فسئل العادين} تفريع على جملة: {لبثنا يوماً أو بعض يوم} لما تضمنته من ترددهم في تقدير مدة لبثهم في الأرض. وأرى في تفسير ذلك أنهم جاءوا في كلامهم بما كان معتادهم في حياتهم في الدنيا من عدم ضبط حساب السنين إذ كان علم موافقة السنين القمرية للسنين الشمسية تقوم به بنو كنانة الذين بيدهم النسيء ويلقبون بالنسَأة، قال الكناني: شعر : ونحن الناسئون على معدّ شهور الحل نجعلها حراما تفسير : والمفسرون جعلوا المراد من العادّين الملائكة أو الناس الذين يتذكرون حساب مدة المكث. ولكن القرطبي قال: أي سللِ الحُسَّاب الذين يعرفون ذلك فإنا نسيناه. وقوله: {قال إن لبثتم إلا قليلاً} قرأه الجمهور كما قرأوا الذي قبله فهو حكاية للمحاورة فلذلك لم يعطف فعل {قال إن لبثتم إلا قليلاً} وهي طريقة حكاية المحاورات كما في قوله تعالى: { أية : قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها } تفسير : في سورة البقرة (30). وقرأه ابن كثير وحمزة والكسائي بصيغة الأمر كالذي قبله. والاستفهام عن عدد سنوات المكث في الأرض مستعمل في التنبيه ليظهر لهم خطؤهم إذ كانوا يزعمون أنهم إذا دفنوا في الأرض لا يخرجون منها. وانتصب {عدد سنين} على التمييز لــــ{كم} الاستفهامية والتمييز إنما هو {سنين}. وإضافة لفظ {عدد} إليه تأكيد لمضمون (كم) لأن (كم) اسم استفهام عن العدد فذكر لفظ {عدد} معها تأكيد لبعض مدلولها. وجوابهم يقتضي أنهم تحققوا أنهم كانوا في الأرض وأنهم لم يتذكروا طول مدة مكثهم على تفاوت فيها. والظاهر أن المراد بقولهم {يوماً أو بعض يوم} أنهم قدروا مدة مكثهم في باطن الأرض بنحو يوم من الأيام المعهودة لديهم في الدنيا كما دل عليه قوله تعالى في سورة الروم (55) { أية : ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة }. تفسير : ولم يعرج المفسرون على تبيين المقصد من سؤالهم وإجابتهم عنه وتعقيبه بما يقرره في الظاهر. والذي لاح لي في ذلك أن إيقافهم على ضلال اعتقادهم الماضي جيء به في قالب السؤال عن مدة مكثهم في الأرض كناية عن ثبوت خروجهم من الأرض أحياءً وهو ما كانوا ينكرونه، وكناية عن خطأ استدلالهم على إبطال البعث باستحالة رجوع الحياة إلى عظام ورفات. وهي حالة لا تقتضي مدة قرن واحد فكيف وقد أعيدت إليهم الحياة بعد أن بقوا قروناً كثيرة، فذلك أدل وأظهر في سعة القدرة الإلهية وأدخل في إبطال شبهتهم إذ قد تبين بطلانها فيما هو أكثر مما قدروه من علة استحالة عود الحياة إليهم. وقد دل على هذا قوله في آخر الآية { أية : أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون } تفسير : [المؤمنون: 115] وقد ألجأهم الله إلى إظهار اعتقادهم قِصرَ المدة التي بقوها زيادة في تشويه خطإهم فإنهم لمّا أحسوا من أنفسهم أنهم صاروا أحياء كحياتهم الأولى وعاد لهم تفكيرهم القديم الذي ماتوا عليه، وكانوا يتوهمون أنهم إذا فنيت أجسادهم لا تعود إليهم الحياة أوهمهم كمالُ أجسادهم أنهم ما مكثوا في الأرض إلا زمناً يسيراً لا يتغير في مثله الهيكل الجثماني فبنوا على أصل شبهتهم الخاطئة خطأ آخر. وأما قولهم: {فسئل العادين} فهو اعتراف بأنهم لم يضبطوا مدة مكثهم فأحالوا السائل على من يضبط ذلك من الذين يظنونهم لم يزالوا أحياء لأنهم حسبوا أنهم بعثوا والدنيا باقية وحسبوا أن السؤال على ظاهره فتبرأوا من عهدة عدم ضبط الجواب. وأما رد الله عليهم بقوله: {إن لبثتم إلا قليلاً} فهو يؤذن بكلام محذوف على طريقة دلالة الاقتضاء، لأنهم قد لبثوا أكثر من يوم أو بعض يوم بكثير فكيف يجعل قليلاً، فتعين أن قوله: {إن لبثتم إلا قليلاً} لا يستقيم أن يكون جواباً لكلامهم إلا بتقدير: قال بل لبثتم قروناً، كما في قوله في الذي مر على قرية { أية : فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثتَ قال لبثتُ يوماً أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام } تفسير : [البقرة: 259]. ولذلك تعين أن يكون التقدير: قال بل لبثتم قروناً، وإن لبثتم إلا قليلاً فيما عند الله { أية : وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون } تفسير : [الحج: 47]. وقرينة ذلك ما تفيده (لو) من الامتناع في قوله: {لو أنكم كنتم تعلمون} أي لو كنتم تعلمون لعلمتم أنكم ما لبثتم إلا قليلاً، فيقتضي الامتناع أنهم ما علموا أنهم لبثوا قليلاً مع أن صريح جوابهم يقتضي أنهم علموا لبثاً قليلاً، فالجمع بين تعارض مقتضى جوابهم ومقتضى الرد عليهم إنما يكون باختلاف النسبة في قلة مدة المكث إذا نسبت إلى ما يراعى فيها، فهي إذا نسبت إلى شبهتهم في إحالة البعث كانت طويلة وقد وقع البعث بعدها فهذا خطأ منهم، وهي إذا نسبت إلى ما يترقبهم من مدة العذاب كانت مدة قليلة وهذا إرهاب لهم.
الشنقيطي
تفسير : في هذه الآية سؤال معروف: وهو أنهم لما سئلوا يوم القيامة عن قدر مدة لبثهم في الأرض في الدنيا أجابوا بأنهم لبثوا يوماً أو بعض يوم، مع أنه قد دلت آيات أخر على أنهم أجابوا بغير هذا الجواب كقوله تعالى: {أية : يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً}تفسير : [طه: 103] والعشر أكثر من يوم أو بعضه، وكقوله تعالى: {أية : وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُقْسِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ}تفسير : [الروم: 55] والساعة: أقل من يوم أو بعضه، وقوله: {أية : كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا}تفسير : [النازعات: 46] وقوله: {أية : كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ ٱلنَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ}تفسير : [يونس: 45] وقوله تعالى: {أية : كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلاَغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْفَاسِقُونَ}تفسير : [الأحقاف: 35]. وقد بينا الجواب عن هذا السؤال في كتابنا: دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب في الكلام على هذه الآية بما حاصله: أن بعضهم يقول لبثنا يوماً أو بعض يوم، ويقول بعض آخر منهم: لبثنا ساعة ويقول بعض الآخر منهم: لبثنا عشراً. والدليل على هذا الجواب من القرآن أنه تعالى بين أن أقوالهم إدراكاً، وأرجحهم عقلاً، وأمثلهم طريقة هو من يقول: إنهم ما لبثوا إلا يوماً واحداً، وذلك في قوله تعالى: {أية : يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً}تفسير : [طه: 103-104] فالآية صريحة في اختلاف أقوالهم، وعلى ذلك فلا إشكال والعلم عند الله تعالى. وقوله تعالى: {فَاسْأَلِ ٱلْعَآدِّينَ} أي الحاسبين، الذين يضبطون مدة لبثنا، وقرأ ابن كثير والكسائي بنقل حركة الهمزة إلى السين، وحذف الهمزة. والباقون: فاسأل بغير نقل، وقرأ ابن كثير والكسائي: قل كم لبثتم بضم القاف وسكون اللام بصيغة الأمر، وقرأ الباقون: قال كم لبثتم بفتح القاف بعدها ألف وفتح اللام بصيغة الفعل الماضي. وقال الزمخشري ما حاصله، إنه على قراءة قال بصيغة الماضي فالفاعل ضمير يعود إلى الله، أو إلى من أمر بسؤالهم من الملائكة، وعلى قراءة قل بصيغة الأمر، فالضمير راجع إلى الملك المأمور بسؤالهم أو بعض رؤساء أهل النار هكذا قال. والله تعالى أعلم. وقد صدقهم الله جل وعلا وفي قلة لبثهم في الدنيا بقوله: {أية : قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}تفسير : [المؤمنون: 114] لأن مدة مكثهم في الدنيا قليلة جداً. بالنسبة إلى طول مدتهم خالدين في النار، والعياذ بالله. وقرأ حمزة والكسائي: قل إن لبثتم إلا قليلاً بصيغة الأمر والباقون بصيغة الماضي.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: كم لبثتم في الأرض: أي كم سنة لبثتموها في الأرض أحياء وأمواتاً في قبوركم؟. فاسأل العادين: يريدون الملائكة التي كانت تعد، وهم الكرام الكاتبون أو من يعد أما نحن فلم نعرف. خلقناكم عبثاً: أي لا لحكمة بل لمجرد العيش واللعب كلا. فتعالى الله الملك الحق: أي تنزه الله عن العبث. لا برهان له: الجملة صفة لـ "إلهاً آخر" لا مفهوم لها إذ لا يوجد برهان ولا حجة على صحة عبادة غير الله تعالى إذ الخلق كله مربوب لله مملوك له. حسابه عند ربه: أي مجازاته عند ربه هو الذي يجازيه بشركه به ودعاء غيره. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم مع أهل النار المنكرين للبعث والتوحيد بقوله تعالى: {قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ}؟ هذا سؤال طرح عليهم أي سألهم ربهم وهو أعلم بلبثهم كم لبثتم من سنة في الدنيا مدة حياتكم فيها ومدة لبثكم أمواتاً في قبوركم؟ فأجابوا قائلين {لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ ٱلْعَآدِّينَ} أي من كان يعد من الملائكة أو من غيرهم، وهذا الإِضطراب منهم عائد إلى نكرانهم للبعث وكفرهم في الدنيا به أولاً وثانياً أهوال الموقف وصعوبة الحال وآلام العذاب جعلتهم لا يعرفون أما أهل الإِيمان فقد جاء في سورة الروم أنهم يجيبون إجابة صحيحة إذ قال تعالى: {أية : وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُقْسِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ وَٱلإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْبَعْثِ فَهَـٰذَا يَوْمُ ٱلْبَعْثِ وَلَـٰكِنَّكُمْ كُنتمْ لاَ تَعْلَمُونَ}تفسير : [الروم: 55-56] وقوله تعالى: {إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} هذا بالنظر إلى ما تقدم من عمر الدنيا، فمدة حياتهم وموتهم إلى بعثهم ما هي إلا قليل وقوله تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ}، هذا منه تعالى توبيخ لهم وتأنيب على إنكارهم للبعث أنكر تعالى عليهم حسبانهم وظنهم أنهم لم يخلقوا للعبادة وإنما خلقوا للأكل والشرب والنكاح كما هو ظن كل الكافرين وأنهم لا يبعثون ولا يحاسبون ولا يجزون بأعمالهم. وقوله تعالى: {فَتَعَالَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ} أي عن العبث وعن كل ما لا يليق بجلاله وكماله وقوله: {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ} أي لا معبود بحق إلا هو {رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ} أي مالك العرش الكريم ووصف العرش بالكرم سائغ كوصفه بالعظيم والعرش سرير الملك وهو كريم لما فيه من الخير وعظيم إذ هو أعظم من الكرسي والكرسي وسع السماوات والأرض، ولم لا يكون العرش كريماً وعظيماً ومالكه جل جلاله هو مصدر كل كرم وخير وعظمة. وقوله تعالى: {وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـهَا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ} أي ومن يعبد مع الله إلهاً آخر بالدعاء أو الخوف أو الرجاء أو النذر والذبح، وقوله: لا برهان له أي لا حجة له ولا سلطان على جواز عبادة ما عبده، ومن أين يكون له الحجة والبرهان على عبادة غير الله والله رب كل شيء ومليكه وقوله تعالى: {فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ} أي الله تعالى ربه يتولى حسابه ويجزيه بحسب عمله وسيخسر خسرانا مبينا لأنه كافر والكافرون لا يفلحون أبداً فلا نجاة من النار ولا دخول للجنة بل حسبهم جهنم وبئس المهاد. وقوله تعالى: {وَقُل رَّبِّ ٱغْفِرْ وَٱرْحَمْ} أي أمر الله تعالى رسوله أن يدعو بهذا الدعاء: رب اغفر لي وارحمني واغفر لسائر المؤمنين وارحمهم أجمعين فأنت خير الغافرين والراحمين. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- عظم هول يوم القيامة وشدة الفزع فيه فليتق ذلك بالإِيمان وصالح الأعمال. 2- تنزه الله تعالى عن العبث واللهو واللعب. 3- تقرير عقيدة البعث والجزاء. 4- كفر وشرك من يدعو مع الله إلهاً آخر. 5- الحكم بخسران الكافرين وعدم فلاحهم. 6- استحباب الدعاء بالمغفرة والرحمة للمؤمنين والمؤمنات.
القطان
تفسير : اللبث: الاقامة. العادّين: الحفظة الحاسبين لأعمال البشر. فإنما حسابه عند ربه: جزاؤه. {قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ ٱلْعَآدِّينَ} الله تعالى يعلم كل شيء لكنه يسألهم هنا للتقريع: كما كانت إقامتكم في الدنيا؟ فيقولون لبثنا يوما او بعض يوم، فاسأل الحفَظَةَ العارفين لأعمال العباد. {قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} إنكم لم تقيموا في الدنيا الا رَمَقاً قليلا بالقياس الى ما أنتم مقبلون عليه لو كنتم تحسنون التقدير. ثم يعود فيعنّفهم على تكذيبهم بالآخرة فيقول: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ} أظننتم أننا خلقناكم بغير حكمة، وظننتم انكم لا تُبعثون لمجازاتكم!؟ ثم تنتهي السورة بتقرير القاعدة الأولى للإيمان، وهي التوحيد، وإعلان الخسارة الكبرى للمشركين، في مقابل الفوز والفلاح للمؤمنين كما افتتحت السورة بذلك. ثم بالتوجه الى الله في طلب الرحمة والغفران وهو أرحمُ الراحمين: {فَتَعَالَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ} العظمةُ لله وحده، هو مالك الملك كله، لا معبودَ بحقٍّ سواه، وهو رب العرش الكريم. وبعد ان ذكر انه الملِكُ الحق، أتبعه ببيان ان من ادّعى ان في الكون إلهاً سواه فقد ادعى باطلا لا دليل عليه فقال: {وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـهَا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَافِرُونَ} افتُتحت السورة بفلاح المؤمنين، وختمت بخيبة الكافرين... ومن يعبد مع الله آلها آخر لا دليل على صحة الوهيته، يعاقبْه الله على شِركه، وان الكافرين لا يفلحون. وهنا يتناسق مطلع السورة مع ختامها، نسأل الله تعالى حسن الختام. {وَقُل رَّبِّ ٱغْفِرْ وَٱرْحَمْ وَأنتَ خَيْرُ ٱلرَّاحِمِينَ} وقل أيها النبي بالختام داعياً الله ضارعاً اليه: يا ربّ اغفر لي ذَنبي وارحمني وارحم عبادك. فأنت خير الراحمين.
د. أسعد حومد
تفسير : {قَالَ} (112) - يُنَبِّهُ اللهُ تَعَالَى إِلَى مَا أَضَاعُوهُ، فِي عُمْرِهِم القصِيرِ فِي الدُّنْيَا، مِنْ طَاعَةِ اللهِ، وَعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَلَوْ صَبَرُوا مُدَّةَ حَيَاتِهِم الدُّنْيَا القَصِيرَةِ لَفَازُوا كَمَا فَازَ أَوْلِيَاءُ اللهِ المُتَّقُونَ. وَيَقُولُ لَهُمْ تَعَالَى: كَمْ كَانَتْ مُدَّةُ لَبْثِكُمْ وإِقَامَتِكُمْ فِي الدُّنْيَا مِنَ السِّنِينَ؟
الثعلبي
تفسير : {قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} نَسُوا لعظيم ما هم فيه من العذاب مدّة مكثهم في الدنيا، وهذا توبيخ من الله تعالى لمنكري البعث وإلزام للحجّة عليهم. قرأ حمزة والكسائي: قل كم، على الأمر، لأنّ في مصاحف أهل الكوفة قل بغير ألف، ومعنى الآية: قولوا كم لبثتم، فأخرج الكلام مخرج الأمر للواحد والمراد به الجماعة إذ كان مفهوماً معناه، ويجوز أن يكون الخطاب لكلّ واحد منهم أي قل أيّها الكافر. وقرأ الباقون: قال في الحرفين، وكذلك هما في مصاحفهم بالألف على معنى قال الله تعالى، وقرأ ابن كثير: قل كم، على الأمر، وقال: إن على الخبر وهي قراءة ظاهرة لأنّ الثانية جواب. وقوله {فَسْئَلِ ٱلْعَآدِّينَ} أي الحُسّاب عن قتادة، وقال مجاهد: هم الملائكة الذين يحفظون أعمال بني آدم ويحصونها عليهم. {قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ} في الدنيا {إِلاَّ قَلِيلاً لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} قدر لبثكم فيها {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا} أي لعباً وباطلاً لا لحكمة، والعبث: العمل لا لغرض، وهو نصب على الحال عن سيبويه وقطرب،مجازه: عابثين، أبو عبيد: على المصدر، بعض نحاة الكوفة: على الظرف أُي بالعبث، بعض نحاة البصرة: للعبث. {وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ}. قال أمير المؤمنين علىّ بن أبي طالب رضي الله عنه: "يا أيّها الناس اتّقوا ربّكم فما خُلق امرؤ عبثاً فيلهو ولا أُهمل سُدىً فيلغو". وأخبرني محمد بن القاسم بقراءتي عليه قال: حدَّثنا أبو بكر محمد بن محمد بن نصر قال: حدّثنا محمد بن موسى قال: حدّثنا ابن شعيب الحرّاني قال: حدّثنا يحيى بن عبد الله ابن الضحاك قال: سمعت الأوزاعي يقول: بلغني أنّ في السماء ملكاً ينادي كل يوم: ألا ليت الخلق لم يخلقوا، وياليتهم إذ خُلقوا عرفوا ما خُلقوا له وجلسوا فذكروا ما عملُوا. فصل في ذكر وجوه الحكمة في خلق الله سبحانه الخلق قال المحقّقون: خلق الله سبحانه الخلق ليدلّ بذلك على وجوده وكمال علمه وقدرته، إذ لو لم يخلق لم يكن لوجوده معنى. وأخبرني محمد بن القاسم قال: حدَّثنا محمد بن يزيد قال: حدَّثنا الحسن بن سفيان قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدَّثنا ابن عُليّة عن منصور بن عبد الرَّحْمن قال: قلت للحسن البصري في قوله سبحانه {أية : وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ}تفسير : [هود: 118-119]. قال: الناس مختلفون على أديان شتّى إلاّ من رحم ربك، ومن رحم ربك غير مختلف. فقيل له: ولذلك خلقهم ؟. قال: نعم، خلق هؤلاء لجنّته وخلق هؤلاء لناره، وخلق هؤلاء لرحمته وخلق هؤلاء لعذابه. وأخبرنا محمد بن القاسم الفقيه قال: أخبرنا أبو جعفر محمد بن موسى الفقيه قال: حدَّثنا أبي قال: حدَّثنا محمد بن خالد البرقي عن أبيه عن أحمد بن نصر قال: سئل جعفر بن محمد: لمَ خَلقَ الله الخلق ؟ قال: لأنّ الله سبحانه كان محسناً بما لم يزل فيما لم يزل، إلى ما لم يزل فأراد سبحانه وتعالى أن يفوّض إحسانه إلى خلقه وكان غنيّاً عنهم، لم يخلقهم لجرّ منفعة، ولا لدفع مضّرة، ولكن خلقهم وأحسن إليهم وأرسل إليهم الرسل حتّى يفصلوا بين الحق والباطل، فمن أحسن كافأهُ بالجنة، ومن عصى كافأه بالنار. وقال محمد بن علي الترمذي: إنَّ الله سبحانه خلق الخلق عبيداً ليعبدوه فيثيبهم على العبودية ويعاقبهم على تركها، فإن عبدوه فهم اليوم عبيد أحرار كرام، وغداً أحرار وملوك في دار السلام، وإن رفضوا العبودية فهم اليوم عبيد أُبّاق سفلة لئام، وغداً أعداء في السجون بين أطباق النيران. ومنهم من قال: خلق الله سبحانه الخلق كلّهم لأجل محمد صلى الله عليه وسلم يدللّ عليه ما حدَّثنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن الرومي قال: حدَّثنا أبو بكر محمد بن حمدون بن خالد قال: حدّثنا هارون بن العباس الهاشمي قال: حدَّثنا محمد بن ياسين بن شريك قال: حدَّثنا جندل قال: حدّثنا عمرو بن أوس الأنصاري عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن سعيد بن المسيّب عن ابن عباس قال: "أوحى الله سبحانه إلى عيسى (عليه السلام): يا عيسى آمن بمحمد ومُر أُمّتك أن يؤمنوا به،فلولا محمد ما خلقت آدم، ولولا محمد ما خلقت الجنة والنار، ولقد خلقت العرش على الماء فاضطرب فكتبت عليه: لا إله إلاّ الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسكن". وسمعت محمد بن القاسم الفارسي قال: سمعت محمد بن الحسن بن بهرام الفارسي يقول: سمعت القنّاد يقول: خلق الله سبحانه الملائكة للقدرة، وخلق الاشياء للعبرة، وخلقك للمحبة له، ومن العلماء مَن لم يصرّح القول بذلك ولكنه قال: نبّه الله سبحانه في غير موضع من كتبه المنزلة أنّه خلقهم لخطر عظيم مغيّب عنهم لا يجلّيه حتى يحلّ بهم ما خلقهم له، وهذا معنى قوله سبحانه {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً} الآية. أخبرني ابن فنجويه قال: حدَّثنا عبد الله بن يوسف بن أحمد بن مالك قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي قال: حدَّثنا داود بن رشيد، وأخبرني محمد بن القاسم قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن مريس قال: حدَّثنا الحسن بن سفيان قال: حدَّثنا هشام ابن عمار قال: حدَّثنا الوليد بن مسلم قال: حدَّثنا ابن لهيعة عن عبد الله بن هبيرة عن حنش ابن عبد الله الصنعاني حديث : عن عبد الله بن مسعود أنّه مرَّ بمصاب مبتلى فقرأ في أذنه {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً} حتى ختم السورة فبرئ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "ماذا قرأت في أُذنه؟" فأخبره فقال: "والذي نفسي بيده لو أنَّ رجلا موقناً قرأها على جبل لزال" . تفسير : ثمَّ نَزَّه نفسه سبحانه عمّا وصفه به المشركون من اتخاذ الأنداد والأولاد، ونسبه إليه الملحدون من السفه والعبث فقال عزَّ من قائل {فَتَعَالَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ} يعني الحسن العظيم {وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـهَا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ} قال أهل المعاني: فيه إضمار، مجازه: فلا برهان له به {فَإِنَّمَا حِسَابُهُ} جزاؤه {عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَافِرُونَ * وَقُل رَّبِّ ٱغْفِرْ وَٱرْحَمْ وَأنتَ خَيْرُ ٱلرَّاحِمِينَ}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : لبث: مكث وأقام، فالمعنى: ما عدد السنين التي ظللتموها في الأرض، لكن لماذا هذا السؤال؟ قالوا: لأن الذي شغلكم عن دين يضمن لكم ميعاداً خالداً، ونعيماً باقياً هو الدنيا التي صرفتكم بزينتها وزخرفها وشهواتها - وعلى فرض أنكم تمتعتم بهذا في الدنيا - فهل يُقارن بما أُعِدَّ للمؤمنين في الآخرة من النعيم المقيم الذي لا يفوتهم ولا يفوتونه؟ والقيامة حين تقوم ستقوم على قوم ماتوا في ساعتها، فيكون لبثهم قريباً، وعلى أناس ماتوا من أيام آدم فيكون لبثهم طويلاً، إذن: فاللبث في الأرض مقول بالتشكيك كما يقولون، لكن هل يدرك الأموات المدة التي لبثوها في الأرض؟ معلوم أنهم لا يدركون الزمن؛ لأن إدراك الزمن إنما يتأتَّى بمشاهدة الأحداث، فالميت لا يشعر بالزمن؛ لأنه لا يعيش أحداثاً، كالنائم لا يدري المدة التي نامها، وكُلُّ مَنْ سُئِلَ هذا السؤال قال {أية : يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ..} تفسير : [البقرة: 259]. قالها العُزَير الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه، وقالها أهل الكهف الذين أنامهم الله ثلاثمائة سنة وتسعاً؛ لأن هذه هي أطول مدة يمكن أن يتخيلها الإنسان لنومه، ولا يستطيع النائم تحديد ذلك بدقة؛ لأن الزمن ابْنُ الحدث، فإنِ انعدم الحدث انعدم الزمن. لذلك يقول تعالى عَمَّنْ ماتوا حتى من أيام آدم عليه السلام: {أية : كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} تفسير : [النازعات: 46]. وكذلك يقول هؤلاء أيضاً في الإجابة على هذا السؤال: {قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ ...}.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن أحوال أهل الأهوال بقوله تعالى: {قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ} [المؤمنون: 112] يشير إلى أن ما ترى الخلق من أهوال القيامة وأفزاعها فينسون ما رأوا من الراحات والشدائد، مرة مقامهم تحت الأرض من أهوال يوم الفزع الأكبر حتى يخفى عليهم كما لبثوا {قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ ٱلْعَآدِّينَ} [المؤمنون: 113] الذين يعدون أنفاسنا وأيامنا وليالينا من الملائكة الموكلين علينا (العَادِّينَ) يعني الملائكة قالوا: {إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً} [المؤمنون: 114] بالنسبة إلى لبثكم في الجنة أو في النار أبد الآبدين {لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [المؤمنون: 114] أنه لا نهاية للبثكم فيها لأصلحتم أعمالكم التي تقربتم بها إلى الله تعالى. {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً} [المؤمنون: 115] أي: خلقناكم بلا معنى يضركم أو ينفعكم حتى عشتم كما تعيش البهائم فما تقربنا إلينا بالأعمال الصالحة، {وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ} [المؤمنون: 115] باللطف أو القهر، فالرجوع باللطف أن تموتوا بالموت الاختياري من قبل الموت الاضطراري فيرجعوا من أسفل الطبيعة على قدمي الشريعة والطريقة إلى أعلى عليين عالم الحقيقة والرجوع بالقهر هو أن يرجعوا بعد الموت الاضطراري فتقادون إلى النار بسلاسل تعلقاتكم بشهوات الدنيا وزينتها وأغلال صفاتكم الذميمة. {فَتَعَالَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ} [المؤمنون: 116] بنعوت الجلال، متوحد في إعزازه وعلو أوصافه أوصافه وعظمة ذاته متفرد، فلذاته حق وصفاته حق وقوله صدق ولا يتوجب لمخلوق عليه حق وما يفعل من أشياء بعباده فليس شيء منها بمستحق {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ} ما يحمد بالعرش ولكن يعزز العرش إلى أنه أضافه إلى رحمانيته إضافة خصوصية وإنما وصف العرش بالكريم لأنه تقسيم فيض كرم الحق ومنه تنقسم آثار الكرم والرحمة إلى ذرات المخلوقات. {وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـهَا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ} [المؤمنون: 117] يشير إلى أن من يعبد الله حق عبادته يتقرب إليه حق تقربه بتقرب الله إليه بشواهد فضله وبراهين معرفته فإذا عبد غير الله تقرب إليه بأنواع التقربات لا بتقرب معبوده إليه بشاهد حق ولا برهان صدق على إلهيته {فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ} بأن يظهر عليه عند المؤاخذة بالعقاب {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَافِرُونَ} من عذابه. {وَقُل رَّبِّ ٱغْفِرْ وَٱرْحَمْ} [المؤمنون: 118] الخطاب مع محمد صلى الله عليه وسلم يشير إلى أنه مع كمال محبوبيته وغاية خصوصيته ورتبة نبوته رسالته محتاج إلى مغفرته ورحمته فكيف من دونه {وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـهَا آخَرَ} [المؤمنون: 118] وبقوله تعالى: {وَأنتَ خَيْرُ ٱلرَّاحِمِينَ} [المؤمنون: 118] يشير إلى أنه يحتمل تغير كل راحم بأن يسخط على مرحومه فيعذبه بعد أن يرحمه وأن الله جل ثناؤه إذا رحم على عبد لم يسخط عليه أبداً لأن رحمته أزلية لا تحتمل التغيير.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):