Verse. 2805 (AR)

٢٤ - ٱلنُّور

24 - An-Nour (AR)

وَلَوْلَا فَضْلُ اللہِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُہٗ فِي الدُّنْيَا وَالْاٰخِرَۃِ لَمَسَّكُمْ فِيْ مَاۗ اَفَضْتُمْ فِيْہِ عَذَابٌ عَظِيْمٌ۝۱۴ۚۖ
Walawla fadlu Allahi AAalaykum warahmatuhu fee alddunya waalakhirati lamassakum fee ma afadtum feehi AAathabun AAatheemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم فيما أفضتم» أيها العصبة أي خضتم «فيه عذاب عظيم» في الآخرة.

14

Tafseer

الرازي

تفسير : النوع الثالث وهذا من باب الزواجر أيضاً، ولولا ههنا لامتناع الشيء لوجود غيره، ويقال أفاض في الحديث واندفع وخاض، وفي المعنى وجهان: الأول: ولولا أني قضيت أن أتفضل عليكم في الدنيا بضروب النعم التي من جملتها الإمهال للتوبة، وأن أترحم عليكم في الآخرة بالعفو والمغفرة لعاجلتكم بالعقاب على ما خضتم فيه من حديث الإفك والثاني: ولولا فضل الله عليكم ورحمته لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم في الدنيا والآخرة معاً، فيكون فيه تقديم وتأخير، والخطاب للقذفة وهو قول مقاتل، وهذا الفضل هو حكم الله تعالى من تأخيره العذاب وحكمه بقبول التوبة لمن تاب.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةِ} أيها الخائضون في شأن عائشة، بأن قبل توبتكم وإنابتكم إليه في الدنيا، وعفا عنكم لإيمانكم بالنسبة إلى الدار الآخرة {لَمَسَّكُمْ فِى مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ} من قضية الإفك {عَذَابٌ عَظِيمٌ} وهذا فيمن عنده إيمان رزقه الله بسببه التوبة إليه، كمسطح وحسان وحمنة بنت جحش أخت زينت بنت جحش، فأما من خاض فيه من المنافقين كعبد الله بن أبي ابن سلول وأضرابه، فليس أولئك مرادين في هذه الآية؛ لأنه ليس عندهم من الإيمان والعمل الصالح ما يعادل هذا، ولا ما يعارضه، وهكذا شأن ما يرد من الوعيد على فعل معين يكون مطلقاً مشروطاً بعدم التوبة، أو ما يقابله من عمل صالح يوازنه، أو يرجح عليه. ثم قال تعالى: {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ} قال مجاهد وسعيد بن جبير: أي: يرويه بعضكم عن بعض، يقول هذا: سمعته من فلان، وقال فلان كذا، وذكر بعضهم كذا، وقرأ آخرون: {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ} وفي "صحيح البخاري" عن عائشة أنها كانت تقرؤها كذلك، وتقول: هو من ولق اللسان، يعني: الكذب الذي يستمر صاحبه عليه، تقول العرب: ولق فلان في السير إذا استمر فيه، والقراءة الأولى أشهر، وعليها الجمهور، ولكن الثانية مروية عن أم المؤمنين عائشة. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة عن نافع بن عمر عن ابن أبي مليكة عن عائشة أنها كانت تقرأ: {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ} وتقول: إنما هو ولق القول. ــــ والولق: الكذب ــــ. قال ابن أبي مليكة: هي أعلم به من غيرها. وقوله تعالى: {وَتَقُولُونَ بِأَفْوَٰهِكُمْ مَّا لَّيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} أي: تقولون ما لا تعلمون، ثم قال تعالى: {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٌ} أي: تقولون ما تقولون في شأن أم المؤمنين، وتحسبون ذلك يسيراً سهلاً، ولو لم تكن زوجة النبي صلى الله عليه وسلم لما كان هيناً، فكيف وهي زوجة النبي الأمي خاتم الأنبياء وسيد المرسلين؟ فعظيم عند الله أن يقال في زوجة رسوله ما قيل؛ فإن الله سبحانه وتعالى يغار لهذا، وهو سبحانه وتعالى لا يقدّر على زوجة نبي من الأنبياء ذلك، حاشا وكلا، ولما لم يكن ذلك، فكيف يكون هذا في سيدة نساء الأنبياء، وزوجة سيد ولد آدم على الإطلاق في الدنيا والآخرة؟ ولهذا قال تعالى: {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٌ} وفي "الصحيحين": «حديث : إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يدري ما تبلغ، يهوي بها في النار أبعد مما بين السماء والأرض»تفسير : . وفي رواية: «حديث : لا يلقي لها بالاً».

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَآ أَفَضْتُمْ } أيها العصبة أو خضتم {فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } في الآخرة.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ} يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون وعيداً بما له عند الله من العقاب. الثاني: أريد به تكذيب المؤمنين الذي يصدقون ما أنزل الله من كتاب. واختلف هل حد النبي صلى الله عليه وسلم أصحاب الإِفك على قولين: أحدهما: أنه لم يحدّ أحداً منهم لأن الحدود إنما تقام بإقرار أو بينة ولم يتعبدنا الله أن نقيمها بإخباره عنها كما لم يتعبدنا بقتل المنافقين وإن أخبر بكفرهم. والقول الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم حد في الإِفك حسان بن ثابت وعبد الله بن أبي ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت حجش وكانوا ممن أفصح بالفاحشة رواه عروة بن الزبير وابن المسيب عن عائشة رضي الله عنها فقال بعض شعراء المسلمين: شعر : لقد ذاق حسان الذي كان أهله وحمنةُ إذ قالا هجيراً ومسطح وابن سلول ذاق في الحدّ خزيه كما خاض في إفك من القول يفصح تعاطوْا برجم الغيب زوج نبيّهم وسخطة ذي العرش العظيم فأبرحوا وآذواْ رسول الله فيها فجللوا مخازي تبقى عمموها وفضحواْ فصبت عليهم محصدات كأنها شآبيب قطر من ذرى المزن تسفح تفسير : حكى مسروق أن حسان استأذن على عائشة فقلت أتأذنين له فقالت: أو ليس قد أصابه عذاب عظيم. فمن ذهب إلى أنهم حدوا زعم أنها أرادت بالعذاب بالعظيم الحد، ومن ذهب إلى أنهم لم يحدّوا زعم أنها أرادت بالعذاب العظيم ذهاب بصره، قاله سفيان. قال حسان بن ثابت يعتذر من الإفك: شعر : حَصَانٌ رزانٌ ما تُزَنّ بِرِيبَةٍ وتُصْبِحُ غَرْثَى من لُحُومِ الغَوَافِلِ فإن كنتُ قد قلتُ الذي بُلِّغْتُم فلا رَفَعَتْ سَوْطِي إليَّ أنامِلِي فكيفَ ووُدِّي ما حَيِيتُ ونُصْرَتِي لآلِ رسُولِ اللَّهِ زَينِ المَحَافِلِ تفسير : قوله تعالى: {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ} فيه وجهان: أحدهما: هو أن تتحدث به وتلقيه بين الناس حتى ينتشر. الثاني: أن يتلقاه بالقبول إذا حدث به ولا ينكره. وحكى ابن أبي مليكة أنه سمع عائشة تقرأ إذ تلِقونه بكسر اللام مخففة وفي تأويل هذه القراءة وجهان: أحدهما: ترددونه، قاله اليزيدي. الثاني: تسرعون في الكذب وغيره،ومنه قول الراجز: شعر : ............... جَاءَتْ به عنسٌ من الشام تَلِقْ تفسير : أي تسرع.

ابن عطية

تفسير : هذا عتاب من الله تعالى بليغ ذكر أَن حالتهم التي وقع فيها جميعهم من تعاطيهم الحديث وإن لم يكن المخبر ولا المخبر مصدقين، ولكن نفس التعاطي والتلقي من لسان إلى لسان والإفاضة في الحديث هو الذي وقع العتاب فيه، وقرأ محمد بن السميفع "إذ تُلْقُونه" بضم التاء وسكون اللام وضم القاف من لإلقاء، وهذه قراءة بينة وقرأ أبي بن كعب وابن مسعود "إذ تتلقونه" بضم التاء من التلقي بتاءين، وقرأ جمهور السبعة "إذ تلقونه" بحذف التاء الواحدة وإظهار الذال دون إدغام وهو ايضاً من التلقي، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي "أتلقونه" بإدغام الذال في التاء، وقرأ ابن كثير "إذ تلقونه" بإظهار الذال وإدغام التاء في التاء وهذه قراءة قلقة لأنها تقتضي اجتماع ساكنين وليس كالإدغام في قراءة من قرأ فلا "تناجوا ولا تنابزوا" لأن لدونة الألف الساكنة وكونها حرف لين حسنت هنالك ما لا يحسن مع سكون الدال، وقرأ ابن يعمر وعائشة رضي الله عنها وهي أعلم الناس بهذا الأمر "إذ تَلِقُونه" بفتح التاء وكسر اللام وضم القاف، ومعنى هذه القراءة من قول العرب ولق الرجل ولقاً إذا كذب قال ابن سيده في المحكم قرىء "إذ تلقونه" وحكى أَهل اللغة أَنها من ولق إذا كذب فجاؤوا بالمتعدي شاهداً على غير المتعدي وعندي أنه أراد إذ تلقون فيه فحذف حرف الجر ووصل بالضمير، وحكى الطبري وغيره أَن هذه اللفظة مأخوذة من الولق الذي هو إسراعك بالشيء بعد الشيء كعدو في إثر عدو وكلام في إثر كلام يقال ولق في سيره إذا أسرع ومنه قول الشاعر: شعر : "جاءت به عنس من الشام تلق" تفسير : وقوله تعالى: {وتقولون بأفواهكم} مبالغة وإلزام وتأكيد. والضمير في قوله {وتحسبونه} للحديث والخوض فيه والإذاعة له، وقوله تعالى: {ولولا إذ سمعتموه} إلى {حكيم}،عتاب لجميع المؤمنين أي كان ينبغي عليكم أن تنكروه ولا يتعاطاه بعضكم من بعض على جهة الحكاية والنقل وأن تنزهوا الله تعالى عن أن يقع هذا من زوج نبيه عليه السلام وأن تحكموا على هذه المقالة بأنها {بهتان}، وحقيقة البهتان أَن يقال في الإنسان ما ليس فيه والغيبة أن يقال في الإنسان ما فيه. ثم وعظهم تعالى في العودة إلى مثل هذه الحالة و {وأَن} مفعول من أَجله بتقدير "كراهية أن" ونحوه، وقوله: {إن كنتم مؤمنين} توقيف وتأكيد كما تقول ينبغي لك أن تفعل كذا وكذا إن كنت رجلاً وسائر الآية بين و {عليم حكيم} صفتان تقتضيهما الآية.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} هذا عتاب من اللّه تعالى، بليغ في تعاطيهم هذا الحديثَ وإنْ لم يكن المُخْبِرُ والمُخْبَرُ مُصَدِّقِينَ، ولكنَّ نفس التعاطي والتلقي من لسانَ إلى لسان والإفاضة في الحديث ـــ هو الذي وقع العتابُ فيه، وقرأ ابن يعمر وعائشة رضي اللّه عنها وهي أعلم الناس بهذا الأمر: «إذْ تَلِقُونَهُ» ـــ بفتح التاء، وكسر اللام، وضم القاف ـــ، ومعنى هذه القراءة من قول العرب: وَلَقَ الرجُل وَلْقاً إذا كَذِبَ، وحكى الطبريُّ: أن هذه اللفظة مأخوذةٌ من: الوَلْقِ الذي هو إسراعك بالشيء بعد الشيء؛ يقال: وَلَقَ في سيره إذ أسرع، والضمير في: {تَحْسَبُونَهُ} للحديث والخوضِ فيه والإذاعةِ له. وقوله تعالى: {سُبْحَـٰنَكَ} أي: تنزيهاً للَّه أَنْ يقع هذا من زوج نَبِيِّه صلى الله عليه وسلم وحقيقة البُهْتَانِ: أَنْ يقال في الإنسان ما ليس فيه، والغيبة: أَنْ يقال في الإنسان ما فيه، ثم وعظهم تعالى في العودة إلى مثل هذه الحالة.

ابو السعود

تفسير : {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} خطابٌ للسَّامعينَ والمسمِّعينَ جميعاً {وَرَحْمَتُهُ فِى ٱلدُّنْيَا} من فنون النِّعمِ التي من جُملتها الإمهالُ للتَّوبة {وَٱلآخِرَةِ} من ضروب الآلاءِ التي من جُملتها العفوُ والمغفرةُ بعد التَّوبةِ {لَمَسَّكُمْ} عاجلاً {فِيمَا أَفَضْتُمْ فِيهِ} بسبب ما خضتُم فيه من حديث الإفكِ، والإبهامُ لتهويل أمرِه والاستهجانِ بذكرِه. يقالُ أفاضَ في الحديثِ وخاضَ واندفعَ وهضبَ بمعنى {عَذَابٌ عظِيمٌ} يُستحقر دونَه التَّوبـيخُ والجلدُ. {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ} بحذف إحدى التَّاءينِ ظرفٌ للمسِّ أي لمسَّكم ذلكَ العذابُ العظيمُ وقتَ تلقِّيكم إيَّاه من المخترعينَ {بِأَلْسِنَتِكُمْ} والتَّلقِّي والتلقُّفُ والتلقُّنُ معانٍ متقاربةٌ خلا أنَّ في الأولِ معنى الاستقبالِ وفي الثَّاني معنى الخَطفِ والأخذِ بسرعةٍ وفي الثَّالثِ معنى الحِذْقِ والمهارةِ. وقُرىء تَتَلقَونه على الأصل وتلقونه من لقيَه وتلقونَه بكسرِ حرفِ المُضارعةِ وتُلقونه من إلقاء بعضهم على بعض وتَلْقُونه وتألقونَه من الولقِ والألق وهو الكذبُ وتثقفونَه من ثقفتُه إذا طلبتُه وتتقفونَه أي تتبعونَه {وَتَقُولُونَ بِأَفْوٰهِكُمْ مَّا لَّيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} أي تقولونَ قولاً مختصًّا بالأفواهِ من غيرِ أنْ يكونَ له مصداقٌ ومنشأٌ في القلوبِ لأنَّه ليسَ بتعبـيرٍ عن علمٍ به في قلوبكم كقوله تعالى: { أية : يَقُولُونَ بِأَفْوٰهِهِم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ} تفسير : [الفتح: 11] {وَتَحْسَبُونَهُ هَيّناً} سهلاً لا تبعةَ لهُ أو ليسَ له كثيرُ عقوبةٍ {وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ} والحالُ أنَّه عنده عزَّ وجلَّ {عظِيمٌ} لا يُقادرُ قَدرُه في الوِزرِ واستجرارِ العذابِ. {وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ} من المخترعينَ أو المشايعينَ لهم {قُلْتُمْ} تكذيباً لهُم وتهويلاً لما ارتكبُوه {مَّا يَكُونُ لَنَا} ما يُمكننا {أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَـٰذَا} وما يصدرُ عنَّا ذلكَ بوجهٍ من الوجوهِ وحاصلُه نفيُ وجودِ التَّكلمِ به لا نفيُ وجوده على وجه الصِّحَّةِ والاستقامةِ والانبغاءِ وهذا إشارةٌ إلى ما سمعُوه. وتوسيطُ الظَّرفِ بـينَ لولا وقلتُم لما مرَّ من تخصيصِ التَّحضيضِ بأول وقتِ السَّماعِ وقصرِ التَّوبـيخِ واللَّومِ على تأخيرِ القولِ المذكورِ عن ذلك الآنَ ليفيدَ أنَّه المحتملُ للوقوعِ المفتقرُ إلى التَّحضيضِ على تركه وأما تركُ القولِ نفسِه رأساً فمما لا يُتوهَّم وقوعُه حتَّى يحضَّض على فعلِه ويلامَ على تركه، وعلى هذا ينبغي أنْ يحملَ ما قيل إنَّ المعنى أنَّه كان الواجبُ عليهم أنْ يتفادَوا أولَ ما سمعُوا بالإفك عن التَّكلُّم به فلمَّا كان ذكرُ الوقتِ أهمَّ وجبَ التَّقديمُ وأمَّا ما قيل من أنَّ ظروفَ الأشياءِ منزَّلةٌ أنفسَها لوقوعِها فيها وأنها لا تنفكُّ عنها فلذلك يتَّسعُ فيها ما لا يتَّسعُ في غيرِها فهي ضابطةٌ ربَّما تستعملُ فيما إذا وضع الظَّرفُ موضعَ المظروفِ بأنْ جُعل مفعولاً صريحاً لفعلٍ مذكورٍ كما في قوله تعالى: { أية : وَٱذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء} تفسير : [الأعراف: 69 و74] أو مقدَّرٍ كعامةِ الظُّروفِ المنصوبةِ بإضمارِ اذكُر، وأمَّا هٰهنا فلا حاجةَ إليها أصلاً لما تحققت أنَّ مناطَ التَّقديمِ توجيهُ التحضيضِ إليه وذلك يتحقَّقُ في جميع متعلقاتِ الفعلِ كما في قوله تعالى: { أية : فَلَوْلاَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا}تفسير : [الواقعة: 86-87]. {سُبْحَـٰنَكَ} تعجُّبٌ ممَّن تفوَّه به وأصلُه أن يذكرُ عند معاينةِ العجيبِ من صنائعِه تعالى تنزيهاً له سبحانَه عنْ أنْ يصعبَ عليه أمثالُه ثمَّ كثُر حتَّى استُعملَ في كلِّ متعجَّبٍ منه أو تنزيهٌ له تعالى عن أنْ تكونَ حُرمةُ نبـيِّه فاجرةً فإنَّ فجورَها تنفيرٌ عنه ومخلٌّ بمقصودِ الزَّواجِ فيكون تقريراً لمَا قبلَه وتمهيداً لقوله تعالى: {هَـٰذَا بُهْتَـٰنٌ عَظِيمٌ} لعَظَمَةِ المبهوتِ عليه واستحالةِ صدقِه فإنَّ حقارةَ الذُّنوبِ وعظمَها باعتبار مُتعلقاتِها.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} [الآية: 14]. سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا القاسم البزاز يقول: قال ابن عطاء رحمه الله. ولولا فضل الله عليكم فى قبول طاعاتكم لخسرتم بما ضمن لكم آخرتكم، ولكن برحمته نجاكم من خسرانكم، وتفضل عليكم. قال بعضهم: من لا يرى فضل الله عليه فى جميع الأحوال فهو ساقط عن درجة المعرفة فإن أوائل المعرفة رؤية الفضل، ومن شاهد الفضل لا يغنى عن الشكر والتزام المنة، ونعمته فى الدنيا العافية وفى الآخرة الرضا.

القشيري

تفسير : لأنه أخبر أن جُرْمَهم - وإنْ كان عظيماً - فإنه في عِلْم اللَّهِ عنهم غير مُؤَثِّر، ولولا أن الله - سبحانه - ينتقم لأوليائه ما لا ينتقم لنفسه فلعلَّه لم يذكُرْ هذه المبالغة في أمرهم؛ فإنَّ الذي يقوله الأجانبُ والكفارُ في وصف الحق - سبحانه - بما يستحيل وجوده وكونه يوفي ويُرْبي على كل سوء - ثم لا يقطع عنهم أرزاقهم، ولا يمنع عنهم أرفاقهم، ولكن ما تتعلَّق به حقوقُ أوليائه - لا سيما حق الرسول صلى الله عليه وسلم - فذاك عظيمٌ عند الله.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولولا} امتناعية اى لامتناع الشىء لوجود غيره {فضل الله عليكم ورحمته} خطاب للسامعين والمسلمين جميعا {فى الدنيا} من فنون النعم التى من جملتها الامهال بالتوبة {والآخرة} من ضروب الآلاء التى من جملتها العفو والمغفرة المقدران لكم {لمسكم} عاجلا: يعنى [هر آينه برسيدى شمارا] {فما افضتم فيه} اى بسبب ما خضتم فيه من حديث الافك {عذاب عظيم} يستحقر دونه التوبيخ والجلد.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (لولا) هنا: امتناعية بخلاف المتقدمة؛ فإنها تحضيضية، و(إذ سمعتموه): معمول لقُلتم، و(إذْ تلقونه): ظرف لمسَّكم. يقول الحق جل جلاله: {ولولا فضلُ الله عليكم} أيها السامعون {ورحمتُهُ في الدنيا}؛ من فنون النِعَم، التي من جملتها: الإمهال والتوبة، {و} في {الآخرةِ}؛ من ضروب الآلاء، التي من جملتها: العفو والمغفرة، {لمسَّكم} عاجلاً {فيما أفَضْتُم} أي: بسبب ما خضتم {فيه} من حديث الإفك {عذابٌ عظيمٌ} يُستحقر دونه التوبيخ والجَلْدُ، يقال أفاض في الحديث، وفاض، واندفع: إذا خاض فيه. {إذْ تلقَّوْنه} أي: لمسكم العذاب العظيم وقت تلقيه إياكم من المخترعين له، يقال: تلقى القول، وتلقنه، وتلقفه، بمعنى واحد، غير أن التلفق: فيه معنى الخطف والأخذ بسرعة، أي: إذ تأخذونه {بألسنتكم}؛ بأن يقول بعضُكم لبعض: هل بلغك حديث عائشة، حتى شاع فيما بينكم وانتشر، فلم يبق بيت ولا نادٍ إلا طار فيه. {وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علمٌ} أي: قولاً لا حقيقة له، وقيّده بالأفواه، مع أن الكلام لا يكون إلا بالفم؛ لأن الشيء المعلوم يكون في القلب، ثم يترجم عنه اللسان، وهذا الإفك ليس إلا قولاً يدور فيه الأفواه، من غير ترجمة عن علم به في القلب. {وتحسبونه هيِّناً} أي: وتظنون أن خوضكم في عائشة سَهْلٌ لا تبعة فيه، {وهو عند الله عظيم} أي: والحال أنه عند الله كبير، لا يُقادر قدره في استجلاب العذاب. جزع بعض الصالحين عند الموت، فقيل له في ذلك، فقال: أخاف ذنباً لم يكن مني على بال، وهو عند الله عظيم. {ولولا إذْ سَمِعْتُموه} من المخترعين والشائعين له {قُلتم ما يكونُ لنا}؛ ما يمكننا {أن نتكلَّمَ بهذا}، وما ينبغي أن يصدر عنا، وتوسيط الظروف بين "لولا" و "قلتم" إشارة إلى أنه كان الواجب أن يُبادروا بإنكار هذا الكلام في أول وقت سمعوه، فلما تأخر الإنكار وبَّخهم عليه، فكان ذكرُ الوقت أَهَمَّ، فقدّم، والمعنى: هلاَّ قُلتم إذ سمعتم الإفك: ما يصح لنا أن نتكلم بهذا، {سبحانك}؛ تنزيهاً لك، وهو تعجبٌ مِنْ عِظَمِ ما فاهوا به. ومعنى التعجب في كلمة التسبيح: أن الأصل أن يسبح الله عند رؤية العجيب من صنائعه تعالى، ثم كثر حتى استعمل في كل متعجب منه. أو: تنزيهاً لك أن يكون في حرم نبيك فاجرة، {هذا بهتانٌ عظيم}؛ لعظمة المبهوت عليه، واستحالة صدقه، فإنَّ حقارة الذنوب وعظمتها باعتبار متعلقاتها. وقال فيما تقدم: {أية : هَـٰذَآ إِفْكٌ مُّبِينٌ}تفسير : [النور: 12]. ويجوز أن يكونوا أُمروا بهما معاً، مبالغة في التبري. {يَعِظُكُمُ الله} أي: ينصحكم {أن تعودوا لمثله} أي: كراهة أن تعودوا، أو يزجركم أن تعودوا لمثل هذا الحديث أو القذف أو الاستماع، {أبداً}؛ مدة حياتكم، {إن كنتم مؤمنين}؛ فإن الإيمان وازع عنه لا محالة. وفيه تهييج وتقريع وتذكير بما يوجب ترك العود، وهو الإيمان الصادُّ عن كل قبيح. {ويُبيِّن الله لكم الآياتِ} الدالة على الشرائع ومحاسن الأدب، دلالة واضحة؛ لتتعظوا وتتأدبوا، أي: ينزلها كذلك ظاهرة مبينة، {والله عليمٌ حكيمٌ}؛ عليم بأحوال مخلوقاته، حكيم في جميع تدابيره وأفعاله، فَأَنَّى يصحُّ ما قيل في حرمة من اصطفاه لرسالته، وبعثه إلى كافة الخلق، ليرشدهم إلى الحق، ويزكيهم ويطهرهم تطهيراً؟ والله تعالى أعلم. الإشارة: الكلام في الأولياء سم قاتل؛ لأن الله ينتصر لأوليائه لا محالة، فمنهم من ينتصر لهم في الدنيا بإنزال البلايا والمحن في بدنه أو ولده أو ماله، ومنهم من يؤخر عقوبته إلى الآخرة، وهو أقبح. ومنهم من تكون عقوبته دينية قلبية؛ كقساوة القلب وجمود العين، وتعويق عن الطاعة، ووقوع في ذنب، أو فترة في همة، أو سلب لذاذة خدمة أو معرفة، وهذه أقبح العقوبة، والعياذ بالله. ثم أوعد من كان يشيع حديث الإفك، فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ...}

الجنابذي

تفسير : {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ} كرّر هذه الكلمة لانّ الاوّل فى رمى الزّوج وهذا فى قضيّة خاصّة هى رمى مارية او عائشة {لَمَسَّكُمْ فِي مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} ذكر الجواب ههنا جرياً على اقتضاء الغضب التّطويل والتّغليظ وتصريحاً بعظم العذاب وبانّ سبب هذا الغضب وتغليظ العذاب هو الخوض فى هذا الافك.

اطفيش

تفسير : {ولَوْلاَ} امتناعية * {فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُم} تفضله بانواع النعم التي من جملتها الامهال للتوبة. وقيل: فضله الاسلام * {وَرَحْمَتُهُ} في الآخرة بالعفو والمغفرة {ان تبتم} وقيل رحمته القرآن * {فِي الدُّنْيَا} عائد للمفضل* {وَالآخِرَةِ} عائد للرحمة ففي الآية لف ونشر مرتبان * {لَمَسَّكُمْ} عاجلا * {فِيمَا أَفَضْتُمْ فِيهِ} (في) للتعليل اي لمسكم لاجل الذي خضتم فيه * {عَذَابٌ عَظِيمٌ} زيادة على اللوم والجلد والخطاب للمعصية. وان قلت فهذا يقتضي ان عبدالله مرحوم في الآخرة؟ قلت: لا لان الله جل وعلا بسط رحمته له ولغيره على التوبة ورغب فيها فلم يتب ويحتمل ان يراد الفضل والرحمة في الدنيا والآخرة على التوزيع فمن تاب فالفضل والرحمة عليه دنيا واخرى ومن لم يتب فالفضل والرحمة عليه في الدنيا والعذاب العظيم عذاب الدنيا والآخرة لمن لم يتب وعذاب الدنيا لمن تاب والهاء عائدة إلى ما ويصح ان تكون ما مصدرية والهاء للافك اي لاجل افاضتكم في الافك.

اطفيش

تفسير : {ولوْلا فَضْل الله} تفضله {عليكم ورحمتُه} لكم {فى الدنُّيا والآخرة} تنازعه فضل ورحمة وذلك بالستر فى الدنيا، والإمهال لتتوبوا، وقبول توبة التائبين، فيدخل الجنة وينجو من النار {لمسَّكم فيما أفَضْتم} بسبب ما أفضتم {فيه} من الافك {عذاب عظيم} مستأصل كقوم نوح وعاد وثمود، وقوم لوط، وقوم فرعون، وأصحاب مدين، لفضله ورحمته لم يصبكم فى الدنيا إلا عذاب دون ذلك، أو لم يصبكم فيها عذاب، والخطاب فى الموضعين لغير ابن أبى لأنه لا رحمة له فى الآخرة، ويجوز أن يعمه الخطاب، لأن باب التوبة مفتوح له.

الالوسي

تفسير : {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ } أي تفضله سبحانه: {عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ } إياكم {فِى ٱلدُّنْيَا } بفنون النعم التي من جملتها الإمهال للتوبة {وَ} في {ٱلأَخِرَةَ } بضروب الآلاء التي من جملتها العفو والمغفرة بعد التوبة، وفي الكلام نشر على ترتيب اللف، وجوز أن يتعلق {فِى ٱلدُّنُيَا وَٱلأَخِرَةِ } بكل من فضل الله تعالى ورحمته، والمعنى لولا الفضل العام والرحمة العامة في كلا الدارين {لَمَسَّكُمْ } عاجلاً {فِى مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ } أي بسبب ما خضتم فيه من حديث الإفك. والإبهام لتهويل أمره واستهجان ذكره أفاض في الحديث وخاض وهضب واندفع بمعنى، والإفاضة في ذلك مستعارة من إفاضة الماء في الإناء، و {لَوْلاَ } امتناعية وجوابها {لَمَسَّكُمْ } {عَذَابٌ عَظِيمٌ} / يستحقر دونه التوبيخ والجلد. والخطاب لغير ابن أبـي من الخائضين، وجوز أن يكون لهم جميعاً. وتعقب بأن ابن أبـي رأس المنافقين لاحظ له من رحمة الله تعالى في الآخرة لأنه مخلد في الدرك الأسفل من النار.

ابن عاشور

تفسير : {لولا} هذه حرف امتناع لوجود. والفضل في الدنيا يتعين أنه إسقاط عقوبة الحد عنهم بعفو عائشة وصفوان عنهم، وفي الآخرة إسقاط العقاب عنهم بالتوبة. والخطاب للمؤمنين دون رأس المنافقين. وهذه الآية تؤيد ما عليه الأكثر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحد حد القذف أحداً من العصبة الذين تكلموا في الإفك. وهو الأصح من الروايات: إما لعفو عائشة وصفوان، وإما لأن كلامهم في الإفك كان تخافتاً وسراراً ولم يجهروا به ولكنهم أشاعوه في أوساطهم ومجالسهم. وهذا الذي يشعر به حديث عائشة في الإفك في «صحيح البخاري» وكيف سمعت الخبر من أم مسطح وقولها: أَوَ قَد تحدث بهذا وبلغ النبي وأبويّ؟. وقيل: حد حسان ومسطحاً وحمنة، قاله ابن إسحاق وجماعة، وأما عبد الله بن أبيّ فقال فريق: إنه لم يحد حد القذف تأليفاً لقلبه للإيمان. وعن ابن عباس أن أبيّاً جلد حد القذف أيضاً. والإفاضة في القول مستعار من إفاضة الماء في الإناء، أي كثرته فيه. فالمعنى: ما أكثرتم القول فيه والتحدث به بينكم.

الواحدي

تفسير : {ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسّكم} لأصابكم {فيما أفضتم} خضتم {فيه} من الإفك {عذاب عظيم}. {إذ تلقونه بألسنتكم} تأخذونه ويرويه بعضكم عن بعض {وتحسبونه هيناً} وتظنُّونه سهلاً، وهو كبيرٌ عند الله سبحانه. {ولولا} هلاَّ {إذ سمعتموه} سمعتم هذا الكذب {قلتم ما يكون لنا أن نتكلَّم بهذا سبحانك} تعجُّباً من هذا الكذب {هذا بهتان} كذبٌ نتحيَّر من عظمه، والمعنى: هلا أنكرتموه وصنتم ألسنتكم عن الخوض فيه؟. {يعظكم الله أن تعودوا} كراهة أن تعودوا لمثل هذا الإِفك أبداً.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلآخِرَةِ} (14) - وَلَوْلاَ تَفَضُّلُ اللهِ تَعَالَى عَلَيْكُم بِبَيَانِ الأَحْكَامِ، وَلَوْلاَ رَحْمَتُهُ بِكُمْ فِي الدُّنْيَا بِعَدَمِ التَّعْجِيلِ بِالعُقُوبَةِ، وَفِي الآخِرَةِ بِالمَغْفِرَةِ، لَنَزَلَ بِكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ بِسَبَبَ الخَوْضِ فِي هَذِهِ التُّهْمَةِ. أَفَضْتُمْ فِيهِ - خُضْتُمْ فِيهِ مِنْ حَدِيثِ الإِفْكِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : {أَفَضْتُمْ ..} [النور: 14] أن تندفع إلى الشيء اندفاعاً تقصد فيه السرعة، ومعنى السرعة أن يأخذ الحدث الكبير زمناً أقلَّ مما يتصوّر له، كالمسافة تمشيها في دقيقتين، فتسرع لتقطعها في دقيقة واحدة، فكأنهم أسرعوا في هذا الكلام لما سمعوه، كما يقولون: خبَّ فيها ووضع. لكن، لماذا تفضَّل الله عليهم ورحمهم، فلم يمسَّهم العذاب، ولم يُجازهم على افترائهم على أم المؤمنين؟ قالوا: لأن الحق - تبارك وتعالى - أراد من هذه المسألة العبرة والعظة، وجعلها للمؤمنين وسيلةَ إيضاح، فليس المراد أن يُنزل الله بهم العذاب، إنما أن يُعلمهم ويعطيهم درساً في حِفْظ أعراض المؤمنين.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فِي مَآ أَفَضْتُمْ} معناه خِضتُمْ فِيهِ.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : بقوله تعالى: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور: 14] بقوله تعالى: [النور: 14] يشير إلى أن أهل العناية في الأزل المنظورين من الفضل والرحمة لا يتغير في أحوالهم، وإن يجري الله عليهم الجرائم العظام الموجبة للعذاب العظيم في الدنيا والآخرة. أما في الدنيا: فيحرقهم بنار الغيرة ويهلكهم للغيرة ويهلكهم للعبرة. وأما في الآخرة: فيهلكهم بالإبعاد عن الحضرة، ولولا أن الله ينتقم لأوليائه ما لا ينتقم لنفسه لعله لم يذكر هذه المبالغة في أمرهم فإن الذي يقول الأجانب والكفار في وصف الحق حرمه فذلك عظيم عند الله، {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَّا لَّيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} [النور: 15] من عزة الرسول وحرمة حرمه {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً} هتك ستر حرمه {وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٌ} [النور: 15]. {وَلَوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ} [النور: 16] من حيث الإفك هلا {قُلْتُمْ مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَـٰذَا} [النور: 16] ولا يجوز لنا أن نظن بمثل هذا {سُبْحَانَكَ} تنزيهاً لحرم النبي صلى الله عليه وسلم {هَـٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ } عند الله التقاول به {يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ} [النور: 17] فضلاً منه ورحمة إذا اقتصر في مجازاتكم على الموعظة {أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَداً إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ} [النور: 17] فيه إشارة إلى أن العود إلى مثل هذا يخرجهم عن الإيمان {وَيُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَاتِ} [النور: 18] أي: العلامات على خروج الإيمان ببسط اللسان في عائشة رضي الله عنها بعد هذا {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ} بمن يدعي الإيمان ظاهراً وهو الظاهر في السر {حَكِيمٌ} فيما قضى لعباده المؤمنين والكافرين. ثم أخبر عن تهديد المعاندين الغافلين بقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلْفَاحِشَةُ} [النور: 19] يشير إلى غاية كرم الله ورحمته وفضله على عباده بأن هذا الصنيع ذكره من هؤلاء ليس من صنيع أهل الإيمان، فإن صنيع أهل الإيمان ما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : المؤمن للمؤمنين كالبنيان يشد بعضه بعضاً" تفسير : وقال: صلى الله عليه وسلم: "حديث : مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كنفس واحدة إذا اشتكى عضو منها تداعى سائر الجسد بالحمى والسهر ". تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" تفسير : ومن أحب إشاعة الفاحشة {فِي ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} ليس من الإيمان في شيء وإن لهؤلاء في استحقاق الذمِ أقبحُ منزلةً، وأشدّ وزْراً حيث أحبوا افتضاح المسلمين، ومن أركان الدين مظاهرةُ المسلمين، وإعانةُ أولي الدِّين، وإرادةُ الخير لكافة المؤمنين، والذي يودُّ فتنةً للمسلمين فهو شرُّ الخَلْق، ثم مع هذه الأوصاف التي هي في غاية الذمامة واستحقاقهم العذاب {أَلِيمٌ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} فالله يفصل بينهم ويرحمهم ويزكيهم عن أوصافهم الذميمة. كما قال الله تعالى: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ ٱللَّهَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ * يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ} [النور: 20-21] بفضله ورحمته رعاية لحق الإيمان وحق الصحبة وحق الهجرة {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ} بما قالوا من حديث الإفك {عَلِيمٌ} بالذي قال مسطح البدري، فإن الله اطلع على بدر وقال: {أية : ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ} تفسير : [فصلت: 40]، فإني غفرت لكم أفأغفر لمسطح بعد أن كذبه الله تعالى.