٢٤ - ٱلنُّور
24 - An-Nour (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
11
Tafseer
الرازي
تفسير : الحكم الخامس قصة الإفك الكلام في هذه الآية من وجهين: أحدهما: تفسيره والثاني: سبب نزوله: أما التفسير فاعلم أن الله تعالى ذكر في هذه الآية ثلاثة أشياء: أولها: أنه حكى الواقعة وهو قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ جَاءوا بِٱلإفْكِ عُصْبَةٌ مّنْكُمْ } والإفك أبلغ ما يكون من الكذب والافتراء، وقيل هو البهتان وهو الأمر الذي لا تشعر به حتى يفجأك وأصله الإفك وهو القلب لأنه قول مأفوك عن وجهه، وأجمع المسلمون على أن المراد ما أفك به على عائشة، وإنما وصف الله تعالى ذلك الكذب بكونه إفكاً لأن المعروف من حال عائشة خلاف ذلك لوجوه: أحدها: أن كونها زوجة للرسول صلى الله عليه وسلم المعصوم يمنع من ذلك. لأن الأنبياء مبعوثون إلى الكفار ليدعوهم ويستعطفوهم، فوجب أن لا يكون معهم ما ينفرهم عنهم وكون الإنسان بحيث تكون زوجته مسافحة من أعظم المنفرات، فإن قيل كيف جاز أن تكون امرأة النبي كافرة كامرأة نوح ولوط ولم يجز أن تكون فاجرة وأيضاً فلو لم يجز ذلك لكان الرسول أعرف الناس بامتناعه ولو عرف ذلك لما ضاق قلبه، ولما سأل عائشة عن كيفية الواقعة قلنا الجواب عن الأول أن الكفر ليس من المنفرات، أما كونها فاجرة فمن المنفرات والجواب: عن الثاني أنه عليه السلام كثيراً ما كان يضيق قلبه من أقوال الكفار مع علمه بفساد تلك الأقوال، قال تعالى: { أية : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ } تفسير : [الحجر: 97] فكان هذا من هذا الباب وثانيها: أن المعروف من حال عائشة قبل تلك الواقعة إنما هو الصون والبعد عن مقدمات الفجور، ومن كان كذلك كان اللائق إحسان الظن به وثالثها: أن القاذفين كانوا من المنافقين وأتباعهم، وقد عرف أن كلام العدو المفترى ضرب من الهذيان، فلمجموع هذه القرائن كان ذلك القول معلوم الفساد قبل نزول الوحي. أما العصبة فقيل إنها الجماعة من العشرة إلى الأربعين وكذلك العصابة واعصوصبوا اجتمعوا، وهم عبدالله بن أبي بن سلول رأس النفاق، وزيد بن رفاعة، وحسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش ومن ساعدهم. أما قوله: {مّنكُمْ } فالمعنى أن الذين أتوا بالكذب في أمر عائشة جماعة منكم أيها المؤمنون، لأن عبدالله كان من جملة من حكم له بالإيمان ظاهراً ورابعها: أنه سبحانه شرح حال المقذوفة ومن يتعلق بها بقوله: {لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } والصحيح أن هذا الخطاب ليس مع القاذفين، بل مع من قذفوه وآذوه، فإن قيل هذا مشكل لوجهين: أحدهما: أنه لم يتقدم ذكرهم والثاني: أن المقذوفين هما عائشة وصفوان فكيف تحمل عليهما صيغة الجمع في قوله: {لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ }، والجواب عن الأول: أنه تقدم ذكرهم في قوله: {مّنكُمْ } وعن الثاني: أن المراد من لفظ الجمع كل من تأذى بذلك الكذب واغتم، ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم تأذى بذلك وكذلك أبو بكر ومن يتصل به، فإن قيل فمن أي جهة يصير خيراً لهم مع أنه مضرة في العاجل؟ قلنا لوجوه: أحدها: أنهم صبروا على ذلك الغم طلباً لمرضاة الله تعالى فاستوجبوا به الثواب وهذه طريقة المؤمنين عند وقوع الظلم بهم وثانيها: أنه لولا إظهارهم للإفك كان يجوز أن تبقى التهمة كامنة في صدور البعض، وعند الإظهار انكشف كذب القوم على مر الدهر وثالثها: أنه صار خيراً لهم لما فيه من شرفهم وبيان فضلهم من حيث نزلت ثمان عشرة آية كل واحدة منها مستقلة ببراءة عائشة وشهد الله تعالى بكذب القاذفين ونسبهم إلى الإفك وأوجب عليهم اللعن والذم وهذا غاية الشرف والفضل ورابعها: صيرورتها بحال تعلق الكفر والإيمان بقدحها ومدحها فإن الله تعالى لما نص على كون تلك الواقعة إفكاً وبالغ في شرحه فكل من يشك فيه كان كافراً قطعاً وهذه درجة عالية، ومن الناس من قال قوله تعالى: {لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ } خطاب مع القاذفين وجعله الله تعالى خيراً لهم من وجوه: أحدها: أنه صار ما نزل من القرآن مانعاً لهم من الاستمرار عليه فصار مقطعة لهم عن إدامة هذا الإفك وثانيها: صار خيراً لهم من حيث كان هذا الذكر عقوبة معجلة كالكفارة وثالثها: صار خيراً لهم من حيث تاب بعضهم عنده، واعلم أن هذا القول ضعيف لأنه تعالى خاطبهم بالكاف، ولما وصف أهل الإفك جعل الخطاب بالهاء بقوله تعالى: {لِكُلّ ٱمْرِىء مّنْهُمْ مَّا ٱكْتَسَبَ مِنَ ٱلإثْمِ } ومعلوم أن نفس ما اكتسبوه لا يكون عقوبة، فالمراد لهم جزاء ما اكتسبوه من العقاب في الآخرة والمذمة في الدنيا، والمعنى أن قدر العقاب يكون مثل قدر الخوض. أما قوله: {وَٱلَّذِى تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرىء كبره بالضم والكسر وهو عظمه. المسألة الثانية: قال الضحاك: الذي تولى كبره حسان ومسطح فجلدهما صلى الله عليه وسلم حين أنزل الله عذرها. وجلد معهما امرأة من قريش، وروي أن عائشة رضي الله عنها ذكرت حساناً وقالت: «أرجو له الجنة، فقيل أليس هو الذي تولى كبره؟ فقالت إذا سمعت شعره في مدح الرسول رجوت له الجنة» وقال عليه الصلاة والسلام: « حديث : إن الله يؤيد حساناً بروح القدس في شعره » تفسير : وفي رواية أخرى « وأي عذاب أشد من العمى » ولعل الله جعل ذلك العذاب العظيم ذهاب بصره، والأقرب في الرواية أن المراد به عبدالله بن أبي بن سلول فإنه كان منافقاً يطلب ما يكون قدحاً في الرسول عليه السلام، وغيره كان تابعاً له فيما كان يأتي، وكان فيهم من لا يتهم بالنفاق. المسألة الثالثة: المراد من إضافة الكبر إليه أنه كان مبتدئاً بذلك القول، فلا جرم حصل له من العقاب مثل ما حصل لكل من قال ذلك لقوله عليه الصلاة والسلام «حديث : من سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة» تفسير : وقيل سبب تلك الإضافة شدة الرغبة في إشاعة تلك الفاحشة وهو قول أبي مسلم. المسألة الرابعة: قال الجبائي قوله تعالى: {لِكُلّ ٱمْرِىء مّنْهُمْ مَّا ٱكْتَسَبَ مِنَ ٱلإثْمِ } أي عقاب ما اكتسب، ولو كانوا لا يستحقون على ذلك عقاباً لما جاز أن يقول تعالى ذلك، وفيه دلالة على أن من لم يتب منهم صار إلى العذاب الدائم في الآخرة، لأن مع استحقاق العذاب لا يجوز استقاق الثواب والجواب: أن الكلام في المحابطة قد مر غير مرة فلا وجه للإعادة، والله أعلم. أما سبب النزول فقد روى الزهري عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة بن أبي وقاص وعبيد الله بن عبدالله بن عقبة بن مسعود كلهم رووا عن عائشة قالت:« كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه فأيتهن خرج اسمها خرج بها معه، قالت فأقرع بيننا في غزوة غزاها قبل غزوة بني المصطلق فخرج فيها اسمي فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك بعد نزول آية الحجاب فحملت في هودج فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرب من المدينة نزل منزلاً ثم أذن بالرحيل فقمت حين أذنوا بالرحيل ومشيت حتى جاوزت الجيش فلما قضيت شأني وأقبلت إلى رحلي فلمست صدري فإذا عقد لي من جزع أظفار قد انقطع فرجعت والتمست عقدي وحبسني طلبه، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلونني فحملوا هودجي وهم يحسبون أني فيه لخفتي، فإني كنت جارية حديث السن، فظنوا أني في الهودج وذهبوا بالبعير، فلما رجعت لم أجد في المكان أحداً فجلست وقلت لعلهم يعودون في طلبي فنمت، وقد كان صفوان بن المعطل يمكث في العسكر يتتبع أمتعة الناس فيحمله إلى المنزل الآخر لئلا يذهب منهم شيء فلما رآني عرفني، وقال ما خلفك عن الناس؟ فأخبرته الخبر فنزل وتنحى حتى ركبت، ثم قاد البعير وافتقدني الناس حين نزلوا وماج الناس في ذكري، فبينا الناس كذلك إذ هجمت عليهم فتكلم الناس وخاضوا في حديثي، وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ولحقني وجع، ولم أر منه عليه السلام ما عهدته من اللطف الذي كنت أعرف منه حين أشتكي، إنما يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يقول كيف تيكمفذاك الذي يريبني، ولا أشعر بعد بما جرى حتى نقهت فخرجت في بعض الليالي مع أم مسطح لمهم لنا، ثم أقبلت أنا وأم مسطح قبل بيتي حين فرغنا من شأننا فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت تعس مسطح، فأنكرت ذلك وقلت أتسبين رجلاً شهد بدراً! فقالت وما بلغك الخبر! فقلت وما هو فقالـ(ـت) أشهد أنك من المؤمنات الغافلات، ثم أخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضاً على مرضي فرجعت أبكي، ثم دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال حديث : كيف تيكم، تفسير : فقلت ائذن لي أن آتي أبوي فأذن لي فجئت أبوي وقلت لأمي يا أمه ماذا يتحدث الناس؟ قالت يا بنية هوني عليك فوالله لقلما كانت امرأة وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها، ثم قالت ألم تكوني علمت ما قيل حتى الآن؟ فأقبلت أبكي فبكيت تلك الليلة ثم أصبحت أبكي فدخل علي أبي وأنا أبكي فقال لأمي ما يبكيها؟ قالت لم تكن علمت ما قيل فيها حتى الآن فأقبل يبكي ثم قال اسكتي يا بنية، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب عليه السلام وأسامة بن زيد واستشارهما في فراق أهله فقال أسامة يا رسول الله هم أهلك ولا نعلم إلا خيراً، وأما علي فقال لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية تصدقك فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة وسألها عن أمري قالت بريرة يا رسول الله والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمراً قط أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها حتى تأتي الداجن فتأكله، قالت فقام النبي صلى الله عليه وسلم خطيباً على المنبر، فقال حديث : يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهلي يعني عبدالله بن أبي فوالله ما علمت على أهلي إلا خيراً، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً وما كان يدخل على أهلي إلا معي، تفسير : فقام سعد بن معاذ فقال أعذرك يارسول الله منه إن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج فما أمرتنا فعلناه، فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وكان رجلاً صالحاً ولكن أخذته الحمية فقال لسعد بن معاذ كذبت والله لا تقدر على قتله، فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد بن معاذ وقال كذبت لعمر الله لنقتلنه وإنك لمنافق تجادل عن المنافقين، فثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فلم يزل يخفضهم حتى سكتوا، قالت ومكثت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدي، فبينا هما جالسان عندي وأنا أبكي إذ دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم ثم جلس، قالت ولم يجلس عندي منذ قيل في ما قيل ولقد لبث شهراً لا يوحي الله إليه في شأني شيئاً، ثم قال: حديث : أما بعد يا عائشة فإنه بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله تعالى وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا تاب تاب الله عليه تفسير : قالت فما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته، فاض دمعي ثم قلت لأبي أجب عني رسول الله، فقال والله ما أدري ما أقول، فقلت لأمي أجيبي عني رسول الله فقالت والله لا أدري ما أقول، فقلت وأنا جارية حديثة السن ما أقرأ من القرآن كثيراً إني والله لقد عرفت أنكم قد سمعتم بهذا حتى استقر في نفوسكم وصدقتم به فإن قلت لكم إني بريئة لا تصدقوني وإن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني بريئة لتصدقوني والله لا أجد لي ولكم مثلاً إلا كما قال العبد الصالح أبو يوسف ولم أذكر اسمه {أية : فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ } تفسير : [يوسف: 18] قالت ثم تحولت واضطجعت على فراشي، وأنا والله أعلم أن الله تعالى يبرئني ولكن والله ما كنت أظن أن ينزل في شأني وحياً يتلى فشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم الله في بأمر يتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله في النوم رؤيا يبرئني الله بها. قالت فوالله ما قام رسول الله من مجلسه ولا خرج من أهل البيت أحد حتى أنزل الله الوحي على نبيه، فأخذه ما كان يأخذه عند نزول الوحي حتى إنه ليتحدر عنه مثل الجمان من العرق في اليوم الشاتي من ثقل الوحي، فسجى بثوب ووضعت وسادة تحت رأسه فوالله ما فرغت ولا باليت لعلمي ببراءتي، وأما أبواي فوالله ما سرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظننت أن نفسي أبوي ستخرجان فرقاً من أن يأتي الله بتحقيق ما قال الناس، فلما سرى عنه وهو يضحك فكان أول كلمة تكلم بها أن قال: حديث : ابشري يا عائشة أما والله لقد برأك الله. تفسير : فقلت بحمد الله لا بحمدك ولا بحمد أصحابك، فقالت أمي قومي إليه، فقلت والله لا أقوم إليه ولا أحمد أحداً إلا الله أنزل براءتي، فأنزل الله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ جَاءوا بِٱلإفْكِ عُصْبَةٌ مّنْكُمْ} العشر آيات، فقال أبو بكر والله لا أنفق على مسطح بعد هذا وكان ينفق عليه لقرابته منه وفقره، فأنزل الله تعالى: { أية : وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ } تفسير : [النور: 22] إلى قوله: { أية : أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ } تفسير : [النور: 22] فقال أبو بكر: بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي فرجع النفقة على مسطح قالت فلما نزل عذري قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فذكر ذلك وتلا القرآن فلما نزل ضرب عبدالله بن أبي ومسطحاً وحمنة وحسان الحد».
القرطبي
تفسير : فيه ثمان وعشرون مسألة: الأولى: قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُوا بِٱلإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ} «عُصْبَةٌ» خبر «إنّ». ويجوز نصبها على الحال، ويكون الخبر {لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ مَّا ٱكْتَسَبَ مِنَ ٱلإِثْمِ}. وسبب نزولها ما رواه الأئمة من حديث الإفك الطويل في قصة عائشة رضوان الله عليها، وهو خبر صحيح مشهور، أغنى اشتهاره عن ذكره، وسيأتي مختصراً. وأخرجه البخارِيّ تعليقاً، وحديثه أتم. قال: وقال أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، وأخرجه أيضاً عن محمد بن كثير عن أخيه سليمان من حديث مسروق عن أم رُومان أم عائشة أنها قالت: لما رُميت عائشة خرّت مغشيًّا عليها. وعن موسى بن إسماعيل من حديث أبي وائل قال: «حدثني مسروق بن الأجدع قال: «حديث : حدثتني أمّ رومان وهي أم عائشة قالت: بينا أنا قاعدة أنا وعائشةُ إذ وَلَجت امرأة من الأنصار فقالت: فعل الله بفلان وفعل (بفلان)! فقالت أم رومان: وما ذاكِ؟ قالت اتّي فيمن حدّث الحديث! قالت: وما ذاك؟ قالت: كذا وكذا. قالت عائشة: سمع رسولُ الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: نعم. قالت: وأبو بكر؟ قالت: نعم! فخرّت مغشيًّا عليها؛ فما أفاقت إلا وعليها حُمَّى بنافضٍ، فطرحْتُ عليها ثيابها فغطيتها؛ فجاء النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: «ما شأن هذه؟» فقلت: يا رسول الله، أخذتها الحُمَّى بنافض. قال: «فلعلّ في حديثٍ تُحُدِّث به»قالت: نعم. فقعدت عائشة فقالت: والله، لئن حلفتُ لا تصدّقوني! ولئن قلت لا تَعْذِروني! مَثلي ومثلُكم كيعقوبَ وبَنِيه، واللَّهُ المستعان على ما تصفون. قالت: وانصرف ولم يقل شيئاً؛ فأنزل الله عذرها. قالت: بحمد الله لا بحمد أحد ولا بحمدك» تفسير : .قال أبو عبد الله الحميدي: كان بعض من لقينا من الحفاظ البغداديين يقول الإرسال في هذا الحديث أبْيَن، واستدلّ على ذلك بأن أم رومان تُوفّيت في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومسروقٌ لم يشاهد النبيّ صلى الله عليه وسلم بلا خلاف. وللبخاريّ من حديث عبيد الله بن عبد الله بن أبي مُليكة أن عائشة كانت تقرأ «إذْ تَلِقُونَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ» وتقول: الوَلْق الكذب. قال ابن أبي مُليكة: وكانت أعلمَ بذلك من غيرها لأنه نزل فيها. قال البخارِيّ: وقال مَعْمَر بن راشد عن الزهري: كان حديث الإفك في غَزْوَة الْمُرَيْسِيع. قال ابن إسحاق: وذلك سنة ستّ. وقال موسى بن عقبة: سنة أربع. وأخرج البخاري من حديث معمر عن الزُّهرِيّ قال: قال لي الوليد بن عبد الملك: أبلغك أن عليًّا كان فيمن قَذَف؟ قال: قلت: لا، ولكن قد أخبرني رجلان من قومك أبو سلمة بن عبد الرحمن وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن عائشة قالت لهما: كان عليٌّ مُسَلَّماً في شأنها. وأخرجه أبو بكر الإسماعيليّ في كتابه المخرج على الصحيح من وجه آخر من حديث معمر عن الزهري، وفيه: قال كنت عند الوليد بن عبد الملك فقال: الذي تولَّى كِبرْه منهم عليّ بن أبي طالب؟ فقلت لا، حدثني سعيد بن المسيّب وعُروة وعلقمة وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة كلّهم يقول سمعت عائشة تقول: والذي تولّى كبره عبدُ الله بن أبَيّ (بن سلول). وأخرج البخاري أيضاً من حديث الزهري عن عروة عن عائشة: والذي تولّى كِبْرَه منهم عبدُ الله بن أبَيّ. الثانية: قوله تعالى: {بِٱلإِفْكِ} الإفك الكذب. والعصبة ثلاثة رجال؛ قاله ابن عباس. وعنه أيضاً من الثلاثة إلى العشرة. ابن عُيينة: أربعون رجلاً. مجاهد: من عشرة إلى خمسة عشر. وأصلها في اللغة وكلام العرب الجماعةُ الذين يتعصّب بعضهم لبعض. والخير حقيقته ما زاد نفعه على ضره. والشرّ ما زاد ضره على نفعه. وإنّ خيراً لا شرَّ فيه هو الجنة. وشرًّا لا خير فيه هو جهنم. فأما البلاء النازل على الأولياء فهو خير؛ لأن ضرره من الألم قليل في الدنيا، وخيره هو الثواب الكثير في الأخرى. فنبّه الله تعالى عائشة وأهلها وصَفْوان، إذ الخطاب لهم في قوله: {لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ}؛ لرجحان النفع والخير على جانب الشر. الثالثة: حديث : لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعائشة معه في غَزْوة بني المُصْطَلِق وهي غزوة المُرَيْسِيع، وقَفَل ودنا من المدينة آذن ليلة بالرحيل قامت حين آذنوا بالرحيل فمشت حتى جاوزت الجيش، فلما فرغت من شأنها أقبلت إلى الرّحْل فلمست صدرها فإذا عِقدٌ من جَزْعِ ظَفَارِ قد انقطع، فرجعت فالتمسته فحبسها ابتغاؤه، فوجدته وانصرفت فلم تجد أحداً، وكانت شابَّة قليلة اللحم، فرفع الرجال هَوْدَجها ولم يشعروا بزوالها منه؛ فلما لم تجد أحداً اضطجعت في مكانها رجاء أن تُفتقد فيُرجع إليها، فنامت في الموضع ولم يوقظها إلا قول صَفْوان بن المُعَطَّل: إنا لِلَّه وإنا إليه راجعون؛ وذلك أنه كان تخلف وراء الجيش لحِفْظ الساقة. وقيل: إنها استيقظت لاسترجاعه، ونزل عن ناقته وتنحَّى عنها حتى ركبت عائشة، وأخذ يقودها حتى بلغ بها الجيش في نَحْر الظَّهِيرة؛ فوقع أهل الإفك في مقالتهم، وكان الذي يُجتمع إليه فيه ويَسْتَوْشِيهِ ويُشْعلُه عبدُ الله بن أُبَيٍّ بن سَلُول المنافق، وهو الذي رأى صفوان آخذاً بزمام ناقة عائشة فقال: والله ما نجت منه ولا نجا منها، وقال: امرأة نبيِّكم باتت مع رجل. وكان من قالته حسان بن ثابت ومِسْطح بن أُثَاثة وحَمْنَة بنت جَحْشتفسير : . هذا اختصار الحديث، وهو بكماله وإتقانه في البخاري ومسلم، وهو في مسلم أكمل. ولما بلغ صَفْوان قولُ حسان في الإفك جاء فضربه بالسيف ضربةً على رأسه وقال:شعر : تَلَقَّ ذُباب السيف عني فإنني غلام إذا هُوجِيت ليس بشاعر تفسير : فأخذ جماعة حسان ولَبَّبُوه وجاؤوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأهدر رسول الله صلى الله عليه وسلم جرح حسان واستوهبه إيّاه. وهذا يدل على أن حسان ممن تَوَلَّى الكِبْر؛ على ما يأتي والله أعلم. وكان صفوان هذا صاحبَ ساقة رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزواته لشجاعته، وكان من خيار الصحابة (رضي الله عنه وعنهم). وقيل: كان حَصُوراً لا يأتي النساء؛ ذكره ابن إسحاق من طريق عائشة. وقيل: كان له ابنان؛ يدل على ذلك حديثُه المروي مع امرأته، وقولُ النبيّ صلى الله عليه وسلم في ابنيه: «حديث : لهما أشبه به من الغراب بالغراب»تفسير : . وقوله في الحديث: والله ما كَشَفْت كَنَف أنثى قطّ؛ يريد بزنًى. وقتل شهيداً رضي الله عنه في غزوة أرمِينِيَة سنة تسع عشرة في زمان عمر، وقيل: ببلاد الروم سنة ثمان وخمسين في زمان معاوية. الرابعة: قوله تعالى: {لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ مَّا ٱكْتَسَبَ مِنَ ٱلإِثْمِ} يعني ممن تكلم بالإفك. ولم يُسَمَّ من أهل الإفك إلا حسان ومِسْطَح وحَمْنة وعبد الله؛ وجُهل الغير؛ قاله عروة بن الزبير، وقد سأله عن ذلك عبد الملك بن مروان، وقال: إلا أنهم كانوا عُصْبة؛ كما قال الله تعالى. وفي مصحف حَفْصة «عصبة أربعة». الخامسة: قوله تعالى: {وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ} وقرأ حُميد الأعرج ويعقوب «كُبْرَه» بضم الكاف. قال الفراء: وهو وجه جيّد؛ لأن العرب تقول: فلان تولَّى عُظْم كذا وكذا؛ أي أكبره. روي عن عائشة أنه حسان، وأنها قالت حين عَمِيَ: لعل العذاب العظيم الذي أوعده الله به ذهابُ بصره؛ رواه عنها مسروق. وروي عنها أنه عبد الله بن أبَيّ؛ وهو الصحيح، وقاله ابن عباس. وحكى أبو عمر بن عبد البر أن عائشة برّأت حسان من الفِرْية، وقالت: إنه لم يقل شيئاً. وقد أنكر حسان أن يكون قال شيئاً من ذلك في قوله:شعر : حَصَانٌ رَزَانٌ ما تُزَنَّ برِيبَةٍ وتُصبح غَرْثَى من لُحُوم الغَوافِلِ حَلِيلةُ خيرِ الناس دِيناً وَمَنْصِباً نَبِيِّ الهُدَى والمَكْرمات الفواضل عَقِيلةُ حَيٍّ من لُؤَيِّ بن غالبٍ كرامِ المساعِي مَجْدُها غيرُ زائل مُهَذّبةٌ قد طَيّب الله خِيمَها وطهّرها من كل شَيْن وباطل فإن كان ما بُلِّغْتِ أَنِّي قلتُه فلا رفعَتْ سَوْطي إليّ أناملي فكيف ووُدِّي ما حيِيتُ ونُصْرتِي لآل رسول الله زَيْنِ المحافل له رُتَبٌ عالٍ على الناس فضلها تقاصَرُ عنها سَوْرة المتطاول تفسير : وقد روي أنه لما أنشدها: حصان رزان؛ قالت له: لستَ كذلك؛ تريد أنك وقعت في الغوافل. وهذا تعارض، ويمكن الجمع بأن يقال: إن حساناً لم يقل ذلك نصاً وتصريحاً، ويكون عرّض بذلك وأوْمأ إليه فنُسب ذلك إليه؛ والله أعلم. وقد اختلف الناس فيه هل خاض في الإفك أم لا، وهل جلد الحدّ أم لا؛ فالله أعلم أيّ ذلك كان، وهي المسألة: السادسة: فروى محمد بن إسحاق وغيره: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم جلد في الإفك رجلين وامرأة: مِسْطَحا وحسان وحَمْنَة، وذكره الترمذي. وذكر القشيريّ عن ابن عباس قال: جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن أُبَيٍّ ثمانين جلدة، وله في الآخرة عذاب النار. قال القُشَيْريّ: والذي ثبت في الأخبار أنه ضرب ابن أبَيّ وضرب حسان وحمنة، وأما مِسْطح فلم يثبت عنه قذف صريح، ولكنه كان يسمع ويشيع من غير تصريح. قال الماوردي وغيره: اختلفوا هل حدّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أصحاب الإفك؛ على قولين: أحدهما أنه لم يحدّ أحداً من أصحاب الإفك لأن الحدود إنما تقام بإقرار أو ببيّنة، ولم يتعبّده الله أن يقيمها بإخباره عنها؛ كما لم يتعبّده بقتل المنافقين، وقد أخبره بكفرهم. قلت: وهذا فاسد مخالف لنص القرآن؛ فإن الله عز وجل يقول: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ} أي على صدق قولهم: {فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً}. والقول الثاني: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم حدّ أهل الإفك عبدَ الله بن أُبَيّ ومِسْطح بن أثَاثة وحسان بن ثابت وحَمْنة بنت جحش؛ وفي ذلك قال شاعر من المسلمين:شعر : لقد ذاق حسّان الذي كان أهلَه وحَمْنَةُ إذ قالوا هجيراً ومِسْطَحُ وابنُ سَلُولَ ذاق في الحَدّ خِزْية كما خاض في إفك من القول يُفْصِح تعاطَوْا برجم الغيب زَوْجَ نبيِّهم وسخطة ذي العرش الكريم فأبرحوا وآذوْا رسولَ الله فيها فَجُلِّلُوا مخازِيَ تبقى عُمِّمُوها وفُضِّحوا فصُبّ عليهم مُحْصَدات كأنها شآبيب قطر من ذُرَى المُزْن تَسْفَحُ تفسير : قلت: المشهور من الأخبار والمعروف عند العلماء أن الذي حُدّ حسان ومِسْطح وحَمْنةُ، ولم يُسمع بحدٍّ لعبد الله بن أبَيّ. روى أبو داود عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما نزل عُذْري قام النبيّ صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك، وتلا القرآن؛ فلما نزل من المنبر أمر بالرجلين والمرأة فضُرِبوا حدَّهم، وسمّاهم: حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحَمْنة بنت جحش. وفي كتاب الطحاوي «ثمانين ثمانين». قال علماؤنا. وإنما لم يُحدّ عبد الله بن أبَيّ لأن الله تعالى قد أعدّ له في الآخرة عذاباً عظيماً؛ فلو حُدّ في الدنيا لكان ذلك نقصاً من عذابه في الآخرة وتخفيفاً عنه مع أن الله تعالى قد شهد ببراءة عائشة رضي الله عنها وبكذب كل من رماها؛ فقد حصلت فائدة الحدّ، إذ مقصوده إظهار القاذف وبراءة المقذوف؛ كما قال الله تعالى: {فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون}. وإنما حدّ هؤلاء المسلمون ليكفر عنهم إثم ما صدر عنهم من القذف حتى لا يبقى عليهم تَبِعة من ذلك في الآخرة، وقد «حديث : قال صلى الله عليه وسلم في الحدود: «إنها كفارة لمن أقيمت عليه»»تفسير : ؛ كما في حديث عُبَادة بن الصامت. ويحتمل أن يقال: إنما ترك حدّ ابن أبيّ استئلافاً لقومه واحتراماً لابنه، وإطفاءً لثائرة الفتنة المتوقعة من ذلك، وقد كان ظهر مبادئها من سعد بن عُبَادة ومن قومه؛ كما في صحيح مسلم. والله أعلم. السابعة: قوله تعالى: {لَّوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً} هذا عتاب من الله سبحانه وتعالى للمؤمنين في ظنّهم حين قال أصحاب الإفك ما قالوا. قال ابن زيد: ظن المؤمنون أن المؤمن لا يفجر بأمّه؛ قاله المَهْدَوِيّ. و«لولا» بمعنى هَلاّ. وقيل: المعنى أنه كان ينبغي أن يقيس فضلاء المؤمنين والمؤمنات الأمرَ على أنفسهم؛ فإن كان ذلك يبعد فيهم فذلك في عائشة وصفوان أبعد. وروي أن هذا النظر السديد وقع من أبي أيوب الأنصاريّ وامرأته؛ وذلك أنه دخل عليها فقالت له: يا أبا أيوب، أسمعتَ ما قيل! فقال: نعم! وذلك الكذب! أكنتِ أنت يا أم أيوب تفعلين ذلك! قالت: لا والله! قال: فعائشة والله أفضل منك؛ قالت أم أيوب نعم. فهذا الفعل ونحوه هو الذي عاتب الله تعالى عليه المؤمنين إذ لم يفعله جميعهم. الثامنة: قوله تعالى: {بِأَنْفُسِهِمْ} قال النحاس؛ معنى «بأنفسهم» بإخوانهم. فأوجب الله على المسلمين إذا سمعوا رجلاً يقذف أحداً أو يذكره بقبيح لا يعرفونه به أن ينكروا عليه ويكذبوه. وتواعد من ترك ذلك ومن نقله. قلت: ولأجل هذا قال العلماء: إن الآية أصل في أن درجة الإيمان التي حازها الإنسان؛ ومنزلةَ الصلاح التي حلّها المؤمن، ولُبْسة العفاف التي يستتر بها المسلم لا يزيلها عنه خبر محتمل وإن شاع، إذا كان أصله فاسداً أو مجهولاً. التاسعة: قوله تعالى: {لَّوْلاَ جَآءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ} هذا توبيخ لأهل الإفك. و«لولا» بمعنى هلاّ؛ أي هلاّ جاؤوا بأربعة شهداء على ما زعموا من الافتراء. وهذا ردّ على الحكم الأوّل، وإحالة على الآية السابقة في آية القذف. العاشرة: قوله تعالى: {فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَآءِ فَأُوْلَـٰئِكَ عِندَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ} أي هم في حكم الله كاذبون. وقد يعجِز الرجل عن إقامة البينة وهو صادق في قذفه، ولكنه في حكم الشرع وظاهر الأمر كاذب لا في علم الله تعالى؛ وهو سبحانه إنما رتب الحدود على حكمه الذي شرعه في الدنيا لا على مقتضى علمه الذي تعلق بالإنسان على ما هو عليه، فإنما يبنى على ذلك حكم الآخرة. قلت: ومما يقوِّي هذا المعنى ويَعْضُده ما خرّجه البخاريّ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: أيها الناس إن الوَحْيَ قد انقطع وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيراً أمّناه وقرّبناه؛ وليس لنا من سريرته شيء الله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءاً لم نؤمّنه ولم نصدّقه، وإن قال إن سريرته حسنة. وأجمع العلماء أن أحكام الدنيا على الظاهر، وأن السرائر إلى الله عز وجل. الحادية عشرة: قوله تعالى: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} «فَضْلُ» رفع بالابتداء عند سيبويه، والخبر محذوف لا تظهره العرب. وحذف جواب «لولا» لأنه قد ذُكر مثله بعدُ؛ قال الله عز وجل: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} لمسّكم؛ أي بسبب ما قلتم في عائشة عذابٌ عظيم في الدنيا والآخرة. وهذا عتاب من الله تعالى بليغ، ولكنه برحمته ستر عليكم في الدنيا ويرحم في الآخرة من أتاه تائباً. والإفاضة: الأخذ في الحديث؛ وهو الذي وقع عليه العتاب؛ يقال: أفاض القوم في الحديث أي أخذوا فيه. الثانية عشرة: قوله تعالى: {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ} قراءة محمد بن السَّمَيْقَع بضم التاء وسكون اللام وضم القاف؛ من الإلقاء، وهذه قراءة بيّنة. وقرأ أبَيّ وابن مسعود «إذ تتلقّونه» من التّلَقّي، بتاءين. وقرأ جمهور السبعة بحرف التاء الواحدة وإظهار الذال دون إدغام؛ وهذا أيضاً من التلقي. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائيّ بإدغام الذال في التاء. وقرأ ابن كَثير بإظهار الذال وإدغام التاء في التاء؛ وهذه قراءة قَلِقة؛ لأنها تقتضي اجتماع ساكنين، وليست كالإدغام في قراءة من قرأ «فلا تناجَوْا. ولا تنابزوا» لأن دونه الألف الساكنة، وكونها حرفَ لِين حسنت هنالك ما لا تحسن مع سكون الذال. وقرأ ابن يَعْمَر وعائشة رضي الله عنهما ـ وهم أعلم الناس بهذا الأمر ـ «إذ تَلِقُونه» بفتح التاء وكسر اللام وضم القاف؛ ومعنى هذه القراءة من قول العرب: وَلَق الرجل يَلِق وَلْقاً إذا كذب واستمر عليه؛ فجاؤوا بالمتعدّي شاهداً على غير المتعدّي. قال ابن عطية: وعندي أنه أراد إذ تلقون فيه؛ فحذف حرف الجر فاتصل الضمير. وقال الخليل وأبو عمرو: أصل الوَلْق الإسراع؛ يقال: جاءت الإبل تَلِق؛ أي تسرع. قال:شعر : لما رأوا جيشاً عليهم قد طرق جاؤوا بأسراب من الشأم وَلِقْ إن الحُصَيْن زَلِق وزُمَّلِق جاءت به عَنْس من الشأمِ تَلِقْ تفسير : يقال: رجل زَلِق وزُمَلِق؛ مثال هُدَبِد، وزُمَالِق وزُمّلِق (بتشديد الميم) وهو الذي ينزل قبل أن يجامع؛ قال الراجز:شعر : إنّ الـحُـصـيـن زَلِـق وزُمَّـلِـق تفسير : والوَلْق أيضاً أخفّ الطعن. وقد وَلَقه يَلِقه وَلْقاً. يقال: وَلَقه بالسيف وَلَقات، أي ضربات؛ فهو مشترك. الثالثة عشرة: قوله تعالى: {وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ} مبالغة وإلزام وتأكيد. والضمير في «تَحْسَبُونَهُ» عائد على الحديث والخوض فيه والإذاعة له. و{هَيِّناً} أي شيئاً يسيراً لا يلحقكم فيه إثم. {وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ} في الوزر {عَظِيمٌ }. وهذا مثل قوله عليه السلام في حديث القَبْرَين: «حديث : إنهما ليُعَذَّبان وما يُعَذَّبان في كبير» تفسير : أي بالنسبة إليكم. الرابعة عشرة: قوله تعالى: {وَلَوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَـٰذَا سُبْحَانَكَ هَـٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ * يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَداً إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ * وَيُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَاتِ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } عتاب لجميع المؤمنين؛ أي كان ينبغي عليكم أن تنكروه ولا يتعاطاه بعضكم من بعض على جهة الحكاية والنقل، وأن تنزهوا الله تعالى عن أن يقع هذا من زوج نبيّه عليه الصلاة والسلام، وأن تحكموا على هذه المقالة بأنها بهتان؛ وحقيقة البهتان أن يقال في الإنسان ما ليس فيه، والغِيبة أن يقال في الإنسان ما فيه. وهذا المعنى قد جاء في صحيح الحديث عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. ثم وعظهم تعالى في العودة إلى مثل هذه الحالة. و«أنْ» مفعول من أجله، بتقدير: كراهية أن، ونحوه. الخامسة عشرة: قوله تعالى: {إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ} توقيف وتوكيد؛ كما تقول: ينبغي لك أن تفعل كذا وكذا إن كنت رجلاً. السادسة عشرة: قوله تعالى: {يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَداً} يعني في عائشة؛ لأن مثله لا يكون إلا نظير القول في المقُول عنه بعينه، أو فيمن كان في مرتبته من أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ لما في ذلك من إذاية رسول الله صلى الله عليه وسلم في عِرْضه وأهله؛ وذلك كفر من فاعله. السابعة عشرة: قال هشام بن عمار سمعت مالكاً يقول: من سَبّ أبا بكر وعمر أدّب، ومن سبّ عائشة قُتل؛ لأن الله تعالى يقول: {يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَداً إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ }؛ فمن سَبّ عائشة فقد خالف القرآن، ومن خالف القرآن قُتل. قال ابن العربيّ: «قال أصحاب الشافعيّ من سبّ عائشة رضي الله عنها أُدّب كما في سائر المؤمنين، وليس قوله {إن كنتم مؤمنين} في عائشة لأن ذلك كفر، وإنما هو كما قال عليه السلام: «حديث : لا يؤمِن من لا يأمن جارُه بوائَقه»تفسير : . ولو كان سلب الإيمَان في سبّ من سبّ عائشة حقيقة لكان سلبه في قوله: «حديث : لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» تفسير : حقيقة. قلنا: ليس كما زعمتم؛ فإن أهل الإفك رَمَوْا عائشة المطهرة بالفاحشة فبرأها الله تعالى فكل من سبها بما برأها الله منه مكذّب لله، ومن كذّب الله فهو كافر؛ فهذا طريق قول مالك، وهي سبيل لائحة لأهل البصائر. ولو أن رجلاً سبّ عائشة بغير ما برأها الله منه لكان جزاؤه الأدب». الثامنة عشرة: قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلْفَاحِشَةُ} أي تفشو؛ يقال: شاع الشيء شُيُوعاً وشَيْعاً وشَيَعاناً وشَيْعُوعة؛ أي ظهر وتفرّق. {فِي ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي في المحصنين والمحصنات. والمراد بهذا اللفظِ العام عائشةُ وصَفْوان رضي الله عنهما. والفاحشة: الفعل القبيح المُفْرِط القبح. وقيل: الفاحشة في هذه الآية القولُ السيء. {لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي ٱلدُّنْيَا} أي الحدّ. وفي الآخِرةِ عذاب النار؛ أي للمنافقين، فهو مخصوص. وقد بينا أن الحَدّ للمؤمنين كفارة. وقال الطبري: معناه إن مات مُصِرًّا غير تائب. التاسعة عشرة: قوله تعالى: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ} أي يعلم مقدار عظم هذا الذنب والمجازاة عليه، ويعلم كل شيء. {وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} روي من حديث أبي الدَّرْدَاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أيُّما رجلٍ شَدّ عَضُدَ امرىء من الناس في خصومة لا علم له بها فهو في سخط الله حتى ينزِع عنها. وأيّما رجل قال بشفاعته دون حدّ من حدود الله أن يقام فقد عاند الله حقاً وأقدم على سخطه وعليه لعنة الله تتابع إلى يوم القيامة. وأيما رجل أشاع على رجل مسلم كلمةً وهو منها بريء يرى أن يَشينه بها في الدنيا كان حقاً على الله تعالى أن يرميه بها في النار ـ ثم تلا مصداقه من كتاب الله تعالى ـ: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلْفَاحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} »تفسير : الآية. الموفية عشرين: قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ} يعني مسالكه ومذاهبه؛ المعنى: لا تسلكوا الطريق الذي يدعوكم إليها الشيطان. وواحد الخُطُوات خُطْوة، وهو ما بين القدمين. والخَطْوة (بالفتح) المصدر؛ يقال: خَطَوتُ خَطْوة، وجمعها خَطَوات. وتخطّى إلينا فلان؛ ومنه الحديث أنه رأى رجلاً يَتخطَّى رقابَ الناس يوم الجمعة. وقرأ الجمهور «خُطُوات» بضم الطاء. وسكّنها عاصم والأعمش. وقرأ الجمهور {مَا زَكَى} بتخفيف الكاف؛ أي ما اهتدى ولا أسلم ولا عرف رُشْداً. وقيل: {ما زكى} أي ما صلح؛ يقال: زَكَا يَزكو زَكاء؛ أي صلح. وشدّدها الحسن وأبو حَيْوة؛ أي أن تزكيته لكم وتطهيره وهدايته إنما هي بفضله لا بأعمالكم. وقال الكسائي: {يأيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان} معترض، وقوله: {ما زكى منكم من أحدٍ أبداً} جواب لقوله أولاً وثانياً {ولولا فضل الله عليكم}. الحادية والعشرون: قوله تعالى: {وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ} الآية. المشهور من الروايات أن هذه الآية نزلت في قصة أبي بكر بن أبي قُحافة رضي الله عنه ومِسْطح بن أثَاثة. وذلك أنه كان ابن بنت خالته وكان من المهاجرين البَدْرِيِّين المساكين. وهو مِسْطح بن أُثَاثة بن عَبّاد بن المطلب بن عبد مناف. وقيل: اسمه عَوف، ومسطح لقب. وكان أبو بكر رضي الله عنه ينفق عليه لمسكنته وقرابته؛ فلما وقع أمر الإفك وقال فيه مسطح ما قال، حلف أبو بكر ألا ينفق عليه ولا ينفعه بنافعة أبداً، فجاء مسطح فاعتذر وقال: إنما كنت أغشى مجالس حسان فأسمع ولا أقول. فقال له أبو بكر: لقد ضحكت وشاركت فيما قيل؛ ومَرّ على يمينه، فنزلت الآية. وقال الضحاك وابن عباس: إن جماعة من المؤمنين قطعوا منافعهم عن كل من قال في الإفك وقالوا: والله لا نصِل من تكلم في شأن عائشة؛ فنزلت الآية في جميعهم. والأول أصح؛ غير أن الآية تتناول الأمة إلى يوم القيامة بألا يغتاظ ذو فضل وسَعة فيحلف ألا ينفع من هذه صفته غابرَ الدهر. وروى الصحيح أن الله تبارك وتعالى لما أنزل {إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم} العشر آيات، قال أبو بكر وكان ينفق على مِسطح لقرابته وفقره: واللَّهِ لا أنفق عليه شيئاً أبداً بعد الذي قال لعائشة؛ فأنزل الله تعالى {وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ ـ إلى قوله ـ أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ}. قال عبد الله بن المبارك: هذه أرْجَى آية في كتاب الله تعالى؛ فقال أبو بكر؛ والله إني لأحِبّ أن يغفر الله لي؛ فرجَع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه وقال: لا أنْزِعُها منه أبداً. الثانية والعشرون: في هذه الآية دليل على أن القذف وإن كان كبيراً لا يُحبط الأعمال؛ لأن الله تعالى وصف مِسْطحاً بعد قوله بالهجرة والإيمان؛ وكذلك سائر الكبائر؛ ولا يحبط الأعمال غير الشرك بالله، قال الله تعالى: {أية : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} تفسير : [الزمر: 65]. الثالثة والعشرون: من حلف على شيء لا يفعله فرأى فعله أوْلَى منه أتاه وكفّر عن يمينه، أو كفّر عن يمينه وأتاه؛ كما تقدم في «المائدة». ورأى الفقهاء أن من حلف ألا يفعل سُنّة من السنن أو مندوباً وأبّد ذلك أنها جُرْحة في شهادته؛ ذكره الباجي في المنتقى. الرابعة والعشرون: قوله تعالى: {وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ} «ولا يأتل» معناه يحلف؛ وزنها يفتعل، من الألِيّة وهي اليمين؛ ومنه قوله تعالى: {أية : لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ} تفسير : [البقرة: 226]؛ وقد تقدم في «البقرة». وقالت فرقة: معناه يُقَصّر؛ من قولك: ألَوْتُ في كذا إذا قصرت فيه؛ ومنه قوله تعالى: {أية : لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً} تفسير : [آل عمران: 118]. الخامسة والعشرون: قوله تعالى: {أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ} تمثيل وحجة؛ أي كما تحبون عفو الله عن ذنوبكم فكذلك اغفروا لمن دونكم؛ وينظر إلى هذا المعنى قوله عليه السلام: «حديث : من لا يرحم لا يرحم».تفسير : السادسة والعشرون: قال بعض العلماء: هذه أرْجَى آية في كتاب الله تعالى، من حيث لطف الله بالقذفة العصاة بهذا اللفظ. وقيل: أرجى آية في كتاب الله عز وجل قوله تعالى: {أية : وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ فَضْلاً كِبِيراً} تفسير : [الأحزاب: 47]. وقد قال تعالى في آية أخرى: {أية : وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ ٱلْجَنَّاتِ لَهُمْ مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ} تفسير : [الشورى: 22]؛ فشرح الفضل الكبير في هذه الآية، وبشر به المؤمنين في تلك. ومن آيات الرجاء قوله تعالى: {أية : قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ} تفسير : [الزمر: 53] وقوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ} تفسير : [الشورى: 19]. وقال بعضهم: أرْجَى آية في كتاب الله عز وجل: {أية : وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ} تفسير : [الضحى: 5]؛ وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرضى ببقاء أحد من أمته في النار. السابعة والعشرون: قوله تعالى: {أَن يُؤْتُوۤاْ} أي لا يؤتوا، فحذف «لا»؛ كقول القائل:شعر : فـقلـت يمـيـن اللَّهِ أبْـرَحُ قـاعـداً تفسير : ذكره الزجاج. وعلى قول أبي عبيدة لا حاجة إلى إضمار «لا». {وَلْيَعْفُواْ} من عَفا الربع أي دَرَسَ؛ فهو مَحْوُ الذنب كما يعفو أثر الربع.
البيضاوي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ جَاءوا بِٱلإِفْكِ } بأبلغ ما يكون من الكذب من الإِفك، وهو الصرف لأنه قول مأفوك عن وجهه، والمراد ما أفك به على عائشة رضي الله تعالى عنها. وذلك أنه عليه الصلاة والسلام استصحبها في بعض الغزوات فأذن ليلة في القفول بالرحيل، فمشت لقضاء حاجة ثم عادت إلى الرحل فلمست صدرها فإذا عقد من جزع ظفار قد انقطع، فرجعت لتلتمسه فظن الذي كان يرحلها أنها دخلت الهودج فرحله على مطيتها وسار، فلما عادت إلى منزلها لم تجد ثمة أحداً فجلست كي يرجع إليها منشد، وكان صفوان بن المعطل السلمي رضي الله عنه قد عرس وراء الجيش فأدلج فأصبح عند منزلها فعرفها فأناخ راحلته فركبتها فقادها حتى أتيا الجيش فاتهمت به. {عُصْبَةٌ مّنْكُمْ } جماعة منكم وهي من العشرة إلى الأربعين وكذلك العصابة، يريد عبد الله بن أبي، وزيد بن رفاعة، وحسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش ومن ساعدهم، وهي خبر إن وقوله: {لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ } مستأنف والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعائشة وصفوان رضي الله تعالى عنهم والهاء للإِفك. {بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } لاكتسابكم به الثواب العظيم وظهور كرامتكم على الله بإنزال ثماني عشرة آية في براءتكم، وتعظيم شأنكم وتهويل الوعيد لمن تكلم فيكم والثناء على من ظن بكم خيراً. {لِكُلّ ٱمْرِىءٍ مّنْهُمْ مَّا ٱكْتَسَبَ مِنَ ٱلإثْمِ } لكل جزاء ما اكتسب بقدر ما خاض فيه مختصاً به. {وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ} معظمه وقرأ يعقوب بالضم وهو لغة فيه. {مِنْهُمْ } من الخائضين وهو ابن أبي فإنه بدأ به وأذاعه عداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو هو وحسان ومسطح فإنهما شايعاه بالتصريح به {وَٱلَّذِي} بمعنى الذين. {لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} في الآخرة أو في الدنيا بأن جلدوا وصار ابن أبي مطروداً مشهوراً بالنفاق، وحسان أعمى أشل اليدين، ومسطح مكفوف البصر. {لَّوْلاَ} هلا. {إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً} بالذين منهم من المؤمنين والمؤمنات كقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ }تفسير : وإنما عدل فيه من الخطاب إلى الغيبة مبالغة في التوبيخ وإشعاراً بأن الإِيمان يقتضي ظن الخير بالمؤمنين والكف عن الطعن فيهم وذب الطاعنين عنهم كما يذبونهم عن أنفسهم. وإنما جاز الفصل بين {لَوْلاَ} وفعله بالظرف لأنه منزل منزلته من حيث إنه لا ينفك عنه وذلك يتسع فيه ما لا يتسع في غيره، وذلك لأن ذكر الظرف أهم فإن التحضيض على أن لا يخلوا بأوله. {وَقَالُواْ هَـٰذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ } كما يقول المستيقن المطلع على الحال. {لَّوْلاَ جَآءُو عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَـٰئِكَ عِندَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْكَـٰذِبُونَ } من جملة المقول تقريراً لكونه كذباً فإن ما لا حجة عليه كذب عند الله أي في حكمه، ولذلك رتب الحد عليه. {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةِ} لولا هذه لامتناع الشيء لوجود غيره، والمعنى لولا فضل الله عليكم في الدنيا بأنواع النعم التي من جملتها الإِمهال للتوبة {وَرَحْمَتُهُ} في الآخرة بالعفو والمغفرة المقدران لكم. {لَمَسَّكُمْ} عاجلاً. {فِيمَا أَفَضْتُمْ} خضتم. {فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} يستحقر دونه اللوم والجلد. {إِذْ} ظرف {لَمَسَّكُمْ} أو {أَفَضْتُمْ}. {تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ} يأخذه بعضكم من بعض بالسؤال عنه يقال تلقى القول كتلقفه وتلقنه، قرىء «تتلقونه» على الأصل و {تَلَقَّوْنَهُ} من لقيه إذا لقفه و {تَلَقَّوْنَهُ} بكسر حرف المضارعة و {تَلَقَّوْنَهُ} من إلقائه بعضهم على بعض، و {تَلَقَّوْنَهُ} و «تألقونه» من الألق والألق وهو الكذب، و «تثقفونه» من ثقفته إذا طلبته فوجدته و «تقفونه» أي تتبعونه. {وَتَقُولُونَ بِأَفْوٰهِكُمْ} أي وتقولون كلاماً مختصاً بالأفواه بلا مساعدة من القلوب. {مَّا لَّيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} لأنه ليس تعبيراً عن علم به في قلوبكم كقوله تعالى: {أية : يَقُولُونَ بِأَفْوٰهِهِم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ }تفسير : [آل عمران: 167] {وَتَحْسَبُونَهُ هَيّناً} سهلاً لا تبعة له. {وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٌ} في الوزر واستجرار العذاب، فهذه ثلاثة آثام مترتبة علق بها مس العذاب العظيم، تلقي الإِفك بألسنتهم والتحدث به من غير تحقق واستصغارهم لذلك وهو عند الله عظيم. {وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَّا يَكُونُ لَنَا} ما ينبغي وما يصح لنا. {أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَـٰذَا} يجوز أن تكون الإِشارة إلى القول المخصوص وأن تكون إلى نوعه، فإن قذف آحاد الناس محرم شرعاً فضلاً عن تعرض الصديقة ابنة الصديق حرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم. {سُبْحَـٰنَكَ} تعجب من ذلك الإِفك أو ممن يقول ذلك، وأصله أن يذكر عند كل متعجب تنزيهاً لله تعالى من أن يصعب عليه مثله ثم كثر فاستعمل لكل متعجب، أو تنزيه لله تعالى من أن تكون حرمة نبيه فاجرة فإن فجورها ينفر عنه ويخل بمقصود الزواج بخلاف كفرها فيكون تقريراً لما قبله وتمهيداً لقوله: {هَـٰذَا بُهْتَـٰنٌ عَظِيمٌ} لعظمة المبهوت عليه فإن حقارة الذنوب وعظمها باعتبار متعلقاتها. {يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ} كراهة أن تعودوا أو في أن تعودوا. {أَبَدًا} ما دمتم أحياء مكلفين. {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} فإِن الإِيمان يمنع عنه وفيه تهييج وتقريع. {وَيُبَيّنُ لَكُمُ الأَيَـٰتِ} الدالة على الشرائع ومحاسن الآداب كي تتعظوا وتتأدبوا. {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ} بالأحوال كلها. {حَكِيمٌ } في تدابره ولا يجوز الكشخنة على نبيه ولا يقرره عليها. {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ} يريدون. {أَن تَشِيعَ} أن تنتشر. {ٱلْفَـٰحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةِ} بالحد والسعير إلى غير ذلك. {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ } ما في الضمائر. {وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } فعاقبوا في الدنيا على ما دل عليه الظاهر والله سبحانه يعاقب على ما في القلوب من حب الإِشاعة. {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} تكرير للمنة بترك المعاجلة بالعقاب للدلالة على عظم الجريمة ولذا عطف قوله: {وَأَنَّ ٱللَّهَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} على حصول فضله ورحمته عليهم وحذف الجواب وهو مستغنى عنه بذكره مرة. {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ } بإشاعة الفاحشة، وقرىء بفتح الطاء وقرأ نافع والبزي وأبو عمرو وأبو بكر وحمزة بسكونها. {وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَاء وَٱلْمُنْكَرِ } بيان لعلة النهي عن اتباعه، و «الفحشاء» ما أفرط قبحه، و «المنكر» ما أنكره الشرع. {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ } بتوفيق التوبة الماحية للذنوب وشرع الحدود المكفرة لها {مَا زَكَى} ما طهر من دنسها. {مِنكُم مّنْ أَحَدٍ أَبَداً } آخر الدهر. {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاء} بحمله على التوبة وقبولها. {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ } لمقالهم. {عَلِيمٌ } بنياتهم. {وَلاَ يَأْتَلِ } ولا يحلف افتعال من الألية، أو ولا يقصر من الألو، ويؤيد الأول أنه قرىء ولا «يتأل». وأنه نزل في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وقد حلف أن لا ينفق على مسطح بعد وكان ابن خالته وكان من فقراء المهاجرين. {أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ } في الدين. {وَٱلسَّعَةِ } في المال. وفيه دليل على فضل أبي بكر وشرفه رضي الله تعالى عنه. {أَن يُؤْتُواْ } على أن لا {يُؤْتُواْ }، أو في {أَن يُؤْتُواْ }. وقرىء بالتاء على الالتفات. {أُوْلِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينَ وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ } صفات لموصوف واحد، أي ناساً جامعين لها لأن الكلام فيمن كان كذلك، أو لموصوفات أقيمت مقامها فيكون أبلغ في تعليل المقصود. {وَلْيَعْفُواْ} عما فرط منهم. {وَلْيَصْفَحُواْ} بالإِغماض عنه. {أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ } على عفوكم وصفحكم وإحسانكم إلى من أساء إليكم. {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } مع كمال قدرته فتخلقوا بأخلاقه.حديث : روي أنه عليه الصلاة والسلام قرأها على أبي بكر رضي الله تعالى عنه فقال: بلى أحب ورجع إلى مسطح نفقته. تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ} العفائف. {ٱلْغَـٰفِلَـٰتِ } عما قذفن به. {ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ } بالله وبرسوله استباحة لعرضهن وطعناً في الرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنين كابن أبي. {لُعِنُواْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةِ} لما طعنوا فيهن. {وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ } لعظم ذنوبهم، وقيل هو حكم كل قاذف ما لم يتب، وقيل مخصوص بمن قذف أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ولذلك قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: لا توبة له، ولو فتشت وعيدات القرآن لم تجد أغلظ مما نزل في إفك عائشة رضي الله تعالى عنها. {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ} ظرف لما في لهم من معنى الاستقرار لا للعذاب لأنه موصوف، وقرأ حمزة والكسائي بالياء للتقدم والفصل. {أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } يعترفون بها بإنطاق الله تعالى إياها بغير اختيارهم، أو بظهوره آثاره عليها وفي ذلك مزيد تهويل للعذاب. {يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ ٱللَّهُ دِينَهُمُ ٱلْحَقَّ } جزاءهم المستحق. {وَيَعْلَمُونَ } لمعاينتهم الأمر. {أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ٱلْمُبِينُ } الثابت بذاته الظاهر ألوهيته لا يشاركه في ذلك غيره ولا يقدر على الثواب والعقاب سواه، أو ذو الحق البين أي العادل الظاهر عدله ومن كان هذا شأنه ينتقم من الظالم للمظلوم لا محالة.
ابن كثير
تفسير : هذه العشر آيات كلها نزلت في شأن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، حين رماها أهل الإفك والبهتان من المنافقين بما قالوه من الكذب البحت والفرية التي غار الله عز وجل لها ولنبيه صلوات الله وسلامه عليه، فأنزل الله تعالى براءتها؛ صيانة لعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُوا بِٱلإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ} أي: جماعة منكم، يعني: ما هو واحد، ولا اثنان، بل جماعة، فكان المقدم في هذه اللعنة عبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين، فإنه كان يجمعه ويستوشيه، حتى دخل ذلك في أذهان بعض المسلمين، فتكلموا به، وجوزه آخرون منهم، وبقي الأمر كذلك قريباً من شهر حتى نزل القرآن، وسياق ذلك في الأحاديث الصحيحة. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنامعمر عن الزهري قال: أخبرني سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن حديث عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فبرأها الله تعالى، وكلهم قد حدثني بطائفة من حديثها، وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض، وأثبت له اقتصاصاً، وقد وعيت عن كل واحدٍ منهم الحديث الذي حدثني عن عائشة، وبعض حديثهم يصدق بعضاً، ذكروا أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج لسفر، أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها، خرج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم معه، قالت عائشة رضي الله عنها: فأقرع بيننا في غزوة غزاها، فخرج فيها سهمي، وخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك بعدما أنزل الحجاب، فأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه مسيرنا، حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته تلك وقفل، ودنونا من المدينة، آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذن بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني، أقبلت إلى رحلي، فلمست صدري، فإذا عقد لي من جزع ظفار قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي، فحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلونني، فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب، وهم يحسبون أني فيه، قالت: وكان النساء إذ ذاك خفافاً لم يهبلهنَّ ولم يغشهن اللحم، إنما يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه وحملوه، وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل وساروا، ووجدت عقدي بعدما استمر الجيش، فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب، فتيممت منزلي الذي كنت فيه، وظننت أن القوم سيفقدونني فيرجعون إلي، فبينا أنا جالسة في منزلي، غلبتني عيناي فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني قد عرس من وراء الجيش، فأدلج فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني فعرفني حين رآني، وقد كان يراني قبل أن يضرب علي الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي، والله ما كلمني كلمة، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، حتى أناخ راحلته، فوطىء على يدها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعدما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة، فهلك من هلك في شأني، وكان الذي تولى كبره عبد الله بن أبي ابن سلول، فقدمنا المدينة، فاشتكيت حين قدمناها شهراً، والناس يفيضون في قول أهل الإفك، ولا أشعر بشيء من ذلك، وهو يريبني في وجعي أني لا أرى من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف الذي أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسلم ثم يقول: «حديث : كيف تيكم؟» تفسير : فذلك الذي يريبني، ولا أشعر بالشر حتى خرجت بعدما نقهت، وخرجت معي أم مسطح قبل المناصع، وهو متبرزنا، ولا نخرج إلا ليلاً إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريباً من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في التنزه في البرية، وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها في بيوتنا، فانطلقت أنا وأم مسطح، وهي بنت أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف، وأمها ابنة صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق، وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب، فأقبلت أنا وابنة أبي رهم أم مسطح قبل بيتي حين فرغنا من شأننا، فعثرت أم مسطح في مرطها، فقالت: تعس مسطح، فقلت لها: بئسما قلت، تسبين رجلاً شهد بدراً؟ فقالت: أي هنتاه ألم تسمعي ما قال؟ قلت: وماذا قال؟ قالت: فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضاً إلى مرضي، فلما رجعت إلى بيتي، دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم، ثم قال: «حديث : كيف تيكم؟» تفسير : فقلت له: أتأذن لي أن آتي أبوي؟ قالت: وأنا حينئذ أريد أن أتيقن الخبر من قبلهما، فأذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئت أبوي، فقلت لأمي: يا أمتاه ما يتحدث الناس به؟ فقالت: أي بنية هوني عليك، فو الله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها، ولها ضرائر، إلا أكثرن عليها. قالت: فقلت: سبحان الله أوقد تحدث الناس بها؟ فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت. لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت أبكي، قالت: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يستشيرهما في فراق أهله، قالت: فأما أسامة بن زيد، فأشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم في نفسه لهم من الود، فقال أسامة: يا رسول الله هم أهلك، ولا نعلم إلا خيراً. وأما علي بن أبي طالب فقال: يا رسول الله لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية تصدقك الخبر. قالت: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة، فقال: «حديث : أي بريرة هل رأيت من شيء يريبك من عائشة؟» تفسير : فقالت له بريرة: والذي بعثك بالحق إن رأيت منها أمراً قط أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن، تنام عن عجين أهلها، فتأتي الداجن فتأكله. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من يومه، فاستعذر من عبد الله بن أبي ابن سلول، قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر: «حديث : يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهلي، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيراً، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً، وما كان يدخل على أهلي إلا معي» تفسير : فقام سعد بن معاذ الأنصاري رضي الله عنه فقال: أنا أعذرك منه يا رسول الله إن كان من الأوس، ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج، أمرتنا ففعلنا بأمرك، قالت: فقام سعد بن عبادة، وهو سيد الخزرج، وكان رجلاً صالحاً، ولكن احتملته الحمية، فقال لسعد بن معاذ: لعمر الله لا تقتله، ولا تقدر على قتله، فقام أسيد بن حضير، وهو ابن عم سعد بن معاذ، فقال لسعد بن عبادة: كذبت، لعمر الله لنقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين، فتثاور الحيان: الأوس والخزرج، حتى هموا أن يقتتلوا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائمٌ على المنبر، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا، وسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: وبكيت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدي، قال: فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي، استأذنت عليّ امرأة من الأنصار، فأذنت لها، فجلست تبكي معي، فبينا نحن على ذلك، إذ دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم ثم جلس، قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل، وقد لبث شهراً لا يوحى إليه في شأني شيء، قالت: فتشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جلس، ثم قال: «حديث : أما بعد يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة، فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب، فاستغفري الله ثم توبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبٍ ثم تاب، تاب الله عليه» تفسير : قالت: فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته، قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة، فقلت لأبي: أجب عني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت لأمي: أجيبي عني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: فقلت، وأنا جارية حديثة السن لا أحفظ كثيراً من القرآن: والله لقد علمت أنكم قد سمعتم بهذا الحديث حتى استقر في أنفسكم، وصدقتم به، ولئن قلت لكم: إني بريئة، والله يعلم أني بريئة، لا تصدقونني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر، والله يعلم أني بريئة، لتصدقني، وإني والله ما أجد لي ولكم مثلاً إلا كما قال أبو يوسف: {أية : فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ} تفسير : [يوسف: 18] قالت: ثم تحولت فاضطجعت على فراشي، قالت: وأنا والله حينئذٍ أعلم أني بريئة، وأن الله تعالى مبرئي ببراءتي، ولكن والله ما كنت أظن أن ينزل في شأني وحي يتلى، ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم الله فيّ بأمر يتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرئني الله بها. قالت: فوالله ما رام رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسه، ولا خرج من أهل البيت أحد، حتى أنزل الله تعالى على نبيه، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي، حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق، وهو في اليوم الشاتي؛ من ثقل القول الذي أنزل عليه، قالت: فلما سُرِّي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال: «حديث : أبشري يا عائشة أما الله عز وجل، فقد برأك» تفسير : قالت: فقالت لي أمي: قومي إليه، فقلت: والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله عز وجل، هو الذي أنزل براءتي، وأنزل الله عز وجل: {إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُوا بِٱلإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ} العشر آيات كلها، فأنزل الله هذه الآيات في براءتي. قالت: فقال أبو بكر رضي الله عنه، وكان ينفق على مسطح بن أثاثة؛ لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق عليه شيئاً أبداً بعد الذي قال لعائشة، فأنزل الله تعالى: {وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤْتُوۤاْ أُوْلِى ٱلْقُرْبَىٰ} ــــ إلى قوله ــــ {أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} فقال أبو بكر: بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبداً. قالت عائشة: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلم عن أمري، فقال: «حديث : يا زينب ماذا علمت أو رأيت؟» تفسير : فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت إلا خيراً، قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فعصمها الله تعالى بالورع. وطفقت أختها حمنة بنت جحش تحارب لها، فهلكت فيمن هلك. قال ابن شهاب: فهذا ما انتهى إلينا من أمر هؤلاء الرهط، أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث الزهري، وهكذا رواه ابن إسحاق عن الزهري كذلك، قال: وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها، وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري عن عمرة، عن عائشة بنحو ما تقدم، والله أعلم. ثم قال البخاري: وقال أبو أسامة عن هشام بن عروة قال: أخبرني أبي عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما ذكر من شأني الذي ذكر، وما علمت به، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فيّ خطيباً، فتشهد فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، أشيروا علي في أناس أبنوا أهلي، وايم الله ما علمت على أهلي إلا خيراً، وما علمت على أهلي من سوء، وأبنوهم بمن؟ والله ما علمت عليه من سوء قط، ولا يدخل بيتي قط إلا وأنا حاضر، ولا غبت في سفر إلا غاب معي، فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: يا رسول الله أئذن لنا أن نضرب أعناقهم، فقام رجل من الخزرج، وكانت أم حسان بن ثابت من رهط ذلك الرجل، فقال: كذبت، أما والله لو كانوا من الأوس، ما أحببت أن تضرب أعناقهم، حتى كاد أن يكون بين الأوس والخزرج شر في المسجد، وما علمت، فلما كان مساء ذلك اليوم، خرجت لبعض حاجتي، ومعي أم مسطح، فعثرت، فقالت: تعس مسطح، فقلت لها: أي أم، أتسبين ابنك؟. فسكتت، ثم عثرت الثانية، فقالت: تعس مسطح، فقلت لها أي أم تسبين ابنك؟ ثم عثرت الثالثة فقالت: تعس مسطح فانتهرتها، فقالت: والله ما أسبه إلا فيك، فقلت: في أي شأني؟ قالت: فبقرت لي الحديث، فقلت: وقد كان هذا؟ قالت: نعم والله، فرجعت إلى بيتي، كأن الذي خرجت له لا أجد منه قليلاً ولا كثيراً، ووعكت، وقلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلني إلى بيت أبي، فأرسل معي الغلام، فدخلت الدار، فوجدت أم رومان في السفل، وأبا بكر فوق البيت يقرأ، فقالت أم رومان: ماجاء بك بنية؟ فأخبرتها، وذكرت لها الحديث، وإذا هو لم يبلغ منها مثل ما بلغ مني، فقالت: يابنية خففي عليك الشأن؛ فإنه والله لقل ما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبها، لها ضرائر، إلا حسدنها، وقيل فيها، فقلت: وقد علم به أبي؟ قالت: نعم. قلت: ورسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: نعم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم فاستعبرت وبكيت، فسمع أبو بكر صوتي، وهو فوق البيت يقرأ، فنزل فقال لأمي: ما شأنها؟ قالت: بلغها الذي ذكر من شأنها، ففاضت عيناه رضي الله عنه، وقال: أقسمت عليك أي بنية إلا رجعت إلى بيتك، فرجعت، ولقد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بيتي، فسأل عني خادمتي، فقالت: لا والله ما علمت عليها عيباً، إلا أنها كانت ترقد حتى تدخل الشاة فتأكل خميرها، أو عجينها، وانتهرها بعض أصحابه فقال: اصدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أسقطوا لها به. فقالت: سبحان الله والله ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ عن تبر الذهب الأحمر، وبلغ الأمر ذلك الرجل الذي قيل له، فقال: سبحان الله والله ما كشفت كنف أنثى قط. قالت عائشة رضي الله عنها: فقتل شهيداً في سبيل الله. وقالت: وأصبح أبواي عندي، فلم يزالا حتى دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد صلى العصر، ثم دخل، وقد اكتنفني أبواي عن يميني وعن شمالي، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ثم قال: «حديث : أما بعد يا عائشة إن كنت قارفت سوءاً أو ظلمت، فتوبي إلى الله، فإن الله يقبل التوبة عن عباده» تفسير : قالت: وقد جاءت امرأة من الأنصار، فهي جالسة بالباب، فقلت: ألا تستحيي من هذه المرأة أن تذكر شيئاً؟ فوعظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فالتفت إلى أبي فقلت له: أجبه، قال: فماذا أقول؟ فالتفت إلى أمي فقلت: أجيبيه، قالت: ماذا أقول؟ فلما لم يجيباه، تشهدت فحمدت الله وأثنيت عليه بما هو أهله، ثم قلت: أما بعد، فوالله لئن قلت لكم: إني لم أفعل، والله عز وجل يشهد إني لصادقة، ما ذاك بنافعي عندكم، لقد تكلمتم به، وأشربته قلوبكم، وإن قلت لكم: إني قد فعلت، والله يعلم أني لم أفعل، لتقولن قد باءت به على نفسها، وإنني والله ما أجد لي ولكم مثلاً، والتمست اسم يعقوب فلم أقدر عليه، إلا أبا يوسف حين قال: {أية : فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ} تفسير : [يوسف: 18] وأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم من ساعته، فسكتنا، فرفع عنه، وإني لأتبين السرور في وجهه، وهو يمسح جبينه ويقول: «حديث : أبشري يا عائشة فقد أنزل الله براءتك» تفسير : قالت: وكنت أشد ما كنت غضباً، فقال لي أبواي: قومي إليه، فقلت: لا، والله لا أقوم إليه، ولا أحمده، ولا أحمدكما، ولكن أحمد الله الذي أنزل براءتي، لقد سمعتموه فما أنكرتموه ولا غيرتموه. وكانت عائشة تقول: أما زينب بنت جحش، فقد عصمها الله بدينها، فلم تقل إلا خيراً، وأما أختها حمنة بنت جحش، فهلكت فيمن هلك، وكان الذي يتكلم به مسطح وحسان بن ثابت، وأما المنافق عبد الله بن أبي ابن سلول، وهو الذي كان يستوشيه ويجمعه، وهو الذي تولى كبره منهم هو وحمنة، قالت: وحلف أبو بكر أن لا ينفع مسطحاً بنافعة أبداً، فأنزل الله تعالى: {وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ} يعني: أبا بكر {وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤْتُوۤاْ أُوْلِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينَ} يعني: مسطحاً إلى قوله: {أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} فقال أبو بكر: بلى والله يا ربنا إنا لنحب أن تغفر لنا، وعاد له بما كان يصنع. هكذا رواه البخاري من هذا الوجه معلقاً بصيغة الجزم عن أبي أسامة حماد بن أسامة أحد الأئمة الثقات. وقد رواه ابن جرير في تفسيره عن سفيان بن وكيع عن أبي أسامة به مطولاً مثله أو نحوه. ورواه ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الأشج عن أبي أسامة ببعضه. وقال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، أخبرنا عمرو بن أبي سلمة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما نزل عذري من السماء، جاءني النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرني بذلك، فقلت: نحمد الله، لا نحمدك. وقال الإمام أحمد: حدثني ابن أبي عدي عن محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة أيضاً عن عائشة قالت: لما نزل عذري، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك، وتلا القرآن، فلما نزل، أمر برجلين وامرأة، فضربوا حدهم، وأخرجه أهل السنن الأربعة، وقال الترمذي: هذا حديث حسن، ووقع عند أبي داود تسميتهم، حسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش، فهذه طرق متعددة عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في المسانيد والصحاح والسنن وغيرها. وقد روي من حديث أمها أم رومان رضي الله عنها، فقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عاصم، أخبرنا حصين عن أبي وائل عن مسروق عن أم رومان، قالت: بينا أنا عند عائشة، إذ دخلت علينا امرأة من الأنصار، فقالت: فعل الله بابنها وفعل، فقالت عائشة: ولم؟ قالت: إنه كان فيمن حدث الحديث، قالت عائشة: وأي الحديث؟ قالت: كذا وكذا، قالت: وقد بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: نعم، قالت: وبلغ أبا بكر؟ قالت: نعم، فخرت عائشة رضي الله عنها مغشياً عليها، فما أفاقت إلا وعليها حمى بنافض، فقمت فدثرتها، قالت: فجاء النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : فما شأن هذه؟» تفسير : فقلت: يا رسول الله أخذتها حمى بنافض، قال: «حديث : فلعله في حديث تحدث به» تفسير : قالت: فاستوت له عائشة قاعدة، فقالت: والله لئن حلفت لكم، لا تصدقوني، ولئن اعتذرت إليكم، لا تعذروني، فمثلي ومثلكم كمثل يعقوب وبنيه حين قال: {أية : فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ} تفسير : [يوسف: 18] قالت: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنزل الله عذرها، فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر، فدخل فقال: «حديث : يا عائشة إن الله تعالى قد أنزل عذرك» تفسير : فقالت: بحمد الله، لا بحمدك، فقال لها أبو بكر: تقولين هذا لرسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: نعم. قالت: فكان فيمن حدث هذا الحديث رجل كان يعوله أبو بكر، فحلف أن لا يصله، فأنزل الله: {وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ} إلى آخر الآية، فقال أبو بكر: بلى، فوصله. تفرد به البخاري دون مسلم من طريق حصين. وقد رواه البخاري عن موسى بن إسماعيل عن أبي عوانة، وعن محمد بن سلام عن محمد بن فضيل، كلاهما عن حصين به. وفي لفظ أبي عوانة: حدثتني أم رومان، وهذا صريح في سماع مسروق منها، وقد أنكر ذلك جماعة من الحفاظ، منهم الخطيب البغدادي، وذلك لما ذكره أهل التاريخ أنها ماتت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم قال الخطيب: وقد كان مسروق يرسله، فيقول: سئلت أم رومان، ويسوقه، فلعل بعضهم كتب سئلت بألف، اعتقد الراوي أنها سألت، فظنه متصلاً، قال الخطيب: وقد رواه البخاري كذلك، ولم تظهر له علته، كذا قال، والله أعلم. ورواه بعضهم عن مسروق عن عبد الله بن مسعود عن أم رومان، فالله أعلم. فقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُوا بِٱلإِفْكِ} أي: بالكذب والبهت والافتراء {عُصْبَةٌ} أي: جماعة منكم {لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ} أي: يا آل أبي بكر {بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} أي: في الدنيا والآخرة؛ لسان صدق في الدنيا، ورفعة منازل في الآخرة، وإظهار شرف لهم باعتناء الله تعالى بعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، حيث أنزل الله براءتها في القرآن العظيم الذي {أية : لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَـٰطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ} تفسير : [فصلت: 42] الآية، ولهذا لما دخل عليها ابن عباس رضي الله عنه وعنها، وهي في سياق الموت، قال لها: أبشري؛ فإنك زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يحبك، ولم يتزوج بكراً غيرك، وأنزل براءتك من السماء. وقال ابن جرير في تفسيره: حدثني محمد بن عثمان الواسطي، حدثنا جعفر بن عون عن المعلى بن عرفان عن محمد بن عبد الله بن جحش قال: تفاخرت عائشة وزينب رضي الله عنهما، فقالت زينب: أنا التي نزل تزويجي من السماء، قال وقالت عائشة: أنا التي نزل عذري في كتاب الله حين حملني صفوان بن المعطل على الراحلة، فقالت لها زينب: يا عائشة ما قلت حين ركبتِها؟ قالت: قلت: حسبي الله ونعم الوكيل، قالت: قلت: كلمة المؤمنين. وقوله تعالى: {لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ مَّا ٱكْتَسَبَ مِنَ ٱلإِثْمِ} أي: لكل من تكلم في هذه القضية، ورمى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بشيء من الفاحشة، نصيب عظيم من العذاب {وَٱلَّذِى تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ} قيل: ابتدأ به، وقيل: الذي كان يجمعه ويستوشيه ويذيعه ويشيعه {لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} أي: على ذلك، ثم الأكثرون على أن المراد بذلك إنما هو عبد الله بن أبي ابن سلول، قبحه الله تعالى ولعنه، وهو الذي تقدم النص عليه في الحديث، وقال ذلك مجاهد وغير واحد، وقيل: المراد به حسان بن ثابت، وهو قول غريب، ولولا أنه وقع في "صحيح البخاري" ما قد يدل على ذلك، لما كان لإيراده كبير فائدة، فإنه من الصحابة الذين كان لهم فضائل ومناقب ومآثر، وأحسن مآثره أنه كان يذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشعره، وهو الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : هاجهم وجبريل معك»تفسير : . وقال الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق قال: كنت عند عائشة رضي الله عنها، فدخل حسان بن ثابت، فأمرت فألقي له وسادة، فلما خرج، قلت لعائشة: ما تصنعين بهذا؟ يعني: يدخل عليك، وفي رواية: قيل لها: أتأذنين لهذا يدخل عليك، وقد قال الله: {وَٱلَّذِى تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ}؟ قالت: وأي عذاب أشد من العمى؟ وكان قد ذهب بصره، لعل الله أن يجعل ذلك هو العذاب العظيم، ثم قالت: إنه كان ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي رواية أنه أنشدها عندما دخل عليها شعراً يمتدحها به، فقال:شعر : حَصانٌ رَزانٌ ما تزنُّ بريبةٍ وتُصْبِحُ غَرْثَى منْ لُحومِ الغَوافِلِ تفسير : فقالت: أما أنت، فلست كذلك، وفي رواية: لكنك لست كذلك، وقال ابن جرير: حدثنا الحسن بن قزعة، حدثنا سلمة بن علقمة، حدثنا داود عن عامر عن عائشة: أنها قالت: ما سمعت بشعر أحسن من شعر حسان، ولا تمثلت به إلا رجوت له الجنة؛ قوله لأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب:شعر : هَجَوْتَ مُحَمَّداً فَأَجَبْتُ عَنْهُ وعِنْدَ اللّهِ في ذاكَ الجَزاءُ فَإنَّ أَبي ووالدَهُ وعِرْضي لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقاءُ أَتَشْتمُهُ ولَسْتَ لهُ بِكُفءٍ؟ فَشَرُّكُما لِخَيْرِكُما الفِداءُ لِساني صارِمٌ لا عَيْبَ فيهِ وبَحْرِي لا تُكَدِّرُهُ الدِّلاءُ تفسير : فقيل: يا أم المؤمنين أليس هذا لغواً؟ قالت: لا، إنما اللغو ما قيل عند النساء، قيل: أليس الله يقول: {وَٱلَّذِى تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} قالت: أليس قد أصابه عذاب عظيم؟ أليس قد ذهب بصره، وكنع بالسيف؟ تعني: الضربة التي ضربه إياها صفوان بن المعطل السلمي حين بلغه عنه أنه يتكلم في ذلك، فعلاه بالسيف، وكاد أن يقتله.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ جَاءو بِٱلإفْكِ } أسوأ الكذب على عائشة رضي الله عنها، أمّ المؤمنين بقذفها {عُصْبَةٌ مّنْكُمْ } جماعة من المؤمنين قالت: حسان بن ثابت، وعبد الله بن أبيّ، ومسطح، وحمنة بنت جحش {لاَ تَحْسَبُوهُ } أيها المؤمنون غير العصبة {شَرّاً لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } يأجركم الله به، ويظهر براءة عائشة ومن جاء معها منه وهو صفوان فإنها قالت: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة بعدما أنزل الحجاب، ففرغ منها ورجع ودنا من المدينة، وآذن بالرحيل ليلة فمشيت وقفيت شأني وأقبلت إلى الرحل فإذا عقدي انقطع - وهو بكسر المهملة: القلادة - فرجعت ألتمسه وحملوا هودجي - هو ما يركب فيه - على بعيري يحسبونني فيه وكانت النساء خفافا إنما يأكلن العُلْقة - هو بضم المهملة وسكون اللام: من الطعام: أي القليل - ووجدت عقدي وجئت بعدما ساروا فجلست في المنزل الذي كنت فيه، وظننت أن القوم سيفقدونني فيرجعون إليّ فغلبتني عيناي فنمت وكان صفوان قد عَرَّس من وراء الجيش فادَّلَجَ - هما بتشديد الراء والدال أي نزل من آخر الليل للاستراحة - فسار منه فأصبح في منزله فرأى سواد إنسان نائم - أي شخصه - فعرفني حين رآني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني - أي قوله: { أية : إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ } تفسير : [156:2] - فخمرت وجهي بجلبابي - أي غطيته بالملاءة - والله ما كلمني بكلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه حين أناخ راحلته ووطىء على يدها، فركبتها فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعدما نزلوا مُوغرين في نَحْرِ الظهيرة - أي من أوغر واقفين في مكان وَغْر، من شدّة الحر - فهلك من هلك فيَّ، وكان الذي تولى كبره منهم عبد الله بن أبيّ ابن سلول اهـ قولها رواه الشيخان قال تعالى: {لِكُلّ ٱمْرِىء مّنْهُمْ } أي عليه {مَّا ٱكْتَسَبَ مِنَ ٱلإثْمِ } في ذلك {وَٱلَّذِى تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ } أي تحمّل معظمه فبدأ بالخوض فيه وأشاعه وهو عبد الله بن أبيّ {لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ } هو النار في الآخرة.
الشوكاني
تفسير : خبر "إن" من قوله {إِنَّ ٱلَّذِينَ جَاءُو بِٱلإفْكِ } هو: {عُصْبَةٌ }، و{مّنكُمْ } صفة لعصبة، وقيل: هو {لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ }، ويكون عصبة بدلا من فاعل جاءُوا. قال ابن عطية: وهذا أنسق في المعنى، وأكثر فائدة من أن يكون الخبر عصبة، وجملة {لا تحسبوه}، وإن كانت طلبية، فجعلها خبراً يصح بتقدير كما في نظائر ذلك، والإفك: أسوأ الكذب وأقبحه، وهو مأخوذ من أفك الشيء إذا قلبه عن وجهه. فالإفك: هو الحديث المقلوب، وقيل: هو البهتان. وأجمع المسلمون على أن المراد بما في الآية: ما وقع من الإفك على عائشة أمّ المؤمنين، وإنما وصفه الله بأنه إفك؛ لأن المعروف من حالها رضي الله عنها خلاف ذلك، قال الواحدي: ومعنى القلب في هذا الحديث الذي جاء به أولئك النفر: أن عائشة رضي الله عنها كانت تستحق الثناء بما كانت عليه من الحصانة، وشرف النسب والسبب لا القذف، فالذين رموها بالسوء قلبوا الأمر عن وجهه، فهو إفك قبيح، وكذب ظاهر، والعصبة: هم الجماعة من العشرة إلى الأربعين، والمراد بهم هنا: عبد الله بن أبيّ رأس المنافقين، زيد بن رفاعة، وحسان بن ثابت، ومسطح ابن أثاثة، وحمنة بنت جحش، ومن ساعدهم. وقيل: العصبة من الثلاثة إلى العشرة، وقيل: من عشرة إلى خمسة عشر. وأصلها في اللغة: الجماعة الذين يتعصب بعضهم لبعض، وجملة {لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ } إن كانت خبراً لإنّ فظاهر، وإن كان الخبر عصبة كما تقدّم، فهي مستأنفة، خوطب بها النبي صلى الله عليه وسلم، وعائشة، وصفوان بن المعطل الذي قذف مع أمّ المؤمنين، وتسلية لهم، والشرّ ما زاد ضرّه على نفعه، والخير ما زاد نفعه على ضرّه، وأما الخير الذي لا شرّ فيه فهو الجنة، والشرّ الذي لا خير فيه فهو النار، ووجه كونه خيراً لهم أنه يحصل لهم به الثواب العظيم مع بيان براءة أمّ المؤمنين، وصيرورة قصتها هذه شرعاً عامًّا {لِكُلّ ٱمْرِىء مّنْهُمْ مَّا ٱكْتَسَبَ مِنَ ٱلإثْمِ } أي: بسبب تكلمه بالإفك {وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ } قرأ الحسن، والزهري، وأبو رجاء، وحميد الأعرج، ويعقوب، وابن أبي علية، ومجاهد، وعمرة بنت عبد الرحمٰن بضمّ الكاف. قال الفرّاء: وهو وجه جيد، لأن العرب تقول: فلان تولى عظيم كذا وكذا أي: أكبره، وقرأ الباقون بكسرها. قيل: هما لغتان، وقيل: هو بالضم معظم الإفك، وبالكسر البداءة به، وقيل: هو بالكسر: الإثم. فالمعنى: إن الذي تولى معظم الإفك من العصبة له عذاب عظيم في الدنيا، أو في الآخرة، أو فيهما. واختلف في هذا الذي تولى كبره من عصبة الإفك من هو منهم؟ فقيل: هو عبد الله بن أبيّ، وقيل: هو حسان، والأوّل هو الصحيح. وقد روى محمد بن إسحاق وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم جلد في الإفك رجلين وامرأة، وهم مسطح ابن أثاثة، وحسان بن ثابت، وحمنة بنت جحش. وقيل: جلد عبد الله بن أبيّ، وحسان بن ثابت، وحمنة بنت جحش، ولم يجلد مسطحاً، لأنه لم يصرح بالقذف، ولكن كان يسمع ويشيع من غير تصريح. وقيل: لم يجلد أحداً منهم. قال القرطبي: المشهور من الأخبار، والمعروف عند العلماء: أن الذين حدّوا: حسان، ومسطح، وحمنة. ولم يسمع بحدّ لعبد الله بن أبيّ، ويؤيد هذا ما في سنن أبي داود عن عائشة، قالت: لما نزل عذري، قام النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك، وتلا القرآن، فلما نزل من المنبر أمر بالرجلين والمرأة فضربوا حدّهم، وسماهم: حسان، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش. واختلفوا في وجه تركه صلى الله عليه وسلم لجلد عبد الله بن أبيّ، فقيل: لتوفير العذاب العظيم له في الآخرة، وحدّ من عداه ليكون ذلك تكفيراً لذنبهم كما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الحدود أنه قال: «حديث : إنها كفارة لمن أقيمت عليه»تفسير : . وقيل: ترك حدّه تألفاً لقومه، واحتراماً لابنه، فإنه كان من صالحي المؤمنين، وإطفاء لنائرة الفتنة، فقد كانت ظهرت مباديها من سعد بن عبادة ومن معه كما في صحيح مسلم. ثم صرف سبحانه الخطاب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه إلى المؤمنين بطريق الالتفات فقال {لَّوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً } «لولا» هذه هي التحضيضية تأكيداً للتوبيخ، والتقريع، ومبالغة في معاتبتهم أي: كان ينبغي للمؤمنين حين سمعوا مقالة أهل الإفك أن يقيسوا ذلك على أنفسهم، فإن كان ذلك يبعد فيهم، فهو في أمّ المؤمنين أبعد. قال الحسن: معنى {بأنفسهم}: بأهل دينهم، لأن المؤمنين كنفس واحدة ألا ترى إلى قوله: {أية : وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ } تفسير : [النساء: 29]. قال الزجاج: ولذلك يقال للقوم الذين يقتل بعضهم بعضاً: إنهم يقتلون أنفسهم. قال المبرّد: ومثله قوله سبحانه {أية : فَٱقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ } تفسير : [البقرة: 54]. قال النحاس: {بأنفسهم}: بإخوانهم، فأوجب الله سبحانه على المسلمين إذا سمعوا رجلاً يقذف أحداً، ويذكره بقبيح لا يعرفونه به أن ينكروا عليه ويكذبوه. قال العلماء: إن في الآية دليلاً على أن درجة الإيمان والعفاف لا يزيلها الخبر المحتمل وإن شاع {وَقَالُواْ هَـٰذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ } أي: قال المؤمنون عند سماع الإفك: هذا إفك ظاهر مكشوف. وجملة {لَّوْلاَ جَاءُو عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء } من تمام ما يقوله المؤمنون أي وقالوا: هلا جاء الخائضون بأربعة شهداء يشهدون على ما قالوا {فَإِذَا لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَـٰئِك} أي: الخائضون في الإفك {عِندَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْكَـٰذِبُونَ } أي: في حكم الله تعالى هم الكاذبون الكاملون في الكذب {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ } هذا خطاب للسامعين، وفيه زجر عظيم {وَلَوْلاَ } هذه هي لامتناع الشيء لوجود غيره {لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَفَضْتُمْ فِيهِ } أي: بسبب ما خضتم فيه من حديث الإفك، يقال: أفاض في الحديث، واندفع وخاض. والمعنى: لولا أني قضيت عليكم بالفضل في الدنيا بالنعم التي من جملتها الإمهال، والرحمة في الآخرة بالعفو، لعاجلتكم بالعقاب على ما خضتم فيه من حديث الإفك. وقيل: المعنى لولا فضل الله عليكم لمسكم العذاب في الدنيا والآخرة معاً، ولكن برحمته ستر عليكم في الدنيا، ويرحم في الآخرة من أتاه تائباً. {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ } الظرف منصوب بمسكم، أو بأفضتم، قرأ الجمهور: {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ } من التلقي، والأصل تتلقونه، فحذف إحدى التاءين. قال مقاتل، ومجاهد: المعنى يرويه بعضكم عن بعض. قال الكلبي: وذلك أن الرجل منهم يلقى الرجل فيقول: بلغني كذا، وكذا، ويتلقونه تلقياً. قال الزجاج: معناه يلقيه بعضكم إلى بعض. وقرأ محمد ابن السميفع بضم التاء، وسكون اللام، وضم القاف، من الإلقاء، ومعنى هذه القراءة واضح. وقرأ أبيّ وابن مسعود "تتلقونه" من التلقي، وهي كقراءة الجمهور. وقرأ ابن عباس، وعائشة، وعيسىٰ بن عمر، ويحيـىٰ بن يعمر، وزيد بن عليّ بفتح التاء، وكسر اللام، وضم القاف، وهذه القراءة مأخوذة من قول العرب، ولق يلق ولقاً: إذا كذب. قال ابن سيده: جاءوا بالمعتدي شاهداً على غير المعتدي. قال ابن عطية: وعندي أنه أراد يلقون فيه، فحذف حرف الجرّ، فاتصل الضمير. قال الخليل، وأبو عمرو: أصل الولق الإسراع، يقال: جاءت الإبل تلق أي: تسرع، ومنه قول الشاعر:شعر : لما رأوا جيشاً عليهم قد طرق جاءوا بأسراب من الشام ولق تفسير : وقال الآخر: شعر : جاءت به عيس من الشام تلق تفسير : قال أبو البقاء: أي: يسرعون فيه. قال ابن جرير: وهذه اللفظة أي: "تلقونه" على القراءة الأخيرة مأخوذة من الولق، وهو: الإسراع بالشيء بعد الشيء كعدد في إثر عدد، وكلام في إثر كلام. وقرأ زيد بن أسلم، وأبو جعفر "تألقونه" بفتح التاء، وهمزة ساكنة، ولام مكسورة، وقاف مضمومة من الألق، وهو: الكذب، وقرأ يعقوب "تيلقونه" بكسر التاء من فوق بعدها ياء تحتية ساكنة، ولام مفتوحة، وقاف مضمومة، وهو: مضارع ولق بكسر اللام، ومعنى: {وَتَقُولُونَ بِأَفْوٰهِكُمْ مَّا لَّيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ } أن قولهم هذا مختصّ بالأفواه من غير أن يكون واقعاً في الخارج معتقداً في القلوب. وقيل: إن ذكر الأفواه للتأكيد كما في قوله {أية : يطير بجناحيه}تفسير : [الأنعام: 38]، ونحوه، والضمير في {تحسبونه} راجع إلى الحديث الذي وقع الخوض فيه والإذاعة له {وَتَحْسَبُونَهُ هَيّناً } أي: شيئاً يسيراً لا يلحقكم فيه إثم، وجملة {وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٌ } في محل نصب على الحال أي: عظيم ذنبه وعقابه. {وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَـٰذَا } هذا عتاب لجميع المؤمنين أي: هلا إذا سمعتم حديث الإفك قلتم تكذيباً للخائضين فيه المفترين له ما ينبغي لنا، ولا يمكننا أن نتكلم بهذا الحديث، ولا يصدر ذلك منا بوجه من الوجوه، ومعنى قوله {سُبْحَـٰنَكَ هَـٰذَا بُهْتَـٰنٌ عَظِيمٌ } التعجب من أولئك الذين جاءوا بالإفك، وأصله التنزيه لله سبحانه، ثم كثر حتى استعمل في كلّ متعجب منه. والبهتان هو: أن يقال في الإنسان ما ليس فيه أي: هذا كذب عظيم لكونه قيل في أمّ المؤمنين رضي الله عنها، وصدوره مستحيل شرعاً من مثلها. ثم وعظ سبحانه الذين خاضوا في الإفك فقال: {يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَداً } أي: ينصحكم الله، أو يحرّم عليكم، أو ينهاكم كراهة أن تعودوا، أو من أن تعودوا، أو في أن تعودوا لمثل هذا القذف مدّة حياتكم {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } فإن الإيمان يقتضي عدم الوقوع في مثله ما دمتم، وفيه تهييج عظيم وتقريع بالغ {وَيُبَيّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَـٰتِ } في الأمر والنهي لتعملوا بذلك، وتتأدبوا بآداب الله، وتنزجروا عن الوقوع في محارمه {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ } بما تبدونه وتخفونه {حَكِيمٌ } في تدبيراته لخلقه. ثم هدّد سبحانه القاذفين، ومن أراد أن يتسامع الناس بعيوب المؤمنين، وذنوبهم فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلْفَـٰحِشَةُ فِى ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } أي: يحبون أن تفشو الفاحشة وتنتشر، من قولهم: شاع الشيء يشيع شيوعاً، وشيعاً، وشيعاناً: إذا ظهر وانتشر، والمراد بالذين آمنوا المحصنون العفيفون، أو كلّ من اتصف بصفة الإيمان، والفاحشة هي: فاحشة الزنا، أو القول السيء {لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي ٱلدُّنْيَا } بإقامة الحدّ عليهم {وَٱلآخِرَةِ } بعذاب النار {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ } جميع المعلومات {وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } إلاّ ما علمكم به وكشفه لكم، ومن جملة ما يعلمه الله عظم ذنب القذف، وعقوبة فاعله {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ } هو تكرير لما تقدّم تذكيراً للمنة منه سبحانه على عباده بترك المعالجة لهم {وَأَنَّ ٱللَّهَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ } ومن رأفته بعباده أن لا يعاجلهم بذنوبهم، ومن رحمته لهم أن يتقدّم إليهم بمثل هذا الإعذار، والإنذار، وجملة: {وَأَنَّ ٱللَّهَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ } معطوفة على فضل الله، وجواب "لولا" محذوف لدلالة ما قبله عليه أي: لعاجلكم بالعقوبة. {ياأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ } الخطوات جمع خطوة، وهي: ما بين القدمين، والخطوة بالفتح المصدر أي: لا تتبعوا مسالك الشيطان ومذاهبه، ولا تسلكوا طرائقه التي يدعوكم إليها. قرأ الجمهور {خطوات} بضم الخاء، والطاء، وقرأ عاصم، والأعمش بضم الخاء، وإسكان الطاء. {مَن يَتَّبِعُ خُطُوٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَاء وَٱلْمُنْكَرِ } قيل: جزاء الشرط محذوف أقيم مقامه ما هو علة له، كأنه قيل: فقد ارتكب الفحشاء والمنكر لأن دأبه أن يستمرّ آمراً لغيره بهما، والفحشاء: ما أفرط قبحه، والمنكر: ما ينكره الشرع، وضمير إنه للشيطان، وقيل: للشأن، والأولى أن يكون عائداً إلى من يتبع خطوات الشيطان، لأن من اتبع الشيطان صار مقتدياً به في الأمر بالفحشاء والمنكر {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ } قد تقدّم بيانه، وجواب "لولا" هو قوله: {مَا زَكَى مِنكُم مّنْ أَحَدٍ أَبَداً } أي: لولا التفضل، والرحمة من الله ما طهر أحد منكم نفسه من دنسها ما دام حياً. قرأ الجمهور {زَكَى} بالتخفيف، وقرأ الأعمش، وابن محيصن، وأبو جعفر بالتشديد أي: ما طهره الله. وقال مقاتل: أي: ما صلح. والأولى تفسير زكى بالتطهر والتطهير، وهو: الذي ذكره ابن قتيبة. قال الكسائي: إن قوله {ياأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ } معترض، وقوله: {مَا زَكَى مِنكُم مّنْ أَحَدٍ أَبَداً } جواب لقوله: أوّلاً، وثانياً، ولولا فضل الله. وقراءة التخفيف أرجح لقوله: {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكّي مَن يَشَاء } أي: من عباده بالتفضل عليهم، والرحمة لهم {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ } لما يقولونه {عَلِيمٌ } بجميع المعلومات، وفيه حثّ بالغ على الإخلاص، وتهييج عظيم لعباده التائبين، ووعيد شديد لمن يتبع الشيطان، ويحبّ أن تشيع الفاحشة في عباد الله المؤمنين، ولا يزجر نفسه بزواجر الله سبحانه. وقد أخرج البخاري، ومسلم، وأهل السنن، وغيرهم حديث عائشة الطويل في سبب نزول هذه الآيات بألفاظٍ متعدّدة، وطرق مختلفة. حاصله: أن سبب النزول هو: ما وقع من أهل الإفك الذين تقدّم ذكرهم في شأن عائشة رضي الله عنها، وذلك أنها خرجت من هودجها تلتمس عقداً لها انقطع من جزع، فرحلوا، وهم يظنون أنها في هودجها، فرجعت، وقد ارتحل الجيش، والهودج معهم، فأقامت في ذلك المكان، ومرّ بها صفوان بن المعطل، وكان متأخراً عن الجيش، فأناخ راحلته، وحملها عليها؛ فلما رأى ذلك أهل الإفك قالوا ما قالوا، فبرأها الله مما قالوه. هذا حاصل القصة مع طولها، وتشعب أطرافها فلا نطول بذكر ذلك. وأخرج عبد الرزاق، وأحمد، وعبد بن حميد، وأهل السنن الأربع، وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن عائشة قالت: لما نزل عذري قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فذكر ذلك، وتلا القرآن، فلما نزل أمر برجلين وامرأة فضربوا حدّهم. قال الترمذي: هذا حديث حسن. ووقع عند أبي داود تسميتهم: حسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس قال: الذين افتروا على عائشة عبد الله بن أبيّ بن سلول، ومسطح، وحسان، وحمنة بنت جحش. وأخرج البخاري، وابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن الزهري قال: كنت عند الوليد بن عبد الملك، فقال: الذي تولى كبره منهم علىّ، فقلت لا، حدثني سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وعلقمة بن وقاص، وعبد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود كلهم سمع عائشة تقول: الذي تولى كبره منهم عبد الله بن أبيّ، قال: فقال لي: فما كان جرمه؟ قلت: حدّثني شيخان من قومك أبو سلمة بن عبد الرحمٰن بن عوف، وأبو بكر بن عبد الرحمٰن بن الحارث بن هشام أنهما سمعا عائشة تقول: كان مسيئاً في أمري. وقال يعقوب بن شيبة في مسنده: حدّثنا الحسن بن عليّ الحلواني، حدّثنا الشافعي، حدّثنا عمي قال: دخل سليمان بن يسار على هشام بن عبد الملك فقال له: يا سليمان الذي تولى كبره من هو؟ قال: عبد الله بن أبيّ. قال: كذبت هو عليّ. قال: أمير المؤمنين أعلم بما يقول، فدخل الزهري فقال: يا ابن شهاب من الذي تولّى كبره؟ فقال: ابن أبيّ. قال: كذبت هو عليّ. قال: أنا أكذب؟ لا أبا لك، والله لو نادى منادٍ من السماء أن الله قد أحلّ الكذب ما كذبت، حدّثني عروة وسعيد وعبد الله وعلقمة عن عائشة: أن الذي تولى كبره عبد الله بن أبيّ، وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن مسروق قال: دخل حسان بن ثابت على عائشة فشبب وقال:شعر : حصان رزان ما تزنّ بريبة وتصبح غرثى من لحوم الغوافل تفسير : قالت: لكنك لست كذلك، قلت: تدعين مثل هذا يدخل عليك، وقد أنزل الله {وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ } فقالت: وأيّ عذاب أشدّ من العمى؟. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وابن عساكر عن بعض الأنصار: أن امرأة أبي أيوب قالت له حين قال أهل الإفك ما قالوا: ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ قال: بلى وذلك الكذب، أكنت أنت فاعلة ذلك يا أمّ أيوب؟ قالت: لا والله، قال: فعائشة والله خير منك وأطيب، إنما هذا كذب وإفك باطل؛ فلما نزل القرآن ذكر الله من قال من الفاحشة ما قال من أهل الإفك. ثم قال: {لَّوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُواْ هَـٰذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ } أي: كما قال أبو أيوب، وصاحبته. وأخرج الواقدي، والحاكم، وابن عساكر عن أفلح مولى أبي أيوب: أن أمّ أيوب... فذكر نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد ابن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه عن ابن عباس: {يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَداً } قال: يحرّج الله عليكم. وأخرج البخاري في الأدب، والبيهقي في شعب الإيمان، عن عليّ بن أبي طالب قال: القائل الفاحشة، والذي شيع بها في الإثم سواء. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {مَا زَكَى مِنكُم مّنْ أَحَدٍ أَبَداً } قال: ما اهتدى أحد من الخلائق لشيء من الخير.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُو بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ} في الإِفك وجهان: أحدهما: أنه الإِثم، قاله أبو عبيدة. الثاني: أنه الكذب. قال الشاعر: شعر : شهيدٌ على الإِفك غَيْرِ الصَّوابِ وما شَاهِدُ الإِفك كَالأَحْنَفِ تفسير : {عُصْبَةٌ مِّنكُمْ} وهم زعماء الإِفك، حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وعبد الله بن أبي بن سلول وزيد بن رفاعة وحمنة بنت جحش، وسبب الإفك أن عائشة رضي الله عنها كانت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة المريسيع وهي غزوة بني المصطلق سنة ست فضاع عقد لها من جزع أطفار وقد توجهت لحاجتها فعادت في طلبه ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم من منزله فَرُفِعَ هودجها ولم يُشْعَرْ بها أنها ليست فيه لخفتها وعادت فلم تر في المنزل أحداً فأدركها صفوان بن المعطل فحملها على راحلته وألحقها برسول الله صلى الله عليه وسلم فتكلم فيها وفي صفوان من تكلم وقدمت المدينة وانتشر الإِفك وهي لا تعلم به ثم علمت فأخذها من ذلك شيء عظيم إلى أن أنزل الله براءتها بعد سبعة وثلاثين يوماً من قدوم المدينة هذه الآية. و {لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} أي لا تحسبواْ ما ذكر من الإِفك شراً لكم بل هو خير لكم لأن الله قد بَرَّاً منه وأبان عليه. وفي المراد بهذا القول قولان: أحدهما: أن المقصود به عائشة وصفوان لأنهما قصدا بالإِفك، قاله يحيى ابن سلام. الثاني: أن المقصود به النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعائشة رضي الله عنهما، قاله ابن شجرة. {لِكُلِّ امْرِىءٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ} أي له عقاب ما اكتسب من الإِثم بقدر إِثمه. {وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ} الآية قرىء بكسر الكاف وضمها، وفي الفرق بينما وجهان: أحدهما: أن كبره بالضم معظمه وبالكسر مأثمه. الثاني: أنه بالضم في النسب وبالكسر في النفس. وفي متولي كبره قولان: أحدهما: أنه عبد الله بن أبيّ، والعذاب العظيم جهنم، وهذا قول عائشة وعروة بن الزبير وابن المسيب. الثاني: أنه مسطح بن أثاثة، والعذاب العظيم ذهاب بصره في الدنيا: حكاه يحيى بن سلام.
ابن عطية
تفسير : هذه الآية وما بعدها إلى ست عشرة آية أنزلت في عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وما اتصل بذلك من أمر "الإفك" وفي البخاري في غزوة بني المصطلق عن عائشة قالت وأنزل الله العشر الآيات ثم أنزل الله ما قرىء في براءتي فكأنها عدت ما تختص بها. و"الإفك" الزور والكذب، والأفاك الكذاب، و"الإفك" قلب الحقيقة عن حالها بالأقوال وصرفها عن جهة الصواب وبذلك شبه الكذب واختصار حديث "الإفك" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج بعائشة في غزوة بني المصطلق هي غزوة المريسيع قال ابن إسحاق كانت سنة ست، وقال ابن عقبة كانت سنة أَربع فضاع لها هناك عقد، فلما انصرفت إلى الرحل شعرت بضياعه وجعلت تطلبه، وسار الناس يومئذ فوجدته وانصرفت فلم تجد أحداً وكانت شابة قليلة اللحم رفع الرجال هودجها ولم يشعروا بزوالها منه فلما لم تجد أحداً اضطجعت في مكانها رجاء أَن تفتقد فيرجع عنها فنامت في الموضع ولم يوقظها إلا قول صفوان بن المعطل إنا لله وإِنا إليه راجعون، وذلك أنه تخلف وراء الجيش لحفظ الساقة وقيل اتفاقاً فلما مر بسوادها قرب منها فعرفها، فاسترجع وقال ظعينة رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفت هاهنا، ونزل عن ناقته وتنحى عنها حتى ركبت عائشة وأخذ يقودها حتى بلغ بها الجيش في نحر الظهيرة فوقع أهل "الإفك" في مقالتهم وكل الذي يجتمع إليه فيه ويستوشيه عبدالله بن أبي ابن سلول المنافق وكان من قالته حسان ابن ثابت ومسطح بن أَثاثة وحمنة بنت جحش، وهذا اختصار الحديث هو بكماله وإتقانه في البخاري ومسلم وهو في مسلم أكمل وكان صفوان صاحب ساقة رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزواته لشجاعته وكان من خيار الصحابة قال لما سمع ما قال الناس فيه: سبحان الله والله ما كشفت كنف أنثى قط. قال الفقيه الإمام القاضي: أراد بزنى، ويدل على ذلك حديثه المروي مع امرأته وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في ابنيه "حديث : لهما أشبه به من الغراب بالغراب" تفسير : وقيل كان حصوراً لا يأتي النساء ذكره ابن إسحاق عن طريق عائشة، وقتل شهيداً رضي الله عنه في غزوة أرمينية سنة تسع عشر في زمن عمر، وقيل في بلاد الروم سنة ثمان وخمسين في زمن معاوية، وقوله {عصبة} رفع على البدل من الضمير في {جاؤوا} وخبر {إن} في قوله {لا تحسبوه} والتقدير إن فعل الذين، وهذا أنسق في المعنى وأكثر فائدة من أَن يكون {عصبة} خبر {إن} و"العصبة" الجماعة من العشرة إلى الأربعين، قاله يعقوب وغيره ولا يقال عصبة لأقل من عشرة ولم يسم من أهل "الإفك" إلا حسان ومسطح وحمنة وعبد الله وجهل الغير قاله عروة بن الزبير وقد سأله عن ذلك عبدالملك بن مروان وقال ألا إنهم كانوا {عصبة} كما قال الله تعالى. وقوله {لا تحسبوه} خطاب لكل من ساءه من المؤمنين، وقوله {بل هو خير لكم} يريد لنه تبرئة في الدنيا وترفيع من الله تعالى في أَن نزل وحيه بالبراءة من ذلك وأجر جزيل في الآخرة وموعظة للمؤمنين في غابر الزمن، ونقمة من المفترين في الدنيا والآخرة. ففي ذلك شفاء وخير وهذه خمسة أوجه، والضمير في قوله {منهم} عائد على العصبة المذكورة، و {اكتسب} مستعملة في المآثم ونحوها لأنها تدل على اعتمال وقصد فهو أبلغ في التذنيب، وكسب مستعمل في الخير وذلك أن حصوله مغن عن الدلالة على اعتمال فيه، وقد تستعمل كسب في الوجهين ومثله: فحملت برة واحتملت فجاره، والإشارة بقوله {والذي تولى كبره} إلى عبد الله بن أبي بن سلول، والعذاب المتوعد به هو عذاب الآخرة، وهذا قول الجمهور وهو ظاهر الحديث، وروي عن عائشة رضي الله عنها أَن حسان بن ثابت دخل عليها يوماً وقد عمي فأنشدها مدحه فيها: [الطويل] شعر : حصان رزان ما تزنُّ بريبة وتصبح غرثى من لحوم الغوافل تفسير : فقالت له عائشة: لا لكنك لست كذلك تريد أَنه وقع في الغوافل فأنشد: [الطويل] شعر : فإن كان ما قد قيل عني قلته فلا رفعت سوطي إليَّ أَناملي تفسير : فلما خرج قال لها مسروق أيدخل هذا عليك وقد قال ما قال وتوعده الله بالعذاب على توليه كبر الإفك، فقالت عائشة أي عذاب أشد من العمى، وضرب الحد؟ وفي بعض الروايات وضربه بالسيف ع فأما قولها عن الحد فإن حسان بن ثابت وحمنة ومسطحاً حدوا، ذكر ذلك ابن إسحاق وذكره الترمذي وأَما ضربه بالسيف فإن صفوان بن العطل لما بلغه قول حسان في الإفك جاء فضربه بالسيف ضربة على رأسه وقال: [الطويل] شعر : تلق ذباب السيف عني فإنني غلام إذا هوجيت لست بشاعر تفسير : فأخذ جماعة صفوان ولببوه وجاؤوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهدر رسول الله صلى الله عليه جرح حسان أو استوهبه إياه وهذا يقتضي أن حسان ممن تولى الكبر، وقال الإشارة بـ {الذي} إلى البادي بهذه الفرية والذي اختلقها فـ {لكل} واحد {منهم ما اكتسب} وللبادي المفتري عذاب عظيم، وهو على هذا غير معين وهذا قول الضحاك والحسن وقال أَبو زيد وغيره هو عبدالله بن أَبي، وقرأ جمهور الناس "كِبره" بكسر الكاف، وقرأ حميد والأعرج ويعقوب والزهري وأَبو رجاء والأعمش وابن أَبي عبلة "كُبره" بضم الكاف وهما مصدران من كبر الشيء عظم، ولكن استعملت العرب ضم الكاف في السن تقول هذا كبر القوم أي كبيرهم سناً أو مكانة، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في قصة حويصة ومحيصة "الكبر الكبر" ومن استعماله في المعنى الثاني قول ابن الحطيم: [المنسرح] شعر : تنام عن كبر شأنها فإذا قامت رويداً تكاد تنقصف
ابن عبد السلام
تفسير : {الِّذِينَ جَآءُو بِالإِفْكِ}: عبد الله بن أُبي، ومسطح بن أُثاثة، وحسان بن ثابت وزيد بن رفاعة وحمنة بن جحش، والإفك: الكذب أو الإثم {خَيْرٌ لَّكُمْ} لأن الله تعالى برَّأ منه وأثاب عليه، يريد عائشة وصفوان، أو الرسول صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، وعائشة ـ رضي الله تعالى عنهما ـ {مَّا اكْتَسَبَ} عقاب ما اكتسب {وَالَّذِى تَوَلَّى كِبْرَهُ} عبد الله بن أُبي، أو حسان ومسطح والعذاب العظيم: العمى.
النسفي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ جَاءوا بِٱلإفْكِ } هو أبلغ ما يكون من الكذب والافتراء، وأصله الأفك وهو القلب لأنه قول مأفوك عن وجهه والمراد ما أفك به على عائشة رضي الله عنها، قالت عائشة: فقدت عقداً في غزوة بني المصطلق فتخلفت ولم يعرف خلو الهودج لخفتي، فلما ارتحلوا أناخ لي صفوان بن المعطل بعيره وساقه حتى أتاهم بعد ما نزلوا فهلك فيّ من هلك، فاعتللت شهراً وكان عليه الصلاة والسلام يسأل «حديث : كيف أنت»؟تفسير : ولا أرى منه لطفاً كنت أراه حتى عثرت خالة أبي أم مسطح فقالت: تعس مسطح فأنكرت عليها فأخبرتني بالإفك، فلما سمعت ازددت مرضاً وبت عند أبوي لا يرقأ لي دمع وما أكتحل بنوم وهما يظنان أن الدمع فالق كبدي حتى قال عليه الصلاة والسلام «حديث : ابشري يا حميراء فقد أنزل الله براءتك»تفسير : فقلت: بحمد الله لا بحمدك {عُصْبَةٌ } جماعة من العشرة إلى الأربعين واعصوصبوا اجتمعوا وهم: عبد الله بن أبي رأس النفاق، وزيد بن رفاعة، وحسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش ومن ساعدهم {مّنكُمْ } من جماعة المسلمين وهم ظنوا أن الإفك وقع من الكفار دون من كان من المؤمنين {لاَ تَحْسَبُوهُ } أي الإفك {شَرّاً لَّكُمْ } عند الله {بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } لأن الله أثابكم عليه وأنزل في البراءة منه ثماني عشرة آية، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعائشة وصفوان ومن ساءه ذلك من المؤمنين {لِكُلّ ٱمْرِىء مّنْهُمْ مَّا ٱكْتَسَبَ مِنَ ٱلإثْمِ } أي على كل امريء من العصبة جزاء إثمه على مقدار خوضه فيه، وكان بعضهم ضحك وبعضهم تكلم فيه وبعضهم سكت. {وَٱلَّذِى تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ } أي عظمه عبد الله بن أبيّ {مِنْهُمْ } أي من العصبة {لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ } أي جهنم. يحكى أن صفوان مر بهودجها عليه وهو في ملأ من قومه فقال: من هذه؟ فقالوا: عائشة. فقال: والله ما نجت منه ولا نجا منها. ثم وبخ الخائضين فقال:
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {كبره} بضم الكاف: يعقوب. {إذ سمعتموه} وبابه مدغماً: أبو عمرو وعلي وهشام وحمزة غير خلف ورجاء والعجلي {إذ تلقونه} بالإظهار وتشديد التاء: البزي وابن فليح {ولا يتأل} من التألي: يزيد {ما زكى} بالتشديد والإمالة: روح وقرأ قتيبة ممالة مخففة. {يوم يشهد} على التذكير: حمزة وعلي وخلف. والباقون بتاء التأنيث. الوقوف: {عصبة منكم} ط {شراً لكم} ط {خير لكم} ط {من الإثم} ج لنوع عدول من إجمال حكم الكل إلى بيان حكم البعض مع اتفاق الجملتين {عظيم} ه {خيراً} لا للعطف {مبين} ه {شهداء} ج للشرط معنى مع الفاء {الكاذبون} ه {عظيم} ج لاحتمال أن يكون "إذ" ظرف قوله {لمسكم} أو {أفضتم} واحتمال كونه منصوباً باذكر وبهذا قد قيل: الوصل ألزم لأن قوله {سبحانه} من جملة مفعول {قلتم} {عظيم} ه {مؤمنين} ه ج لاتفاق الجملتين مع تكرار اسم الله دون الاكتفاء بالضمير وأنها آية {الايات} ط {حكيم} ه {أليم} ه لا لتعلق الظرف {والآخرة} ط {لا تعلمون} ه {رحيم} ه {خطوات الشيطان} ط {والمنكر} ط {ابداً} لا لتعلق لكن {من يشاء} ط {عليم} ه {في سبيل الله} ط والوصل أولى للعطف {وليصفحوا} ط {لكم} ط {رحيم} ه {والآخرة} ص {عظيم} ه لا لتعلق الظرف {يعملون} ه {المبين} ه {للخبيثات} ج للعطف مع التضاد {للطيبات} ه ج لاتحاد المعنى مع فقدان العاطف {يقولون} ط {كريم} ه. التفسير: إنه سبحانه لما ذكر من أحكام القذف ما ذكر أتبعها حديث إفك عائشة الصدّيقة وما قذفها به أهل النفاق. روى الزهري عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة بن ابي وقاص وكلهم رووا عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اراد سفراً أقرع بين نسائه فأيتهن خرج اسمها خرج بها معه فأقرع بيننا في غزوة. قال الزهري: هي غزوة المريسيع. وذكره البخاري في غزوة بني المصطلق من خزاعة. قال: وهي غزوة المريسيع أيضاً. فخرج اسمي فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما انصرف وقرب من المدينة نزل منزلاً ثم أذن بالرحيل فقمت حين أذنوا بالرحيل ومشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني وأقبلت إلى رحلي لمست صدري فإذا عقد لي من حزع أظفار قد انقطع، فرجعت والتمست عقدي وحبسني طلبه. وأقبل الرهط الذين كانوا يحملون فحملوا هودجي وهم يحسبون أني فيه لخفتي فإني كنت جارية حديثة السن وذهبوا بالبعير، فلما رجعت إلى مكاني وليس به أحد جلست وقلت: يعودون في طلبي فنمت. وقد كان صفوان بن المعطل يمكث في المعسكر يتتبع أمتعته فيحمله إلى المنزل الآخر لئلا يذهب منهم شيء، فلما رآني عرفني وقال: ما خلفك عن الناس؟ فأخبرته الخبر فنزل وتنحى حتى ركبت، ثم قاد البعير وافتقدني الناس حين نزلوا وخاض الناس في ذكري. فبيناهم في ذلك هجمت عليهم فتكلم القوم فيّ وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ومكثت شهراً أشتكي ولا يرقأ لي دمع أقول كما يقول العبد الصالح أبو يوسف {أية : فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون} تفسير : [يوسف: 18] إلى أن نزل فيّ {إن الذين جاؤا بالإفك} إلى آخر الآيات. وفي الحديث طول هذا حاصل سبب النزول. وأما التفسير فالإفك أبلغ ما يكون من الكذب والافتراء. وقيل: هو البهتان. والعصبة الجماعة من العشرة إلى الأربعين. والتركيب يدل على الاجتماع ومنه العصابة. قال المفسرون. هم عبد الله بن أبي رأس النفاق، وزيد بن رفاعة، وحسان بن ثابت، ومسطح ابن أثاثة، وحمنة بنت جحش ومن ساعدهم. ومعنى {منكم} أنهم كانوا من جملة من حكم لهم بالإيمان ظاهراً. أما الخطاب في قوله {لا تحسبوه شراً لكم} فالصحيح أنه لمن ساءه ذلك من المؤمنين وخاصة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعائشة وصفوان. ومعنى كونه خيراً لهم أنهم اكتسبوا فيه الثواب العظيم على قدر عظم البلاء، وأنه نزلت فيه بضع عشرة آية فيها تعظيم شأن الرسول صلى الله عليه وسلم وتسلية له وتنزيه لأم المؤمنين وتطهير لأهل البيت وتهويل للطاعنين فيهم إلى غير ذلك من الأحكام الشرعية والآداب العقلية. وقيل: الخطاب لعائشة وحدها والجمع لتعظيمها. وقيل: الخطاب للقاذفين وبيان الخيرية صرفهم عن الاستمرار على حديث الإفك إلى التوبة عن ذلك، ولعل في هذا الذكر عقوبة معجلة لهم فيكون في هذا القول الكفارة. وضعف هذا القول بأنه لا يناسب تسلية الرسول والمؤمنين ولا يطابق قوله {لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم} أي يصيب كل خائض في حديث الإفك ما يصيبه من عقاب ما اكتسب من إثم الخوض. {والذي تولى كبره} أي معظم الإفك وهو في قول الضحاك حسان ومسطح ولهذا جلدهما رسول الله صلى الله عليه وسلم مع امرأة من قريش، والشهر أنه عبد الله راس النفاق. ويحكى أن صفوان مر بهودجها وهو في ملأ من قومه فقال: من هذه؟ فقالوا: عائشة. فقال: والله ما نجت منه ولا نجا منها وقال: امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت ثم جاء يقودها. ويروى أن عائشة ذكرت حساناً وقالت: أرجو له الجنة. فقيل: أليس هو الذي تولى كبره؟ فقالت: إذا سمعت شعره في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم رجوت له الجنة. وفي رواية أخرى قالت: واي عذاب أشد من العمى. ثم علم أدباً حسناً في مثل هذه الواقعة فقال {لولا إذ سمعتموه ظن} فصل بين "لولا" التحضيضية وبين فعلها بالظرف لأنه يتسع في الظرف مالا يتسع في غيره تنزيلاً للظرف منزلة المظروف نفسه، ولأن الممكنات لا تنفك عن الظروف. والفائدة فيه أن يعلم أن ظن الخير كان يجب عليهم أول ما سمعوه بالإفك، فلما كان ذكر الوقت أهم وجب التقديم ومثله {ولولا إذ سمعتموه قلتم} [النور: 16] ثم لا يخفى أن أصل المعنى أن يقال: لولا إذ سمعتموه ظننتم بأنفسكم خيراً وقلتم هذا إفك. ومعنى بأنفسكم بالذين منكم من المؤمنين والمؤمنات، فعدل عن الخطاب إلى الغيبة، وعن الضمير إلى الظاهر ليبالغ في التوبيخ بطريقة الالتفات، ولينبه لفظ الإيمان على أن الاشتراك فيه يقتضي أن لا يصدّق مؤمن على أخيه ولا مؤمنة على أختها قول عائب ولا عاتب بل يقول بملء فيه بناء على ظن الخير مصرحاً ببراءة ساحته {هذا إفك مبين} وذلك أن المؤمن معه من العقل والدين ما يهديه إلى الاصلح ويؤخره عن الأقبح، ولم يوجد هذا الداعي والصارف معارض بتساويهما كما قيل: كلام العدى ضرب من الهذيان. فوجب أن لا يلتفت المؤمن إلى قول الطاعن في حق أخيه ويبقى على حسن ظنه به وهذا أدب حسن قل العامل به، وليتك تجد من يسمع فيسكت ولا يزيد فيه. روي أن أبا أيوب الأنصاري قال لأم أيوب: أما ترين ما يقال؟ فقالت: لو كنت بدل صفوان أكنت تظن بحرمة رسول الله سوءاً؟ قال: لا. قلت: لو كنت أنا بدل عائشة ما خنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعائشة خير مني وصفوان خير منك. وفي الآية دلالة على قول أبي حنيفة أن المسلمين عدول بعضهم على بعض ما لم يظهر منهم ريبة لأنا مأمورون بحسن الظن وذلك يوجب قبول الشهادة. ومن هنا قال أيضاً: إذ باع درهماً وديناراً بدرهمين ودينارين إنا نخالف بينهما لأنا قد أمرنا بظن الخير فوجب حمله على ما يجوز. ومثله إذا باع سيفاً محلى فيه مائة درهم بمائتي درهم نجعل المائة بالمائة والفضل بالسيف. وإذا وجدنا امرأة أجنبية مع رجل فاعترفا بالتزويج تصدقهما حملاً لعقود المسلمين وتصرفاتهم على الجواز والصحة. وزعم مالك أنهما يحدان إن لم يقيما بينة على النكاح. وقيل: إن الآية مختصة بعائشة لأن كونها زوجة النبي كالدليل القاطع على أن الذي قيل فيها إفك صريح. قال العلماء: يجوز أن تكون زوجة النبي كافرة كامرأة نوح ولوط، ولا يجوز أن تكون فاجرة لأن الأنبياء معصومون عن المنفرات ألبتة فإن حصول المنفر معه ينافي بعثته لكن الكفر غير منفر للكفرة. قال: وأما الكشخنة فمن أعظم المنفرات. قيل: في تفسيره الكشخان الذي تحبب امرأته الرجال إلى نفسها. ويقال: كشخنته أي قلت له ياكشخان. ثم بالغ في زجرهم عن حديث الإفك بقوله {لولا جاؤا} وهي أيضاً تحضيضية والمراد التفصيل بين الرمي الصادق والكاذب بثبوت شهادة الشهود الأربعة وانتفائها ولكن هذا العدد وكل فرد منه منتفٍ في حق عائشة فهم في حكم الله وشريعته كاذبون. وهذا القدر كافٍ في إلزام أولئك الطاعنين وإلا فهم في نفس الأمر بالنسبة إلى هذه الواقعة كاذبون كما مر تقريره آنفاً. ثم زاد في التهديد والزجر بقوله {ولولا فضل الله} هي "لولا" الامتناعية. قال جمهور المفسرين: لولا أني قضيت أن أتفضل عليكم في هذه الدنيا بضروب النعم التي من جملتها الإمهال للتوبة، وأن أترحم عليكم في الآخرة بالعفو والمغفرة، لعاجلتكم بالعقاب على ما خضتم فيه من حديث الإفك. وعن مقاتل أن في الآية تقديماً وتأخيراً والمعنى: ولولا فضل الله عليكم ورحمته بالحلم عنكم والحكم عليكم بالتوبة {لمسكم في ما} انفعتم {فيه عذاب عظيم} في الدنيا والآخرة معاً. وتلقي الإفك أخذه من أفواه القالة وقوله، والأصل تتلقونه بتاءين وقد قرئ به. كان الرجل يلقى الرجل فيقول له: ما وراءك؟ فيحدثه بحديث الإفك حتى طار وانتشر. وفي زيادة قوله {بأفواهكم} إشارة إلى أنه قول لا وجود له إلا في العبارة ولا حقيقة لمؤداه في الواقع. والقذف كبيرة من الكبائر كما سبق لا سيما قذف زوجة النبي وخاصة نبينا صلى الله عليه وسلم فلهذا قال {وهو عند الله عظيم} عن بعضكم أنه جزع عند الموت فقيل له فقال: أخاف ذنباً لم يكن مني على بال وهو عند الله عظيم. وفي النصائح الكبار لا تقولن لشيء من سيئاتك حقير فلعله عند الله نخلة وهو عندك نقير. وصفهم في الاية بارتكاب ثلاثة آثام: تلقي الإفك والتكلم بما لا حقيقة له ولا علم به واستهانة عظيمة من العظائم، وفيه أن عظم المعصية لا يتعلق بظن فاعله بل جهله بعظمه ربما يصير مؤكداً لعظمه. وفيه أن الواجب على المكلف أن يستعظم الإقدام على كل محرم إذ لا يأمن أن يكون عند الله من الكبائر. ثم علمهم أدباً آخر ومعنى {ما يكون لنا} لا ينبغي ولا يصح لنا. ومعنى {سبحانك} تنزيه الله من أن تكون زوجة نبينا الذي هو أحب خلقه إليه فاجرة، أو تنزيهه من أن يرضى بقذف هؤلاء المقربين ولا يعاقبهم، أو هو للتعجب من عظم الأمر وذلك أنه يسبح الله عند رؤية كل أمر عجيب من صنائعه فكثر حتى استعمل في كل متعجب منه. والفرق بين هذه الآية وبين قوله {لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون} هو أن تلك تميل إلى العموم وهذه إلى الخصوص فكأنه بين أن هذا القذف خاصة مما ليس لهم أن يتفوهوا به لما فيه من إيذاء نبيه وإيذاء زوجته التي هي حبيبته {يعظكم الله} بهذه المواعظ التي بها تعرفون عظم هذا الذنب كراهة {أن تعودوا} أو في شأن أن تعودوا {لمثله ابداً} أي مدة حياتكم. ولا دلالة للمعتزلة في قوله {إن كنتم مؤمنين} على أن ترك القذف من الإيمان لاحتمال أنه للتهيج والانزجار {ويبين الله لكم} أي لانتفاعكم {الآيات} الدالات على علمه وحكمته وما ينبغي أن يتمسك المكلف به في أبواب صلاح معاشه ومعاده {والله عليم حكيم} هما صفتان مختلفتان عند المعتزلة ثانيتهما أخص من الأولى، وعند الأشاعرة الثانية للتأكيد المحض. والمراد أنه يجب قبول تكاليفه وبياناته لأنه عالم بما أمر وبما يستحقه كل مأمور، وليس في تكليفه عيب ولا عبث. ومن كان هذه صفته وجب طاعته ليثبت ولا يعاقب. استدلت المعتزلة بالآية في أنه يريد الإيمان من الكل وإلا لم يكن واعظاً ولا مبيناً آياته لانتفاعهم ولا حكيماً لا يفعل القبائح. ولا جواب للاشاعرة إلا أنه يشاء ما يشاء ولا اعتراض عليه. ثم بين بقوله{إن الذين يحبون} أن أهل الإفك يشاركهم في عذاب الدارين من رضي بقولهم، وأنهم كما هم مؤاخذون بما أظهروه فهم معاقبون على ما أضمروه من محبة إشاعة الفاحشة والفحشاء في المؤمنين، لأنها تدل على الدغل والنفاق وعدم سلامة القلب. والفاحشة والفحشاء ما أفرط قبحه، وشيوعها انتشارها وظهورها بحيث يطلع عليها كل أحد وخصوص السبب لا يقتضي خصوص الحكم، فهذا الوعيد شامل لكل من أراد بواحد من المؤمنين أو المؤمنات شيئاً من المضار والأذيات.وبعضهم حمل الفاحشة على الزنا وخصص ما يحب شيوع الفاحشة بعبد الله بن أبي. وخصص الذين آمنوا بعائشة وصفوان، ولا يخفى ما فيه من ضيق العطن إلا أن يساعده نقل صحيح. وعذاب الدنيا الحد واللعن والذم وما على أهل النفاق من صنوف البلاء، ولقد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن ابي وحساناً ومسطحاً، وقعد صفوان لحسان فضربه ضربة بالسيف وكف بصره. وعذاب الآخرة في القبر وفي القيامة هو النار. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إني لأعرف قوماً يضربون صدورهم ضرباً يسمعه أهل النار وهم الهمازون اللمازون الذين يلتمسون عورات المسلمين ويهتكون ستورهم ويشيعون عليهم من الفواحش ما ليس فيهم" تفسير : وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : لا يؤمن العبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" تفسير : من الخير وأما قوله {والله يعلم وأنتم لا تعلمون} ففي نهاية حسن الموقع لأن الأعمال القلبية محبة الشر أو الخير لا يطلع عليها أحد كما هي إلا الله سبحانه. وإنما نعرف نحن شيئاً منها بالقرائن والإمارات وفيه زجر عظيم لمن لا يجتهد في أن يكون قلبه سليماً من النفاق والغل، وحصول هذا الغل في القلب غير العزم على الذنب فإن الأول ملكة والثاني حال، ولا يلزم من ترتب العقاب على الملكات ترتبه على الأحوال فافهم. قال أبو حنيفة: المغتابة بالفجور لا تستنطق لأن استنطاقها إشاعة للفاحشة وإنها ممنوع عنها. وقالت المعتزلة: في الآية دليل على أنه تعالى غير خالق للكفر ولا مريد وإلا كان ممن يحب أن تشيع الفاحشة. ولقائل أن يقول: قياس الغائب على الشاهد فاسد. ثم كرر المنة بترك المعاجلة بالعقاب والتميكن من التلافي وبالغ فيها بذكر الرؤوف والرحيم. وجواب "لولا" محذوف على نسق ما مر. وقيل: جوابه ما يدل على ذلك في قوله {ما زكى منكم} وهو بعيد. عن ابن عباس أن الخطاب لحسان ومسطح وحمنة والأقرب العموم. ثم نهى عن اتباع آثار الشيطان وسلوك مسالكه والاقتداء به في الإصغاء إلى الإفك وإشاعة الفحشاء وارتكاب مال تنكره العقول وتأباه. وقوله {فإنه يأمر بالفحشاء} من وضع السبب مقام المسبب والمراد ضل. قالت الاشاعرة: في قوله {ما زكى} بالتشديد والضمير لله وكذا في قوله {ولكن الله يزكي} دلالة على أن الزكاء وهو الطهارة من دنس الآثام لا يحصل إلا بالله، وهو دليل على أنه خالق الأفعال والآثار. وحمله المعتزلة على منح الألطاف أو على الحكم بالطهارة، وضعف بأنه خلاف الظاهر وبأنه يجب انتهاء الكل إليه، وبأن قوله {من يشاء} ينافي قولكم إن خلق الألطاف واجب عيه. ثم علم أدباً آخر جميلاً بقوله {ولا يأتل} وهو افتعل من الألية أي لا يحلف على عدم الإحسان، وحرف النفي يحذف من جواب القسم كثيراً فهي كقراءة من قرأ {ولا يأتل} وقيل: هو من قولهم "ما ألوت جهداً" إذا لم يدخر من الاجتهاد شيئاً اي لا يقصر في الإحسان إلى المستحقين. قالوا: نزلت في شأن مسطح وكان ابن خالة ابي بكر الصديق فقيراً من فقراء المهاجرين، وكان أبو بكر ينفق عليه. فلما فرط منه ما فرط آلى أن لا ينفق عليه فنزلت فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي بكر، فلما وصل إلى قوله {ألا تحبون أن يغفر الله لكم} قال أبو بكر: بلى أحب أن يغفر الله لي فعفا عن مسطح ورجع إلى الإنفاق عليه وقال: والله لا أنزعها أبداً. قال الإمام فخر الدين الرازي: هذه الاية تدل على أفضلية أبي بكر الصديق من وجوه، وذلك أن الفضل المذكور في الاية لا يراد به السعة في المال والإلزام التكرار فهو الفضل في الدين ولكنه مطلق غير مقيد فثبت له الفضل على الإطلاق. تركنا العمل به في حق النبي صلى الله عليه وسلم بالاتفاق فيبقى في الغير معمولاً به. وأيضاً ذكره الله تعالى في الآية بلفظ الجمع وإنه مشعر بالتعظيم. وأيضاً قد قيل: شعر : وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على المرء من وقع الحسام المهند تفسير : فهذا الظلم من مسطح كان في غاية العظم وقد امره الله تعالى بالصفح عنه، وامتثل هو فكان فيه نهاية جهاد النفس فيكون ثوابه على حسن ذلك. وأيضاً في تسميته أولي الفضل والسعة شرف تام فكأنه قيل له: أنت أفضل من أن تقابل إنساناً بسوء وأنت أوسع قلباً من أن تقيم للدنيا وزناً فلا يليق بفضلك وسعة قلبك أن يقطع برك عمن اساء إليك. وأيضاً أمره الله تعالى بالعفو والصفح وقال لنبيه {أية : فاعف عنهم واصفح} تفسير : [المائدة: 13] فهو من هذه الجهة ثاني اثنين له في الأخلاق. وأيضاً علق المغفرة بالعفو وقد حصل العفو فتحصل المغفرة ألبتة في الحال وفي الاستقبال لقوله {أن يغفر} فهو للاستقبال فيكون كما قال لنبيه {أية : ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} تفسير : [الفتح: 2] وفيه دليل على حقية خلافته وإلا كان عاصياً والعاصي في النار. وليس النهي في قوله {ولا يأتل} نهي زجر عن المعصية ولكنه ندب إلى الأولى والأفضل وهو العفو. عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : أفضل أخلاق المسلمين العفو" تفسير : وعنه صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يكون العبد ذا فضل حتى يصل من قطعه ويعفو عمن ظلمه ويعطي من حرمه" تفسير : واعلم أن العلماء أجمعوا على أن مسطحاً كان مذنباً لأنه أتى بالقذف أو رضي به على الروايتين عن ابن عباس، ولهذا حده رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأجمعوا ايضاً على أنه من البدريين وقد ورد فيهم الخبر الصحيح "حديث : لعل الله نظر إلى أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" تفسير : فكيف الجمع بين الأمرين؟ أجابوا أنه ليس المراد من قوله "اعملوا ما شئتم" أنهم خارجون عن حد التكليف وإنما المراد اعملوا من النوافل ما شئتم قليلاً أو كثيراً فقد أعطيتكم الدرجات العليات في الجنة، أو اراد حسن حالهم في العاقبة أنهم يوافون بالطاعة فكأنه قال: قد غفرت لكم لعلمي بأنكم تموتون على التوبة والإنابة. قالت الأشاعرة: في وصف مسطح ومدحه بكونه من المهاجرين دليل على أن ثواب كونه مهاجراً لم ينحبط بإقدامه على القذف فيكون القول بالمحابطة باطلاً. استدل جمهور الفقهاء بالاية في قول من فسر الائتلاء بالحلف على أن اليمين على الامتناع من الخير غير جائزة وإنما يجوز إذا جعلت داعية للخير لا صارفة عنه. ثم قالوا: من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فينبغي له أن يأتي بالذي هو خير ثم يكفر عن يمينه كما جاء في الحديث ولقوله تعالى {أية : ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان} تفسير : [المائدة: 89] وهو عام في جانب الخير وفي غيره. ومثله ما ورد في قصة أيوب {أية : وخذ بيدك ضغثاً فاضرب به} تفسير : [ص: 44] ولو كان الحنث كفارة لو يؤمر بضرب الضغث عيها. وقال بعض العلماء: إنه يأتي بالذي هو خير وذلك كفارته لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث آخر "حديث : من حلف عليّ يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت بالذي هو خير وذلك كفارته" تفسير : ولأنه تعالى أمر أبا بكر في هذه الآية بالحنث ولو يوجب عليه كفارة. وأجيب بأن معنى الكفارة في الحديث تكفير الذنب لا الكفارة الشرعية التي هي إحدى الخصال، وإنما ذهبنا إلى هذا ليكون مطابقاً للحديث الآخر "حديث : من حلف عليّ يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه" تفسير : وأما هذه الآية فإنما لم يذكر فيها الكفارة لأنها معلومة من آية المائدة. قوله {أن الذين يرمون المحصنات} قد مر تفسير المحصنة. وأما الغافلات فهن السليمات الصدور النقيات القلوب اللاتي ليس فيهن دهاء ولا مكر بحسب الغريزة أو لقلة التجارب، وقد يعين على ذلك صغر السن وغير ذلك من الأحوال. قال الأصوليون: خصوص السبب لا يمنع العموم فيدخل في الآية قذفة عائشة وقذفة غيرها، وخصصه بعض المفسرين فمنهم من قال: المراد عائشة وحدها والجمع للتعظيم. ومنهم من قال: عائشة مع سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. ومنهم من قال: هي أم المؤمنين فجمعت إرادة لها ولبناتها من نساء الأمة المشاكلة لها في الإحصان والغفلة والإيمان. وذكروا في سبب التخصيص أن قاذف سائر المحصنات تقبل توبته لقوله {إلاّ الذين تابوا} وأما القذف المذكور في هذه الآية فوعيده مطلق من غير استثناء. وأجيب بأنه طوى ذكر التوبة في هذه الآية لكونها معلومة. وقد يحتج للمخصص بما روي عن ابن عباس أن كان بالبصرة يوم عرفة فسئل عن تفسير هذه الآية فقال: من أذنب ذنباً ثم تاب قبلت توبته إلا من خاض في أمر عائشة. ومنهم من قال: نزلت الآية في مشركي مكة حين كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد، وكانت المرأة إذا خرجت إلى المدينة مهاجرة قذفها المشركون من أهل مكة وقالوا: إنما خرجت لتفجر. أما شهادة الجوارح فلا إشكال فيها عند الأشاعرة لأنهم يقولون: البنية ليست شرطاً في الحياة فيجوز أن يخلق الله تعالى في الجوهر الفرد علماً وقدرة وكلاماً. وقالت المعتزلة: المتكلم هو فاعل الكلام فيكون الكلام المضاف إلى الجوارح هو في الحقيقة من الله تعالى. ويجوز أن يبني الله هذه الجوارح على خلاف ما هي عليه ويلجئها إلى أن تشهد على الإنسان وتخبر عن أعماله. ومعنى {دينهم الحق} الجزاء المستحق. وقال في الكشاف: معنى قوله {هو الحق المبين} العادل الظاهر العدل. وقال غيره: سمي حقاً لأنه حق عبادته أو لأنه الموجود بالحقيقة وما سواه فوجوده مستعار زائل. والمبين ذو البيان الصحيح أو المظهر للموجودات. فالحصال أنه واجب الوجود لذاته مفيد الوجود لغيره. ثم ختم الآيات الواردة في أهل الإفك بكلمة جامعة وهي قوله {الخبيثات} يعني الكلمنات التي تخبث مواردها ويستقذرها من يخاطب بها ويمجها سمعه ككلمات أهل الإفك، ويجوز أن يراد بالخبيثات مضمون الآيات الواردة في وعيد القذفة لأن مضمونها ذم ولعن وهو يستكره طبعاً وإن كان نفس الكلمة التي هي من قبل الله سبحانه طيباً. وعلى الوجهين يراد بالخبيثين الرجال والنساء جميعاً إلا أنه غلب الرجال. والحاصل أن الخبيثات من القول تقال أو تعد للخبيثين من الرجال والنساء، والخبيثون من الصنفين للخبيثات من القول وكذلك الطيبات والطيبون {أولئك} الطيبون {مبرؤن مما} يقول الخبيثون من خبيثات الكلم. قال جار الله: هو كلام جارٍ مجرى المثل لعائشة وما رميت به من قول لا يطابق حالها في النزاهة والطيب، وجوز بقرينة الحال أن يكون {أولئك} إشارة إلى أهل البيت عليهم السلام وأنهم مبرؤون مما يقول أهل الإفك. وفي الآية قول آخر وهو أن يراد بالخبيثات النساء الخبائث، وبالخبيثين الرجال الذين هم أشكال لهن فيكون أول الآية نظير قوله {الزاني لا ينكح إلا زانية} وكذلك الكلام في أهل الطيب ولا أطيب من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون أزواجه مثله فلذلك أخبر عن حالهن بقوله {لهم مغفرة ورزق كريم} وقد مر تفسير الرزق الكريم في "الحج" نظيره قوله في الأحزاب {أية : وأَعتدنا لها رزقاً كريماً} تفسير : [الأحزاب: 31] وفي الآية دلالة على أن عائشة من أهل الجنة. وقال بعض الشيعة: هذا الوعد مشروط باجتناب الكبائر وقد فعلت عائشة من البغي يوم الجمل ما فعلت، والصحيح عند العلماء إنها رجعت عن ذلك الاجتهاد وتابت. عن عائشة: لقد أعطيت تسعاً من أعطيتهن امرأة: لقد نزل جبريل عليه السلام بصورتي في راحته حين أمر النبي أن يتزوجني، ولقد تزوجني بكراً وما تزوج بكراً غيري، ولقد توفي وإن رأسه لفي حجري، ولقد قبر في بيتي، ولقد حفته الملائكة في بيتي، وإن الوحي لينزل عليه في أهله فيتفرقون عنه وإن كان لينزل عليه وأنا معه في لحافه، وإني لابنة خليفته وصدّيقه، ولقد نزل عذري من السماء، ولقد خلقت طيبة عند طيب، ولقد وعدت مغفرة ورزقاً كريماً. وعن بعضهم: برأ الله أربعة بأربعة: برأ يوسف بلسان الشاهد {أية : وشهد شاهد من أهلها} تفسير : [يوسف: 26] وبرأ موسى من قول اليهود فيه بالحجر الذي ذهب بثوبه، وبرأ مريم بإنطاق ولدها حين نادى من حجرها إلى عبد الله، وبرأ عائشة بهذه الآيات العظام في كتابه المتلو على وجه الدهر مثل هذه التبرئة بهذه المبالغات، فانظر كم بينها وبين تبرئة أولئك وما ذاك إلا لإظهار علو منزلة سيد الأولين والآخرين وحجة الله على العالمين. التأويل: إذا حصل لأهل الله مسألة إلى غيره قيض الله له ما يرده إليه، وأن النبي عليه السلام لما قيل له: أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة فساكنها وقال: يا عائشة حبك في قلبي كالعقدة. وقالت عائشة: إني أحبك وأحب قربك فالله تعالى حل عقدة الحب عن قلبه لحديث الإفك ورد قلب عائشة إلى حضرته حتى قالت حين ظهرت براءة ساحتها "بحمد الله لا بحمدك". وقيل: الملامة مفتاح باب حبس الوجود بها يذوب الوجود ذوبان الثلج بالشمس {يوم تشهد عليهم} شهادة الأعضاء في القيامة مؤجلة وبالحقيقة هي في الدنيا معجلة كقوله {أية : تعرفهم بسيماهم} تفسير : [البقرة: 273] من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار وقال الشاعر: شعر : عيناك قد حكتا مبيتك كيف كنت وكيف كانا ولرب عين قد أرتك مبيت صاحبها عياناً تفسير : وإذا كانت الإمارة في الدنيا ظاهرة فهي في القيامة أولى فاللسان يشهد بالإقرار بقراءة القرآن، واليد تشهد بأخذ المصحف، والرجل تشهد بالمشي إلى المسجد، والعين تشهد بالبكاء، والأذن تشهد باستماع كلام الله. وعند الحكماء تظهر أنوار الملكات الحميدة على النفس من البدن وبالعكس كما تتعاكس أنوار المرايا المتقابلة، ويعلمون أهل الوصول والوصال أن الله هو الحق المبين لا شيء في الوجود غيره لا في الدنيا ولا في الآخرة، وحينئذ يحق أن يقال: {الخبيثات} وهن الملوثات بلوث الوجود المجازي {للخبيثين} وهم أمثالهن {والطيبات} من لوث الحدوث {للطيبين} وهم أشكالهن ولا طيب إلا الله وحده.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ جَاءُو بِٱلإِفْكِ...} الآية: نزلت في شأن أُمِّ المؤمنين عائشة رضي اللّه عنها ففي «البخاريِّ» في غزوة بَنِي المُصْطَلِقِ عن عائشة رضي اللّه عنها قالت: وأَنْزَلَ اللّهُ العَشْرَ الآياتِ في بَرَاءَتِي: {إِنَّ ٱلَّذِينَ جَاءُو بِٱلإِفْكِ...} الآيات: والإفك: الزُّورُ والكذب، وحديث الإفك في «البخاريِّ» و «مسلم» وغيرهما مُسْتَوْعَبٌ، والعُصْبَةُ: الجماعة من العشرة إلى الأربعين. وقوله سبحانه: {لاَ تَحْسَبُوهُ} خطاب لِكُلِّ مَنْ ساءه ذلك من المؤمنين. وقوله تعالى: {بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} معناه: أَنَّه تَبْرِئَةٌ في الدنيا, وترفيعٌ من اللّه تعالى في أنْ نَزَّلَ وَحْيَهُ بالبراءة من ذلك، وأجرٌ جزيلٌ في الآخرة، وموعظةٌ للمؤمنين في غابر الدهر، و {ٱكْتَسَبَ}: مستعملة في المآثم، والإشارة بقوله تعالى: {وَٱلَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ} هي إلى: عبد اللّه بن أُبَيِّ ابن سلولَ وغيره من المنافقين، وكِبْرَهُ: مصدر كَبُرَ الشيء وعَظُمَ ولكنِ استعملتِ العربُ ضَمَّ الكاف في السِّنِّ. وقوله تعالى: {لَّوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً...} الآية: الخطاب للمؤمنين حاشا مَنْ تولى كِبْرَهُ، وفي هذا عتابٌ للمؤمنين، أي: كان الإنكارُ واجباً عليهم، ويقيس فُضَلاَءُ المؤمنين الأمر على أنفسهم، فإذا كان ذلك يَبْعُدُ فيهم فَأُمُّ المُؤمنين أَبْعَدُ، لِفَضْلِهَا، وَوَقَعَ هذا النَّظَرُ الشديد من أبي أَيُّوبَ وامرأته؛ وذلك أَنَّهُ دَخَلَ عليها فقالت له: «يا أبا أيوبَ، أَسَمِعْتَ ما قيل؟ فقال: نعم، وذلك الكذبُ؛ أكنتِ أنت يا أُمَّ أَيُّوبَ، تفعلين ذلك؟ فقالت: لا، والله، قال: فعائشة ـــ واللّه ـــ أفضلُ منك، قالتْ أُمُّ أيوب: نعم» فهذا الفعل ونحوه هو الذي عاتب اللّه فيه المؤمنين؛ إذ لم يفعله جميعهم، والضمير في قوله: {لَّوْلاَ جَاءُو} للذين تولوا كبره.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُوا بِٱلإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ} الآية. في خبر "إِنَّ" وجهان: أحدهما: أنه عصبةٌ و"مِنْكُمْ" صفته. قال أبو البقاء: "وبه أفاد الخبر". والثاني: أن الخبر الجملة من قوله: "لاَ تَحْسَبُوهُ"، ويكون "عُصْبَةٌ"، بدلاً من فاعل "جَاءوا". قال ابن عطية: التقدير: إنَّ فعل الذين، وهذا أنسق في المعنى وأكثر فائدة من أن يكون "عُصْبَةٌ" خبر (إِنَّ). كذا أورده عنه أبو حيان غير معترض عليه؛ والاعتراض عليه واضح من حيث أنه أوقع خبر "إِنَّ" جملة طلبية، وقد تقدم أنه لا يجوز وإن ورد منه شيء في الشعر أُوِّلَ كالبيتين المتقدمين. وتقدير ابن عطية ذلك المضاف قبل الموصول ليصحّ به التركيب الكلامي، إذ لو لم يقدر لكان التركيب "لاَ تَحْسَبُوهُمْ". ولا يعود الضمير في "لا تَحْسَبُوهُ" على قول ابن عطية على الإفك لئلا تخلو الجملة من رابط يربطها بالمبتدأ. وفي قول غيره يجوز أن يعود على الإفك، أو على القذف، أو على المصدر المفهوم من "جَاءُوا"، أو على ما نال المسلمين من الغم. فصل سبب نزول هذه الآية ما روى الزهري عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة بن أبي وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود كلهم رووا عن عائشة قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، قالت: فأقرع بيننا في غزوة غزاها قبل بني المصطلق فخرج فيها سهمي، فخرجت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد نزول آية الحجاب، فحملت في هودج فسِرْنَا حتى إذا فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غزوته تلك وقفل دنونا من المدينة قافلين نزل منزلاً ثم آذَنَ بالرحيل، فقمت حين آذنوا ومشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي فلمست صدري فإذا عقدي من جزع ظَفَار وقد انقطع، فرجعت والتمست عقدي، فحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون بي فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري وهم يحسبون أني فيه لخفتي، وكان النساء إذ ذاك خفافاً لم يُهْبَّلْنَ ولم يغشهن اللحم، إنما يأكلن العُلْقَة من الطعام، فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه وحملوه، وكنت جارية حديثة السن فظنوا أني في الهودج، وذهبوا بالبعير، ووجدت عقدي بعدما اسْتَمَرَّت الجيش، فجئت منازلهم وليس بها منهم داع ولا مجيب فتيممت منزلي الذي كنت فيه، وظننت أنهم سيفقدوني ويعودون في طلبي، فبينما أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش يتبع أمتعة الناس يحمله إلى المنزل الآخر لئلا يذهب شيء، فلما رآني عرفني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي ووالله ما تكلمنا بكلمة، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، وهوى حتى أناخ راحتله فوطئ على يديها، فقمت إليها فركبتها، وانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش موغرين في نحر الظهيرة وهم نزول، وافتقدني الناس حين نزلوا، وماج الناس في ذكري، فبينا الناس كذلك إذ هجمت عليهم، فتكلم القوم وخاضوا في حديثي. قالت: فَهَلَك مَنْ هلك، وكان الذي تولى كبر الإفك عبد الله بن أُبيّ ابن سَلولٍ. قال عروة: لم يسلم من الإفك إلا حسان بن ثابت، ومسطح بن أُثاثة، وحمنة بنت جحش. في أناس آخرين لا علم بهم غير أنهم عصبة كما قال عزَّ وجلَّ. قال عروة: وكانت عائشة تكره أن يُسَب عندها حسان وتقول: إنه هو الذي قال: شعر : 3818- فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضي لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ تفسير : قالت عائشة: وقدم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) المدينة، ولم أر فيه - عليه السلام - ما عهدته من اللطف الذي كنت أعرف منه، والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك، فاشتكيت حتى قدمت شهراً، وهو يريبني في وجعي أنَّي لا أرى من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي إنما يدخل عليّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيسلم ثم يقول: "كيف تيكُمْ"؟ ثم ينصرف، فذلك يَريبُني، ولا أشعر بالشر، حتى خرجت حين نقهت، فخرجت مع أم مِسْطَح قِبَلَ المناصع وكان متبرَّزنا، وكنا لا نخرج إلا ليلاً إلى الليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريباً من بيوتنا قالت: فانطلقت أنا وأم مِسْطَح، وهي بنت أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف. وأمها ابنة صخر بن عامر، خالة أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - وابنُها مِسْطَح بن أُثَاثة بن عباد بن المطلب، فأقبلت أنا وأم مِسْطح قبل بيتي حين فرغنا من شأننا، فعثرت أم مِسْطَح في مرطها، فقالت: تعس مِسْطَح. فقلت لها: بئس ما قلت، أَتَسُبِّين رجلاً شهد بدراً؟ فقالت: أي هنتاه، أو لم تسمعي ما قال؟ فقلت: وما قال؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك، وقالت: أشهد بالله إنك من المؤمنات الغافلات. فازددتُ مرضاً على مرضي، فلما رجعت إلى بيتي دخل عليَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال: "كيف تِيكُمْ"؟ فقلت له أتأذن لي أن آتي أَبَوَيّ؟ قالت: وأريد أن أستيقن الخبر من قبلهما، قالت: فأذن لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت لأمي: يا أماه، ماذا يتحدث الناس؟ قالت: يا بنية، هَوِّني عليك، فوالله لقلَّما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضراء إلا كَثَّرنَ عليها. فقلت: سبحان الله، أو لقد تحدث الناس بها؟ فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يَرْقَأُ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، فدخل عليَّ أبي وأنا أبكي، فقال لأمي: ما يبكيها؟ قالت: لم تكن علمت ما قيل فيها، فأقبل يبكي. قالت: ودعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليّ بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يسألهما ويستشيرهما في فراق أهله، فقال أسامة: يا رسول الله، هم أهلك، ولا نعلم إلا خيراً. وأما عليّ فقال: لم يضيِّق الله عليك، والنساء سواها كثير، وسل الجارية تَصْدُقكَ، فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم بَرِيرَة، فقال: "هَلْ رأيتِ من شيء يُريبُك"؟ قالت له بريرة: والذي بعثك بالحق نبياً ما رأيت عليها أمراً قط أغضه أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله. قالت: فقام نبي الله خطيباً على المنبر فقال: يا معشر المسلمين من يعذرُني من رجل قد بلغ أذاه في أهلي - يعني: عبد الله بن أُبيّ - فوالله ما علمت على أهلي إلا خيراً، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً، وما كان يدخل على أهلي إلا معي فقام سعد بن معاذ أخو بني الأشهل فقال: أنا يا رسول الله أعْذِرُك فإن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج فما أمرتنا فعلناه فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج، وكان رجلاً صالحاً، ولكن أخذته الحمية، وكانت أم حسان بنت عمه من فخذه، فقال لسعد بن معاذ: كذبت، لعمر الله لا تقدر على قتله. فقام أسيد بن حُضَير، وهو ابن عم سعد بن معاذ فقال لسعد بن عبادة: كذبت، لعمر الله لنقتله، وإنك لمنافق تجادل عن المنافقين، فثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المنبر، فلم يزل يخفضهم حتى سكتوا. قالت: فبكيتُ يَوْمِي ذلك كله وليلتي لا يَرْقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، فأصبح أبواي عندي، وقد بكيت ليلتين ويوماً حتى أني لأظنّ أن البكاء فالق كبدي، فبينما أبواي جالسان عندي وأنا أبكي، فاستأذنت عليّ امرأة من الأنصار، فأذنت لها، فجلست تبكي معي، فبينما نحن على ذلك إذ دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علينا فسلم ثم جلس، قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل فِيَّ ما قيل، وقد لبث شهراً لا يوحى إليه في شأني بشيء، فتشهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين جلس ثم قال: أمَّا بعد يا عائشة، فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنبٍ فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف ثم تاب تاب الله عليه قالت: فلمَّا قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقالته قلص دمعي حتى ما أحسُّ منه قطرة، (فقلت) لأبي: أجب عني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما قال. فقال: والله ما أردي ما أقول لرسول الله. فقلت لأمي: أجيبي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت أمي: والله ما أدري ما أقول لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت وأنا جارية حديثة السِّن لا أقرأ من القرآن كثيراً: إني والله لقد علمت أنكم قد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به، فلئن قلت لكم: إني بريئة لا تصدقوني، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني منه بريئة لتصدقونني، فوالله لا أجد لي ولكم مثلاً إلا أبا يوسف حين قال: {أية : فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ} تفسير : [يوسف: 18] ثم تحولت واضطجعت على فراشي والله يعلم وأنا أعلم أني حينئذ بريئة، وأن الله مبرئي ببراءتي، ولكن والله ما كنت أظن أن الله منزل في شأني وحياً يُتلى، ولَشَأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله فيّ بأَمْرٍ، ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رؤيا يبرئني الله بها، فوالله ما قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مجلسه ولا خرج من أهل البيت أحد حتى أنزل الله على نبيه فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي حتى إنه ليتحدر فيه العرق مثل الجمان في اليوم الشات من ثقل القول الذي أنزل عليه. قالت: فسري عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يضحك، وكان أول كلمة تكلم بها أن قال: "يا عائشة، أما الله قد برأك" قالت: فقالت لي أمي: قومي إليه. فقلت: فوالله لا أقوم إليه، فإني لا أحمد إلا الله. قالت: وأنزل الله {إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُوا بِٱلإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ..} العشر آيات. فقال أبو بكر: والله لا أنفق على مِسْطَح بعدها، وكان ينفق عليه لقرابته منه وفقره، فأنزل الله: {أية : وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ..} تفسير : [النور: 22] إلى قوله: "غَفُورٌ رَحِيمٌ". فلما سمع أبو بكر قوله تعالى: {أية : أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ} تفسير : [النور: 22] قال أبو بكر: والله إني لأحب أن يغفر الله لي. فرجع إلى النفقة على مِسْطح وقال: والله لا أنزعها منه أبداً. قال: فلما نزل عُذْري قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكر ذلك وتلا القرآن، فلما نزل ضرب عبد الله بن أُبيِّ ومِسْطَح وحسَّان وحَمنَة الحد. فصل الإفك: أبلغ ما يكون من الكذب والافتراء، وهو أسوأ الكذب. وسمي إفكاً لكونه مصروفاً عن الحق من قولهم: أفك الشيء: إذا قلبه عن وجهه. قيل: هو البهتان وأجمع المسلمون على أن المراد: ما أفك به على عائشة. وإنما وصف الله ذلك الكذب بكونه إفكاً لكون المعروف من حال عائشة خلافه، وذلك من وجوه: الأول: أن كونها زوجة المعصوم يمنع من ذلك، لأن الأنبياء مبعوثون إلى الكفار ليدعونهم ويستعطفونهم، فيجب ألا يكون معهم ما ينفر عنهم، وكون زوجة الإنسان مسافحة من أعظم المنفرات. فإن قيل: كيف جاز أن تكون امرأة الرسول كافرة كامرأة نوح ولوط، ولم يجز أن تكون فاجرة؟ وأيضاً فلو لم يجز لكان الرسول أعرف الناس بامتناعه ولو عرف ذلك لما خاف ولما سأل عائشة عن كيفية الواقعة؟ فالجواب عن الأول: أن الكفر ليس من المنفرات بخلاف الفجوز فإنه من المنفرات. والجواب عن الثاني: أنه عليه السلام كثيراً ما يكون يضيق قلبه من أقوال الكفار مع علمه بفساد ذلك، كما قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ} تفسير : [الحجر: 97] فهذا من ذاك الباب. الثاني: أن المعروف من عائشة قبل تلك الواقعة إنما هو الصون والبعد عن مقدمات الفجور، ومن كان كذلك كان اللائق إحسان الظن به. الثالث: أن القاذفين كانوا من المنافقين وأتباعهم، وكلام المفتري ضرب من الهذيان. فلمجموع هذه كان ذلك القول معلوم الفساد قبل نزول الوحي. فصل العُصْبَةُ: قيل: الجماعة من العشرة إلى الأربعين، وكذلك العِصَابَة، وهم عبد الله بن أُبيّ رأس المنافقين، وزيد بن رفاعة، وحسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش ومن ساعدهم. قوله: "كِبْرَهُ" العامة على كسر الكاف. وضمّها في قراءته الحسن والزهري وأبو رجاء وأبو البرهسم وابن أبي عبلة ومجاهد وعَمْرة بنت عبد الرحمن. ورويت أيضاً عن أبي عمرو والكسائي. فقيل: هما لغتان في مصدر: كبر الشيء، أي: عظم، لكن غلب في الاستعمال أن المضموم في السن والمكانة، يقال: هو كُبر القوم بالضم، أي: أكبرهم سناً أو مكانة، وفي الحديث قصة مُحَيْصَة وحويصة: "حديث : الكُبْرَ الكُبْرَ ". تفسير : وقيل: بالضم: معظم الإفك. وبالكسر: البداءة. وقيل: بالكسر: الإثم. قوله: "مِنْكُم" معناه: إن الذين أتوا بالكذب في أمر عائشة جماعة منكم أيها المؤمنون، لأن عبد الله كان من جملة من حكم له بالإيمان ظاهراً. قوله: {لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} هذا شرح حال المقذوف وليس خطاب مع القاذفين. فإن قيل: هذا مشكل من وجهين: أحدهما: أنه لم يتقدم ذكرهم. والثاني: أن المقذوفين هم عائشة وصفوان، فكيف يحمل عليهما صيغة الجمع في قوله: {لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ}؟ فالجواب عن الأول: أنه تقدم ذكرهم في قوله: "مِنْكُمْ". وعن الثاني: أن المراد من لفظ الجمع: كل من تأذّى بذلك الكذب، ومعلوم أنه - صلى الله عليه وسلم - تأذّى بذلك وكذلك أبو بكر ومن يتصل به. فإن قيل: فمن أي جهة يصير خيراً لهم مع أنه مَضَرّة؟ فالجواب: لوجوه: أحدها: أنهم صبروا على ذلك الغم طلباً لمرضاة الله فاستوجبوا به الثواب وهذه طريقة المؤمنين. وثانيها: لولا إظهار الإفك كان يجوز أن يبقى الهَمُّ كامِنٌ في صدور البعض، وعند الإظهار انكشف كذب القوم. وثالثها: صار خيراً لهم لما فيه من شرفهم وبيان فضلهم من حيث نزلت ثماني عشرة آية، كل واحدة منها مستقلة ببراءة عائشة، وشهد الله بكذب القاذفين، ونسبهم إلى الإفك، وأوجب عليهم اللعن والذم، وهذا غاية الشرف والفضل. ورابعها: صيرورتها بحال تعلق الكفر بقذفها، فإن الله لما نص على كون تلك الواقعة إفكاً وبالغ في شرحه، فكل من شك فيه كان كافراً قطعاً، وهذه درجة عالية. وقال بعضهم: قوله تعالى: {لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ} خطاب مع القاذفين وجعل الله خيراً لهم من حيث كان هذا الذكر عقوبة معجلة كالكفارة، ومن حيث تاب بعضهم عنده. وهذا القول ضعيف، لأنه تعالى خاطبهم بالكاف، ولما وصف أهل الإفك خاطبهم بالهاء بقوله: {لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ مَّا ٱكْتَسَبَ مِنَ ٱلإِثْمِ}، ومعلوم أن نفس ما اكتسبوه لا يكون عقوبة، فالمراد: لهم جزاء ما اكتسبوه من العقاب في الآخرة والمذمة في الدنيا، والمعنى: أن قدر العقاب يكون مثل قدر الخوض. قوله: {وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ}. أي: الذي قام بإشاعة هذا الحديث وهو عبد الله بن (أبيّ ابن) سلول. والعذاب العظيم هو النار في الآخرة. روي عن عائشة في حديث الإفك قالت: ثم ركبت وأخذ صفوان بالزمام فمررنا بملأ من المنافقين، وكان عادتهم أن ينزلوا منتبذين من الناس، فقال عبد الله بن أبي رئيسهم: من هذه؟ قالوا: عائشة. قال: والله ما نجت منه ولا نجا منها، وقال: امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت، ثم جاء يقودها. وشرع في ذلك أيضاً حسان بن ثابت، ومِسْطَح، وحمنة بنت جحش زوجة طلحة بن عبيد الله، فهم الذين تولوا كِبْرَه. والأقرب أنه عبد الله بن أُبيّ، فإنه كان منافقاً يطلب ما يقدح في (الرسول). قال مسروق: دخلتُ على عائشة وعندها حسان بن ثابت ينشد شعراً يشبب بأبيات له وقال: شعر : 3819- حَصَانٌ رَزَانٌ ما تُزَنُّ بِرِيبَةٍ وَتُصْبحُ غَرْثَى مِنْ لحُومِ (الغَوَافِلِ) تفسير : فقالت له عائشة: "لكنك لست كذلك". قال مسروق: فقلت لها: لم تأذنين له أن يدخل عليك وقد قال الله: "{وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ}؟ قالت: "وأيُّ عذابٍ أشد من العمى". وروي أن عائشة ذكرت حسان وقالت: "أَرْجُو لَهُ الجنةَ". فقيل: أليس هو الذي تولى كبره؟ فقالت: "إذا سَمِعْتُ شِعْرَهُ في مدحِ الرسولِ رَجَوْتُ لَهُ الجَنَّةَ" وقال عليه السلام: "حديث : إِنَّ الله يؤيد حسان بروح القدس في شعره ". تفسير : وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالذين رموا عائشة فجلدوا الحد جميعاً. فصل المراد من إضافة الكبر إليه أنه كان مبتدئاَ بذلك القول، فلا جرم حصل له من العقاب ما حصل لكل من قال ذلك، لقوله عليه السلام: "حديث : من سنَّ سُنّة سيئةً فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ". تفسير : وقال أبو مسلم: "سبب تلك الإضافة شدة الرغبة في إشاعة تلك الفاحشة".
السيوطي
تفسير : أخرج عبد الرزاق وأحمد والبخاري وعبد بن حميد ومسلم وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج إلى سفر أقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم معه. قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج سهمي، فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما نزل الحجاب وأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه، فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته تلك، وقفل فدنونا من المدينة قافلين. آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي فإذا عقد لي من جزع ظفار قد انقطع، فالتمست عقدي وحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون بي فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافاً لم يثقلهن اللحم، إنما تأكل المرأة العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه، وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل فساروا فوجدت عقدي بعدما استمر الجيش، فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب، فيممت منزلي الذي كنت به فظننت أنهم سيفقدوني فيرجعون إلي. فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت. وكان صفوان بن المعطل السلمي، ثم الذكواني من وراء الجيش فأدلج، فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني فعرفني حين رآني وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي والله ما كلمني كلمة واحدة، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، حتى أناخ راحلته فوطىء على يديها، فركبتها فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعد أن نزلوا موغرين في نحر الظهيرة فهلك في من هلك. وكان الذي تولى الإِفك عبدالله بن أبي ابن سلول. فقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمت شهراً، والناس يفيضون في قول أصحاب الإِفك لا أشعر بشيء من ذلك وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل عليَّ فيسلم ثم يقول: كيف تيكم؟ ثم ينصرف. فذاك الذي يريبني ولا أشعر بالشر، حتى خرجت بعدما نقهت وخرجت معي أم مسطح قبل المناصع وهي متبرزنا، وكنا لا نخرج إلا ليلاً إلى ليل وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريباً من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في التبرز قبل الغائط. فكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا، فانطلقت أنا وأم مسطح، فأقبلت أنا وأم مسطح قبل بيتي قد أشرعنا من ثيابنا، فعثرت أم مسطح في مرطها، فقالت: تعس مسطح فقلت لها: بئس ما قلت اتسبين رجلاً شهد بدراً! قالت: أي هنتاه أو لم تسمعي ما قال!؟ قلت: وما قال..؟ فأخبرتني بقول أهل الإِفك، فازددت مرضاً على مرضي.حديث : فلما رجعت إلى بيتي دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم ثم قال: "كيف تيكم"؟ فقلت: أتأذن لي أن آتي أبوي؟ قالت: - وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما - قالت: فأذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجئت لأبوي فقلت لأمي يا أمتاه ما يتحدث الناس؟ قالت يا بينة هوّني عليك فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها، فقلت - سبحان الله - ولقد تحدث الناس بهذا؟ فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا اكتحل بنوم، ثم أصبحت أبكي ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب، وأسامة بن زيد، حين استبلث الوحي يستأمرهما في فراق أهله. فأما أسامة فأشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم لهم في نفسه من الود فقال يا رسول الله: أهلك ولا نعلم إلا خيراً، وأما علي بن أبي طالب فقال يا رسول الله: لم يضيّق الله عليك والنساء سواها كثير، وان تسأل الجارية تصدقك. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة فقال: "أي بريرة هل رأيت شيئاً يريبك"؟ قالت بريرة: لا والذي بعثك بالحق ان رأيت عليها أمراً أغمصه أكثر من أنها جارية حديثة السن، تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستعذر يومئذ من عبدالله بن أبي فقال وهو على المنبر: "يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهل بيتي؟ فوالله ما علمت على أهلي إلا خيراً، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً، وما كان يدخل على أهلي إلا معي". فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: يا رسول الله أنا أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من بني الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك، فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً ولكن احتملته الحمية فقال لسعد: كذبت لعمر الله ما تقتله ولا تقدر على قتله. فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد فقال لسعد بن عبادة: كذبت لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين. فتثاور الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا وسكت. فبكيت يومي ذلك فلا يرقا لي دمع ولا أكتحل بنوم، فأصبح أبواي عندي وقد بكيت ليلتين ويوماً لا أكتحل بنوم ولا يرقا لي دمع، وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدي. فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي فاستأذنت على امرأة من الأنصار فأذنت لها فجلست تبكي معي، فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جلس ولم يجلس عندي منذ قيل فيّ ما قيل قبلها وقد لبث شهراً لا يوحى إليه في شأني بشيء، فَتَشَهَّدْ حين جلس ثم قال: "أما بعد يا عائشة فإنه بلغني عنك كذا وكذا.. فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه". فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة فقلت لأبي: أجب عني رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم! فقلت لأمي: أجيبي عني رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم! فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيراً من القرآن: إني والله لقد علمت أنكم سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم - وصدقتم به، فلئن قلت لكم إني برئية - والله يعلم أني برئية - لا تصدقوني ولئن اعترف لكم بأمر - والله يعلم أني منه بريئة - لتصدقني والله لا أجد لي ولكم مثلاً إلا قول أبي يوسف {فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون} [يوسف: 18]. ثم تحولت فاضطجعت على فراشي وأنا حينئذ أعلم أني بريئة وأن الله مبرئي ببراءتي، ولكن والله ما كنت أظن أن الله منزل في شأني وحياً يتلى، ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله فيّ بأمر يتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤيا يبرئني الله بها قالت: فوالله ما رام رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسه ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي حتى أنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق وهو في يوم شات من ثقل القول الذي أنزل عليه، فلما سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سري عنه وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال: "ابشري يا عائشة أما الله فقد برأك" فقالت أمي: قومي إليه فقلت: والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله الذي أنزل براءتي. وأنزل الله {إن الذين جاءوا بالإِفك عصبة منكم} العشر الآيات كلها. فلما أنزل الله هذا في براءتي قال أبو بكر: وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره والله لا أنفق على مسطح شيئاً أبداً بعد الذي قال لعائشة ما قال، فأنزل الله {ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين} [النور: 22] إلى قوله {رحيم} قال أبو بكر: والله إني أحب أن يغفر الله لي فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه وقال: والله لا أنزعها منه أبداً قالت عائشة: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل زينب ابنة جحش عن أمري فقال: "يا زينب ماذا عملت أو رأيت"؟ فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري ما علمت إلا خيراً قالت: وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فعصمها الله بالورع، وطفقت أختها حمنة تحارب لها فهلكت فيمن هلك من أصحاب الإِفك . تفسير : وأخرج البخاري والترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عائشة قالت: لما ذكر من شأني الذي ذكر وما علمت به. قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطيبا، فتشهد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: حديث : أما بعد أشيروا عليَّ في أناس أنبوا أهلي - وأيم الله - ما علمت على أهلي سوء، وأنبوهم بمن - والله - ما علمت عليه من سوء قط، ولا يدخل بيتي قط إلا وأنا حاضر، ولا غبت في سفر إلا غاب معي، فقام سعد بن معاذ فقال: ائذن لي يا رسول الله أن تضرب أعناقهم، وقام رجل من بني الخزرج وكانت أم حسان بن ثابت من رهط ذلك الرجل فقال: كذبت أما والله لو كانوا من الأوس ما أحببت أن تضرب أعناقهم حتى كاد أن يكون بين الأوس والخزرج شرقي المسجد وما علمت. فلما كان مساء ذلك اليوم، خرجت لبعض حاجتي ومعي أم مسطح، فعثرت فقالت: تعس مسطح فقلت: أي أم تسبين ابنك؟ فسكتت ثم عثرت الثانية فقالت: تعس مسطح فقلت لها: أي أم تسبين ابنك؟ ثم عثرت الثالثة فقالت: تعس مسطح فانتهرتها فقالت: والله لم أسبه إلا فيك فقلت: في أي شأني؟! فقرأت لي الحديث. فقلت وقد كان هذا! قالت: نعم. والله.. فرجعت إلى بيتي كأن الذي خرجت له لا أجد منه قليلاً ولا كثيراً، ووعكت فقلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أرسلني إلى بيت أبي، فأرسل معي الغلام،فدخلت الدار، فوجدت أم رومان في السفل وأبا بكر فوق البيت يقرأ. فقالت أمي: ما جاء بك يا بنية؟ فأخبرتها وذكرت لها الحديث، وإذا هو لم يبلغ منها مثل ما بلغ مني. فقالت: يا بنية خففي عليك الشأن، فإنه - والله - لقلما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبها لها ضرائر إلا حسدتها وقيل فيها. قلت: وقد علم به أبي؟ قالت: نعم. قلت: ورسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: نعم. فاستعبرت، وبكيت، فسمع أبو بكر صوتي وهو فوق البيت يقرأ، فنزل فقال لأمي: ما شأنها؟ قالت: بلغها الذي ذكر من شأنها ففاضت عيناه فقال: أقسمت عليك أي بنية إلا رجعت إلى بيتك، فرجعت. ولقد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بيتي فسأل عني خادمي فقالت: لا والله ما علمت عليها عيباً إلا أنها كانت ترقد حتى تدخل الشاة، فتأكل خميرها أو عجينها، وانتهرها بعض أصحابه فقال: اصدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أسقطوا لهابه فقالت - سبحان الله - ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر، فبلغ إلى ذلك الرجل الذي قيل له فقال - سبحان الله - والله ما كشفت كنف أنثى قط قالت: فقتل شهيداً في سبيل الله قالت: وأصبح أبواي عندي فلم يزالا حتى دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد صلى العصر، ثم دخل وقد اكتنفني أبواي عن يميني وشمالي، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أما بعد يا عائشة ان كنت قارفت سوءاً، أو ظلمت، فتوبي إلى الله، فإن الله يقبل التوبة عن عباده". قالت: وقد جاءت إمرأة من الأنصار فهي جالسة بالباب فقلت: ألا تستحي من هذه المرأة أن تذكر شيئاً، فوعظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فالتفت إلى أبي فقلت: أجبه قال: ماذا أقول؟ فالتفت إلى أمي فقلت: أجيبيه قالت: أقول ماذا؟ فلما لم يجيباه تشهدت، فحمدت الله وأثنيت عليه، ثم قلت: أما بعد - فوالله - لئن قلت لكم أني لم أفعل - والله يشهد أني لصادقة - ما ذاك بنافعي عندكم، وقد تكلمتم به وأشربته قلوبكم. وإن قلت: إني فعلت - والله يعلم أني لم أفعل - لتقولن قد باءت به على نفسها وأني - والله - لا أجد لي ولكم مثلاً. والتمست اسم يعقوب فلم أقدر عليه إلا أبا يوسف حين قال {فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون} [يوسف: 18]. وأنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم من ساعته فسكتنا، فرفع عنه. وإني لأتبين السرور في وجهه وهو يمسح جبينه ويقول: "ابشري يا عائشة فقد أنزل الله براءتك" قالت: وقد كنت أشد مما كنت غضباً فقال لي أبواي: قومي إليه فقلت: والله لا أقوم إليه ولا أحمده، ولكن أحمد الله الذي أنزل براءتي. لقد سمعتموه فما أنكرتموه ولا غيرتموه، وكانت عائشة تقول: أما زينب ابنة جحش فعصمها الله بدينها، فلم تقل إلا خيراً، وأما أختها حمنة، فهلكت فيمن هلك، وكان الذي تكلم فيها مسطح، وحسان بن ثابت، والمنافق عبدالله بن أبي، وهو الذي كان يستوشيه ويجمعه، وهو الذي كان تولى كبره منهم، هو وحمنة قالت: فحلف أبو بكر أن لا ينفع مسطحاً بنافعة أبداً، فأنزل الله {ولا يأتل أولوا الفضل منكم} [النور: 22].. إلى آخر الآية. يعني أبا بكر. {والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين} يعني مسطحاً. إلى قوله {ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم} قال أبو بكر: بلى والله إنا نحب أن يغفر الله لنا، وعاد له كما كان يصنع . تفسير : وأخرج أحمد والبخاري وسعيد بن منصور وابن منذر وابن مردويه عن أم رومان قالت: بينا أنا عند عائشة، إذا دخلت عليها امرأة فقالت: فعل الله بابنها وفعل فقالت عائشة: ولم؟ قالت: إنه كان فيمن حدث الحديث قالت عائشة: وأي حديث؟ قالت: كذا وكذا قلت: وقد بلغ ذاك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: نعم.. قلت: وأبا بكر؟ قالت: نعم.. فخرت عائشة مغشياً عليها، فما أفاقت إلا وعليها حمى بنافض، فقمت فزبرتها، وجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما شأن هذه؟ قلت: يا رسول الله أخذتها حمى بنافض قال: فلعله من حديث تحدث به. قالت واستوت عائشة قاعدة فقالت: والله لئن حلفت لا تصدقوني. ولئن اعتذرت إليكم لا تعذروني، فمثلى ومثلكم كمثل يعقوب وبنيه، {والله المستعان على ما تصفون} وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عذرها، فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم معه أبو بكر فدخل فقال: يا عائشة إن الله قد أنزل عذرك فقالت: بحمد الله لا بحمدك فقال لها أبو بكر: أتقولين هذا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ؟! قالت نعم.. قالت: وكان فيمن حدث الحديث رجل كان يعوله أبو بكر، فحلف أبو بكر أن لا يصلح، فأنزل الله {ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة..} إلى آخر الآية قال أبو بكر: بلى.. فوصله. وأخرج البزار وابن مردويه بسند حسن عن أبي هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اراد سفراً أقرع بين نسائه، فأصاب عائشة القرعة في غزوة بني المصطلق، فلما كان في جوف الليل انطلقت عائشة لحاجة فانحلت قلادتها، فذهبت في طلبها، وكان مسطح يتيماً لأبي بكر وفي عياله، فلما رجعت عائشة لم تَرَ العسكر، وكان صفوان بن المعطل السلمي يتخلف عن الناس، فيصيب القدح والجراب والاداوة فيحمله، فنظر فإذا عائشة، فغطى وجهه عنها ثم أدنى بعيره منها، فانتهى إلى العسكر فقالوا قولاً؛ وقالوا فيه قال: ثم ذكر الحديث حتى انتهى، حديث : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجيء، فيقوم على الباب فيقول: "كيف تيكم"؟ حتى جاء يوماً فقال: ابشري يا عائشة قد أنزل الله عذرك فقالت: بحمد الله لا بحمدك وأنزل في ذلك عشر آيات {إن الذين جاءوا بالإِفك عصبة منكم} فحد رسول الله صلى الله عليه وسلم مسطحاً، وحمنة، وحسان. وأخرج ابن مردويه بسنده عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر جاء ببعض نسائه. وسافر بعائشة وكان لها هودج، وكان الهودج له رجال يحملونه. ويضعونه، فعرس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وخرجت عائشة للحاجة فباعدت، فلم يعلم بها، فاستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم والناس قد ارتحلوا، وجاء الذين يحملون الهودج، فحملوه فلم يعلموا إلا أنها فيه، فساروا، وأقبلت عائشة فوجدت النبي صلى الله عليه وسلم والناس قد ارتحلوا، فجلست مكانها، فاستيقظ رجل من الأنصار يقال له صفوان بن معطل، وكان لا يقرب النساء، فتقرب منها ومعه بعير له، فلما رآها وكان قد عرفها وهي صغيرة قال: أم المؤمنين! ولوى وجهه، وحملها ثم أخذ بخطام الجمل، وأقبل يقوده حتى لحق الناس. والنبي صلى الله عليه وسلم قد نزل وفقد عائشة، فأكثروا القول وبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فشق عليه حتى اعتزلها، واستشار فيها زيد بن ثابت وغيره فقال: يا رسول الله دعها لعل الله أن يحدث أمره فيها فقال علي بن أبي طالب: النساء كثير. وخرجت عائشة ليلة تمشي في نساء فعثرت أم مسطح فقالت: تعس مسطح قالت عائشة: بئس ما قلت فقالت: إنك لا تدري ما يقول فأخبريها. فسقطت عائشة مغشياً عليها، ثم أنزل الله {إن الذين جاءُوا بالإِفك..} الآيات. وكان أبو بكر يعطي مسطحاً ويصله ويبره، فحلف أبو بكر لا يعطيه، فنزل {ولا يأتل أولوا الفضل منكم...} فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتيها ويبشرها، فجاء أبو بكر فأخبرها بعذرها، وما أنزل الله فيها فقالت: بحمد الله لا بحمدك ولا بحمد صاحبك. وأخرج الطبراني وابن مردويه بسنده عن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه ثلاثاً، فمن أصابته القرعة خرج بها معه، فلما غزا بني المصطلق، أقرع بينهن، فأصابت عائشة، وأم سلمة، فخرج بهما معه، فلما كانوا في بعض الطريق، مال رحل أم سلمة، فأناخوا بعيرها ليصلحوا رحلها، وكانت عائشة تريد قضاء حاجة، فلما أبركوا إبلهم قالت عائشة: فقلت في نفسي إلى ما يصلح رحل أم سلمة أقضي حاجتي. قالت فنزلت من الهودج ولم يعلموا بنزولي. فأتيت خربة، فانقطعت قلادتي، فاحتبست في جمعها ونظامها، وبعث القوم إبلهم ومضوا وظنوا أني في الهودج، فخرجت ولم أر أحداً ، فاتبعتهم حتى أعييت. فقلت في نفسي: إن القوم سيفقدوني ويرجعون في طلبي، فقمت على بعض الطريق، فمر بي صفوان بن المعطل وكان سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعله على الساقة فجعله. وكان إذا رحل الناس قام يصلي ثم اتبعهم، فما سقط منهم من شيء حمله حتى يأتي به أصحابه قالت عائشة: فلما مر بي ظن أني رجل فقال: يا نومان قم فإن الناس قد مضوا فقلت: إني لست رجلاً، أنا عائشة قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم أناخ بعيره، فعقل يديه، ثم ولى عني، فقال يا أمه: قومي فاركبي، فإذا ركبت فآذنيني قالت: فركبتُ، فجاء حتى خلَّ العقال ثم بعث جمله فأخذ بخطام الجمل قال عمر: فما كلمها كلاماً حتى أتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال عبدالله بن أبي ابن سلول للناس: فجربها ورب الكعبة. وأعانه على ذلك حسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة، وشاع ذلك في العسكر، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فكان في قلب النبي صلى الله عليه وسلم مما قالوا حتى رجعوا إلى المدينة، وأشاع عبدالله بن أبي هذا الحديث في المدينة، واشتد ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالت عائشة: فدخلت ذات يوم أم مسطح، فرأتني وأنا أريد المذهب، فحملت معي السطل وفيه ماء، فوقع السطل منها فقالت: تعس مسطح قالت لها عائشة - سبحان الله - تسبين رجلاً من أهل بدر وهو ابنك؟ قالت لها أم مسطح: أنه سال بك السيل وأنت لا تدرين وأخبرتها بالخبر. قالت: فلما أخبرتني أخذتني الحمى بنافض مما كان، ولم أجد المذهب. قالت عائشة: وقد كنت أرى من النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك جفوة، ولم أدر من أي شيء هو، فلما حدثتني أم مسطح علمت أن جفوة رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذاك، فلما دخل عليَّ قلت: تأذن لي أن أذهب إلى أهلي؟ قال: اذهبي، فخرجت عائشة حتى أتت أباها فقال لها: ما لك؟ قلت: اخرجني رسول الله صلى الله عليه وسلم من بيته قال لها أبو بكر: فأخرجك رسول الله صلى الله عليه وسلم من بيته وآويك أنا، والله لا آويك حتى يأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤويها فقال لها أبو بكر: والله ما قيل لنا هذا في الجاهلية قط فكيف وقد أعزنا الله بالإِسلام؟ فبكت عائشة، وأمها أم رومان، وأبو بكر، وعبد الرحمن، وبكى معهم أهل الدار. وبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه فقال: "أيها الناس من يعذرني ممن يؤذيني"؟ فقام إليه سعد بن معاذ، فسل سيفه وقال: يا رسول الله أنا أعذرك منه؟ إن يكن من الأوس أتيتك برأسه، وإن يكن من الخزرج أمرتنا بأمرك فيه، فقام سعد بن عبادة فقال: كذبت والله ما تقدر على قتله، إنما طبتنا بذحول كانت بيننا وبينكم في الجاهلية فقال هذا: يال الأوس وقال هذا: يال الخزرج. فاضطربوا بالنعال والحجارة فتلاطموا، فقام أسيد بن حضير فقال: فيم الكلام؟ هذا رسول الله يأمرنا بأمره فنفعله عن رغم أنف من رغم. ونزل جبريل وهو على المنبر، فلما سري عنه، تلا عليهم ما نزل به جبريل {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا..} [الحجرات: 9] إلى آخر الآيات فصاح الناس: رضينا بما أنزل الله وقام بعضهم إلى بعض، وتلازموا، وتصايحوا، فنزل النبي صلى الله عليه وسلم عن المنبر. وأبطأ الوحي في عائشة، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى علي بن أبي طالب، وأسامة بن زيد، وبريرة، وكان إذا أراد أن يستشير في أمر أهله لم يعد علياً، وأسامة بن زيد، بعد موت أبيه زيد فقال لعلي: "ما تقول في عائشة فقد أهمني ما قال الناس"؟ قال: يا رسول الله قد قال الناس، وقد حل لك طلاقها، وقال لأسامة: "ما تقول أنت"؟ قال - سبحان الله - ما يحل لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم. فقال لبريرة: "ما تقولين يا بريرة"؟ قالت والله يا رسول الله ما علمت على أهلك إلا خيراً، إلا أنها امرأة نؤم تنام حتى تجيء الداجن، فتأكل عجينها وإن كان شيء من هذا ليخبرنك الله. فخرج صلى الله عليه وسلم حتى أتى منزل أبي بكر، فدخل عليها فقال: "يا عائشة إن كنت فعلت هذا الأمر فقولي لي حتى أستغفر الله لك" فقالت: والله لا أستغفر الله منه أبداً. إن كنت قد فعلته فلا غفر الله لي، وما أجد مثلي ومثلكم إلا مثل أبي يوسف، اذهب اسم يعقوب من الأسف قال {إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون} [يوسف: 86]. فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلمها إذ نزل جبريل بالوحي، فأخذت النبي صلى الله عليه وسلم نعسة، فسري وهو يبتسم فقال: "يا عائشة إن الله قد أنزل عذرك" فقالت: بحمد الله لا بحمدك. فتلا عليها سورة النور إلى الموضع الذي انتهى إلى عذرها وبراءتها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قومي إلى البيت فقامت". وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد، فدعا أبا عبيدة بن الجراح، فجمع الناس، ثم تلا عليهم ما أنزل الله من البراءة لعائشة، وبعث إلى عبدالله بن أبي، فجيء به، فضربه النبي صلى الله عليه وسلم حدين، وبعث إلى حسان، ومسطح، وحمنة، فضربوا ضرباً وجيعاً ووجيء في رقابهم قال ابن عمر: إنما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدالله بن أبي حدين لأنه من قذف أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فعليه حدان. فبعث أبو بكر إلى مسطح لا وصلتك بدرهم أبداً، ولا عطفت عليك بخير أبداً، ثم طرده أبو بكر وأخرجه من منزله. ونزل القرآن {ولا يأتل أولوا الفضل منكم} إلى آخر الآية. فقال أبو بكر: أما إذ نزل القرآن يأمرني فيك لأضاعفن لك. وكانت امرأة عبدالله بن أبيّ منافقَةً معه، فنزل القرآن {الخبيثات} يعني امرأة عبدالله {للخبيثين} يعني عبدالله {والخبيثون للخبيثات} عبدالله وامرأته {والطيبات} يعني عائشة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم {للطيبين} يعني النبي صلى الله عليه وسلم . تفسير : وأخرج الطبراني وابن مردويه عن أبي اليسر الأنصاري أن النبي صلى الله عليه وسلم حديث : قال لعائشة: يا عائشة قد أنزل الله عذرك قالت: بحمد الله لا بحمدك. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من عند عائشة، فبعث إلى عبدالله بن أبي، فضربه حدين، وبعث إلى مسطح، وحمنة، فضربهم . تفسير : وأخرج الطبراني عن ابن عباس {إن الذين جاءُوا بالإِفك عصبة منكم} يريد أن الذين جاءوا بالكذب على عائشة أم المؤمنين أربعة منكم {لا تحسبوه شراً لكم بل هو خير لكم} يريد خيراً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وبراءة لسيدة نساء المؤمنين، وخير لأبي بكر، وأم عائشة، وصفوان بن المعطل {لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإِثم والذي تولى كبره منهم} يريد إشاعته منهم يريد عبدالله بن أبي بن سلول {له عذاب عظيم} يريد في الدنيا جلده رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي الآخرة مصيره إلى النار {لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً وقالوا هذا إفك مبين} وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استشار فيها بريرة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: خير وقالوا: هذا كذب عظيم {لولا جاءُوا عليه بأربعة شهداء} لكانوا هم والذين شهدوا كاذبين {فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون} يريد الكذب بعينه {ولولا فضل الله عليكم ورحمته} يريد ولولا ما من الله به عليكم وستركم {هذا بهتان عظيم} يريد البهتان الافتراء مثل قوله في مريم بهتاناً عظيماً {يعظكم الله أن تعودوا لمثله} يريد مسطحاً، وحمنة، وحسان {ويبين الله لكم الآيات} التي أنزلها في عائشة والبراءة لها {والله عليم} بما في قلوبكم من الندامة فيما خضتم به {حكيم} في القذف ثمانين جلدة {إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة} يريد بعد هذا {في الذين آمنوا} يريد المحصنين والمحصنات من المصدقين {لهم عذاب أليم} وجيع في الدنيا يريد الحد، وفي الآخرة العذاب في النار {والله يعلم وأنتم لا تعلمون} ما دخلتم فيه وما فيه من شدة العذاب وأنتم لا تعلمون شدة سخط الله على من فعل هذا. {ولولا فضل الله عليكم} يريد لولا ما تفضل الله به عليكم {ورحمته} يريد مسطحاً، وحمنة، وحسان {وإن الله رؤوف رحيم} يريد من الرحمة رؤوف بكم حيث ندمتم ورجعتم إلى الحق {يا أيها الذين آمنوا} يريد صدقوا بتوحيد الله {لا تتبعوا خطوات الشيطان} يريد الزلات {فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر} يريد بالفحشاء عصيان الله، والمنكر كل ما يكره الله تعالى {ولولا فضل الله عليكم ورحمته} يريد ما تفضل الله به عليكم ورحمكم {ما زكى منكم من أحد أبداً} يريد ما قبل توبة أحد منكم أبداً {ولكن الله يزكي من يشاء} فقد شئت أن يتوب عليكم {والله سميع عليم} يريد سميع لقولكم عليم بما في أنفسكم من الندامة. {ولا يأتل} يريد ولا يحلف {أولوا الفضل منكم والسعة} يريد ولا يحلف أبو بكر أن لا ينفق على مسطح {أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا} فقد جعلت فيك يا أبا بكر الفضل، وجعلت عندك السعة والمعرفة بالله، فسخطت يا أبا بكر على مسطح فله قرابة، وله هجرة، ومسكنة، ومشاهد رضيتها منه يوم بدر {ألا تحبون} يا أبا بكر {أن يغفر الله لكم} يريد فاغفر لمسطح {والله غفور رحيم} يريد فإني غفور لمن أخطأ، رحيم بأوليائي. {إن الذين يرمون المحصنات} يريد العفائف {الغافلات المؤمنات} يريد المصدقات بتوحيد الله وبرسله وقد قال حسان بن ثابت في عائشة: شعر : حصان رزان ما تزن بريبة وتصبح غرثى من لحوم الغوافل تفسير : فقالت عائشة: لكنك لست كذلك {لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم} يقول أخرجهم من الإِيمان مثل قوله في سورة الأحزاب للمنافقين {أية : ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتِّلوا تقتيلاً}تفسير : [الأحزاب: 61]. {والذي تولى كبره} يريد كبر القذف وإشاعته عبدالله بن أبي الملعون {يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون} يريد أن الله ختم على ألسنتهم فشهدت الجوارح، وتكلمت على أهلها بذلك، وذلك أنهم قالوا تعالوا نحلف بالله ما كنا مشركين، فختم الله على ألسنتهم، فتكلمت الجوارح بما عملوا، ثم شهدت ألسنتهم عليهم بعد ذلك. {يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق} يريد يجازيهم بأعمالهم بالحق، كما يجازي أولياءه بالثواب، كذلك يجازي أعداءه بالعقاب، كقوله في الحمد {مالك يوم الدين} يريد يوم الجزاء {ويعلمون} يريد يوم القيامة {أن الله هو الحق المبين} وذلك أن عبدالله بن أبي كان يشك في الدنيا، وكان رأس المنافقين فذلك قوله {يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق} ويعلم ابن سلول {إن الله هو الحق المبين} يريد انقطع الشك واستيقن حيث لا ينفعه اليقين. {الخبيثات للخبيثين} يريد أمثال عبدالله بن أبي، ومن شك في الله ويقذف مثل سيدة نساء العالمين {والطيبات للطيبين} عائشة طيبها الله لرسوله. أتى بها جبريل في سرقة من حرير قبل أن تصور في رحم أمها فقال له: عائشة بنت أبي بكر زوجتك في الدنيا، وزوجتك في الجنة عوضاً من خديجة، وذلك عند موتها بشر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقر بها عيناه. {والطيبون للطيبات} يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم طيبه الله لنفسه، وجعله سيد ولد آدم {والطيبات} يريد عائشة {أولئك مبرأون مما يقولون} يريد برأها الله من كذب عبدالله بن أبي {لهم مغفرة} يريد عصمة في الدنيا {ومغفرة} في الآخرة {ورزق كريم} يريد الجنة وثواب عظيم. وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني عن سعيد بن جبير {إن الذين جاءوا بالإِفك} الكذب {عصبة منكم} يعني عبدالله بن أبي المنافق، وحسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش، {لا تحسبوه شراً لكم} يقول لعائشة وصفوان: لا تحسبوا الذي قيل لكم من الكذب {شراً لكم بل هو خير لكم} لأنكم تؤجرون على ذلك {لكل امرئ منهم} يعني ممن خاض في أمر عائشة {ما اكتسب من الإِثم} على قدر ما خاض فيه من أمرها {والذي تولى كبره} يعني خطه منهم يعني القذفة وهو ابن أبي رأس المنافقين، وهو الذي قال: ما برئت منه، وما برىء منها {له عذاب عظيم} وفي هذه الآية عبرة عظيمة لجميع المسلمين إذا كانت فيهم خطيئة فمن أعان عليها بفعل، أو كلام، أو عرض لها، أو أعجبه ذلك، أو رضي، فهو في تلك الخطيئة على قدر ما كان منه، وإذا كان خطيئة بين المسلمين فمن شهد وكره فهو مثل الغائب، ومن غاب ورضي فهو مثل شاهد. {لولا إذ سمعتموه} قذف عائشة وصفوان {ظن المؤمنون والمؤمنات} لأن منهم حمنة بنت جحش هلا كذبتم به {بأنفسهم خيراً} هلا ظن بعضهم ببعض خيراً أنهم لم يزنوا {وقالوا هذا إِِفك مبين} الا قالوا هذا القذف كذب بين {لولا جاءوا عليه} يعني على القذف {بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك} يعني الذين قذفوا عائشة {عند الله هم الكاذبون} في قولهم {ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة} من تأخير العقوبة {لمسكم فيما أفضتم فيه} يعني فيما قلتم من القذف {عذاب عظيم، إذ تلقونه بألسنتكم} وذلك حين خاضوا في أمر عائشة فقال بعضهم: سمعت فلاناً يقول كذا وكذا وقال بعضهم: بل كان كذا وكذا فقال {تلقونه بألسنتكم} يقول: يرويه بعضكم عن بعض {وتقولون بأفواهكم} يعني بألسنتكم من قذفها {ما ليس لكم به علم} يعني من غير أن تعلموا أن الذي قلتم من القذف حق {وتحسبونه هيناً} تحسبون أن القذف ذنب هين {وهو عند الله عظيم} يعني من الزور {لولا إذ سمعتموه} يعني القذف {قلتم ما يكون} يعني ألا قلتم ما يكون {ما ينبغي لنا أن نتكلم بهذا} ولم تره أعيننا {سبحانك هذا بهتان عظيم} يعني ألا قلتم هذا كذب عظيم مثل ما قال سعد بن معاذ الأنصاري: وذلك أن سعداً لما سمع قول من قال في أمر عائشة قال {سبحانك هذا بهتان عظيم} والبهتان الذي يبهت فيقول ما لم يكن. {يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبداً} يعني القذف {إن كنتم مؤمنين} يعني مصدقين {ويبين الله لكم الآيات} يعني ما ذكر من المواعظ {إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة} تفشوا ويظهر الزنا {لهم عذاب أليم في الدنيا} بالحد {وفي الآخرة عذاب النار}. {ولولا فضل الله} لعاقبكم بما قلتم لعائشة {وإن الله رؤوف رحيم} حين عفا عنكم فلم يعاقبكم {ومن يتبع خطوات الشيطان} يعني تزيينه {فإنه يأمر بالفحشاء} يعني بالمعاصي {والمنكر} ما لا يعرف مثل ما قيل لعائشة {ولولا فضل الله عليكم ورحمته} يعني نعمته {ما زكا} ما صلح {ولكن الله يزكي} يصلح {من يشاء}. فلما أنزل الله عذر عائشة، وبرأها، وكذب الذين قذفوها، حلف أبو بكر أن لا يصل مسطح بن أثاثة بشيء أبداً، لأنه كان فيمن ادعى على عائشة من القذف، وكان مسطح من المهاجرين الأولين، وكان ابن خالة أبي بكر، وكان يتيماً في حجره فقيراً، فلما حلف أبو بكر أن لا يصله نزلت في أبي بكر {ولا يأتل} أي ولا يحلف {أولوا الفضل منكم} يعني في الغنى أبا بكر الصديق {والسعة} يعني في الرزق {أن يؤتوا أولي القربى} يعني مسطح بن أثاثة قرابة أبي بكر وابن خالته {والمساكين} يعني أن مسطحاً كان فقيراً {والمهاجرين في سبيل الله} يعني أن مسطحاً كان من المهاجرين {وليعفوا وليصفحوا} يعني ليتجاوزوا عن مسطح {ألا تحبون أن يغفر الله لكم} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر:حديث : أما تحب أن يغفر الله لك قال: بلى يا رسول الله قال: فاعف واصفح فقال أبو بكر: قد عفوت وصفحت لا أمنعه معروفاً بعد اليوم . تفسير : {إن الذين يرمون المحصنات} يعني يقذفون بالزنا الحافظات لفروجهن العفائف {الغافلات} يعني عن الفواحش يعني عائشة {المؤمنات} يعني الصادقات {لعنوا} يعني جلدوا {في الدنيا والآخرة} يعذبون بالنار يعني عبدالله بن أبي لأنه منافق له عذاب عظيم. {يوم تشهد عليهم ألسنتهم} يعني من قذف عائشة يوم القيامة {يومئذ} يعني في الآخرة {يوفيهم الله دينهم الحق} حسابهم العدل لا يظلمهم {ويعلمون أن الله هو الحق المبين} يعني العدل المبين {الخبيثات} يعني السيء من الكلام قذف عائشة {للخبيثين} من الرجال والنساء يعني الذين قذفوها {والخبيثون} يعني من الرجال والنساء {للخبيثات} يعني السيء من الكلام لأنه يليق بهم الكلام السيء {والطيبات} يعني الحسن من الكلام {للطيبين} من الرجال والنساء يعني الذين ظنوا بالمؤمنين والمؤمنات خيراً {والطيبون} من الرجال والنساء {للطيبات} للحسن من الكلام لأنه يليق بهم الكلام الحسن {أولئك} يعني الطيبين من الرجال والنساء {مبرأون مما يقولون} هم براء من الكلام السيء {لهم مغفرة} يعني لذنوبهم {ورزق كريم} يعني حسنا في الجنة فلما أنزل الله عذر عائشة ضمها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نفسه وهي من أزواجه في الجنة. وأخرج الطبراني وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت: حديث : أنزل الله عذري وكادت الأمة تهلك في سببي، فلما سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرج الملك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: "اذهب إلى ابنتك، فاخبرها أن الله قد أنزل عذرها من السماء" قالت: فأتاني أبي وهو يعدو يكاد أن يعثر فقال: ابشري يا بنية بأبي وأمي، فإن الله قد أنزل عذرك قلت: بحمد الله لا بحمدك ولا بحمد صاحبك الذي أرسلك، ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتناول ذراعي فقال بيده هكذا، فأخذ أبو بكر النعل ليعلوني بها، فمنعته أمي، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أقسمت لا تفعل . تفسير : وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت: والله ما كنت أرجو أن ينزل فيّ كتاب الله، ولا أطمع فيه، ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤيا فيذهب ما في نفسه وقد سأل الجارية الحبشية فقالت: والله لعائشة أطيب من طيب الذهب، ولكنها ترقد حتى تدخل الشاة فتأكل عجينها، والله لئن كان ما يقول الناس حقاً ليخبرنك الله. فعجب الناس من فقهها. وأخرج الطبراني عن الحكم ابن عتيبة قال: حديث : لما خاض الناس في أمر عائشة، أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عائشة فقال: يا عائشة ما يقول الناس؟ فقالت: لا أعتذر من شيء قالوه حتى ينزل عذري من السماء. فأنزل الله فيها خمس عشرة آية من سورة النور، ثم قرأ حتى بلغ {الخبيثات للخبيثين} . تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: نزلت ثمان عشرة آية متواليات بتكذيب من قذف عائشة وببراءتها. وأخرج البزار والطبراني وابن مردويه بسند صحيح عن عائشة قالت: لما رميت بما رميت به، هممت أن آتي قليباً فاطرح نفسي فيه. وأخرج البزار بسند صحيح عن عائشة: أنه لما نزل عذرها قبَّل أبو بكر رأسها فقالت: الا عذرتني؟ فقال: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إن قلت ما لا أعلم. وأخرج أحمد عن عائشة قالت: لما نزل عذري من السماء، جاءني النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبرني بذلك، فقلت: بحمد الله لا بحمدك. وأخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجة وابن المنذر وابن مردويه والطبراني والبيهقي في الدلائل عن عائشة قالت: لما نزل عذري، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، فذكر ذلك وتلا القرآن، فلما نزل .. أمر برجلين وامرأة، فضربوا حدين. وأخرج ابن جرير عن محمد بن عبد الله بن جحش قال: تفاخرت عائشة وزينب فقالت زينب: أنا التي نزل تزويجي وقالت عائشة: وأنا التي نزل عذري في كتابه حين حملني ابن المعطل فقالت لها زينب: يا عائشة ما قلت حين ركبتيها؟ قالت: قلت حسبي الله ونعم الوكيل قالت: قلتِ كلمة المؤمنين. وأخرج البخاري وابن مردويه عن ابن عباس: أنه دخل على عائشة قبل موتها وهي مغلوبة فقال: كيف تجدينك؟ قالت: بخير إن اتقيت قال: فأنت بخير. زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينكح بكراً غيرك، ونزل عذرك من السماء. وأخرج الحاكم وصححه عن عائشة قالت: خلال فيَّ تسع لم تكن لأحد إلا ما آتى الله مريم، جاء الملك بصورتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتزوجني وأنا ابنة سبع سنين، وأهديت إليه وأنا ابنة تسع، وتزوّجني بكراً، وكان يأتيه الوحي وأنا وهو في لحاف واحد، وكنت من أحب الناس إليه، ونزل فيَّ آيات من القرآن كادت الأمة تهلك فيها، ورأيت جبريل ولم يره أحد من نسائه غيري، وقبض في بيتي لم يله أحد غير الملك إلا انا. وأخرج ابن سعد عن عائشة قالت: فضلت على نساء النبي صلى الله عليه وسلم بعشر. قيل ما هن يا أم المؤمنين؟ قالت: لم ينكح بكراً قط غيري، ولم ينكح امرأة أبواها مهاجران غيري، وأنزل الله براءتي من السماء، وجاءه جبريل بصورتي من السماء في حريرة وقال تزوّجها فإنها امرأتك، وكنت أغتسل أنا وهو من اناء واحد ولم يكن يصنع ذلك بأحد من نسائه غيري، وكان يصلي وأنا معترضة بين يديه ولم يكن يفعل ذلك بأحد من نسائه غيري، وكان ينزل عليه الوحي وهو معي ولم يكن ينزل عليه وهو مع أحد من نسائه غيري، وقبض الله نفسه وهو بين سحري ونحري، ومات في الليلة التي كان يدور عليَّ فيها، ودُفِنَ في بيتي. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني عن مجاهد في قوله {إن الذين جاءُوا بالإفك عصبة منكم} قال: أصحاب عائشة عبد الله بن أبي ابن سلول، ومسطح، وحسان. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال: الذين افتروا على عائشة حسان، ومسطح، وحمنة بنت جحش، وعبد الله بن أبي. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عروة: أن عبد الملك بن مروان كتب إليه يسأله عن الذين جاءوا بالإِفك، فكتب إليه أنه لم يسم منهم إلا حسان، ومسطح، وحمنة بنت جحش، في آخرين لا علم لي بهم. وأخرج البخاري وابن المنذر والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن الزهري قال: كنت عند الوليد بن عبد الملك فقال: الذي تولى كبره منهم علي. فقلت: لا. حدثني سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وعلقمة بن وقاص، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، كلهم سمع عائشة تقول: الذي تولى كبره عبد الله بن أبي قال: فقال لي فما كان جرمه؟ قلت: حدثني شيخان من قومك أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أنهما سمعا عائشة تقول: كان مسيئاً في أمري. وقال يعقوب بن شبة في مسنده: حدثنا الحسن بن علي الحلواني، ثنا الشافعي، ثنا عمي قال: دخل سليمان بن يسار على هشام بن عبد الملك فقال له: يا سليمان الذي تولى كبره من هو؟ قال: عبد الله بن أبي قال: كذبت هو علي. قال أمير المؤمنين أعلم بما يقول فدخل الزهري فقال: يا ابن شهاب من الذي تولى كبره؟ فقال له: ابن أبي قال: كذبت. هو عليّ قال: أنا أكذب - لا أبا لك - لو نادى مناد من السماء أن الله أحل الكذب ما كذبت. حدثني عروة، وسعيد، وعبيد الله، وعلقمة، عن عائشة: أن الذي تولى كبره عبد الله بن أبي. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن مسروق قال: دخل حسان بن ثابت على عائشة رضي الله عنها فشبب وقال: شعر : حصان رزان ما تزن بريبة وتصبح غرثي من لحوم الغوافل تفسير : قالت: لكنك لست كذلك قلت: تدعين مثل هذا يدخل عليك وقد أنزل الله {والذي تولى كبره منهم لهم عذاب عظيم} قالت: وأي عذاب أشد من العمى؟! ولفظ ابن مردويه أو ليس في عذاب قد كف بصره؟ وأخرج ابن جرير من طريق الشعبي عن عائشة أنها قالت: ما سمعت بشيء أحسن من شعر حسان، وما تمثلت به إلا رجوت له الجنة. قوله لأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب بن هشام: شعر : هجوت محمداً وأجبت عنه وعند الله في ذاك الجزاء فان أبي ووالده وعرضي لعرض محمد منكم وقاء أتشتمه ولست له بكفء فشركما لخير كما الفداء لساني صارم لا عيب فيه وبحري لا تكدره الدلاء تفسير : فقيل: يا أم المؤمنين أليس هذا لغو؟ قالت: لا إنما اللغو ما قيل عند النساء قيل: أليس الله يقول {والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم}؟ قالت: أليس قد أصابه عذاب أليم؟ أليس قد أصيب بصره، وكسع بالسيف، وتعني الضربة التي ضربها إياه صفوان بن المعطل حين بلغه عنه أنه تكلم في ذلك فعلاه بالسيف وكاد يقتله؟؟ وأخرج محمد بن سعد عن محمد بن سيرين؛ أن عائشة كانت تأذن لحسان بن ثابت، وتدعو له بالوسادة وتقول: لا تؤذوا حسان فإنه كان ينصر رسول الله بلسانه وقال الله {والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم} وقد عمي، والله قادر أن يجعل ذلك العذاب العظيم عماه. وأخرج ابن جرير وابن ابي حاتم عن الضحاك {والذي تولى كبره منهم} يقول: الذي بدأ بذلك. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن مجاهد {والذي تولى كبره} قال: عبد الله بن أبي ابن سلول يذيعه. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: ذكر لنا أن الذي تولى كبره رجلان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أحدهما من قريش، والآخر من الأنصار؛ عبد الله بن أبي ابن سلول ولم يكن شرٌ قطُّ إلا وله قادة ورؤساء في شرهم. وأخرج عبد بن حميد عن محمد بن سيرين؛ أن عائشة كانت تأذن لحسان بن ثابت، وتلقي له الوسادة وتقول: لا تقولوا لحسان إلا خيراً، فإنه كان يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد قال الله {والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم} وقد عمي، والعمى عذاب عظيم، والله قادر على أن يجعله ذلك، ويغفر لحسان، ويدخله الجنة. وأخرج سعيد بن منصور وابن مردويه عم مسروق قال في قراءة عبد الله "والذي تولى كبره منهم له عذاب أليم".
ابو السعود
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ جَاءوا بِٱلإفْكِ} أي بأبلغَ ما يكونُ من الكذبِ والافتراءِ وقيلَ البُهتانُ لا تشعرُ به حتَّى يفجأكَ وأصلُه الإفكُ وهو القلبُ لأنه مأفوكٌ عن وجهه وسننهِ والمرادُ به ما أُفكَ بهِ الصِّدِّيقةُ أمُّ المؤمنينَ رضي الله عنها، وفي لفظ المجيءِ إشارةٌ إلى أنَّهم أظهرُوه من عندِ أنفسِهم من غير أنْ يكونَ له أصلٌ وذلك أنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كانَ إذا أرادَ سفراً أقرعَ بـين نسائهِ فأيتهنَّ خرجتْ قرعتُها استصحبَها قالتْ عائشةُ رضي الله عنها: فأقرعَ بـيننا في غزوةٍ غزاها قيلَ غزوةُ بني المُصطلقِ فخرجَ سهمي فخرجتُ معه عليه السَّلامُ بعد نزولِ آيةِ الحجابِ فَحُملت في هَوْدجٍ فسرنا حتَّى إذا قفلنا ودنَونا من المدينةِ نزلنا منزلاً ثم نُودي بالرَّحيل فقُمت ومشيتُ حتَّى جاوزتُ الجيشَ فلمَّا قضيتُ شأني أقبلتُ إلى رَحْلي فلمستُ صَدري فإذا عِقدي من جَزَعِ ظَفَارَ قد انقطعَ فرجعتُ فالتمستُه فحبسني ابتغاؤه، وأقبلَ الرَّهطُ الذينَ كانُوا يُرحلون بـي فاحتملُوا هودجي فرحلوه على بعيري وهم يحسبون أنِّي فيه لخفَّتي فلم يستنكرُوا خفَّة الهودجِ وذهبُوا بالبعير ووجدتُ عِقدي بعدما استمررت الجيش فجئتُ منازلَهم وليس فيها داعٍ ولا مجيبٌ فتيممتُ منزلي وظننتُ أنِّي سيفقدونني ويعودونَ في طَلَبـي فبـينا أنا جالسةٌ في منزلي غلبتني عيني فنِمتُ وكانَ صفوانُ بنُ المُعطِّلِ السُّلَميُّ من وراءِ الجيشِ فلمَّا رآنِي عرفنِي فاستيقظتُ باسترجاعهِ فخمَّرتُ وجهي بجلبابِـي وواللَّهِ ما تكلَّمنا بكلمةٍ ولا سمعتُ منه كلمةً غيرَ استرجاعِه وهَوى حتَّى أناخَ راحلتَهُ فوطىءَ على يديها فقمتُ إليها فركبتُها وانطلقَ يقودُ بـي الرَّاحلةَ حتى أتينا الجيشَ مُوغرين في نحرِ الظَّهيرةِ وهُم نزولٌ وافتقدنِي النَّاسُ حين نزلُوا وماجَ القومُ في ذكرِي فبـينا النَّاسُ كذلكَ إذ هجمتُ عليهم فخاضَ النَّاسُ في حديثي فهلكَ مَن هلكَ وقولُه تعالى: {عُصْبَةٌ مّنْكُمْ} خبرُ إنَّ أي جماعةٌ وهي من العشرة إلى الأربعينَ وكذا العِصابةُ وهم عبدُ اللَّهِ بنُ أُبـيَ وزيدُ بنُ رفاعة وحسَّانُ بنُ ثابتٍ ومسطحُ بنُ أثاثة وحِمْنةُ بنتُ جحشٍ ومن ساعدهم. وقولُه تعالى: {لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ} استئنافٌ خُوطب به رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وأبوُ بكرٍ وعائشةُ وصفوانُ رضي الله عنهم تسليةً لهم من أولِ الأمرِ، والضَّميرُ للإفكِ {بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} لاكتسابِكم به الثَّوابَ العظيمَ وظهورِ كرامتِكم على اللَّهِ عزَّ وجلَّ بإنزالِ ثماني عشرة آيةً في نزاهةِ ساحتِكم وتعظيمِ شأنِكم وتشديدِ الوعيدِ فيمَن تكلَّم فيكُم والثَّناءِ على مَنْ ظنَّ بكُم خَيراً {لِكُلّ ٱمْرِىء مّنْهُمْ} أي من أولئكَ العُصبةِ {مَّا ٱكْتَسَبَ مِنَ ٱلإثْمِ} بقدرِ ما خاضَ فيه {وَٱلَّذِى تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ} أي معظمَهُ. وقُرىء بضمِّ الكافِ وهي لغةٌ فيهِ {مِنْهُمْ} من العُصبةِ وهو ابنُ أُبـيَ فإنَّه بدأ به وأذاعَه بـين النَّاسِ عداوةً لرسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وقيل هُو وحسَّانُ ومِسْطَحُ فإنَّهما شايعاهُ بالتَّصريحِ به فإفرادُ الموصولِ حينئذٍ باعتبارِ الفوجِ أو الفريقِ أو نحوهما {لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} أي في الآخرةِ أو في الدُّنيا أيضاً فإنَّهم جلدُوا وردَّتْ شهادتهم وصارَ ابنُ أبـيَ مطروداً مشهوداً عليه بالنِّفاق وحسَّانُ أعمى وأشلَّ اليدينِ ومسطحُ مكفوفَ البصرِ. وفي التَّعبـير عنه بالذي وتكريرِ الإسنادِ وتنكيرِ العذابِ ووصفهِ بالعظم من تهويل الخطب ما لا يخفى.
القشيري
تفسير : هذه قصة عائشة رضي الله عنها، وما كان من حديث الإفك. بَيَّنَ اللَّهُ - سبحانه - أنه لا يُخْلِي أحداً من المحنة والبلاء، في المحبة والولاء؛ فالامتحان من أقوى أركانه وأعظم برهانه وأصدق بيانه، كذلك قال صلى الله عليه وسلم "حديث : يُمْتَحَنُ الرجلُ على قَدْرِ دينه"تفسير : ، وقال: "حديث : أشدُّ الناسِ بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل ". تفسير : ويقال إن الله - سبحانه - غيورٌ على قلوب خواصِّ عباده، فإذا حصلت مساكنةُ بعض إلى بعضٍ يُجْرِي الله ما يَرُدُّ كُلَّ واحدٍ منهم عن صاحبه، ويردُّه إلى نفسه، وأنشدوا: شعر : إذا عَلِقَت روحي بشيءٍ، تعلَّقَتْ به غِيَرُ الأيام كي تسْلُبَنِّيَا "حديث : وإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لمَّا قيل له: أي الناس أحب إليك؟ قال: "عائشة""تفسير : فساكنها. وفي بعض الأخبار أن عائشة قالت: "يا رسول الله إني أحبك وأحب قربك"... فأجرى اللهُ حديثَ الإفك حتى ردَّ قلبَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنها إلى الله، وردَّ قلب عائشة عنه إلى الله؛ حيث قال - لما ظَهَرَتْ براءةُ ساحتها: بحمد الله لا بحمدك كشف الله عنها به تلك المحنة، وأزال الشكَّ، وأظهر صِدْقَها وبراءة ساحتها. ويقال إن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : اتقوا فراسةَ المؤمن فإنَّ المؤمن ينظر بنور الله" تفسير : فإذا كانت الفراسةُ صفة المؤمن فأوْلى الناس بالفراسةِ كان رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، ثم لم تظهر له بحكم الفراسة براءةُ ساحتها، حتى كان يقول:"حديث : إنْ فَعَلْتِ فتوبي ". تفسير : والسبب فيه أنه في أوقات البلاء يَسُدُّ اللَّهُ على أوليائه عيونَ الفراسةِ إكمالاً للبلاء. وكذلك إبراهيم - عليه السلام - لم يميِّز ولم يعرف الملائكة حيث قَدَّمَ إليها العِجْلَ الحنيذ، وتوهمهم أضيافاً. ولوط عليه السلام لم يعرف أنهم ملائكة إلى أن أخبروه أنهم ملائكة. ويقال" حديث : إنه كان - صلى الله عليه وسلم - يقول لعائشة: "يا حُمَيرَاء" "تفسير : . فلما كان زمان الإفك، وأرسلها إلى بيت أبويها، واستوحش الأبوان معها، ومَرِضَتْ عائشةُ - رضي الله عنها - من الحزن والوجد، كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا رأى واحداً من دار أبي بكر يقول: "كيف بيتكم؟ لا عائشة ولا حميراء فما كان يطيب بالتغافل عنها، فتعبيره - إن لم يُفهَمْ بالتصريح - فيُفْقَهُ بالتلويح. ثم إنه - سبحانه - قال: {لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ مَّا ٱكْتَسَبَ مِنَ ٱلإِثْمِ}: فبمقدار جُرْمِهم احتمل كلُّ واحدٍ ما يخصُّه من الوِزْرِ.
اسماعيل حقي
تفسير : {ان الذين جاءوا بالافك} اى مابلغ مما يكون من الكذب والافتراء: وبالفارسية [بدرستى آنانكه آورده اند دروغ بررك درشان عائشة] واصله الافك وهو القلب اى الصرف لانه مأفوك عن وجهه وسننه والمراد به ما افك على عائشة رضى الله عنها وذلك ان عائشة كانت تستحق الثناء بما كانت عليه من الامانة والعفة والشرف فمن رماها بالسوء قلب الامر من وجهه ـ روى ـ ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان اذا اراد سفرا اقرع بين نسائه فأيهن خرجت قرعتها استصحبها والقرعة بالضم طينة او عجينة مدورة مثلا يدرج فيها رقعة يكتب فيها السفر والحضر ثم تسلم الى صبى يعطى كل امرأة واحدة منهن كذا فى القهستانى فى القسم فلما كان غزوة بنى المصطلق فى السنة الخامسة من الهجرة وهى غزوة المريسيع كما فى انسان العيون خرج سهمها وبنو المصطلق بطن من خزاعة وهم بنوا خزيمة والمصطلق من الصلق وهو رفع الصوت والمريسيع اسم ماء من مياه خزاعة مأخوذ من قولهم رسعت عين الرجل اذا دمعت من فساد وذلك الماء فى ناحية قديد، قال فى القاموس المريسيع بئر او ماء واليه تضاف غزوة بنى المصطلق انتهى فخرجت عائشة معه عليه السلام وكان بعد نزول آية الحجاب وهو قوله تعالى {أية : ياايها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبى}تفسير : الآية لانه كان ذلك سنة ثلاث من الهجرة قالت فحملت فى هودج فسرنا فلما دنونا من المدينة قافلين اى راجعين نزلنا منزلا ثم نزلت من الرحل فقمت ومشيت لقضاء الحاجة حتى جاوزت الجيش فلما قضيت شأنى اقبلت الى رحلى فلمست صدرى فاذا عقد لى من جزع ظفار كقطام وهى بلد باليمن قرب صنعاء اليه نسبة الجزع وهو بالفتح وسكون الزاى المعجمة الخرز اليمانى فيه سواد وبياض يشبه به الاعين كما فى القاموس كان يساوى اثنى عشر درهما قد انقطع فرجعت فالتمسته فحبسنى ابتغاؤه واقبل الرهط الذين كانوا يرحلون بى بتخفيف الحاء اى يجعلون هودجها على الرحل وهو ابو مويهبة مولى رسول الله وكان رجلا صالحا مع جماعة معه فاحتملوا هودجى فرحلوه على بعيرى وهم يحسبون انى فيه بخفتى وكان النساء اذ ذاك خفافا لقلة اكلهن اى لان السمن وكثرة اللحم غالبا تنشأ عن كثرة الا كل كما فى انسان العيون فلم يستنكرواخفة الهودج حين رفعوه وذهبوا بالبعير فوجدت عقدى فجئت منازلهم وليس فيها احد واقمت بمنزلى الذى كنت فيه وظننت انهم سيفقدوننى فيرجعون فى طلبى فبينا انا جالسة فى منزلى غلبتنى عينى فنمت وكان صفوان بن المعطل السلمى خلف الجيش، قال القرطبى وكان صاحب ساقة رسول الله لشجاعته وكان من خيار الصحابة انتهى كان يسوق الجيش ويلتقط ما يسقط من المتاع كما فى الانسان فاصبح عند منزلى فرأى سوادا اى شخص انسان نائم فاتانى فعرفنى فاستيقظت باسترجاعه اى بقوله انا لله وانا اليه راجعون اى لان تخلف ام المؤمنين عن الرفقة فى مضيقة مصيبة اى مصيبة فخمرت وجهى فى جلبابى وهو ثوب اقصر من الخمار ويقال له المقنعة تغطى به المرأة رأسها والله ما تكلمت بكلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه اى لانه استعمل الصمت ادبا وهوى حتى اناخ راحلته فقمت اليها فركبتها وانطلق يقود بى الراحلة حتى اتينا الجيش فى بحر الظهيرة اى وسطها وهو بلوغ الشمس منتهاها من الارتفاع وهم نازلون، وبهذه الواقعة استدل بعض الفقهاء على انه يجوز الخلوة بالمرأة الاجنبيه اذا وجدها منقطعة ببرية او نحوها بل يجب استصحابها اذا خاف عليها لو تركها، وفى معانى الآثار للطحاوى قال ابو حنيفة وكان الناس لعائشة محرما فمع ايهم سافرت فقد سافرت مع محرم وليس غيرها من النساء كذلك انتهى، يقول الفقير لعل مراد الامام رحمه الله تعالى ان ازواج النبى عليه السلام وان كان كلهن محارم للامة لانه تعالى قال {أية : وازواجه امهاتهم}تفسير : وحرم عليهم نكاحهن كما قال {أية : ولا ان تنكحوا ازواجه من بعده ابدا}تفسير : الا ان عائشة كانت افضل نسائه بعد خديجة واقربهن منه من حيث خلافتها عنه فى باب الدين ولذا قال "حديث : خذوا ثلثى دينكم من عائشة"تفسير : فتأكدت الحرمة من هذه الجهة اذ لابد لاخذ الدين من الاستصحاب للسفر والحضر والله اعلم قالت فلما نزلنا هلك فى من هلك بقول البهتان والافتراء وكان اول من اشاعه فى المعسكر عبد الله بن ابى ابن سلول رئيس المنافقين فانه كان ينزل مع جماعة المنافقين متبعدين من الناس فمرت عليهم فقال من هذه قالوا عائشة وصفوان فقال فجربها ورب الكعبة فافشوه وخاض اهل المعسكر فيه فجعل يرويه بعضهم عن بعض ويحدث به بعضهم بعضا قالت فقدمنا المدينة فاشتكيت اى مرضت حين قدمت شهرا ووصل الخبر الى رسول الله والى ابوىّ ولا اشعر بشىء من ذلك غير انه يريبنى ان لا اعرف من رسول الله العطف الذى كنت ارى منه حين اشتكيت فلما رأيت ذلك قلت يا رسول الله لو اذنت لى فانقلب الى ابوىّ يمرضانى والتمريض القيام على المريض فى مرضه قال لا بأس فانقلبت الى بيت أبوىّ وكنت فيه الى ان برئت من مرضى بعد بضع وعشرين ليلة فخرجت فى بعض الليالى ومعى ام مسطح كمنبر وهى بنت خالة ابى بكر رضى الله عنه قبل المناصع وهى مواضع يتخلى فيها لبول او حاجة ولا يخرج اليها الا ليلا وكان عادة اهل المدينة حنيئذ انهم كانوا لايتخذون الكنيف فى بيوتهم كلاعاجم بل يذهبون الى محل متسع قالت فلما فرغنا من شأننا واقبلنا الى البيت عثرت ام مسطح فى مرطها وهو كساء من صوف او خزكان يؤتزر به فقالت تعس مسطح بفتح العين وكسرها اى هلك تعنى ولدها والمسطح فى الاصل عمود الخيمة واسمه عوف فقلت لها أتسبين رجلا قد شهد بدرا فقالت أو لم تسمعنى ما قال قلت وما قال فاخبرتنى بقول اهل الافك فازددت مرضا على مرض اى عاودنى المرض وازددت عليه وبكيت تلك الليلة حتى اصبحت لا ير قألى دمع ولا اكتحل بنوم ثم اصبحت ابكى شعر : جشمم ذكريه بر سر آبست روز شب جانم زناله درتب وتابست روز شب تفسير : فاستشار رسول الله فى حقى فاشار بعضهم بالفرقة وبعضهم بالصبر وقد لبث شهرا لا يوحى اليه فى شأنى بشىء فقال واقبل حتى دخل علىّ وعندى ابواى ثم جلس فتشهد ثم قال "حديث : اما بعد ياعائشة فانه قد بلغنى عنك كذا وكذا فان كنت بريئة فيبرئك الله وان كنت الممت بذنب فاستغفرى الله وتوبى فان العبد اذا اعترف بذنب ثم تاب الى الله تاب الله عليه"تفسير : فلما قضى رسول الله كلامه قلص دمعى اى ارتفع حتى ما احس منه بقطرة فقلت لابى اجب عنى رسول الله فيما قال قال والله لاادرى ما اقول لرسول الله فقلت لامى اجيبى عنى رسول الله قالت والله ماادرى ما اقول لرسول الله فقلت لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر فى نفوسكم وصدقتم به فلئن قلت لكم انى بريئة لا تصدقونى ولئن اعترفت لكم بامر والله يعلم انى بريئة منه لتصدقونى والله ومااجد لى ولكم مثلا الا ما قال ابو يوسف يعقوب {أية : فصبر جميل والله المستعان على ماتصفون} شعر : صبرى كنيم تاكرم او جه ميكند تفسير : قالت ثم تحولت فاضطجعت على فراشى وانا والله حنيئذ اعلم انى بريئة والله مبرئى ببراءة ولكنى والله ما كنت اظن ان ينزل فى شأنى وحى يتلى ولشأنى كان احقر فى نفسى من ان يتكلم فى بامر يتلى ولكنى كنت ارجو ان يرى النبى عليه السلام رؤيا يبرئنى الله بها قالت فوالله ما قام رسول الله عن مجلسه ولا خرج من البيت حتى اخذه ما كان يأخذه عند نزول الوحى اى من شدة الكرب فسجى اى غطى بثوب ووضعت له وسادة من ادم تحت رأسه وكان ينحدر منه مثل الجمان من العرق فى اليوم الثانى من ثقل القول الذى انزل عليه والجمان حبوب مدحرجة تجعل من الفضة امثال اللؤلؤ فلما سرى عنه وهو يضحك ويمسح العرق من وجهه الكريم كان اول كلمة تكلم بها "حديث : ابشرى عائشة اما ان الله قد برأك"تفسير : فقالت امى قومى اليه فقلت والله لا احمد الا الله فانزل الله تعالى {ان الذين جاؤا بالافك} الآيات، قال السهيلى كان نزول براءة عائشة بعد قدومهم المدينة من الغزوة المذكورة لسبع وثلاثين ليلة فى قول المفسرين فمن نسبها الى الزنى كغلاة ا لرافضة كان كافرا لان فى ذلك تكذيبا للنصوص القرآنية ومكذبها كافر، وفى حياة الحيوان عن عائشة رضى الله عنها لما تكلم الناس بالافك رأيت فى منامى فتى فقال لى مالك قلت حزينة مما ذكر الناس فقال ادعى بكلمات يفرج الله عنك قلت وما هى قال قولى ياسابغ النعم ويا دافع النقم ويا فارج الغم ويا كاشف الظلم ويا اعدل من حكم ويا حسيب من ظلم ويااول بلا بداية ويا آخر بلا نهاية اجعل لى من امرى فرجا ومخرجا قالت فانتبهت وقلت ذلك وقد انزل الله فرجى، قال بعضهم برأ الله اربعة باربعة يوسف بشاهد من اهل زليخا وموسى من قول اليهود فيه ان له ادرة بالحجر الذى فر بثوبه ومريم بانطاق ولدها وعائشة بهذه الآيات وبعد نزولها خرج عليه السلام الى الناس وخطبهم وتلاها عليهم وامر بجلد اصحاب الافك ثمانين جلدة، وعن عائشة ان عبد الله بن ابىّ جلد مائة وستين اي حدين قال عبد الله بن عمر رضى الله عنهما وهكذا يفعل لكل من قذف زوجة نبىّ اى يجوز ان يفعل به ذلك، وفى الخصائص الصغرى من قذف ازواجه عليه السلام فلا توبة له البتة كما قال ابن عباس رضى الله عنهما وغيره ويقتل كما نقله القاضى وغيره وقيل يختص القتل بمن قذف عائشة ويحدّ فى غيرها حدّين كذا فى انسان العيون، وعن ابن عباس رضى الله عنهما لم تبغ امرأة نبى قط واما قوله تعالى فى امرأة نوح وامرأة لوط {أية : فخانتاهما}تفسير : فالمراد آذتاهما قالت امرأة نوح فى حقه انه لمجنون وامرأة لوط دلت على اضيافه وانما جاز ان تكون امرأة النبى كافرة كامرأة نوح ولوط ولم يجز ان تكون زانية لان النبى مبعوث الى الكفار ليدعوهم الى الدين والى قبول ما قاله من الاحكام والثواب والعقاب وهذا المقصود لا يحصل اذا كان فى الانبياء ما ينفر الكفرة عنهم والكفر ليس مما ينفر عندهم بخلاف الفجور فانه من اعظم المنفرات، وعن كتاب الاشارات للفخر الرازى رحمه الله انه عليه السلام فى تلك الايام التى تكلم فيها بالافك كان اكثر اوقاته فى البيت فدخل عليه عمر فاستشاره فى تلك الواقعة فقال يارسول الله انا اقطع بكذب المنافقين واخذت براءة عائشة من ان الذباب لا يقرب بدنك فاذا كان الله صان بدنك ان يخالطه الذباب لمخالطته القاذورات فكيف بأهلك ودخل عليه عثمان فاستشاره فقال يارسول الله اخذت براءة عائشة من ظلك لانى رأيت الله صان ظلك ان يقع على الارض اى لان ظل شخصه الشريف كان لا يظهر فى شمس ولا قمر لئلا يوطأ بالاقدام فاذا صان الله ظلك فكيف باهلك ودخل علىّ فاستشاره فقال يا رسول الله اخذت براءة عائشة من شىء هو انا صلينا خلفك وانت تصلى بنعليك ثم انك خلعت احدى نعليك فقلنا ليكن ذلك سنة لنا فقلت "حديث : لا ان جبريل قال ان فى تلك النعل نجاسة" تفسير : فاذا كان لا تكون النجاسة بنعليك فكيف باهلك فسر عليه السلام بذلك فصدقهم الله فيما قالوا وفضح اصحاب الافك بقوله {ان الذين جاؤا بالافك} {عصبة منكم} خبران والعصبة والعصابة جماعة من العشرة الى الاربعين والمراد هنا عبد الله بن ابىّ وزيد بن رفاعة ومسطح بن اثاثة وحمنة بن جحش ومن ساعدهم واختلفوا فى حسان بن ثابت والذى يدل على براءته ما نسب اليه فى ابيات مدح بها عائشة رضى الله عنها منها شعر : مهذبة قد طيب الله خيمها وطهرها من كل سوء وباطل فان كنت قد قلت الذى قد زعمتمو فلا رفعت سوطى الى ّ اناملى وكيف وودّى ما حييت ونصرتى لآل رسول الله زين المحافل تفسير : كما فى انسان العيون، قال الامام السهيلى فى كتاب التعريف والاعلام قد قيل ان حسان لم يكن فيهم اى فى الذين جاؤا بالافك فمن قال انه كان فيهم انشد البيت المروى حين جلدوا الحدّ شعر : لقد ذاق حسان الذى كان اهله وحمنة اذ قالا لهجر ومسطح تفسير : ومن برأه الافك قال انما الرواية فى البيت شعر : لقد ذاق عبدالله ما كان اهله تفسير : انتهى: ومعنى الآية ان الذين اتوا بالكتاب فى امر عائشة جماعة كائنة منكم فى كونهم موصوفين بالايمان وعبد الله ايضا كان من جملة من حكم له بالايمان ظاهرا وان كان رئيس المنافقين خفية {لاتحسبوه شرا لكم} الخطاب لرسول الله وابى بكر وعائشة وصفوان ولمن ساءه ذلك من المؤمنين تسلية لهم من اول الامر والضمير للافك {بل هو خير لكم} لاكتسابكم الثواب العظيم لانه بلاء مبين ومحنة ظاهرة وظهور كرامتكم على الله بانزال ثمانى عشرة آية فى نزاهة ساحتكم وتعظيم شأنكم وتشديد الوعيد فيمن تكلم فيكم والثناء على من ظنّ بكم خيرا {لكل امرىء منهم} اى من اولئك العصبة والامرؤ الانسان والرجل كالمرء والالف للوصل {ما اكتسب من الاثم} بقدر ماخاض فيه لان بعضهم تكلم بالافك وبعضهم ضحك وبعضهم سكت ولم ينههم. قال فى التأويلات على حسب سعايتهم وفساد ظنهم وهتك حرمة حرم نبيهم انتهى والاثم الذنب {والذى تولى كبره} اى تحمل معظم الافك، قال فى المفردات فيه تنبيه على ان كل من سن سنة قبيحة يصير مقتدى به فذنبه اكبر {منهم} من العصبة وهو ابن ابى فانه بدأ به واذاعه بين الناس عداوة لرسول الله كما سبق {له عذاب عظيم} اى لعبد الله نوع من العذاب العظيم المه لان معظم الشر كان منه فلما كان مبتدئا بذلك القول لا جرم حصل له من العقاب مثل ما حصل لكل من قال ذلك لقوله عليه السلام "حديث : من سن سنة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها الى يوم القيامة ". تفسير : وفى التأويلات النجمية {له عذاب عظيم} يؤاخذ بجرمه وهو خسارة الدنيا والآخرة ثم اورد الحديث المذكور شعر : هركه بنهد سنتى بداى فتى تا در افتد بعد او خلق ازعمى جمع كردد بروى آه جمله بزه كوسرى بودست وايشان دم غزه
ابن عجيبة
تفسير : قلت: (عُصْبة): خبر "إن"، و(لا تحسبوه): استئناف. يقول الحق جل جلاله: {إن الذين جاؤوا بالإِفْكِ}؛ وهو أبلغ ما يكون من الكذب والافتراء، وقيل: هو البهتان لا تشعر به حتى يفاجئك. والمراد: مَا أُفِك على الصديقة عائشة - رضي الله عنه -، وفي لفظ المجيء إشارة إلا أنهم أظهروه من عند أنفسهم من غير أن يكون له أصل. وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد سفراً أقْرَعَ بين نسائِه، فأيَّتهُنَّ خرجت قُرعتها استصحبها، قالت عائشة - رضي الله عنها -: فأقرعَ بيننا في غزوةٍ غزاها - قيل: هي غزوة بني المصطلق، وتُسمى أيضاً: غزوة المريسيع، وفيها أيضاً نزل التيمم - فَخَرّج سهمي، فخرجتُ معه صلى الله عليه وسلم بعد نزول آية الحجاب، فحُملت في هودج، فسرنا حتى إذا قفلنا ودنونا من المدينة؛ نزلنا منزلاً، ثم نُودي بالرحيل، فقمتُ ومشيتُ حتى جاوزتُ الجيش، فلما قضيتُ شأني أقبلتُ إلى رَحْلي، فلمسْتُ صدري فإذا عِقْدٌ لي مِنْ جَزْعِ أظفارٍ قد انقطعَ، فرجعتُ فالتمسته، فحبسني التماسه. وأقبل الرَّهطُ الذين كانوا يرحلوني، فاحتملوا هَوْدَجِي فرحلوه على بعيري، وهم يحسبون أنِّي فيه؛ لخفتي، فلم يستنكروا خفة الهودج، وذهبوا بالبعير، ووجدت عقدي بعدما استمر الجيش، فجئت منازلهم وليس فيه داعٍ ولا مجيب، فتيممت منزلي، وظننت أن سيفقدونني ويعودُون في طَلَبي، فبينما أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني، فنمت، وكان صَفْوَانُ بن المعطِّل قد عرّس من وراء الجيش، فأدْلَجَ فأصبح عند منزلي، فلما رآني عرفني، وكان يراني قبل الحجاب، فاسترجع، فاستيقظت باسترجاعه، فخَمَّرْتُ وجهي بجلبابي، والله ما تكلمنا بكلمة، ولا سمعتُ منه كلمة، غير استرجاعه، فأناخ راحلته، فوطئ على يدها، فقمت إليها فركبتها، وانطلق يقود بي الراحلة، حتى أتينا الجيش مُوغرين في نَحْرِ الظهيرة، وهم نزول، وافْتَقَدني الناسُ حين نَزَلُوا، وماج الناس في ذِكْرِي، فبينما الناس كذلك إذ هَجَمْتُ عليهم، فخَاضَ الناس في حديثي، فهلك مَنْ هلك. والحديث بطوله مذكور في الصحيحين والسّيَر. وقوله تعالى: {عُصْبَةٌ منكم} أي: جماعة من جلدتكم، والعصبة: من العشرة إلى الأربعين، وكذا العصابة، يقال: اعصوصبَوا: اجتمعوا. وهم عبد الله بن أُبّي رأس المنافقين، وزيد بن رفاعة، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش، ومن ساعدهم. واختلف في حسان بن ثابت، فمن قال: كان منهم، أنشد البيت المروي في شأنهم ممن جلدوا الحد: شعر : لَقَدْ ذَاقَ حَسَّانُ الذي هُو أَهْلُهُ وَحِمْنَةُ؛ إذ قالا هجَيْراً، وِمسْطَحُ تفسير : ومن برَّأ حَسان من الإفك قال: إنما الرواية في البيت: (لقد ذاق عبد الله ما كان أهله)، والمشهور أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحد عبد الله بن أُبّي، حين حدّ الرامين لعائشة، تأليفاً له؛ قال البرماوي في حاشيته علىالبخاري في فوائد حديث الإفك: وفيه ترك الحد لما يخشى من تفريق الكلمة، كما ترك عليه الصلاة والسلام حدّ ابن سلول. هـ. وقد رَوى ابن عبد البر أن عائشة برأت حسان من الفرية، وقد أنكر حسانُ أن يكون قال فيها شيئاً في أبياته، التي من جملتها: شعر : حَصَانُ رَزَانٌ ما تُزَنُّ بِرِيبَةٍ وتُصْبحُ غَرْثَى من لُحُوم الْغَوافِلِ تفسير : إلى أن قال: شعر : فَإنْ كان ما بُلِّغْتَ عَنِّي قُلْتُه فَلاَ رَفَعَتْ سَوْطِي إليَّ أَنامِلي تفسير : ويجمع بين قوله هنا ذلك، وبين قولها له عند قوله: وتُصْبِحُ غَرْثَى من لُحُوم الْغَوافِلِ: "لكنك لست كذلك"؛ بأنه لم يقل نصاً وتصريحاً، ولكن عرّض وأومأ، فنُسب ذلك إليه. والله أعلم أيُّ ذلك كان. ثم قال تعالى: {لا تحسَبُوه شَرَّا لكم}، والخطاب للرسول - عليه الصلاة والسلام -، وأبي بكر، وعائشة، وصفوان؛ تسلية لهم من أول الأمر، {بل هو خيرٌ لكم} ؛ لاكتسابكم به الثواب العظيم، وظهور كرامتكم على الله عز وجل؛ بإنزال القرآن الذي يُتلى إلى يوم الدين في نزاهة ساحتكم وتعظيم شأنكم، وتشديد الوعيد فيمن تكلم فيكم، والثناء على من ظن خيراً بكم، مع ما فيه من صدق الرُّجْعَى إلى الله، والافتقار إليه، والإياس مما سواه. ثم ذكر وبال من وقع فيها بقوله: {لكل امرىءٍ منهم} أي: من أولئك العصبة {ما اكتسبَ من الإثم} أي: له من الجزاء بقدر ما خاض فيه، وكان بعضهم ضحك، وبعضهم تكلم، وبعضهم سكت. {والذي تولى كِبْرَهُ} أي: معظمه وجُله {منهم} أي: من العصبة، وهو عبد الله بن أُبَيّ {له عذابٌ عظيم} في الآخرة، إن كان كافراً، كابن أُبّي، وفي الدنيا إن كان مؤمناً، وهو الحد وإبطال شهادتهم وتكذيبهم. وقد رُوي أن مسطح كُف بصره، وكذلك حسان، إن ثبت عنه الخوض فيه، والله تعالى أعلم. الإشارة: كلام الناس في أهل الخصوصية مَقَاذِفُ لسير سفينتهم، ورياح لها، فكلما قوي كلام الناس في الولي قَوِيَ سَيْرُهُ إلى حضرة ربه، حتى تمنى بعضهم أن يكون غابة والناس فيه حَطاَّبَة. وفي الحِكَم: "إنما أجرى الأذى عليهم كي لا تكون ساكناً إليهم، أراد أن يُزْعِجَكَ عن كل شيء حتى لا يَشْغَلَكَ عنه شيء". والحق تعالى غيور على قلوب أصفيائه، لا يحب أن تركن إلى غيره، فمهما ركنت إلى شيء شوش ذلك عليه، كقضية سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام مع ابنه حين أمر بذبحه، وكقضية سيدنا يعقوب عليه السلام مع ابنه حين غيّبه عنه. وكانت عائشة رضي الله عنها - قد استولى عليها حبه - عليه الصلاة والسلام -، فكادت تحجب بالواسطة عن الموسوط، فردها إليه تعالى بما أنزل بها، تمحيصاً وتخليصاً وتخصيصاً، حتى أفردت الحق تعالى بالشهود، فقالت: بحمد الله، لا بحمد أحد. وكذا شأنه تعالى مع أحبائه؛ يردهم إليه بما يوقع بهم من المحن والبلايا حتى لا يكونوا لغيره. وبالله التوفيق. ثم وبخّ الخائضين في حديث الإفك، فقال: {لَّوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ...}
الطوسي
تفسير : يقول الله تعالى مخاطباً لأمة محمد (صلى الله عليه وسلم) {إن الذين جاؤا بالإفك} يعني الذين أتوا بالافك، وهو الكذب الذي قلب فيه الأمر عن وجهه، واصله الانقلاب، ومنه (المؤتفكات) وأفك يأفك افكاً إذا كذب. لانه قلب المعنى عن حقه الى باطله، فهو آفك، مثل كاذب، وقوله {عصبة منكم} يعني جماعة منكم، ومنه قوله {أية : ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة} تفسير : ويقال: تعصب القوم إذا اجتمعوا على هيئة، فشد بعضهم بعضاً. والعصبة فى النسب العشيرة المقتدرة، لانه يجمعها التعصب. وقال ابن عباس: منهم (عبد الله بن أبي بن سلول) وهو الذي تولى كبره، وهو من رؤساء المنافقين. و (مسطح بن اثاثة، وحسان بن ثابت، وحمنة بنت جحش) وهو قول عائشة، وكان سبب الافك ان عائشة ضاع عقدها في غزوة بني المصطلق، وكانت تباعدت لقضاء الحاجة، فرجعت تطلبه، وحمل هودجها على بعيرها ظناً منهم بها أنها فيه، فلما صارت الى الموضع وجدتهم قد رحلوا عنه، وكان صفوان ابن معطل السلمي الذكواني من وراء الجيش فمر بها، فلما عرفها أناخ بعيره حتى ركبته، وهو يسوقه حتى أتى الجيش بعد ما نزلوا فى قائم الظهيرة. هكذا رواه الزهري عن عائشة. وقوله {لا تحسبوه شرّاً لكم بل هو خير لكم} خطاب لمن قرب بالافك من عائشة، ومن اغتم لها، فقال الله تعالى لا تحسبوا غم الافك شراً لكم بل هو خير لكم، لان الله (عز وجل) يبرئ ساحته ببراءتها، وينفعها بصبرها واحتسابها، وما ينل منها من الاذى والمكروه الذي نزل بها، ويلزم أصحاب الافك ما استحقوه بالاثم الذى ارتكبوه فى أمرها. ثم اخبر تعالى فقال {لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم} أي له جزاء ما اكتسب من الاثم من العقاب. ثم قال {والذي تولى كبره منهم} يعني (ان ابي بن سلول) تحمل ومعظمه و (كبره) مصدر من معنى الكبير من الامور. قال ابو عبيدة: فرقوا بينه وبين مصدر الكبر فى السنّ، يقال: فلان ذو كبر أي ذو كبرياء. وقرأ ابو جعفر المدني بضم الكاف. الباقون بكسرها، فالكبر بضم الكاف من كبر السن، وهو كبير قومه أي معظمهم، والكبر والعظم واحد. وقيل: دخل حسان على عائشة فانشدها قوله فى بيته: شعر : حصان رزان ما تزن بريبة وتصبح غرثى من لحوم القوافل تفسير : فقالت له: لكنك لست كذلك. وقوله {له عذاب عظيم} يعني جزاء على ما اكتسبه من الاثم. وقوله {لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً} معناه هلا حين سمعتم هذا الافك من القائلين ظن المؤمنون بالمؤمنين الذين هم كانفسهم خيراً، لان المؤمنين كلهم كالنفس الواحدة فيما يجري عليها من الامور، فاذا جرى على أحدهم محنة، فكأنه جرى على جماعتهم، وهو كقوله {أية : فسلموا على أنفسكم} تفسير : وهو قول مجاهد، قال الشاعر في (لولا) بمعنى (هلا): شعر : تعدون عقر النيب أفضل مجدلكم بني ضوطرى لولا الكمي المقنعا تفسير : اي فهلا تعدون قتل الكمي. وقوله تعالى {وقالوا هذا إفك مبين} معناه وهلا قالوا هذا القول كذب ظاهر. ثم قال تعالى {لولا جاؤا عليه بأربعة شهداء} اى هلا جاؤا على ما قالوه ببينة أربعة من الشهداء {فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك} الذين قالوا هذا الافك {هم الكاذبون} عند الله، والمعنى انهم كاذبون فى عيبهم، فمن جوز صدقهم، فهو رادّ لخبر الله تعالى، فالآية دالة على كذب من قذف عائشة، وافك عليها. فأما في غيرها إذا رماها الانسان، فانا لا نقطع على كذبه عند الله، وإن اقمنا عليه الحد، وقلنا هو كاذب فى الظاهر، لانه يجوز أن يكون صادقاً عند الله، وهو قول الجبائي. ثم قال تعالى على وجه الامتنان على المؤمنين {ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم في ما أفضتم فيه عذاب عظيم} جزاء على خوضكم في قصة الافك وافاضتكم فيه. وقيل فى الآية تقديم وتأخير، وتقديره: ولولا فضل الله عليكم ورحمته لمسكم في ما افضتم فيه عذاب عظيم في الدنيا والاخرة. وقوله {إذ تلقونه بألسنتكم} تقديره: لمسكم عذاب عظيم حين تلقونه بالسنتكم، ومعناه برواية بعضكم عن بعض لتشييعه - فى قول مجاهد - وروي عن عائشة أنها قرأت {تلقونه} من ولق الكذب، وهو الاستمرار على الكذب، ومنه: ولق فلان في السير إذا استمر به، ويقال. فى الولق من الكذب: الالق والألق، تقول: ألقت وانتم تألقونه. أنشد الفراء: شعر : من لي بالمرر واليلامق صاحب أدهان وألق آلق تفسير : فتح الالف من ادهان، وقال الراجز: شعر : إن الحصين زلق وزملق جاءت به عيس من الشام تلق تفسير : وينشد ايضاً: شعر : ان الحصين زلق وزملق جاءت به عنس من الشام تلق مجوع البطن كلاليم الحلق تفسير : وقوله {تقولون بأفواكم ما ليس لكم به علم} من وجه الافك {وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم} اي تظنونه حقيراً وهو عند الله عظيم لأنه كذب وافتراء.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُوا بِٱلإِفْكِ} افك كضرب وعلم افكاً بالكسر والفتح والتّحريك كذب كأفّك بالتّشديد وافكه عنه كضرب صرفه وقلبه او قلب رأيه {عُصْبَةٌ} اى جماعة {مِّنْكُمْ لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ} الضّمير للافك او الاتيان بالافك المستفاد من جاؤا بالافك {بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} لانّ افكهم لا يورث ضرراً عليكم بل ينفعكم لانّه يكون كفّارةً لذنوبكم وتخفيفاً لاثقالكم {لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ مَّا ٱكْتَسَبَ مِنَ ٱلإِثْمِ} فانّ من هؤلآء العصبة من يقول افتراءً مع علم بانّه افتراء، ومنهم من يقوله ظنّاً وتخميناً، ومنهم من يقول تقليداً، ومنهم من يستمع، ومنهم من يسمع، ولكلّ منهم قدر ما اكتسب من الاثم {وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ} معظم الاثم كعبدالله بن ابىّ سلول فانّه كان رأس اصحاب الافك كانوا يجتمعون عنده وكان يحدّث النّاس بحديث الافك ويشيع ذلك بين النّاس ويقول باتت امرأة نبيّكم مع رجلٍ حتّى اصبحت ثمّ جاء يقودها والله ما نجت منه وما نجا منها، وقيل: المراد مسطح بن اثاثة، وقيل: حسّان بن ثابت، او المعنى الّذى تولّى كبرياءه وتأنّف عن انقياد الرّسول (ص) وتوقيره {مِنْهُمْ} اى من هؤلآء العصبة {لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} قد نقل فى تفاسير الخاصّة والعامّة انّ الآيات نزلت فى عائشة، وسبب نزولها انّ الرّسول (ص) خرج بها فى غزوة بنى المصطلق وكان الرّسول (ص) اذا اراد ان يخرج باحداهنّ فى غزوةٍ اقرع بينهنّ وبعدما رجع من تلك الغزوة ودنى من المدينة قامت عائشة حين اذنوا بالرّحيل ومشت حتّى جاوزت الجيش فلمّا قضت شأنها اقبلت الى الرّحل فلمست صدرها فلم تجد عقدها فرجعت فى التماسها عقدها فحبسها ابتغاؤه واقبل الرّهط الّذين يحملون هودجها فحملوا هودجها ظنّاً منهم انّها فيه ووجدت عقدها، ورجعت فلم يجد فى المعسكر داعياً ولا مجيباً فبقيت فى المنزل الّذى كانت فيه ظنّاً منها انّ القوم سيفقدونها، وكان صفوان بن المعطّل السّلمىّ جاء من وراء الجيش فأصبح عند منزلها فعرفها فأناخ راحلته فركبتها فقادها حتّى اتيا الجيش، فقال المنافقون ما قالوا فى حقّها، فأنزل الله تلك الآيات لتبرئتها، ونقل عن الخاصّة انّها نزلت فى مارية القبطيّة وما رمتها به عائشة، روى عن الباقر (ع) انّه قال لمّا هلك ابراهيم بن رسول الله (ص) حزن عليه رسول الله (ص) حزناً شديداً فقالت له عائشة ما الّذى يحزنك عليه فما هو الاّ ابن جريحٍ فبعث رسول الله (ص) عليّاً (ع) وأمره بقتله فذهب علىّ (ع) ومعه السّيف وكان جريح القبطىّ فى حائطٍ فضرب علىّ (ع) باب البستان فأقبل اليه جريح ليفتح له الباب فلمّا رأى عليّاً (ع) عرف فى وجهه الغضب فأدبر راجعاً ولم يفتح باب البستان فوثب علىّ (ع) على الحائط ونزل الى البستان واتبعه وولّى جريح مدبراً، فلمّا خشى ان يرهقه صعد فى نخلة وصعد علىّ (ع) فى اثره فلمّا دنى منه رمى بنفسه من فوق النّخلة، فبدت عورته فاذا ليس له ما للرّجال ولا له ما للنّساء، فانصرف علىّ (ع) الى النّبىّ (ص) فقال له يا رسول الله اذا بعثتنى فى الامر اكون فيه كالمسمار المُحمى فى الوبر امضى على ذلك ام اتثبّت؟- قال: لا بل تثبّت، قال: والّذى بعثك بالحقّ ما له ما للرّجال وما له ما للنّساء فقال: الحمد لله الّذى صرف عنّا السّوء اهل البيت، وروى حكاية رمى المارية بنحوٍ آخر.
اطفيش
تفسير : {إِنَّ الَّذِيَنَ جَاءُوا بِالإِفكِ} بالكذب العظيم وهو البهتان لا يشعر به احد حتى يفاجئه. وعن بعضهم الافك ابلغ ما يكون من الكذب واصل الافك القلب لانه قول مقلوب مأفوك اي مصروف عن وجهه والمراد ما بهتت به عائشة رضي الله عنها في غزوة (المريسيع) وهي غزوة بني المصطلق * {عُصْبَةٌ} جماعة خبر لان * {مِّنكُمْ} خبر ثان أو نعت عصبة والمراد من المولد حسان بن ثابت وعبدالله بن أبي ومصطح بن اثاثة وحمنة بنت جحش زوجة طلحة بن عبدالله وزيد بن رفاعة. وان قلت عبدالله رأس المنافقين فكيف يكون منهم قلت كان يظهر الاسلام والكون حيث كان المؤمنون فاخبر الله سبحانه بظاهره وهو عالم بنفاقه أو غلب عليه غيره فان من ذكر كلهم موحدون الا اياه فأسر الشرك والعصبة عند بعضهم الجماعة من العشرة إلى الاربعين وهم من ذكر ومن ساعدهم وكانت عائشة رضي الله عنها تستحق الثناء والمدح بما كانت عليه من الحصانة والشرف والعقل والعلم والديانة فمن رماها بسوء فقد قلب الحق بالباطل . حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أَراد غزوة اقرع بين نسائه رضي الله عنهن ولما اراد غزوة المريسع فخرج سهم عائشة رضي الله عنها قالت فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما نزل الحجاب فكنت احمل على هودج وانزل فيه حتى فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته فرجعنا حتى دنونا من المدينة اذن بالرحيل ليلة فقمت وجاوزت الجيش فلما قضيت شأني اقبلت إلى رحلي فالتمست صدري فاذا عقد لي بكسر العين واسكان القاف من جزع ظفار والجزع الخرز اليماني وظفار لقطام وحذام مدينة باليمن لحمير والمراد عقد قلادة وروي اظفار وهو جنس من الطيب لا واحد له. وقيل واحده ظفر قد انقطع فرجعت التمسه وحبسني ابتغاءه فاقبل الرهط الذين يرحلونني فاحتملوا هودجي وهو ما تكون فيه المرأة على بعيري يحسبونني فيه وكانت النساء خفافا انما ياكلن العلقة من الطعام بضم العين واسكان اللام اي القليل منه فلم يستنكروا خفة الهودج وكنت جارية حديثة السن فبعثوا الجمل وساروا ووجدت عقدي بعد ما ساروا فجئت منازلهم ولا داعي ولا مجيب فيها فجلست في المنزل الذي كنت فيه وظننت ان القوم سيفقدونني فيرجعون إلي فغلبتني عيناي فنمت وكان صفوان بن المعطل السلمي رضي الله عنه قد عرس بتشديد الراء من وراء الجيش اي نزل آخر الليل ليستريح فادلج بتشديد الدال اي سار آخره فاصبح في منزلي فرأى سواد انسان نائم اي شخصه فعرفني حين رآني وكان يراني قبل الحجاب فاسترجع اي قال إنا لله وانا إليه راجعون فاستيقظت باسترجاعه فخمرت وجهي بجلبابي أي غطيته بازاري والله ما كلمني بكلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه فهوى فاناخ راحلته فوطئي على يديها وولى عني ظهره فركبتها فانطلق يقود بي الرحلة حتى اتينا الجيش بعدما نزلوا موعرين في نحر الظهيرة اوعر فهو موعر نزل في مكان وعر أو صار فيه مطلقا ونحر الظهيرة شدة الحر فهلك من هلك في شأني تفسير : هذه رواية للبخاري ومسلم. وروي حديث : حتى اتينا الجيش بعدما نزلوا بعد سير وقدمت المدينة ومرضت شهرا والناس يفيضون في الإِفك وانا لا اشعر بشيء ورابني في وجعي أَني لا أَرى منه صلى الله عليه وسلم اللطف الذي أَرى منه حين اتوجع رابني شيء اوقعني في شك واللطف لين الكلام انما يدخل ويسلم ثم يقول كيف تيكم؟ وتي اسم اشارة لحقها الكاف والميم ثم ينصرف فذلك الذي يريبني ولا اشعر بشر حتى اقمت من مرضي فخرجت انا وام مصطح قبل المناصع إلى جهة المكان الواسع الخالي للبول والغائط وكنا لا نخرج الا ليلا وذلك قبل ان تتخذ الكنف قريبا منا وامرنا من العرب الاول في التبرز قبل الغائط وكنا نتأذى بالكنف ان تتخذ في البيت وقضينا حاجتنا فرجعنا فعثرت ام مسطح في ثوبها وهي بنت ابي رهم بن عبد المطلب بن عبد مناف وامها بنت صخر بن عامر خالة ابي بكر الصديق وابنها مسطح بن اثاثة بن عباد بن المطلب فقالت تعس مسطح اي سقط بوجهه فقلت لها بئس ما قلت اتسبين رجلا شهد بدرا فقالت: يا هنتاه اي بالهاء نسبتها لقلة المعرفة الم تسمعي ما قال: قلت: وما قال؟ فاخبرتني بقول أَهل الإِفك فازددت مرضا إلى مرضي ولما رجعت إلى بيتي دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: كيف تيكم؟ فقلت له اتاذن لي ان آتي ابويّ وانا اريد ان استيقن الخبر من قبلهما فاذن لي فقلت لامي: يامتاه ماذا يتحدث الناس بي؟ فقالت: يا بنتي هوني على نفسك فوالله لقل ما كانت امرأة قط وضيئة الوجه عند رجل يحبها ولها ضرائر الا اكثرن عليها فقلت: سبحان الله. ولقد تحدث الناس بها فبكيت الليلة إلى الصبح لا يرقي لي دمع اي لا ينقطع ولا اكتحل بنوم اي لا يدخل النوم عيني ثم اصبحت ابكي فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن ابي طالب واسامة بن زيد يستشيرهما في فراقي فاما اسامة فقال: هي اهلك يا رسول الله والله لا نعلم الا خيرا واما علي فقال: يا رسول الله لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير وسل الجارية نصدقك فدعا صلى الله عليه وسلم بريرة فقال: اي يا بريرة هل رأيت فيها ما يريبك قالت: لا والذي بعثك بالحق ما رأيت منها امرا اغمصه أَي أَعيبه عليها أَكثر من أَنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أَهلها فياتي الداجن اي الشاة التي تألف البيت وتقيم فيه فيأكله فقام صلى الله عليه وسلم وقال في يومه: "من يعذرني من رجل بلغ أَذاه في أَهلي" يعني الذي تولى كبر الإِفك عبدالله بن ابيّ وفي رواية بلغ (اذاه في أهل بيتي) اي من يقوم بعذري ان كافأته على سوء صنيعه (فوالله ما علمت على أَهلي إِلا خيرا ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه الا خيرا يعني صفوان وما كان يدخل على أهلي إِلا معي) فقال سعد بن معاذ احد بني عبد الاشهل فقال: انا يا رسول الله أَعذرك منه إِن كان من الاوس ضربنا عنقه وان كان من إِخواننا من الخزرج أَمرتنا ففعلنا فيه أَمرك فقام سعد بن عبادة سيد الخزرج وام حسان بنت عمه من فخذه اي قبيلته وهو رجل صالح لكن صدر منه ما لا يخلو منه سائر البشر وتاب واستغفر فقال كذبت لعمري والله لا تقتله ولا تقدر على ذلك فهذا ما صدر منه فقال سيد ابن عم سعد بن معاذ فقال لسعد بن عبادة كذبت والله لنقتله فانك منافق تجادل عن المنافقين فهم الأَوس والخزرج ان يقتتلوا وتثأوروا اي نهضوا للقتال ورسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر ولم يزل يخفضهم اي يهونهم ويسكنهم حتى سكتوا وبكيت يومي ذلك لا يرقى لي دمع ولا اكتحل بنوم ثم ليلتي المقبلة كذلك فاصبح عندي ابواي وقد بكيت ليلتين ويوما حتى اظن ان البكاء فالق كبدي فبينما أَنا أَبكي وابواي عندي استأذنت امرأة من الأَنصار فاذنت لها فجلست تبكي معي فبينما نحن كذلك اذ دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جلس ولم يجلس عندي من يوم قيل ما قيل الا ذلك اليوم وقد مكث شهرا لم يوح إليه في شأني وتشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جلس ثم قال اما بعد يا عائشة فانه بلغني عنك كذا وكذا فان كنت بريئة فسيبرئك الله وان كنت المميت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه فان العبد إذا اعترف بذنب ثم تاب، تاب الله عليه والالمام بذنب الوقوع فيه. وقيل: هو هنا من اللمم الذي هو من صغار الذنوب كنية الزنى ويرده ان الزنى كبيرة وقيل: مفارقة الذنب من غير فعل ولما قضى كلامه قلص دمعي اي انقطع حتى ما احس قطره فقلت لابي: اجب عني رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: والله لا ادري ما اقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت لامي كذلك فقالت: كقوله فقلت: وانا حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن اني والله لقد علمت انكم سمعتم ما تحدث به الناس حتى استقر في نفوسكم وصدقتم به فان قلت لكم اني بريئة والله يعلم براءتي فلا تصدقوني وان اعترفت بما لم يكن صدقتموني والله لا اجد لي ولكم مثلا الا كما قال أبو يوسف: {فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون} ثم تحولت واضطجعت على فراشي وانا والله اعلم اني بريئة وان الله سيبرئني ولكن والله ما اظن ان ينزل في شأني وحي يتلى وانا احقر ان يكون لي ذلك ولكن رجوت ان يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤيا فوالله ما تزحزح عن مجلسه ولا خرج احد من أهل البيت حتى انزل الله عليه فاخذه ما كان يأخذه من البرحاء اي من الشدة حتى انه لينحدر منه مثل الجمان اي الدر من العرق في يوم شات من ثقل الوحي فسرّي عنه وهو يضحك فكان أول كلمة يا عائشة احمد الله. وفي رواية ابشري يا عائشة اما والله لقد ابرأك الله فقالت لي امي: قومي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: لا والله لا اقوم ولا احمد الا الله هو الذي انزل براءتي تفسير : فنزل {إِنَّ الَّذِينَ جَآءُو} الآيات العشر وكان صلى الله عليه وسلم يسأل زينب بنت جحش عن امري فقال يا زينب ما علمت ما رأيت فقالت: يا رسول الله احمي سمعي وبصري والله ما علمت عليها الا خيرا اي امنعهما من الوقوع في الشر وهي التي تساميني اي تغالبني في السمو من ازواج رسول الله صلى الله عليه وسلم وعصمهما الله بالورع وهلكت اختها حمنة فيمن هلك وصفوان قال سبحان الله والله ما كشفت من كنف انثى اي سترها قط ثم قتل في سبيل الله وتاب حسان من الافك وكانت تكره ان يسب عندها وتقول انه القائل. شعر : فان ابي ووالدتي وعرضي لعرض محمد منكم وقاء تفسير : ودخل مسروق على عائشة فوجد عندها حسانا يقول ابياتا منها في عائشة: شعر : حصان رزان ما ترون بريبة وتصبح غرثى من لحوم الغوافل تفسير : فقالت عائشة لكنك لست كذلك قال مسروق: فقلت لها اتاذنين له ان يدخل عليك وقد قال الله تعالى {وَالَّذِى تَوَلَّى كِبَرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} قالت: واي عذاب اشد من العمى وهذا من مسروق نص في ان المتولى لكبره هو حسان والمشهور انه مسطح قالت كان ينافح اي يخاصم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويهاجي. والحصان بالفتح المتعففة والرزان الثابتة والغرثاء الجائعة يقول انها لا تغتاب احدا ممن هو غافل * {لاَ تَحْسَبُوهُ} اي لا تظنون ايها المؤمنون الافك * {شَرّاً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} يأجركم الله به ويظهر براءة عائشة وصفوان والخطاب لمن شاء ذلك من المؤمنين ولا سيما رسول الله صلى الله عليه وسلم وابو بكر وعائشة وصفوان. وقيل: عائشة وصفوان عبر عنهما بلفظ الجماعة ومعنى كونه خيرا لهم انهم اكتسبوا فيه الثواب العظيم لانه كان بلاء مبينا ومحبة ظاهرة. قيل: وانه نزلت فيه ثماني عشرة آية واحدة مستقلة بما هو تعظيم لشأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتسلية له وتنزيه لأم المؤمنين رضي الله عنها وتطهير لاهل البيت وتهويل لمن تكلم في ذلك أو سمع به فلم تمجه اذناه وعدة الطافه للسامعين والتالين إلى يوم القيامة وفوائد دينية واحكام وآداب لا تخفى على متأملها قاله جارالله فإذ قال الله ذلك خير لصفوان وغيره فهو رضي الله عنه في الولاية وجملة لا تحسبوه مستأنفة. {لِكُلِّ امْرِئٍ} احد * {مِّنْهُم} من العصبة {مَّا اكْتَسْبَ مِنَ الإِثْمِ} الذنب هو كبير لكل منهم على قدر ما خاض في ذلك الافك من القول والتصديق والافشاء وحب ذلك * {وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ} وقرئ ايضا بضم الكاف اي تولى عظم الافك اي تحمله وبدأ به {مِنْهُمْ} وهو عبدالله بن أبيّ بن أبي سلول (وهاء كبره) للافك وهاء (منهم) بالعصبة {لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} عذاب الاخرة وقال مسروق انه حسان وان عائشة قالت ان عذابه العظيم هو العمى. وقيل: هو مسطح وعذابه العمى ايضا وهما اشاعاه بعد عبدالله. وروي ان حسان اشل الله يديه ايضا مع العمى والمشهور انه عبدالله وعذابه في الآخرة وكان مشهورا بالنفاق مطرود وهو لعنه الله فمعن في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتهاز الفرص له ومعظم الشر كان منه. روي ان صفوان بن المعطل مر بهودجها عليه في ملأ من قومه قال من هذه فقالوا عائشة فقال: والله لا نجت منه ولا نجا منها امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى اصبحت ثم جاء يقودها. وقيل: الذي تولى كبره مراده به الجنس اي الذين تكلموا فيها بذلك وصدقوه لا البادي فقط وعذابهم حد القذف. وروي انه صلى الله عليه وسلم بعد نزول براءة عائشة وصفوان جلد الذين رموهما ثمانين ثمانين.
اطفيش
تفسير : {إنَّ الَّذين جاءوا بالإفك} الكذب العظيم، وهو قذف عائشة وصفوان بالزنى {عُصبةٌ} جماعة، وأصله الجماعة المتعصبون، قلُّوا أو كثروا، وكثر فى العشرة الى الأربعين، وهنا خمسة أو أربعة أو ستة كما ترى إن شاء الله {منْكُم} أيها المؤمنون، ولو كان فيهم منافق بإضمار الشرك، وهو عبد الله بن أبى بن سلول، لأنه فى الظاهر مؤمن أى من اهل ملتكم، فشمل النبى صلى الله عليه وسلم، أو منكم أيها الناس المدعون النصرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبى المذكور، وحمنة بنت جحش أخت ام المؤمنين زينب رضى الله عنها، وزوج طلحة بن عبيد الله، ومسطح بن أثاثة، وحسان وغيره، ولم يعده بعض، قيل وزيد بن رفاعة ولم يصح فيه نقل، وقيل خطأ، وكذب حسان من عده فى هؤلاء وبرأ عائشة رضى الله عنها فى أبيات توجد فى ديوانه:شعر : حصانٌ رزانٌ ما تزن بريبة وتصبح غرثى من لحوم الغوافل حليلة خير الناس ديناً ومنصبا نبى الهدى ذى المكرمات الفواضل عقلية حى من لؤى بن غالب كرام المساعى مجدهم غير زائل مهذبة قد طيب الله خيمها وطهرها من كل سوء وباطل فإن كنت قد قلت الذى قد زعمتم فلا رفعت سوطى إلىَّ أناملى فكيف وودى ما حييت ونصرتى لآل رسول الله زين المحافل له رتب عال على الناس كلهم تقاصر عنه سورة المتطاول فإن الذى قد قيل ليس بلائط ولكنه قول امرئ بى ما حل تفسير : ولما قال البيت الأول قالت لكنك لست كذلك، أقرع صلى الله عليه وسلم بين نسائه فى غزوة بنى المصطلق سنة ست، فاصابتها القرعة، فخرج بها، ولما قربوا من المدينة فى رجوعهم خرجت عن الجيش لحاجة الإنسان فرفعوا الهودج على البعير يظنونها فيه لخفتها، بالصغر ولخفة النساء حينئذ بقلة الأكل، ورجعت الى المحل ففقدت فى رجوعها عقداً من جزع ظفار، فاشتغلت بطلبه، ثم وصلت المحل فلم تجد احداً، وانتظرت رجوعهم ونامت غلبة، وقد تخلف صفوان بن المعطل عن الجيش، فبلغ المحل فوجدها وقد عرفها قبل نزول الحجاب، فخمرت وجهها. قالت: والله ما كلمنى ولا كلمته إلا انه قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، وأناخ راحلته فوطئ على يديها فركبت وقاد بى فوصل الجيش فى الظهيرة، فتولى الإفك ابن أبى بن سلول، وخاض الناس معه، ومرضت شهراً ولا أدرى ما يقال، وخرجت للبراز ولا كنيف يومئذ فى الديار مع ام مسطح، فعثرت بذيلها فقالت: تعس مسطح، فقلت: أتسبين شاهد بدر؟ فقالت ألم تسمعى ما قال؟ فقلت: لا، فأخبرتنى، وذهبت الى أبوىّ بإذنه صلى الله عليه وسلم، لأتحقق الأمر، فقالت أمى أم رمان زينب بنت دهمان: لا وضيئة عند رجل لها ضرائر إلا كثرن عليها، فبكيت ليلتى، وما نمت فدعا صلى الله عليه وسلم عليا وأسامة فقال أسامة: هى أهلك، ولا نعلم إلا خيراً، وقال على: النساء كثيرة سواها، ولكن سل الجارية بربرة، وروى أنه ضربها وقال أصدقى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه قال: قد قال الناس، ولك طلاقها، وهو كلام لا بأس به. وأخطأ عبد الملك من بنى أمية إذ نسبه الى الإفك بهذا، فسألها فقالت: والله ما علمت إلا انها حديثة السن، تنام عن العجين فيأكله الداجن، فجاء الوحى ببرائتها، فقالت أمها، قومى الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: لا والله لا أحمد إلا الله سبحانه. {لا تحسبوه} أى الإفك {شرّاً} تنحط به رتبكم، والخطاب لمن خوطب بمنكم، والتسلية حاصلة فى الجملة لأهلها، وقيل: الخطاب هنا لأهلها، وهم عائشة وأبواها والنبى صلى الله عليه وسلم، وهو أنسب لأن الشر ينفى عمن يتوقعه فى مثل هذا المقام، لإثبات الخير خير المصيبة فى قوله عز وجل: {بل هُو خيرٌ لكُم} تثابون عليه فى الآخرة، ترفع به درجاتكم، إذ نزل فى القرآن ببراءتها عشر آيات كما قالت، وعن سعيد ابن جبير: خمس عشرة آية وقرأ الى {الخبيثون} والصواب ان يعد الى {رزق كريم} قالت رضى الله عنها: ما ظننت أن ينزل فى قرآن يتلى، ورجوت أن يرى صلى الله عليه وسلم رؤيا. {لكلِّ امرئ منهم} من الذين جاءوا بالإفك {ما اكتسب} ما واقعة على الاثم كما بينه بقوله: {من الإثم} فيقدر مضاف، أى جزاء ما اكتسب، أو عبر بالسبب أو الملزوم وهو الاثم عن المسبب، واللازم وهو الجزاء أو ما واقعة على الجزاء، ومن للسببية أو للآلة، وذلك أن الناس الخائضين فى الإفك متكلم به، وراض به، وضاحك ومبتسم ومبالغ فيه كما قال سبحانه: {والذى تولى كبره} معظمه، وهو عبد الله بن ابى، كان لعنه الله يجمع الناس ويذكر لهم الإفك، ويشيعه وينافق، ويبالغ فى عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبذلك قال أكثر المفسرين والمحدثين، وهو المشهر عن عائشة، وهو أول من أذاعه، وعنها: هو وحمنه، وقيل: هو وحسان ومسطح، فالذى على القولين للجنس {منْهُم} من الجاءين بالإفك {له عذابٌ عَظيمٌ} فى الدنيا والآخرة جلد ابن أبى فى المسجد حدين، وقيل حدا وله الدرك الأسفل من النار، وحسانا وحمنة ومسطحاً حدا وجيعا وجئوا فى أعناقهم، وقيل: لم يحد ولهم عذاب الآخرة. وقيل: المراد فى الآية عذاب الآخرة، وهو قول من قال لم يحدوا، وروى أنه كان حسان يدخل عليها فقيل: كيف يدخل عليك وهو الذى تولى كبر الإفك؟ فقالت: وأى عذاب أشد من العمى والكسع بالسيف، وروى أنها تضع له وسادة وتقول: لا تؤذوا حسانا إنه كان ينصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وظاهر كلاهما انه لا عذاب عليه فى الآخرة فالعذاب فى الآية على التوزيع، منهم من يعذب فى الدنيا والاخرة، ومنهم من يعذب فى الدنيا، ومن عذابها الافتضاح بالوحى ببرائتها، ومراد عائشة بالكسع أنه ضرب صفوان حسانا بالسيف على رأسه إذ قذفه فقال: شعر : تلق ذباب السيف منى فإننى غلام إذا هو جئت لست شاعر تفسير : يعنى لا أنتقم بالشعر، بل بالسيف، فجره ثابت بن قيس بن شماس بحبل مجموع اليدين الى عنقه، فلقيه عبد الله بن رواحة، فأخبره بضربه، فقال: أطلقه فقال صلى الله عليه وسلم لصفوان: "حديث : لم ضربته؟"تفسير : قال لأنه قذفنى، فقال لحسان: "حديث : أحسن يا حسان"تفسير : فقال: وهبت هذه الجناية لك يا رسول الله، فعوضه بيرحاء، وسرين امة قبطية ولدت له عبد الرحمن.
الالوسي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ جَاءوا بِٱلإفْكِ } أي بأبلغ ما يكون من الكذب والافتراء وكثيراً ما يفسر بالكذب مطلقاً، وقيل: هو البهتان لا تشعر به حتى يفجأك، وجوز فيه فتح الهمزة والفاء وأصله من الأفك بفتح فسكون وهو القلب والصرف لأن الكذب مصروف عن الوجه الذي يحق، والمراد به ما أفك به الصديقة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها، على أن اللام فيه للعهد، وجوز حمله على الجنس قيل فيفيد القصر كأنه لا إفك إلا ذلك الإفك. وفي لفظ المجىء إشارة إلى أنهم أظهروه من عند أنفسهم من غير أن يكون له أصل. وتفصيل القصة ما أخرجه البخاري وغيره عن عروة حديث : عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج أقرع بين أزواجه فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله / صلى الله عليه وسلم معه ـ قالت عائشة ـ فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج سهمي فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما نزل الحجاب فأنا أُحْمَلُ في هودجي وأُنْزَلُ فيه فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من [غزوته] تلك وقفل ودنونا من المدينة قافلين آذن ليلة بالرحيل [فقمت حين آذنوا بالرحيل] فمشيت حتى جاوزت الجيش فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي فإذا عقد لي من جزع ظفار قد انقطع فالتمست عقدي وحبسني ابتغاؤه وأقبل الرهط الذي كانوا يرحلون لي فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت ركبت وهم يحسبون أني فيه وكان النساء إذ ذاك خفافاً لم يثقلهن اللحم إنما نأكل العُلْقَة من الطعام فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه وكنت جارية حديثة السن فبعثوا الجمل وساروا فوجدت عقدي بعد ما استمر الجيش فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب فأممت منزلي الذي كنت به وظننت أنهم سيفقدوني فيرجعون إليَّ فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش فأدلج فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم فأتاني فعرفني [حين رآني] وكان يراني قبل الحجاب فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني فخمرت وجهي بجلبابـي والله ما كلمني كلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه حين أناخ راحلته فوطىء على يديها فركبتها فانطلق يقود بـي الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة فهلك فيَّ من هلك وكان الذي تولى الإفك عبد الله بن أبـي بن سلول فقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمت شهراً والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك لا أشعر بشيء من ذلك وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي إنما يدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسلم ثم يقول: كيف تيكم؟ ثم ينصرف فذاك الذي يريبني ولا أشعر بالشر حتى خرجت بعدما نقهت فخرجت معي أم مسطح قبل المناصع وهو متبرزنا وكنا لا نخرج إلا ليلاً إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريباً من بيوتنا وأمرنا أمر العرب الأول في التبرز قبل الغائط فكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا فانطلقت أنا وأم مسطح وهي ابنة أبـي رهم بن عبد مناف وأمها بنت صخر بن عامر خالة أبـي بكر الصديق وابنها مسطح بن أثاثة فأقبلت أنا وأم مسطح قبل بيتي قد فرغنا من شأننا فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت: تعس مسطح فقلت لها: بئس ما قلت أتسبين رجلاً شهد بدراً؟ قالت: أي هنتاه أو لم تسمعي ما قال؟ قالت: قلت وما قال؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضاً على مرضي فلما رجعت إلى بيتي ودخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: كيف تيكم؟ فقلت: أتأذن لي أن آتي أبوي؟ قالت: وأنا حينئذٍ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما قالت: فأذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئت أبوي فقلت لأمي: يا أمتاه ما يتحدث الناس؟ قالت: يا بنية هوني عليك فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل [يحبها] ولها ضرائر إلا كثرن عليها قالت: فقلت سبحان الله أو لقد تحدث الناس بهذا؟ قالت: فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم حتى أصبحت أبكي فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي ابن أبـي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يستأمرهما في فراق أهله قالت: فأما أسامة بن زيد فأشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءة أهله وبالذي يعلم لهم في نفسه من الود فقال: يا رسول الله أهلك وما نعلم إلا خيراً وأما علي بن أبـي طالب فقال: يا رسول الله لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير وإن تسأل / الجارية تصدقك قالت: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة فقال: أي بريرة هل رأيت من شيء يريبك؟ قالت بريرة: لا والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمراً أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستعذر يومئذ من عبد الله بن أبـي ابن سلول قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر: يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي؟ فوالله ما علمت على أهلي إلا خيراً ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً وما كان يدخل على أهلي إلا معي فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: يا رسول الله أنا أعذرك منه إن كان من الأوس ضربت عنقه وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك قالت: فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً ولكن احتملته الحمية فقال لسعد: كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد [بن معاذ] فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين فثار الحيان من الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا وسكت قالت: فمكثت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم قالت: فأصبح أبواي عندي وقد بكيت ليلتين ويوماً لا أكتحل بنوم ولا يرقأ لي دمع يظناني أن البكاء فالق كبدي قالت: فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي فاستأذنت عليَّ امرأة من الأنصار فأذنت لها فجلست تبكي معي قالت: فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم ثم جلس قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل فيَّ ما قيل قبلها وقد لبث شهراً لا يوحى إليه في شأني قالت: فتشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جلس ثم قال: أما بعد يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبـي إليه فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه قالت: فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته قلص دمعي حتى ما أُحس منه قطرة فقلت لأبـي: أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله فقلت لأمي: أجيبـي رسول الله قالت: ما أدري ما أقول لرسول الله قالت: فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيراً من القرآن: إني والله لقد علمت أنكم سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به فلئن قلت لكم: إني برية والله يعلم أني برية لا تصدقوني ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني منه برية لتصدقني والله لا أجد لي ولكم مثلاً إلا قول أبـي يوسف {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ} [يوسف: 18] [قالت ثم تحولت] فاضطجعت على فراشي وأنا حينئذ أعلم أني برية وأن الله مبرئني ببراءتي ولكن [والله] ما كنت أظن أن الله منزل في شأني وحياً يتلى ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في بأمر يتلى ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرئني الله بها قالت: فوالله ما رام رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء حتى أنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق وهو في يوم شات من ثقل القول الذي ينزل عليه قالت: فلما سُرِّيَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُرِّيَ عنه وهو يضحك فكان أول كلمة تكلم بها: يا عائشة أما الله فقد برأك فقالت أمي: قومي إليه فقلت: والله لا أقوم [إليه] ولا أحمد إلا الله وأنزل الله {إِنَّ ٱلَّذِينَ جَاءوا بِٱلإفْكِ } [النور: 11] تفسير : العشر الآيات كلها. والظاهر أن قوله تعالى: / {عُصْبَةٌ مّنْكُمْ } خبر {إِنَّ} وإليه ذهب الحوفي وأبو البقاء، وقال ابن عطية: هو بدل من ضمير {جاؤوا} والخبر جملة قوله تعالى: {لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ } والتقدير إن فعل الذين وهذا أنسق في المعنى وأكثر فائدة من أن يكون {عُصْبَةٌ } الخبر انتهى، ولا يخفى أنه تكلف. والفائدة في الإخبار على الأول قيل: التسلية بأن الجائين بذلك الإفك فرقة متعصبة متعاونة، وذلك من أمارات كونه إفكاً لا أصل له، وقيل: الأولى أن تكون التسلية بأن ذلك مما لم يجمع عليه بل جاء به شرذمة منكم، وزعم أبو البقاء أنه بوصف العصبة بكونها منهم أفاد الخبر، وفيه نظر. والخطاب في {مّنكُمْ } على ما أميل إليه لمن ساءه ذلك من المؤمنين ويدخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وأم رومان وعائشة وصفوان دخولاً أولياً. وأصل العصبة الفرقة المتعصبة قلت أو كثرت وكثر إطلاقها على العشرة فما فوقها إلى الأربعين وعليه اقتصر في «الصحاح» وتطلق على أقل من ذلك ففي مصحف حفصة {عصبة أربعة}. وقد صح أن عائشة رضي الله تعالى عنها عدت المنافق عبد الله بن أبـي ابن سلول وحمنة بنت جحش أخت أم المؤمنين زينب رضي الله تعالى عنها وزوجة طلحة بن عبيد الله ومسطح ابن أثاثة وحسان بن ثابت، ومن الناس من برأ حسان وهو خلاف ما في «صحيح البخاري» وغيره. نعم الظاهر أنه رضي الله تعالى عنه لم يتكلم به عن صميم قلب وإنما نقله عن ابن أبـي لعنه الله تعالى، وقد جاء أنه رضي الله تعالى عنه اعتذر عما نسب إليه في شأن عائشة رضي الله تعالى عنها فقال: شعر : حصان رزان ماتزن بريبة وتصبح غرثى من لحوم الغوافل حليلة خير الناس ديناً ومنصباً نبـي الهدى ذي المكرمات الفواضل عقيلة حي من لؤي بن غالب كرام المساعي مجدهم غير زائل مهذبة قد طيب الله خيمها وطهرها من كل سوء وباطل فإن كنت قد قلت الذي قد زعمتمو فلا رفعت سوطي إليَّ أناملي وكيف وودي ما حييت ونصرتي لآل رسول الله زين المحافل له رتب عال على الناس كلهم تقاصر عنه سورة المتطاول فإن الذي قد قيل ليس بلائط ولكنه قول امرىء بي ما حل تفسير : وكانت عائشة رضي الله تعالى عنها تكرمه بعد ذلك وتذكره بخير وإن صح أنها قالت له حين أنشدها أول هذه الأبيات: لكنك لست كذلك، فقد أخرج ابن سعد عن محمد بن سيرين أن عائشة رضي الله تعالى عنها كانت تأذن لحسان وتدعو له بالوسادة وتقول: لا تؤذوا حساناً فإنه كان ينصر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلسانه. وأخرج ابن جرير من طريق الشعبـي عنها أنها قالت: ما سمعت بشيء أحسن من شعر حسان وما تمثلت به إلا رجوت له الجنة قوله لأبـي سفيان بن الحرث بن عبد المطلب: شعر : هجوت محمداً وأجبت عنه وعند الله في ذاك الجزاء فإن أبـي ووالدتي وعرضي لعرض محمد منكم وقاء أتشتمه ولست له بكفؤ فشركما لخيركما الفداء / لساني صارم لا عيب فيه وبحري لا تكدره الدلاء تفسير : وعد بعضهم مع الأربعة المذكورين زيد بن رفاعة ولم نر فيه نقلاً صحيحاً، وقيل إنه خطأ. ومعنى {مّنكُمْ } من أهل ملتكم وممن ينتمي إلى الإسلام سواء كان كذلك في نفس الأمر أم لا فيشمل ابن أبـي لأنه ممن ينتمي إلى الإسلام ظاهراً وإن كان كافراً في نفس الأمر، وقيل إن قوله تعالى: {مّنكُمْ } خارج مخرج الأغلب وأغلب أولئك العصبة مؤمنون مخلصون، وكذا الخطاب في {لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ } وقيل: الخطاب في الأول للمسلمين وفي هذا لسيد المخاطبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأبـي بكر وعائشة وصفوان رضي الله تعالى عنهم والكلام مسوق لتسليتهم. وأخرج ابن أبـي حاتم والطبراني عن سعيد بن جبير أن الخطاب في الثاني لعائشة وصفوان، وأبعد عن الحق من زعم أنه للذين جاؤوا بالإفك وتكلف للخيرية ما تكلف، ولعل نسبته إلى الحسن لا تصح. والظاهر أن ضمير الغائب في {لاَ تَحْسَبُوهُ } عائد على الإفك. وجوز أن يعود على القذف وعلى المصدر المفهوم من {جَآءُوا} وعلى ما نال المسلمين من الغم والكل كما ترى، وعلى ما ذهب إليه ابن عطية يعود على المحذوف المضاف إلى اسم (إن) الذي هو الاسم في الحقيقة؛ ونهوا عن حسبان ذلك شراً لهم إراحة لبالهم بإزاحة ما يوجب استمرار بلبالهم. وأردف سبحانه النهي عن ذلك بالإضراب بقوله عز وجل: {لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } اعتناء بأمر التسلية، والمراد بل هو خير عظيم لكم لنيلكم بالصبر عليه الثواب العظيم وظهور كرامتكم على الله عز وجل بإنزال ما فيه تعظيم شأنكم وتشديد الوعيد فيمن تكلم بما أحزنكم، والآيات المنزلة في ذلك على ما سمعت آنفاً عن عائشة رضي الله تعالى عنها عشرة. وأخرج ابن أبـي حاتم عن سعيد بن جبير أنه قال: نزلت ثماني عشرة آية متواليات بتكذيب من قذف عائشة وبراءتها. وأخرج الطبراني عن الحكم بن عتيبة قال: إنه سبحانه أنزل فيها خمس عشرة آية من سورة النور ثم قرأ حتى بلغ { أية : ٱلْخَبِيثَـٰتُ لِلْخَبِيثِينَ } تفسير : [النور: 26] وكأن الخلاف مبني على الخلاف في رؤس الآي، وفي كتاب «العدد» للداني ما يوافق المروي عن ابن جبير. {لِكُلّ ٱمْرِىء مّنْهُمْ } أي من الذي جاؤوا بالإفك {مَّا ٱكْتَسَبَ مِنَ ٱلإثْمِ } أي جزاء ما اكتسب وذلك بقدر ما خاض فيه فإن بعضهم تكلم وبعضهم ضحك كالمعجب الراضي بما سمع وبعضهم أكثر وبعضهم أقل. {وَٱلَّذِى تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ } بكسر الكاف. وقر الحسن والزهري وأبو رجاء ومجاهد والأعمش وأبو البرهسم وحميد وابن أبـي عبلة وسفيان الثوري ويزيد بن قطيب ويعقوب والزعفراني وابن مقسم وعمرة بنت عبد الرحمن وسورة عن الكسائي ومحبوب عن أبـي عمرو {كبره } بضم الكاف وهو ومكسورها مصدران لكبر الشيء عظم ومعناهما واحد، وقيل: الكبر بالضم المعظم وبالكسر البداءة بالشيء، وقيل: الإثم، والجمهور على الأول أي والذي تحمل معظمه {مِنْهُمْ } أي من الجائين به {لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ } في الدنيا والآخرة أو في الآخرة فقط. وفي التعبير بالموصول وتكرير الإسناد وتنكير العذاب ووصفه بالعظم من تهويل الخطب ما لا يخفى. والمراد بالذي تولى كبره كما في «صحيح البخاري» عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنها عبد الله بن أبـي عليه اللعنة وعلى ذلك أكثر المحدثين. / وكان لعنه الله تعالى يجمع الناس عنده ويذكر لهم ما يذكر من الإفك، وهو أول من اختلقه وأشاعه لإمعانه في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعذابه في الآخرة بعد جعله في الدرك الأسفل من النار لا يقدر قدره إلا الله عز وجل، وأما في الدنيا فوسمه بميسم الذل وإظهار نفاقه على رؤس الأشهاد وحده حدين على ما أخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما من أنه صلى الله عليه وسلم بعد أن نزلت الآيات خرج إلى المسجد فدعا أبا عبيدة بن الجراح فجمع الناس ثم تلا عليهم ما أنزل الله تعالى من البراءة لعائشة وبعث إلى عبد الله بن أبـي فجيء به فضربه عليه الصلاة والسلام حدين وبعث إلى حسان ومسطح وحمنة فضربوا ضرباً وجيعاً ووجئوا في رقابهم، وقيل: حد حداً واحداً، فقد أخرج الطبراني عن ابن عباس أنه فسر العذاب في الدنيا بجلد رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه ثمانين جلدة وعذابه في الآخرة بمصيره إلى النار، وقيل: إنه لم يحد أصلاً لأنه لم يقر ولم يلتزم إقامة البينة عليه تأخيراً لجزائه إلى يوم القيامة كما أنه لم يلتزم إقامة البينة على نفاقه وصدور ما يوجب قتله لذلك وفيه نظر. وزعم بعضهم أنه لم يحد مسطح، وآخرون أنه لم يحد أحد ممن جاء بالإفك إذ لم يكن إقرار ولم يلتزم إقامة بينة. وفي «البحر» أن المشهور حد حسان ومسطح وحمنة، وقد أخرجه البزار وابن مردويه بسند حسن عن أبـي هريرة، وقد جاء ذلك في أبيات ذكرها ابن هشام في «ملخص السيرة» لأبن اسحٰق وهي: شعر : لقد ذاق حسان الذي كان أهله وحمنة إذ قالوا هجيراً ومسطح تعاطوا برجم الغيب أمر نبيهم وسخطة ذي العرش الكريم فانزحوا وآذوا رسول الله فيها فجللوا مخازي بغي يمموها وفضحوا وصب عليهم محصدات كأنها شآبيب قطر من ذرى المزن تسفح تفسير : وقيل: الذي تولى كبره حسان، واستد بما في «صحيح البخاري» أيضاً عن مسروق قال: دخل حسان على عائشة فشبب وقال حصان البيت قالت: لكنك لست كذلك قلت: تدعين مثل هذا يدخل عليك وقد أنزل الله تعالى: { أية : وَٱلَّذِى تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ } تفسير : [النور: 11] فقالت: وأي عذاب أشد من العمى، وجاء في بعض الأخبار أنها قيل لها: أليس الله تعالى يقول: {وَٱلَّذِى تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ } الآية؟ فقالت: أليس أصابه عذاب عظيم أليس قد ذهب بصره وكسع بالسيف؟ تعني الضربة التي ضربها إياه صفوان حين بلغه عنه أنه يتكلم في ذلك، فإنه يروى أنه ضربه بالسيف على رأسه لذلك ولأبيات عرض فيها به وبمن أسلم من العرب من مضر وأنشد: شعر : تلق ذباب السيف مني فإنني غلام إذا هوجيت لست بشاعر ولكنني أحمى حماي وأتقى من الباهت الرأي البرىء والظواهر تفسير : وكاد يقتله بتلك الضربة. فقد روي ابن إسحٰق أنه لما ضربه وثب عليه ثابت بن قيس بن شماس فجمع يديه إلى عنقه بحبل ثم انطلق به إلى دار بني الحرث بن الخزرج فلقيه عبد الله بن رواحة فقال: ما هذا؟ قال: أما أعجبك ضرب حسان بالسيف والله ما أراد إلا قد قتله فقال له عبد الله: هل علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك وبما صنعت؟ قال: لا والله قال: لقد اجترأت اطلق الرجل فأطلقه فأتوا رسول الله عليه الصلاة والسلام فذكروا ذلك له فدعا حسان وصفوان فقال صفوان: يا رسول الله ءاذاني وهجاني فاحتملني الغضب فضربته فقال صلى الله عليه وسلم: يا حسان أتشوهت على قومي بعد أن هداهم الله تعالى للإسلام / ثم قال: أحسن يا حسان في الذي أصابك فقال: هي لك يا رسول الله فعوضه رسول الله صلى الله عليه وسلم منها بيرحاء وكان طلحة بن سهل أعطاها إياه عليه الصلاة والسلام ووهبه أيضاً سيرين أمة قبطية فولدت له عبد الرحمن بن حسان. وفي رواية في «صحيح البخاري» عن عائشة أيضاً رضي الله تعالى عنها أنها قالت في {ٱلَّذِى تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ } هو أي المنافق ابن أبـي وحمنة، وقيل: هو وحسان ومسطح، وعذاب المنافق الطرد وظهور نفاقه وعذاب الأخيرين بذهاب البصر، ولا يأبى إرادة المتعدد إفراد الموصول لما في «الكشف» من أن {ٱلَّذِى } يكون جمعاً وإفراد ضميره جائز باعتبار إرادة الجمع أو الفوج أو الفريق أو نظراً إلى أن صورته صورة المفرد، وقد جاء أفراده في قوله تعالى: { أية : وَٱلَّذِى جَاء بِٱلصّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ } تفسير : [الزمر: 33] وجمعه في قوله سبحانه { أية : وَخُضْتُمْ كَٱلَّذِي خَاضُواْ } تفسير : [التوبة: 69] والمشهور جواز استعمال {ٱلَّذِى } جمعاً مطلقاً. واشترط ابن مالك في «التسهيل» أن يراد به الجنس لا جمع مخصوص فإن أريد الخصوص قصر على الضرورة. هذا ولا يخفى أن إرادة الجمع هنا لا تخلو عن بعد، والذي اختاره إرادة الواحد وأن ذلك الواحد هو عدو الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ابن أبـي، وقد روى ذلك الزهري عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة بن وقاص وعبد الله بن عتبة وكلهم سمع عائشة تقول {ٱلَّذِى تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ } عبد الله بن أبـي، وقد تظافرت روايات كثيرة على ذلك، والذاهبون إليه من المفسرين أكثر من الذاهبين منهم إلى غيره. ومن الإفك الناشىء من النصب قول هشام بن عبد الملك عليه من الله تعالى ما يستحق حين سئل الزهري عن {ٱلَّذِى تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ } فقال له: هو ابن أبـي كذبت هو علي ـ يعني به أمير المؤمنين علي بن أبـي طالب كرم الله تعالى وجهه ـ وقد روى ذلك عن هشام البخاري والطبراني وابن مردويه والبيهقي في «الدلائل»، ولا بدع من أموي الافتراء على أمير المؤمنين علي كرم الله تعالى وجهه ورضي عنه. وأنت تعلم أن قصارى ما روي عن الأمير رضي الله تعالى عنه أنه قال لأخيه وابن عمه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استشاره يا رسول الله لم يضيق الله تعالى عليك والنساء سواها كثير وإن تسأل الجارية تصدقك. وفي رواية أنه قال: يا رسول الله قد قال الناس وقد حل لك طلاقها، وفي رواية أنه رضي الله تعالى عنه ضرب بريرة وقال: اصدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس في ذلك شيء مما يصلح مستنداً لذلك الأموي الناصبـي. وجل غرض الأمير مما ذكر أن يسري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هو فيه من الغم، غاية ما في الباب أنه لم يسلك في ذلك مسلك أسامة وهو أمر غير متعين، ومن دقق النظر عرف مغزى الأمير كرم الله تعالى وجهه وأنه بعيد عما يزعمه النواصب بعد ما بين المشرق والمغرب فليتدبر.
ابن عاشور
تفسير : استئناف ابتدائي فإن هذه الآيات العشر إلى قوله تعالى: { أية : والله سميع عليم } تفسير : [النور: 21] نزلت في زمن بعيد عن زمن نزول الآيات التي من أول هذه السورة كما ستعرفه. والإفك: اسم يدل على كذب لا شبهة فيه فهو بهتان يفجأ الناس. وهو مشتق من الأفك بفتح الهمزة وهو قلب الشيء، ومنه سمي أهل سدوم وعمورة وأدمة وصبوييم قرى قوم لوط أصحاب المؤتفكة لأن قراهم ائتفكت، أي قُلبت وخسف بها فصار أعلاها أسفلها فكان الإخبار عن الشيء بخلاف حالته الواقعية قلباً له عن حقيقته فسمي إفكاً. وتقدم عند قوله تعالى: { أية : فإذا هي تلقف ما يأفكون } تفسير : في سورة الأعراف (117). و{جاءوا بالإفك} معناه: قصدوا واهتموا. وأصله: أن الذي يخبر بخبر غريب يقال له: جاء بخبر كذا، لأن شأن الأخبار الغريبة أن تكون مع الوافدين من أسفار أو المبتعدين عن الحي قال تعالى: { أية : إن جاءكم فاسق بنبأ } تفسير : [الحجرات: 6]؛ فشبه الخبر بقدوم المسافر أو الوافد على وجه المكنية وجعل المجيء ترشيحاً وعدي بباء المصاحبة تكميلاً للترشح. والإفك: حديث اختلقه المنافقون وراج عند المنافقين ونفر من سذج المسلمين إما لمجرد اتباع النعيق وإما لإحداث الفتنة بين المسلمين. وحاصل هذا الخبر: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قفل من غزوة بني المصطلق من خزاعة، وتسمى غزوة المريسيع ولم تبق بينه وبين المدينة إلا مرحلة. آذن بالرحيل آخر الليل. فلما علمت عائشة بذلك خرجت من هودجها وابتعدت عن الجيش لقضاء شأنها كما هو شأن النساء قبل الترحل فلما فرغت أقبلت إلى رحلها فافتقدت عقداً من جَزْع ظَفَارِ كان في صدرها فرجعت على طريقها تلتمسه فحبسها طلبه وكان ليل. فلما وجدته رجعت إلى حيث وضع رحلها فلم تجد الجيش ولا رحلها، وذلك أن الرجال الموكلين بالترحل قصدوا الهودج فاحتملوه وهم يحسبون أن عائشة فيه وكانت خفيفة قليلة اللحم فرفعوا الهودج وساروا فلما لم تجد أحداً اضطجعت في مكانها رجاء أن يفتقدوها فيرجعوا إليها فنامت وكان صفوان بن المعطِّل (بكسر الطاء) السُّلمي (بضم السين وفتح اللام نسبة إلى بني سليم وكان مستوطناً المدينة من مهاجرة العرب) قد أوكل إليه النبي صلى الله عليه وسلم حراسة ساقة الجيش، فلما علم بابتعاد الجيش وأمن عليه من غدر العدو ركب راحلته ليلتحق بالجيش فلما بلغ الموضع الذي كان به الجيش بصُر بسواد إنسان فإذا هي عائشة وكان قد رآها قبل الحجاب فاسترجع، واستيقظت عائشة بصوت استرجاعه ونزل عن ناقته وأدناها منها وأناخها فركبتها عائشة وأخذ يقودها حتى لحق بالجيش في نحر الظهيرة وكان عبد الله بن أبي بن سلول رأسُ المنافقين في الجيش فقال: والله ما نجت منه ولا نجا منها، فراج قوله على حسان بن ثابت ومِسْطح بن أثاثة (بكسر ميم مسطح وفتح طائه وضم همزة أثاثة) وحَمنة بنت جحش أخت زينب أم المؤمنين حملتها الغيرة لأختها ضرة عائشة وساعدهم في حديثهم طائفة من المنافقين أصحاب عبد الله بن أبي. فالإفك: علم بالغلبة على ما في هذه القصة من الاختلاق. والعصبة: الجماعة من عشرة إلى أربعين كذا قال جمهور أهل اللغة. وقيل العصبة: الجماعة من الثلاثة إلى العشرة وروي عن ابن عباس. وقيل في مصحف حفصة «عصبة أربعة منكم». وهم اسم جمع لا واحد له من لفظه، ويقال: عصابة. وقد تقدم في أول سورة يوسف (8). {وعصبة} بدل من ضمير {جاءوا}. وجملة: {لا تحسبوه شراً لكم} خبر {إن}. والمعنى: لا تحسبوا إفكهم شراً لكم، لأن الضمير المنصوب من {تحسبوه} لما عاد إلى الإفك وكان الإفك متعلقاً بفعل {جاءوا} صار الضمير في قوة المعرف بلام العهد. فالتقدير: لا تحسبوا الإفك المذكور شراً لكم. ويجوز أن يكون خبر {إن} قوله: {لكل امرىء منهم ما اكتسب من الإثم} وتكون جملة {لا تحسبوه} معترضة. ويجوز جعل {عصبة} خبر {إن} ويكون الكلام مستعملاً في التعجيب من فعلهم مع أنهم عصبة من القوم أشد نكراً، كما قال طرفة: شعر : وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على المرء من وقع الحسام المهند تفسير : وذكر {عصبة} تحقير لهم ولقولهم، أي لا يعبأ بقولهم في جانب تزكية جميع الأمة لمن رموهما بالإفك. ووصف العصبة بكونهم {منكم} يدل على أنهم من المسلمين، وفي ذلك تعريض بهم بأنهم حادوا عن خلق الإسلام حيث تصدوا لأذى المسلمين. وقوله: {لا تحسبوه شراً لكم بل هو خير لكم} لإزالة ما حصل في نفوس المؤمنين من الأسف من اجتراء عصبة على هذا البهتان الذي اشتملت عليه القصة فضمير {تحسبوه} عائد إلى الإفك. والشر المحسوب: أنه أحدث في نفر معصية الكذب والقذف والمؤمنون يودون أن تكون جماعتهم خالصة من النقائص (فإنهم أهل المدينة الفاضلة). فلما حدث فيهم هذا الاضطراب حسبوه شراً نزل بهم. ومعنى نفي أن يكون ذلك شراً لهم لأنه يضيرهم بأكثر من ذلك الأسف الزائل وهو دون الشر لأنه آيل إلى توبة المؤمنين منهم فيتمحض إثمه للمنافقين وهم جماعة أخرى لا يضر ضلالهم المسلمين. وقال أبو بكر ابن العربي: حقيقة الخير ما زاد نفعه على ضره وحقيقة الشر ما زاد ضره على نفعه. وأن خيراً لا شر فيه هو الجنة وشراً لا خير فيه هو جهنم. فنبه الله عائشة ومن ماثلها ممن ناله همّ من هذا الحديث أنه ما أصابهم منه شر بل هو خير على ما وضع الله الشر والخير عليه في هذه الدنيا من المقابلة بين الضر والنفع ورجحان النفع في جانب الخير ورجحان الضر في جانب الشر اهــــ. وتقدم ذكر الخير عند قوله تعالى: { أية : أينما يوجهه لا يأت بخير } تفسير : في سورة النحل (76). وبعد إزالة خاطر أن يكون ذلك شراً للمؤمنين أثبت أنه خير لهم فأتى بالإضراب لإبطال أن يحسبوه شراً، وإثبات أنه خير لهم لأن فيه منافع كثيرة؛ إذ يميز به المؤمنون الخلص من المنافقين، وتشرع لهم بسببه أحكام تردع أهل الفسق عن فسقهم، وتتبين منه براءة فضلائهم، ويزداد المنافقون غيظاً ويصبحون محقرين مذمومين، ولا يفرحون بظنهم حزن المسلمين، فإنهم لما اختلقوا هذا الخبر ما أرادوا إلا أذى المسلمين، وتجيء منه معجزات بنزول هذه الآيات بالإنباء بالغيب. قال في «الكشاف»:... وفوائد دينية وآداب لا تخفى على متأملها اهــــ. وعدل عن أن يعطف {خيراً} على {شراً} بحرف (بل) فيقال: بل خيراً لكم، إيثاراً للجملة الاسمية الدالة على الثبات والدوام. والإثم: الذنب وتقدم عند قوله تعالى: { أية : قل فيهما إثم كبير } تفسير : في سورة البقرة (219) وعند قوله: { أية : وذروا ظاهر الإثم وباطنه } تفسير : في سورة الأنعام (120). وتولي الأمر: مباشرة عمله والتهمم به. {والكِبر} بكسر الكاف في قراءة الجمهور، ويجوز ضم الكاف. وقرأ به يعقوب وحده، ومعناه: أشد الشيء ومعظمه، فهما لغتان عند جمهور أيمة اللغة. وقال ابن جني والزجاج: المكسور بمعنى الإثم، والمضموم: معظم الشيء. {والذي تولى كبره} هو عبد الله بن أبي بن سلول وهو منافق وليس من المسلمين. وضمير {منهم} عائد إلى {الذين جاءو بالإفك}. وقيل: الذي تولى كبره حسان ابن ثابت لما وقع في «صحيح البخاري»: «عن مسروق قال: دخل حسان على عائشة فأنشد عندها أبياتاً منها: شعر : حصانٌ رزانٌ ما تُزَنُّ بريبة وتصبح غرثى من لحوم الغوافل تفسير : فقالت له عائشة: لكن أنت لست كذلك. قال مسروق فقلت: تَدَعِين مثل هذا يدخل عليك وقد أنزل الله تعالى: {والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم} فقالت: أي عذاب أشد من العمى». والوعيد بأن له عذاباً عظيماً يقتضي أنه عبد الله بن أبي بن سلول. وفيه إنباء بأنه يموت على الكفر فيعذب العذاب العظيم في الآخرة وهو عذاب الدرك الأسفل من النار، وأما بقية العصبة فلهم من الإثم بمقدار ذنبهم. وفيه إيماء بأن الله يتوب عليهم إن تابوا كما هو الشأن في هذا الدين.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 11- إن الذين اخترعوا الكذب الصارف عن كل هداية بالنسبة لعائشة زوج النبى - صلى الله عليه وسلم - إذ أشاعوا حولها الإفك والكذب - هم جماعة ممن يعيشون معكم، لا تظنوا هذه الحادثة شراً لكم بل هى خير لكم، لأنها ميَّزت المنافقين من المؤمنين الخالصين، وأظهرت كرامة المبرئين منها، والمتألمين، ولكل شخص من هذه الجماعة المتهمة جزاؤه على مقدار اشتراكه فى هذا الاتهام، ورأس هذه الجماعة له عذاب عظيم لعظم جرمه. 12- كان مقتضى الإيمان أنكم عند سماع خبر التهمة؛ أن يظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً من العفاف والطهر، وأن يقولوا فى إنكار: هذا كذب واضح البطلان، لتعلقه بأكرم المرسلين وأكرم الصديقات. 13- هلاَّ أحضر القائمون بالاتهام أربعة شهود يشهدون على ما قالوا؟ إنهم لم يفعلوا ذلك. وإذ لم يفعلوا فأولئك فى حكم الله هم الكاذبون. 14- ولولا تفضل الله عليكم ببيان الأحكام، ورحمته لكم فى الدنيا بعدم التعجيل بالعقوبة وفى الآخرة بالمغفرة لنزل بكم عذاب عظيم بسبب الخوض فى هذه التهمة. 15- فقد تناقلتم الخبر بألسنتكم وأشعتموه بينكم، ولم يكن عندكم علم بصحته، وتظنون أن هذا العمل هين، لا يعاقب الله عليه، أو يكون عقابه يسيراً مع أنه خطير يعاقب الله عليه أشد العقاب.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: بالإِفك عصبة: الإِفك الكذب المقلوب وهو أسوأ الكذب، والعصبة الجماعة. شراً لكم بل هو خير لكم: الشر ما غلب ضرره على نفعه، والخير ما غلب نفعه على ضرره، والشر المحض النار يوم القيامة والخير المحض الجنة دار الأبرار. والذي تولى كبره: أي معظمه وهو ابن أبي كبير المنافقين. لولا: أداة تحضيض وحث بمعنى هَلاّ. فيما أفضتم فيه: أي فيما تحدثتم بتوسع وعدم تحفظ. إذ تلقونه: أي تتلقونه أي يتلقاه بعضكم من بعض. وتحسبونه هيناً: أي من صغائر الذنوب وهو عند الله من كبائرها لأنه عرض مؤمنة هي زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم. سبحانك: كلمة تقال عند التعجب والمراد بها تنزيه الله تعالى عما لا يليق به. بهتان عظيم: البهتان الكذب الذي يحيّر من قيل فيه. يعظكم الله: أي ينهاكم نهياً مقروناً بالوعيد حتى لا تعودوا لمثله أبداً. معنى الآيات: بعد أن ذكر تعالى حكم القذف العام والخاص ذكر حادثة الإِفك التي هلك فيها خلق لا يحصون عداً إذا طائفة الشيعة الروافض ما زالوا يهلكون فيها جيلاً بعد جيل إلى اليوم إذ وَرَّثَ فيهم رؤوساء الفتنة الذين اقتطعوا من الإِسلام وأمته جزءاً كبيراً سموه شيعة آل البيت تضليلاً وتغريراً فأخرجوهم من الإِسلام باسم الإِسلام وأوردهم النار باسم الخوف من النار فكذبوا الله ورسوله وسبوا زوج رسول الله واتهموها بالفاحشة وأهانوا أباها ولوثوا شرف زوجها صلى الله عليه وسلم بنسبة زوجه إلى الفاحشة. وخلاصة الحادثة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن فرض الحجاب على النساء المؤمنات خرج إلى غزوة تدعى غزوة بني المصطلق أو المريسيع، ولما كان عائداً منها وقارب المدينة النبوية نزل ليلاً وارتحل، ولما كان الرجال يرحلون النساء على الهوادج وجدوا هودج عائشة رضي الله عنها فظنوها فيه فوضعوه على البعير وساقوه ضمن الجيش ظانين أن عائشة فيه، وما هي فيه، لأنها ذكرت عقداً لها قد سقط منها في مكان تبرزت فيه فعادت تلتمس عقدها فوجدت الجيش قد رحل فجلست في مكانها لعلهم إذا افتقدوها رجعوا إليها وما زالت جالسة تنظر حتى جاء صفوان بن معطل السلمي رضي الله عنه وكان الرسول صلى الله عليه وسلم قد عينه في الساقة وهم جماعة يمشون وراء الجيش بعيداً عنه حتى إذا تأخر شخص أو ترك متاع أو ضاع شيء يأخذونه ويصلون به إلى المعسكر فنظر فرآها من بعيد فأخذ يسترجع أي يقول إنا لله وإنا إليه راجعون آسفاً لتخلف عائشة عن الركب قالت رضي الله عنها فتجلببت بثيابي وغطيت وجهي وجاء فأناخ راحلته فركبتها وقادها بي حتى انتهينا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المعسكر، وما إن رآني ابن أبي لعنة الله عليه حتى قال والله ما نجت منه ولا نجا منها، وروج للفتنة فاستجاب له ثلاثة أنفار فرددوا ما قال وهم حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش، {وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ} هو ابن أبي المنافق وتورط آخرون ولكن هؤلاء الأربعة هم الذين أشاعوا وراجت الفتنة في المدينة واضطربت لها نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ونفوس أصحابه وآل بيته فأنزل الله هذه الآيات في براءة أم المرمنين عائشة رضي الله عنها وبراءة صفوان رضي الله عنه، ومن خلال شرح الآيات تتضح جوانب القصة. قال تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُوا بِٱلإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ} أي إن الذين جاءوا بهذا الكذب المقلوب إذ المفروض أن يكون الطهر والعفاف لكل من أم المؤمنين وصفوان بدل الرمي بالفاحشة القبيحة فقلبوا القضية فلذا كان كذبهم إفكاً وقوله: {عُصْبَةٌ} أي جماعة لا يقل عادة عدده على عشرة أنفار إلا أن الذين روجوا الفتنة وتورطوا فيها حقيقة وأقيم عليهم الحد أربعة ابن أبي وهو الذي تولى كبره منهم وتوعده الله بالعذاب العظيم لأنه منافق كافر مات على كفره ونفاقه، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش أخت أم المؤمنين زينب رضي الله عنها وحسان بن ثابت رضي الله عنه، وقوله تعالى: {لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ} لما نالكم من هم وغم وكرب من جرائه {بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} لما كان له من العاقبة الحسنة وما نالكم من الأجر العظيم من أجل عظم المصاب وشدة الفتنة وقوله تعالى: {لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ مَّا ٱكْتَسَبَ مِنَ ٱلإِثْمِ} على قدر ما قال وروج وسيجزي به إن لم يتب الله تعالى عليه ويعفو عنه. وقوله: {وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} وهو عبد الله بن أبي بن سلول رئيس المنافقين عليه لعنة الله. وقوله تعالى: {لَّوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُواْ هَـٰذَآ إِفْكٌ مُّبِينٌ} هذا شروع في عتاب القوم وتأديبهم وتعليم المسلمين وتربيتهم فقال عز وجل: {لَّوْلاۤ} أي هلا وهي للحض والحث على فعل الشيء إذ سمعتم قول الإِفك ظننتم بأنفسكم خيراً إذ المؤمنون والمؤمنات كنفس واحدة، وقلتم لن يكون هذا وإنما هو إفك مبين أي ظاهر لا يقبل ولا يقر عليه هكذا كان الواجب عليكم ولكنكم ما فعلتم. وقوله تعالى: {لَّوْلاَ جَآءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَآءِ فَأُوْلَـٰئِكَ عِندَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ} أي كان المفروض فيكم أيها المؤمنون أنكم تقولون هذا لمن جاء بالإفك فإنهم لا يأتون بشاهد فضلاً عن أربعة وبذلك تسجلون عليهم لعنة الكذب في حكم الله. وقوله تعالى: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} هذه منة من الله تحمل أيضاً عتاباً واضحاً إذ بولوغكم في عرض أم المؤمنين، وما كان لكم أن تفعلوا ذلك قد استوجبتم العذاب لولا فضل الله عليكم ورحمته لمسكم العذاب العظيم. وقوله: {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ} أي يتلقاه بعضكم من بعض، {وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَّا لَّيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} وهذا عتاب وتأديب. وقوله: {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً} أي ليس بذنب كبير ولا تبعة فيه {وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٌ}، وكيف وهو يمس عرض رسول الله وعائشة والصديق وآل البيت آجمعين. وقوله تعالى: {وَلَوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَـٰذَا} إذ هذه مما لا يصح لمؤمن أن يقول فيه لخطره وعظم شأنه، وقلتم متعجبين من مثله كيف يقع {سُبْحَانَكَ} أي يا رب {هَـٰذَا} أي الإِفك {بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} بهتوا به أم المؤمنين وصفوان. وقوله: {يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ} أي ينهاكم الله مخوفاً لكم بذكر العقوبة الشديدة {أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَداً} أي طول الحياة فأياكم إياكم إن كنتم مؤمنين حقاً وصدقاً فلا تعودوا لمثله أبداً، وقوله: {وَيُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَاتِ} التي تحمل الهدى والنور لترشدوا وتكملوا والله عليم بخلقه وأعمالهم وأحوالهم حكيم فيما يشرع لهم من أمر ونهي. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- قضاء الله تعالى للمؤمن كله خير له. 2- بشاعة الإِفك وعظيم جرمه. 3- العقوبة على قدر الجرم كبراً وصغراً قلة وكثرة. 4- واجب المؤمن أن لا يصدق من يرمي مؤمناً بفاحشة، وأن يقول له هل تستطيع أن تأتي بأربعة شهداء على قولك فإن قال لا قال له إذاً أنت عند الله من الكاذبين. 5- حرمة القول بدون علم والخوض في ذلك.
القطان
تفسير : الإفك: الافتراء، والفعل أفَك يأفِك مثل ضرب يضرب، وأفِك يأفَك: مثل علم يعلم. وأفك الناسَ: كذبهم. العصبة: الجماعة. تولى كبره: تحمل معظمه. إفك مبين: كذب ظاهر. لولا: بمعنى هلا. أفضتم فيه: خضتم فيه. اذ تُلقون بألسنتكم: اذ تتلقون الافك ويتناقله بعضكم عن بعض. بهتان عظيم: كذب محير لفظاعته. تشيع: تنتشر. الفاحشة: الزنا، وكل امر قبيح. {إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُوا بِٱلإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ مَّا ٱكْتَسَبَ مِنَ ٱلإِثْمِ وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ}. نزلت هذه الآيات العشر في شأن عائشة أم المؤمنين، رضي الله عنها، حين رماها أهلُ الافك والبهتان من المنافقين ومن انضمّ اليهم من بعض المؤمنين بما قالوه من الكذب والافتراء. وكان القصدُ من ذلك إيذاءَ الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في أحبّ نسائه اليه، فأنزل الله تعالى هذه الآيات لبراءتها. وهذا باتفاق المفسرين والرواة من جميع الطوائف والمذاهب الاسلامية إلا من شذ. وقد روى حديثَ الافك عددٌ من العلماء في مقدمتهم البخاري عن السيدة عائشة وابن الزبير؛ وام رومان ام السيدة عائشة؛ وابن عباس وابي هريرة وابي اليسر. كما رواه عدد من التابعين. والحديث طويل من أراده فليرجعْ الى صحيح البخاري وسيرة ابن هشام وغيرهما. وخلاصته: ان الرسول الكريم كان إذا اراد سفراً عمل قُرعةً بين زوجاته، فالتي تخرج قرعتها أخذها معه. وفي سنة ستٍ من الهجرة (كما حدّدها ابن هشام في السيرة) خرج الرسول الى غزوة بني المصطَلِق وأخذ السيدة عائشة معه. فلما انتهى من الغزوة رجع، تقول السيدة عائشة: "حتى اذا قَفَلْنا ودنونا من المدينة، نزلنا منزلا. ثم نوديَ بالرحيل في الليل، فقمتُ لأقضي حاجة، ومشيتُ حتى جاوزتُ الجيش. فلما قضيت شأني أقبلت الى رحلي فلمست صدري فاذا عِقدي قد انقطع. فرجعتُ ألتمسه. فحبَسَني ابتغاؤه. وجاء الذين توكلوا بهَوْدَجي فاحتملوه ووضعوه على بعيري وهم يحسبون اني فيه لخفّتي في ذلك الوقت. ورحَلَ الناس. وبعد ان وجدت عقدي جئت الى منزل الجيش فلم أجد أحدا، فجلست في مكاني وأنا أعلم أنهم سوف يفتقدونني ويعودون في طلبي. فبينما أنا جالسة في مكاني غلبتني عيني فنمت. وكان صفوانُ بن المعطّل السُّلَمي قد تخلف عن الجيش، فلما رآني عرفني، فاستيقظت على صوته وهو يقول: إنا لله وانا اليه راجعون. فخمَرتُ وجهي بجلبابي، وواللهِ ما تكلّمنا بكلمة ولا سمعت منه غير استرجاعه. ثم أناخ راحلته فقمتُ إليها فركبتها، وانطلق يقود بي الراحلة حتى ادركنا الجيشَ عند الظهر وهم نزول. وكانوا قد افتقدوني وماج القوم في ذكري. فبينما الناس كذلك إذ وصلتُ عندهم." وبعد وصولهم الى المدينة، بدأ الناس يتهامسون: ما بالُ عائشة تأخرتْ عن الجيش، وجاءت مع صفوان على بعيره، وصفوان شاب وسيم الطلعة مكتمل القوة! وقاد هذه الحركة وتولّى كِبرها رأسُ المنافقين عبدُ الله بن أبَيّ وبعض المؤمنين سيأتي ذكرهم وعددٌ من المنافقين. وبلغ النبيَّ الخبرُ، واضطرب له. وبعد مدة بلغ السيدة عائشةَ الخبر. وهاج الناس وماجوا واضطربت المدينة لهذا الخبر، وبقيتْ كذلك مدة شهر إلى ان نزلت هذه الآيات تبرىء السيدة عائشة وتحسم الموضوع حسماً كاملا. ان الذين اتهموا عائشةَ امَّ المؤمنين بالزنا هم جماعة من كبار الكذّابين المفترين، وهم من المنافقين الموجودين بينكم، لا تظنوا هذه الحادثة شراً لكم بل هي خير لكم، لأنها ميزت المنافقين من المؤمنين، واظهرت كرامة المبَّرئين منها، ولكل امرىء منهم جزاؤه على مقدار اشتراكه في هذه الجريمة. {وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} ورأسُ الكفر والمنافقين عبدُ الله بن أبيّ هو الذي قاد هذه الحركة وتولى معظمها - له يوم القيامة عذابٌ عظيم. وقد انساق معه بعض المؤمنين منهم حسّان بن ثابت ومِسطَح بن اثاثة وهو أقارب ابي بكر الصديق، وحمنة بنتُ جحش أختُ زينب أم المؤمنين. ولما نزلت آية البراءة أمَرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بجَلْدِهم. {لَّوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُواْ هَـٰذَآ إِفْكٌ مُّبِينٌ}. كان مقتضى الإيمان ان تظنوا بمن اتُّهم خيرا عند سماعِ هذه التهمة، وكان عليكم ان تقولوا هذا كذبٌ واضح لا يصدَّق. ثم علل سبحانه كذب الآفكين ووبخهم على ما اختلقوه واذاعوه فقال: {لَّوْلاَ جَآءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَآءِ فَأُوْلَـٰئِكَ عِندَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ} هلاّ جاء الخائضون في الإفك بأربعةِ شهداءَ يشهدون على ثبوت ما قالوه، فإن لم يستطيعوا فهم الكاذبون فيما اتَّهموا به عائشة. {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} ولولا تفضُّلُ الله عليكم ببيان الأحكام، ورحمتُه لكم في الدنيا بعدم التعجيل بالعقاب، وفي الآخرة بالمغفرة - لنزل بكم عذابٌ عظيم على هذه التهمة الشنيعة. {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَّا لَّيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٌ}. فقد تناقلتم هذه التهمةَ بألسنتكم وأشعتُموها بينكم، وتخوضون فيما لم يكن لكم علمٌ بصحته، وتحسَبون ان هذا الأمر هين بسيطٌ لا يعاقِب الله عليه، مع أنه أمرٌ خطير عظيم يعاقِبُ عليه الله اشد العقاب. {وَلَوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَـٰذَا سُبْحَانَكَ هَـٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} كان عليكم أن تقولوا حين سمعتموه: إن هذا كذِبٌ واختلاقٌ كبير، وأن تنصحوا بعدمِ الخوض فيه.... لأنه غير لائق بكم، وأن تقولوا متعجِّبين من هول هذه الفِرية: سبحانك يا ربّ، نحن ننزهك، إن هذا كذبٌ عظيم. ثم حذّر الله المؤمنين أن يعودوا لمثل هذا فقال: {يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَداً إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ} يعِظُكم الله بهذه المواعظ وينهاكم ان تعودوا لمثل هذه المعصية ابدا، ان كنتم مؤمنين حقّاً، لأن هذه الأعمال تتنافى مع الإيمان الصادق. {وَيُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَاتِ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} ويفصّل الله لكم في كتابه الآياتِ الدالةَ على الأحكام ومحاسن الفضائل والآداب، واللهُ واسعُ العلم لا يغيب عنه شيءٌ من أعمالكم وهو الحكيم في كل ما يشرع ويخلق. {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلْفَاحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}. ان الذين يحبّون ان يُفشوا القبائح ويتهمون بها المؤمنات لهم عذاب مؤلم في الدنيا بالعقوبة المقررة، وفي الآخرة بالنار، واللهُ عليم بجميع أحوالكم وأنتم لا تعلمون ما يعلمه. {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ ٱللَّهَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} ولولا فضل الله عليكم ورحمته بكم، لَما بيَّن لكم الأحكامَ ولعَجَّلَ عقوبتكم في الدنيا وكنتم من الهالكين.
د. أسعد حومد
تفسير : {جَآءُوا} {ٱمْرِىءٍ} (11) - هَذِهِ الآيَةُ أشَارَتْ إِلَى حَدِيثِ الإِفْكِ الذي أَطْلَقَهُ بَعْضُ المُنَافِقِينَ بِحَقِّ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ، رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهَا. وَتَتَلَّخَصُ هَذِهِ القِصَّةُ فِي الآتي: (حديث : كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا غَزَا أَجْرَى القُرْعَةَ بَينَ نِسَائِهِ فَمَنْ خَرَجَ سَهْمُهَا مِنْهُنَّ صَحِبَها فِي غَزَوَتِهِ. وَفِي إِحْدَى الغَزَوَاتِ خَرَجَ سَهْمُ عَائِشَة رِضْوَانُ اللهِ عَليها، وَذَلِكَ بَعْدَما أُنْزِلَتْ آيَةُ الحِجَابِ. فَلَمَّا فَرَغَ الرَّسُولُ مِنَ الغَزْوَةِ قَفَلَ عَائِداً بِالجَيْشِ، وَلَمَّا دَنَوْا مِنَ المَدِينَةِ آذَنَ النَّاسَ لَيْلَةً بالرَّحِيلِ، فَلَمَا آذَنَهُمْ بِالرَّحِيلِ خَرَجَتْ عَائِشَةُ لِقَضَاءِ بَعْضِ حَاجَتِهَا، حَتَّى جَاوَزَتِ الجيشَ. ثُمَّ عَادَتْ فالتمَسَتْ عِقْداً لَهَا فَوَجَدَتْهُ قَدِ انْفَرَطَ، فَرَجَعَتْ تَلْتَمِسُهُ، فَتَأَخَّرَتْ فِي البَحْثِ عَنْهُ. وَجَاءَ الرِّجَالُ الذينَ كَانُوا يَحْمِلُونَهَا، فَاحْتَملُوا هَوْدَجَهَا فَرَحَّلُوهُ عَلَى بَعِيرِهَا الذي كَانَتْ تركَبُهُ، وهُمْ يحسَبُونَ أَنَّها فيهِ (وَكَانَ النِّسَاءُ في ذَلِكَ الحِينِ خِفَاقاً لَمْ يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ) فَلَمْ يَسْتَنْكِرِ الرِّجَالُ خِفَّةَ الهَوْدَجِ حِينَمَا رَفَعُوهُ وَحَمَلُوهُ عَلَى البَعِيرِ، وَكَانَتْ عَائِشَةُ إِذْ ذَاكَ صَغِيرَةَ السِّنِّ، خَفِيفَةَ الوَزْنِ، فَبَعَثُوا الجَمَلَ وَسَارُوا. أَمَّا عَائِشَةُ فَإِنَّهَا وَجَدَتْ عِقْدَهَا بَعْدَ أَنْ سَارَ الجَيْشُ، فَلَمَّا جَاءَتْ مَنَازِلَ الجَيْشِ وَجَدَتْهُ قَدْ ارْتَحَلَ، فَاتَّجَهَتْ إِلى المَكَانِ. الذي كَانَتْ تَنْزِلُ فِيهِ، وَفِي ظَنِّهَا أَنَّ القَوْمَ سَيَفْتَقِدُونَهَا فَيَرْجِعُونَ للبحْثِ عَنْهَا. وَبَيْنَمَا كَانَتْ جَالِسَةً غَلَبَتْهَا عَيْنَاهَا فَنَامَتْ. وَكَانَ صَفْوَانُ بنُ مُعَطِّل السّلَمِي - وَهُوَ مِنْ جُنْدِ المُسْلِمِينَ - قَدْ عَرَّسَ غَازِياً مِنْ وَرَاءِ الجَيْشِ فَأَدْلَجَ (سَارَ لَيْلاً) فَأَصْبَحَ عِنْدَ المَنْزِلِ الذي كَانَتْ عَائِشَةُ فِيهِ، فَرَأى سَوَادَ إِنْسَانٍ فَاقْتَرَب فَعَرفِ عَائِشَةَ حِينَ رآهَا، وَكَانَ قَدْ رآهَا قَبْلَ الحِجَابِ، فاسْتَرْجَعَ حَتَّى اسْتَيْقَظَتْ عَائِشَةُ، فَأَنَاخَ رَاحِلَتَهُ فَرَكِبَتَ، وَقَادَ الرَّاحِلَةَ وَسَارَ بِهَا حَتَّى أَتَى الجَيْشَ بَعْدَ مَا نَزَلُوا عِنْدَ الظَهِيرَةِ. وَتَقُولُ عَائِشَةُ: واللهِ مَا كَلَّمَنِي كَلِمَةً وَاحِدَةً. فَانْطَلَقَ المُنَافِقُونَ - وَعَلَى رَأْسِهِمْ رَأْسُ الكُفِرِ والنِّفَاقِ عَبْدُ اللهِ بنُ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ - يَتَقَوَّلُونَ وَيُلَمِّحُونَ بِمَا يُثِيرُ الشُّبُهَاتِ فِي نُفُوسِ ضِعَافِ الإِيْمَانِ والذِّمَمِ، فَخَاضَ فِيهِ مَنْ خَاضَ. وَهَلَكَ فِيهِ مَنْ هَلَكَ. ثُمَّ مَرِضَتْ عَائِشَةُ بَعْدَ عَوْدَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَى المَدِينَةِ، وَهِيَ لاَ تَعْلَمُ شيئاً مِمَّا يَتَقَوَّلُهُ المُنَافِقُونَ، وَقَدْ رَابَهَا مَا لاَحَظَتْهُ مِنْ أَنَّ الرَّسُولَ لَمْ يُظْهِرْ لَهَا مِن اللُّطْفِ فِي المُعَامِلَةِ مِثْلَمَا كَانَتْ تَراهُ مِنْهُ حِينَ تَشْتَكِي عِلَّةً. وَحِينَمَا بَدَأَتْ تَسْتَرِدُّ صِحَّتَهَا، خَرَجَتْ مَعَهَا أُمُّ رَجُلٍ مِنْ بَنِي المُطَّلِبِ اسْمُهُ مِسْطَحٌ، وَهُوَ ابنُ خَالَةِ أَبي بَكْر الصِّدِّيقِ، وَكَانَ أبُو بَكْرٍ يُنْفِقُ عَلَيْهِ لأَِنَّهُ كَانَ مُقِلاًّ مِنَ المَالِ. فَعَثَرتْ أُمُّ مِسْطِحٍ بِمُرْطِها فَقَالَتْ تَعِسَ مِسْطَحٌ. فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ: بِئْسَما قُلْتِ تَسُبِّينَ رَجُلاً شَهِدَ بَدْراً! فَأَدْرَكَتْ أُمُّ مِسْطحٍ أَنَّ عَائِشَةَ لاَ تَدْرِي مِمَّا يُقَالُ عَنْهَا شَيئاً، فَأَخبَرتها بِحَدِيثِ الإِفْكِ فَازْدَادَ مَرَضُها. وَاسْتَأْذَنَتْ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي أَنْ تَمْرَضَ فِي بَيْتِ أَبَويْها، فَأَذِنَ لَهَا. وَأَخَذَتْ تَبْكِي لَيْلَ نَهَارَ، وَلاَ تَجِدُ أُمُّهَا مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْهَا. وَأَرْسَلَ الرَّسُولُ إِلَى عَليّ بْنِ أبِي طَالِب وإِلَى أُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ يَسْتَشِيرُهُمَا فِي أَمْرِ عَائِشَةَ. أَمَّا أُسَامَةُ فَأَشَارَ عَلَى النَّبِيِّ بالذي يَعْلَمُهُ مِنْ بَراءَةِ أَهْلِهِ، وبِالذي يَعْلَمُ لَهُمْ فِي نَفْسِهِ مِنَ الوِدِّ، فَقَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَهْلُكَ، وَلاَ نَعْلَمُ إِلاَّ خَيْراً، وَأَمَّا عَلِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ لَمْ يُضَيِّقِ اللهُ عَلَيْكَ، والنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرَاتٌ. وَسَأَلَ النَّبِيُّ جَارِيَتَها بَرِيرَةَ إِنْ كَانَتْ رَأَتْ مِنْ عَائِشَةَ مَا يُرِيبُهَا، فَقَالَتْ والَّّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ إِنْ رَأَيْتُ مِنْهَا أَمْراً قَطُّ أَغْمِصُهُ عَلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا فَتَأْتِي الدَّوَاجِنُ فَتَأْكُلُهُ. فَقَامَ الرَّسُولُ مِنْ يَوْمِهِ فَاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِ اللهِ بن أُبَيِّ بنِ سَلُول، فَقَالَ وَهُوَ عَلَى المِنْبَر: (يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ مَنْ يَعْذُرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِي، فَواللهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلاَّ خَيْراً، وَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلاً مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلاَّ خَيْراً، ومَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلاَّ مَعِي). فَقَامَ سَعْدُ بنُ مُعَاذٍ سَيِّدُ الأًَوْسِ فَقَالَ: أَنَا أَعْذُرُكَ مِنْهُ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنْ كَانَ مِنَ الأَوْسِ ضَرَبْنَا عُنُقَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا مِنْ الخَزْرَجِ أَمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا أَمْرَكَ. فَقَامَ سَعْدُ بنُ عُبَادَةَ، وَهُوَ سَيِّدُ الخَزْرَجِ، وَكَانَ رَجُلاً صَالِحاً، وَلَكِنَّ الحَمِيَّةَ قَد احْتَمَلَتْهُ، فَقَالَ لِسَعْدِ بنِ مُعَاذٍ: كَذَبْت لَعَمْرُ اللهِ لا تَقْتُلُهُ ولا تَقْدِرُ عَلى قَتْلِهِ وَلَوْ كَانَ مِنْ رَهْطِكَ مَا أَحْبَبْتَ أَنْ يُقْتَلَ، فَقَامَ أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ، وَهُوَ ابنُ عَمِّ سَعْدِ بنِ مُعَاذٍ، فَقَالَ لِسَعْدِ بنِ عُبَادَةَ، كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللهِ لَنَقْتُلَنَّهُ فَإِنَّكَ مُنافِقٌ تُجَادِلُ عَنِ المُنَافِقِ. فَثَارَ الأَوْسُ والخَزْرَجُ حَتَّى هَمُّوا بِالاقْتِتَالِ وَرَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَلَى المِنْبَرِ فَلَمْ يَزَلِ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم يُخَفِّضُهُمْ حَتَّى سَكَتُوا، وَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ. ثُمَّ ذَهَبَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى بِيتِ أَبِي بَكْرٍ، وَأَبُو بَكْرِ وَزَوْجَتُهُ وَعَائِشَةُ فِيهِ فَسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ. وَقَدْ لَبِثَ شَهْراً لاَ يَجْلِسُ عِنْدَهُمَا، وَلاَ يُوحَى إِلَيْهِ شَيءٌ فِي أَمْرِ عَائِشَةَ. وَبَعْدَ أَنْ جَلَسَ تَشَهَّدَ رَسُولُ اللهِ، وَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ يَا عَائِشَةُ فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا، وَكَذَا، فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللهُ، وَإِنْ كُنْتِ ألْمَمْتِ بِذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِي اللهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ، فَإِنَّ العَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ وَتَابَ تَابَ اللهُ عَلَيْهِ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ لأَِبِيهَا أَجِبْ رَسُولَ اللهِ عَنِّي، فَقَالَ واللهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ. فَقَالَتْ لأُِمِّهَا أَجِيبِي رَسُولَ اللهِ فَقَالَتْ: وَاللهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ لِلرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم: واللهِ لَقَدْ عَلِمْتُ لَقَدْ سَمِعْتُم بِهَذَا الحَدِيثِ حَتَّى اسْتَقَرَّ فِي أَنْفِسِكُمْ، وَصَدَّقْتُمْ بِهِ، فَإِنْ قُلْتُ لَكُمْ إِنِّي بَرِيئَةُ، واللهُ يَعْلَمُ أَنِّي برِيئَةٌ لاَ تُصَدِّقُونَنِي، وَلَئِنْ اعْتَرَفْتُ بِأَمْرٍ، وَاللهُ يَعْلَمُ أَنِي بَرِيئَةٌ لَتُصَدِّقُونَنِي، فَوَاللهِ مَا أَجِدُ لِي وَلكُمْ مَثَلاً إِلاَّ كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ}. وَتَحَوَّلَتْ عَنْهُمْ إِلَى فِرَاشِها فَاضْطَجَعَتْ. فَبَيْنَمَا هُمْ جُلُوسٌ أَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَاتِ المَبِّرئةَ لِعَائِشَةَ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهَا، فَسُرِّيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَضَحِكَ، وَقَالَ لَهَا: (أَبْشِري يَا عَائِشَةُ أَمَّا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فَقَدْ بَرَّأكِ) ). تفسير : وَبَعْدَ أَنْ أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَاتِ أَقْسَمَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ لاَ يُنْفِقَ عَلَى مِسْطَحٍ أبداً، فَأَنْزَلَ اللهُ قَوْلَهُ: {وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤْتُوۤاْ أُوْلِي ٱلْقُرْبَىٰ} إلى قَوْلِهِ تَعَالَى {أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ}. فَقَالَ أَبُو بَكْرِ واللهِ إِتِّي لأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لِي، فَرَجَعَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ. وَلَمَّا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَاتِ أقامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَدَّ القَذْفِ عَلَى رَجُلَيْنِ هُمَا حَسّانُ بنُ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيُّ، وَمِسْطَح، وَعَلَى امْرأةٍ هِيَ حَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ أُخْتُ زَوْجَتِهِ زَيْنَبَ بِنتِ جَحْشٍ، فَضَرَبَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُم ثَمَانِينَ جَلْدَةً). وَمَعْنَى الآيَةِ: إِنًَّ الذينَ جَاؤُوا بِحَدِيثِ الإِفْكِ، وَهُوَ الكَذِبُ والبُهْتَانُ وَالافْتِرَاءُ، هُمْ جَمَاعَةٌ مِنْكُم (عُصْبَةٌ) فَلا تَحْسَبوا أَنَّ فِي ذَلِكَ شَرّاً لَكُمْ وَفِتْنَةُ، بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ فِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ، فَهُوَ لِسَانُ صِدْقٍ فِي الدُّنْيَا، وَرِفْعَةُ مَنَازِلَ فِي الآخِرَةِ، وَإِظْهَارُ شَرَفٍ لَكُمْ بِاعْتِنَاءِ اللهِ تَعَالَى بِعَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ، إِذْ أَنْزَلَ اللهُ بَرَاءَتَهَا فِي القُرْآنِِ. وَلِكُلِّ مَنْ تَكَلَّمَ فِي هَذَا الأَمْرِ وَخَاضَ فِيهِ، وَرَمَى أُمَّ المُؤْمِنِينَ بَشَيءٍ مِنَ الفاحِشَةِ، جَزَاءُ مَا اجْتَرَحَ مِنَ الإِثْمِ، بِقَدَرِ مَا خَاضَ فِيهِ. فَمِنْهُمْ مَنْ تَكَلَّمَ، وَمِنْهُمْ مَنْ سَمِعَ وَضَحِكَ سُرُوراً بِمَا سَمِعَ، وَمِنْهُم مَنْ كَانَ ذَنْبُهُ أَقَلَّ، وَبَعْضُهم مَنْ كَانَ ذَنْبُهُ أَكْبَرَ. والذِي تَوَلَّى مُعْظَمَ الإِثْمِ مِنْهُمْ (كِبْرَهُ) - وَهُوَ عَبْدُ اللهِ بنُ أُبَىِّ بْنِ سَلُولٍ، إِذْ كَانَ يَجْمَعُهُ ويُذِيعُهُ وَيُشِيعُهُ... - لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ عَلَى ذَلِكَ. الإِفْكُ - أَقْبَحُ الكَذِبِ وأَفْحَشُهُ. عُصْبَةٌ مِنْكُم - جَمَاعَةٌ مِنْكُم. تَوَلَّى كِبْرَهُ - تَوَلَّى مُعْظَمَهُ.
الثعلبي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُوا بِٱلإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ} الآية. ذكر سبب نزول هذه الآيات وقصة الإفك. حديث : أخبرنا أبو نعيم عبد الملك بن الحسن بن محمد بن إسحاق المهرجان بقراءتي عليه فأقرّ به قال: أخبرنا أبو عوانة سنة ست عشرة وثلاثمائة قال: حدَّثنا محمد بن يحيى قال: حدَّثنا عبد الرزاق وأخبرنا أبو نعيم قال: أخبرنا أبو عوانة قال: حدَّثنا إسحاق بن إبراهيم الصنعاني قال: قرأنا على عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن الزهري قال: أخبرني سعيد بن المسيّب وعروة بن الزبير وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن حديث عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم حين قال لها أهل الافك ما قالوا فبرّأها الله وكلّهم، حدّثني بطائفة من حديثها وبعضهم كان أوعى له من بعض، وقد وعيت عن كلّ واحد الحديث الذي حدَّثني، وبعض حديثهم يصدّق بعضاً، ذكروا أنّ عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أذا أراد سفراً أقرع بين نسائه فأيّتهنّ خرج سهمها خرج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم معه. قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج فيها سهمي، فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك بعد ما أنزل الله سبحانه الحجاب، فأنا أُحمل في هودجي وأنزل منه مسيرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوه وقفل ودنونا من المدينة آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل فمشيت حتّى جاوزت الجيش، فلمّا قضيت شأني أقبلت إلى الرحل فلمست صدري فإذا عِقدي من جَزَع ظَفَار قد انقطع فرجعت فالتمست عقدي وحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون فحملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت، وهم يحسبون أنّي فيه. قالت: وكانت النساء إذ ذاك خفافاً لم يُهبلهُنّ اللحم إنما يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم ثقل الهودج حين رحلوه ورفعوه، وكنت جارية حديثة السنّ فبعثوا الجمل وساروا، ووجدت عقدي بعدما استمر الجيش، فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب فتيمّمت منزلي الذي كنت فيه وظننت أن القوم سيفقدونني فيرجعون إليَّ، فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيناي فنمت وكان صفوان بن المعطّل السلمي ثمَّ الذكواني قد عرّس من وراء الجيش، فأدلج فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم فأتاني فعرفني حين رآني، وقد كان رآني قبل أن يضرب عليَّ الحجاب فما استيقظت إلاّ باسترجاعه حين عرفني، فخمّرتُ وجهي بجلبابي، فوالله ما كلّمني كلمة عند استرجاعه حتى أناخ راحلته فوطيت على يدها فركبتها فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعدما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة، فهلك من هلك في شأني، وكان الذي تولّى كبره عبد الله بن أبي سلول فقدمت المدينة فاشتكيت من شدّة الحر حين قدمتها شهراً والناس يخوضون في قول أهل الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك وهو يريبني في وجعي أن لا أعرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه حين اشتكي، إنما يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسلّم ثمَّ يقول: كيف تيكم؟ ولا أشعر بالشر حتى خرجت بعدما نقهت وخرجت معي أم مسطح قبل المناصع وهو مبترزنا فلا نخرج إلاّ ليلاً الى ليل وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريباً من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأُول التنزّه، وكنّا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا، فانطلقت أنا وأُم مسطح وهي عاتكة بنت أبي رهم بن عبد المطلب بن عبد مناف وأُمّها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصدِّيق وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب فأقبلت أنا وابنة أبي رهم قِبل بيتي حين فرغنا من شأننا فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت: تعس مسطح فقلت لها: بئس ما قلتِ، تسبّين رجلاً شهد بدراً قالت: أي هنْتاه أولم تسمعي ما قال ؟. قالت: قلت: وما ذي؟ قالت: فأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضاً إلى مرضي فلمّا، رجعت إلى بيتي دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلّم ثمَّ قال: "كيف تيكم؟" قلت: أتأَذن لي أن آتي أبويّ؟ قالت: وأنا أُريد حينئذ أن أتيقّن الخبر من قِبلهما، فأذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئت أبويّ فقلت لأُمّي: يا أُمّه ماذا يتحدّث الناس ؟. فقالت: أي بنيّة هوّني عليك، فوالله لقلّ ما كانت امرأة قطّ وضيئة عند رجل يحبّها ولها ضرائر إلاّ أكثرن عليها، قلت: سبحان الله أو قد تحدّث الناس بهذا؟ قالت: نعم، قالت: فمكثت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثمَّ أصبحت أبكي، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليّ بن أبي طالب وأُسامة بن زيد حين استلبث الوحي واستشارهما في فراق أهله. فأمّا أُسامة فأشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم في نفسه لهم من الودّ، فقال: يا رسول الله هم أهلك ولا نعلم إلاّ خيراً، وأمّا عليّ فقال: لم يضيّق الله عليك، والنساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية تصدقك. قالت: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة فقال: أي بريرة هل رأيت من شيء يريبك من أمر عائشة؟ فقالت له بريرة: والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمراً قط أُغمضه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فيأتي الداجن فيأكله. قالت: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول قال وهو على المنبر: "يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهلي، فوالله ما علمت على أهلي إلاّ خيراً ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلاّ خيراً وما كان يدخل على أهلي إلاّ معي". فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: أعذرك يا رسول الله، إن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك. قالت: فقال سعد بن عبادة وهو سيّد الخزرج، وكان رجلاً صالحاً ولكن احتملته الحميّة فقال لسعد بن معاذ: كذبت لعمر الله، فقال سعد: والله لنقتله فإنك منافق تجادل عن المنافقين. قالت: فثار الأوس والخزرج حتّى همّوا أن يقتتلوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا وسكت. قالت: ومكثت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، وأبواي يظنّان أنّ البكاء فالق كبدي. قالت: فبينا هما جالسان عندي وأنا أبكي استأذنت عليَّ امرأة من الأنصار فأذنت لها فجلست تبكي معي، فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلّم ثمَّ جلس، قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل لي ما قيل، وقد لبث شهراً لا يوحى إليه في شأني، قالت: فتشهّد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جلس ثمَّ قال: أما بعد يا عائشة فإنّه بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله سبحانه، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بالذنب ثمَّ تابَ تاب الله عليه. قالت: فلمّا قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته قلص دمعي حتى ما أحسّ منه قطرة، فقلتُ لأبي: أجب عنّي رسول الله قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقلتُ لأُمّي: أجيبي عنّي رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ من القرآن كثيراً: إني والله لقد عرفت أنكم قد سمعتم بهذا الأمر حتّى استقرّ في أنفسكم وصدقتم به، فلئن قلت لكم إني بريئة والله سبحانه وتعالى يعلم أني بريئة لتصدقونني، والله ما أجد لي ولكم مثلاً إلاّ كما قال أبو يوسف وما أحفظ اسمه: فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون. قالت: ثمَّ تحوّلت واضطجعت على فراشي، وأنا والله حينئذ أعلم أنّي بريئة وأن الله سبحانه مبرّئي ببراءتي ولكن، والله ماكنت أظنُّ أن ينزل في شأني وحي يُتلى ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلّم الله فيَّ بأمر يُتلى ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرّئني الله بها. قالت: فوالله مارام رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسه ولا خرج من أهل البيت أحد حتى أُنزل الله سبحانه على نبيّه صلى الله عليه وسلم فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي حتى أنّه لينحدر منه مثل الجمان من العرق في اليوم الشاتي من ثقل الوحي الذي أُنزل عليه. قالت: فلمّا سُرِّي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك، فكان أوّل كلمة تكلّم بها أن قال: "أبشري يا عائشة أما والله فقد برّأك" فقالت لي أُمّي: قومي إليه فقلت: والله لا أقوم إليه ولا أحمدُ إلاّ الله سبحانه هو الذي أنزل براءتي. قالت: فأنزل الله سبحانه {إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُوا بِٱلإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ} عشر آيات وأنزل الله سبحانه هذه الآية لبراءتي. قالت: فقال أبو بكر وكان ينفق على مسطح لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق عليه شيئاً أبداً بعد الذي قال لعائشة، فأنزل الله سبحانه {وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ} إلى قوله {أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ} [النور: 22]. فقال أبو بكر رضي الله عنه: والله إني لأُحبّ أن يغفر اللّه لي، فرجع الى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه وقال: لا أنزعها منه أبداً. قالت عائشة رضي الله عنها: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلم ما علمت أو ما رأيت؟ فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت إلاّ خيراً. قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فعصمها الله سبحانه وتعالى بالورع، وطفقت أُختها حمنة بنت جحش تحارب لها فهلكت فيمن هلك. تفسير : قال الزهري: فهذا ما انتهى إلينا من هؤلاء الرهط. وأخبرنا أبو نعيم قال: أخبرنا أبو عوانة قال: حدَّثنا محمد بن إسماعيل الصائغ بمكة ومحمد بن حرب المديني بالفسطاط قالا: حدَّثنا إسماعيل بن أبي أويس قال: حدّثني أبي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها، قال أبو أويس: وحدَّثني أيضاً عبد الله بن أبي بكر عن عمرة عن عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يسافر سفراً أُقرع بين أزواجه فأيّتّهنَّ خرج سهمها خرج بها معه، فخرج سهم عائشة في غزوة النبي صلى الله عليه وسلم بني المصطلق من خزاعة، وذكر الحديث بطوله بمثل معناه. وقال عروة في سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة عن عائشة قال: فانتهرها بعض أصحابه وقال: أصدقي رسول الله، قال عروة: فعيب ذلك على من قاله، فقالت: لا والله ما أعلم عليها إلاّ ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر، ولئن كانت صنعت ما قال الناس ليخبرنّك الله، فعجب الناس من فقهها. قال: وبلغ ذلك الذي قيل له فقال: سبحان الله، والله ما كشفت كتف أُنثى قط، فقتل شهيداً في سبيل الله، وزاد في آخره قالت: وقعد صفوان بن المعطل لحسّان بن ثابت فضربه ضربة بالسيف وقال حين ضربه: شعر : تلقَّ ذباب السيف عنّي فإنّني غلامٌ إذا هُوجيت لست بشاعر ولكنني أحمي حماي وانتقم من الباهت الرامي البراء الظواهر تفسير : وصاح حسان بن ثابت واستغاث بالناس على صفوان، ففرَّ صفوان وجاء حسّان النبي صلى الله عليه وسلم فاستعدى على صفوان في ضربته إياه فسأله النبي صلى الله عليه وسلم أن يهب له ضرب صفوان إياه فوهبها للنبي صلى الله عليه وسلم فعوّضه منها حائطاً من نخل عظيم وجارية روميّة، ثمَّ باع حسان ذلك الحائط من معاوية بن أبي سفيان في ولايته بمال عظيم. قالت عائشة: فقيل في أصحاب الإفك أشعار. قال أبو بكر الصدِّيق رضى الله عنه لمسطح في رميه عائشة رضى الله عنها وكان يُدعى عوفاً: شعر : يا عوف ويحك هلاّ قلت عارفة من الكلام ولم تبغ به طمعا فأدركتك حمياً معشر أنف ولم يكن قاطعاً في عوف قطعا لما رميت حصاناً غير مقرفة أمينة الجيب لم نعرف لها خضعا فيمن رماها وكنتم معشراً افكا في سيّىء القول من لفظ الخنا شرعا فأنزل الله عذراً في براءتها وبين عوف وبين الله ما صنعا فان أعش أجز عوفاً في مقالته شرَّ الجزاء بما ألفيته تبعا تفسير : وقال حسّان بن ثابت الأنصاري ثم النجاري وهو يبرّئ عائشة ممّا قيل فيها ويعتذر إليها: شعر : حصان رزان ما يزن برتبة وتصبح غرثى من لحوم الغوافل حليلة خير الناس ديناً ومنصباً نبيّ الهدى والمكرمات الفواضل عقيلة حي من لؤي بن غالب كرام المساعي مجدها غير زايل مهذبة قد طيّب الله خيمها وطهّرها من كل شين وباطل فان كان ما قد جاء عنّي قلته فلا رفعت سوطي إليّ أناملي وإنّ الذي قد قيل ليس بلائط بك الدهر بل قول إمرئ غير ماحل وكيف وودّي ما حييت ونصرتي لآل رسول الله زين المحافل له رتب عال على الناس فضلها تقاصر عنها سورة المتطاول تفسير : قال: وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالذين رموا عائشة فجلدوا الحدود جميعاً ثمانين،فقال حسّان بن ثابت: شعر : لقد دان عبد الله ما كان أهله وحمته إذ قالوا هجيرا ومسطحُ تعاطوا برجم القول زوج نبيّهم وسخطة ذا الرب الكريم فأبرحوا وآذوا رسول الله فيها فعمموا مخازيَ ذُلَ جلّلوها وفضحوا تفسير : فهذا سبب نزول الآية وقصّتها. فأمّا التفسير فقوله عزَّ وجل {إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُوا بِٱلإِفْكِ} بالكذب {عُصْبَةٌ} جماعة {مِّنْكُمْ}. قال الفرّاء: العصبة، الجماعة من الواحد إلى الأربعين. {لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ} يا عائشة وصفوان {بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} لأنّ الله يأجركم على ذلك ويظهر براءتكم {لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ} يعني من الذين جاؤا بالإفك {مَّا ٱكْتَسَبَ مِنَ ٱلإِثْمِ} جزاء ما اجترح من الذنب والمعصية. {وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ} والذي تحمّل معظمه فبدا بالخوض فيه، وقراءة العامة {كِبْرَهُ}: بكسر الكاف، وقرأ خليل والأعرج ويعقوب الحضرمي بضم الكاف. قال أبو عمرو بن العلاء: هو خطأ لأن الكبر بضم الكاف في الولاء والسن، ومنه الحديث: الولاء للكبر، وهو أكبر ولد الرجل من الذكورة وأقربهم إليه نسباً. وقال الكسائي: هما لغتان مثل صِفر وصُفر، واختلف المفسّرون في المعنيّ بقوله {وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ} {لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ}. فقال قوم: هو حسّان بن ثابت. روى داود بن أبي هند عن عامر الشعبي أنَّ عائشة رضي الله عنها قالت: ما سمعت بشيء أحسن من شعر حسّان، وما تمثلت به إلاّ رجوت له الجنة، قوله لأبي سفيان: شعر : هجوتَ محمداً فأجبتُ عنه وعند الله في ذاك الجزاء فانّ أبي ووالدتي وعرضي لعرض محمد منكم وقاء أتشتمه ولست له بكفؤ فشرّ كما لخيركما الفداء لساني صارم لا عيب فيه وبحري لا تكدّره الدلاء تفسير : فقيل: يا أم المؤمنين أليس الله يقول {وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ}. قالت: أليس قد أصابه عذاب عظيم؟أليس قد ذهب بصره وكنع بالسيف. وروى أبو الضحى عن مسروق قال: كنت عند عائشة فدخل حسّان بن ثابت فأمرتْ فأُلقي له وسادة، فلمّا خرج قلت لعائشة: تدعين هذا الرجل يدخل عليكِ وقد قال ما قال، وأنزل الله سبحانه فيه {وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} ؟. فقالت: وأيّ عذاب أشد من العمى، ولعلّ الله يجعل ذلك العذاب العظيم ذهاب بصره، وقالت: انه كان يدفع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال آخرون: بل هو عبد الله بن أبي سلول وأصحابه. روى ابن أبي مليكة عن عروة عن عائشة قالت في حديث الإفك: ثمَّ ركبت وأخذ صفوان بالزمام فمررنا بملأ من المنافقين وكانت عادتهم أن ينزلوا منتبذين من الناس.فقال عبد الله بن أُبي رئيسهم: مَن هذه؟ قالوا: عائشة: قال: والله ما نجت منه ولا نجا منها، وقال: امرأة نبيّكم باتت مع رجل حتى أصبحت، ثمَّ جاء يقودها، وشرع في ذلك أيضاً حسّان ومسطح وحمنة فهم الذين تولّوا كبره، ثمَّ فشا ذلك في الناس. {لَّوْلا} هلاّ {ۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ} بإخوانهم {خَيْراً}. قال الحسن: بأهل دينهم لأن المؤمنين كنفس واحدة، نظيره قوله {أية : وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ}تفسير : [النساء: 29] وقوله {فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ} [النور: 61]. قال بعض أهل المعاني: تقدير الآية هلاّ ظننتم كما ظنّ المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً. وقيل: أراد بأنفسهم أهاليهم وأزواجهم، وقالوا: أراد بهذه الآية أبا أيوب الأنصاري وامرأته أم أيوب. روى محمد بن إسحاق بن يسار عن رجاله أنّ أبا أيوب خالد بن يزيد قالت له امرأته أُم أيّوب: يا أبا أيوب أما تسمع ما يقول الناس في عائشة ؟ قال: بلى وذلك الكذب أكنت، فاعلة ذلك يا أم أيوب ؟ قالت: لا والله ما كنت لأفعله. قال: فعائشة والله خير منك، سبحان الله هذا بهتان عظيم، فأنزل الله سبحانه {لَّوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ} الآيات، أي كما فعل أبو أيوب وصاحبته وكما قالا. وقوله {وَقَالُواْ هَـٰذَآ إِفْكٌ مُّبِينٌ} أي كذب بيِّن {لَّوْلاَ جَآءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَآءِ فَأُوْلَـٰئِكَ عِندَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ * وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَآ أَفَضْتُمْ} خضتم {فِيهِ} من الإفك {عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ} تأخذونه تروونه بعضكم عن بعض، وقرأ (أُبيّ وابن مسعود: إذ تتلقّونه بتاءين)، وقرأت عائشة: تَلِقُونه بكسر اللام وتخفيف القاف من الكذب، والوَلَق والأَلق والالُق والليق الكذب. قال الخليل: أصل الولق السرعة وأنشد: شعر : جاؤوا بأسراب من الشام ولق تفسير : أي تسرع، يقال: ولق فلان في السير فهو يلق فيه إذا استمر وأسرع فيه، فكان معنى قراءة عائشة: إذ تستمرّون في إفككم. وقرأ محمد بن السميقع: إذ تُلْقُونه من الإلقاء، نظيره ودليله قوله سبحانه {أية : فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ}تفسير : [النحل: 86] الآية. {وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَّا لَّيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً} وتظنّونه سهلاً {وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٌ * وَلَوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَـٰذَا سُبْحَانَكَ} يحتمل التنزيه والتعجب. {هَـٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (*) يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُواْ} أي ينهاكم ويخوّفكم أن تعودوا وقيل: يعظكم الله كيلا تعودوا {لِمِثْلِهِ} إلى مثله {أَبَداً إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ (*) وَيُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَاتِ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ} بأمر عائشة وصفوان {حَكِيمٌ} حكم ببراءتها. {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلْفَاحِشَةُ} تظهر وتفشو وتذيع {فِي ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ} يعني عبد الله بن أُبيّ بن سلول وأصحابه المنافقين. {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ} كذبهم {وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ * وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ ٱللَّهَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} فيه إضمار لعاجلكم بالعقوبة.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الإفك: لدينا نِسَب ثلاث للأحداث: نسبة ذهنية، ونسبة كلامية حين تتكلم، ونسبة خارجية. فحين أقول: محمد مجتهد. هذه قضية ذهنية، فإن نطقتَ بها فهي نسبة كلامية، فهل هناك شخص اسمه محمد ومجتهد، هذه نسبة خارجية، فإنْ وافقت النسبةُ الكلامية النسبةَ الخارجية، فالكلام صِدْق، وإنْ خالفت فالكلام كذب. فالصدق أنْ تطابق النسبةُ الكلاميةُ الواقعَ، والكذب أَلاَّ تطابق النسبةُ الكلاميةُ الواقعَ، والكذب قد يكون غير مُتعمد، وقد يكون مُتعمداً، فإنْ كان مُتعمداً فهو الإفك، وإن كان غير متعمد كأنْ أخبره شخص أن محمداً مجتهد وهو غير ذلك، فالخبر كاذب، لكن المخبر ليس كاذباً. فالإفك - إذن - تعمُّد الكذب، ويعطي ضد الحكم، كأن تقول: محمد مجتهد. وأنت تعلم أنه مهمل؛ لذلك كان الإفكُ أفظعَ أنواع الكذب؛ لأنه يقلب الحقائق ويختلق واقعاً مضاداً لما لم يحدث. يقول تعالى: {أية : وَٱلْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ} تفسير : [النجم: 53] وهي القُرَى التي جعل الله عاليها سافلها، وكذلك الإفك يُغيِّر الواقع، ويقلبه رَأْساً على عَقِب. والعصبة: الجماعة التي ترتبط حركتها لتحقيق غاية متحدة، ومن ذلك نقول: عصابة مخدرات، عصابة سرقات، يعني: جماعة اتفقوا على تنفيذ حَدَث لغاية واحدة، ومنه قوله تعالى في سورة يوسف: {أية : وَنَحْنُ عُصْبَةٌ ..} تفسير : [يوسف: 14]. وما دام أهلُ الإفْك عصبةً فلا بُدَّ أن لهم غاية واحدة في التشويه والتبشيع، وكان رئيسهم عبد الله بن أُبيّ بن سلول، وهو شيخ المنافقين، ومعذور في أن يكون كذلك، ففي اليوم الذي دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة كانوا يصنعون لعبد الله بن أُبيٍّ تاجاً ليُنصِّبوه مَلِكاً على المدينة، فلما فُوجِىء برسول الله واجتماع الناس عليه وانفضاضهم من حوله بقيت هذه في نفسه. لذلك فهو القائل: {أية : لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ ..} تفسير : [المنافقون: 8] يقصد أنه الأعزُّ، فردَّ عليه الحق - تبارك وتعالى - صدقت، لكن العزة ستكون لله وللرسول وللمؤمنين، وعليه فالخارج منها أنت. وهو أيضاً القائل: {أية : لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ ..} تفسير : [المنافقون: 7] والعجيب أنه يعترف أن محمداً رسول الله، ويقولها علانية، ومع ذلك ينكرها بأعماله وتصرفاته، ويحدث تشويشاً في الفكر وفي أداء العبارة. وما دام أن الحق سبحانه سمَّى هذه الحادثة في حَقِّ أم المؤمنين عائشة إفكاً فلا بُدَّ أنهم قَلَبوا الحقائق وقالوا ما يناقض الواقع. والقصة حدثت في غزوة بن المصطلق، وكان صلى الله عليه وسلم إذا أراد غزوة أجرى قرعة بين زوجاته: مَنْ تخرج منهن معه. وهذا ما تقتضيه عدالته صلى الله عليه وسلم، وفي هذه الغزوة أقرع بينهن فخرج السهم لعائشة فخرجتْ معه، وبعد الغزوة وأثناء الاستعداد للعودة قالت السيدة عائشة: ذهبتُ لأقضي حاجتي في الخلاء، ثم رجعت إلى هَوْدَجِي ألتمس عِقْداً لي من (جَزْع ظَفَار) وهو نوع نفيس. فلما عادت السيدة عائشة وجدت القوم قد ذهبوا، ولم تجد هَوْدجها فقالت في نفسها لا بُدَّ أنهم سيفتقدونني وسيعودون. لكن كيف حمل القوم هودج عائشة ولم تكُنْ فيه؟ قالوا: لأن النساء كُنَّ خِفَافاً لم يثقلن، وكانت عائشة نحيفة، لذلك حمل الرجال هَودْجها دون أن يشعروا أنها ليست بداخله. ثم نامت السيدة عائشة في موضع هودجها تنتظر مَنْ يأتيها، وكان من عادة القوم أن يتأخر أحدهم بعد الرحيل ليتفقد المكان ويُعقب عليه، عَلَّه يجد شيئاً نسيه القوم أو شخصاً تخلَّف عن الرَّكْب. وكان هذا المعقِّب هو صفوان بن المعطل، فلما رأى شبحَ إنسان نائم فاقترب منه، فإذا هي عائشة رضي الله عنها، فأناخ ناقته بجوارها، وأدار وجهه حتى ركبتْ وسار بها دون أن ينظر إليها وعَفَّ نفسه، بدليل أن القرآن سمَّى ما قالوه إفْكاً يعني: مناقضاً للواقع، فصفوان لم يفعل إلا نقيض ما قالوا. ولما قَدِم صفوان يقود ناقته بعائشة رآه بعض أهل النفاق فاتهموهما، وقالوا في حقهما مَا لا يليق بأم المؤمنين، وقد تولّى هذه الحملة رَأْسُ النفاق في المدينة عبد الله بن أُبيٍّ ومِسْطح بن أُثَاثة، وحسان بن ثابت، وحمنة بنت جحش امرأة طلحة بن عبيد الله وأخت زينب بنت جحش، فروَّجوا هذا الاتهام وأذاعوه بين الناس. ثم يقول سبحانه: {لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ..} [النور: 11] لكن ما الخير في هذا الكلام وفي إذاعته؟ قالوا: لأن القرآن حين تُتَّهم عائشة وتنزل براءتها من فوق سبع سماوات في قرآن يُتْلَى ويُتعبَّد به إلى يوم القيامة، وحين يُفضَح قوم على لسان القرآن، لا بُدَّ أن يعتبر الآخرون، ويخافوا إنْ فعلوا مخالفة أنْ يفتضح أمرهم؛ لذلك جاء هذا الموقف درساً عملياً لمجتمع الإيمان. نعم، أصبحت الحادثة خيراً؛ لأنها نوع من التأييد لرسول الله ولدعوته، فالحق - تبارك وتعالى - يُؤيِّد رسوله في الأشياء المسرَّة ليقطع أمل أعدائه في الانتصار عليه، ولو بالتدليس، وبالمكر ولو بالإسرار والكَيْد الخفي، ففي ذروة عداء قريش لرسول الله كان إيمان الناس به يزداد يوماً بعد يوم. وقد ائتمروا عليه وكادوا له ليلاً ليلة الهجرة، فلم يفلحوا، فحاولوا أن يسحروه، وفعلاً صنعوا له سحراً، ووضعوه في بئر ذروان في مُشْط ومشاطة، فأخبره بذلك جبريل عليه السلام، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً فجاء به. إذن: عجزوا في المواجهة، وعجزوا في التبييت والكيد، وعجزوا حتى في استخدام الجن والاستعانة به، وهنا أيضاً عجزوا في تشويه صورة النبوة والنَّيْل من سمعتها، وكأن الحق سبحانه يقول لأعدائه: اقطعوا الأمل فلن تنالوا من محمد أبداً، ومن هنا كانت حادثة الإفك خيراً لجماعة المؤمنين. ومع ذلك، لم يجرؤ أحد أن يخبر السيدة عائشة بما يقوله المنافقون في حقها، لكن تغيَّر لها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يَعُدْ يداعبها كعادته، وكان يدخل عليها فيقول: "كيف تيكم" وقد لاحظت عائشة هذا التغيُّر لكن لا تعرف له سبباً إلى أنْ تصادف أنْ سارت هي وأم مِسْطح أحد هؤلاء المنافقين، فعثرتْ فقالت: تعس مِسْطح فنهرتها عائشة: كيف تدعو على ابنها، فقالت: إنك لا تدرين ما يقول؟ عندها ذهبتْ السيدة عائشة إلى أمها وسألتها عَمَّا يقوله الناس فأخبرتها. لذلك لما نزلت براءة عائشة في القرآن قال لها أبو بكر: قومي فاشكري رسول الله، فقالت: بل أشكر الله الذي بَرّأني. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: {لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ مَّا ٱكْتَسَبَ مِنَ ٱلإِثْمِ ..} [النور: 11]. عادةً ما يستخدم الفعل (كَسَبَ) المجرد في الخير، والفعل اكتسب المزيد الدال على الافتعال في الشر، لماذا؟ قالوا: لأن فِعْل الخير يتمشى وطبيعة النفس، وينسجم مع ذراتها وتكوينها، فالذي يُقدِم على عمل الخير لا يقاوم شيئاً في نفسه، ولا يعارض ملكَة من مَلَكَاته، أو عادة من العادات. وهذه نلاحظها حتى في الحيوانات، أَلاَ ترى القطة: إنْ وضعتَ لها قطعة لحم تجلس بجوارك وتأكلها، وإنْ أخذتْها منك خَطْفاً تفرّ بها هاربة وتأكلها بعيداً عنك. إذن: في ذاتية الإنسان وفي تكوينه - وحتى في الحيوان - ما يُعرف به الخير والشر، والصواب والخطأ. وأنت إذا نظرتَ إلى ابنتك أو زوجتك تكون طبيعياً مطمئناً؛ لأن مَلكَات نفسك معك موافقة لك لا تعارضك في هذا الفعل، فإنْ حاولتَ النظر إلى ما لا يحلّ لك تختلس النظرة وتسرقها، وتحاول سترها حتى لا يلحظها أحد، وقد ترتبك ويتغير لونك، لماذا؟ لأنك تفعل شيئاً غير طبيعي، لا حَقَّ لك فيه، فتعارضك ملكَاتُ نفسك، وذراتُ تكوينك. فالأمر الطبيعي تستجيب له النفس تلقائياً، أمّا الخطأ والشر فيحتاج إلى افتعال، لذلك عبَّر عن المكر والتبييت والكيد بـ (اكتسب) الدال على الافتعال. وقوله تبارك تعالى: {وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور: 11]. تولَّى كبر الشيء: يعني قام به وله حَظٌّ وافر فيه، أو نقول: هو ضالع فيه، والمقصود هنا عبد الله بن أُبيّ الذي قاد هذه الحملة، وتولّى القيام بها وترويجها {لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور: 11] أي: يناسب هذه الجريمة.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: نا إبراهيم، /49 و/ قال نا آدم، قال: نا المبارك بن فضالة عن الحسن، قال: يعني الزاني المجلود في الزنا، ليس له أَن يتزوج إِلا مجلودة في الزنا مثله، ليس له أَن يكون هو أَنجسها ثم يتبع المحسنات. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إبراهيم، قال نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ} [الآية: 11] قال: هو عبد الله بن أُبي بن سلول، بدأَه. يقول الله، عز وجل: {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ} [الآية: 15].
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {جَآءُوا بِٱلإِفْكِ} معناه الكِذبُ والبُهتانُ. تفسير : وقوله تعالى: {تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ} معناه تَحمَّلَ مُعْظَمهُ.
الجيلاني
تفسير : ثم أشار سبحانه إلى تطهير ذيل عائشة - رضي الله تعالى عنها - عما رماها وافتراها أهل الزيغ والضلال جهلاً بحالها وعلوِّ شأنها، وكمال عصمتها وعِفَّتها، فقال: {إِنَّ} المفسدين المسرفين {ٱلَّذِينَ جَآءُوا بِٱلإِفْكِ} أي: بالكذب الصارف عن الحق {عُصْبَةٌ} أي: فرقةُ وعصابةُ معدودةُ {مِّنْكُمْ} أيها المؤمنون المقذوفون مع أنهم {لاَ تَحْسَبُوهُ} ولا تظنوه أي: الإفكَ الذي جاءوا به {شَرّاً لَّكُمْ} ولحوقَ عارٍ عليكم {بَلْ هُوَ} أي: إفكُهم {خَيْرٌ لَّكُمْ} وسببُ ثوابٍ عظيمٍ وأجر جزيلٍ، و ظهور كرامةٍ، ونزول آياتٍ عظام في براءتكم وطهارتكم وتهويل شأنكم. وصار {لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ} أي: من القاذفين المفتريين جزاء {مَّا ٱكْتَسَبَ مِنَ ٱلإِثْمِ} والإفكِ الذي جاءوا به ظلماً وزوراً {وَ} لا سيما الشخصَ {ٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ} أي: معظم الآفكين، وهو الذي أخذ في إفشائه وإشاعته، وهو ابن أُبيّ {لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور: 11] في الدنيا والآخرة؛ إذ هو مطرود بين المؤمنين، مشهورُ بالنافق، وله في الآخرة أشدُّ العذاب. ثم وبّخ سبحاه على الآفكين وقرَّعتههم؛ حيث قال: {لَّوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ} أي: الإفكَ أيها الآفكومن لم تظنوا بالمذروفيْن خيراً كما {ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَ} لَمْ تقولوا كما {قَالُواْ} أي: المؤمنون: {هَـٰذَآ إِفْكٌ مُّبِينٌ} [النور: 12] وكذبُ عظيمُ وفريةُ بلا مريةٍ؛ إذ ساحة عصمتها وطهارة ذيلها ونجابة طينتها أجلُّ وأعلى من أن يُفْترى عليها أمثال هذه المفتريات الباطلة. عصمنا الله عما لا يرضى منه سبحانه {لَّوْلاَ جَآءُوا} أي: الآفكون المسرفون وأتوا {عَلَيْهِ} أي: على إفكهم هذا {بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ} عدولاً لصدقوا فيما قالوا {فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَآءِ} الأربع العدول {فَأُوْلَـٰئِكَ} الآفكون المفترون {عِندَ ٱللَّهِ} المطلع لضمائرهم {هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ} [النور: 13] المقصورون على الكذب، يجازيهم سبحانه على مقتضى ما افتروا من الكذب والبهتان، سيما مع أهل البيت، أهل العصمة والكرامة. {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} أيها الباهتون، المفترون بتوفيكم على الإنابة والرجوع عن هذه الفرية العظيمة {وَرَحْمَتُهُ} الشاملة لكم {فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ} وخضتم في إشاعته وإذاعته {عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور: 14] عاجلاً وآجلاً. {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ} مع نهاية كراهته وسماجته {بِأَلْسِنَتِكُمْ} سائلاً بعضُكم بعضاً متلقياً على قبوله وسماعه {وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَّا لَّيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} لا ظنُ ولا يقينُ بل جهلُ وتخمينُ، {وَ} مع عظم هذا الجرم عند الله {تَحْسَبُونَهُ} أيها الحمقى المسرفون {هَيِّناً} سهلاً يسيراً، لا يترتب عليه شيءُ من العذاب والعقاب {وَ} الحال أنه {هُوَ} أي: رمي تلك البريئة العفيفة {عِندَ ٱللَّهِ} المطلع لعفتها وعصمتها {عَظِيمٌ} [النور: 15] فظيعُ في غاية العظمة والفظاعة، مستجلبُ لأنواع العذاب وأشد النكال؛ إذ الافتراء بآحاد الناس يوجب أشدَّ العذاب وأسوأ العقاب، فكيف بأفضلهم وأشرفهم!. {وَلَوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ} أولاً أيها الآفكون المفترون {قُلْتُمْ مَّا يَكُونُ} أي: ما يصح ويجوز {لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَـٰذَا} الفحش الباطل الكذب الصريح العاطل {سُبْحَانَكَ} نقدسك وننزهك من أن تمكِّن أحداً يفعل، ويقول في حق حليلة حبيبك صلى الله عليه وسلم أمثال هذا الافتراء؛ إذ {هَـٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} [النور: 16] تبهتُ، وتحيرُ منه العقول، وتضطرب الأسماع، وتتقلقل القلوب. {يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ} المصلح لمفاسدكم، ويبالغ في وعظكم وتذكيركم كرهاة {أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَداً} ما دمتم حياً {إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ} [النور: 17] بالله مصدقين لنبيه؛ إذ أمثال هذه الخرافات بالنسبة إلى أهل بيت النبوة من أمارات الكفر والتكذيب، وعلامات سوء الأدب مع الله ورسوله. {وَ} بعد صدور أمثال هذه الخرافات من أهل السرف والإفساد {يُبَيِّنُ ٱللَّهُ} المدبر {لَكُمُ ٱلآيَاتِ} الدالة على الصفح والإعراض عن أمثال هذه الافتراءات الهاتكة لأستار محارم الله، سيما مع أكرم عترة حبيبه {وَٱللَّهُ} المصلح لأحوالكم {عَلِيمٌ} بما في ضمائركم وخواطركم {حَكِيمٌ} [النور: 18] في إزالة ما يضركم ويغويكم.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : وهو قوله: { لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } لما ذكر فيما تقدم، تعظيم الرمي بالزنا عموما، صار ذلك كأنه مقدمة لهذه القصة، التي وقعت على أشرف النساء، أم المؤمنين رضي الله عنها، وهذه الآيات، نزلت في قصة الإفك المشهورة، الثابتة في الصحاح والسنن والمسانيد. وحاصلها أن النبي صلى الله عليه وسلم، في بعض غزواته، ومعه زوجته عائشة الصديقة بنت الصديق، فانقطع عقدها فانحبست في طلبه ورحلوا جملها وهودجها، فلم يفقدوها، ثم استقل الجيش راحلا وجاءت مكانهم، وعلمت أنهم إذا فقدوها، رجعوا إليها فاستمروا في مسيرهم، وكان صفوان بن المعطل السلمي، من أفاضل الصحابة رضي الله عنه، قد عرس في أخريات القوم ونام، فرأى عائشة رضي الله عنها فعرفها، فأناخ راحلته، فركبتها من دون أن يكلمها أو تكلمه، ثم جاء يقود بها بعد ما نزل الجيش في الظهيرة، فلما رأى بعض المنافقين الذين في صحبة النبي صلى الله عليه وسلم، في ذلك السفر مجيء صفوان بها في هذه الحال، أشاع ما أشاع، ووشى الحديث، وتلقفته الألسن، حتى اغتر بذلك بعض المؤمنين، وصاروا يتناقلون هذا الكلام، وانحبس الوحي مدة طويلة عن الرسول صلى الله عليه وسلم. وبلغ الخبر عائشة بعد ذلك بمدة، فحزنت حزنا شديدا، فأنزل الله تعالى براءتها في هذه الآيات، ووعظ الله المؤمنين، وأعظم ذلك، ووصاهم بالوصايا النافعة. فقوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإفْكِ } أي: الكذب الشنيع، وهو رمي أم المؤمنين { عُصْبَةٌ مِنْكُمْ } أي: جماعة منتسبون إليكم يا معشر المؤمنين، منهم المؤمن الصادق [في إيمانه ولكنه اغتر بترويج المنافقين] ومنهم المنافق. { لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ } لما تضمن ذلك تبرئة أم المؤمنين ونزاهتها، والتنويه بذكرها، حتى تناول عموم المدح سائر زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، ولما تضمن من بيان الآيات المضطر إليها العباد، التي ما زال العمل بها إلى يوم القيامة، فكل هذا خير عظيم، لولا مقالة أهل الإفك لم يحصل ذلك، وإذا أراد الله أمرا جعل له سببا، ولذلك جعل الخطاب عاما مع المؤمنين كلهم، وأخبر أن قدح بعضهم ببعض كقدح في أنفسهم، ففيه أن المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، واجتماعهم على مصالحهم، كالجسد الواحد، والمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا، فكما أنه يكره أن يقدح أحد في عرضه، فليكره من كل أحد، أن يقدح في أخيه المؤمن، الذي بمنزلة نفسه، وما لم يصل العبد إلى هذه الحالة، فإنه من نقص إيمانه وعدم نصحه. { لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإثْمِ } وهذا وعيد للذين جاءوا بالإفك، وأنهم سيعاقبون على ما قالوا من ذلك، وقد حد النبي صلى الله عليه وسلم منهم جماعة، { وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ } أي: معظم الإفك، وهو المنافق الخبيث، عبد الله بن أبي بن سلول -لعنه الله- { لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ } ألا وهو الخلود في الدرك الأسفل من النار. ثم أرشد الله عباده عند سماع مثل هذا الكلام فقال: { لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا } أي: ظن المؤمنون بعضهم ببعض خيرا، وهو السلامة مما رموا به، وأن ما معهم من الإيمان المعلوم، يدفع ما قيل فيهم من الإفك الباطل، { وَقَالُوا } بسبب ذلك الظن { سُبْحَانَكَ } أي: تنزيها لك من كل سوء، وعن أن تبتلي أصفياءك بالأمور الشنيعة، { هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ } أي: كذب وبهت، من أعظم الأشياء، وأبينها. فهذا من الظن الواجب، حين سماع المؤمن عن أخيه المؤمن، مثل هذا الكلام، أن يبرئه بلسانه، ويكذب القائل لذلك. { لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ } أي: هلا جاء الرامون على ما رموا به، بأربعة شهداء أي: عدول مرضيين. { فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ } وإن كانوا في أنفسهم قد تيقنوا ذلك، فإنهم كاذبون في حكم الله، لأن الله حرم عليهم التكلم بذلك، من دون أربعة شهود، ولهذا قال: { فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ } ولم يقل " فأولئك هم الكاذبون " وهذا كله، من تعظيم حرمة عرض المسلم، بحيث لا يجوز الإقدام على رميه، من دون نصاب الشهادة بالصدق. { وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ } بحيث شملكم إحسانه فيهما، في أمر دينكم ودنياكم، { لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَفَضْتُمْ } أي: خضتم { فِيهِ } من شأن الإفك { عَذَابٌ عَظِيمٌ } لاستحقاقكم ذلك بما قلتم، ولكن من فضل الله عليكم ورحمته، أن شرع لكم التوبة، وجعل العقوبة مطهرة للذنوب. { إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ } أي: تلقفونه، ويلقيه بعضكم إلى بعض، وتستوشون حديثه، وهو قول باطل. { وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ } والأمران محظوران، التكلم بالباطل، والقول بلا علم، { وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا } فلذلك أقدم عليه من أقدم من المؤمنين الذين تابوا منه، وتطهروا بعد ذلك، { وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ } وهذا فيه الزجر البليغ، عن تعاطي بعض الذنوب على وجه التهاون بها، فإن العبد لا يفيده حسبانه شيئا، ولا يخفف من عقوبة الذنب، بل يضاعف الذنب، ويسهل عليه مواقعته مرة أخرى. { ولَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ } أي: وهلا إذ سمعتم -أيها المؤمنون- كلام أهل الإفك { قُلْتُمْ } منكرين لذلك، معظمين لأمره: { مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا } أي: ما ينبغي لنا، وما يليق بنا الكلام، بهذا الإفك المبين، لأن المؤمن يمنعه إيمانه من ارتكاب القبائح { هَذَا بُهْتَانٌ } أي: كذب عظيم. { يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ } أي: لنظيره، من رمي المؤمنين بالفجور، فالله يعظكم وينصحكم عن ذلك، ونعم المواعظ والنصائح من ربنا فيجب علينا مقابلتها بالقبول والإذعان، والتسليم والشكر له، على ما بين لنا { إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ } { إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } دل ذلك على أن الإيمان الصادق، يمنع صاحبه من الإقدام على المحرمات. { وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ } المشتملة على بيان الأحكام، والوعظ، والزجر، والترغيب، والترهيب، يوضحها لكم توضيحا جليا. { وَاللَّهُ عَلِيمٌ } أي: كامل العلم عام الحكمة، فمن علمه وحكمته، أن علمكم من علمه، وإن كان ذلك راجعا لمصالحكم في كل وقت. { إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ } أي: الأمور الشنيعة المستقبحة المستعظمة، فيحبون أن تشتهر الفاحشة { فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } أي: موجع للقلب والبدن، وذلك لغشه لإخوانه المسلمين، ومحبة الشر لهم، وجراءته على أعراضهم، فإذا كان هذا الوعيد، لمجرد محبة أن تشيع الفاحشة، واستحلاء ذلك بالقلب، فكيف بما هو أعظم من ذلك، من إظهاره، ونقله؟" وسواء كانت الفاحشة، صادرة أو غير صادرة. وكل هذا من رحمة الله بعباده المؤمنين، وصيانة أعراضهم، كما صان دماءهم وأموالهم، وأمرهم بما يقتضي المصافاة، وأن يحب أحدهم لأخيه ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه. { وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ } فلذلك علمكم، وبين لكم ما تجهلونه. { وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ } قد أحاط بكم من كل جانب { وَرَحْمَتُهُ } عليكم { وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } لما بين لكم هذه الأحكام والمواعظ، والحكم الجليلة، ولما أمهل من خالف أمره، ولكن فضله ورحمته، وأن ذلك وصفه اللازم آثر لكم من الخير الدنيوي والأخروي، ما لن تحصوه، أو تعدوه. ولما نهى عن هذا الذنب بخصوصه، نهى عن الذنوب عموما فقال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ } أي: طرقه ووساوسه. وخطوات الشيطان، يدخل فيها سائر المعاصي المتعلقة بالقلب، واللسان والبدن. ومن حكمته تعالى، أن بين الحكم، وهو: النهي عن اتباع خطوات الشيطان. والحكمة وهو بيان ما في المنهي عنه، من الشر المقتضي، والداعي لتركه فقال: { وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ } أي: الشيطان { يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ } أي: ما تستفحشه العقول والشرائع، من الذنوب العظيمة، مع ميل بعض النفوس إليه. { وَالْمُنْكَرِ } وهو ما تنكره العقول ولا تعرفه. فالمعاصي التي هي خطوات الشيطان، لا تخرج عن ذلك، فنهي الله عنها للعباد، نعمة منه عليهم أن يشكروه ويذكروه، لأن ذلك صيانة لهم عن التدنس بالرذائل والقبائح، فمن إحسانه عليهم، أن نهاهم عنها، كما نهاهم عن أكل السموم القاتلة ونحوها، { وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا } أي: ما تطهر من اتباع خطوات الشيطان، لأن الشيطان يسعى، هو وجنده، في الدعوة إليها وتحسينها، والنفس ميالة إلى السوء أمارة به، والنقص مستول على العبد من جميع جهاته، والإيمان غير قوي، فلو خلي وهذه الدواعي، ما زكى أحد بالتطهر من الذنوب والسيئات والنماء بفعل الحسنات، فإن الزكاء يتضمن الطهارة والنماء، ولكن فضله ورحمته أوجبا أن يتزكى منكم من تزكى. وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: " اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها " ولهذا قال: { وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ } من يعلم منه أن يزكى بالتزكية، ولهذا قال: { وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }. { وَلا يَأْتَلِ } أي: لا يحلف { أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا } كان من جملة الخائضين في الإفك " مسطح بن أثاثة " وهو قريب لأبي بكر الصديق رضي الله عنه، وكان مسطح فقيرا من المهاجرين في سبيل الله، فحلف أبو بكر أن لا ينفق عليه، لقوله الذي قال. فنزلت هذه الآية، ينهاهم عن هذا الحلف المتضمن لقطع النفقة عنه، ويحثه على العفو والصفح، ويعده بمغفرة الله إن غفر له، فقال: { أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } إذا عاملتم عبيده، بالعفو والصفح، عاملكم بذلك، فقال أبو بكر - لما سمع هذه الآية-: بلى، والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع النفقة إلى مسطح، وفي هذه الآية دليل على النفقة على القريب، وأنه لا تترك النفقة والإحسان بمعصية الإنسان، والحث على العفو والصفح، ولو جرى عليه ما جرى من أهل الجرائم. ثم ذكر الوعيد الشديد على رمي المحصنات فقال: { إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ } أي: العفائف عن الفجور { الْغَافِلاتِ } التي لم يخطر ذلك بقلوبهن { الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ } واللعنة لا تكون إلا على ذنب كبير. وأكد اللعنة بأنها متواصلة عليهم في الدارين { وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } وهذا زيادة على اللعنة، أبعدهم عن رحمته، وأحل بهم شدة نقمته. وذلك العذاب يوم القيامة { يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } فكل جارحة تشهد عليهم بما عملته، ينطقها الذي أنطق كل شيء، فلا يمكنه الإنكار، ولقد عدل في العباد، من جعل شهودهم من أنفسهم، { يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ } أي: جزاءهم على أعمالهم، الجزاء الحق، الذي بالعدل والقسط، يجدون جزاءها موفرا، لم يفقدوا منها شيئا، { وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا } ويعلمون في ذلك الموقف العظيم، أن الله هو الحق المبين، فيعلمون انحصار الحق المبين في الله تعالى. فأوصافه العظيمة حق، وأفعاله هي الحق، وعبادته هي الحق، ولقاؤه حق، ووعده ووعيده، وحكمه الديني والجزائي حق، ورسله حق، فلا ثم حق، إلا في الله وما من الله. { الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ } أي: كل خبيث من الرجال والنساء، والكلمات والأفعال، مناسب للخبيث، وموافق له، ومقترن به، ومشاكل له، وكل طيب من الرجال والنساء، والكلمات والأفعال، مناسب للطيب، وموافق له، ومقترن به، ومشاكل له، فهذه كلمة عامة وحصر، لا يخرج منه شيء، من أعظم مفرداته، أن الأنبياء -خصوصا أولي العزم منهم، خصوصا سيدهم محمد صلى الله عليه وسلم، الذي هو أفضل الطيبين من الخلق على الإطلاق لا يناسبهم إلا كل طيب من النساء، فالقدح في عائشة رضي الله عنها بهذا الأمر قدح في النبي صلى الله عليه وسلم، وهو المقصود بهذا الإفك، من قصد المنافقين، فمجرد كونها زوجة للرسول صلى الله عليه وسلم، يعلم أنها لا تكون إلا طيبة طاهرة من هذا الأمر القبيح. فكيف وهي هي؟" صديقة النساء وأفضلهن وأعلمهن وأطيبهن، حبيبة رسول رب العالمين، التي لم ينزل الوحي عليه وهو في لحاف زوجة من زوجاته غيرها، ثم صرح بذلك، بحيث لا يبقى لمبطل مقالا ولا لشك وشبهة مجالا فقال: { أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ } والإشارة إلى عائشة رضي الله عنها أصلا وللمؤمنات المحصنات الغافلات تبعا { لَهُمْ مَغْفِرَةٌ } تستغرق الذنوب { وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } في الجنة صادر من الرب الكريم.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 713 : 7 : 12 - سفين عن الأعمش عن أبي الضحى قال، دخل مسروق على عايشة وعندها حسان ينشدها شعر حسان: شعر : حصان رزان ما تزن بريبة وتصبح غرثى من لحوم الغوافل تفسير : فقلت لها: "ما تدعين هذا يدخل عليك وهو من الذين تولى كبره" قالت: "أفلا تراه قد أصابه عذاب عظيم"؟ [الآية 11]. 714 : 8 : 13 - سفين عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق قال، قالت عايشة: "لقد أتى عليّ زمان وما أرجوا ان ينزل فيّ القرآن".
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُوا بِٱلإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ} [11] 380 - أنا محمدُ بن عبد الأعلى، نا محمدُ بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن محمد بن مُسلم بن شهاب الزُّهري، قال: أخبره عُروة بن الزُّبيرِ وسعيد بن المسيبِ وعلقمةُ بن وقاصٍ وعبيدُ الله بن عبد الله بن عتبة، عن حديث عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم - حين قال لها أهلُ الإفك ما قالوا فبرأها اللهُ - وكُلُّهُم حدَّثني بطائفةٍ من حديثها، وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعضٍ، وأثبت له اقتصاصاً، وقد وعيت من كل واحدٍ منهم الحديث الذي حَدَّثني به، وبعض حديثهم يُصدقُ بعضُهُ بعضاً، زعموا حديث : أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفراً أقرع بين نسائهِ، فأيَّتُهُنَّ خرج سهمها خرج بها معهُ، قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة غزاها، فخرج فيها سهمي فخرجتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما أُنزل الحِجابُ. فأنا أُحملُ في هودجي وأنزل فيه فسرنا حتى إذا فزع رسول الله صلى الله عليه وسلم من [غزوتهِ تلك وقفل] ودنونا من المدينة، أذن ليلةً بالرحيل، فمشيتُ حتى جاوزتُ الجيش فلما قضيتُ شأني أقبلتُ إلى الرحلِ فلمستُ صدري، فإذا عقدٌ [لي] من جزع أظفارٍ قد انقطع، فرجعت، فالتمستُ عقدي فحبسني ابتغاؤُهُ، وأقبل الرهطُ الذين كانوا يرحلون لي وحملوهُ على بعيري الذي كنتُ أركبُهُ، وهم يحسبون أني فيهِ؛ وكان النساءُ إذ ذاك خِفافاً لم يُهبِّلهُنَّ ولم يغشهُنَّ اللحمُ، إنما يأكلن العُلقتين من الطعام، فلم يستنكر القوم ثِقل الهودجِ حين رفعوه ورحلوه، وكنتُ جاريةً حديثة السِّنِّ، فبعثُوا الجمل وساروا، فوجدتُ عقدي بعدما استمر الجيشُ، فجئتُ منازلهم وليس بها داعٍ ولا مُجيبٌ، فيمَّمْتُ منزلي الذي كنتُ فيه، وظننتُ أن القوم/ سيفقدوني فيرجعون، فبينا أنا جالسةٌ في منزلي إذ غلبتني عيني فنمتُ حتى أصبحتُ، وكان صفوانُ بن المُعطِّلِ من وراء الجيشِ، فأدلج، فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسانٍ نائماً، فأتاني فعرفني حين رآني. وكان يراني قبل أن يضرب علينا الحِجابُ، فاستيقظتُ باسترجاعِهِ حين عرفني فخمرتُ وجهي بجلبابي، والله ما كلمني كلمةً، ولا سمعت منهُ كلمةً غير استرجاعه حين أناخ راحلته فوطِىءَ على يدها فركبتها وانطلق يقود بي الراحلة، حتى أتينا الجيش بعدما نزلوا مُوغرين في نحو الظهيرةِ، فهلك من هلك في شأني، وكان الذي تولي كبرهُ عبد اللهِ ابن أُبيِّ بنِ سلولٍ، فقدمتُ المدينة، فاشتكيتُ شهراً، والناسُ يُفيضون في قولِ أهل الإِفك، ولا أشعرُ بشيءٍ من ذلك، وهو يُريبني في وجعي أني لا أعرفُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللُّطف الذي كُنتُ أري حين أشتكي، إنما يدخلُ عليَّ فيُسلمُ فيقولُ: "كَيْفَ تِيكُمْ؟" فذلك [الذي] يُريبني ولا أشعر [بالشَّرِّ] حتى خرجتُ بعدما نقِهْتُ، فخرجت [معي] أُمُّ مِسطحٍ قِبَلَ المناصع وهو مُتبرزنا، ولا نخرج إلا ليلاً إلي ليلٍ. وذلك قبل أن تُتخذ الكُنُفُ قريباً من بيوتنا وأمرنا أمر العرب، الأُول في التبرز [قبل الغائطِ] وكنا نتأذي بالكنفِ أن نتخذها عند بيوتنا. فانطلقتُ أنا وأُمُّ مِسْطَحٍ - وهي: بنتُ أبي رُهم بن عبد المُطلب بن عبد منافٍ، وأُمُّهَا بنتُ صخر بن عامرٍ خالةُ أبي بكرٍ الصديق، وابنها مِسطحُ بن أثاثة بن عُبادٍ بن المطلبِ - فأقبلتُ أنا وابنةُ أبي رُهمٍ قبل بيتي حين فرغنا من شأننا، فعثرت أُمُّ مِسطحِ في مرطها فقالت: تَعِسَ مِسطَحٌ! فقلتُ لها: بئس ما قُلتِ، تَسُبِّينَ رجلاً قد شهد بدراً. فقالت: يا هنتاهُ! ألم تسمعي ما قال؟. قُلتُ: وما قال؟ فأَخبرتني بقول أهلِ الإفكِ فازددتُ مرضاً إلَى مرضي، فلما رجعتُ إلى بيتي، ودخل عليَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وقال: "كيف تِيكُمْ"./ قُلتُ: أتأذنُ لِي أن آتي أبويَّ؟ قال: "نعم"، وأنا أُريد حينئذٍ أن أتيقن الخبر من عندِهما، فأذن لي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فجئت لأبويَّ فقلتُ لأُمي أي هنتاهُ ما يتحدث الناسُ؟ قالت: أي بُنيةُ؛ هوِّني عليكِ، فوالله لقلَّ ما كانت امرأةٌ قطُّ وضيئةٌ عند رجلٍ يُحبُّها لها ضرائرُ إلا كثرنَ عليها، فقلتُ: سُبحان الله، أوقد تَحدَّث الناسُ بهذا وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: نعم. فبكيت تلك الليلة حتى أصبحتُ لا يرقأُ لي دمعٌ، ولا أكتحلُ بنومٍ حتى ظنَّ أبواي أنَّ البُكاء سيفلق كبدي، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عَلِيَّ بن أبي طالبٍ، وأُسامة بن زيدٍ حين استلبث الوحيُ يستشيرهما في فراق أهلِهِ. فأما أُسامة فأشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءةِ أهلِهِ، وبالذي [يعلمُ] في نفسه من الوُدِّ. فقال: يا رسول اللهِ، أهْلُكَ ولا نعلمُ إلا خيراً. وأما عليُّ بنُ أبي طالبٍ فقال: يا رسول الله؛ لم يُضَيِّقِ اللهُ عليك النساء والنساءُ سواها كثيرٌ، وإن تسأل الجارية تصدقك - يعني بَرِيرَةَ - فدعا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بَرِيرَةَ فقال: "هل رأيت من شيء يُريبكِ من عائشة" قالت بَرِيرَةُ: والذي بعثك بالحقِّ إن رأيت عليها أمراً أغمِصُهُ عليها أكثر من أنها حديثةُ السِّنِّ تنامُ عن عجين أهلها، فتأتى الدَّاجنُ فتأكُلُهُ. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيباً فحمد اللهُ وأثني عليه بما هو أهلهُ ثم قال: "أما بعدُ، فمن يُعذرني ممن قد بلغني أذاه في أهلي" - يعني عبد الله بن أُبي بن سلولٍ - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر أيضاً: "يا معشر المسلمين، من يعذرني ممن قد بلغني أذاهُ في أهلي - يعني عبد الله بن أُبي بن سلولٍ - فوالله ما علمتُ على أهلي إلا خيراً، وما كان يدخلُ على أهلي إلا معي". فقام سعدُ بن مُعاذٍ الأنصاريُّ فقال: أُعذرك منه يا رسول اللهِ؛ إن كان من الأوس ضربنا عُنُقَهُ، وإن كان/ من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك. فقال سعدُ بن عُبادةَ - وهو سيدُ الخزرجِ، وكان رجُلاً صالحاً، ولكن احتملته الحميةُ فقال: أي سعد بن معاذٍ لعمر اللهِ لا تقتله ولا تقدر على قتلهِ. فقام أُسيدُ بن حُضيرٍ - وهو ابن عم سعد بن معاذٍ فقال لسعدٍ بن عُبادة: كذبت لعمرُ الله لنقتُلنه، فإنك مُنافق تُجادل عن المنافقين، فثار الحيان: الأوسُ والخزرج، حتى همُّوا أن يَقتتِلوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائمٌ على المنبر، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يُخفِّضُهُمْ حتى سكتوا، ثم أتاني النبيُّ صلى الله عليه وسلم وأنا في بيت أبويَّ، فبينا هو جالسٌ وأنا أبكي فاستأذنت علىَّ امرأةٌ من الأنصارِ تفسير : .... وساق الحديث.
همام الصنعاني
تفسير : 2006- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن الزهري، قال: كنت عند الوليد بن عبد الملك، فقال: {وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ}: [الآية: 11] علي بن أبي طالب، قلت: لا، حدثني سعيد بن المسيّب، وعروة بن الزبير، وعلقمة بن وقاص، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، كلهم سمعوا عائشة تقول: {وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ}: عبد الله بن أُبَيّ، قال: فقال لي وما كان (جرمه؟)، قال: قلت أخبرني شيخان من قومك أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هِشام، وأبو سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة، قالت: كان مُسئاً في أمري.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):