Verse. 2790 (AR)

٢٣ - ٱلْمُؤْمِنُون

23 - Al-Mu'minoon (AR)

وَمَنْ يَّدْعُ مَعَ اللہِ اِلٰــہًا اٰخَرَ۝۰ۙ لَا بُرْہَانَ لَہٗ بِہٖ۝۰ۙ فَاِنَّمَا حِسَابُہٗ عِنْدَ رَبِّہٖ۝۰ۭ اِنَّہٗ لَا يُفْلِحُ الْكٰفِرُوْنَ۝۱۱۷
Waman yadAAu maAAa Allahi ilahan akhara la burhana lahu bihi fainnama hisabuhu AAinda rabbihi innahu la yuflihu alkafiroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به» صفة كاشفة لا مفهوم لها «فإنما حسابه» جزاؤه «عند ربه إنه لا يفلح الكافرون» لا يسعدون.

117

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه سبحانه لما بين أنه هو الملك الحق لا إله إلا هو أتبعه بأن من ادعى إلهاً آخر فقد ادعى باطلاً من حيث لا برهان لهم فيه، ونبه بذلك على أن كل ما لا برهان فيه لا يجوز إثباته، وذلك يوجب صحة النظر وفساد التقليد ثم ذكر أن من قال بذلك فجزاؤه العقاب العظيم بقوله: {فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبّهِ } كأنه قال إن عقابه بلغ إلى حيث لا يقدر أحد على حسابه إلا الله تعالى وقرىء أنه لا يفلح بفتح الهمزة ومعناه حسابه عدم الفلاح جعل فاتحة السورة { أية : قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ } تفسير : [المؤمنون: 1] وخاتمتها {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَـٰفِرُونَ } فشتان ما بين الفاتحة والخاتمة. ثم أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يقول رب اغفر وارحم ويثني عليه بأنه خير الراحمين، وقد تقدم بيان أنه سبحانه خير الراحمين فإن قيل كيف تتصل هذه الخاتمة بما قبلها؟ قلنا لأنه سبحانه لما شرح أحوال الكفار في جهلهم في الدنيا وعذابهم في الآخرة أمر بالانقطاع إلى الله تعالى والالتجاء إلى دلائل غفرانه ورحمته، فإنهما هما العاصمان عن كل الآفات والمخافات، وروي أن أول سورة {قَدْ أَفْلَحَ } وآخرها من كنوز العرش من عمل بثلاث آيات من أولها، واتعظ بأربع من آخرها فقد نجا وأفلح. والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب والحمد لله وحده وصلاته على خير خلقه سيدنا محمد وآله وأصحابه وأزواجه وعترته وأهل بيته.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـهَا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ} أي لا حجة له عليه {فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ} أي هو يعاقبه ويحاسبه. {إِنَّهُ} الهاء ضمير الأمر والشأن. {لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَافِرُونَ} وقرأ الحسن وقتادة «لا يَفْلَح» ـ بالفتح ـ من كذب وجحد ما جئت به وكفر نعمتي. ثم أمر نبيّه عليه الصلاة والسلام بالاستغفار لتقتدي به الأمة. وقيل: أمره بالاستغفار لأمته. وأسند الثعلبيّ من حديث ابن لَهِيعة عن عبد الله بن هُبيرة عن حَنَش بن عبد الله الصنعانيّ «حديث : عن عبد الله بن مسعود أنه مر بمصاب مبتلًى فقرأ في أذنه «أفحسِبتم أنما خلقناكم عَبَثاً» حتى ختم السورة فبرأ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ماذا قرأت في أذنه؟» فأخبره، فقال: «والذي نفسي بيده لو أن رجلاً موقناً قرأها على جبل لزال»»

البيضاوي

تفسير : {وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰـهَا ءَاخَرَ} يعبده إفراداً أو إشراكاً. {لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ} صفة أخرى لإِلٰهاً لازمة له فإن الباطل لا برهان به، جيء بها للتأكيد وبناء الحكم عليه تنبيهاً على أن التدين بما لا دليل عليه ممنوع فضلاً عما دل الدليل على خلافه، أو اعتراض بين الشرط والجزاء لذلك: {فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ} فهو مجاز له مقدار ما يستحقه. {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَـٰفِرُونَ} إن الشأن وقرىء بالفتح على التعليل أو الخبر أي حسابه عدم الفلاح. بدأ السورة بتقرير فلاح المؤمنين وختمها بنفي الفلاح عن الكافرين، ثم أمر رسوله بأن يستغفره ويسترحمه فقال:

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى متوعداً من أشرك به غيره، وعبد معه سواه، ومخبراً أن من أشرك بالله، لا برهان له، أي: لا دليل له على قوله، فقال تعالى: {وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـهَا ءَاخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ} وهذه جملة معترضة، وجواب الشرط في قوله: {فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ} أي: الله يحاسبه على ذلك، ثم أخبر {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَـٰفِرُونَ} أي: لديه يوم القيامة لا فلاح لهم ولا نجاة. قال قتادة: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل: «حديث : ما تعبد؟» تفسير : قال: أعبد الله وكذا وكذا، حتى عد أصناماً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : فأيهم إذا أصابك ضر فدعوته كشفه عنك؟» تفسير : قال: الله عز وجل. قال: «حديث : فأيهم إذا كانت لك حاجة فدعوته أعطاكها؟»تفسير : . قال: الله عز وجل، قال: «حديث : فما يحملك على أن تعبد هؤلاء معه، أم حسبت أن تغلب عليه؟» تفسير : قال: أردت شكره بعبادة هؤلاء معه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : تعلمون ولا يعلمون» تفسير : فقال الرجل بعد ما أسلم: لقيت رجلاً خصمني، هذا مرسل من هذا الوجه، وقد روى أبو عيسى الترمذي في جامعه مسنداً عن عمران بن الحصين عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو ذلك. وقوله تعالى: {وَقُل رَّبِّ ٱغْفِرْ وَٱرْحَمْ وَأنتَ خَيْرُ ٱلرَٰحِمِينَ} هذا إرشاد من الله تعالى إلى هذا الدعاء، فالغفر إذا أطلق، معناه محو الذنب وستره عن الناس، والرحمة معناها أن يسدده ويوفقه في الأقوال والأفعال.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهَاً ءَاخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ } صفة كاشفة لا مفهوم لها {فَإِنَّمَا حِسَابُهُ } جزاؤه {عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَٰفِرُونَ } لا يسعدون.

الماوردي

تفسير : قوله: {وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً ءَآخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ} فيه وجهان: أحدهما: معناه ليس له برهان ولا صحة بأن مع الله إلهاً آخر. الثاني: أن هذه صفة الإله الذي يدعى من دون الله أن لا برهان له. {فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّكَ} فيه وجهان: أحدهما: يعني أن محاسبته عند ربه يوم القيامة. الثاني: أن مكافأته على ربه والحساب المكافأة، ومنه قولهم حسبي الله. أي كفاني الله تعالى، والله أعلم وأحكم.

ابن عبد السلام

تفسير : {لا بُرْهَانَ لَهُ} أن مع الله إلهاً آخر، أو صفة الإله المعبود [من دون الله] أنه لا برهان له {حِسَابُهُ} محاسبته عند الله يوم القيامة، أو مكافأته، والحساب المكافأة "حسبي الله" أي كافيني الله.

النسفي

تفسير : {وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـهَا ءَاخَرَ لاَ بُرْهَانَ } أي لا حجة {لَهُ بِهِ } اعتراض بين الشرط والجزاء كقولك «من أحسن إلى زيد ــ لا أحق بالإحسان منه ــ فإن الله مثيبه» أو صفة لازمة جيء بها للتوكيد كقولك «يطير بجناحيه لا أن يكون في الآلهة ما يجوز أن يقوم عليه برهان» {فَإِنَّمَا حِسَابُهُ } أي جزاؤه وهذا جزاء الشرط {عِندَ رَبّهِ } أي فهو يجازيه لا محالة {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَـٰفِرُونَ } جعل فاتحة السورة {قد أفلح المؤمنون} وخاتمتها {إنه لا يفلح الكافرون} فشتان ما بين الفاتحة والخاتمة. ثم علمنا سؤال المغفرة والرحمة بقوله {وَقُل رَّبّ ٱغْفِرْ وَٱرْحَمْ } ثم قال {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرحِمِينَ } لأن رحمته إذا أدركت أحداً أغنته عن رحمة غيره ورحمة غيره لا تغنيه عن رحمته.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {لا برهان له} قال: لا بينة له. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة {لا برهان له} قال: لا بينة له. وأخرج ابن جرير عن مجاهد {لا برهان له} قال: لا حجة. وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ (إنه لا يفلح الكافرون) بكسر الألف في إنه. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن أنه قرأ (أنه لا يفلح الكافرون) بنصب الألف في انه. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة {فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون} قال: ذاك حساب الكافر عند الله إنه لا يفلح.

القشيري

تفسير : حسابُه على الله في آجِلِه. وعذابُه من الله له في عاجله، وهو الجهل الذي أودعَ قلبَه حتى رَضِيَ بأن يَعْبُدَ معه غيرَه. وقولهم: {أية : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ}تفسير : [الزمر: 3] كلامٌ حاصلٌ من غير دليل عقل، ولا شهادة خبرٍ أو نقل، فما هو إلا إفك وبهتان، وقولٌ ليس يساعده برهان.

اسماعيل حقي

تفسير : {ومن} [هركه] {يدع} يعبد {مع الله الها آخر} افرادا او اشتراكا {لابرهان له به} اى بدعائه معه ذلك: وبالفارسية [هيج حجتى نيست بربر ستنده را بيرستش آن اله] وهو صفة لازمة لا لها كقوله {أية : يطير بجناحيه}تفسير : اذ لا يكون فى الآلهة ما يجوز ان يقوم عليه برهان اذ الباطل ليس له برهان جىء بها للتأكيد وبناء الحكم عليها تنبيها على ان الدين بمالا دليل عليه باطل فكيف بما شهدت بداهة العقول بخلافه {فانما حسابه عند ربه} فهو مجازى له على قدر ما يستحقه جواب يدع {انه لايفلح الكافرون} اى الشان لا ينجو من كفر من سوء الحساب والعذاب.

الجنابذي

تفسير : {وَمَن يَدْعُ} جملة حاليّة او معطوفة على لا اله الاّ هو {مَعَ ٱللَّهِ} الّذى لا اله الاّ هو {إِلَـهَا آخَرَ} من الاصنام والكواكب والظّلمة واهريمن او من يدع مع علىّ (ع) اماماً آخر {لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ} لانّ من يدعو الهاً له على آلهته برهان كمن يدعو الانبياء والاولياء (ع) لظهور برهان صدقهم فى ادّعائهم فهو موحّد لا مشرك ومثاب لا معاقب ولكنّ الّذى يدعو الهاً او اماماً لا برهان له على صدقه {فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ} كناية عن شدّة العقاب وسوء الحساب {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَافِرُونَ} جواب لسؤالٍ عن العلّة كأنّه قال: فانّه كافر ولا يفلح الكافرون.

اطفيش

تفسير : {وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ} ولا وما بعدها نعت بـ (الها) أو حال منه أو ضمير يدع وكل من حال والنعت هنا لازم موكد فان الباطل لا برهان به ابدا ولا يكون هناك اله يكون به برهان احترز عنه أو الجملة معترضة بين الشرط والجواب كقولك: من احسن إلى زيد لا احق بالاحسان منه فالله مثيبه وعلى كل حال فانما جئ بتلك الجملة تنبيها على ان التدين بما لا دليل عليه ممنوع ولا سيما ما قام به دليل منعه وبه يتعلق بما يتعلق به له أو بله لنيابته عنه {فَإِنَّمَا حِسَابُهُ} جزاؤه {عِندَ رَبِّهِ} على دعائه ما لم تكن له بينة ان الله امره بدعائه. وقرء ابن مسعود (عند ربك) وقراءة أبي عند الله. {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} ختم السورة بنفي الفلاح عند الكافرين وبدأها بتقرير الفلاح للمؤمنين وحسابه مبتدأ وعند خبره. وقرء بفتح همزة انه لا يفلح الكافرون اما على تقدير لام التعليل واما على انه خبر حسابه وعند متعلق بحسابه أي حسابه عند ربه عدم افلاح الكافرين بوضعه الظاهر موضع الضمير ومراعاة معنى من بعد مراعاة لفظه ومقتضى المقام حسابه عدم افلاحه.

اطفيش

تفسير : {ومَنْ يدْعُ} يعبد {مَعَ الله إلهاً آخر} يعبدهما جميعاً أو يعبد غير الله، مع وجود الله {لا بُرهان له بهِ} الجملة نعت إلها، أو وكلاهما لازم مؤكد لا قيد، إذ لا يوجد إله سواه ثابت ببرهان يحترز عنه، وهذا أولى من أن تجعل الجملة معترضة {فإنما حسابه} جزاؤه، عبَّر بالسبب أو الملزوم عن المسبب او اللازم {عنْدَ ربِّه إنَّه لا يُفلح الكافرون} وفى هذه الجملة تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما أصابه من الضر من الكفرة، وفى قوله عز وجل: {وقُل ربِّ اغفر وارْحَم وأنْتَ خير الراحمينَ} استدعاء النجاة والسرور، اغفر لى ولمن اتبعنى، وجميع المسلمين، وارحمنا وأنت أفضل من كل راحم، قال الصديق رضى الله عنه: يا رسول الله علمنى دعاء أدعو به فى صلاتى فقال: "حديث : قل اللهم إنى ظلمت نفسى ظلماً كثيراً وأنه لا يغفر الذنوب إلاَّ أنت فاغفر لى مغفرة من عندك وارحمنى إنك انت الغفور الرحيم"تفسير : وروى عن ابن مسعود رضى الله عنه قرأ فى أذن المصاب:{أفحسبتم} الى آخر السورة فبرئ، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : والذى نفسى بيده لو أن رجلاً موقنا قرأ بها على جبل لأزاله ". تفسير : وقال محمد بن ابراهيم بن الحارث التميمى، عن أبيه: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى سرية، وأمرنا أن نقول اذا أصبحنا واذا أمسينا: "أية : أفحسبتم"تفسير : [المؤمنون: 115] الى "أية : لا ترجعون" تفسير : [المؤمنون: 115] ففعلنا فغنمنا وسلمنا. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم

الالوسي

تفسير : {وَمَن يَدْعُ} أي يعبد {مَعَ ٱللَّهِ} أي مع وجوده تعالى وتحققه سبحانه {إِلَـٰهَا آخَرَ} إفراداً أو إشراكاً أو من يعبد مع عبادة الله تعالى إلٰهاً آخر كذلك، ويتحقق هذا في الكافر إذا أفرد معبوده الباطل بالعبادة تارة وأشركه مع الله تعالى أخرى، وقد يقتصر على إرادة الإشراك في الوجهين ويعلم حال من عبد غير الله سبحانه إفراداً بالأولى. وذكر {ءاخَرَ} قيل إنه للتصريح بألوهيته تعالى وللدلالة على الشريك فيها وهو المقصود فليس ذكره تأكيداً لما تدل عليه المعية وإن جوز ذلك فتأمل. نعم قوله تعالى: {لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ} صفة لازمة لإلٰهاً لا مقيدة جىء بها للتأكيد، وبناء الحكم المستفاد من جزاء الشرط من الوعيد بالجزاء على قدر ما يستحق تنبيهاً على أن التدين بما لا دليل عليه ممنوع فضلاً عما دل / الدليل على خلافه، ويجوز أن يكون اعتراضاً بين الشرط والجزاء جىء به للتأكيد كما في قولك: من أحسن إلى زيد لا أحق منه بالإحسان فالله تعالى مثيبه. ومن الناس من زعم أنه جواب الشرط دون قوله تعالى: {فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبّهِ} وجعله تفريعاً على الجملة وليس بصحيح لأنه يلزم عليه حذف الفاء في جواب الشرط ولا يجوز ذلك كما قال أبو حيان إلا في الشعر. والحساب كناية عن المجازاة كأنه قيل: من يعبد إلٰهاً مع الله تعالى فالله سبحانه مجاز له على قدر ما يستحقه. {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَـٰفِرُونَ} أي إن الشأن لا يفلح الخ. وقرأ الحسن وقتادة {أَنَّهُ} بالفتح على التعليل أو جعل الحاصل من السبك خبر {حِسَابُهُ} أي حسابه عدم الفلاح، وهذا على ما قال الخفاجي من باب: شعر : تحية بينهم ضرب وجيع تفسير : وبهذا مع عدم الاحتياج إلى التقدير رجح هذا الوجه على سابقه وتوافق القراءتين عليه في حاصل المعنى، ورجح الأول بأن التوافق عليه أتم، وأصل الكلام على الأخبار فإنما حسابه عند ربه أنه لا يفلح هو فوضع {ٱلْكَـٰفِرُونَ} موضع الضمير لأن {مِنْ يَدُعُّ} في معنى الجمع وكذلك حسابه أنه لا يفلح في معنى حسابهم أنهم لا يفلحون. وقرأ الحسن {يفلح} بفتح الياء واللام، وما ألطف افتتاح هذه السورة بتقدير فلاح المؤمنين وإيراد عدم فلاح الكافرين في اختتامها، ولا يخفى ما في هذه الجمل من تسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم وكأنه سبحانه بعد ما سلاه بذكر مآل من لا ينجع دعاؤه فيه أمره بما يرمز إلى متاركة مخالفيه فقال جل وعلا: {وَقُل رَّبّ ...}.

ابن عاشور

تفسير : لما كان أعظم ما دعا الله إليه توحيده وكان أصل ضلال المشركين إشراكهم أعقب وصف الله بالعلو العظيم والقدرة الواسعة ببيان أن الحساب الواقع بعد البعث ينال الذين دعَوا مع الله آلهة دعوى لا عذر لهم فيها لأنها عرية عن البرهان أي الدليل، لأنهم لم يثبتوا لله المُلك الكامل إذ أشركوا معه آلهة ولم يثبتوا ما يقتضي له عظيم التصرف إذ أشركوا معه تصرف آلهة. فقوله: {لا برهان له به} حال من {من يدع مع الله إلهاً آخر}، وهي حال لازمة لأن دعوى الإله مع الله لا تكون إلا عرية عن البرهان ونظير هذا الحال قوله تعالى: { أية : ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله } تفسير : [القصص: 50]. والقصر في قوله: {فإنما حسابه عند ربه} قصر حقيقي. وفيه إثبات الحساب وأنه لله وحده مبالغة في تخطئتهم وتهديدهم. ويجوز أن يكون القصر إضافياً تطمينا للنبيء صلى الله عليه وسلم بأن الله لا يؤاخذه باستمرارهم على الكفر كقوله { أية : إن عليك إلا البلاغ } تفسير : [الشورى: 48] وقوله: { أية : لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين } تفسير : [الشعراء: 3] وهذا أسعد بقوله بعده { أية : وقل رب اغفر وارحم } تفسير : [المؤمنون: 118]. ويدل على ذلك تذييله بجملة {إنه لا يفلح الكافرون}. وفيه ضرب من رد العجز على الصدر إذ افتتحت السورة بــــ { أية : قد أفلح المؤمنون } تفسير : [المؤمنون: 1] وختمت بــــ{إنه لا يفلح الكافرون} وهو نفي الفلاح عن الكافرين ضد المؤمنين.

الشنقيطي

تفسير : البرهان: الدليل الذي لا يترك في الحق لبساً، وقوله: لا برهان له به كقوله {أية : وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً}تفسير : [الحج: 71] الآية. والسلطان: هو الحجة الواضحة وهو بمعنى: البرهان وقوله في هذه الآية الكريمة {فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ} قد بين أن حسابه الذي عند ربه، لا فلاح له فيه بقوله بعده {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَافِرُونَ} وأعظم الكافرين كفراً هو من يدعو مع الله إلهاً آخر، لا برهان له به، ونفي الفلاح عنه يدل على هلاكه وأنه من أهل النار، وقد حذر الله من دعاء إله معه في آيات كثيرة كقوله: {أية : وَلاَ تَجْعَلُواْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ}تفسير : [الذاريات: 51] وقوله: {أية : وَلاَ تَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ ٱلْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}تفسير : [القصص: 88] وقوله تعالى: {أية : لاَّ تَجْعَل مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَّخْذُولاً}تفسير : [الإسراء: 22] والآيات بمثل ذلك كثيرة جداً، ولا خلاف بين أهل العلم أن قوله هنا: {لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ} لا مفهوم مخالفة له، فلا يصح لأحد أن يقول: أما من عبد معه إلهاً آخر له برهان به فلا مانع من ذلك، لاستحالة وجود برهان على عبادة إله آخر معه، بل البراهين القطعية المتواترة، دالة على أنه هو المعبود وحده جل وعلا ولا يمكن أن يوجد دليل على عبادة غيره ألبتة. وقد تقرر في فن الأصول أن من موانع اعتبار مفهوم المخالفة، كون تخصيص الوصف بالذكر لموافقته للواقع فيرد النص ذاكراً لوصف الموافق للواقع ليطبق عليه الحكم، فتخصيصه بالذكر إذاً ليس لإخراج المفهوم عن حكم المنطوق، بل لتخصيص الوصف بالذكر لموافقته للواقع. ومن أمثلته في القرآن هذه الآية لأن قوله: {لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ} وصف مطابق للواقع، لأنهم يدعون معه غيره بلا برهان، فذكر الوصف لموافقته الواقع، لا لإخراج المفهوم عن حكم المنطوق. ومن أمثلته في القرآن أيضاً قوله تعالى: {أية : لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [آل عمران: 28] لأنه نزل في قوم والوا اليهود دون المؤمنين، فقوله {مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} ذكر لموافقته للواقع لا لإخراج المفهوم، عن حكم المنطوق ومعلوم أن اتخاذ المؤمنين الكافرين أولياء، ممنوع على كل حال، وإلى هذا أشار في مراقي السعود في ذكره موانع اعتبار مفهوم المخالفة بقوله: شعر : أو امتنان أو وفاق الواقع والجهل والتأكيد عند السامع

د. أسعد حومد

تفسير : {آخَرَ} {بُرْهَانَ} {ٱلْكَافِرُونَ} (117) - يَتَوَعَّدُ اللهُ تَعَالَى مَنْ أَشْرَكَ بِعِبَادَتِهِ أَحَدَاً سِوَاهُ فَيَقُولُ: إِنَّ مَنْ أَشْرَكَ باللهِ سِوَاهُ، وَعَبَدَ مَعَهُ غَيْرَهُ، وَلاَ بُرْهَانَ لَهُ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ، وَلاَ دَلِيلَ فَإِنَّ اللهَ يُحَاسِبُهُ عَلَى ذَلِكَ وَيُوَفِّيهِ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ جَزَاءٍ، وَلاَ يُفْلِحُ الكُفَّارُ، وَلاَ يَنْجُونَ مِنَ العِقَابِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : {يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ ..} [المؤمنون: 117] يعني: يعبد مع الله، والعبادة طاعة المعبود في أمره ونَهْيه، لكن كيف تدعو إلهاً، لا ينفعك ولا يضرُّك، ولا برهانَ عندك على ألوهيته؟ لذلك هدده سبحانه وتوعّده بقوله: {فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ ..} [المؤمنون: 117] أي: ربه الحق {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَافِرُونَ} [المؤمنون: 117]. وعجيبٌ أن تبدأ السورة بقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ} [المؤمنون: 1] وتنتهي بقوله: {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَافِرُونَ} [المؤمنون: 117] أي: بنقيض ما بدأتْ به، وعليك أنت أنْ تتأمل ما بين هذين القوسين، وما دامت المسألة مسألة إيمان يفلح أهله، وكفر لا يفلح أهله، فتمسَّكوا بربكم، والتزموا منهجه في (افعل) و (لا تفعل). وإنْ غلبتكم النفس على شيء من الذنوب فتذكَّروا: {وَقُل رَّبِّ ٱغْفِرْ وَٱرْحَمْ ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: ومن دعا مع الله آلهة غيره، بلا بينة من أمره ولا برهان يدل على ما ذهب إليه، وهذا قيد ملازم، فكل من دعا غير الله، فليس له برهان على ذلك، بل دلت البراهين على بطلان ما ذهب إليه، فأعرض عنها ظلما وعنادا، فهذا سيقدم على ربه، فيجازيه بأعماله، ولا ينيله من الفلاح شيئا، لأنه كافر، { إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ } فكفرهم منعهم من الفلاح. { وَقُلْ } داعيا لربك مخلصا له الدين { رَبِّ اغْفِرْ } لنا حتى تنجينا من المكروه، وارحمنا، لتوصلنا برحمتك إلى كل خير { وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ } فكل راحم للعبد، فالله خير له منه، أرحم بعبده من الوالدة بولدها، وأرحم به من نفسه. تم تفسير سورة المؤمنين، من فضل الله وإحسانه.