٢٣ - ٱلْمُؤْمِنُون
23 - Al-Mu'minoon (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
116
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {فَتَعَالَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ} أي تنزّه وتقدّس الله الملِك الحق عن الأولاد والشركاء والأنداد، وعن أن يخلق شيئاً عبثاً أو سفهاً؛ لأنه الحكيم. {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ} ليس في القرآن غيرها. وقرأ ابن مُحَيْصِن وروي عن ابن كثير «الكرِيمُ» بالرفع نعتاً لله.
البيضاوي
تفسير : {فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ} الذي يحق له الملك مطلقاً فإن من عداه مملوك بالذات مالك بالعرض من وجه دون وجه وفي حال دون حال. {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} فإن ما عداه عبيد له. {رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ} الذي يحيط بالأجرام وينزل منه محكمات الأقضية والأحكام، ولذلك وصفه بالكرم أو لنسبته إلى أكرم الأكرمين. وقرىء بالرفع على أنه صفة الرب.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ } عن العبث وغيره مما لا يليق به {ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ لاَ إِلَٰهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ } الكرسي الحسن.
ابن عطية
تفسير : المعنى {فتعالى الله} عن مقالتهم في جهته من الصاحبة والولد ومن حسابهم أنهم لا يرجعون، أي تنزه الله عن تلك الأمور وتعالى عنها، وقرأ ابن محيصن "الكريمُ" برفع صفة للرب، ثم توعد جلت قدرته عبدة الأصنام بقوله: {ومن يدع مع الله} الآية والوعيد قوله {فإنما حسابه عند ربه} والبرهان الحجة وظاهر الكلام أن {من} شرط وجوابه في قوله: {فإنما حسابه عند ربه} وقوله: {لا برهان له به} في موضع الصفة وذهب قوم إلى أن الجواب في قوله {لا برهان} وهذا هروب من دليل الخطاب من أن يكون ثم داع له البرهان. قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا تحفظ مما لا يلزم ويلحقه حذف الفاء من جواب الشرط وهو غير فصيح قاله سيبويه، وفي حرف عبد الله "عند ربك" وفي حرف أبي عند الله وروي أن فيه "على الله"، ثم حتم وأكد أن الكافر لا يبلغ أمنيته ولا ينجح سعيه، وقرا الجمهور "إنه" بكسر الألف، وقرأ الحسن وقتادة "أنه" بفتحها، والمعنى أنه إذ لا يذكر و {لا يفلح} يؤخر حسابه وعذابه حتى يلقى ربه. وقرأ الحسن "يَفلَح" بفتح الياء واللام، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدعاء في المغفرة والرحمة والذكر له تعالى بأنه {خير الراحمين} لأن كل راحم فمتصرف على إرادة الله وتوفيقه وتقديره لمقدار هذه الرحمة، ورحمته تعالى لا مشاركة لأحد فيها، وأيضاً فرحمة كل راحم في أشياء وبأشياء حقيرات بالإضافة إلى المعاني التي تقع فيها رحمة الله تعالى من الاستنقاذ من النار، وهيئة نعيم الجنة وعلى ما في الحديث فرحمة كل راحم بمجموعها كلها جزء من مائة رحمة الله جلت قدرته: إذ بث في العالم واحدة وأمسك عنده تسعة وتسعين، وقرأ ابن محيصن "ربُّ اغفر" بضم الباء.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {فَتَعَالَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ} [الآية: 116]. قال الواسطى: الحق لا يحتمله إلا الحق حجب الأكوان بالصفات والنعوت ثم حجب النعوت بالحقيقة وقال: الحق أعجز الخلق ان يدركوا بإدراكهم، وإنما يدرك بإدراكه. قال ابن عطاء: تعالى أن تغيِّره الدهور أو تجرى عليه هوادج الأمور نفى الأشكال عن نفسه بتعاليه، ونفى الأضداد والنظر عن نفسه بتمام ملكه عز وعلا.
القشيري
تفسير : الحقُّ - بنعوت جلاله - متوحِّدٌ، وفي عِزِّ آزاله وعلوِّ أوصافه متفرِّدٌ، فذاتُه حقٌّ، وصفاته حقٌّ، وقولُه صِدْقٌ، ولا يتوجَّه لمخلوق عليه حقٌ، وما يفعلهم من إحسان بعباده فليس شيء منها بمستحق. {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ}: ما تَجَمَّلَ بالعرشِ، ولكن تَعَزَّزَ العرشُ بأنَّهُ أضافه إلى نَفْسِه إضافة خصوصية. والكريمُ الحَسْنُ، والكرمُ نَفْيُ الدناءة.
اسماعيل حقي
تفسير : {فتعالى الله} ارتفع بذاته وتنزه عن مماثلة المخلوقين فى ذاته وصفاته وافعاله وعن خلو افعاله عن الحكم والمصالح والغايات الجليلة {الملك الحق} الذى يحق له الملك على الاطلاق ايجادا واعداما بدأ واعادة واحياء واماته وعقابا واثابة وكل ما سواه مملوك له مقهور تحت ملكه العظيم، قال الامام الغزالى رحمه الله الملك هو الذى يستغنى فى ذاته وصفاته وافعاله عن كل موجود ويحتاج اليه كل موجود، وفى المفردات الحق موجد الشىء بسبب ما يقتضيه الحكمة. وفى التأويلات النجمية ذاته حق وصفاته حق وقوله صدق ولا يتوجه لمخلوق عليه حق وما يفعل من احسانه بعباده فليس شىء منها بمستحق {لا اله الا هو} فان كل ما عداه عبيده {رب العرش الكريم} فكيف بما هو تحته ومحاط به من الموجودات كائنا ما كان وانما وصف العرش الكريم لانه مقسم فيض كرم الحق ورحمته منه تنقسم آثار رحمته كرمه الى ذرات المخلوقات.
الجنابذي
تفسير : {فَتَعَالَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ} الّذى لا يشوبه باطل عن العبث والفضل الّذى لم يكن له غاية {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} فلا حاجة له الى من يعضده فيخلق خلقاً يعضدونه ثمّ يهلكهم من غير غاية {رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ} ومن كان ربّاً للعرش وهو جملة الموجودات لم يكن له حاجة الى الخلق يخلقهم ليجود عليهم.
اطفيش
تفسير : {فَتَعَالَى اللَّهُ} علا علوا عظيما عما يقولون مما لا يليق أو عن العبث أو عن كل ما لا يليق * {المَلِكُ الحَقُّ} التام الملك الجامع لاصناف الملكوت بالذات الذي يحق الملك له الدائم لان كل شيء منه وإليه وغيره يملك بالعرض وانما يملك بعضا وفي حال دون حال {لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ العَرْشِ الْكَرِيمِ} الحسن أو وصفه بالكرم لان الرحمة تنزل منه والخير والبركة أو لانه اكرم الاكرمين كقولك: (بيت كريم) إذا كان ساكنة كريما وهو محبط بالاجرام وقرء بالرفع نعتا لرب. وقيل الكريم بمعنى المرتفع وخص العرش بالذكر. قيل: لانه اعظم المخلوقات.
اطفيش
تفسير : {فتعالى الله} عن العبث، وهو من افعال المخلوق {الملكُ الحقُّ} وغيره فى صورة مالك، إذ ما ملكه من الله عارية فى يدم ينفعه به شيئاً فشيئاً، وهو الخالق له، ولما ملك كسيد جعل شيئا فى يد عبده، ويحاسبه {لا إله إلاَّ هو ربُّ العرْش الكَريم} فهو رب ما سواه بالأولى، وصْفه بالكرم وصف بالحسن، كما قال: "أية : ومقام كريم" تفسير : [الدخان: 26] و "أية : قولا كريماً"تفسير : [الإسراء: 23] ويقال: فرس كريم، ولا يختصر الكرم بالجود، ويحتمل ان يراد الجود، وجر للجوار أو المراد الكريم ربه، أو شبهه بشخص جواد، أو لأنه ينزل منه الخير، أو كناية عن أن الله جواد.
الالوسي
تفسير : {فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ} استعظام له تعالى ولشؤونه سبحانه التي يصرف عليها عباده جل وعلا من البدء والإعادة والإثابة والعقاب بموجب الحكمة البالغة أي ارتفع سبحانه بذاته وتنزه عن مماثلة المخلوقين في ذاته وصفاته وأفعاله وعن خلو أفعاله عن الحكم والمصالح الحميدة. {ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ} أي الحقيق بالمالكية على الإطلاق إيجاداً وإعداماً بدأ وإعادة إحياء وإماتة عقاباً وإثابة وكل ما سواه مملوك له مقهور تحت ملكوتيته، وقيل: الحق أي الثابت الذي لا يزول ولا يزول ملكه، وهذا وإن كان أشهر إلا أن الأول أوفق بالمقام. {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} فإن كل ما عداه عبيده تعالى: {رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ} وهو جرم عظيم وراء عالم الأجسام والأجرام وهو أعظمها وقد جاء في وصف عظمه ما يبهر العقول فيلزم من كونه تعالى ربه كونه سبحانه رب كل الأجسام والأجرام، ووصف بالكريم لشرفه وكل ما شرف في بابه وصف بالكرم كما في قوله تعالى: { أية : وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ } تفسير : [الدخان: 26] وقوله سبحانه: { أية : وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا } تفسير : [الإسراء: 23] إلى غير ذلك. وقد شرف بما أودع الله تعالى فيه من الأسرار، وأعظم شرف له تخصيصه باستوائه سبحانه عليه، وقيل إسناد الكرم إليه مجازي والمراد الكريم ربه أو المراد ذلك على سبيل الكناية، وقيل: هو على تشبيه العرش لنزول الرحمة والبركة منه بشخص كريم ولعل ما ذكرناه هو الأظهر. وقرأ أبان بن تغلب وابن محيصن وأبو جعفر وإسماعيل عن ابن كثير {ٱلْكَرِيمِ} بالرفع على أنه صفة الرب، وجوز أن يكون صفة للعرش على القطع وقد يرجح بأنه أوفق بقراءة الجمهور.
ابن عاشور
تفسير : تفرع على ما تقدم بيانه من دلائل الوحدانية والقدرة والحكمة ظهور أن الله هو الملك الذي ليس في اتصافه بالملك شائبة من معنى المُلك. فملكه الملك الكامل في حقيقته. الشامل في نفاذه. والتعريف في {الملك} للجنس. والحق: ما قابل الباطل، ومفهوم الصفة يقتضي أن مُلك غيره باطل، أي فيه شائبة الباطل لا من جهة الجور والظلم لأنه قد يوجدُ مُلك لا جور فيه ولا ظلم كملك الأنبياء والخلفاء الراشدين وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخلفاء والأمراء، بل من جهة أنه مُلك غير مستكمل حقيقة المالكية فإن كل من ينسب إليه المُلك عدا الله تعالى هو مالك من جهة ومملوك من جهة لما فيه من نقص واحتياج؛ فهو مملوك لما يتطلبه من تسديد نقصه بقدر الحاجة ومن استعانة بالغير لجبر احتياجه فذلك مُلك باطل لأنه ادعاء مُلك غير تام. وجملة: {تعالى} يجوز أن تكون خبراً قصد منه التذكير والاستنتاج مما تقدم من الدلائل المبينة لمعنى تعاليه وأن تكون إنشاء ثناء عليه بالعلو. والتعالي: مبالغة في العلو. وأتبع ذلك بما هو دليل عليه وهو انفراده بالإلهية وذلك وصف ذاتي، وبأنه مالك أعظم المخلوقات أعني العرش وذلك دليل عظمة القدرة. و{الكريم} بالجر صفة العرش. وكرم الجنس أن يكون مستوفياً فضائل جنسه كما في قوله تعالى: { أية : إني ألقي إليّ كتاب كريم } تفسير : في سورة النمل (29).
د. أسعد حومد
تفسير : {فَتَعَالَى} (116) - فَتَعَالَى اللهُ وَتَقَدَّسَ وَتَنَزَّهَ عَنْ أَنْ يَخْلُقُ شَيئْاً عَبَثاً، فَإِنَّهُ المَلِكُ الحَقُّ المُنَزِّهُ عَنْ كُلِّ ذَلِكَ، لاَ إِلَه إِلاَّ هُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ، وَرَبُّ العَرْشِ، (والعَرْشَ هُوَ سَقْفُ جَمِيعِ المَخْلُوقَاتِ) فَهُوَ تَعَالَى المُهَيْمِنُ المُسَيْطِرُ عَلَى جَمِيعِ مَا فِي الوُجَودِ، وَهُوَ الكَرِيمُ. (وَقِيلَ إِنَّ الكَرِِيمَ هُنَا صِفَةٌ لِلْعَرْشِ، وَتَعْنِي أَنَّهُ البَديعُ الحَسَنُ البَهِيُّ المَنْظَرِ). فَتَعَالَى اللهُ - ارْتَفَعَ بِعَظَمَتِهِ، وَتَنَزَّهَ عَنِ العَبَثِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : {فَتَعَالَى ..} [المؤمنون: 116] تنزَّه وتقدَّس، وكلمة العلو تعني علو المنزلة. نقول: علا فلان على فلان، أما حين نقول: تعالى الله، فالمراد العلو الأعلى، وإن وهب علواً للغير فهو عُلو الداني، وعلو المتغير، بدليل أنه تعالى يُعليك، وإنْ شاء سلبك، فالعلو ليس ذاتياً فيك. وكلمة المِلك نعرفها فيمَنْ يملك قطعة من الأرض بمَنْ فيها ويحكم وله رعية، ومن هذه المادة: المالك. ويُطلَق على أيِّ مالك لأيِّ شيء، ولو لم يكن لديه إلا الثوب الذي يلبسه فهو مالك، أما: المَلِك فهو مَنْ يملك الذين يملكون، فله ملك على المالكين، وهذا المَلِك لم يأخذ مُلْكه بذاته، إنما بإيتاء الله له. لذلك يقول تعالى: {أية : قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ ..} تفسير : [آل عمران: 26]. فلو كان مُلْك هؤلاء الملوك ذاتياً ما نُزِع منهم، أَلاَ ترى الملِك من ملوك الدنيا يقوى ويستتب له الأمر، ويكون له صولجان وبَطْش وفَتْك.. إلخ، ومع كل هذا لا يستطيع الاحتفاظ بملكه؟ وفي لحظة ينهار هذا الملْك ولو على يد جندي من جنوده، بل وربما تلفظه بلاده، ولا تقبل حتى أنْ يُدفن بها، وتتطوع له بعض الدول، وتقبل أنْ تُواري رفاته بأرضها، فأيُّ ملك هذا؟ وهذه آية من الآيات نراها في كل عصر - وكأنها قائمة - دليلاً على صدق الآية: {أية : قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ ..} تفسير : [آل عمران: 26] إذن: إنْ ملكك الله فاعلم أنه مُلْك موهوب، مهما استتب لك فلا تضمن بقاءه؛ لأن الله تعالى ملَّكك لغاية، ولا يملك الغاية إلا هو سبحانه. لذلك كان الحق - سبحانه وتعالى - {ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ ..} [المؤمنون: 116] يعني: الذي لا يزحزحه أحد عن مُلْكه، أو يسلبه منه، وهو الذي يتصرّف في مُلْكه كيف يشاء لا ينازعه فيه أحد، وإنْ أعطى من باطن مُلْكه تعالى مُلْكاً لأحد، فيظل في يده سبحانه زمام هذا الملْك، إنْ شاء بسطه، وإنْ شاء سلبه ونزعه. فهو وحده الملك الحق، أما غيره فمُلْكهم موهوب مسلوب، وإنْ مَلَّك سبحانه أناساً. أَمْرَ أناس في الدنيا يأتي يوم القيامة فيقول: {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ..} تفسير : [غافر: 16]. وتلحظ أن كلمة {أية : تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ ..} تفسير : [آل عمران: 26] سهلة على خلاف {أية : وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ ..} تفسير : [آل عمران: 26]، ففي النزع دليل على المشقة والمعاناة؛ لأن صاحب الملْك يحاول أن يتمسك به ويتشبَّث وينازع، لكن أينازع الله؟ فقوله سبحانه: {فَتَعَالَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ ..} [المؤمنون: 116] المراد: تعالى عن أن يكون خَلْقكم عَبثاً، وتعالى عن أنْ تشردوا من قبضته، أو تخرجوا عن نفوذه، أو تستقِلُّوا بخَلْقكم عن سيطرته، وتعالى أن تُفلتوا من عقابة أو تمتنعوا عنه؛ لأنه لا إله غيره: {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ} [المؤمنون: 116]. فالحق تبارك وتعالى يحكم في إطار: {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ * ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ} تفسير : [الإخلاص: 1-4]. فإذا قال لك شيئاً فاعلم أنه لا إله غيره يعارضه. والعرش: رمز لاستتباب الأمر للمالك؛ لأنه ينشغل بتدبير مُلْكه والقَضاء على المناوئين له وتأديب أعدائه، فإذا ما استتبّ له ذلك جلس على عرشه، إذن: الجلوس على العرش يعني استقرارَ الأمور واستتباب أمر الملك؛ لذلك فإن الحق سبحانه بعد أن خلق الخَلْق استوى على العرش. والعرش يفيد أيضاً السيطرة والتحكم، وعَرْش الله عرش كريم؛ لأنه تعالى عليك لا ليُذلّك ويهينك، وإنما تعالى عليك ليعاليك إليه ويعطيك من فضله. كما سبق أنْ قُلْنا: إن من مصلحتنا أن يكون الله تعالى مُتكبِّراً، ومن عظمة الحق سبحانه أن يكون له الكبرياء، فساعة يعلم الجميع أن الكبرياء لله وحدة لا يتكبر أحد على أحد. يقول الحق سبحانه: {أية : وَلَهُ ٱلْكِبْرِيَآءُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعِزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} تفسير : [الجاثية: 37]. لذلك يقولون في الأمثال: (اللي ملوش كبير يشتري له كبير) يعني: ليعيش في ظله، فالحق - تبارك وتعالى - يتعالى لصالح خَلْقه. ومن ذلك ما قُلْناه في مسألة العبودية، وأنها مكروهه ثقيلة إنْ كانت للبشر؛ لأن السيد يأخذ خير عبده، إنما هي محبوبة إنْ كانت لله تعالى؛ لأن العبودية لله يأخذ العبد خير ربه. فإنْ كانت عروش الدنيا للسيطرة والتحكُّم في مصائر الناس وامتصاص دمائهم وأَخْذ خيراتهم، فعرش ربك عَرْش كريم، والكريم في كل شيء أشرف غاياته، اقرأ قوله تعالى: {أية : كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ} تفسير : [الدخان: 25-26]. وحين يوصينا بالوالدين، يقول سبحانه: {أية : وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً} تفسير : [الإسراء: 23]. فالعرش الكريم أشرف غايات الملْك؛ لأن الملْك ليس تسلُّطاً وقَهْراً، إنما هو مَلْك لصالح الناس، والحق - تبارك وتعالى - حينما خلق الحياة وزَّع فيها أسباب الفضل، ولكنه جعل فيها القويّ القادر، وجعل فيها الضعيف العاجز، ثم أمر القوي أنْ يأخذ بيد الضعيف، وأنْ يعوله، فالكرم استطراق نفع القوى للضعيف، فكل خَصلْة من خصال الخير توصف بالكرم. إذن: إياك أن تفهم أن عرش ربك للسيطرة والعُلو والجبروت؛ لأنه عرش كريم. ثم يقول الحق سبحانه: {وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـهَا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):