٢٤ - ٱلنُّور
24 - An-Nour (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
10
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ } بالستر في ذلك {وَأَنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ } بقبوله التوبة في ذلك وغيره {حَكِيمٌ } فيما حكم به في ذلك وغيره ليبين الحق في ذلك وعاجَلَ بالعقوبة من يستحقها.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَضْلُ اللَّهِ} الإسلام {وَرَحْمَتُهُ} القرآن، أو فضله: منته، ورحمته: نعمته تقديره ورحمته بإمهالكم حتى تتوبوا لهلكتم، أو لولا فضله ورحمته لنال الكاذب منكم عذابٌ عظيم.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته} أي لعاجلكم بالعقوبة ولكنه ستر عليكم ودفع عنكم الحد باللعان {وأن الله تواب} أي يعود على من يرجع عن المعاصي بالرحمة {حكيم} أي فيما فرضه من الحدود. قوله عزّ وجلّ {إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم} الآيات سبب نزولها ما روي عن ابن شهاب قال حدّثني عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب وعلقمة بن وقاص وعبد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عائشة زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم حين قال لها أهل الإفك ما قالوا. وكلهم حدثني طائفة من حديثها وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض وأثبت له اقتصاصاً وقد وعيت عن كل رجل منهم الحديث الذي حدثني عن عائشة وبعض حديثهم يصدق بعضاً قالوا: قالت عائشة رضي الله عنها: "حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفراً أقرع بين أزواجه فأيها خرج سهمها خرج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: عائشة أقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج فيها سهمي فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما أنزل الحجاب فكنت أحمل في هودج وأنزل فيه فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوه وقفل ودنونا من المدينة آذن ليلة بالرحيل فقمت حين آذنوا بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت من شأني أقبلت إلى رحلي فلمست صدري فإذا عقد لي من جزع ظفار قد انقطع فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه قالت: وأقبل الرهط الذي كانوا يرحلون بي فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب وهم يحسبون أني فيه وكان النساء إذ ذاك خفافاً لم يهبلن ولم يغشهن اللحم إنما يأكلن العلقة من الطعام, فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه وحملوه وكنت جارية حديثة السن فبعثوا الجمل وساروا ووجدت عقدي بعد ما استمر الجيش فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب فتيممت منزلي الذي كنت به وظننت أنهم سيفقدونني فيرجعون إلي. فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني قد عرس من وراء الجيش فأدلج فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم فأتاني فعرفني حين رآني وكان يراني قبل أن يضرب الحجاب علي فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني فخمرت وجهي بجلبابي, والله ما كلمني كلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه وهوى حتى أناخ راحلته فوطىء على يديها فركبتها فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا معرسين ". تفسير : وفي رواية "حديث : موغرين في نحر الظهيرة قالت فهلك من هلك في شأني وكان الذي تولى كبره عبد الله بن أبي بن سلول فقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمنا المدينة شهراً والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك وهو يريبني في وجعي أني لا أرى من النبي صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي إنما يدخل فيسلم ثم يقول: كيف تيكم ثم ينصرف فذلك الذي يريبني منه ولا أشعر بالشر حتى نقهت فخرجت أنا وأم مسطح قبل المناصع وهو متبرزنا وكنا لا نخرج إلا ليلاً إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريباً من بيوتنا وأمرنا أمر العرب الأول في التنزه وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا فانطلقت أنا وأم مسطح وهي ابنة أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف وأمها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب حين فرغنا من شأننا نمشي فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت: تعس مسطح فقلت لها بئس ما قلت: أتسبين رجلاً قد شهد بدراً؟ فقالت: يا هنتاه أولم تسمعي ما قال؟ قلت: ما قال فأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضاً إلى مرضي فلما رجعت إلى بيتي فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: كيف تيكم قلت: أتأذن لي أن آتي أبوي؟ قال وأنا حينئذٍ أريد أن أتيقن الخبر من قبلهما فأذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم فأتيت أبوي قالت فقلت لأمي يا أمتاه ماذا يتحدث الناس به فقالت: يا بنية هوني على نفسك فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا كثرن عليها قالت: فقلت سبحان الله وقد تحدث الناس بهذا قالت فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم ثم أصبحت أبكي قالت: ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يستشيرهما في فراق أهله قالت: فأما أسامة فأشار عليه بما يعلم براءة أهله وبالذي يعلم لهم في نفسه ومن الود فقال أسامة هم أهلك يا رسول الله ولا نعلم والله إلا خيراً وأما علي بن أبي طالب فقال يا رسول الله لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير وسل الجارية تصدقك قالت: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة فقال: أي بريرة هل رأيت من شيء يريبك من عائشة؟ قالت له بريرة: لا والذي بعثك بالحق إن رأيت منها أمراً قط أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فيأتي الداجن فيأكله قالت: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من يومه فاستعذر من عبد الله بن أبي ابن سلول فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر: من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهلي تفسير : وفي رواية حديث : في أهل بيتي فوالله ما علمت على أهلي إلا خيراً ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً وما كان يدخل على أهلي إلا معي قالت: فقام سعد بن معاذ أحد بني عبد الأشهل فقال: أنا أعذرتك منه يا رسول الله إن كان من الأوس ضربنا عنقه وإن كان من إخواننا من الخزرج. أمرتنا ففعلنا فيه أمرك فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وكانت أم حسان بنت عمه من فخذه وكان رجلاً صالحاً ولكن احتملته الحمية فقال لسعد بن معاذ: كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على ذلك فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد يعني ابن معاذ فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين فتثاور الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا وسكت قالت: وبكيت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم ثم بكيت ليلتي المقبلة لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم فأصبح عندي أبواي وقد بكيت ليلتين ويوماً حتى أظن أن البكاء فالق كبدي قالت فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي إذ استأذنت علي امرأة من الأنصار فأذنت لها فجلست تبكي معي فبينا نحن كذلك إذ دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلّم ثم جلس ولم يجلس عندي من يوم قيل لي ما قيل قبلها وقد مكث شهراً لا يوحى إليه في شأني بشيء قالت فتشهّد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جلس ثم قال: أما بعد يا عائشة فإنه بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه فإنّ العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه. فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة وقلت لأبي أجب عني رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال: قال والله ما أدري ما أقول لرسول الله فقلت لأمي أجيبي عني رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال قالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت أنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيراً من القرآن إني والله لقد علمت أنكم سمعتم ما تحدث به الناس حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به فلئن قلت لكم إني بريئة والله يعلم أني بريئة لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم إني منه بريئة لتصدقني فوالله ما أجد لي ولكم مثلاً إلا أبا يوسف إذ قال {فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون} ثم تحولت فاضطجعت على فراشي وأنا والله حينئذ أعلم أني بريئة وإن الله مبرئي ببراءتي ولكن والله ما كنت أظن أن ينزل الله في شأني وحياً يتلى ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم والله في بأمر يتلى ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرئني الله بها قالت: فوالله ما رام رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسه ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق في اليوم الشاتي من ثقل القول الذي أنزل عليه قال فسري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك فكان أول كلمة تكلم بها أن قال لي: يا عائشة احمدي الله تفسير : وفي رواية حديث : أبشري يا عائشة أما الله فقد برأك فقالت لي أمي: قومي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: لا والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله هو الذي أنزل براءتي قالت: فأنزل الله عزّ وجلّ {إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم} العشر الآيات فأنزل الله عزّ وجل هذه الآيات في براءتي قالت فقال أبو بكر وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره والله لا أنفق عليه شيئاً أبداً بعد الذي قال لعائشة فأنزل الله {ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة ـ إلى قوله ـ غفور رحيم} فقال أبو بكر بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي فرجع إلى مسطح الذي كان يجري عليه وقال والله لا أنزعها منه أبداً قالت عائشة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل زينب بنت جحش عن أمري فقال يا زينب ما علمت أو ما رأيت؟ فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري والله ما علمت عليها إلا خيراً قالت عائشة وهي التي كانت تساميني من أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم فعصمها الله بالورع وطفقت أختها حمنة تحارب لها فهلكت فيمن هلك من أصحاب الإفكتفسير : . قال ابن شهاب: فهذا الذي بلغني من حديث هؤلاء الرهط زاد في رواية قالت عائشة: والله إن الرجل الذي قيل له ما قيل ليقول سبحان الله فو الذي نفسي بيده ما كشفت من كنف أنثى قط قالت: ثم قتل بعد في سبيل الله شهيداً". هذا حديث متفق على صحته أخرجاه في الصحيحين زاد البخاري في رواية عن عروة: عن عائشة "والذي تولى كبره منهم عبد الله بن أبي ابن سلول وقال عروة أخبرت أنه كان يشاع ويتحدث به عنده فيقرره ويشيعه ويستوشيه قال عروة لم يسم لي من أهل الإفك إلا حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش في ناس آخرين لا علم لي بهم غير أنهم عصبة كما قال الله تعالى. قال عروة كانت عائشة تكره أن يسب عندها حسان وتقول إنه الذي قال: شعر : فإن أبي ووالدتي وعرضي لعرض محمد منكم وقاء تفسير : أخرجاه من حديث مسروق قال: دخلت على عائشة وعندها حسان ينشدها شعراً ببيت من أبياته فقال: شعر : حصان رزان ما تزن بريبة وتصبح غرثى من لحوم الغوافل تفسير : فقالت عائشة: لكنك لست كذلك قال مسروق فقلت لها: تأذنين له أن يدخل عليك وقد قال الله {والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم} قالت وأي عذاب أشد من العمى. وقالت: إنه كان ينافح أو يهاجي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. حل غريب ألفاظ هذا الحديث قوله: وكلهم حدثني طائفة أي قطعة من حديثها، قوله كان أوعى أي أحفظ له، قولها آذن أي أعلم بالرحيل، قولها فإذا عقد لي من جزع أظفار وهو نوع من الخرز وهو الحجر اليماني المعروف، قولها لم يهبلن أي يكثر لحمهن فيثقلن، قولها إنما يأكلن العلقة من الطعام هو بضم العين أي البلغة من الطعام وهو قدر ما يمسك الرمق، قولها وليس بها منهم داع ولا مجيب أي ليس بها أحد لا من يدعو ولا من يرد جواباً، قولها فتيممت أي قصدت قولها قد عرس من وراء الجيش فأدلج، التعريس نزول المسافر في آخر الليل للراحة والإدلاج بالتشديد سير آخر الليل وبالتخفيف سير الليل كله، قولها باسترجاعه هو قوله {أية : إنا لله وإنا إليه راجعون}تفسير : [البقرة: 156] قولها فخمرت أي غطيت وجهي بجلبابي أي إزاري، قولها موغرين في نحر الظهيرة الوغرة شدة الحر وكذا نحر الظهيرة أي أولها، قولها والناس يفيضون أي يخوضون ويتحدثون، قولها وهو يريبني يقال رابني الشيء يريبني أي شككت فيه، قولها ولا أرى من النبيّ صلى الله عليه وسلم اللطف أي الرفق بها واللطف في الأفعال الرفق وفي الأقوال لين الكلام، قولها حتى نقهت أي أفقت من المرض والمناصع المواضع الخالية تقضي فيها الحاجة من غائط وبول وأصله المكان الواسع الخالي والمرط كساء من صوف أوخز، قولها تعس مسطح أي عثر وهو من الدعاء على الإنسان أي سقط لوجهه، قولها يا هنتاه أي بلهاء كأنها تنسبها إلى البله وقلة المعرفة، قولها لا يرقأ لي دمع أي لا ينقطع وقول بريرة إن رأيت بمعنى النفي أي ما رأيت منها أمراً أغمصه بالصاد المهملة أي أعيب والداجن الشاة التي تألف البيت وتقيم به: قوله صلى الله عليه وسلم: من يعذرني أي من يقوم بعذري إن أنا كافأته على سوء صنيعه إن عاتبت أو عاقبت فلا تلوموني على ذلك قولها وكانت أم حسان بنت عمه من فخذه أي من قبيلته قولها ولكن احتملته الحمية أي حمله الغضب والأنفة والتعصب على الجهل للقرابة، قوله فتثاور الحيان أي ثاروا ونهضوا للقتال والمخاصمة، قولها فلم يزل يخفضهم أي يهون عليهم ويسكن، قوله صلى الله عليه وسلم إن كنت ألممت قيل هو من اللمم وهو صغائر الذنوب وقيل معناه مقارفة الذنب من غير فعل، قولها قلص دمعي أي انقطع جريانه، قولها ما رام أي ما برح من مكانه والبرحاء الشدة والكرب والجمانة وجمعها جمان فسري عنه أي كشف عنه وقول زينب أحمي سمعي وبصري أي أمنعهما أن أخبر بما لم أسمع ولم أبصر، قولها وهي التي كانت تساميني من السمو وهو العلو والغلبة فعصها الله أي منعها من الوقوع في الشر بالورع وقول الرجل ما كشفت من كنف أي من ستر أنثى قوله ويستوشيه أي يستخرجه بالبحث عنه والاستقصاء فيه وقول حسان في عائشة حصان بفتح الحاء يقال امرأة حصان أي متعففة رزان أي ثابتة ما تزن أي ترمي ولا تتهم بريبة أي بأمر يريب الناس حيية وتصبح غرثى أي جائعة والغرث الجوع من لحوم الغوافل جمع غافلة، والمعنى أنها لا تغتاب أحداً مما هو غافل عن مثل هذا الفعل وقول عائشة في حسان إنه كان ينافح أي يناضل ويخاصم عن الله ورسوله: وأما التفسير فقوله عزّ وجلّ {إن الذين جاؤوا بالإفك} أي بالكذب والإفك أسوأ الكذب لكونه مصروفاً عن الحق وذلك أن عائشة كانت تستحق الثناء والمدح بما كانت عليه من الحصانة والشرف والعقل والعلم والديانة فمن رماها بالسوء فقد قلب الحق بالباطل وجاء بالإفك، عصبة أي جماعة منكم أي عبد الله بن أبي ابن سلول ومسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش زوجة طلحة ابن عبيدالله. فإن قلت عبدالله بن أبي ابن سلول كان رأس المنافقين فكيف قال منكم. قلت كان ينسب إلى الإيمان في الظاهر وقيل قوله منكم خرج مخرج الأغلب فإنّ حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة كانوا من المؤمنين المخلصين {لاتحسبوه شراً لكم} يعني الإفك الخطاب لعائشة وصفوان وقيل لعائشة ولأبويها وللنبيّ صلى الله عليه وسلم ولصفوان {بل هو خير لكم} يعني أن الله آجركم على ذلك وأظهر براءتكم وشهد بكذب العصبة وأوجب لهم الذم وهذا غاية الشرف والفضل لكم {لكل امرىء منهم} أي من العصبة الكاذبة {ما اكتسب من الإثم} أي جزاء ما اجترح من الذنب على قدر ما خاض فيه {والذي تولى كبره} يعني تحمل معظمه وبدأ بالخوض فيه وأقام بإشاعته وهو عبدالله بن أبي ابن سلول {منهم} من العصبة {له عذاب عظيم} يعني عذاب النار في الآخرة روي "حديث : أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أمر بالذين رموا عائشة فجلدوا جميعاً ثمانين ثمانين ".
القشيري
تفسير : لبقيتم في هذه الواقعة المعضلة، ولم تهتدوا للخروج من هذه الحالة المشكلة.
البقلي
تفسير : اى لولا فضل الله لصرح اسراركم ولم يستر على احوالكم ولكن سبقت رحمته وتفضله لكم بان الستر عورتكم بحكمته البالغة وشريعته الجامع وجعل رحمته موضع توبتكم بعد مباشرة تلك مخالفته قال ابن عطا لولى فضل الله عليكم فى قبول طاعتك لخسرتم بما ضمن لكم فى اخرتكم ولكن برحمته نجاكم من خسرانكم وتفضل عليكم.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولولا فضل الله عليكم ورحمته وان الله تواب حكيم} جواب لولا محذوف لتهويله والاشعار بضيق العبارة عن حصره كأنه قيل لولا تفضله عليكم ورحمته ايها الرامون والمرميات وانه تعالى مبالغ فى قبول التوبة حكيم فى جميع افعاله واحكامه التى من جملتها ما شرع لكم من حكم اللعان لكان ما كان مما لايحيط به نطاق البيان ومن جملته انه تعالى لو لم يشرع لهم ذلك لوجب على الزوج حد القذف مع ان الظاهر صدقه لانه اعرف بحال زوجته وانه لا يفترى عليها لاشتراكهما فى الفضاحة وبعد ما شرع لهم ذلك لو جعل شهاداته موجبة لحدّ القذف عليه لفات النظر له ولا ريب فى خروج الكل عن سنن الحكمة والفضل والرحمة فجعل شهادات كل منهما مع الجزم بكذب احدهما حتما درائة لما توجه اليه من الغائلة الدنيوية وقد ابتلى الكاذب منها فى تضاعيف شهاداته من العذاب بما هو اتم ما درأه عنه واطم وفى ذلك من احكام الحكم البالغة وآثار التفضل والرحمة ما لايخفى اما على الصادق فظاهر واما على الكاذب فهو امهال له والستر عليه فى الدنيا ودرء الحد عنه وتعريضه للتوبة حسبما ينبىء عنه التعرض لعنوان توابيته سبحانه وما اعظم شأنه واوسع رحمته وادق حكمته، قال الكاشفى [واكرنه فضل خداى تعالى بودى برشما وبخشايش او وآنكه خداى قبول كنندة توبه است حكم كننده درحدود احكام هر آيينه شمارا فضيحت كردى ودروغ كواهى را بعذاب عظيم مبتلا ساختى وكويند اكرنه فضل خدا بودى بتأخير عقوبت شما هلاك شديد يا اكر نه فضل فرمودى باقامت زواجر ونهى ازفواحش هر آينه نسل منقطع شدى ومردم يك ديكررا هلاك كردندى يا اكر نه خداى تعالى بخشيدى برشما بقبول توبه درتيه نا اميدى سركردان ميشديد بس شما بمدد وتوفيق توبه بسر منزل رجا رسانيد شعر : كر توبه مددكار كنهكار نبودى اوراكه بسر حد كرم راه نمودى ورتوبه بنودى كه در فيض كشودى زنك غم از آينه عاصى كه زدودى تفسير : قال بعض الكبار قال الله {ولولا فضل الله عليكم ورحمته} ولم يقل ولولا فضل عبادتكم وصلاتكم وجهادكم وحسن قيامكم بامر الله {أية : ما زكا منكم من احد ابدا}تفسير : لنعلم ان العبادات وان كثرت فانها من نتائج الفضل شعر : جورويى بخدمت نهى بر زمين خدارا ثنا كوى وخودرا مبين تفسير : اللهم اجعلنا من اهل الفضل والعطاء والمحبة والولاء.
الجنابذي
تفسير : {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} قد مضى مكرّراً انّ المراد بالفضل الرّسالة وأحكامها والرّسول، وبالرّحمة الولاية وآثارها وعلىّ (ع) {وَأَنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ} ولفضّحكم او عاجلكم بالعقوبة حذف الجواب تفخيماً للعقوبة كأنّها لا يمكن ان تجرى على اللّسان وليذهب ذهن السّامع كلّ مذهبٍ ممكنٍ، ولانّه تعالى جرى على طريقة مخاطبات العرف فانّ الغضوب اذا اشتدّ غضبه غاية الاشتداد لا يفى شدّة غضبه باطالة الكلام واتمام الخطاب فيحذف منه بعضه وان كان اصل الغضب يقتضى اطالة الكلام وتغليظه.
الهواري
تفسير : قوله: {وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} قال بعضهم في قوله تعالى: (أية : قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) تفسير : [يونس: 58] قال: فضل الله الإِسلام، ورحمته القرآن. وقال بعضهم: (وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ) يعني ولولا منّ الله (عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ) رحمته ها هنا: نعمته، أي: لأهلك الكاذب من المتلاعنين. {وَأَنَّ اللهَ تَوَّابٌ} على من تاب من ذنبه {حَكِيمٌ} أي: في أمره، إذ جعل للمتلاعنين متاباً ومرجعاً. قوله: {إِنَّ الذِينَ جَآءُو بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ} أي: جماعة منكم. قال بعضهم: هذا كان في شأن عائشة وما أذيع عليها أنها كانت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فأخذ الناس في الرحيل، فانقطعت قلادة لها، فطلبتها في المنزل ومضى الناس. وقد كان صفوان بن المعطل تخلّف عن المنزل قبل ذلك. ثم أقبل فوجد الناس قد ارتحلوا، وهو على بعيره. فإِذا هو بعائشة، فجاءها ببعيره وولاّها ظهره حتى ركبت. ثم قاد بها، فجاء بها وقد نزل الناس. فتكلّم بذلك قوم واتَّهَمُوها. بلغنا أن عبد الله بن أُبَي بن سلول وحسّان بن ثابت ومسطحاً وحمنة بنت جحش هم الذين تكلّموا في ذلك ثم شاع ذلك في الناس. فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أنزل الله عذرها جلد كل واحد منهم الحد. وقوله: {إِنَّ الذِينَ جَآءُو بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ} يعني هؤلاء. ثم قال تعالى: {لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُم} يعني عائشة وصفوان، يعني ما قيل فيهما {بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِىءٍ مِّنْهُم} أي: من الذين قالوا ما قالوا {مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ} أي ما اقترف من الذنب على قدر ما أشاع. {وَالذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ} أي: الذي بدأ به {لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} قال بعضهم: هو مسطح، فذهب بصره و هو العذاب العظيم. وقال بعضهم: هو عبد الله ابن أبيّ بن سلول المنافق، له عذاب عظيم، أي: جهنم، فلا أعظم من ذلك.
اطفيش
تفسير : {وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} عليكم متعلق بفضل أي لولا تفضله عليكم * {وَرَحْمَتُهُ} بالستر عليكم والخبر محذوف اي موجودان لا عليكم على الصحيح الذي هو مذهب الجمهور قاله ابن هشام. واعلم انه عليكم فرحمته والمصدر من خبر ان معطوف على فضل أو كل على متلوه فيقدر الاستقرار الكل وعلى ضمير الاستقرار المستتر في (عليكم) فيقدر الاستقرار للفضل وكون الخبر هو قوله (عليكم) هو قول ابن الشجري ذكره ابن هشام. {وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ} بقبول التوبة في ذلك وغيره * {حَكِيم} فيما حكم به في ذلك وغيره وعن بعضهم فضل الله الاسلام ورحمته القرآن والصحيح ان فضله تفضله العام من امر الدين وغيره وجواب لولا محذوف اي ليبين الحق في ذلك وعاجل العقوبة من يستحقها أو نفضحكم وعاجلكم بالعقوبة ونحو ذلك فيؤخذ به دال على امر عظيم لا تبلغ به غاية ورب مسكوت عنه ابلغ من معطوف به.
اطفيش
تفسير : {ولَوْلا فَضْل الله} تفضله {عليكم} بأمور حسنة لائقة بكم ورحمته إنعامه {وأن الله توَّابٌ} يقبل التوبة جداً، أو كثير القبول لها {حَكيمٌ} فى أقواله وأفعاله، والمصدر أن من خبرى أن معطوفان على فضل أو رحمة، أى وتوبته ورحمته، والجواب محذوف على طريق المبالغة، حتى كأنه لا يجيىء به لفظ تقديره لكان ما يكون، أو كان ما لا يطلق، أو لهلكتم دينا ودنيا، ومن ذلك استبقاء بالشهادات، فلو اخذ بقول الزوج، ولا سيما أنه أعرف بزوجه، وأنه لا يفترى عليها لاشتراكه معها فى الفضيحة لرجمت، ولو أخذ بإنكارها لحد فنجواهن ذلك، وستر عليهما، وفسح لهما لعل الكاذب يتوب قبل الموت، والفرقة تقع بنفس تلاعنهما، وهى تطليقة بائنة عند بعض، والصحيح أنها تحريم مؤبد، وبه نقول، وعليه زفر وأبو يوسف والشافعى، وقيل لا تقع الفرقة حتى يفرق القاضي بينهما.
الالوسي
تفسير : التفات إلى خطاب الرامين والمرميات بطريق التغليب لتوفية مقام الامتنان حقه، وجواب {لَوْلاَ } محذوف لتهويله حتى كأنه لا توجد عبارة تحيط ببيانه، وهذا الحذف شائع في كلامهم. قال جرير: شعر : كذب العواذل لو رأين مناخنا بحزيز رامة والمطي سوام تفسير : ومن أمثالهم لو ذات سوار لطمتني، فكأنه قيل: لولا تفضله تعالى عليكم ورحمته سبحانه وأنه تعالى مبالغ في قبول التوبة حكيم في جميع أفعاله وأحكامه التي من جملتها ما شرع لكم من حكم اللعان لكان مما لا يحيط به نطاق البيان، ومن جملته أنه تعالى لو لم يشرع لهم ذلك لوجب على الزوج حد القذف مع أن الظاهر صدقه لأنه أعرف بحال زوجته وأنه لا يفتري عليها لاشتراكهما في الفضاحة، وبعد ما شرع لهم لو جعل شهاداته موجبة لحد الزنا عليها لفات النظر إليها، ولو جعل شهاداتها موجبة لحد القذف عليه لفات النظر له، ولا ريب في خروج الكل عن سنن الحكمة والفضل والرحمة، فجعل شهادات كل منهما مع الجزم بكذب أحدهما حتماً دارئة لما توجه إليه من الغائلة الدنيوية، وقد ابتلي الكاذب منهما في تضاعيف شهاداته من العذاب بما هو أتم مما درأته عنه وأطم وفي ذلك من أحكام الحكم البالغة وآثار التفضل والرحمة ما لا يخفى أما على الصادق فظاهر؛ وأما على الكاذب فهو إمهاله والستر عليه في الدنيا ودرء الحد عنه وتعريضه للتوبة حسبما ينبـىء عنه التعرض لعنوان توابيته تعالى فسبحانه ما أعظم شأنه وأوسع رحمته وأدق حكمته قاله شيخ الإسلام. وعن ابن سلام تفسير الفضل بالإسلام ولا يخفى أنه مما لا يقتضيه المقام، وعن أبـي مسلم أنه أدخل في الفضل النهي عن الزنا ويحسن ذلك لو جعلت الجملة تذييلاً لجميع ما تقدم من الآيات وفيه من البعد ما فيه.
ابن عاشور
تفسير : تذييل لما مر من الأحكام العظيمة المشتملة على التفضل من الله والرحمة منه، والمؤذنة بأنه تواب على من تاب من عباده، والمنبئة بكمال حكمته تعالى إذ وضع الشدة موضعها والرفق موضعه وكف بعض الناس عن بعض فلما دخلت تلك الأحكام تحت كلي هذه الصفات كان ذكر الصفات تذييلاً. وجواب (لولا) محذوف لقصد تهويل مضمونه فيدل تهويله على تفخيم مضمون الشرط الذي كان سبباً في امتناع حصوله. والتقدير: لولا فضل الله عليكم فدفع عنكم أذى بعضكم لبعض بما شرع من الزواجر لتكالبَ بعضكُم على بعض، ولولا رحمة الله بكم فقدر لكم تخفيضاً مما شرع من الزواجر في حالة الاضطرار والعذر لما استطاع أحد أن يسكت على ما يرى من مثار الغيرة، فإذا باح بذلك أُخذ بعقاب وإذا انتصف لنفسه أهلك بعضاً أو سكت على ما لا على مثله يغضى، ولولا أن الله تواب حكيم لما رد على من تاب فأصلح ما سلبه منه من العدالة وقبول الشهادة. وفي ذكر وصف «الحكيم» هنا مع وصف {تواب} إشارة إلى أن في هذه التوبة حكمة وهي استصلاح الناس. وحذف جواب {لولا} للتفخيم والتعظيم وحذفه طريقة لأهل البلاغة، وقد تكرر في هذه السورة وهو مثل حذف جواب (لو)، وتقدم حذف جواب (لو) عند قوله تعالى: { أية : ولو ترى الذين ظلموا إذ يرون العذاب } تفسير : في سورة البقرة (165). وجواب (لولا) لم يحضرني الآن شاهد لحذفه وقد قال بعض الأئمة: إن (لولا) مركبة من (لو) و(لا).
الواحدي
تفسير : {ولولا فضل الله عليكم ورحمته} جواب " لولا" محذوفٌ، على تقدير: لفضحكم بارتكاب الفاحشة، ولعاجلكم بالعقوبة، ولكنَّه {توابٌ} يقبل التَّوبة، ويرحم مَنْ رجع عن السَّيئة [ {حكيم} فيما فرض من الحدود]. {إنَّ الذين جاؤوا بالإِفك} بالكذب على عائشة رضوان الله عليها وصفوان {عصبة} جماعة {منكم} يعني: حسَّان بن ثابت، ومسطحاً، وعبد الله ابن أُبيّ المنافق، وحمنة بنت جحش {لا تحسبوه} لا تحسبوا ذلك الإفك {شرّاً لكم بل هو خيرٌ لكم} لأنَّ الله تعالى يأجركم على ذلك، ويُظهر براءتكم {لكلِّ امرىء منهم ما اكتسب من الإِثم} جزاء ما اجترح من الذَّنب {والذي تولَّى كبره} تحمَّل معظمه فبدأ بالخوض فيه، وهو عبد الله ابن أُبيّ. {لولا} هلاَّ {إذ سمعتموه} يعني: الإِفك {ظنَّ المؤمنون والمؤمنات} رجع من الخطاب إلى الخبر، والمعنى: ظننتم أيُّها المؤمنون بالذين هم كأنفسهم {خيراً} والمؤمنون كلُّهم كالنَّفس الواحدة، وقلتم: {هذا إفك مبين} كذبٌ ظاهرٌ.
د. أسعد حومد
تفسير : (10) - وَلَوْلاَ تَفَضُّلُ اللهِ تَعَالَى، وَلَوْلاَ رَحْمَتُهُ بِكُمْ يَا أَيُّها المُؤْمِنُونَ فِي قَبُولَ تَوْبَتِكُم فِي كُلِّ آنٍ، وَأَنَّهُ حَكِيمٌ فِي شَرْعِهِ، وَفِعْلِهِ، وَحُكْمِهِ، وَمِنْهَا مَا شَرَعَهُ لَكُمْ مِنَ اللِّعَانِ، لَفَضَحَكُمْ، وَلَعَاجَلَكُمْ بالعُقُوبَةِ. وَلَكِنَّهُ سَتَرَ عَلَيْكُمْ، وَدَفَعَ عَنْكُم الحَدَّ باللِّعَانِ، إِذْ لَوْ لَمْ يَشْرَعْ ذَلِكَ لَوَجَبَ عَلَى الزَّوْجِ حَدُّ القَذْفِ، مَعَ أَنَّ قَرَائِنَ الأَحْوَالِ تَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ، لأَِنَّهُ لاَ يَفْتَرِي عَلَى زَوْجَتِهِ، لأَِنَّهُمَا مُشْتَرِكانِ فِي الفَضِيحَةِ. وَلَوْ جَعَلَ شَهَادَةَ الرَّجُلِ مُوجِبَةً لِحَدِّ الزِّنى وَحْدَهَا، لَكَثُرَ افْتِراءُ الأَزْوَاجِ عَلى زَوْجَاتِهِمْ لِضَغِينَةٍ قَدْ تَكُونُ فِي أَنْفُسِهِمْ، وَمِنْ ثَمَّ جَعَلَ شَهَادَاتِ كُلٍّ مِنْ الزَّوْجَيْنِ مَعَ الجَزْمِ بِكَذِبِ الآخَرِ تَدْرَأُ عَنْهُ العُقُوبَةَ الدُّنْيَويَّةَ. (وَرُوي أَنَّ سَبَبَ نُزُولِ آيَةِ اللِّعَانِ، هُوَ أَنَّهُ لَمَا نَزَلَتْ آيَةُ القَذْفِ (والذينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأَتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ). حديث : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ لَهُ إِنَّهُ عَادَ إِلَى بَيْتِهِ فَوَجَدَ رَجُلاً عِنْدَ امْرَأَتِهِ، فَسَمِعَ بِأُذْنِهِ، وَرَأَى بِعَيْنِهِ، فَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ، وَجَاءَ إِلَى الرَّسُولِ فأَعْلَمَهُ بِمَا رَأى وَسَمِعَ، فاعْتَبَرَ الرَّسُولُ ذَلِكَ القَوْلَ قَذْفاً مِنْهُ بِحَقِّ زَوْجَتِهِ، وَطَالَبَهُ بِإِقَامَةِ البَيِّنَةِ أو أَنَّ الرَّسُولَ سَيَأْمُرُ بِحَدِّهِ حَدَّ القَذْفِ. فَقَالَ الرَّجُلُ؟ يَا رَسُولَ اللهِ إِذَا رَأى أَحَدُنَا عَلَى امْرَأَتِهِ رَجُلاً يَنْطَلِقُ يَلْتَمِسُ البَيِّنَةَ؟ فَجَعَلَ النَبِيُّ يَقُولُ لَهُ: البَيِّنَةَ أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ. فَقَالَ الرَّجُلُ: والذي بَعَثَكَ بالحَقِّ إِنِي لَصَادِقٌ، وَلِيُنْزلَنَّ اللهُ مَا يُبْرِيءُ ظَهْرِي مِنَ الحَدِّ. فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ بِهَذِهِ الآيَاتِ. فَأَرْسَلَ الرَّسُول إِلَى الرَّجُلِ وَزَوْجِهِ فَشَهِدَ الرَّجُلُ، والنَّبِيُّ يَقُولُ لَهُ: إِنْ اللهَ لَيَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا لَكَاذِبٌ، ثُمَّ قَامِتِ المَرْأَةُ فَشَهِدَتْ، فَلَمَّا كَانَتِ الخَامِسَةُ وَقَفُوهَا، وَقَالُوا لَهَا: إِنَّهَا مُوجِبَةٌ، تُوجِبُ العَذَابَ عَلَيْكِ، فَتَلَكَّأَتْ، حَتَّى ظُنَّ أَنَّها تَرْجِعُ، ثُمَّ قَالَتْ: لاَ أَفَضَحُ قَوْمِي سَائِرَ اليومِ، فَمَضَتْ وَحَلَفَتْتفسير : ).
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أي: لولا هذا لَفُضحتم ولتفاقمت بينكم العداوة، لكن عصمكم فضل الله في هذا التشريع الحكيم المناسب لهذه الحالة. والقذف جريمة بشعة في حَقِّ المجتمع كله، تشيع فيه الفاحشة وتتقطع الأواصر، هذا إنْ كان للمحصنات البعيدات، وهو أعظم إنْ كان للزوجة، لكن ما بالك إنْ وقع مثل هذا القول على أم ليست أماً لواحد، إنما هي أم لجميع المؤمنين، هي أم المؤمنين السيدة عائشة - رضي الله عنها وأرضاها - فكانت مناسبة أن يذكر السياق ما كان من قَذْف السيدة عائشة، والذي سُمِّي بحادثة الإفك؛ لماذا؟ لأن الله تعالى يريد أن يُعطينا الأُسْوة في النبوة نفسها، ويريد أنْ يُسلِِّي عائشة صاحبة النسب العريق وأم المؤمنين، وقد قيل فيها ما قيل؛ لذلك ستظل السيدة عائشة أُسْوة لكل شريفة تُرْمَى في عِرْضها، ويحاول أعداؤها تشويه صورتها، نقول لها: لا عليك، فقد قالوا مثل هذا في عائشة. وتقوم آيات الإفك دليلاً على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم - في البلاغ عن ربه، فذكر أنهم يرمون المحصنات، ويرمون زوجاتهم، والأفظع من ذلك أنْ يرموا زوجة النبي وأم المؤمنين، فيقول سبحانه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُوا بِٱلإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ...}.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : وبقوله تعالى: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ} [النور: 10] يشير إلى كمال فضله على عباده بأن أجلهم بالعقوبة إلى الآخرة لعلهم يتوبون في الدنيا فغفر لهم وستر في الدنيا ولم يفضحهم بإظهار صدقهم وكذبهم أجلهم بالعقوبة لدرك التوبة كذلك جعل سنة اللعان باقية بين المسلمين ليكون حكمة باقية بينهم. ثم أخبر عن عصبة قصة الإفك بقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُوا بِٱلإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} [النور: 11] يشير إلى أنه تعالى لا يجري على عباده إلا ما يكون حقيقة اللطف، وإن كان في صورة القهر تأديباً وتهذيباً لهم وموجباً لرفعة درجاتهم وزيادة في رتبتهم، وأن قصة الإفك وإن كانت في صورة القهر كانت في حق النبي صلى الله عليه وسلم وفي حق عائشة وأبويها وجميع الصحابة صلى الله عليه وسلم ابتلاءً وامتحاناً لهم وتربية وتهذيباً، فإن البلاء للولاء وكاللهب بالذهب، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل"تفسير : ، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : يبتلى الرجل على قدر دينه" تفسير : فإن الله غيور على قلوب خواص عباده المحبوبين فإذا حصلت مساكنة بعضهم إلى بعض يجري الله تعالى ما يرد كل واحد منهم عن صاحبه ويرده إلى حضرته، حديث : وأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قيل له: أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة فساكنها وقال: "يا عائشة حبك في قلبي كالعقدة ". تفسير : وفي بعض الأخبار أن عائشة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله إني أحبك وأحب قربك، فأجرى الله تعالى حديث أهل الإفك حتى ردَّ رسول الله قلبها عنها إلى الله تعالى بالخلال عقد حبها عن قلبه، وردت عائشة - رضي الله عنها - قلبها عنه إلى الله حيث قالت لما ظهرت براءة ساحتها: بحمد الله لا بحمدك فكشف صبابة تلك المحبة وأزال الشك وأظهر براءة ساحتها حين أدبهم وهذبهم وقربهم وزاد في رفع درجاتهم وقرباتهم {لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ} من أصحاب الإفك {مَّا ٱكْتَسَبَ مِنَ ٱلإِثْمِ} على حسب سعايتهم وفساد ظنهم وهتك حرمة حرمانيهم {وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ} في الخوض ابتداء. {مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} يؤاخذ بجرمه وهو خسارة الدنيا والآخرة لأنه "حديث : من سن سنة سيئة فله وزرها وزر من عمل بها إلى يوم القيامة ". تفسير : وفيه إشارة إلى أخرى وهي أن الطريق إلى الله تعالى طريقان أهل السلامة وطريق أهل الملامة، فطريق أهل السلامة: ينتهي أهل السلامة ينتهي إلى الله تعالى؛ لأن الملامة مفتاح باب حبس الوجود وبها يذوب الوجود ذوبان الثلج بالشمس، فعلى قدر ذوبان الوجود يكون الوصول إلى الله تعالى فأكرم الله تعالى عائشة - رضي الله تعالى عنها - يخرجه من ظلمات وجوده المخلوقة إلى نور القدم. بقوله تعالى: {لَّوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُواْ هَـٰذَآ إِفْكٌ مُّبِينٌ} [النور: 12] يُشير إلى أن شرط الإيمان شرك الاعتراض على حرم النبي صلى الله عليه وسلم وترك بسط اللسان بالسوء إليها وظن الخير في حقها، وأن المؤمنين معاتبون على المبادرة إلى ظن السوء بها، وجعل من أمارات الإيمان أن ينظر إلى هذا القصة بنور الإيمان فيعرفوا بإفك وبهتان وعلموا أنه إفك {لَّوْلاَ جَآءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَآءِ فَأُوْلَـٰئِكَ عِندَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ} [النور: 13] وبأن يأتوا بالشهادة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):