٢٤ - ٱلنُّور
24 - An-Nour (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
12
Tafseer
الرازي
تفسير : النوع الأول وهذا من جملة الآداب التي كان يلزمهم الإتيان بها، و {لَوْلاَ } معناه هلا وذلك كثير في اللغة إذا كان يليه الفعل كقوله: { أية : لَوْلا أَخَّرْتَنِي } تفسير : [المنافقون: 10] وقوله: { أية : فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ ءامَنَتْ } تفسير : [يونس: 98] فأما إذا وليه الاسم فليس كذلك كقوله: { أية : لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ } تفسير : [سبأ: 31] وقوله: { أية : وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ } تفسير : [النور: 10] والمراد كان الواجب على المؤمنين إذ سمعوا قول القاذف أن يكذبوه ويشتغلوا بإحسان الظن ولا يسرعوا إلى التهمة فيمن عرفوا فيه الطهارة، وههنا سؤالات: السؤال الأول: هلا قيل لولا إذ سمعتموه ظننتم بأنفسكم خيراً وقلتم فلم عدل عن الخطاب إلى الغيبة وعن المضمر إلى الظاهر؟ الجواب: ليبالغ في التوبيخ بطريقة الالتفات، وفي التصريح بلفظ الإيمان دلالة على أن الاشتراك فيه يقتضي أن لا يظن بالمسلمين إلا خيراً، لأن دينه يحكم بكون المعصية منشأ للضرر وعقله يهديه إلى وجوب الاحتراز عن الضرر، وهذا يوجب حصول الظن باحترازه عن المعصية، فإذا وجد هذا المقتضى للاحتراز ولم يوجد في مقابلته راجح يساويه في القوة وجب إحسان الظن، وحرم الإقدام على الطعن. السؤال الثاني: ما المراد من قوله بأنفسهم؟ الجواب: فيه وجهان: الأول: المراد أن يظن بعضهم ببعض خيراً ونظيره قوله: { أية : وَلاَ تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ } تفسير : [الحجرات: 11] وقوله: { أية : فَٱقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ } تفسير : [البقرة: 54] وقوله: { أية : فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ } تفسير : [النور: 61] ومعناه أي بأمثالكم من المؤمنين الذين هم كأنفسكم، روي أن أبا أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال لأم أيوب أما ترين ما يقال؟ فقالت لو كنت بدل صفوان أكنت تظن بحرم رسول الله سوءاً؟ قال لا، قالت ولو كنت بدل عائشة ما خنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعائشة خير مني وصفوان خير منك. وقال ابن زيد ذلك معاتبة للمؤمنين إذ المؤمن لا يفجر بأمه ولا الأم بابنها وعائشة رضي الله عنها هي أم المؤمنين والثاني: أنه جعل المؤمنين كالنفس الواحدة فيما يجري عليها من الأمور فإذا جرى على أحدهم مكروه فكأنه جرى على جميعهم. عن النعمان بن بشير قال عليه السلام: « حديث : مثل المسلمين في تواصلهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا وجع بعضه بالسهر والحمى وجع كله » تفسير : وعن أبي بردة قال عليه السلام: « حديث : المؤمنون للمؤمنين كالبنيان يشد بعضه بعضاً » تفسير : . السؤال الثالث: ما معنى قوله: {هَـٰذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ } وهل يحل لمن يسمح ما لا يعرفه أن يقول ذلك؟ الجواب: من وجهين: الأول: كذلك يجب أن يقول، لكنه يخبر بذلك عن قول القاذف الذي لا يستند إلى أمارة ولا عن حقيقة الشيء الذي لا يعلمه الثاني: أن ذلك واجب في أمر عائشة لأن كونها زوجة الرسول صلى الله عليه وسلم المعصوم عن جميع المنفرات كالدليل القاطع في كون ذلك كذباً، قال أبو بكر الرازي هذا يدل على أن الواجب فيمن كان ظاهره العدالة أن يظن به خيراً، ويوجب أن يكون عقود المسلمين وتصرفاتهم محمولة على الصحة والجواز، ولذلك قال أصحابنا فيمن وجد رجلاً مع امرأة أجنبية فاعترفا بالتزويج إنه لا يجوز تكذيبهما بل يجب تصديقهما وزعم مالك أنه يحدهما أن لم يقيما بينة على النكاح، ومن ذلك أيضاً ما قال أصحابنا رضي الله عنهم فيمن باع درهماً وديناراً بدرهمين ودينارين إنه يخالف بينهما لأنا قد أمرنا بحسن الظن بالمؤمنين فوجب حمله على ما يجوز وهو المخالفة بينهما، وكذلك إذا باع سيفاً محلى فيه مائة درهم بمائتي درهم إنا نجعل المائة بالمائة والفضل بالسيف، وهو يدل أيضاً على قول أبي حنيفة رحمه الله في أن المسلمين عدول ما لم يظهر منهم ريبة لأنا مأمورون بحسن الظن، وذلك يوجب قبول الشهادة ما لم يظهر منه ريبة توجب التوقف عنها أوردها، قال تعالى: { أية : إَنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ ٱلْحَقّ شَيْئًا } تفسير : [النجم: 28].
ابن كثير
تفسير : هذا تأديب من الله تعالى للمؤمنين في قصة عائشة رضي الله عنها حين أفاض بعضهم في ذلك الكلام السيىء، وما ذكر من شأن الإفك، فقال تعالى: {لَوْلاَ} يعني: هلا {إِذْ سَمِعْتُمُوهُ} أي: ذلك الكلام الذي رميت به أم المؤمنين رضي الله عنها {ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً} أي: قاسوا ذلك الكلام على أنفسهم، فإن كان لا يليق بهم، فأم المؤمنين أولى بالبراءة منه بطريق الأولى والأحرى. وقد قيل: إنها نزلت في أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري وامرأته رضي الله عنهما؛ كما قال الإمام محمد بن إسحاق بن يسار عن أبيه عن بعض رجال بني النجار: إن أبا أيوب خالد بن زيد الأنصاري قالت له امرأته أم أيوب: يا أبا أيوب أما تسمع ما يقول الناس في عائشة رضي الله عنها؟ قال: نعم، وذلك الكذب، أكنت فاعلة ذلك يا أم أيوب؟ قالت: لا والله ما كنت لأفعله، قال: فعائشة والله خير منك، قال: فلما نزل القرآن، ذكر عز وجل من قال في الفاحشة ما قال من أهل الإفك: {إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُوا بِٱلإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ} وذلك حسان وأصحابه الذين قالوا ما قالوا، ثم قال تعالى: {لَّوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ} الآية، أي: كما قال أبو أيوب وصاحبته. وقال محمد بن عمر الواقدي: حدثني ابن أبي حبيب عن داود بن الحصين عن أبي سفيان مولى أبي أيوب: أن أم أيوب قالت لأبي أيوب: ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ قال: بلى، وذلك الكذب، أفكنت يا أم أيوب فاعلة ذلك؟ قالت: لا والله. قال: فعائشة والله خير منك، فلما نزل القرآن، وذكر أهل الإفك، قال الله عز وجل: {لَّوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُواْ هَـٰذَآ إِفْكٌ مُّبِينٌ} يعني: أبا أيوب حين قال لأم أيوب ما قال، ويقال: إنما قالها أبيّ بن كعب. وقوله تعالى: {ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ} إلخ، أي: هلا ظنوا الخير؟ فإن أم المؤمنين أهله وأولى به. هذا ما يتعلق بالباطن، وقوله: {وَقَالُواْ} أي: بألسنتهم {هَـٰذَآ إِفْكٌ مُّبِينٌ} أي: كذب ظاهر على أم المؤمنين رضي الله عنها، فإن الذي وقع لم يكن ريبة، وذلك أن مجيء أم المؤمنين راكبة جهرة على راحلة صفوان بن المعطل في وقت الظهيرة، والجيش بكماله يشاهدون ذلك، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم، ولو كان هذا الأمر فيه ريبة، لم يكن هكذا جهرة، ولا كانا يقدمان على مثل ذلك على رؤوس الأشهاد، بل كان يكون هذا لو قدر خفية مستوراً، فتعين أن ما جاء به أهل الإفك؛ مما رموا به أم المؤمنين، هو الكذب البحت، والقول الزور، والرعونة الفاحشة الفاجرة، والصفقة الخاسرة، قال الله تعالى: {لَوْلاَ} أي: هلا {جَآءُو عَلَيْهِ} أي: على ما قالوه {بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ} يشهدون على صحة ما جاؤوا به {فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَآءِ فَأُوْلَـٰئِكَ عِندَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْكَـٰذِبُونَ} أي: في حكم الله كذبةٌ فاجرون.
المحلي و السيوطي
تفسير : {لَوْلاَ } هلاّ {إِذْ } حين {سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتُ بِأَنفُسِهِمْ } أي ظنّ بعضهم ببعض {خَيْراً وَقَالُواْ هَٰذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ } كذب بيِّن؟ فيه التفات عن الخطاب أي ظننتم أيها العصبة وقلتم.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {لَّوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ} هلا إذا سمعتم الإِفك. {ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً} فيه وجهان: أحدهما ظن بعضهم ببعض خيراً كما يظنون بأنفسهم. الثاني: ظنواْ بعائشة عفافاً كظنهم بأنفسهم. {إِفْكٌ مُّبِينٌ} أي كذب بيِّن. قوله تعالى: {لَّوْلاَ جَآءُو عَلَيِهِ} أي هلا جاءُوا عليه لو كانوا صادقين. {بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءِ} يشهدون بما قالوه. {فَإِذَا لَمْ يأْتُواْ بِالشُّهَدَآءِ} الآية..
ابن عطية
تفسير : الخطاب بهاتين الآيتين لجميع المؤمنين حاشى من تولى الكبر ويحتمل دخولهم في الخطاب، وفي هذا عتاب للمؤمنين أي كان الإنكار واجباً عليهم، والمعنى أنه كان ينبغي أن يقيس فضلاء المؤمنين والمؤمنات الأمر على أنفسهم وإذا كان ذلك يبعد فيهم فكانوا يقضون بأنه من صفوان وعائشة أبعد لفضلهما، وروي أَن هذا النظر السديد وقع من أَبي أيوب الأنصاري وامرأته، وذلك أنه دخل عليها فقالت له يا أًبا أيوب أسمعت ما قيل؟ فقال نعم وذلك الكذب أكنت أنت يا أم أيوب تفعلين ذلك؟ قالت لا والله، قال فعائشة والله أفضل منك، قالت أم أيوب نعم فهذا الفعل ونحوه هو الذي عاتب الله المؤمنين إذ لم يفعله جميعهم، والضمير في قوله: {جاؤوا} لأولئك الذين تولوا الكبر وإذا كانوا عند الله كذبة فهي الحقيقة فيهم وعند هذا حدوا، ولم يرو في شهير الدواوين أَن عبدالله بن أبي حد، ويشبه ذلك لأَنه لم تقم عليه بالمقالة بينة لنفاقه وتستره، وإنما كان يخوض فيه مع من يذيعه ولا يسأل عن شهادته كما قال عروة أخبرت أَنه كان يقره ويستمعه ويستوشيه. قال الفقيه الإمام القاضي: ولكن النبي عليه السلام استعذر منه على المنبر ووقذه بالقول ووقع في أمره بين الأوس والخزرج ما هو مطول في مسلم في جملة حديث الإفك.
ابن عبد السلام
تفسير : {لَّوْلآ} هَلاَّ {إِذْ سَمِعْتُمُوهُ} أي الإفك {بِأَنفُسِهِمْ} ظن بعضهم ببعض، أو ظنوا بعائشة ـ رضي الله تعالى عنهما ـ كظنهم بأنفسهم {إِفْكٌ مُّبِينٌ} كذب بيِّنٌ، ولم يحد الرسول صلى الله عليه وسلم أحداً من أهل الإفك؛ لأن الحد لا يُقام إلا ببينة أو إقرار ولم ينفذ بإقامته بإخبار الله تعالى كما لا يقتل المنافق بإخباره بنفاقه، أو حدَّ حسان وابن أُبي ومسطحاً وحمنة فيكون العذاب العظيم الحدُّ. وقال فيهم بعض المسلمين: شعر : لقد ذاق حسان الذي كان أهله وحمنة إذ قالوا هجيراً ومسطحُ تعاطوا برجم الغيب زوج نبيهم وسخطة ذي العرش العظيم فأبرحوا وآذوا رسول الله فيها فَجُلِّلُوا مَخازي تبقى عُمِّمُوها وفُضِّحوا كما ابن سلول ذاق في الحد خِزية كما خاض في قول من الإفك يفصح فصبت عليهم مُحصدات كأنها شآبِيبُ مزن من ذُرى المزن تسفحُ تفسير : وقال حسان يعتذر من إفكه: شعر : حصانٌ رزَانٌ ما تُزَنُّ برِيَبةٍ وتُصبحُ غَرثَى من لُحوم الغَوَافِلِ مطهرة قد طيب الله خلقها وطهرها من مكل سوء وباطل عقيلة حي من لؤي بن غالب كرام المساعي مجدهم غير زائل فإن كنت قد قلت الذي قد أتاكم فَلا رَفَعتْ سوطِي إليَّ أَنامِلِي وكيف وَوُدِّي ما حَييتُ ونُصرتي لآل رسول الله زين المحافل وإن الذي قد قيل ليس بلائط ولكنه قول امرىءٍ غير ماحل
النسفي
تفسير : {لَوْلاَ } هلا {إِذْ سَمِعْتُمُوهُ } أي الإفك {ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتُ بِأَنفُسِهِمْ } بالذين منهم فالمؤمنون كنفس واحدة وهو كقوله {أية : وَلاَ تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ } تفسير : [الحجرات: 11] {خَيْرًا} عفافاً وصلاحاً وذلك نحو ما يروى أن عمر رضي الله عنه قال لرسول الله عليه الصلاة والسلام: أنا قاطع بكذب المنافقين لأن الله عصمك من وقوع الذباب على جلدك لأنه يقع على النجاسات فيتلطخ بها، فلما عصمك الله من ذلك القدر من القذر فكيف لا يعصمك عن صحبة من تكون متلطخة بمثل هذه الفاحشة؟ وقال عثمان: إن الله ما أوقع ظلك على الأرض لئلا يضع إنسان قدمه على ذلك الظل، فلما لم يمكن أحداً من وضع القدم على ظلك كيف يمكن أحداً من تلويث عرض زوجتك؟ وكذا قال علي رضي الله عنه: إن جبريل أخبرك أن على نعليك قذراً وأمرك بإخراج النعل عن رجلك بسبب ما التصق به من القذر فكيف لا يأمرك بإخراجها بتقدير أن تكون متلطخة بشيء من الفواحش. وروي أن أبا أيوب الأنصاري قال لامرأته: ألا ترين ما يقال؟ فقالت: لو كنت بدل صفوان أكنت تظن بحرم رسول الله سوءاً؟ فقال: لا. قالت: ولو كنت أنا بدل عائشة ما خنت رسول الله فعائشة خير مني وصفوان خير منك. وإنما عدل عن الخطاب إلى الغيبة وعن الضمير إلى الظاهر ولم يقل «ظننتم بأنفسكم خيراً وقلتم» ليبالغ في التوبيخ بطريق الالتفات، وليدل التصريح بلفظ الإيمان على أن الاشتراك فيه يقتضي أن لا يصدق مؤمن على أخيه ولا مؤمنة على أختها قول عائب ولا طاعن، وهذا من الأدب الحسن الذي قل القائم به والحافظ له، وليتك تجد من يسمع فيسكت ولا يشيع ما سمعه بإخوانه {وَقَالُواْ هَـٰذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ } كذب ظاهر لا يليق بهما.
الخازن
تفسير : قوله عزّ وجلّ: {لولا إذ سمعتموه} يعني الحديث الكذب وهو قول أهل الإفك {ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم} بأخوانهم وأهل دينهم {خيراً} والمعنى كان الواجب على المؤمنين إذ سمعوا قول أهل الإفك أن يكذبوه ويحسنوا الظن ولا يسرعوا في التهمة وقول الزور فيمن عرفوا عفته وطهارته وفيه معاتبة للمؤمنين {وقالوا هذا إفك مبين} يعني كذب بين لا حقيقة له {لولا} يعني هلا {جاؤوا عليه} يعني على ما زعموا {بأربعة شهداء} يعني يشهدون بذلك {فإذا لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله} يعني في حكم الله {هم الكاذبون} وهذا من باب الزواجر. فإن قلت كيف يصيرون عند الله كاذبين إذا لم يأتوا بالشهداء ومن كذب فهو عند الله كاذب سواء أتى بالشهداء أو لم يأت. قلت قيل هذا في حق الذين رموا عائشة خاصة ومعناه فأولئك هم الكاذبون في غيبي. وعلمي وقيل معناه فأولئك عند الله في حكم الكاذبين فإن الكاذب يجب زجره عن الكذب والقاذف إذا لم يأت بالشهود يجب زجره. قوله تعالى {لولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم} معناه لولا أني قضيت أن أتفضل عليكم في الدنيا بضروب النعم التي من جملتها الإمهال للتوبة وأن أترحم عليكم في الآخرة بالعفو والمغفرة لعاجلتكم بالعقاب على ما خضتم به من حديث الإفك والخطاب للقذفة وهذا الفضل هو تأخير العذاب وقبول التوبة ممن تاب {إذ تلقونه بألسنتكم} أي يرويه بعضكم عن بعض وذلك أن الرجل منهم يلقى الرجل فيقول بلغني كذا وكذا فيتلقونه تلقياً يلقيه بعضهم إلى بعض {وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم} أي من غير أن تعلموا أنه حق {وتحسبونه هيناً} أي وتظنون أنه سهل لا إثم فيه {وهو عند الله عظيم} أي في الزور {ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك} قيل هو للتعجب وقيل هو للتنزيه {هذا بهتان عظيم} أي كذب عظيم يبهت ويحير منه عظمه. روي أن أم أيوب الأنصاري قالت لأبي أيوب الأنصاري: ما بلغك ما يقول الناس في عائشة فقال: سبحانك هذا بهتان عظيم فنزلت الآية على وفق قوله {يعظكم الله} قال ابن عباس يحرم الله عليكم وقيل ينهاكم الله {أن تعودوا لمثله أبداً إن كنتم مؤمنين ويبين الله لكم الآيات} أي في الأمر والنهي {والله عليم} أي بأمر عائشة وصفوان {حكيم} أي حكم ببراءتهما. قوله عزّ وجلّ {إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة} أي يظهر الزنا ويذيع {في الذين آمنوا} قيل الآية مخصوصة بمن قذف عائشة والمراد بالذين آمنوا جميع المؤمنين {لهم عذاب أليم في الدنيا} يعني الحد والذم على فعله {والآخرة} أي وفي الآخرة لهم النار {والله يعلم} أي كذبهم وبراءة عائشة وما خاضوا فيه من سخط الله {وأنتم لا تعلمون} وقيل معناه يعلم ما في قلب من يحب أن تشيع الفاحشة فيجازيه على ذلك وأنتم لا تعلمون ذلك {ولولا فضل الله عليكم ورحمته} يعني لولا إنعامه عليكم لعاجلكم بالعقوبة قال ابن عباس يريد مسطحاً وحسان بن ثابت وحمنة {وأن الله رؤوف رحيم}. قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان} يعني آثاره ومسالكه {ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر} يعني بالقبائح من الأقوال والأفعال وكل ما يكره الله عزّ وجلّ والآية عامة في حق كل أحد لأن كل مكلف ممنوع من ذلك {ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبداً} يعني ما طهر ولا صلح والآية عند بعض المفسرين على العموم قالوا أخبر الله تعالى أنه لولا فضله ورحمته بالعصمة ما صلح منكم أحد وقيل الخطاب للذين خاضوا في الإفك ومعناه ما طهر من هذا الذنب ولا صلح أمره بعد الذي فعل. وهذا قول ابن عباس قال معناه ما قبل توبة أحد منكم أبداً {ولكن الله يزكي} يعني يظهر {من يشاء} من الذنب بالرحمة والمغفرة {والله سميع} يعني لأقوالكم {عليم} يعني بما في قولكم.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {لَّوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ} "لَوْلاَ" هذه تحضيضية، أي: هَلاَّ، وذلك كثير في اللغة إذا كانت تلي الفعل كقوله: {أية : لَوْلاَ أَخَّرْتَنِي}تفسير : [المنافقون: 10] وقوله: {أية : فَلَوْلاَ كَانَتْ} تفسير : [يونس: 98]. فأما إذا ولي الاسم فليس كذلك كقوله: {أية : لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ} تفسير : [سبأ: 31]، {أية : وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} تفسير : [النساء: 83]. و"إذْ" منصوب بـ "ظَنَّ" والتقدير: لولا ظَنَّ المؤمنون بأنفسهم إذ سَمِعْتُمُوه. وفي هذا الكلام التفات. قال الزمخشري: فإن قلت: هلا قيل: لولا إذ سمعتموه، ظننتم بأنفسكم خيراً وقلتم، ولِمَ عَدَل عن الخطاب إلى الغيبة وعن الضمير إلى الظاهر؟ قلت: ليبالغ في التوبيخ بطريقة الالتفات، وليصرح بلفظ الإيمان دلالة على أن الاشتراك فيه مقتض ألا يصدق (أحد قالةً في أخيه، وألا يظن بالمسلمين إلا خيراً). وقوله: "وَلِمَ عدل عن الخطاب"؟ يعني في قوله: "وَقَالُوا" فإنه كان الأصل: "وقلتم"، فعدل عن هذا الخطاب إلى الغيبة في "وَقَالُوا". وقوله: "وعن الضمير" يعني أن الأصل كان "ظَنَنْتُمْ" فعدل عن ضمير الخطاب إلى لفظ المؤمنين. فصل المعنى: هلاَّ {إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ} بإخوانهم "خَيْراً". وقال الحسن: بأهل دينهم، لأن المؤمنين كنفس واحدة، كقوله: {أية : وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ} تفسير : [النساء: 29] {أية : فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ} تفسير : [النور: 61] المعنى: بأمثالكم المؤمنين. وقيل: جعل المؤمنين كالنفس الواحدة فيما يجري عليها من الأمور، فإذا جرى على أحدهم مكروه فكأنه جرى على جميعهم، كما قال عليه السلام "حديث : مَثَلُ المُسْلِمينَ في تَوَاصُلِهِمْ وتراحُمِهِمْ كمثل الجَسَد إذا وجع بعضه وجع كله بالسَّهر والحُمَّى"تفسير : وقال عليه السلام: "حديث : المؤمنُون كالبُنْيَانِ يشدُّ بَعْضُهُ بَعْضاً ". تفسير : وقوله: {هَـٰذَآ إِفْكٌ مُّبِينٌ} أي: كذب بين.
البقاعي
تفسير : ولما أخبر سبحانه وتعالى بعقابهم، وكان من المؤمنين من سمعه فسكت، وفيهم من سمعه فتحدث به متعجباً من قائله، أو مستثبتاً في أمره، ومنهم من كذبه، أتبعه سبحانه بعتابهم، في أسلوب خطابهم، مثنياً على من كذبه، فقال مستأنفاً محرضاً: {لولا} أي هلا ولم لا {إذ سمعتموه} أيها المدعون للإيمان. ولما كان هذا الإفك قد تمالأ عليه رجال ونساء قال: {ظن المؤمنون} أي منكم {والمؤمنات} وكان الأصل: ظننتم، ولكنه التفت إلى الغيبة تنبيهاً على التوبيخ، وصرح بالنساء، ونبه على الوصف المقتضي لحسن الظن تخويفاً للذي ظن السوء من سوء الخاتمة: {بأنفسهم} حقيقة {خيراً} وهم دون من كذب عليها، فقطعوا ببراءتها لأن الإنسان لا يظن بالناس إلا ما هو متصف به أو بإخوانهم، لأن المؤمنين كالجسد الواحد، أو ظنوا ما يظن بالرجل لو خلا بأمه، وبالمرأة إذا خلت بابنها، فإن نساء النبي صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين {وقالوا هذا إفك} أي كذب عظيم خلف منكب على وجهه {مبين*} أي واضح في نفسه، موضح لغيره، وبيانه وظهوره أن المرتاب يكاد يقول: خذوني فهو يسعى في التستر جهده، فإتيان صفوان بعائشة رضي الله عنها راكبة على جملة داخلاً به الجيش في نحر الظهيرة والناس كلهم يشاهدون ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم ينزل عليه الوحي، إدلالاً بحسن عمله، غافلاً عما يظن به أهل الريب، أدل دليل على البراءة وكذب القاذفين، ولو كان هناك أدنى ريبة لجاء كل منهما وحده على وجه من التستر والذعر، تعرف به خيانته، فالأمور تذاق، ولا يظن الإنسان بالناس إلا ما في نفسه، ولقد عمل أبو أيوب الأنصاري وصاحبته رضي الله عنهما بما أشارت إليه هذه الآية؛ قال ابن اسحاق: حدثني أبي إسحاق بن يسار عن بعض رجال بني النجار أن أبا أيوب خالد بن زيد رضي الله عنه قالت له امرأته أم أيوب: يا أبا أيوب ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة رضي الله عنها؟ قال: بلى وذلك كذب، أكنت يا أم أيوب فاعلة؟ قالت لا والله ما كنت لأفعله، قال: فعائشة والله خير منك. وروى البغوي أنه قال: سبحانك هذا بهتان عظيم، فنزلت الآية على وفق قوله رضي الله عنه. ثم علل سبحانه بيان كذب الآفكين بأن قال موبخاً لمن اختلقه وأذاعه ملقناً لمن ندبه إلى ظن الخير: {لولا} أي هلا ولم لا {جاءو} أي المفترون له أولاً {عليه} إن كانوا صادقين {بأربعة شهداء} كما تقدم أن القذف لا يباح إلا بها. ولما تسبب عن كونهم لم يأتوا بالشهداء كذبهم قال: {فإذ} أي فحين {لم يأتوا بالشهداء} أي الموصوفين {فأولئك} أي البعداء من الصواب {عند الله} أي في حكم الملك الأعلى، بل وفي هذه الواقعة بخصوصها في علمه {هم الكاذبون*} أي الكذب العظيم ظاهراً وباطناً. ولما بين لهم بإقامة الدليل على كذب الخائضين في هذا الكلام أنهم استحقوا الملام، وكان ذلك مرغباً لأهل التقوى، بين أنهم استحقوا بالتقصير في الإنكار عموم الانتقام في سياق مبشر بالعفو، فقال عاطفاً على {ولولا} الماضية: {ولولا فضل الله} أي المحيط بصفات الكمال {عليكم ورحمته} أي معاملته لكم بمزيد الإنعام، الناظر إلى الفضل والإكرام، اللازم للرحمة {في الدنيا} بقبول التوبة والمعاملة بالحلم {والآخرة} بالعفو عمن يريد أن يعفو عنه منكم {لمسكم} أي عاجلاً عموماً {في ما أفضتم} أي اندفعتم على أي وجه كان {فيه} بعضكم حقيقة، وبعضكم مجازاً بعدم الإنكار {عذاب عظيم*} أي يحتقر معه اللوم والجلد، بأن يهلك فيتصل به عذاب الآخرة؛ ثم بين وقت حلوله وزمان تعجيله بقوله: {إذ} أي مسكم حين {تلقونه} أي تجتهدون في تلقي أي قبول هذا الكلام الفاحش وإلقائه {بألسنتكم} بإشاعة البعض وسؤال آخرين وسكوت آخرين {وتقولون} وقوله: {بأفواهكم} تصوير لمزيد قبحه، وإشارة إلى أنه قول لا حقيقة له، فلا يمكن ارتسامه في القلب بنوع دليل؛ وأكد هذا المعنى بقوله: {ما ليس لكم به علم} أي بوجه من الوجوه، وتنكيره للتحقير {وتحسبونه} بدليل سكوتكم عن إنكاره {هيناً وهو} أي والحال أنه {عند الله} أي الذي لا يبلغ أحد مقدار عظمته {عظيم*} أي في حد ذاته ولو كان في غير أم المؤمنين رضي الله عنها، فكيف وهو في جنابها المصون، وهي زوجة خاتم الأنبياء وإمام المرسلين عليه أفضل الصلاة وأفضل التسليم. ولما بين فحشه وشناعته، وقبحه وفظاعته، عطف على التأديب الأول في قوله {لولا إذ سمعتموه} تأديباً فقال: {ولولا إذ} أي وهلا حين {سمعتموه قلتم} أي حين السماع من غير توقف ولا تلعثم، وفصل بين آلة التحضيض والقول المحضض عليه بالظرف لأن الظروف تنزل من الشيء منزلة نفسه لوقوعه فيها، وأنها لا انفكاك لها عنه، ولأن ذكره منبه على الاهتمام به لوجوب المبادرة إلى المحضض عليه: {ما يكون} أي ما ينبغي وما يصح {لنا أن نتكلم} حقيقة بالنطق ولا مجازاً بالسكوت عن الإنكار {بهذا} أي بمثله في حق أدنى الناس فكيف بمن اختارها العليم الحكيم لصحبة أكمل الخلق، ثم دللتم على شدة نفرتكم منه بأن وصلتم بهذا النفي قولكم: {سبحانك} تعجباً من أن يخطر بالبال، في حال من الأحوال. ولما كان تنزيه الله تعالى في مثل ذلك وإن كان للتعجب إشارة إلى تنزيه المقام الذي وقع فيه التعجب تنزيها عظيماً، حسن أن يوصل بذلك قوله تعليلاً للتعجب والنفي: {هذا بهتان} أي كذب يبهت من يواجه به، ويحيره لشدة ما يفعل في القوى الباطنة، لأنه في غاية الغفلة عنه لكونه أبعد الناس منه؛ ثم هوله بقوله: {عظيم*} والمراد أن الذي ينبغي للإنسان أولاً أن لا يظن بإخوانه المؤمنين ولا يسمع فيهم إلا خيراً، فإن غلبه الشيطان وارتسم شيء من ذلك في ذهنه فلا يتكلم به، ويبادر إلى تكذيبه.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن إسحق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن بعض الأنصار أن امرأة أبي أيوب قالت له حين قال أهل الإِفك ما قالوا: ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ قال: بلى وذلك الكذب أكنت أنت فاعلة ذلك يا أم أيوب؟ قالت: لا والله قال: فعائشة والله خير منك وأطيب، إنما هذا كذب وإفك باطل، فلما نزل القرآن ذكر الله من قال من الفاحشة ما قال من أهل الافك، ثم قال {ولولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً وقالوا هذا إفك مبين} أي كما قال أبو أيوب وصاحبته. وأخرج الواحدي وابن عساكر والحاكم عن أفلح مولى أبي أيوب أن أم أيوب قالت: ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ قال: بلى وذلك الكذب أفكنت يا أم أيوب فاعلة ذلك؟ قالت: لا والله قال: فعائشة والله خير منك. فلما نزل القرآن، وذكر أهل الافك قال الله {لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات}.
ابو السعود
تفسير : {لَّوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ} تلوينٌ للخطاب وصرفٌ له عن رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وذويهِ إلى الخائضينَ بطريق الالتفاتِ لتشديد ما في لولا التَّحضيضيةِ من التَّوبـيخِ ثمَّ العدول عنه إلى الغيبةِ في قوله تعالى: {ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً} لتأكيدِ التَّوبـيخِ والتَّشنيعِ لكنْ لا بطريقِ الإعراضِ عنهم وحكايةِ جناياتهم لغيرهم على وجهِ المُباثَّةِ بل بالتَّوسلِ بذلكَ إلى وصفهم بما يوجبُ الإتيانَ بالمحضض عليه ويقتضيهِ اقتضاءً تامًّا ويزجرُهم عن ضدِّه زَجْراً بليغاً فإنَّ كونَ وصفِ الإيمانِ ممَّا يحملُهم على إحسان الظَّنِّ ويكفُّهم عن إساءته بأنفسِهم أي بأبناءِ جنسِهم النَّازلين منزلة أنفسهم كقولهِ تعالى: { أية : ثُمَّ أَنتُمْ هَـٰؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ} تفسير : [البقرة: 85] وقوله تعالى: { أية : وَلاَ تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ} تفسير : [الحجرات: 11] ممَّا لا ريبَ فيه فإخلالهُم بموجب ذلك الوصفِ أقبحُ وأشنعُ والتَّوبـيخُ عليه أدخلُ مع ما فيه من التَّوسل به إلى التَّصريحِ بتوبـيخ الخائضاتِ ثمَّ إنْ كان المرادُ بالإيمان الإيمانَ الحقيقيَّ فإيجابُه لما ذُكر واضحٌ والتَّوبـيخُ خاصٌّ بالمؤمنينَ وإن كان مطلقَ الإيمانِ الشَّاملِ لما يُظهره المنافقون أيضاً فإيجابُه له من حيثُ أنَّهم كانُوا يحترزون عن إظهارِ ما يُنافي مُدَّعاهم فالتَّوبـيخُ حينئذٍ متوجِّهٌ إلى الكلِّ، وتوسيطُ الظَّرفِ بـينَ لولا وفعلِها لتخصيصِ التَّحضيضِ بأولِ زمانِ سماعهم، وقصرُ التَّوبـيخِ على تأخيرِ الإتيانِ بالمحضَّضِ عليه عن ذلك الآنَ والتَّردد فيه ليفيدَ أنَّ عدمَ الإتيانِ به رأساً في غاية ما يكونُ من القباحةِ والشَّناعةِ أي كان الواجبُ أنْ يظنَّ المؤمنونَ والمؤمناتُ أول ما سمعوه ممَّن اخترعَه بالذَّاتِ أو بالواسطةِ من غيرِ تلعثُمٍ وترددٍ بمثلِهم من آحادِ المؤمنينَ خيراً {وَقَالُواْ} في ذلكَ الآنَ {هَـٰذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ} أي ظاهرٌ مكشوفٌ كونُه إفكاً فكيفَ بالصِّدِّيقةِ ابنةِ الصِّدِّيقِ أمِّ المؤمنينَ حُرمةِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. {لَّوْلاَ جَاءو عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء} إما من تمامِ القولِ المُحضَّضِ عليهِ مسوقٌ لحثِّ السامعينَ على إلزامِ المسمِّعين وتكذيبهم إثرَ تكذيبِ ما سمعُوه منهم بقولهم هذا إفكٌ مبـينٌ وتوبـيخهم على تركه أي هلاَّ جاءَ الخائضونَ بأربعةِ شُهداءَ يشهدُون على ما قالُوا {فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ} بهم وإنَّما قيل {بِالشُّهَدَاء} لزيادة التَّقريرِ {فَأُوْلَـئِكَ} إشارةٌ إلى الخائضينَ وما فيه من معنى البُعد للإيذان بغلوهم في الفسادِ وبُعد منزلتهم في الشَّرِّ أي أولئك المُفسدون {عَندَ ٱللَّهِ} أي في حُكمهِ وشَرْعه المؤسَّسِ على الدَّلائلِ الظَّاهرةِ المتقنةِ {هُمُ ٱلْكَـٰذِبُونَ} الكاملونَ في الكذب المشهودُ عليهم بذلك المستحقُّون لإطلاقِ الاسمِ عليهم دُونَ غيرهم ولذلك رُتِّب عليه الحدُّ خاصَّة، وإما كلامُ مبتدأٌ مسوقٌ من جهته تعالى للاحتجاج على كذبهم بكونِ ما قالُوه قولاً لا يساعدُه الدَّليلُ أصلاً.
القشيري
تفسير : عاتبهم على المبادرة إلى الاعتراض وبَسْطِ ألسنتهم بالسوء عنها، وتَرْكِهم الإعراض عن حُرَم النبي صلى الله عليه وسلم. ثم قال: وهلاَّ جاءوا على ما قالوا بالشهداء؟ وإذا لم يجدوا ذلك فَهَلاَّ سكتُوا عن بَسْطِ اللسان؟.
اسماعيل حقي
تفسير : {لولا} تخضيضية بمعنى هلا: وبالفارسية [جرا] ومعناها اذا دخلت على الماضى التوبيخ واللوم عل ترك الفعل اذ لا يتصور فى الماضى واذا دخلت على المضارع فمعناها الحض على الفعل والطلب له فهى فى المضارع بمعنى الامر {اذ سمعتموه} ايها الخائضون اى الشارعون فى القول الباطل {ظن المؤمنون والمؤمنات بانفسهم خيرا} عدول الى الغيبة لتأكيد التوبيخ فان مقتضى الايمان الظن بالمؤمن خيرا وذب الطاعنين فيه فمن ترك هذا الظن والذب فقد ترك العمل بمقتضى الايمان والمراد بانفسهم ابناء جنسهم النازلون منزلة انفسهم كقوله تعالى {أية : ولا تلمزوا انفسكم}تفسير : فان المراد لا يعيب بعضكم بعضا فان المؤمنين كنفس واحدة اذ كان الواجب ان يظن المؤمنين والمؤمنات اول ماسمعوه ممن اخترع بالذات او بالواسطة من غير تلعثم وتردد بمثلهم من آحاد المؤمنين خيرا {وقالوا} فى ذلك الآن {هذا} [اين سخن] {افك مبين} اى ظاهر مكشوف كونه افكا فكيف بالصديقة بن الصديق ام المؤمنين حرم رسول الله: يعنى حق سبحانه [ازواج بيغمبر نكاه ميدارد ازمثل اين حالها بتعظيم وتكريم ايشان].
ابن عجيبة
تفسير : قلت: قال ابن هشام: وقد يلي حرف التخصيص اسم معلق بفعل، إما بمضمر، نحو: "فهَلاَّ بكْراً تُلاعِبُها وتُلاعِبُك" أي: فهلا تزوجت، أو مؤخراً نحو: (لولا إذ سمعتموه قلتم..) أي: فهلا قلتم إذ سمعتموه. هـ. وإليه أشار في الخلاصة بقوله: شعر : وَقَدْ يَلِيهَا اسْمٌ بِفِعْلِ مُضْمَرِ عُلِّقَ أَوْ بِظاَهِرٍ مُؤَخَّرِ تفسير : يقول الحق جل جلاله: {لولا إذْ سمعتموه} أي: الإفك {ظنَّ المؤمنون والمؤمناتُ بأنفسهم خيراً} بالذين هم منهم؛ لأن المؤمنين كنفس واحدة، كقوله: {أية : وَلاَ تَلْمِزُوۤاْ أَنفُسَكُمْ}تفسير : [الحجرات: 11] أي: هلا ظنوا بإخوانهم خيراً: عَفَافاً وصلاحاً، وذلك نحو ما يُروى عن عمر رضي الله عنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنا قاطع بكذب المنافقين؛ لأن الله تعالى عصمك عن وقوع الذباب على جلدك، لئلا يقع على النجاسات فَتُلَطَّخَ بها، فإذا عصمك من ذلك فكيف لا يعصمك من صحبة من تكون ملطخة بهذه الفاحشة)!. وقال عثمان رضي الله عنه: (ما أوقع ظلك على الأرض؛ لئلا يضع إنسان قدمه عليه؛ فلَمَّا لم يُمكِّن أحداً من وضع القدم على ظلك، فكيف يُمكِّن أحداً من تلويث عرض زوجتك!). وكذا قال عليّ رضي الله عنه: (إن جبريل أخبرك أنَّ على نَعْلِك قذراً، وأمرك بإخراج النعل عن رجلك، بسبب ما التصق به من القذر، فكيف لا يأمرك بإخراجها، على تقدير أن تكون متلطخة بشيء من الفواحش)؟ قال النسفي. وروي أن أبا أيوب الأنصاري قال لامرأته: ألا ترين ما يقال في عائشة؟ فقالت: لو كُنْتَ بدل صفوان أَكُنْتَ تخُون رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: لا، قالت: ولو كنتُ أنا بدل عائشة مَا خُنْتُ رسول الله، فعائشة خير مني، وصفوان خير منك. وفي رواية ابن إسحاق: قالت زوجة أبي أيوب لأبي أيوب: ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ قال: بلى، وذلك الكذب. أَكُنْتِ فاعلة ذلك يا أم أيوب؟ قالت: لا والله، فقال: عائشة خير منك، سبحان الله، هذا بهتان عظيم، فنزل: {لَّوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ}... الآية. وإنما عدل عن الخطاب إلى الغيبة، وعن الضمير الظاهر، ولم يقل: ظننتم بأنفسكم خيراً، وقلتم؛ ليبالغ في التوبيخ بطرق الالتفات، وليدل التصريح بلفظ الإيمان على أن المؤمن لا يسيء الظن بأحد من المؤمنين. {وقالوا} عند سماع هذه الفرية: {هذا إفكٌ مبين}؛ كذب ظاهر لا يليق بمنصب الصدّيقة بنت الصدّيق. {لولا جاؤوا عليه بأربعةِ شهداءَ}؛ هلاَّ جاء الخائضون بأربعة شهداء على ما قالوا {فإِذْ لم يأتوا بالشهداءَ}، ولم يقل: "بهم"؛ لزيادة التقرير، {فأولئك} الخائضون {عند الله} أي: في حُكمه وشرعه {هم الكاذبون}؛ الكاملون في الكذب، المستحقون لإطلاق هذا الاسم عليهم دون غيرهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: حُسن الظن بعباد الله من أفضل الخصال عند الله، ولا سيما ما فيه حرمة من حُرَم الله. قال القشيري على الآية: عاتبهم على المبادرة إلى الاعتراض وتَرْكِ الإعراضِ عن حُرمة بيت نبيهم. ثم قال: وسبيلُ المؤمن ألا يستصغر في الوفاق طاعة، ولا في الخلاف زَلَّةً، فإِنَّ تعظيمَ الأمْرِ بتعظيم الآمرِ، وإن الله لينتقم لأوليائه ما لا ينتقم لنفسه، ولا سيما ما تعلق به حق الرسول - عليه الصلاة والسلام - فذلك أعظم عند الله، ولذلك بالغ في التوبيخ على ما أقدموا عليه، مما تأذى به الرسول، وقلوب آل الصدِّيق، وقلوب المخلصين من المؤمنين. هـ. ثم قال تعالى: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ...}
الجنابذي
تفسير : {لَّوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً} عدل عن الخطاب الى الغيبة اشعاراً بانّ الايمان يقتضى ظنّ الخير بالمؤمن فانّ الايمان الّذى بمعنى الاسلام يقتضى التّسليم وعدم الاستبداد بالرّأى وعدم التّفوّه بما يقتضيه الهوى وظنّ التّسليم والانقياد بالمؤمنين ومع ظنّ التّسليم بالمؤمن لا يبقى ظنّ اتّباع الهوى والفاحشة به، وقدّم الظّرف لانّ المقصود التّوبيخ على عدم ظنّ الخير حين سماع الافك والتّحضيض على ظنّ الخير حينئذٍ والاّ ففى غير زمان الافك يكون ظنّ الخير مسلّماً مفروغاً عنه، والمراد من المؤمنين والمؤمنات صفوان وعائشة او مارية وجريح، او المراد جملة المؤمنين والمراد من انفسهم من ذكر لكنّه ادّاهم بقوله بأنفسهم للاشعار بانّ المؤمنين ينبغى ان يكون كلّ بمنزلة نفس الآخر {وَقَالُواْ} عطف على ظنّ المؤمنين {هَـٰذَآ إِفْكٌ مُّبِينٌ لَّوْلاَ جَآءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَآءِ فَأُوْلَـٰئِكَ عِندَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ} وهذا من جملة مقول القول او ابتداء كلام من الله واشارة الى انّ المدّعى اذا لم يكن عليه البيّنة المعتبرة فيه مكذّب عند الله ويترتّب عليه حكم الكذب.
الأعقم
تفسير : {لولا إذ سمعتموه} أي هلاَّ {ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً} يعني بإخوانهم، وروي أن أبا أيوب الأنصاري قال لأم أيوب: ألا ترين ما يقال؟ فقالت: لو كنتَ بدل صفوان: أكنتَ تظن بحرمة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) شراً؟ فقال: لا، قالت: ولو كنتُ بدل عائشة ما خنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فعائشة خير مني وصفوان خير منك فنزلت {لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء} أي هلاّ جاؤوا عليه بأربعة شهداء يشهدون بصدقه {فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون} {ولولا فضل الله عليكم ورحمته} يعني لولا فضله عليكم بإمهالكم بعد استحقاق العذاب لسو {في الدنيا} بالعفو عنكم {والآخرة} لمسكم {فيما أفضتم فيه عذاب عظيم} فيما خضتم فيه من الافك {إذ تلقونه} يأخذه بعضكم من بعض، يقال: تلقى القول وتلقيه من غير دليل، ولذلك أضيف إلى اللسان أو يرونه بعضكم بعضاً، وقيل: تشرعون فيه {وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم} يعني تكلمون بما تريدون من غير حقيقة {وتحسبونه هيناً} سهلاً خفيفاً عنكم {وهو عند الله عظيم} أي كبير، وعن بعضهم أنه جرح عند الموت فقيل له، فقال: أخاف ذنباً لم يكن مني على بال وهو عند الله عظيم، وفي كلام بعضهم: لا تقولن لشيء من سيئاتك حقير فلعله عند الله عظيم محله وهو عندك نقير، وهو عند الله عظيم لأنه قذف محصنة وهي زوجة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ونال المسلمون من ذلك ما نال فعظم عند الله، ثم بيّن تعالى تمام قصة عائشة فقال سبحانه: {ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون} ما ينبغي {لنا أن نتكلم بهذا} وما يصح لنا {سبحانك هذا بهتان عظيم} لا يأمن كونه كذباً، وكان ينبغي لكم إذا سمعتم ذلك ألا تكلموا فيه حرمة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) {يعظكم الله} أي ينهاكم ويزجركم أن تعودوا، وقيل: {يعظكم} لكيلا {تعودوا لمثله} أي مثل الافك {أبداً إن كنتم مؤمنين} يعني من شرط الإِيمان ترك هذه النميمة {ويبيّن الله لكم الآيات} الشرائع والأحكام، وقيل: الأدلة {والله عليم} بمصالح عباده {حكيم} فيما يأمر وينهى {إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة} أي تظهر وتفشو، الفاحشة الزنا والقبائح {في الذين آمنوا لهم عذاب أليم} موجع {في الدنيا} بالحدّ واللعن {والآخرة} عذاب النار، {والله يعلم} ما في القلوب من الأسرار والضمائر {وأنتم لا تعلمون} ذلك، وقيل: يعلم من يستحق العقاب {ولولا فضل الله عليكم ورحمته} لعجل لكم العذاب.
الهواري
تفسير : قوله: {لَّوْلآ} أي: هلاّ {إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً} أي: بإخوانهم خيراً كما كانوا يظنّون بأنفسهم. أي: لو كانوا مكان صفوان ما كان منهم إلا خير. أي: فليظنّ المسلم بأخيه ما يظنّ بنفسه. فهذا عظة وأدب للمؤمنين قائمان إلى يوم القيامة، إن اتَّعَظُوا بعظة الله، وتأدّبوا بأدب الله الذي أمرهم به، وتقدّم إليهم فيه. قال: {وَقَالُوا هذَآ إِفْكٌ مُّبِينٌ} أي: كذب بيّن. أي: هلاّ ظنّوا بانفسهم خيراً، وهلاّ قالوا: هذا إفك مبين، أي: ما خاض فيه القوم. ثم قال: {لَّوْلاَ} أي: هلاّ {جَآءُو عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ} أي: إن كانوا صادقين، وليسوا بصادقين. {فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَآءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللهِ هُمُ الكَاذِبُونَ}. قوله: {وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} فضل الله الإِسلام ورحمته القرآن. {لَمَسَّكُمْ فِي مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} في الدنيا والآخرة. والإِفاضة فيه ما كان يلقى الرجل أخاه فيقول: أما بلغك من أمر عائشة وصفوان. قوله: {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ} أي: يرويه بعضكم عن بعض {وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ}. ذكروا عن الحسن أنه قال: القذف قذفان: أحدهما أن تقول: إن فلانة زانية، فهذا فيه الحدّ. والآخر أن تقول: قال الناس إن فلانة زانية، فليس في هذا حد. قوله: {وَلَوْلآ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَآ} [أي: لا ينبغي لنا] {أَن نَّتَكلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} أي: كذب عظيم. وإذا عظّم الله شيئاً فهو عظيم. ثم قال: {يَعِظُكُمُ اللهُ} [أي: ينهاكم الله] {أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} فاتّعظوا بعظة الله فيما وعظكم، وتأدَّبوا بأدب الله فيما أدّبكم. {وَيُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الأَيَاتِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} أي: عليم بخلقه، حكيم في أمره.
اطفيش
تفسير : {لَّوْلآ} قال القاضي حرف تحضيض داخلة على قوله ظن المؤمنون لكن فصل بينهما (باذ) متعلقة بظن {إِذْ} حين {سَمِعْتُمُوهُ} اي الافك وجاز الفصل بين لولا والفعل وهو ظن بالظرف لان منزل منزلته من حيث انه لا ينفك عنه ولذلك يتسع فيه ما لا يتسع في غيره وذلك لان ذكر الظرف اهم فان التحضيض على ان لا يخلو باول ظن الخير. قلت الظاهر انها حرف توبيخ وتنديم وهي مختصة بالماضي فصلت عنه بالظرف كما مر لا حرف تحضيض لان التحضيضية تختص بالمضارع وبالماضي الذي بمعناه لان التحضيض انما يكون على شيء مستقبل ولعله قال حرف تحضيض لان التوبيخ على واقع تحضيض على مستقبل {ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرَاً} المؤمنون والمؤمنات اسمان ظاهران من قبيل الغيبة وهما والتاء الخطابية في سمعتموه لمسعى واحد ففي ذلك التفات من الخطاب إلى الغيبة ووضع الظاهر موضع المضمر والاصل ظننتم بانفسكم خيرا ونكته الالتفات التوبيخ بطريق الالتفات ونكته وضع الظاهر موضع المضمر التصريح بلفظ الايمان الدال على الاشتراك في الايمان مقتضاه ان لا يصدق مؤمن على اخيه أو اخته ولا مؤمنة على اختها أو اخيها قول عائب ولا طاعن ومن صدق قائلا على اخيه فكأنه صدقه على نفسه فان المؤمنين كنفس واحدة ولذا قال بانفسهم لكن المراد بالذين منهم من المؤمنين والمؤمنات كأنه قيل ظن بعضهم ببعض خيرا. قال ابو ايوب الانصاري - رضي الله عنه -: لزوجته ام ايوب الا ترين ما يقال فقالت: لو كنت بدل صفوان اكنت تفعل بحرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم سواء. قال: لا. قالت: ولو كنت انا بدل عائشة ما خنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعائشة خير مني وصفوان خير منك. وفي رواية ان ام ايوب دخلت على ابي ايوب. فقالت: اسمعت ما قيل. فقال: اتفعلن ذلك. قالت: لا. قال: فعائشة خير منك. قالت: نعم * {وَقَالُوا هَذَآ إِفْكٌ مُّبِينٌ} كذب عظيم واضح لا يشوبه شيء ما من الصدق والعطف على{أية : ظن المؤمنون}تفسير : الخ فالتوبيخ والتنديم متسلطان عليه ايضا وفيه تنبيه على انه حق على المؤمن إذا سمع قولا في اخيه ان يقول بملأ فيه هذا الذي قيل فيه افك مبين تصريحا ببراءة ساحته كما انه حق عليه إذا سمع ان يظن فيه خيرا ولا يشك في الشر ويذب عنه كما يذب عن نفسه وينفي عنه السوء كما ينفي المتيقن المطلع على الحال وهذا ادب حسن قل القائم في الازمنة الماضية وكان منقطع في هذا الزمان وليتنا وجدنا من يسمع ولا يفشي بل ليتنا وجدنا ابن يسمع ويحكي على لسان غيره بان يقول قال فلان في فلان كذا.
اطفيش
تفسير : {لولا} تحضيض {إذ} متعلق بظن بعده {سَمعتموه} أى الإفك أو الكلام الذى فى نفس الأمر إفك، وهو أولى لأنه لا يحقق أنه إفك إلا بعد إخباره تعالى والخطاب لمطلق المؤمنين أو الخائضين غير الذى تولى كبره {ظنَّ المؤمنون والمؤمنات} لم يقل ظننتم، لينبههم بأن الايمان مانع عن التوقف عن السرعة الى رد الإفك كما قال {بأنفسهم} تنبيها على أن قذف المؤمن والمؤمنة قذف أنفسهم، كما قال: "أية : ولا تلمزوا أنفسكم"تفسير : [الحجرات: 11] وقال: "أية : تقتلون أنفسكم"تفسير : [البقرة: 85] فى بعض أوجه الآيتين {خَيراً} براءة من السوء، وذلك أبلغ من تقدير بمثل أنفسهم، وقيل أنفسهم عائشة وصفوان. {وقالوا هذا إفكٌ مُبينٌ} ظاهر لا يتصور فى شأن زوج خير الخلق على الاطلاق، بنت خير الخلق بعد الأنبياء وصحبه صلى الله عليه وسلم فى الهجرة، وذكر فى قوله عز وجل: "أية : ثانى اثنين إذ هما فى الغار"تفسير : [التوبة: 40] ولوجوب سلامة النبوة عما ينفر عن الاتباع.
الالوسي
تفسير : {لَّوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ } التفات إلى خطاب الخائضين ما عدا من تولى كبره منهم، واستظهر أبو حيان كون الخطاب للمؤمنين دونه، واختير الخطاب لتشديد ما في لولا التحضيضية من التوبيخ، ولتأكيد التوبيخ عدل إلى الغيبة في قوله تعالى: {ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتُ بأَنفُسهم خَيْرًا } لكن لا بطريق الإعراض عن المخاطبين وحكاية جناياتهم لغيرهم بل بالتوسل بذلك إلى وصفهم بما يوجب الإتيان بالمحضض عليه ويقتضيه اقتضاء تاماً ويزجرهم عن ضده زجراً بليغا وهو الإيمان وكونه مما يحملهم على إحسان الظن ويكفهم عن إساءته بأنفسهم أي بأبناء جنسهم وأهل ملتهم النازلين منزلة أنفسهم كقوله تعالى: { أية : وَلاَ تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ } تفسير : [الحجرات: 11] وقوله سبحانه: { أية : ثُمَّ أَنتُمْ هَـٰؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ } تفسير : [البقرة: 85] ولا حاجة إلى تقدير مضاف أي ظن بعض المؤمنين والمؤمنات بأنفس بعضهم الآخر وإن قيل بجوازه مما لا ريب فيه فإخلالهم بموجب ذلك الوصف أقبح وأشنع والتوبيخ عليه أدخل مع ما فيه من التوسل به إلى توبيخ الخائضات والمشهور منهن حمنة؛ ثم إن كان المراد بالإيمان الإيمان الحقيقي فإيجابه لما ذكر واضح والتوبيخ خاص بالمتصفين به، وإن كان مطلق الإيمان الشامل لما يظهره المنافقون أيضاً فإيجابه له من حيث إنهم كانوا يحترزون عن إظهار ما ينافي مدعاهم فالتوبيخ حينئذ متوجه إلى الكل، والنكتة في توسيط معمول الفعل المحضض عليه بينه وبين أداة التحضيض وإن جاز ذلك مطلقاً أي سواء كان المعمول الموسط ظرفاً أو غيره تخصيص التحضيض بأول وقت السماع وقصر التوبيخ واللوم على تأخير الإتيان بالمحضض عليه عن ذلك الآن والتردد فيه ليفيد أن عدم الإتيان به رأساً في غاية ما يكون من القباحة والشناعة أي كان الواجب على المؤمنين والمؤمنات أن يظنوا أول ما سمعوا ذلك الإفك ممن اخترعه بالذات أو بالواسطة من غير تلعثم وتردد بأهل ملتهم من آحاد المؤمنين والمؤمنات خيراً. {وَقَالُواْ } في ذلك الآن {هَـٰذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ } أي ظاهر مكشوف كونه إفكاً فكيف بأم المؤمنين حليلة رسول الله صلى الله عليه وسلم بنت المهاجرين رضي الله تعالى عنهما. ويجوز أن يكون المعنى هلا ظن المؤمنين والمؤمنات أول ما سمعوا ذلك خيراً بأهل ملتهم عائشة وصفوان وقالوا الخ.
ابن عاشور
تفسير : استئناف لتوبيخ عصبة الإفك من المؤمنين وتعنيفهم بعد أن سماه إفكاً. و{لولا} هنا حرف بمعنى (هلا) للتوبيخ كما هو شأنها إذا وليها الفعل الماضي وهو هنا {ظن المؤمنون}. وأما {إذ سمعتموه} فهو ظرف متعلق بفعل الظن فقدم عليه ومحل التوبيخ جملة: {ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً} فأسند السماع إلى جميع المخاطبين وخص بالتوبيخ من سمعوا ولم يكذبوا الخبر. وجرى الكلام على الإبهام في التوبيخ بطريقة التعبير بصيغة الجمع وإن كان المقصود دون عدد الجمع فإن من لم يظن خيراً رجُلان، فعبر عنهما بالمؤمنين وامرأة فعبر عنها بالمؤمنات على حد قوله: { أية : الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم } تفسير : [آل عمران: 173]. وقوله: {بأنفسهم خيراً} وقع في مقابلة {ظن المؤمنون والمؤمنات} فيقتضي التوزيع، أي ظن كل واحد منهم بالآخرين ممن رموا بالإفك خيراً إذ لا يظن المرء بنفسه. وهذا كقوله تعالى: { أية : ولا تلمزوا أنفسكم } تفسير : [الحجرات: 11] أي يلمز بعضكم بعضاً، وقوله: { أية : فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم } تفسير : [النور: 61]. روي أن أبا أيوب الأنصاري لما بلغه خبر الإفك قال لزوجه: ألا ترين ما يقال؟ فقالت له: لو كنتَ بدل صفوان أكنت تظن بحرمة رسول الله سوءاً؟ قال: لا. قالت: ولو كنت أنا بدل عائشة ما خنت رسول الله فعائشة خير مني وصفوان خير منك. قال: نعم. وتقديم الظرف وهو {إذ سمعتموه} على عامله وهو { أية : قلتم } تفسير : [النور: 16] للاهتمام بمدلول ذلك الظرف تنبيهاً على أنهم كان من واجبهم أن يطرق ظن الخير قلوبهم بمجرد سماع الخير وأن يتبرؤا من الخوض فيه بفور سماعه. والعدول عن ضمير الخطاب في إسناد فعل الظن إلى المؤمنين التفات، فمقتضى الظاهر أن يقال: ظننتم بأنفسكم خيراً، فعدل عن الخطاب للاهتمام بالتوبيخ فإن الإلتفات ضرب من الاهتمام بالخبر، وليُصرَّح بلفظ الإيمان، دلالة على أن الاشتراك في الإيمان يقتضي أن لا يصدق مؤمن على أخيه وأخته في الدين ولا مؤمنة على أخيها وأختها في الدين قول عائب ولا طاعن. وفيه تنبيه على أن حق المؤمن إذا سمع قالة في مؤمن أن يبني الأمر فيها على الظن لا على الشك ثم ينظر في قرائن الأحوال وصلاحية المقام فإذا نسب سوءٌ إلى من عُرف بالخير ظن أن ذلك إفك وبهتان حتى يتضح البرهان. وفيه تعريض بأن ظن السوء الذي وقع هو من خصال النفاق التي سرت لبعض المؤمنين عن غرور وقلة بصارة فكفى بذلك تشنيعاً له. وهذا توبيخ على عدم إعمالهم النظر في تكذيب قول ينادي حاله ببهتانه وعلى سكوتهم عليه وعدم إنكاره. وعطف {وقالوا هذا إفك مبين} تشريع لوجوب المبادرة بإنكار ما يسمعه المسلم من الطعن في المسلم بالقول كما ينكره بالظن وكذلك تغيير المنكر بالقلب واللسان. والباء في {بأنفسهم} لتعدية فعل الظن إلى المفعول الثاني لأنه متعد هنا إلى واحد إذ هو في معنى الاتهام. والمبين: البالغ الغاية في البيان، أي الوضوح كأنه لقوة بيانه قد صار يبين غيره.
د. أسعد حومد
تفسير : {وَٱلْمُؤْمِنَاتُ} (12) - يُؤَدِّبُ اللهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الآيَةِ المُؤْمِنِينَ فِي قِصَّةِ عَائِشَةَ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهَا، حَينَ أَفَاضَ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ الإِفْكِ، فَقَالَ تَعَالَى: هَلاَّ إِذْ سَمِعْتُمْ هَذَا القَوْلَ الذي رُمِيَتْ بِهِ أُمُّ المُؤْمِنِينَ، فَقِسْتُمْ ذَلِكَ الكَلاَمَ عَلَى أَنْفُسكُم، فَإِذَا كَانَ لاَ يَلِيقُ بِكُمْ، فَأُمُّ المُؤْمِنِينَ أَوْلَى بالبَرَاءَةِ مِنْهُ، بِالأَحْرَى وَالأَوْلَى. وَقَالَ تَعَالَى: هَلاَّ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ الخَيْرَ، فَأُمُّ المُؤْمِنِينَ أَهْلُهُ وَأَوْلَى بِهِ. وَهَلاَّ قَالُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ هَذَا كَذِبٌ ظَاهِرٌ عَلَى أُمِّ المُؤْمِنِينَ، فَإِنَّ الذي وَقَعَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا يُرِيبُ، وَذَلِكَ أَنَّ عَائِشَةَ جَاءَتْ رَاكِبَةً جَهْرَةً عَلَى رَاحِلَةِ صَفْوَانِ بنِ المُعَطِّلِ السلمِي، فِي وَقْتِ الظَهِيرَةِ، والجَيْشُ بِكَامِلِهِ يُشَاهِدُ ذَلِكَ، وَرَسُولُ اللهِ مَعَهُمْ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَنْفِي كُلَّ شُبْهَةٍ وَشَكٍّ، وَلَوْ كَانَ فِي الأَمْرٍ مَا يُرْتَابُ مِنْهُ لَمْ يَكُنْ هَكَذَا جَهْرَةً. (وَرَوِيَ أَنَّ أَبَا أَيُّوب الأَنْصَارِيَّ قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ أُمُّ أَيُّوبٍ: يَا أَبَا أَيُّوبٍ أَمَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ النَّاسُ فِي عَائِشَةَ؟ قال: نَعَمْ وَذَلِكَ الكَذِبُ. أَكُنْتِ فَاعِلَةً ذَلِكَ يَا أَُمَّ أَيُّوبٍ؟ قَالَتْ: لاَ وَاللهِ مَا كُنْتُ لأَفْعَلَهُ، فَقَالَ: فَعَائِشَةُ واللهِ خَيْرٌ مِنْكِ). (وَقِيلَ إِنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي أبي أَيُّوبٍ حَينَ قَالَ مَا قَالَ لَزَوْجَتِهِ أُمِّ أَيُّوبٍ).
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : يُوجِّهنا الحق - تبارك وتعالى - إلى ما ينبغي أن يكون في مثل هذه الفتنة من ثقة المؤمنين بأنفسهم وبإيمانهم، وأنْ يظنوا بأنفسهم خيراً وينأَوا بأنفسهم عن مثل هذه الاتهامات التي لا تليق بمجتمع المؤمنين، فكان على أول أُذن تسمع هذا الكلام على أول لسان ينطق به أن يرفضه؛ لأن الله تعالى ما كان ليُدلس على رسوله وصَفْوته من خَلْقه، فيجعل زوجته محلَّ شكٍّ واتهام فضلاً عن رَمْيها بهذه الجريمة البشعة. {لَّوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُواْ هَـٰذَآ إِفْكٌ مُّبِينٌ} [النور: 12] كان من المنتظر قبل أن تنزل المناعة في القرآن أن تأتي من نفوس المؤمنين أنفسهم، فيردون هذا الكلام. و (لولا) أداة للخصِّ والحثِّ، وقال: {ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ ..} [النور: 12] لأنه جال في هذه الفتنة رجال ونساء، والقرآن لا يحثهم على ظنِّ الخير برسول الله أو بزوجته، وإنما ظن الخير بأنفسهم هم؛ لأن هذه المسألة لا تليق بالمؤمنين، فما بالك بزوجة نبي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم؟ {وَقَالُواْ ..} [النور: 12] أي: قبل أن ينزل القرآن ببراءتها {هَـٰذَآ إِفْكٌ مُّبِينٌ} [النور: 12] يعني: كذب متعمد واضح بيِّن لأنه في حق مَنْ؟ في حق أم المؤمنين التي طهَّرها الله واختارها زوجة لرسوله صلى الله عليه وسلم. ثم يقول الحق سبحانه: {لَّوْلاَ جَآءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَآءِ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً} معناه أهل دِينِهِم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):