٢٤ - ٱلنُّور
24 - An-Nour (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
16
Tafseer
الرازي
تفسير : النوع الخامس وهذا من باب الآداب، أي هلا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا، وإنما وجب عليهم الامتناع منه لوجوه: أحدها: أن المقتضى لكونهم تاركين لهذا الفعل قائم وهو العقل والدين، ولم يوجد ما يعارضه فوجب أن يكون ظن كونهم تاركين للمعصية أقوى من ظن كونهم فاعلين لها، فلو أنه أخبر عن صدور المعصية لكان قد رجح المرجوح على الراجح وهو غير جائز وثانيها: وهو أنه يتضمن إيذاء الرسول وذلك سبب للعن لقوله تعالى: { أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ } تفسير : [الأحزاب: 57] وثالثها: أنه سبب لإيذاء عائشة وإيذاء أبويها ومن يتصل بهم من غير سبب عرف إقدامهم عليه، ولا جناية عرف صدورها عنهم، وذلك حرام ورابعها: أنه إقدام على ما يجوز أن يكون سبباً للضرر مع الاستغناء عنه، والعقل يقتضي التباعد عنه لأن القاذف بتقدير كونه صادقاً لا يستحق الثواب على صدقه بل يستحق العقاب لأنه أشاع الفاحشة، وبتقدير كونه كاذباً فإنه يستحق العقاب العظيم، ومثل ذلك مما يقتضي صريح العقل الاحتراز عنه وخامسها: أنه تضييع للوقت بما لا فائدة فيه، وقال عليه الصلاة والسلام: « حديث : من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه » تفسير : وسادسها: أن في إظهار محاسن الناس وستر مقابحهم تخلقاً بأخلاق الله تعالى، وقال عليه السلام: « حديث : تخلقوا بأخلاق الله » تفسير : فهذه الوجوه توجب على العاقل أنه إذا سمع القذف أن يسكت عنه وأن يجتهد في الاحتراز عن الوقوع فيه، فإن قيل كيف جاز الفصل بين لولا وبين قلتم بالظرف؟ قلنا الفائدة فيه أنه كان الواجب عليهم أن يحترزوا أول ما سمعوا بالإفك عن التكلم به. أما قوله: {سُبْحَـٰنَكَ هَـٰذَا بُهْتَـٰنٌ عَظِيمٌ } ففيه سؤالان: السؤال الأول: كيف يليق سبحانك بهذا الموضع؟ الجواب: من وجوه: الأول: المراد منه التعجب من عظم الأمر، وإنما استعمل في معنى التعجب لأنه يسبح الله عند رؤية العجيب من صانعه ثم كثر حتى استعمل في كل متعجب منه الثاني: المراد تنزيه الله تعالى عن أن تكون زوجة نبيه فاجرة الثالث: أنه منزه عن أن يرضى بظلم هؤلاء الفرقة المفترين الرابع: أنه منزه عن أن لا يعاقب هؤلاء القذفة الظلمة. السؤال الثاني: لم أوجب عليهم أن يقولوا هذا بهتان عظيم مع أنهم ما كانوا عالمين بكونه كذباً قطعاً؟ والجواب: من وجهين: الأول: أنهم كانوا متمكنين من العلم بكونه بهتاناً، لأن زوجة الرسول لا يجوز أن تكون فاجرة الثاني: أنهم لما جزموا أنهم ما كانوا ظانين له بالقلب كان إخبارهم عن ذلك الجزم كذباً، ونظيره قوله: { أية : وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لَكَـٰذِبُونَ } تفسير : [المنافقون:1].
ابن كثير
تفسير : هذا تأديب آخر بعد الأول الآمر بظن الخير، أي: إذا ذكر ما لا يليق من القول في شأن الخيرة فأولى ينبغي الظن بهم خيراً، وأن لا يشعر نفسه سوى ذلك، ثم إن علق بنفسه شيء من ذلك، وسوسة أو خيالاً، فلا ينبغي أن يتكلم به، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الله تعالى تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تقل أو تعمل» تفسير : أخرجاه في الصحيحين. وقال الله تعالى: {وَلَوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَـٰذَا} أي: ما ينبغي لنا أن نتفوه بهذا الكلام، ولا نذكره لأحد {سُبْحَـٰنَكَ هَـٰذَا بُهْتَـٰنٌ عَظِيمٌ} أي: سبحان الله أن يقال هذا الكلام على زوجة رسوله، وحليلة خليله. ثم قال تعالى: {يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَداً} أي: ينهاكم الله متوعداً أن يقع منكم ما يشبه هذا أبداً، أي: فيما يستقبل، فلهذا قال: {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} أي: إن كنتم تؤمنون بالله وشرعه، وتعظمون رسوله صلى الله عليه وسلم فأما من كان متصفاً بالكفر، فذاك حكم آخر، ثم قال تعالى: {وَيُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلأَيَـٰتِ} أي: يوضح لكم الأحكام الشرعية والحكم القدرية، {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} أي: عليم بما يصلح عباده، حكيم في شرعه وقدره.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَوْلاَ } هلاّ {إِذْ } حين {سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَّا يَكُونُ } ما ينبغي {لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَٰذَا سُبْحَٰنَكَ } هو للتعجيب هنا {هَٰذَا بُهْتَٰنٌ } كذب {عظِيمٌ }.
النسفي
تفسير : {وَلَوْلاَ } وهلا {إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَـٰذَا } فصل بين لولا و {قُلْتُمْ } بالظرف لأن للظروف شأناً وهو تنزلها من الأشياء منزلة أنفسها لوقوعها فيها وأنها لا تنفك عنها فلذا يتسع فيها ما لا يتسع في غيرها. وفائدة تقديم الظرف أنه كان الواجب عليهم أن يتفادوا أول ما سمعوا بالإفك عن التكلم به، فلما كان ذكر الوقت أهم قدم، والمعنى هلا قلتم إذ سمعتم الإفك ما يصح لنا أن نتكلم بهذا {سُبْحَـٰنَكَ } للتعجب من عظم الأمر ومعنى التعجب في كلمة التسبيح أن الأصل أن يسبح الله عن رؤية العجيب من صنائعه، ثم كثر حتى استعمل في كل متعجب منه، أو لتنزيه الله من أن تكون حرمة نبيه فاجرة. وإنما جاز أن تكون امرأة النبي كافرة كامرأة نوح ولوط ولم يجز أن تكون فاجرة لأن النبي مبعوث إلى الكفار ليدعوهم فيجب أن لا يكون معه ما ينفرهم عنه والكفر غير منفر عندهم، وأما الكشخنة فمن أعظم المنفرات {هَـٰذَا بُهْتَـٰنٌ } زور تبهت من يسمع {عظِيمٌ } وذكر فيما تقدم هذا إفك مبين، ويجوز أن يكونوا أمروا بهما مبالغة في التبري {يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُواْ } في أن تعودوا {لِمِثْلِهِ } لمثل هذا الحديث من القذف أو استماع حديثه {أَبَدًا } ما دمتم أحياء مكلفين {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } فيه تهييج لهم ليتعظوا وتذكير بما يوجب ترك العود وهو الإيمان الصادّ عن كل قبيح {وَيُبَيّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَـٰتِ } الدلالات الواضحات وأحكام الشرائع والآداب الجميلة {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ } بكم وبأعمالكم {حَكِيمٌ } يجزي على وفق أعمالكم أو علم صدق نزاهتها وحكم ببراءتها. {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلْفَـٰحِشَةُ فِى ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } أي ما قبح جداً، والمعنى يشيعون الفاحشة عن قصد الإشاعة ومحبة لها {لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِى ٱلدُّنْيَا } بالحد. ولقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم ابن أبي وحساناً ومسطحاً الحد {وَٱلآخِرَةِ } بالنار وعدها إن لم يتوبوا {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ } بواطن الأمور وسرائر الصدور {وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } أي أنه قد علم محبة من أحب الإشاعة وهو معاقبه عليها
ابن عادل
تفسير : قوله: {وَلَوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ} كقوله: {أية : لَّوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ} تفسير : [النور: 12] ولكن الالتفات فيه قال الزمخشري: فإن قلت: كيف جاز الفصل بين (لولا) و(قلتم) بالظرف؟ قلت: للظروف شأن ليس لغيرها، لأنها لا ينفك عنها ما يقع فيها، فلذلك اتسع فيها. قال أبو حيان: "وهذا يوهم اختصاص ذلك بالظروف، وهو جائز في المفعول به، تقول: لولا زيداً ضربتُ، ولولا عَمْراً قتلتُ". وقال الزمخشري أيضاً: فإن قلت: أي فائدة في تقديم الظرف حتى أوقِعَ فاصلاً؟ قلت: الفائدة فيه: بيان أنه كان الواجب عليهم أن يحترزوا أول ما سمعوا بالإفك عن التكلم به، فلما كان ذكر الوقت أهم وجب تقديمه. فإن قلت: ما معنى "يكون" والكلام بدون مُتْلَئِب لو قيل: ما لنا أن نتكلم بهذا؟ قلت: معناه: ينبغي ويصح، أي: ما ينبغي وما يصح كقوله: {أية : مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أَقُولَ} تفسير : [المائدة: 116]. فصل قوله: {وَلَوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَـٰذَا سُبْحَانَكَ} هذا اللفظ هنا معناه التعجب {هَـٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} أي: كذب عظيم يبهت ويتحير من عظمته. روي أن أم أيوب قالت لأبي أيوب الأنصاري: أما بلغك ما يقول الناس في عائشة؟ فقال أبو أيوب: "سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ" فنزلت الآية على وفق قوله.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: كان أبو أيوب الأنصاري حين أخبرته امرأته قالت: يا أبا أيوب ألا تسمع ما يتحدث الناس؟ فقال {ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم}. وأخرج سنيد في تفسيره عن سعيد بن جبير أن سعد بن معاذ لما سمع ما قيل في أمر عائشة قال: سبحانك! هذا بهتان عظيم. وأخرج ابن أبي سمي في فوائده عن سعيد بن المسيب قال: كان رجلان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا سمعا شيئاً من ذلك قالا: سبحانك! هذا بهتان عظيم، زيد بن حارثة، وأبو أيوب.
القشيري
تفسير : استماعُ الغيبةِ نوعٌ من الغيبة، بل مستمِعُ الغيبة شَرُّ المغتابين؛ إذ بسماعه يَتِمُّ قَصْدُ صاحِبه. وإذا سمِع المؤمنُ ما هو سوءُ قالةٍ في المسلمين - مما لا صِحَّةَ له في التحقيق - فالواجبُ الردُّ على قائله، ولا يكفي في ذلك السكوتُ دون النكير، ويجب ردُّ قائله بأحسنِ نصيحةٍ، وأدقِّ موعظةٍ، ونوع تَشَاغُلٍ عن إظهار المشاركة له فيما يستطيب من نَشْرِه من اخجالٍ لقائله موحشٍ، فإن أبى إلا انهماكاً فيما يقول فيرد عليه بما أمكن؛ لأنه إن لم يسْتَحِ قائلهُ من قوله فلا ينبغي أن يستحيَ المستمعُ من الرَّدِّ عليه.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولولا} [جرا] {اذ سمعتموه} من المخترعين والتابعين لهم {قلتم} تكذيبا لهم وتهويلا لما ارتكبوه {مايكون لنا} ما يمكننا {ان نتكلم بهذا} القول ومايصدر عنا ذلك بوجه من الوجوه وحاصله نفى وجود التكلم به لانفى وجوده على وجه الصحة والاستقامة {سبحانك} تعجب ممن تفوه به واصله ان يذكر عند معاينة العجب من صنائعه تنزيها له سبحانه من ان يصعب عليه امثاله ثم اكثر حتى استعمل فى كل متعجب منه او تنزيه له تعالى من ان يكون حرم نبيه فاجرة فان فجورها تنفير للناس عنه ومخل بمقصود الزواج بخلاف كفرها كا سبق: وبالفارسية [باكست خداى تعالى ازآنكه در حرم محترم بيغمبر قدح تواند كرد] {هذا} الافك الذى لايصح لاحد ان يتكلم به {بهتان عظيم} مصدر بهته اى قال عليه ما لم يفعل اى كذب عظيم عند الله التقاول به كمافى التأويلات النجمية او يبهت ويتحير من عظمته لعظمة المبهوت عليه اى الشخص الذى يبهت عليه اى يقال عليه ما لم يفعل فان حقارة الذنوب وعظمها كما تكون باعتبار مصادرها كا قال ابو سعيد الخراز قدس سره "حسنات الابرار سيآت المقربين" كذا تكون باعتبار متعلقاتها.
الطوسي
تفسير : يقول الله تعالى للمؤمنين: وهلا حين سمعتم من هؤلاء العصبة ما قالوا من الافك {قلتم} في جوابهم {ما يكون لنا أن نتكلم بهذا} أي ليس لنا ذلك بل هو محرم علينا، وقلتم {سبحانك} يا ربنا {هذا} الذي قالوه {بهتان عظيم} أي كذب وزور عظيم عقابه في الظاهر. فالبهتان الكذب الذي فيه مكابرة تحير، يقال: بهته يبهته بهتاً وبهتاناً إذا حيره بالكذب عليه. ثم قال تعالى {يعظكم الله أن تعودوا} أي كراهة أن تعودوا {لمثله} أو لئلا تعودوا إلى مثله من الافك {أبداً} أي طول اعماركم، لا ترجعوا الى مثل هذا القول {إن كنتم مؤمنين} مصدقين بالله ونبيه، قابلين وعظ الله. وقال ابن زيد: الوعظ يمنع ان يقول القائل أنا سمعته، ولم أختلقه. {ويبين الله لكم الآيات} يعني الدلالات والحجج {والله عليم حكيم} أي عالم بما يكون منكم، حكيم فيما يفعله، ولا يضع الشيء إلا فى موضعه. ثم اخبر تعالى {إن الذين يحبون} ويؤثرون {أن تشيع الفاحشة} أي تظهر الافعال القبيحة {في الذين آمنوا لهم عذاب أليم} أي موجع جزاء على ذلك "في الدنيا" باقامة الحد عليهم، وفي {الآخرة} بعذاب النار {والله يعلم} ذلك وغيره {وأنتم لا تعلمون} ان الله تعالى يعلم ذلك. ثم قال {ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رؤف رحيم} لأهلكنكم وعاجلكم بالعقوبة، وحذف الجواب لدلالة الكلام عليه. وفي الآية دلالة على أن العزم على الفسق فسق، لانه إذا الزمه الوعيد على محبة شياع الفاحشة من غيره، فاذا أحبها من نفسه وأرادها كان أعظم.
الجنابذي
تفسير : {وَلَوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَّا يَكُونُ} ما يصحّ {لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَـٰذَا سُبْحَانَكَ} لولا قلتم سبحانك تعجّباً من الجرأة على مثل هذا القول او تنزيهاً لله من ان يكون حرم نبيّه (ص) فاجرة لانّ فى فجورها كراهة النّاس له وكراهتهم ينافى دعوته {هَـٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} فى نفسه فانّ نسبة الفجور اعظم بهتانٍ، وبالنّسبة الى المبهوت عليه فانّها حرم الرّسول (ص).
اطفيش
تفسير : {وَلَوْلاَ} فيه ما في لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون * {إِذْ سَمِعْتَمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا} لو اسقط الكون لصح ولكن ذكر اشارة إلى معنى قولك ما ينبغي وما اتضح لنا {سُبْحَانَكَ} اما تعجب من عظم الامر الاصل ان يسبحوا الله في كل رواية العجيب من صنائعه ثم كثر حتى استعمل في كل متعجب منه واما تنزيه لله ان تكون زوجة نبيه زانية والانبياء مبعوثون إلى الكفار ليدعوهم فلا يكون معهم منفر كزناء الازواج ولم يكن الكفر عندهم منفرا مانعا لهم عن الاسلام فامراتا نوح ولوط كافرتان. {هَذَا} اي الذي قيل في عائشة رضي الله عنها قيل أو القذف مطلقا *{بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} كذب عظيم يبهت به المقول فيه ويبقى حيران وحقيقة البهتان ان يقال في احد ما ليس فيه مما يضره والغيبة ان يقال ما فيه ويكرهه. روي ان ابا ايوب قالت له امرأته ابلغك ما يقول الناس في عائشة؟ فقال: سبحانك هذا بهتان عظيم فنزلت الآية على وفق قوله {يَعِظُكُمْ اللَّهُ} اي ينهاكم والمراد انشاء الوعظ لا استقباله * {أَن تَعُودُواْ} اي عن ان تعودوا. وقيل: يعظكم ويذكركم كراهة ان تعودوا أو في ان تعودوا. ويقال: وعظت فلانا في كذا فتركه. وعن ابن عباس يحرم الله عليكم وعليه فان تعودوا مفعول يعظ * {لِمِثْلِهِ أَبَداً} اي إلى مثله والابد ما استقبل من الدنيا اي يعظكم ايها الناس عن ذلك ابدا فليس يحل لاحد ما دامت الدنيا والخطاب لمن في ذلك الزمان والابد مدة حياتهم مكلفين ويقاس عليهم غيرهم وهو أولى * {إِنْ كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} فان الايمان التام يصد عن كل قبيح هيجهم على ترك العود يجعله العود مخرجا عن الايمان التام وبالآية ونحوها منع اصحابنا رحمهم الله وجازاهم عن الصراط المستقيم خيرا ان يطلق على صاحب الكبرة اسم مؤمن.
اطفيش
تفسير : {ولَوْلا إذْ سَمعتُموهُ قُلتُم ما يكون لنا أن نتكلَّم بِهذا} أى بما قيل فى عائشة، او فى نوعه، وعن عائشة القذف بالزنى يهدم عمل مائة سنة {سبحانك} تعجب امرهم الله به أن يقولوه، أو تعجيب، وأصله للاستعمال فى تنزيه الله عما لا يليق به، كما يقال: لا إله إلا الله فى التعجب. ويجوز بقاؤه على الأصل بمعنى تنزيه الله عز وجل عن أن يجعل لنبيه ما يعاب به، وينفر عنه، وهو فجور الزوج حاشاها، وليس العلم بذلك من شرط النبوة، فلا يقدح فى نبوءته انه لم يعلم ببرائتها، لأنه يسألها وغيرها، هل فعلت وما هالها، وإنما يقدح فى النبوة ان يكون غير أمين، وأما اشتراط عدم المنفر فشرعى عادى مع أنه يمكن أن يعلم بأنه شرط بعد إبراء عائشة، وأما حزنه فطبيعى، وسؤاله كذلك، وقلقه على أن يجعل ذلك الإفك غير منفر للقلوب، وإنما هو بشر يخطر فى قلبه ما اعتقد انه لا يكون، كخوفه من قيام الساعة عند شدة الريح مع اعتقاده أنها لا تقوم فى حياته، وجاز أن تكون امرأة نبى كافرة كامرأة لوط وامرأة نوح، لأن النبى يبعث الى الكفار والكفر عندهم غير منفر، بخلاف الفجور وقوله: {هذا بهتانٌ عظيمٌ} الى قوله: {إن كنتم مؤمنين} من جملة العقول، أو يحتمل ان يكون قوله: {يعظكم الله أن تعودوا لمثله ابداً إن كنتم مؤمنين} من كلام الله متعلقاً بقوله:"أية : وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم"تفسير : [النور: 15] وقال ذلك جماعة من الصحابة قبل نزوله كسلمة بن زيد، وأبى أيوب كما رواه سعيد بن المسيب، وقال عمر رضى الله عنه، لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا قاطع بكذب المنافقين لأن الله عصمك من وقوع الذباب على جلدك، لأنه يقع على النجس فيتلطخ به، فإذا عصمك الله من ذلك، فكيف لا يعصمك من صحبة من تكون متلطخة بمثل هذه الفاحشة، وقال عثمان: إن الله ما اوقع ظلك على الأرض لئلا يضع إنسان قدمه على ذلك، فكيف يمكن أحداً من تلويث عرض زوجك، وكذلك قال على: إن جبريل أخبرك أن على نعلك هذا وأمرك بإخراج النعل عن رجلك ما التصق به من القذر، فكيف لا يأمرك بإخراج زوجك لو تلطخت بفاحشة. وروى ابن مردويه، عن عائشة ان امرأة أبى أيوب قالت: يا أبا أيوب ألا تسمع ما يقال؟ فقال: ما كان لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم، وذلك حسن الظن، أو لعلمهما بأن شرط النبوة السلامة منفر، ولا بعد فى علمهما ما لم يعلمه من هو أعلم صلى الله عليه وسلم، وقال أبو أيوب لزوجه: أتزنين انت؟ قالت: لا، فقال إن عائشة خير منك، وأباها خير من أبيك، وزوجها خير منى، فكيف يصح ذلك، ومعنى يعطف ينصح، وأن تعودوا على تقدير اللام، أو فى أو عن أو حذر أن تعودوا يعظكم فى شأن العود، أو يعظكم الخ بمعنى يزجركم عن العود، وذكر الايمان على معنى أن القاذف كمن لم يؤمن.
الالوسي
تفسير : {وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ } ممن اخترعه أو المتابع له {قُلْتُمْ } تكذيباً له وتهويلاً لما ارتكبه {مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ } أي ما يمكننا وما يصدر عنا بوجه من الوجوه التكلم {بِهَـٰذَا } إشارة إلى القول الذي سمعوه باعتبار شخصه. وجوز أن يكون إشارة إلى نوعه فإن قذف آحاد الناس المتصفين بالإحصان محرم شرعاً، وجاء عن حذيفة مرفوعاً أنه يهدم عمل مائة سنة فضلاً عن تعرض الصديقة حرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والكلام في توسيط الظرف على نحو ما مر. {سُبْحَـٰنَكَ } تعجب ممن تفوه به، وأصله أن يذكر عند معاينة العجيب من صنائعه تعالى شأنه تنزيهاً له سبحانه من أن يصعب عليه أمثاله ثم كثر حتى استعمل في كل متعجب منه واستعماله فيما ذكر مجاز متفرع على الكناية، ومثله في استعماله للتعجب لا إلٰه إلا الله، والعوام يستعملون الصلاة على النبـي صلى الله عليه وسلم في ذلك المقام أيضاً ولم يسمع في لسان الشرع بل قد صرح بعض الفقهاء بالمنع منه. وجوز أن يكون {سُبْحَـٰنَكَ } هنا مستعملاً في حقيقته والمراد تنزيه الله تعالى شأنه من أن يصم نبيه عليه الصلاة والسلام ويشينه فإن فجور الزوجة وصمة في الزوج تنفر عنه القلوب وتمنع عن اتباعه النفوس ولذا صان الله تعالى أزواج الأنبياء عليهم السلام عن ذلك، وهذا بخلاف الكفر فإن كفر الزوجة ليس وصمة في الزوج، وقد ثبت كفر زوجتي نوح عليهما السلام كذا قيل، وسيأتي إن شاء الله تعالى قريباً ما يتعلق به، وعلى هذا يكون {سُبْحَـٰنَكَ } تقريراً لما قبله وتمهيداً لقوله سبحانه {هَـٰذَا بُهْتَـٰنٌ } أي كذب يبهت ويحير سامعه لفظاعته {عظِيمٌ } لا يقدر قدره لعظمة المبهوت عليه فإن حقارة الذنوب وعظمها كثيراً ما يكونان باعتبار متعلقاتها، والظاهر أن التوبيخ للسامعين الخائضين لا للسامعين مطلقاً، فقد روي عن سعيد بن جبير أن سعد بن معاذ لما سمع ما قيل في أمر عائشة رضي الله تعالى عنها قال: سبحانك هذا بهتان عظيم. وعن سعيد بن المسيب أنه قال: كان رجلان من أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم إذا سمعا شيئاً من ذلك قالا ما ذكر أسامة بن زيد بن حارثة وأبو أيوب رضي الله تعالى عنهما. وأخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: إن امرأة أبـي أيوب الأنصاري قالت له: يا أبا أيوب ألا تسمع ما يتحدث به الناس؟ فقال: ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم، ومنشأ هذا الجزم على ما قاله الإمام الرازي العلم بأن زوجة الرسول عليه الصلاة والسلام لا يجوز أن تكون فاجرة، وعلل بأن ذلك ينفر عن الاتباع فيخل بحكمة البعثة كدناءة الآباء وعهر الأمهات، وقد نص العلامة الثاني على أن من شروط النبوة السلامة عن ذلك بل / عن كل ما ينفر عن الاتباع. واستشكل ذلك بأنه إذا كان ما ذكر شرطاً فكيف علمه من سمعت حتى قالوا ما قالوا وخفي الأمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قال كما في «صحيح البخاري» وغيره: « حديث : يا عائشة إنه بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله تعالى وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله تعالى وتوبـي إليه»تفسير : . وجاء في بعض الروايات « حديث : يا عائشة إن كنت فعلت هذا الأمر فقولي لي حتى أستغفر الله تعالى لك » تفسير : وكذا خفي على صاحبه أبـي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، فقد أخرج البزار بسند صحيح عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنه لما نزل عذرها قبل أبو بكر رضي الله تعالى عنه رأسها فقالت: ألا عذرتني فقال: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إن قلت ما لا أعلم؟ وأجيب بأن ذلك ليس من الشروط العقلية للنبوة كالأمانة والصدق بل هو من الشروط الشرعية والعادية كما قال اللقاني فيجوز أن يقال: إنه لم يكن معلوماً قبل وإنما علم بعد نزول آيات براءة عائشة رضي الله تعالى عنها، وعدم العلم بمثل ذلك لا يقدح في منصب النبوة، وأما دعوى علم من ذكر به فلا دليل عليها، وقولهم ذلك يجوز أن يكون ناشئاً عن حسن الظن لا عن علم بكون السلامة من المنفر عن الاتباع من شروط النبوة، ويشهد لهذا نظراً إلى بعض القائلين والظاهر تساويهم ما أخرجه ابن إسحٰق وابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن بعض الأنصار أن امرأة أبـي أيوب قالت له حين قال أهل الإفك ما قالوا: ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة رضي الله تعالى عنها؟ قال: بلى وذلك الكذب أكنت أنت فاعلة يا أم أيوب؟ قالت: لا والله فقال: فعائشة رضي الله تعالى عنها والله خير منك وأطيب إنما هذا كذب وإفك باطل، وروى قريباً منه الحاكم وابن عساكر عن أفلح مولى أبـي أيوب، ولعله المعنى ببعض الأنصار في الخبر السابق، ولم يقل صلى الله عليه وسلم نحو ذلك لحسن الظن لشدة غيرته عليه الصلاة والسلام والغيور لا يكاد يعول في مثل ذلك على حسن الظن، ويمكن أن يكون قولهم ذلك ناشئاً عن العلم بكون السلامة من المنفر عن الاتباع من شروط النبوة بأن يكونوا قد تفطنوا لكون حكمة البعثة تقتضي تلك السلامة وقد يتفطن العالم لما لا يتفطن له من هو أعلم منه. وجوز أن يدعي أن النبـي صلى الله عليه وسلم كان عالماً بعدم جواز فجور نساء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لما فيه من النفرة المخلة بحكمة البعثة لكن أراد عليه الصلاة والسلام أن يظهر أمر براءة الصديقة رضي الله تعالى عنها ظهور الشمس في رابعة النهار بحيث لا يبقى فيها خفاء عند أحد من الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم، وما عراه من الهم إنما هو أمر طبيعي حصل بسبب خوض المنافقين ومن تبعهم وشيوع ما لا أصل له من الباطل بين الناس، ويحتمل أنه صلى الله عليه وسلم كان عالماً بأن السلامة من المنفر من شروط النبوة لكن خشي من الله عز وجل الذي لا يجب عليه شيء أن لا يجعل ما خاض المنافقون وأتباعهم فيه من المنفر بأن لا يرتب سبحانه خلق النفرة في القلوب عليه ليمنع من الاتباع فتختل حكمة البعثة فداخله عليه الصلاة والسلام من الهم ما داخله وجعل يتتبع الأمر على أتم وجه وما ذلك إلا من مزيد العلم ونهاية الحزم، ونظيره من وجه خوفه عليه الصلاة والسلام من قيام الساعة عند اشتداد الريح بحيث لا يستطيع أن ينام ما دام الأمر كذلك حتى تمطر السماء. وقيل: يجوز أن لا يعد فجور الزوجة منفراً إلا إذا أمسكت بعد العلم به فلم لا يجوز أن يقع فيجب طلاقها / وإذا طلقت لا يتحقق المنفر المخل بالحكمة. هذا ولا يخفى عليك ما في بعض الاحتمالات من البحث بل بعضها في غاية البعد عن ساحة القبول، ولعل الحق أنه عليه الصلاة والسلام قد أخفى عليه أمر الشرطية إلى أن اتضح أمر البراءة ونزلت الآيات فيها لحكمة الابتلاء وغيره مما الله تعالى أعلم به، وأن قول أولئك الأصحاب رضي الله تعالى عنهم: سبحانك هذا بهتان عظيم لم يكن ناشئاً إلا عن حسن الظن، ولم يتمسك به صلى الله عليه وسلم لأنه لا يحسم القال والقيل ولايرد به شيء من الأباطيل، ولا ينبغي لمن يؤمن بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم أن يخالج قلبه بعد الوقوف على الآيات والأخبار شك في طهارة نساء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عن الفجور في حياة أزواجهن وبعد وفاتهم عنهن. ونسب للشيعة قذف عائشة رضي الله تعالى عنها بما برأها الله تعالى منه وهم ينكرون ذلك أشد الإنكار وليس في كتبهم المعول عليها عندهم عين منه ولا أثر أصلاً، وكذلك ينكرون ما نسب إليهم من القول بوقوع ذلك منها بعد وفاته صلى الله عليه وسلم وليس له أيضاً في كتبهم عين ولا أثر. والظاهر أنه ليس في الفرق الإسلامية من يختلج في قلبه ذلك فضلاً عن الإفك الذي برأها الله عز وجل منه.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة: { أية : لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون } تفسير : [النور: 12] إلخ. وأعيدت (لولا) وشرطها وجوابها لزيادة الاهتمام بالجملة فلذلك لم يعطف {قلتم} الذي في هذه الجملة على {قلتم} الذي في الجملة قبلها لقصد أن يكون صريحاً في عطف الجمل. وتقديم الظرف وهو {إذ سمعتموه} على عامله وهو {قلتم ما يكون لنا} كتقديم نظيره في قوله: { أية : لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون } تفسير : [النور: 12] إلخ وهو الاهتمام بمدلول الظرف. وضمير {سمعتموه} عائد إلى الإفك مثل الضمائر المماثلة له في الآيات السابقة. واسم الإشارة عائد إلى الإفك بما يشتمل عليه من الاختلاق الذي يتحدث به المنافقون والضعفاء، فالإشارة إلى ما هو حاضر في كل مجلس من مجالس سماع الإفك. ومعنى {قلتم ما يكون لنا} أن يقولوا للذين أخبروهم بهذا الخبر الآفك. أي قلتم لهم زجراً وموعظة. وضمير {لنا} مراد به القائلون والمخاطبون. فأما المخاطبون فلأنهم تكلموا به حين حدثوهم بخبر الإفك. والمعنى: ما يكون لكم أن تتكلموا بهذا، وأما المتكلمون فلتنزههم من أن يجري ذلك البهتان على ألسنتهم. وإنما قال: {ما يكون لنا أن نتكلم بهذا} دون أن يقول: ليس لنا أن نتكلم بهذا، للتنبيه على أن الكلام في هذا وكينونة الخوض فيه حقيق بالانتفاء. وذلك أن قولك: ما يكون لي أن أفعل، أشد في نفي الفعل عنك من قولك: ليس لي أن أفعل. ومنه قوله تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام { أية : قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق } تفسير : [المائدة: 116]. وهذا مسوق للتوبيخ على تناقلهم الخبر الكاذب وكان الشأن أن يقول القائل في نفسه: ما يكون لنا أن نتكلم بهذا، ويقول ذلك لمن يجالسه ويسمعه منه. فهذا زيادة على التوبيخ على السكوت عليه في قوله تعالى: { أية : وقالوا هذا إفك مبين } تفسير : [النور: 12]. و{سبحانك} جملة إنشاء وقعت معترضة بين جملة: {ما يكون لنا أن نتكلم بهذا} وجملة: {هذا بهتان عظيم}. و{سبحانك} مصدر وقع بدلاً من فعله، أي نسبح سبحاناً لك. وإضافته إلى ضمير الخطاب من إضافة المصدر إلى مفعوله، وهو هنا مستعار للتعجب كما تقدم عند قوله تعالى: { أية : سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً } تفسير : [الإسراء: 1] وقوله: { أية : وسبحان الله وما أنا من المشركين } تفسير : في سورة يوسف (108). والأحسن أن يكون هنا لإعلان المتكلم البراءة من شيء بتمثيل حال نفسه بحال من يشهد الله على ما يقول فيبتدىء بخطاب الله بتعظيمه ثم بقول: {هذا بهتان عظيم} تبرّئاً من لازم ذلك وهو مبالغة في إنكار الشيء والتعجب من وقوعه. وتوجيه الخطاب إلى الله في قوله: {سبحانك} للإشعار بأن الله غاضب على من يخوض في ذلك فعليهم أن يتوجهوا لله بالتوبة منه لمن خاضوا فيه وبالاحتراز من المشاركة فيه لمن لم يخوضوا فيه. وجملة: {هذا بهتان عظيم} تعليل لجملة: {ما يكون لنا أن نتكلم بهذا} فهي داخلة في توبيخ المقول لهم. ووصف البهتان بأنه {عظيم} معناه أنه عظيم في وقوعه، أي بالغ في كنه البهتان مبلغاً قوياً. وإنما كان عظيماً لأنه مشتمل على منكرات كثيرة وهي: الكذب، وكون الكذب يطعن في سلامة العرض، وكونه يسبب إحناً عظيمة بين المفترين والمفترى عليهم بدون عذر، وكون المفترى عليهم من خيرة الناس وانتمائهم إلى أخير الناس من أزواج وآباء وقرابات، وأعظم من ذلك أنه اجتراء على مقام النبي صلى الله عليه وسلم ومقام أم المؤمنين رضي الله عنها. والبهتان مصدر مثل الكفران والغفران. والبهتان: الخبر الكذب الذي يُبهت السامع لأنه لا شبهة فيه. وقد مضى عند قوله تعالى: { أية : وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً } تفسير : في سورة النساء (156).
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 16- وكان ينبغى عند سماع هذا القول الباطل أن تنصحوا بعدم الخوض فيه، لأنه غير لائق بكم، وأن تتعجبوا من اختراع هذا النوع القبيح الخطير من الكذب. 17- وأن الله ينهاكم أن تعودوا لمثل هذه المعصية البتَّة إن كنتم مؤمنين حقاً، لأن وصف الإيمان يتنافى معها. 18- وينزل الله لكم الآيات الدالة على الأحكام واضحة جلية. والله واسع العلم لا يغيب عنه شئ من أعمالكم، وهو الحكيم فى كل ما يشرع ويخلق، فكل شرعه وخلقه على مقتضى الحكمة. 19- إن الذين يحبون أن يُفْشوا ذكر القبائح، فيفشوا معه القبائح نفسها بين المؤمنين، لهم عذاب مؤلم فى الدنيا بالعقوبة المقررة، وفى الآخرة بالنار إن لم يتوبوا. والله عليم بجميع أحوالكم الظاهرة والباطنة، وأنتم لا تعلمون ما يعلمه. 20- ولولا فضل الله عليكم ورحمته بكم، وأنه شديد الرأفة واسع الرحمة، لَما بيّن لكم الأحكام، ولعجَّل عقوبتكم فى الدنيا بالمعصية. 21- يا أيها الذين آمنوا حصِّنوا أنفسكم بالإيمان، ولا تسيروا وراء الشيطان الذى يجركم إلى إشاعة الفاحشة والمعاصى بينكم. ومن يتبع الشيطان فقد عصى، لأنه يأمر بكبائر الذنوب وقبائح المعاصى، ولولا فضل الله عليكم ورحمته بكم ببيان الأحكام وقبول توبة العصاة ما طهر أحد منكم من دنس العصيان. ولكن الله يطهر من يتجه إلى ذلك بتوفيقه للبعد عن المعصية، أو مغفرتها له بالتوبة، والله سميع لكل قول، عليم بكل شئ، ومجازيكم عليه.
د. أسعد حومد
تفسير : {سُبْحَانَكَ} {بُهْتَانٌ} (16) - وَكَانَ يَنْبَغِي عَلَيْكُمْ عِنْدَ سَمَاعِ مَا أَشَاعَهُ المُنَافِقُونَ مِنْ حَدِيثِ الإِفْكِ والكَذِب والافْتِرَاءِ عَلَى أُمِّ المُؤْمِنِينَ الطَاهِرَةِ، أَنْ تَنْصحُوا بِعَدَمِ الخَوْضِ فِيهِ لأَنَّهُ غَيْرُ لاَئِق بِكُمْ، وأَنْ تَتَعَجَّبُوا مِنْ اخْتِرَاعِ هَذَا النَّوْعِ، مِنْ الكَذِبِ والبُهْتَانِ، وأَنْ تَقُولُوا: لاَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَفَوَّهَ بِهَذَا الكَلاَمِ، وَلاَ أَنْ نَذْكُرَهُ لأَحَدٍ تَنَزَّهَ اللهُ رَبُّنَا أَنْ يُقَالَ هَذَا الكَلامُ، عَلَى ابنةِ الصِّدِّيقِ زَوْجَةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَمَا هُوَ إِلاَّ كَذِبٌ وَبُهَتَانٌ، وَإِنَّنا لَنَبْرَأُ إِلَى اللهِ رَبِّنَا مِنْهُ، وَمِنْ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ سَوَّلَتْ لَهُ نَفْسُه أَنْ يَكُونَ الوَسِيلةَ فِي انْتِشَارِ هَذَا القَوْلِ الكَاذِبِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ. سُبْحَانَكَ - تَعَجُّبٌ مِن شَنَاعَةِ هَذَا الإِفْكِ. بُهَتَانٌ - كَذِبٌ يُحَيِّرُ سَامِعَهُ لِفَظَاعَتِهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هذا ما كان ما يجب أن تقابلوا به هذا الخبر، أنْ تقولوا لا يجوز لنا ولا يليق بنا أن نتناقل مثل هذا الكلام. وكلمة {سُبْحَانَكَ ..} [النور: 16] تقال عند التعجُّب من حدوث شيء. والمعنى: سبحان الله نُنزِّهه ونُجِله ونُعليه أن يسمح بمثل هذا الكذب الشنيع في حقِّ رسوله صلى الله عليه وسلم، فهذا كلام لا يصح أن نتكلم به ولو حتى بالنفي، فإنْ كان الكلام بالإثبات جريمة فالكلام بالنفي فيه مَظنة أن هذا قد يحدث. كما لو قلت: الوَرِع فلان، أو الشيخ فلان لا يشرب الخمر، فكأنه رغم النفي جعلته مظنة ذلك، فلا يصح أن ينسب إليه السوء ولو بالنفي، فذلك ذَمٌّ في حقِّه لا مدح. كذلك التحدث بهذه التهمة لا يليق بأم المؤمنين، ولو حتى بالنفي، ومعنى {بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} [النور: 16] كذب يبهت سامعه، ويُدهِشه لفظاعته، وشناعته. فنحن نأنف أن نقول هذا الكلام، ولو كنا منكرين له.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {قُلْتُمْ مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَـٰذَا} معناه ما يَنبغي لَنا.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):