٢٣ - ٱلْمُؤْمِنُون
23 - Al-Mu'minoon (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
115
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً} أي مهملين كما خلقت البهائم لا ثواب لها ولا عقاب عليها؛ مثل قوله تعالى: {أية : أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى} تفسير : [القيامة: 36] يريد كالبهائم مهملاً لغير فائدة. قال الترمذيّ الحكيم أبو عبد الله محمد بن عليّ: إن الله تعالى خلق الخلق عبيداً ليعبدوه، فيثيبهم على العبادة ويعقابهم على تركها، فإن عبدوه فهم اليوم له عبيد أحرار كرام من رق الدنيا، ملوك في دار السّلام؛ وإن رفضوا العبوديّة فهم اليوم عبيد أُبّاق سُقّاط لئام، وغداً أعداء في السجون بين أطباق النيران. و«عَبَثاً» نصب على الحال عند سيبويه وقُطْرُب. وقال أبو عبيدة: هو نصب على المصدر أو لأنه مفعول له. {وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ} فتجازون بأعمالكم. قرأ حمزة والكسائيّ «تَرْجِعون» بفتح التاء وكسر الجيم من الرجوع.
البيضاوي
تفسير : {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَـٰكُمْ عَبَثاً} توبيخ على تغافلهم، و {عَبَثاً} حال بمعنى عابثين أو مفعول له أي: لم نخلقكم تلهياً بكم وإنما خلقناكم لنتعبدكم ونجازيكم على أعمالكم وهو كالدليل على البعث. {وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ } معطوف على {أَنَّمَا خَلَقْنَـٰكُمْ } أو {عَبَثاً}، وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب بفتح التاء وكسر الجيم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَٰكُمْ عَبَثاً } لا لحكمة {وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ } بالبناء للفاعل وللمفعول؟ لا، بل لنتعبدكم بالأمْرِ والنهي، وترجعوا إلينا ونجازي على ذلك { أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ }تفسير : [56:51].
الخازن
تفسير : قوله عزّ جلّ: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً} أي لعباً وباطلاً لا لحكمة وقيل العبث معناه لتلعبوا وتعبثوا كما خلقت البهائم لا ثواب لها ولا عقاب وإنما خلقتم للعبادة وإقامة أوامر الله عزّ وجلّ {وأنكم إلينا لا ترجعون} أي في دار الآخرة للجزاء. روى البغوي بسنده "حديث : عن الحسن: "أن رجلاً مصاباً مرّ به على ابن مسعود فرقاه في أذنه أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون حتى ختم السورة فبرأ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بماذا رقيت في أذنه فأخبره فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لو أن رجلاً موقناً قرأها على الجبل لزال""تفسير : ثم نزه الله تعالى عمّا يصفه به المشركون فقال عزّ وجلّ {فتعالى الله الملك الحق} أي هو التام الملك الجامع لأصناف المملوكات {لا إله إلا هو رب العرش الكريم} أي الحسن وقيل الرفيع المرتفع وإنما خصّ العرش بالذكر لأنه أعظم المخلوقات {ومن يدع مع الله إلهاً آخر لا برهان له به} يعني لا حجة ولا بينة له به إذ لا يمكن إقامة برهان ولا دليل على إلهية غير الله ولا حجة في دعوى الشرك {فإنما حسابه} أي جزاؤه {عند ربه} أي هو مجازيه بعلمه {إنه لا يفلح الكافرون} يعني لا يسعد من جحد وكذب {وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين}.
السيوطي
تفسير : أخرج الحكيم الترمذي وأبو يعلى وابن أبي حاتم وابن السني في عمل يوم وليلة وأبو نعيم في الحلية وابن مردويه عن ابن مسعود أنه قرأ في أذن مصاب {افحسبتم أنما خلقناكم عبثاً} حتى ختم السورة فبرأ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : ماذا قرأت في أذنه؟ فأخبره. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نفسي بيده لو أن رجلاً موقناً قرأها على جبل لزال ". تفسير : وأخرج ابن السني وابن منده وأبو نعيم في المعرفة بسند حسن من طريق محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن أبيه قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية وأمرنا أن نقول إذا نحن أمسينا وأصبحنا {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون} فقرأناها فغنمنا وسلمنا والله أعلم.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً} [الآية: 115]. سمعت على القياى يقول: سمعت يحيى بن معاذ يقول: من عطل أيامه بالبطالات. سمعت أبا بكر بن محمد بن عبد الله بن شاذان يقول: سمعت أبا بكر السباك يقول: سمعت يوسف بن الحسن يقول: سمعت احمد بن أبى الحوارى يقول: لا يصل إلى قلبك روح التوحيد، وله عندك حق لم تؤده. قال الواسطى رحمه الله: أظهر الأكوان يظهر آثار الولايات على الأولياء، وآثار الشقاوة على الأعداء.
القشيري
تفسير : العبثُ اللهو، واللَّعِبُ والاشتغالُ بما يُلْهِي عن الحقِّ، والله لم يأمر العبادَ بذلك، ولم يَدْعهُم إلى ذلك، ولم يندبهم إليه. والعابثُ في فِعْلِهِ مَنْ فِعْلُه على غير حدِّ الاستقامة، ويكون هازلاً مُسْتَجْلِباً بفعله أحكامَ اللهوِ إلى نَفْسه، متمادياً في سهوه، مستلِذَّ التفرقةِ في قصده، وكلُّ هذا من صفات ذوي البشرية، والحقُّ - سبحانه - مُنزّهُ النّعَت عن هذه الجملة، فلا هو يفعل شيءٍ عابث، ولا بشيء منَ العَبَثَ آمِرٌ.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ} غيرهم بما سكنوا اليه مما وجدوا منه حيث ظنوا ان ما وجدوا منه على حد الكمال فوقفوا فقال افسحبتم انما خلقناكم للوقفة عنى بشئ مما وجدتم منى وانكم الينا لا ترجعون بنعت الفناء مما وجدتم وعما سكنتم به عنى ثم عظم جلاله وكبرياءه عن ادراكهم وان رجعوا اليه بقوله {فَتَعَالَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ} تعالى جلاله عن ان يدركه المدركون ويحلق بعزته الحقوق هو الحق بحقيقته وحقيقته لا يطلع عليها الا هو تلاشت الحدثان فى سطوات جلال حتى ان العرش الكريم مع عظمه صغر فى عين نملة من قهر عزته ومن نظر الى شئ سواه وان كان منه رتبة عظيمة فى المعرفة فهو محجوب به عنه بقوله {وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـهَا آخَرَ} ثم امر صغر المملكة بعذر عجزه وتحيره عن درك نعوثه الازلية وصفاته الابدية بقوله {وَقُل رَّبِّ ٱغْفِرْ وَٱرْحَمْ} اغفر تقصيرى فى معرفتك وارحمنى بكشف زيادة المقام فى مشاهدتك {وَأنتَ خَيْرُ ٱلرَّاحِمِينَ} اذ كل الرحمة فى الكونين ----- مستفادة من بحار رحمتك القديمة حكى يوسف بن الحسين عن احمد بن الى الحوارى فى قوله افحسبتم انما ----- الى قلبك روح التوحيد وله عندك حق لم تؤده وقال الواسطى اظهر الاكوان يظهر اثار الولاية على الاولياء وأثار الشقاء على الاعداء وقال فى قوله تعالى الله الملك الحق لا يحتمله الا الحق حجب الكون بالصفات والنعوت ثم حجب النعوت بالحقيقة وقال الحق عجز الخلق ان يدركوه بادراكهم وانما يدرك بادراكه قال ابن عطا تعالى ان يغيره الدهور او يجرى عليه قوادح الامور نفى الاشكال عن نفسه بتعاليه ونفى الاضداد والنظراء عن نفسه --- وملكه عز وعلا وقال الاستاذ الحق بنعوت جلاله متوحد وفى عز ازاله وعلّوا وصافه متفرد فذاته حق وصفاته حق وقوله صدق ولا يتوجد لمخلوق عليه حق.
اسماعيل حقي
تفسير : {أفحسبتم انما خلقناكم عبثا} الهمزة للاستفهام الانكارى والفاء للعطف على مقدر. والحسبان بالكسر الظن وعبثا حال من نون العظمة بمعنى عابثين وهو ما ليس لفاعله غرض صحيح او ارتكاب امر غير معلوم الفائدة. والمعنى أغفلتم وظننتم من فرط غفلتكم انا خلقناكم بغير حكمة {وانكم الينا لاترجعون} عطف على انما خلقناكم اى وحسبتم عدم رجوعكم الينا يعنى ان المصلحة من خلقكم الامر بالعمل ثم البعث للجزاء ومعنى الرجوع الى الله الرجوع الى حيث لا مالك ولا حاكم سواه، قال الترمذى ان الله خلق الخلق ليعبدوه فيثيبهم على العبادة ويعاقبهم على تركها فان عبدوه فانهم عبيد احرار كرام من رق الدنيا ملوك فى دارالسلام وان رفضوا العبودية فهم اليوم عبيد اباق سقاط لئام وغدا اعداء فى السجون بين اطباق النيران. وفى التأويلات النجمية {أفحسبتم انما خلقناكم عبثا} بلا معنى ينفعكم او يضركم حتى عشتم كما يعيش البهائم فما تقربتم الينا بالاعمال الصالحات للتقرب وحسبتم {انكم الينا لا ترجعون} باللطف والقهر. فالرجوع باللطف بان يموت بالموت الاختيارى قبل الموت الاضطرارى وهو بان ترجعوا من اسفل سافلين الطبيعة على قدمى الشريعة والطريقة الى اعلى عليين عالم الحقيقة، والرجوع بالقهر بان ترجعوا بعد الموت الاضطرارى فتقادون الى النار بسلاسل تعلقاتكم بشهوات الدنيا وزينتها واغلال صفاتكم الذميمة، وعن بهلول قال كنت يوما فى بعض شوارع البصرة فاذا بصبيان يلعبون بالجوز واللوز واذا أنا بصبى ينظر اليهم ويبكى فقلت هذا صبى يتحسر على مافى ايدى الصبيان ولاشىء معه فيلعب به فقلت اى بنى ما يبكيك اشترى لك من الجوز واللوز ماتلعب به مع الصبيان فرفع بصره الىّ وقال ياقليل العقل ماللعب خلقنا فقلت اى بنى فلماذا خلقنا فقال للعلم والعبادة وفقلت من اين لك ذلك بارك الله فيك قال من قول الله تعالى {أفحسبتم انما خلنقاكم عبثا وانكم الينا لاترجعون} قلت له اى بنى اراك حكيما فعظنى واوجز فانشأ يقول شعر : أرى الدنيا تجهز بانطلاق مشمرة على قدم وساق فلا الدنيا بباقية لحى ولا حى على الدنيا بباق كأن الموت والحدثان فيها الى نفس الفتى فرسا سباق فيا مغرور بالدنيا رويدا ومنها خذ لنفسك بالوثاق تفسير : ثم رمق السماء بعينيه واشار اليها بكفيه ودموعه تنحدر على خديه وهو يقول شعر : يامن اليه المبتهل يامن عليه المتكل يامن اذا ما آمل يرجوه لم يخب الامل تفسير : قال فلما اتم كلامه خر مغشيا عليه فرفعت رأسه الى حجرى ونفضت التراب عن و جهه بكمى فلما افاق قلت له اى بنى مانزل بكم انت صبى صغير لم يكتب عليكم ذنب قال اليك عنى يا بهلول انى رأيت والدتى توقد النار بالحطب الكبار فلا تقد الا بالصغار وانى اخشى ان اكون من صغار حطب جهنم قال فسألت عنه فقالوا ذاك من اولاد الحسين بن على بن ابى طالب رضى الله عنهم قلت قد عجبت من ان تكون هذه الثمرة الا من تلك الشجرة نفعنا الله به وبآبائه، قال الشيخ ابو بكر الواسطى [روزى اين آيت مى خواند فرمودكه نىنى خلق بعبث نيافريد بلكه خواست كه هستىء وى آشكارا شود وازمصنوعات وى بصفات كماليه اوراه برند. وكفته ند شمارا ببازى نيافريده ايم بلكه براى ظهور نور محمد عليه السلام آفريده ايم جودر ازل مقر رشده بودكه آن كوهر تابان ازصدق جنس انس بيرون آيد بس اواصلست وشما همه فرع اوييد شعر : هفت ونه وجاركه برداختند خاص بى موكب اوساختند اوست شه وآدميان جمله خيل اصل وى وجمله عالم طفيل تفسير : دربحر الحقائق كفته كه شمارا براى آن آفريدم تا بر من سود كنيدنه بجهت آنكه من برشما سودكنم كما قال تعالى "حديث : خلقت الخلق ليربحوا علىّ لا لاربح عليهم"تفسير : وكويند ملائكة را آفريد تامنظر قدرت باشند وآدميانرا خلق كرد تامخزن جوهر محبت باشند. در بعضى كتب سماوى هست كه اى فرزند آدم همه اشيا براى شما آفريدم وشمارا براى خودسر (كنت كنزا مخفيا) اينجا ظهور تمام دارد] كما اشار اليه المولوى قدس الله سره فى المثنوى شعر : اى ظهور تو بكلى نور نور كنج مخفى ازتو آمد در ظهور كنج مخفى بود زبر جاك كرد خاك را تابان تر از افلاك كزد كنج مخفى بدزبرى جوش كرد خاك را سلطان باطلس بوش كرد خويش را تشناخت مسكين آدمى از فزونى آمد وشد دركمى خويشتن را آدمى ارزان فروخت بود اطلس خويش را بردلق دوخت اى غلامت عقل تدبيرات هوش جون جنينى خويش را ارزان فروش
ابن عجيبة
تفسير : قلت: (أفحسبتم): المعطوف محذوف، أي: ألم تعلموا شيئاً فحسبتم، و (عبثاً): حال، أو مفعول من أجله. يقول الحق جل جلاله: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً} أي: عابثين، أو للبعث من غير حكمة في خلقكم وإظهاركم حتى أنكرتم البعث، {وأنكم إلينا لا ترجعون} للحساب والجزاء، بل خلقناكم للتكليف، ثم للرجوع إلينا، فنُثيب المحسن، ونعاقب المسيء. {فتعالى الله} أن يخلق شيئاً عبثاً، وهو استعظام له نعالى ولشؤونه التي يُصَرِّف عليهاعباده؛ من البدء والإعادة، والإثابة والعقاب، بموجب الحكمة، أي: ارتفع بذاته، وتنزه عن مماثلة المخلوقين في ذاته وصفاته وأفعاله,وعن خلو أفعاله عن الحِكَم والمصالح والغايات الحميدة. {الملك الحق}؛ الذي يحق له الملك على الإطلاق، إيجاداً وإعداماً، وإحياء وإماته، عذاباً وإثابة، وكل ما سواه مملوك له، مقهور تحت ملكوته، {لا إله إلا هو}، فإنَّ كل ما عداه عبيده، {ربُّ العرش الكريم}، فكيف بما تحته من الموجودات، كائناً ما كان، ووصفه بالكرم: إمّا لأنه منه ينزل الوحي الذي منه القرآن الكريم، والخير والبركة، أو لنسبته إلى أكرم الأكرمين. {ومن يدعُ مع الله إلهاً آخر}، يعبده فرداً أو اشتراكاً، من صفته {لا برهان له به} على صحة عبادته. وفيه تنبيه على أن التدين بما لا دليل عليه باطل، فكيف بما شهدت بديهة العقول بخلافه؟ {فإنما حسابُه عند ربه}،. فهو مُجازٍ له على قدر ما يستحقه، {إنه} أي: الأمر والشأن {لا يُفلح الكافرون}؛ لا فوز لهم ولا نجاة. بدئت السورة الكريمة بتقرير فلاح المؤمنين، وختمت بنفي فلاح الكافرين؛ تحريضاً على الإيمان، وعلى ما يوجب بقاءه وتنميته، من التمسك بما جاء به التنزيل، وبما جاء به النبي الجليل، ليقع الفوز بالفلاح الجميل. ثم علَّمنا سؤال المغفرة والرحمة؛ لأن شؤم المعاصي يؤدي إلى سوء الختام، فقال: {وقل ربِّ اغفرْ وارحمْ وأنت خير الراحمين}، وفيه إيذان بأنهما من أهم الأمور الدينية، حيث أمر به من قد غفَر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فكيف بمن عداه؟ نسأل الله - تعالى - المغفرة الشاملة، والرحمة الكاملة، لنا ولإخواننا ولجميع المسلمين.. آمين. روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه مرَّ بمصابٍ مبتلى، فقرأ في أذنه: (أفحسبتم أنما...) إلخ السورة، فبرئ من حينه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : ماذا قرأت في أذنه؟ فأخبره، فقال: والذي نفسي بيده لو أن رجلاً مؤمناً قرأها على جبل لزال ". تفسير : الإشارة: ما أظهر الله الكائنات إلا ليُعرف بها، ويُظْهِرَ فيها أسرار ذاته وأنوار صفاته، وفي الأثر القدسي: "كنت كنزاً لم أُعرف، فأحببتُ أن أعرف، فخلقت الخلق، فتعرفت لهم، فبي عرفوني". وفي إيجاد المخلوقات حِكَم بليغه وأسرار عجيبة، لا يحصيها إلا من خلقها ودبّرها. فمن المخلوقات من خلقهم ليظهر فيهم أثر رحمته وكرمه وإحسانه، وهم أهل الإيمان والطاعة، ومنهم من خلقهم ليظهر فيهم حلمه وعفوه، وهم أهل العصيان، ومنهم من خلقهم ليظهر فيهم عدله وقهره ونقمته، وهم أهل الكفر والطغيان. وقال الحكيم الترمذي رضي الله عنه: إن الله خلق الخلق عبيداً ليعبدوه، فيثيبهم على العبادة، ويعاقبهم على تركها، فإنْ عبدوه فهم اليوم له عبيد، أحرار كرام من رق الدنيا، ملوك في دار السلام، وإن رفضوا العبودية فهم اليوم عبيد أُباق، سُقاط، لئام، أعداء في السجون بين أطباق النيران. هـ. وقال بعضهم: إنما أظهر الله الكون لأجل نبينا صلى الله عليه وسلم تشريفاً له، فهو من نوره. قال ابن عباس رضي الله عنه: أوحى الله تعالى إلى عيسى عليه السلام: يا عيسى ابن مريم؛ آمن بمحمد، ومُر أمتك أن يؤمنوا به، فلولا محمد ما خلقت آدم، ولولا محمد ما خلقت الجنة والنار... الحديث. قال القشيري: حسابُه على الله في آجله، وعذابُه من الله له في عاجله، وهو ما أودعَ قلبَه حتى رَضِيَ أنْ يَعْبُدَ معه غيره، لقوله: {أية : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ} تفسير : [الزمر: 3]، كلامٌ حاصلٌ عن غير دليل عقل، ولا شهادة خبرٍ ونقل، فما هو إلا إفك وبهتان، وقولٌ ليس يساعده برهان. هـ وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق - وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد، وآله وصحبه وسلم تسليماً، والحمد لله رب العالمين.
الجنابذي
تفسير : {أَفَحَسِبْتُمْ} اى اما تأمّلتم او اهملتم فحسبتم {أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً} عبث كفرح لعب وكضرب خلط {وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ} وهذه الجملة مستأنفة جواب لسؤالٍ مقدّرٍ بتقدير القول اى نقول: افحسبتم انّما خلقناكم من غير استكمالٍ لكم ومن غير استبقاءٍ فكذّبتم واتّبعتم اهواءكم وأعرضتم عن رسلنا وخلفائنا.
الهواري
تفسير : قوله: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً} أي: لغير بعث ولا حساب. {وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ} وهو على الاستفهام، أي: قد حسبتم ذلك. ولم نخلقكم عبثاً، إنما خلقناكم للبعث والحساب. قوله: {فَتَعَالَى اللهُ المَلِكُ الحَقُّ} وهما اسمان من أسماء الله {لآ إلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ} على الله. وبعضهم يقرأها: {الكَرِيمُ} بالرفع، يقول: اللهُ الكريمُ رب العرش. وهو مثل هذا الحرف: (أية : ذُو العَرْشِ المَجِيدِ) تفسير : [البروج: 15] أي: الكريم على الله، على مقرأ من قرأها بالجر، ومن قرأها بالرفع يقول: الله المجيدُ أي: الكريم. قوله: {وَمَن يَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهاً ءَاخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ} أي: لا حجة له به. وقال بعضهم: لا بَيِّنَةَ له به، أي: بأن الله أمره أن يعبد إلهاً من دونه. {فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ} أي: حساب ذلك الذي يدعو مع الله إلهًا آخر. {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الكَافِرُونَ} أي: ذلك حساب الكافرين عند الله: أنهم لا يؤمنون، وأنهم أهل النار. [وهي تقرأ على وجه آخر {فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ} أن يدخله النار. ثم قال: {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الكَافِرُونَ} [كلام مستقبل]. قوله: {وَقُل رَّبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الراحِمِينَ} أي: أفضل من رحم. أمر الله النبي عليه السلام بهذا الدعاء.
اطفيش
تفسير : {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً} لهوا ولعبا لا لحكمة وعبثا مفعول لاجله أو حال من نا لتأويله بالوصف أو تقدير مضاف أي لم نخلقكم لنتلهى بكم أو متلهين بكم وانما خلقناكم للتكليف والجزاء وهو دليل أو كالدليل على البعث. وقيل: المعنى لم تخلقوا لتعبثوا فعبثا مفعول لاجله ان لم نشرط اتحاد الفاعل ولا اتحاد الوقت أو حال مقدرة أول بالوصف أو بالاضافة وصاحب الحال الكاف اي لم نخلقكم مقدار عبثكم وانه العلة في الخلق وذلك على كل حال انكار توبيخي على تغافلهم. {وَأَنَّكُمْ إِليْنَا لاَ تُرْجَعُونَ} للجزاء عطف على انما خلقناكم عبثا أو على عبثا على تقدير اللام فيه لغير التعليل ولو كان المقدرة في (عبثا) للتعليل اي فحسبتم انما خلقناكم لاجل العبث ولعدم الرجوع لا للرجوع وانما يصح عطفه على (عبثا) إذا جعل (عبثا) مفعولا لاجله. وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب (لا ترجعون) بفتح التاء وكسر الجيم.
اطفيش
تفسير : {أفحسبْتم} ألم تعلموا ما قال لكم الرسل فحسبتم {أنَّما خلقناكم} بلا تكليف {عبثاً} عابثين، أو ذوى عبث، أو لأجل العبث، وهو ما خلا عن الفائدة، أو عن الفائدة المعتد بها {وأنَّكم إليْنا لا ترجعون} للحساب والجزاء.
الالوسي
تفسير : {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَـٰكُمْ عَبَثاً} أي ألم تعلموا شيئاً فحسبتم أنما خلقناكم بغير حكمة حتى أنكرتم البعث فعبثاً حال من نون العظمة أي عابثين أو مفعول له أي أفحسبتم أنما خلقناكم للعبث وهو ما خلا عن الفائدة مطلقاً أو عن الفائدة المعتد بها أو عما يقاوم الفعل كما ذكره الأصوليون. واستظهر الخفاجي إرادة المعنى الأول هنا واختار بعض المحققين الثاني {وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ} عطف على {أَنَّمَا خَلَقْنَـٰكُمْ} أي أفحسبتم ذلك وحسبتم أنكم لا تبعثون. وجوز أن يكون عطفاً على {عَبَثاً} والمعنى أفحسبتم أنما خلقناكم للعبث ولترككم غير مرجوعين أو عابثين ومقدرين أنكم إلينا لا ترجعون. وفي الآية توبيخ لهم على تغافلهم وإشارة إلى أن الحكمة تقتضي تكليفهم وبعثهم للجزاء. وقرأ الأخوان {ترجعون} بفتح التاء من الرجوع.
ابن عاشور
تفسير : هذا من تمام القول المحكي في { أية : قال كم لبثتم في الأرض } تفسير : [المؤمنون: 112] مفرع على ما قبله. فرع الاستفهام عن حسبانهم أن الخلق لأجل العبث على إظهار بطلان ما زعموه من إنكار البعث. والاستفهام تقرير وتوبيخ لأن لازم إنكارهم البعث أن يكون خلق الناس مشتملاً على عبث فنزلوا منزلة من حسب ذلك فقُرروا ووبخوا أخذا لهم بلازم اعتقادهم. وأدخلت أداة الحصر بعد (حسب) فجعلت الفعل غير ناصب إلا مفعولاً واحداً وهو المصدر المستخلص من {أنما خلقناكم}. والتقدير: أفحسبتم خلقنا إياكم لأجل العبث، وذلك أن أفعال الظن والعلم نصبت مفعولين غالباً لأن أصل مفعوليها مبتدأ وخبر، أي اسم ذات واسم صفة فاحتياجها إلى المفعول الثاني من باب احتياج المبتدأ إلى الخبر لئلا تنعدم الفائدة في المبتدأ مجرداً عن خبره، وبذلك فارقت بقية الأفعال المتعدية باحتياجها إلى منصوبين لأن معناها لا يتعلق بالذوات؛ فقولك: ظننت زيداً قائماً، إنما هو في الحقيقة: ظننت قيام زيد، فمفعولها هو المصدر وحقه أن يكون خبراً مضافاً إلى ضمير مبتدئه كما قال الرضي: يعني أن العرب استعملوها بمفعولين كراهية لجعل المصدر مفعولاً به كأنهم تجنبوا اللبس بين المفعول به والمفعول المطلق، وهذا كما استعملوا أفعال الكون مسندة إلى اسم الذوات ثم أتوا بعد اسم الذات باسم وصفها ولم يأتوا باسم الوصف من أول وهلة ولذلك إذا أوقعوا بعدها حرف المصدر اكتفوا به عن المفعولين، ولم يسمع عنهم أنهم نصبوا بها مصدراً صريحاً. فإذا وقع مفعول أفعال الظن اسم معنى وهو المصدر الصريح أو المنسبك وحذف الفائدة فاجتزأت بالمصدر كقوله تعالى: { أية : إني ظننت أني ملاققٍ حِسَابِيَهْ } تفسير : [الحاقة: 20]. وحيث كانت (أنما) مركبة من (أن) المفتوحة الهمزة ومن (ما) الكافة فوقوعها بعد فعل الحساب بمنزلة وقوع المصدر، ولولا (أن) لكان الكلام: أحسبتمونا خالقينكم عبثاً. وانتصب {عَبَثاً} على الحال من ضمير الجلالة مؤولاً باسم الفاعل. والعبث: العمل الذي لا فائدة فيه. وكلما تضاءلت الفائدة كان لها حكم العدم فلو لم يكن خلق البشر في هذه الحياة مرتباً عليه مجازاة الفاعلين على أفعالهم لكان خالقه قد أتى في فعله بشيء عديم الفائدة فكان فيه حظ من العبث. وبيان كونه عبثاً أنه لو خُلق الخلق فأحسنَ المحسن وأساء المسيء ولم يلق كل جزاءه لكان ذلك إضاعة لحق المحسن وإغضاء عما حصل من فساد المسيء فكان ذلك تسليطاً للعبث. وليس معنى الحال أن يكون عاملها غير مفارق لمدلولها بل يكفي حصول معناها في بعض أكوان عاملها. وأما قوله: {وأنكم إلينا لا ترجعون} فهم قد حسبوا ذلك حقيقة بلا تنزيل وهذا من تمام الإنكار. وقرأ الجمهور: {تُرجعون} بضم التاء وفتح الجيم، أي أن الله يرجعهم قهراً. وقرأه حمزة والكسائي وخلف بفتح التاء وكسر الجيم، أي يرجعون طوعاً أو كرهاً.
الشنقيطي
تفسير : الاستفهام في قوله: أفحسبتم للإنكار، والحسبان هنا معناه: الظن. يعني: أظننتم أنا خلقناكم عبثاً لا لحكمة، وأنكم لا ترجعون إلينا يوم القيامة، فنجازيكم على أعمالكم، إن خيراً فخير، وإن شراً شر، ثم نزَّه جل وعلا نفسه، عن أن يكون خلقهم عبثاً، وأنهم لا يرجعون إليه للحساب والجزاء. وقوله: {فَتَعَالَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ} أي تعاظم وتقدس، وتنزه عن كل ما لا يليقُ بكماله وجلاله، ومنه خلقكم عبثاً سبحانه وتعالى، عن ذلك علواً كبيراً. وما تضمنته هذه الآية من إنكار الظن المذكور جاء موضحاً في غير هذا الموضع كقوله تعالى: {أية : وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ}تفسير : [ص: 27] وقوله تعالى: {أية : وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ}تفسير : [الدخان: 38-39] وقوله تعالى: {أية : أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ فَجَعَلَ مِنْهُ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ}تفسير : [القيامة: 36-39] وقوله: سدى: أي مهملاً لا يحاسب ولا يجازي، وهو محل إنكار ظن ذلك في قوله: {أية : أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى}تفسير : [القيامة: 36] وقوله: عبثاً: يجوز إعرابه حالاً، لأنه مصدر منكر أي إنما خلقناكم في حال كوننا عابثين، ويجوز أن يعرب مفعولاً من أجله: أي إنما خلقناكم، لأجل العبث لا لحكمة اقتضت خلقنا إياكم، وأعربه بعضهم مفعولاً مطلقاً، وليس بظاهر. قال القرطبي عبثاً: أي مهملين، والعبث في اللغة: اللعب، ويدل على تفسيره في الآية باللعب قوله تعالى: {أية : وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ}تفسير : [الدخان: 38] وقوله: {ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ} قال بعضهم أي الذي يحق له الملك، لأن كل شيء منه وإليه. وقال بعضهم: الملك الحق: الثابت الذي لا يزول ملكه، كما قدمنا إيضاحه في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِباً}تفسير : [النحل: 52] وإنما وصف عرشه بالكرم لعظمته وكبر شأنه والظاهر أن قوله: {وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ} معطوف على قوله: {أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً} خلافاً لمن قال: إنه معطوف على قوله: عبثاً، لأن الأول أظهر منه والعلم عند الله تعالى.
د. أسعد حومد
تفسير : {خَلَقْنَاكُمْ} (115)- هَلْ ظَنَنْتُمْ أَيُّهَا الأَشْقِيَاءُ أَنَّنا خَلَقْنَاكُمْ لَعِباً وَبَاطِلاً (عَبَثاً)، وَأَنَّنا لاَ حِكْمَةَ لَنَا فِي خَلْقِكُمْ؟ إِنَّنا لَمْ نَخْلُقْكُم عَبَثاً وَلاَ بَاطِلاً لِلَّعِبِ والتَّسْلِيَةِ، وَإِنَّمَا خَلَقْنَاكُمَ لِتَعْبُدوا اللهَ، وَتُقِيمُوا أَوَامِرَهُ، فَهْلْ حَسَبْتُمْ أَنَّكُمْ لاَ تَرْجِعُونَ إِلَيْنَا فِي الآخِرَةِ لِنُحَاسِبَكُم عَلَى أَعْمَالِكُمْ؟ (وَقِيلَ بَلْ مَعْنَى الآيَةِ هُوَ: هَلْ تَظُنُّونَ أَنَّكُمْ خُلِقْتُمْ لِتَعْبَثُوا وَتَلْعَبُوا كَمَا خُلِقَتِ البَهَائِمُ، لاَ ثَوَابَ وَلاَ عِقَابَ؟)
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : (حسبتم) ظننتم يعني: ماذا كنتم تظنون في خَلْقنا لكم؟ كما قال في موضع آخر: {أية : أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} تفسير : [العنكبوت: 2] وكلمة {عَبَثاً ..} [المؤمنون: 115] العَبَث هو الفعل الذي لا غايةَ له ولا فائدةَ منه، كما تقول: فيم تعبث؟ لمن يفعل فِعْلاً لا جدوى منه، وغير العبث نقول: الجد ونقول: اللعب واللهو، كلها أفعال في حركات الحياة. لكن الجد: هو أن تعمل العمل لغاية مرسومة. أما اللعب فهو أن تعمل عملاً هو في واقع الأمر لا غاية له الآن إلا دُرْبتك أنت على الحركة وشُغْل ملكاتك حتى لا تتوجه إلى فساد شيء أو الإضرار بشيء، كما تشتري لولدك لعبة يلهو بها، وينشغل بها عن الأشياء القيِّمة في المنزل، والتي إنْ لعب بها حطّمها، فأنت تصرف حركاته إلى شيء لتمنعه عن أشياء ضارة، أو تُعلِّمه باللعب شيئاً يفيده فيما بعد، كالسباحة أو ركوب الخيل. واللهو كاللعب في أنه يكون لغاية قد تأتي بعد، أو لغاية تنفي ضرراً، إلا أن اللعب حين تزاوله لا يشغلك عن مطلوب، أما اللهو فهو الذي يشغلك عن مطلوب، فمثلاً الطفل دون السابعة يلعب في أوقات الصلاة، فيُسمّى فعله لعباً، فإنْ كان في العاشرة يُسمَّي فِعْله لَهْواً؛ لأنه شغله عن الصلاة، وهي واجبة عليه. واللعب يُدربك على أشياء قد تحتاجها وقت الجد فتكون سهلة عليك، أما العبث فلا فائدةَ منه، لذلك قال سبحانه: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً ..} [المؤمنون: 115] فنفى أن يكون الخَلْق عبثاً بلا غاية؛ لأن الله تعالى خلق الخَلْق لغاية مرسومة، ووضع لهم منهجاً يحدد هذه الغاية، ولا يضع المنهج للخَلْق إلا الخالق. كما قلنا سابقاً: إن الصانع الذي صنع هذا الميكروفون لم يصنعه ثم طلب منا أن نبحث له عن مهمة، إنما قبْل أنْ يصنعه حدد له مهمته والغاية منه، وهي أن ينقل الصوت لمسافات بعيدة، إذن: فالغاية مرسومة بدايةً وقبل العمل. فالذي يحدد الغاية هو الصانع المبدع للشيء، وهو أيضاً الذي يحدد صلاح الصنعة لغايتها، ويحدد قانون صيانتها لتؤدي مهمتها على أكمل وجه، وأنت أيها الإنسان صنعة الله فَدَعْهُ يحدد لك غايتك، ويضع لك منهج حياتك وقانون صيانتك، بافعل كذا ولا تفعل كذا. إذن: فساد الدنيا يأتي من أن الصنعة تريد أن تأخذ حق الصانع في تحديد الغاية، وفي تحديد المنهج، وقانون الصيانة، وليس من مهمتها ذلك، والخالق حينما يحدد لك الغاية يضع لك المنهج الذي يُعينك على غايتك، إنما أنت: متى تستطيع أن تدرك الأشياء لتضع غاية أو تضع قانون الصيانة؟ إنك لا يمكن أن تبلغ هذا المبلغ قبل سِنِّ العشرين على أحسن تقدير، فمَنْ - إذن - يضع لك غايتك وقانون صيانتك قبل هذه السنِّ؟ لا أحدَ غير خالقك عز وجل، ولن يستقيم الحال إلا إذا تركنا الصَّنْعة للصانع غايةً ومنهجاً وصيانة. وكيف تظن أن الله تعالى خلقك عَبثاً، وهو الذي استدعاك للوجود وأعدَّ لك مُقوِّمات حياتك وضرورياتها، وحثَّك بإعمال عقلك في هذه المقومات لتستطيع أن تُرفِّه بالطاقة والقدرة المخلوقة لله تعالى لتُسعِدَ نفسك وتُرفِّه حياتك. وقد كنا في الماضي نجلس على ضوء المسرجة، والآن على أضواء النيون والكريستال، ومهما ترفهت حياتك وتوفرت لك وسائل الراحة فلا تنْسَ أنها عطَاء من الله في المادة وفي الطاقة وفي العقل المفكر، كلها مخلوقة لله عزَ وجل، لا تملك أنت منها شيئاً، بدليل أن الله إذا سلبك العقل لَصِرت مجنوناً، ولو سلبك الطاقة والقدرة لصرتَ ضَعيفاً لا تستطيع مجرد التنفس، فهذه نِعَمٌ موهوبة لك ليست ذاتية فيك. إذن: عليك أن تتأمل في خالقك عز وجل، وما وهبك من مقومات الحياة، لتعلم أن هذا الخَلْق لا يمكن أن يكون عبثاً، ولا بد أن له غاية رسمها الخالق سبحانه، وأنت في ذاتك تحاول أن تضع لك غاية في جزئية ما من الغاية الكبرى التي خلقك الله لها. أَلاَ ترى الولد الصغير كيف تعتني به وتُعلِّمه وتنفق عليه مرحلة بعد الأخرى، حتى يصل إلى الجامعة، وتتعلق أنت بأمل كبير في أن يكون لولدك هذا مكانة في المجتمع ومنزلة بين الناس؟ هذه العملية في حد ذاتها غاية، لكن بعد أن يحصل على الوظيفة المرموقة والمكانة والمنزلة ينتهي الأمر بالموت. إذن: لا بُدَّ من وجود غاية أخرى أعظم من هذه، غاية لا يدركها الفناء، وليس لها بعد، هذه الغاية الكبرى هي لقاء الله وملاقاة الجزاء، إما إلى الجنة وإما إلى النار. وعلينا أن نأخذ كل مسائل الحياة وجزئياتها في ضوء هذه الحقيقة، أننا لم نُخلَق عَبثاً، بل لغاية مرادة لله، ولها أسباب توصل إليها. ثم يقول سبحانه: {وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ} [المؤمنون: 115] (تُرجَعون) يعني: رَغْماً عنكم، ودون إرادتكم، كأن شيئاً ما يسوقهم، كما في قوله تعالى: {أية : يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا} تفسير : [الطور: 13] يعني: يُدفعون إليها، ويُضربون على أقفائِهم، ويُسَاقون سَوْقَ الدواب.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: { أَفَحَسِبْتُمْ } أيها الخلق { أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا } أي: سدى وباطلا تأكلون وتشربون وتمرحون، وتتمتعون بلذات الدنيا، ونترككم لا نأمركم، و[لا] ننهاكم ولا نثيبكم، ولا نعاقبكم؟ ولهذا قال: { وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ } لا يخطر هذا ببالكم ، { فَتَعَالَى اللَّهُ } أي: تعاظم وانتفع عن هذا الظن الباطل، الذي يرجع إلى القدح في حكمته. { الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ } فكونه ملكا للخلق كلهم حقا، في صدقه، ووعده، ووعيده، مألوها معبودا، لما له من الكمال { رَبُّ الْعَرْشِ الكريم } فما دونه من باب أولى، يمنع أن يخلقكم عبثا.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):