Verse. 2817 (AR)

٢٤ - ٱلنُّور

24 - An-Nour (AR)

اَلْخَبِيْثٰتُ لِلْخَبِيْثِيْنَ وَالْخَبِيْثُوْنَ لِلْخَبِيْثٰتِ۝۰ۚ وَالطَّيِّبٰتُ لِلطَّيِّبِيْنَ وَالطَّيِّبُوْنَ لِلطَّيِّبٰتِ۝۰ۚ اُولٰۗىِٕكَ مُبَرَّءُوْنَ مِمَّا يَقُوْلُوْنَ۝۰ۭ لَہُمْ مَّغْفِرَۃٌ وَّرِزْقٌ كَرِيْمٌ۝۲۶ۧ
Alkhabeethatu lilkhabeetheena waalkhabeethoona lilkhabeethati waalttayyibatu lilttayyibeena waalttayyiboona lilttayyibati olaika mubarraoona mimma yaqooloona lahum maghfiratun warizqun kareemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«الخبيثات» من النساء ومن الكلمات «للخبيثين» من الناس «والخبيثون» من الناس «للخبيثات» مما ذكر «والطيبات» مما ذكر «للطيبين» من الناس «والطيبون» منهم «للطيبات» مما ذكر أي اللائق بالخبيث مثله وبالطيب مثله «أولئك» الطيبون والطيبات من النساء ومنهم عائشة وصفوان «مبرؤون مما يقولون» أي الخبيثون من الرجال والنساء فيهم «لهم» للطيبين والطيبات «مغفرة ورزق كريم» في الجنة وقد افتخرت عائشة بأشياء منها أنها خلقت طيبة ووعدت مغفرة ورزقاً كريماً.

26

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن الخبيثات يقع على الكلمات التي هي القذف الواقع من أهل الإفك، ويقع أيضاً على الكلام الذي هو كالذم واللعن، ويكون المراد من ذلك لا نفس الكلمة التي هي من قبل الله تعالى، بل المراد مضمون الكلمة، ويقع أيضاً على الزواني من النساء، وفي هذه الآية كل هذه الوجوه محتملة، فإن حملناها على القذف الواقع من أهل الإفك كان المعنى الخبيثات من قول أهل الإفك للخبيثين من الرجال، وبالعكس والطيبات من قول منكري الإفك للطيبين من الرجال وبالعكس، وإن حملناها على الكلام الذي هو كالذم واللعن، فالمعنى أن الذم واللعن معدان للخبيثين من الرجال، والخبيثون منهم معرضون للعن والذم. وكذا القول في الطيبات وأولئك إشارة إلى الطيبين وأنهم مبرءون مما يقول الخبيثون من خبيثات الكلمات، وإن حملناه حملناه على الزواني فالمعنى الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال وبالعكس، على معنى قوله تعالى: { أية : ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً } تفسير : [النور: 3] والطيبات من النساء للطيبين من الرجال، والمعنى أن مثل ذلك الرمي الواقع من المنافقين لا يليق إلا بالخبيثات والخبيثين لا بالطيبات والطيبين، كالرسول صلى الله عليه وسلم وأزواجه. فإن قيل فعلى هذا الوجه يلزم أن لا يتزوج الرجل العفيف بالزانية والجواب: ما تقدم في قوله: {ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً } وقوله: {أُوْلَـئِكَ مُبَرَّءُونَ } يعني الطيبات والطيبين مما يقوله أصحاب الإفك، سوى قول من حمله على الكلمات فكأنه قال الطيبون مبرءون مما يقوله الخبيثون، ومتى حمل أولئك على هذا الوجه كان لفظه كمعناه في أنه جمع، ومتى حملته على عائشة وصفوان وهما اثنان فكيف يعبر عنهما بلفظ الجمع؟ فجوابه من وجهين: الأول: أن ذلك الرمي قد تعلق بالنبي صلى الله عليه وسلم وبعائشة وصفوان فبرأ الله تعالى كل واحد منهم من التهمة اللائقة به الثاني: أن المراد به كل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فكأنه تعالى برأهن من هذا الإفك. لكن لا يقدح فيهن أحد كما أقدموا على عائشة، ونزه الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك عن أمثال هذا الأمر وهذا أبين كأنه تعالى بين أن الطيبات من النساء للطيبين من الرجال، ولا أحد أطيب ولا أطهر من الرسول، فأزواجه إذن لا يجوز أن يكن إلا طيبات، ثم بين تعالى أن: {لَهُم مَّغْفِرَةٌ } يعني براءة من الله ورسوله ورزق كريم في الآخرة، ويحتمل أن يكون ذلك خبراً مقطوعاً به، فيعلم بذلك أن أزواج الرسول عليه الصلاة والسلام هن معه في الجنة، وقد وردت الأخبار بذلك ويحتمل أن يكون المراد بشرط اجتناب الكبائر والتوبة، والأول أولى لأنا إنما نحتاج إلى الشرط إذا لم يمكن حمل الآية عليه، أما إذا أمكن فلا وجه لطلب الشرط، وهذا يدل على أن عائشة رضي الله عنها تصير إلى الجنة بخلاف مذهب الرافضة الذين يكفرونها بسبب حرب يوم الجمل فإنهم يردون بذلك نص القرآن فإن قيل القطع بأنها من أهل الجنة إغراء لها بالقبيح. قلنا أليس أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أعلمه الله تعالى بأنه من أهل الجنة ولم يكن ذلك إغراء له بالقبيح، وكذا العشرة المبشرة بالجنة فكذا ههنا، والله أعلم تمت قصة أهل الإفك.

القرطبي

تفسير : قال ابن زيد: المعنى الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، وكذا الخبيثون للخبيثات، وكذا الطيّبات للطيّبين والطيّبون للطيّبات. وقال مجاهد وابن جُبير وعطاء وأكثر المفسرين: المعنى الكلمات الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال، وكذا الخبيثون من الناس للخبيثات من القول، وكذا الكلمات الطيبات من القول للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من القول. قال النحاس في كتاب معاني القرآن: وهذا أحسن ما قيل في هذه الآية. ودلّ على صحة هذا القول: {أُوْلَـٰئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ} أي عائشة وصفوان مما يقول الخبيثون والخبيثات. وقيل: إن هذه الآية مبنية على قوله: {ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً} الآية؛ فالخبيثات الزواني، والطيبات العفائف، وكذا الطيبون والطيبات. واختار هذا القول النحاس أيضاً، وهو معنى قول ابن زيد. {أُوْلَـٰئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ} يعني به الجنس. وقيل: عائشة وصفوان، فجمع؛ كما قال: {أية : فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ} تفسير : [النساء: 11] والمراد أخوان؛ قاله الفراء. و{مُبَرَّءُونَ} يعني منزّهين مما رُمُوا به. قال بعض أهل التحقيق: إن يوسف عليه السلام لما رُمي بالفاحشة برّأه الله على لسان صبيّ في المهد، وإن مريم لما رُميت بالفاحشة برأها الله على لسان ابنها عيسى صلوات الله عليه، وإن عائشة لما رُميت بالفاحشة برّأها الله تعالى بالقرآن؛ فما رضي لها ببراءة صبيّ ولا نبيّ حتى برأها الله بكلامه من القذف والبهتان. وروي عن عليّ بن زيد بن جُدعان عن جدّته عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: لقد أعطيت تسعاً ما أعطيتهن امرأة: لقد نزل جبريل عليه السلام بصورتي في راحته حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتزوّجني، ولقد تزوّجني بكراً وما تزوّج بكراً غيري، ولقد تُوُفِّيَ صلى الله عليه وسلم وإن رأسه لفي حجري، ولقد قُبر في بيتي، ولقد حفّت الملائكة ببيتي، وأن كان الوحي لينزل عليه وهو في أهله فينصرفون عنه، وأن كان لينزل عليه وأنا معه في لحافه فما يُبِينُني عن جسده، وإني لابنة خليفته وصدِّيقه، ولقد نزل عُذْرِي من السماء، ولقد خُلقتُ طيّبة وعند طيّب، ولقد وُعدت مغفرة ورزقاً كريماً؛ تَعْنِي قولَه تعالى: {لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} وهو الجنة.

البيضاوي

تفسير : {ٱلْخَبِيثَـٰتُ لِلْخَبِيثِينَ وَٱلْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَـٰتِ وَٱلطَّيّبَـٰتُ لِلطَّيّبِينَ وَٱلطَّيّبُونَ لِلْطَّيّبَـٰتِ} أي الخبائث يتزوجن الخباث وبالعكس وكذلك أهل الطيب فيكون كالدليل على قوله: {أُوْلَـٰئِكَ} يعني أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم أو الرسول وعائشة وصفوان رضي الله تعالى عنهم. {مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ} إذ لو صدق لم تكن زوجته عليه الصلاة والسلام ولم يقرر عليها، وقيل {ٱلْخَبِيثَـٰتُ} {وَٱلطَّيّبَـٰتُ } من الأقوال والإِشارة إلى {الطيبين} والضمير في {يَقُولُونَ} للآفكين، أي مبرؤون مما يقولون فيهم أو {لِلْخَبِيثِينَ } و {ٱلْخَبِيثَـٰتُ} أي مبرؤون من أن يقولوا مثل قولهم.{لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} يعني الجنة، ولقد برأ الله أربعة بأربعة: برأ يوسف عليه الصلاة والسلام بشاهد من أهلها، وموسى عليه الصلاة والسلام من قول اليهود فيه بالحجر الذي ذهب بثوبه، ومريم بإنطاق ولدها، وعائشة رضي الله تعالى عنها بهذه الآيات الكريمة مع هذه المبالغة، وما ذلك إلا لإِظهار منصب الرسول صلى الله عليه وسلم وإعلاء منزلته. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ } التي لا تسكنونها فإن الآجر والمعير أيضاً لا يدخلان إلا بإذن. {حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ} تستأذنوا من الاستئناس بمعنى الاستعلام من آنس الشيء إذا أبصره، فإن المستأذن مستعلم للحال مستكشف أنه هل يراد دخوله أو يؤذن له، أو من الاستئناس الذي هو خلاف الاستيحاش فإن المستأذن مستوحش خائف أن لا يؤذن له فإذا له استأنس، أو تتعرفوا هل ثم إنسان من الإنس. {وَتُسَلّمُواْ عَلَىٰ أَهْلِهَا } بأن تقولوا السلام عليكم أأدخل. وعنه عليه الصلاة والسلام «حديث : التسليم أن يقول السلام عليكم أأدخل ثلاث مرات فإن أذن له دخل وإلا رجع»تفسير : {ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ } أي الاستئذان أو التسليم خير لكم من أن تدخلوا بغتة، أو من تحية الجاهلية كان الرجل منهم إذا دخل بيتاً غير بيته قال: حييتم صباحاً أو حييتم مساء ودخل فربما أصاب الرجل مع امرأته في لحاف. وروي أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم «حديث : أأستأذن على أمي، قال: نعم، قال: إنها ليس لها خادم غيري أأستأذن عليها كلما دخلت، قال: أتحب أن تراها عريانة، قالا: لا، قال: فاستأذن»تفسير : . {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} متعلق بمحذوف أي أنزل عليكم، أو قيل لكم هذا إرادة أن تذكروا وتعملوا بما هو أصلح لكم. {فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَا أَحَداً} يأذن لكم. {فَلاَ تَدْخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤْذَنَ لَكُمُ} حتى يأتي من يأذن لكم فإن المانع من الدخول ليس الاطلاع على العورات فقط بل وعلى ما يخفيه الناس عادة مع أن التصرف في ملك الغير بغير إذنه محظور، واستثنى ما إذا عرض فيه حرق أو غرق أو كان فيه منكر ونحوها. {وَإِن قِيلَ لَكُمْ ٱرْجِعُواْ فَٱرْجِعُواْ} ولا تلحوا. {هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ } الرجوع أطهر لكم عما لا يخلو الإِلحاح والوقوف على الباب عنه من الكراهة وترك المروءة، أو أنفع لدينكم ودنياكم. {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} فيعلم ما تأتون وما تذرون مما خوطبتم به فيجازيكم عليه. {لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ } كالربط والحوانيت والخانات والخانقات. {فِيهَا مَتَاعٌ } استمتاع. {لَكُمْ } كالاستكنان من الحر والبرد وإيواء الأمتعة والجلوس للمعاملة، وذلك استثناء من الحكم السابق لشموله البيوت المسكونة وغيرها. {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ } وعيد لمن دخل مدخلاً لفساد أو تطلع على عورات. {قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَـٰرِهِمْ } أي ما يكون نحو محرم. {وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ } إلا على أزواجهن أو ما ملكت أيمانهم، ولما كان المستثنى منه كالشاذ النادر بخلاف الغض أطلقه وقيد الغض بحرف التبعيض، وقيل حفظ الفروج ها هنا خاصة سترها. {ذٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ } أنفع لهم أو أطهر لما فيه من البعد عن الريبة. {إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ } لا يخفى عليه إجالة أبصارهم واستعمال سائر حواسهم وتحريك جوارحهم وما يقصدون بها، فليكونوا على حذر منه في كل حركة وسكون. {وَقُل لّلْمُؤْمِنَـٰتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَـٰرِهِنَّ} فلا ينظرن إلى ما لا يحل لهن النظر إليه من الرجال. {وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} بالتستر أو التحفظ عن الزنا، وتقديم الغض لأن النظر بريد الزنا. {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} كالحلي والثياب والأصباغ فضلاً عن مواضعها لمن لا يحل أن تبدى له. {إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا} عند مزاولة الأشياء كالثياب والخاتم فإن في سترها حرجاً، وقيل المراد بالزينة مواضعها على حذف المضاف أو ما يعم المحاسن الخلقية والتزيينية، والمستثنى هو الوجه والكفان لأنها ليست بعورة والأظهر أن هذا في الصلاة لا في النظر فإن كل بدن الحرة عورة لا يحل لغير الزوج والمحرم النظر إلى شيء منها إلا لضرورة كالمعالجة وتَحَمُّلِ الشهادة. {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ } ستراً لأعناقهن. وقرأ نافع وعاصم وأبو عمرو وهشام بضم الجيم. {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ } كرره لبيان من يحل له الإِبداء ومن لا يحل له. {إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ} فإنهم المقصودون بالزينة ولهم أن ينظروا إلى جميع بدنهن حتى الفرج بكره. {أَوْ ءَابَآئِهِنَّ أَوْ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِى إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِى أَخَوٰتِهِنَّ} لكثرة مداخلتهم عليهن واحتياجهن إلى مداخلتهم وقلة توقع الفتنة من قبلهم لما في الطباع من النفرة عن مماسة القرائب، ولهم أن ينظروا منهن ما يبدو عند المهنة والخدمة وإنما لم يذكر الأعمام والأخوال لأنهم في معنى الإِخوان لا يتحرجن عن وصفهن للرجال أو النساء كلهن، وللعلماء في ذلك خلاف. {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُنَّ} يعم الإِماء والعبيد، لما روي «حديث : أنه عليه الصلاة والسلام أتى فاطمة بعبد وهبه لها وعليها ثوب، إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها وإذا غطت رجليها لم يبلغ رأسها فقال عليه الصلاة والسلام: إنه ليس عليك بأس إنما هو أبوك وغلامك»تفسير : وقيل المراد بها. الإِماء وعبد المرأة كالأجنبي منها. {أَوِ ٱلتَّـٰبِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي ٱلإِرْبَةِ مِنَ ٱلرّجَالِ} أي أولي الحاجة إلى النساء وهم الشيوخ الهم والممسوحون، وفي المجبوب والخصي خلاف وقيل البله الذين يتبعون الناس لفضل طعامهم ولا يعرفون شيئاً من أمور النساء، وقرأ ابن عامر وأبو بكر غير بالنصب على الحال. {أَوِ ٱلطّفْلِ ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَىٰ عَوْرٰتِ ٱلنّسَاءِ} لعدم تمييزهم من الظهور بمعنى الاطلاع، أو لعدم بلوغهم حد الشهوة من الظهور بمعنى الغلبة والطفل جنس وضع موضع الجمع اكتفاء بدلالة الوصف. {وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ } ليتقعقع خلخالها فيعلم أنها ذات خلخال فإن ذلك يورث ميلاً في الرجال، وهو أبلغ من النهي عن إظهار الزينة وأدل على المنع من رفع الصوت. {وَتُوبُواْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ} إذ لا يكاد يخلوا أحد منكم من تفريط سيما في الكف عن الشهوات، وقيل توبوا مما كنتم تفعلونه، في الجاهلية فإنه وإن جب بالإِسلام لكنه يجب الندم عليه والعزم على الكف عنه كلما يتذكر، وقرأ ابن عامر «أيه المؤمنون» وفي «الزخرف» {أية : يا أَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ} تفسير : [الزخرف: 49] وفي «الرحمن» {أية : أَيُّهَ ٱلثَّقَلاَنِ} تفسير : [الرحمن: 31] بضم الهاء في الوصل في الثلاثة والباقون بفتحها، ووقف أبو عمرو والكسائي عليهن بالألف، ووقف الباقون بغير الألف. {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} بسعادة الدارين. {وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَـٰمَىٰ مِنْكُمْ وَٱلصَّـٰلِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ } لما نهى عما عسى يفضي إلى السفاح المخل بالنسب المقتضي للألفة وحسن التربية ومزيد الشفقة المؤدية إلى بقاء النوع بعد الزجر عنه مبالغة فيه عقبه بأمر النكاح الحافظ له والخطاب للأولياء والسادة، وفيه دليل على وجوب تزويج المولية والمملوك وذلك عند طلبهما، وإشعار بأن المرأة والعبد لا يستبدان به إذ لو استبدا لما وجب على الولي والمولى، و «أيامى» مقلوب أيايم كيتامى، جمع أيم وهو العزب ذكراً كان أو أنثى بكراً كان أو ثيباً قال:شعر : فَإِنْ تَنْكِحِي أَنْكح وَإِنْ تَتَأْيَّمِي وَإِنْ كُنْت أَفْتى مِنْكُم أَتَأَيَّم تفسير : وتخصيص {ٱلصَّـٰلِحِينَ } لأن إحصان دينهم والاهتمام بشأنهم أهم، وقيل المراد الصالحون للنكاح والقيام بحقوقه، {إِن يَكُونُواْ فُقَرَاء يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ } رد لما عسى يمنع من النكاح، والمعنى لا يمنعن فقر الخاطب أو المخطوبة من المناكحة فإن في فضل الله غنية عن المال فإنه غاد ورائح، أو وعد من الله بالإِغناء لقوله صلى الله عليه وسلم «حديث : اطلبوا الغنى في هذه الآية» تفسير : لكن مشروط بالمشيئة كقوله تعالى: {أية : إِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاء }تفسير : [التوبة: 28] {وَٱللَّهُ وٰسِعٌ} ذو سعة لا تنفد نعمته إذ لا تنتهي قدرته. {عَلِيمٌ} يبسط الرزق ويقدر على ما تقتضيه حكمته. {وَلْيَسْتَغفِفِ} وليجتهد في العفة وقمع الشهوة. {ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً } أسبابه، ويجوز أن يراد بالنكاح ما ينكح به أو بالوجدان التمكن منه. {حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ } فيجدوا ما يتزوجون به. {وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَـٰبَ } المكاتبة وهو أن يقول الرجل لمملوكه كاتبتك على كذا من الكتاب لأن السيد كتب على نفسه عتقه إذا أدى المال، أو لأنه مما يكتب لتأجيله أو من الكتب بمعنى الجمع لأن العوض فيه يكون منجماً بنجوم يضم بعضها إلى بعض. {مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ } عبداً كان أو أمة والموصول بصلته مبتدأ خبره. {فَكَـٰتِبُوهُمْ } أو مفعول لمضمر هذا تفسيره والفاء لتضمن معنى الشرط، والأمر فيه للندب عند أكثر العلماء لأن الكتابة معاوضة تتضمن الارفاق فلا تجب كغيرها واحتجاج الحنفية بإطلاقه على جواز الكتابة الحالية ضعيف لأن المطلق لا يعم مع أن العجز عن الأداء في الحال يمنع صحتها كما في السلم فيما لا يوجد عند المحل. {إِنْ عَلِمُتُمْ فِيهِمْ خَيْراً} أمانة وقدرة على أداء المال بالاحتراف، وقد روي مثله مرفوعاً. وقيل صلاحاً في الدين. وقيل مالاً وضعفه ظاهر لفظاً ومعنى وهو شرط الأمر فلا يلزم من عدمه عدم الجواز. {وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ اللهِ الَّذِى ءَاتَاكُمْ} أمر للموالي كما قبله بأن يبذلوا لهم شيئاً من أموالهم، وفي معناه حط شيء من مال الكتابة وهو للوجوب عند الأكثر ويكفي أقل ما يتمول. وعن علي رضي الله تعالى عنه يحط الربع، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الثلث، وقيل ندب لهم إلى الإنفاق عليهم بعد أن يؤتوا ويعتقوا، وقيل أمر لعامة المسلمين بإعانة المكاتبين وإعطائهم سهمهم من الزكاة ويحل للمولى وإن كان غنياً، لأنه لا يأخذه صدقة كالدائن والمشتري، ويدل عليه قوله عليه الصلاة والسلام في حديث بريرة «حديث : هو لها صدقة ولنا هدية»تفسير : {وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَـٰتِكُمْ } إماءكم. {عَلَى ٱلْبِغَاء} على الزنا، كانت لعبد الله بن أبي ست جوار يكرههن على الزنا وضرب عليهن الضرائب فشكا بعضهن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت. {إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً} تعففاً شرط للإِكراه فإنه لا يوجد دونه، وإن جعل شرطاً للنهي لم يلزم من عدمه جواز الإِكراه لجواز أن يكون ارتفاع النهي بامتناع المنهي عنه، وإيثار إن على إذا لأن إرادة التحصن من الإِماء كالشاذ النادر. {لّتَبْتَغُواْ عَرَضَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُنَّ فِإِنَّ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي لهن أوله إن تاب، والأول أوفق للظاهر ولما في مصحف ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: من بعد إكراههن لهن غفور رحيم ولا يرد عليه أن المكرهة غير آثمة فلا حاجة إلى المغفرة لأن الإِكراه لا ينافي المؤاخذة بالذات ولذلك حرم على المكره القتل وأوجب عليه القصاص. {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ ءَايَـٰتٍ مُّبَيّنَـٰتٍ } يعني الآيات التي بينت في هذه السورة وأوضحت فيها الأحكام والحدود، وقرأ ابن عامر وحفص وحمزة والكسائي بالكسر في هذا وفي «الطلاق» لأنها واضحات تصدقها الكتب المتقدمة والعقول المستقيمة من بين بمعنى تبين، أو لأنها بينت الأحكام والحدود. {وَمَثَلاً مّنَ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ} أو ومثلاً من أمثال من قبلكم أي وقصة عجيبة مثل قصصهم، وهي قصة عائشة رضي الله تعالى عنها فإنها كقصة يوسف ومريم. {وَمَوْعِظَةً لّلْمُتَّقِينَ} يعني ما وعظ به في تلك الآيات، وتخصيص المتقين لأنهم المنتفعون بها، وقيل المراد بالآيات القرآن والصفات المذكورة صفاته. {ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} النور في الأصل كيفية تدركها الباصرة أولاً وبواسطتها سائر المبصرات كالكيفية الفائضة من النيرين على الأجرام الكثيفة المحاذية لهما، وهو بهذا المعنى لا يصح إطلاقه على الله تعالى إلا بتقدير مضاف كقولك: زيد كرم بمعنى ذو كرم، أو على تجوز إما بمعنى منور السموات والأرض وقد قرىء به فإنه تعالى نورهما بالكواكب وما يفيض عنها من الأنوار أو بالملائكة والأنبياء. أو مدبرهما من قولهم للرئيس الفائق في التدبير: نور القوم لأنهم يهتدون به في الأمور. أو موجدهما فإن النور ظاهر بذاته مظهر لغيره وأصل الظهور هو الوجود كما أن أصل الخفاء هو العدم، والله سبحانه وتعالى موجود بذاته موجد لما عداه. أو الذي به تدرك أو يدرك أهلها من حيث إنه يطلق على الباصرة لتعلقها به أو لمشاركتها له في توقف الإِدراك عليه ثم على البصيرة لأنها أقوى إدراكاً فإنها تدرك نفسها وغيرها من الكليات والجزئيات الموجودات والمعدومات، وتغوص في بواطنها وتتصرف فيها بالتركيب والتحليل، ثم إن هذه الإِدراكات ليست لذاتها وإلا لما فارقتها فهي إذن من سبب يفيضها عليها وهو الله سبحانه وتعالى إبتداء أو بتوسط من الملائكة والأنبياء ولذلك سموا أنواراً، ويقرب منه قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: معناه هادي من فيهما فهم بنوره يهتدون، وإضافته إليهما للدلالة على سعة إشراقه أو لاشتمالها على الأنوار، الحسية والعقلية وقصور الإِدراكات عليهما وعلى المتعلق بهما والمدلول لهما. {مَثَلُ نُورِهِ } صفة نوره العجيبة الشأن، وإضافته إلى ضميره سبحانه وتعالى دليل على أن إطلاقه عليه لم يكن على ظاهره. {كَمِشْكَاةٍ } كصفة مشكاة، وهي الكوة الغير النافذة. وقرأ الكسائي برواية الدوري بالإِمالة. {فِيهَا مِصْبَاحٌ} سراج ضخم ثاقب، وقيل المشكاة الأنبوبة في وسط القنديل والمصباح الفتيلة المشتعلة. {ٱلْمِصْبَاحُ فِى زُجَاجَةٍ} في قنديل من الزجاج. {ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرّيٌّ} مضيء متلألىء كالزهرة في صفائه وزهرته منسوب إلى الدرء أو فعيل كمريق من الدرء فإنه يدفع الظلام بضوئه، أو بعض ضوئه بعضاً من لمعانه إلا أنه قلبت همزته ياء ويدل عليه قراءة حمزة وأبي بكر على الأصل، وقراءة أبي عمرو والكسائي «درىء» كشريب وقد قرىء به مقلوباً. {يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ زَيْتُونَةٍ } أي إبتداء ثقوب المصباح من شجرة الزيتون المتكاثر نفعه بأن رويت ذبالته بزيتها، وفي إبهام الشجرة ووصفها بالبركة ثم إبدال الزيتونة عنها تفخيم لشأنها، وقرأ نافع وابن عامر وحفص بالياء والبناء للمفعول من أوقد وحمزة والكسائي وأبو بكر بالتاء كذلك على إسناده إلى {ٱلزُّجَاجَةُ } بحذف المضاف، وقرىء «توقد» من تتوقد ويوقد بحذف التاء لاجتماع زيادتين وهو غريب. {لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ } تقع الشمس عليها حيناً بعد حين بل بحيث تقع عليها طول النهار كالتي تكون على قلة، أو صحراء واسعة فإن ثمرتها تكون أنضج وزيتها أصفى، أو لا نابتة في شرق المعمورة وغربها بل في وسطها وهو الشام فإن زيتونه أجود الزيتون، أو لا في مضحى تشرق الشمس عليها دائماً فتحرقها أو في مفيأة تغيب عنها دائماً فتتركها نيئاً وفي الحديث«حديث : لا خير في شجرة ولا نبات في مفيأة ولا خير فيهما في مضحى»تفسير : {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ} أي يكاد يضيء بنفسه من غير نار لتلألئه وفرط وبيصه. {نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ } نور متضاعف فإن نور المصباح زاد في إنارته صفاء الزيت وزهرة القنديل وضبط المشكاة لأشعته، وقد ذكر في معنى التمثيل وجوه، الأول: أنه تمثيل للهدى الذي دلت عليه الآيات المبينات في جلاء مدلولها وظهور ما تضمنته من الهدى بالمشكاة المنعوتة، أو تشبيه للهدى من حيث إنه محفوف بظلمات أوهام الناس وخيالاتهم بالمصباح، وإنما ولي الكاف المشكاة لاشتمالها عليه، وتشبيهه به أوفق من تشبيهه بالشمس، أو تمثيل لما نور الله به قلب المؤمن من المعارف والعلوم بنور المشكاة المنبث فيها من مصباحها، ويؤيده قراءة أبي: «مثل نور المؤمن»، أو تمثيل لما منح الله به عباده من القوى الداركة الخمس المترتبة التي منوط بها المعاش والمعاد وهي: الحساسة التي تدرك بها المحسوسات بالحواس الخمس، والخيالية التي تحفظ صور تلك المحسوسات لتعرضها على القوة العقلية متى شاءت، والعاقلة التي تدرك الحقائق الكلية، والمفكرة وهي التي تؤلف المعقولات لتستنتج منها علم ما لم تعلم، والقوة القدسية التي تتجلى فيها لوائح الغيب وأسرار الملكوت المختصة بالأنبياء والأولياء المعنية بقوله تعالى: {أية : وَلَـٰكِن جَعَلْنَـٰهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا }تفسير : [الشورى: 52] بالأشياء الخمسة المذكورة في الآية وهي: «المشكاة»، و «الزجاجة»، و «المصباح»، و «الشجرة»، و «الزيت»، فإن الحساسة كالمشكاة لأن محلها كالكوى ووجهها إلى الظاهر لا تدرك ما وراءها وإضاءتها بالمعقولات لا بالذات، والخيالية كالزجاجة في قبول صور المدركات من الجوانب وضبطها للأنوار العقلية وإنارتها بما تشتمل عليه من المعقولات، والعاقلة كالمصباح لإِضاءتها بالإِدراكات الكلية والمعارف الإِلهية، والمفكرة كالشجرة المباركة لتأديتها إلى ثمرات لا نهاية لها الزيتونة المثمرة بالزيت الذي هو مادة المصابيح التي لا تكون شرقية ولا غربية لتجردها عن اللواحق الجسمية، أو لوقوعها بين الصور والمعاني متصرفة في القبيلين منتفعة من الجانبين، والقوة القدسية كالزيت فإنها لصفائها وشدة ذكائها تكاد تضيء بالمعارف من غير تفكر ولا تعلم، أو تمثيل للقوة العقلية في مراتبها بذلك فإنها في بدء أمرها خالية عن العلوم مستعدة لقبولها كالمشكاة، ثم تنتقش بالعلوم الضرورية بتوسط إحساس الجزئيات بحيث تتمكن من تحصيل النظريات فتصير كالزجاجة متلألئة في نفسها قابلة للأنوار، وذلك التمكن إن كان بفكر واجتهاد فكالشجرة الزيتونة وإن كان بالحدس فكالزيت، وإن كان بقوة قدسية فكالتي يكاد زيتها يضيء لأنها تكاد تعلم ولو لم تتصل بملك الوحي والإِلهام الذي مثله النار من حيث إن العقول تشتعل عنه، ثم إذا حصلت لها العلوم بحيث تتمكن من استحضارها متى شاءت كانت كالمصباح، فإذا استحضرتها كانت نوراً على نور. {يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ} لهذا النور الثاقب. {مَن يَشَآء} فإن الأسباب دون مشيئته لاغية إذ بها تمامها. {وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ} إدناء للمعقول من المحسوس توضيحاً وبياناً. {وَٱللَّهُ بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ} معقولاً كان أو محسوساً ظاهراً كان أو خفياً، وفيه وعد ووعيد لمن تدبرها وإن لم يكترث بها.

ابن كثير

تفسير : قال ابن عباس: الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من القول. والطيبات من القول للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من القول ــــ قال ــــ ونزلت في عائشة وأهل الإفك، وهكذا روي عن مجاهد وعطاء وسعيد بن جبير والشعبي والحسن بن أبي الحسن البصري، وحبيب بن أبي ثابت، والضحاك، واختاره ابن جرير، ووجهه بأن الكلام القبيح أولى بأهل القبح من الناس، والكلام الطيب أولى بالطيبين من الناس، فما نسبه أهل النفاق إلى عائشة، هم أولى به، وهي أولى بالبراءة والنزاهة منهم، ولهذا قال تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ} وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء، والطيبات من النساء للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من النساء، وهذا أيضاً يرجع إلى ما قاله أولئك باللازم، أي: ما كان الله ليجعل عائشة زوجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهي طيبة؛ لأنه أطيب من كل طيب من البشر، ولو كانت خبيثة، لما صلحت له لا شرعاً ولا قدراً، ولهذا قال تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ} أي: هم بعداء عما يقوله أهل الإفك والعدوان {لَهُم مَّغْفِرَةٌ} أي: بسبب ما قيل فيهم من الكذب، {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} أي: عند الله في جنات النعيم، وفيه وعد بأن تكون زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن مسلم، حدثنا أبو نعيم، حدثنا عبد السلام بن حرب عن يزيد بن عبد الرحمن عن الحكم بإسناده إلى يحيى بن الجزار قال: جاء أسير بن جابر إلى عبد الله، فقال: لقد سمعت الوليد بن عقبة تكلم اليوم بكلام أعجبني، فقال عبد الله: إن الرجل المؤمن يكون في قلبه الكلمة الطيبة تتجلجل في صدره، ما يستقر حتى يلفظها، فيسمعها الرجل عنده يتلها فيضمها إليه، وإن الرجل الفاجر يكون في قلبه الكلمة الخبيثة تتجلجل في صدره، ما تستقر حتى يلفظها، فيسمعها الرجل الذي عنده يتلها فيضمها إليه، ثم قرأ عبد الله: {ٱلْخَبِيثَـٰتُ لِلْخَبِيثِينَ وَٱلْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَـٰتِ وَٱلطَّيِّبَـٰتُ لِلطَّيِّبِينَ وَٱلطَّيِّبُونَ لِلْطَّيِّبَـٰتِ} الآية، ويشبه هذا ما رواه الإمام أحمد في المسند مرفوعاً: «حديث : مثل هذا الذي يسمع الحكمة، ثم لا يحدث إلا بشرّ ما سمع، كمثل رجل جاء إلى صاحب غنم، فقال: أجزرني شاة، فقال: اذهب فخذ بأذن أيها شئت، فذهب فأخذ بأذن كلب الغنم» تفسير : وفي الحديث الآخر: «حديث : الحكمة ضالة المؤمن حيث وجدها أخذها».

المحلي و السيوطي

تفسير : {ٱلْخَبِيثَٰتُ } من النساء ومن الكلمات {لِلْخَبِيثِينَ } من الناس {وَٱلْخَبِيثُونَ } من الناس {لِلْخَبِيثَٰتِ } مما ذكر {وَٱلطَّيّبَٰتُ } مما ذكر {لِلطَّيّبِينَ } من الناس {وَٱلطَّيّبُونَ } منهم {لِلْطَّيّبَٰتِ } مما ذكر أي اللائق بالخبيث مثله وبالطيب مثله {أُوْلَٰئِكَ } الطيبون والطيبات من النساء ومنهم عائشة وصفوان {مُبَرَّءونَ مِمَّا يَقُولُونَ } أي الخبيثون والخبيثات من الرجال والنساء فيهم {لَهُمْ } للطيبين والطيبات من النساء {مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } في الجنة، وقد افتخرت عائشة بأشياء منها أنها: خلقت طيبة ووعدت مغفرة ورزقاً كريماً.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبيثِينَ} الآية. فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء، والطيبات من النساء للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من النساء، قاله ابن زيد. الثاني: الخبيثات من الأعمال للخبيثين من الناس والخبيثون من الناس للخبيثات من الأعمال والطيبات من الأعمال للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من الأعمال قاله مجاهد وقتادة. الثالث: الخبيثات من الكلام للخبيثين من الناس، والخبيثون من الناس للخبيثات من الكلام، والطيبات من الكلام للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من الكلام قاله ابن عباس والضحاك. وتأول بعض أصحاب الخواطر: الخبيثات الدنيا، والطيبات الآخرة. {أُوْلئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن عائشة وصفوان مبرآن من الإِفك المذكور فيهما، قاله الفراء. الثاني: أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مبرآت من الفواحش، قاله ابن عيسى. الثالث: أن الطيبين والطيبات مبرؤون من الخبيثين والخبيثات، قاله ابن شجرة.

ابن عطية

تفسير : اختلف المتأَولون في الموصوف في هذه الآية بـ"الخبيث والطيب"، فقال ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة هي الأقوال والأفعال ثم اختلفت هذه الجماعة فقال بعضها المعنى الكلمات والفعلات "الخبيثات" لا يقول ويرضاها إلا {الخبيثات} من الناس فهي لهم وهم لها بهذا الوجه وكذلك {الطيبات للطيبين} وقال بعضها المعنى الكلمات والفعلات الخبيثات لا تليق وتلصق عند رمي الرامي وقذف القاذف إلا بالخبيثين من الناس فهي لهم وهم لها بهذا الوجه، وقال ابن زيد الموصوف بالخبيث والطيب النساء والرجال، وإنما الآية على نحو التي تقدمت وهي قوله تعالى: {أية : الزاني لا ينكح إلا زانية} تفسير : [النور: 3] الآية فمعنى هذا، التفريق بين حكم عبد الله بن أبي وأشباهه وبين حكم النبي عليه السلام وفضلاء صحابته وأمته، أي النبي عليه السلام طيب فلم يجعل الله له إلا كل طيبة وأولئك خبيثون فهم أهل النساء الخبائث. قال الفقيه الإمام القاضي: وبهذه الآية قيل لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم {الطيبات} المبرءات، وقوله {أولئك} إشارة إلى {الطيبين} المذكورين.

ابن عبد السلام

تفسير : {الْخَبِيثَاتُ} خبيثات النساء لخبيثي الرجال، وخبيثو الرجال لخبيثات النساء، وطيبات النساء لطيبي الرجال، وطيبو الرجال لطيبات النساء، أو أراد بالخبيثات والطيبات: الأعمال الخبيثة والطيبة لخبيثي الناس وطيبيهم. أو أراد الكلمات الخبيثات والطيبات لخبيثي الناس وطيبهم {أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ} أزواج الرسول صلى الله عليه وسلم مُبَرآت من الفواحش، أو عائشة، وصفوان مبرآن من الإفك، أو الطيبون والطيبات مبرؤون من الخبيثين والخبيثات.

النسفي

تفسير : {ٱلْخَبِيثَـٰتُ } من القول تقال {لِلْخَبِيثِينَ } من الرجال والسناء {وَٱلْخَبِيثُونَ } منهم يتعرضون {لِلْخَبِيثَـٰتِ } من القول وكذلك {وَٱلطَّيّبَـٰتُ لِلطَّيّبِينَ وَٱلطَّيّبُونَ لِلْطَّيّبَـٰتِ أُوْلَـئِكَ مُبَرَّءونَ مِمَّا يَقُولُونَ } أي فيهم و {أولئك} إشارة إلى الطيبين وأنهم مبرؤون مما يقول الخبيثون من خبيثات الكلم، وهو كلام جارٍ مجرى المثل لعائشة رضي الله عنها وما رميت به من قول لا يطابق حالها في النزاهة والطيب، ويجوز أن يكون إشارة إلى أهل البيت وأنهم مبرؤون مما يقول أهل الإفك، وأن يراد بالخبيثات والطيبات النساء الخبائث يتزوجن الخباث والخباث تتزوج الخبائث وكذا أهل الطيب {لَهُم مَّغْفِرَةٌ } مستأنف أو خبر بعد خبر {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } في الجنة. ودخل ابن عباس رضي الله عنهما على عائشة رضي الله عنها في مرضها وهي خائفة من القدوم على الله تعالى فقال: لا تخافي لأنك لا تقدمين إلا على مغفرة ورزق كريم وتلا الآية فغشي عليها فرحاً بما تلا. وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: لقد أعطيت تسعاً ما أعطيتهن امرأة، نزل جبريل بصورتي في راحته حين أمر عليه الصلاة والسلام أن يتزوجني، وتزوجني بكراً وما تزوج بكراً غيري، وتوفي عليه الصلاة والسلام ورأسه في حجري، وقبر في بيتي، وينزل عليه الوحي وأنا في لحافه وأنا ابنة خليفته وصديقه، ونزل عذري من السماء، وخلقت طيبة عند طيب، ووعدت مغفرة ورزقاً كريماً. وقال حسان معتذراً في حقها: شعر : حصانٌ رزانٌ ما تزن بريبة وتسبح غرثى من لحوم الغوافل حليلة خير الناس ديناً ومنصباً نبي الهدى والمكرمات الفواضل عقيلة حيّ من لؤي بن غالب كرام المساعي مجدها غير زائل مهذبة قد طيب الله خيمها وطهرها من كل شين وباطل

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {ٱلْخَبِيثَـٰتُ لِلْخَبِيثِينَ...} الآية: قال ابن عباس وغيره: الموصوف بالخُبْثِ والطيب: الأقوال والأفعال، وقال ابن زيد: الموصوفُ بالخُبْث والطيب، النساءُ والرجال، ومعنى هذا التفريقَ بَيْنَ حكم ابن أُبَيٍّ وأشباهِهِ وبين حكم النبي صلى الله عليه وسلم وفضلاءِ أصحابه وأَمَّتِهِ. وقوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ} إشارة إلى الطيبين المذكورين، وقيل: الإشارة بـ {أُولـٰئك} إلى عائشة - رضي اللّه عنها - ومَنْ في معناها. وقوله تعالى: {لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ} سبب هذه الآية فيما روى الطبريُّ: أَنَّ امرأة من الأنصار قالت: يا رسولَ اللّه، إنِّي أَكونُ في منزلي على الحال الَّتي لاَ أُحِبُّ أَنْ يراني أحدٌ عليها، لاَ وَالَدٌ ولا وَلَد، وإنَّهُ لا يزالُ يدخلُ عليَّ رجلٌ مِنْ أهلي، وأنا على تلك الحال؛ فنزلت هذه الآية، ثم هي عامَّةٌ في الأُمَّةِ غَابِرَ الدهر، وبيت الإنسان: هو الذي لا أحد معه فيه، أوِ البيتَ الذي فيه زوجته أو أَمَتُهُ، وما عدا هذا فهو غير بيته، و {تَسْتَأْنِسُواْ} معناه: تستعملوا مَنْ في البيت، وتستبصروا, تقول: آنستُ: إذا علمَتُ عن حِسٍّ وإذا أبصرتُ؛ ومنه قوله تعالى: {أية : آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً} تفسير : [النساء:6]. و «استأنس» وزنه: استفعل، فكأنَّ المعنى في {تَسْتَأْنِسُواْ}: تطلبوا أنْ تعلموا ما يؤنسكم ويؤنس أهل البيت منكم، وإذا طلب الإنسان أن يعلم أمر البيت الذي يريد دخوله، فذلك يكون بالاستئذان على من فيه، أو بأنْ يتنحنح ويُشْعِرُ بنفسه بأي وجه أمكنه، ويَتَأَتَّى قَدْرَ ما يتحفظ منه، ويدخل إثر ذلك. وذهب الطبريُّ في: {تَسْتَأْنِسُواْ} إلى أَنَّه بمعنى حتى تؤنسوا أهل البيت بأنفسكم بالتنحنح والاستئذان ونحوه، وتؤنسوا نفوسكم بأن تعلموا أنْ قد شُعِرَ بكم. قال * ع *: وتصريف الفعل يأْبَى أَنْ يكون من أنس، وقرأ أُبَيُّ وابن عباس: «حتى: تَسْتَأْذِنُوا وَتُسَلِّمُوا» وصورة الاستئذان أَنْ يقول الإنسان: السلام عليكم، أأدخل؟ فإن أُذِنَ له دَخَل، وإنْ أُمِرَ بالرجوع انصرف، وإنْ سُكِتَ عنه استأذن ثلاثاً ثم ينصرف، جاءت في هذا كله آثار، والضمير في قوله: {تَجِدُواْ فِيهَا}: للبيوت التي هي بيوتُ الغير، وأسند الطبريُّ عن قتادة أنه قال: قال رجل من المهاجرين: لقد طلبتُ عمري كُلَّه هذه الآيةَ فما أدركتها أن أستأذنَ على بعض إخواني فيقول: لي ارجع، فأرجع وأنما مُغْتَبِطٌ؛ لقوله تعالى: {هُوَ أَزْكَى لَكُم}. وقوله تعالى: {وٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} تَوَعُّدٌ لأهل التجسُّسِ.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: "الخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ" الآية. قال أكثر المفسرين: "الخَبِيثَاتُ" من القول والكلام "لِلْخَبِيثِينَ" من الناس، "والخَبِيثُونَ" من الناس "لِلْخَبِيثَات" من القول، "والطيبات" من القول "للطَّيِّبِينَ" من الناس، "والطَّيِّبُونَ" من الناس "لِلطَّيِّبَاتِ" من القول. والمعنى: أنَّ الخبيث من القول لا يليق إلا بالخبيث من الناس، والطيِّب لا يليق إلا بالطيِّب فعائشة - رضي الله عنها - لا يليق بها الخبيثات من القول، لأنها طيبة، فيضاف إليها طيبات الكلام من الثناء الحسن وما يليق بها. وقال الزجاج: معناه: لا يتكلم بالخبيثات إلا الخبيث من الرجال والنساء، ولا يتكلم بالطيبات إلا الطيب من الرجال والنساء وهذا ذم للذين قذفوا عائشة، ومدح للذين برّأوها بالطهار. قال ابن زيد: معناه: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء، أمثال عبد الله بن أبيّ والشاكين في الدين، والطيبات من النساء للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من النساء، يريد: عائشة طيبها الله لرسوله الطيب - صلى الله عليه وسلم - "مُبَرءُونَ" يعني: عائشة وصفوان، ذكرهما بلفظ الجمع كقوله: {أية : فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ} تفسير : [النساء: 11] أي: أخوان. وقيل: "أولئك مُبَرَّؤُونَ" يعني: الطيبين والطيبات منزهون مما يقولون. وقيل: الرَّمْيُ تعلق بالنبي - عليه الصلاة والسلام - وبعائشة وصفوان، فبرأ الله كل واحد منهم. وقيل: المراد كل أزواج الرسول برأهن الله تعالى من هذا الإفك، ثم قال: "لَهُمْ مَغْفِرَةٌ" يعني: براءة من الله. وقيل: العفو عن الذنوب. والرزق الكريم: الجنة. قوله: "لَهُمْ مَغْفِرَةٌ" يجوز أن تكون جملة مستأنفة، وأن تكون في محل رفع خبراً ثانياً. ويجوز أن يكون "لَهُمْ" خبر "أولئك" (و) "مَغْفِرَةٌ" فاعله.

البقاعي

تفسير : ولما تضمن ما ذكر من وصفه تعالى علمه بالخفيات، أتبعه ما هو كالعلة لآية {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة} دليلاً شهودياً على براءة عائشة رضي الله تعالى عنها فقال: {الخبيثات} أي من النساء وقدم هذا الوصف لأن كلامهم فيه، فإذا انتفى ثبت الطيب {للخبيثين} أي من الرجال. ولما كان ذلك لا يفهم أن الخبيث مقصور على الخبيثة قال: {والخبيثون} أي من الرجال أيضاً {للخبيثات} أي من النساء. ولما أنتج هذا براءتها رضي الله عنها لأنها قرينة أطيب الخلق، أكده بقوله: {والطيبات} أي منهن {للطيبين} أي منهم {والطيبون للطيبات} بذلك قضى العليم الخبير أن كل شكل ينضم إلى شكله، ويفعل أفعال مثله، وهو سبحانه قد اختار لهذا النبي الكريم لكونه أشرف خلقه خلص عباده من الأزواج والأولاد والأصحاب {أية : كنتم خير أمة أخرجت للناس}تفسير : [آل عمران: 110] "خيركم قرني" وكلما ازداد الإنسان منهم من قلبه صلى الله عليه وسلم قرباً ازداد طهارة، وكفى بهذا البرهان دليلاً على براءة الصديقة رضي الله عنها، فكيف وقد أنزل الله العظيم في براءتها صريح كلامه القديم، وحاطه من أوله وآخره بهاتين الآيتين المشيرتين إلى الدليل العادي، وقد تقدم عند آية {الزاني} ذكر لحديث "حديث : الأرواح جنود مجندة" تفسير : وما لاءمه، لكنه لم يستوعب تخريجه، وقد خرجه مسلم في الأدب من صحيحه وأبو داود في سننه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف" تفسير : . وفي رواية عنه رفعها: "حديث : الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، والأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلفتفسير : . وهذا الحديث روي أيضاً عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وعلي ابن أبي طالب وسلمان الفارسي وعبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمرو وعمرو بن عبسة رضي الله عنهم، وقد علق البخاري في صحيحه حديث عائشة رضي الله عنها بصيغة الجزم، ووصله في كتاب الأدب المفرد وكذا الإسماعيلي في المستخرج، وأبو الشيخ في كتاب الأمثال، وتقدم عزوه إلى أبي يعلى، ولفظ حديث ابن عمر رضي الله عنهما "حديث : فما كان في الله ائتلف، وما كان في غير الله اختلف"تفسير : أخرجه أبو الشيخ في الأمثال، ولفظ حديث ابن مسعود رضي الله عنه "حديث : فإذا التقت تشامّ كما تشامّ الخيل، فما تعارف منها ائتلف تفسير : - الحديث. وأما حديث علي رضي الله عنه فرواه الطبراني في الأوسط في ترجمة محمد بن الفضل السقطي وأبو عبد الله بن منده في كتاب الروح عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: يا أبا الحسن! ربما شهدت وغبنا وربما شهدنا وغبت، ثلاث أسألك عنهن هل عندك منهن علم؟ قال علي: وما هن؟ قال: الرجل يحب الرجل ولم ير منه خيراً، والرجل يبغض الرجل ولم ير منه شراً، فقال علي رضي الله عنه: نعم! سمعت رسول الله صلى الله عليه السلام يقول: "حديث : إن الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف" تفسير : قال عمر: واحدة، قال: والرجل يحدث الحديث إذ نسيه فبينا هو وما نسيه إذ ذكره؟ فقال علي رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : ما من القلوب قلب إلا وله سحابة كسحابة القمر، بينما القمر مضيء إذ علته سحابة فأظلم إذ تجلت فأضاء، وبينا القلب يتحدث إذ تجللته سحابة فنسي إذ تجلت عنه فذكر"تفسير : ، فقال عمر رضي الله عنه: اثنتان، وقال: والرجل يرى الرؤيا، فمنها ما يصدق ومنها ما يكذب؟ قال: نعم! سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : ما من عبد أو أمة ينام فيستثقل نوماً إلا عرج بروحه إلى العرش، فالتي لا تستيقظ إلا عند العرش فتلك الرؤيا التي تصدق، والتي تستيقظ دون العرش فتلك الرؤيا التي تكذب"تفسير : ، فقال عمر رضي الله عنه: ثلاث كنت في طلبهن فالحمد لله الذي أصبتهن قبل الموت وكذا أخرج الطبراني حديث سلمان كحديث أبي هريرة رضي الله عنهم أجمعين، وأنشدوا لأبي نواس في المعنى: شعر : إن القلوب لأجناد مجندة لله في الأرض بالأهواء تعترف فما تعارف منها فهو مؤتلف وما تناكر منها فهو مختلف تفسير : ولما ثبت هذا كانت نتيجته قطعاً: {أولئك} أي العالو الأوصاف بالطهارة والطيب {مبرؤون} ببراءة الله وبراءة كل من له تأمل في مثل هذا الدليل {مما يقولون} أي القذفة الأخابث لأنها لا تكون زوجة أطيب الطيبين إلا وهي كذلك. ولما أثبت لهم البراءة، استأنف الإخبار بجزائهم فقال: {لهم مغفرة} أي لما قصروا فيه إن قصروا، ولما كان في معرض الحث على الإنفاق على بعض الآفكين قال: {ورزق كريم*} أي يحيون به حياة طيبة، ويحسنون له إلى من أساء إليهم، ولا ينقصه ذلك لكرمه في نفسه بسعته وطيبه وغير ذلك من خلال الكرم. ولما أنهى سبحانه الأمر في براءة عائشة رضي الله عنها على هذا الوجه الذي كساها به من الشرف ما كساها، وحلاها برونقه من مزايا الفضل ما حلاها، وكأن أهل الإفك قد فتحوا بإفكهم هذا الباب الظنون السيئة عدواة من إبليس لأهل هذا الدين بعد أن كانوا في ذلك وفي كثير من سجاياهم - إذ قانعاً منهم بداء الشرك - على الفطرة الأولى، أمر تعالى رداً لما أثار بوسواسه من الداء بالتنزه عن مواقع التهم والتلبس بما يحسم الفساد فقال: { يا أيها الذين آمنوا} أي ألزموا أنفسهم هذا الدين {لا تدخلوا} أي واحد منكم، ولعله خاطب الجمع لأنهم في مظنة أن يطردوا الشيطان بتزين بعضهم بحضرة بعض بلباس التقوى، فمن خان منهم منعه إخوانه، فلم يتكمن منه شيطانه، فنهي الواحد من باب الأولى {بيوتاً غير بيوتكم} أي التي هي سكنكم {حتى تستأنسوا} أي تطلبوا بالاستئذان أن يأنس بكم من فيها وتأنسوا به، فلو قيل له: من؟ فقال: أنا لم يحصل الاستئناس لعدم معرفته، بل الذي عليه أن يقول: أنا فلان - يسمى نفسه بما يعرف به ليؤنس به فيؤذن له أو ينفر منه فيرد {وتسلموا على أهلها} أي الذين هم سكانها ولو بالعارية منكم فتقولوا: السلام عليكم! أأدخل؟ أو تطرقوا الباب إن كان قد لا يسمع الاستئذان ليؤذن لكم {ذلكم} الأمر العالي الذي أمرتكم به {خير لكم} مما كنتم تفعلونه من الدخول بغير إذن ومن تحية الجاهلية، لأنكم إذا دخلتم بغير إذن ربما رأيتم ما يسوءكم، وإذا استأذنتم لم تدخلوا على ما تكرهون، هذا في الدنيا، وأما في الأخرى فأعظم، وقد روى أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: إذا سلم ثلاثاً فلم يجبه أحد فليرجع. وكان هذا إذا ظن أن صاحب البيت سمع. ولما كان كل إنسان لا ينفك عن أحوال يكره أن يطلع عليها أو تقطع عليه، قال: {لعلكم تذكرون*} أي لتكون حالكم حال من يرجى أن يتذكر برجوعه إلى نفسه عند سماع هذا النهي، فيعرف أن ما يسوءه من غيره يسوء غيره منه، فيفعل ما يحب أن يفعل معه خوفاً من المقابلة، لأن الجزاء من جنس العمل، وكل ما يجب عليه في غير بيته يستحب له في بيته بنحو النحنحة ورفع الصوت بالذكر ونحوه على ما أشار إليه حديث النهي عن الطروق لكيلا يرى من أهله ما يكره. ولما كان السكان قد يكونون غائبين، والإنسان لكونه عورة لا يحب أن يطلع غيره على جميع أموره، قال: {فإن لم تجدوا فيها} أي البيوت التي ليس بها سكناكم {أحداً} قد يمنعكم، فالله يمنعكم منها، تقديماً لدرء المفاسد {فلا تدخلوها} أي أبداً {حتى يؤذن لكم} من آذن ما بإذن شرعي من الساكن أو غيره، لأن الدخول تصرف في ملك الغير أو حقه فلا يحل بدونه إذنه. ولما كان كأنه قيل: فإن أذن لكم في شيء ما استأذنتم فيه فادخلوا، عطف عليه قوله: {وإن قيل لكم} من قائل ما إذا استأذنتم في بيت فكان خالياً أو فيه أحد: {ارجعوا فارجعوا} أي ولا تستنكفوا من أن تواجهوا بما تكرهون من صريح المنع، فإن الحق أحق أن يتبع، وللناس عورات وأمور لا يحبون اطلاع غيرهم عليها. ولما كان في المنع نقص يوجب غضاضة ووحراً في الصدر، وعد سبحانه عليه بما يجبر ذلك، فقال على طريق الاستئناف: {هو} أي الرجوع المعين {أزكى} أي أطهر وأنمى {لكم} فإن فيه طهارة من غضاضة الوقوف على باب الغير، ونماء بما يلحق صاحب البيت من الاستحياء عند امتثال أمره في الرجوع مع ما في ذلك عند الله. ولما كان التقدير: فالله يجازيكم على امتثال أمره، وكان الإنسان قد يفعل في البيوت الخالية وغيرها من الأمور الخفية ما يخالف ما أدب به سبحانه مما صورته مصلحة وهو مفسدة، عطف على ذلك المقدر قوله: {والله} أي الملك الأعلى. ولما كان المراد المبالغة في العلم، قدم الجار ليصير كما إذا سألت شخصاً عن علم شيء فقال لك: ما أعلم غيره، فقال: {بما تعملون} أي وإن التبس أمره على أحذق الخلق {عليم*} لا يخفى عليه شيء منه وإن دق، فإياكم ومشتبهات الأمور، فإذا وقفتم للاستئذان فلا تقفوا تجاه الباب، ولكن على يمينه أو يساره، لأن الاستئذان إنما جعل من أجل البصر، وتحاموا النظر إلى الكوى التي قد ينظر منها أحد من أهل البيت ليعرف من على الباب: هل هو ممن يؤنس به فيؤذن له، أو لا فيرد، ونحو هذا من أشكاله مما لا يخفى على متشرع فطن، يطير طائر فكره في فسيح ما أشار إليه مثل قوله صلى الله عليه السلام: "حديث : إذا حدث الرجل فالتفت فهي أمانة" تفسير : وراه أحمد وأبو داود والترمذي عن جابر رضي الله عنه.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس في قوله {الخبيثات} قال من الكلام {للخبيثين} قال: من الرجال {والخبيثون} من الرجال {للخبيثات} من الكلام {والطيبات} من الكلام {للطيبين} من الناس {والطيبون} من الناس {للطيبات} من الكلام. نزلت في الذين قالوا في زوجة النبي صلى الله عليه وسلم ما قالوا من البهتان. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني عن مجاهد في قوله {الخبيثات} قال من الكلام {للخبيثين} من الناس {والخبيثون} من الناس {للخبيثات} من الكلام {والطيبات} من الكلام {للطيبين} من الناس {والطيبون} من الناس {للطيبات} من الكلام {أولئك مبرأون مما يقولون} قال: من كان طيباً فهو مبرأ من كل قول خبيث لقوله يغفر الله له. ومن كان خبيثاً فهو مبرأ من كل قول صالح يقوله يرده الله عليه لا يقبله منه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير والطبراني عن قتادة في قوله {الخبيثات} قال: من القول والعمل {للخبيثين} من الناس {والخبيثون} من الناس {للخبيثات} من القول والعمل {والطيبات} من القول والعمل {للطيبين} من الناس {والطيبون} من الناس {للطيبات} من القول والعمل {لهم مغفرة} لذنوبهم {ورزق كريم} هو الجنة. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن {للخبيثات} قال: من الكلام {والطيبات} من الكلام {للطيبين} من الناس {والطيبون} من الناس {للطيبات} من الكلام وهؤلاء {مبرأون مما} يقال لهم من السوء يعني عائشة. وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير عن الضحاك وإبراهيم. مثله. وأخرج عبد بن حميد عن عطاء {الخبيثات} قال: من القول {للخبيثين} من الناس {والخبيثون} من الناس {للخبيثات} من القول {والطيبات} من القول {للطيبين} من الناس {والطيبون} من الناس {للطيبات} من القول. ألا ترى أنك تسمع بالكلمة الخبيثة من الرجل الصالح فتقول غفر الله لفلان ما هذا من خلقه، ولا من شيمه، ولا مما يقول. قال الله {أولئك مبرأون مما يقولون} أن يكون ذلك من شيمهم، ولا من أخلاقهم، ولكن الزلل قد يكون. وأخرج ابن أبي حاتم عن يحيى الجزار قال: جاء أسير بن جابر إلى عبد الله فقال: قد سمعت الوليد بن عقبة اليوم تكلم بكلام اعجبني فقال عبد الله: إن الرجل المؤمن يكون في فيه الكلمة غير طيبة تتجلجل في صدره ما تستقر حتى يلفظها، فيسمعها رجل عنده مثلها، فيضمها إليها. وان الرجل الفاجر تكون في قلبه الكلمة الطيبة تتجلجل في صدره ما تستقر حتى يلفظها، فيسمعها الرجل الذي عنده مثلها، فيضمها إليها. ثم قرأ عبد الله {الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات} . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن زيد في قوله {الخبيثات للخبيثين} قال: نزلت في عائشة حين رماها المنافق بالبهتان والفرية فبرأها الله من ذلك، وكان عبد الله بن أبي هو الخبيث، فكان هو أولى بأن تكون له الخبيثة ويكون لها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم طيباً، وكان أولى أن تكون له الطيبة، وكانت عائشة الطيبة، فكانت أولى أن يكون لها الطيب، وفي قوله {أولئك مبرأون مما يقولون} قال: ههنا برئت عائشة. وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: لقد نزل عذري من السماء، ولقد خلقت طيبة وعند طيب، ولقد وعدت مغفرة وأجراً عظيماً. وأخرج الطبراني عن ذكوان حاجب عائشة قال: دخل ابن عباس على عائشة فقال: ابشري ما بينك وبين أن تلقي محمداً والأحبة إلا أن تخرج الروح من الجسد، كنت أحب نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رسول الله، ولم يكن يحب رسول الله إلا طيباً، وسقطت قلادتك ليلة الأبواء، فأنزل الله أن {أية : فتيمموا صعيداً طيباً}تفسير : [النساء: 43] وكان ذلك بسببك، وما أنزل الله لهذه الأمة من الرخصة، وأنزل الله براءتك من فوق سبع سموات جاء بها الروح الأمين فأصبح وليس مسجد من مساجد الله يذكر الله فيه إلا هي تتلى فيه آناء الليل وآناء النهار قالت: دعني منك يا ابن عباس، فوالذي نفسي بيده لوددت أني كنت نسياً منسياً. وأخرج الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "حديث : إذا كان يوم القيامة حد الله الذين قذفوا عائشة ثمانين ثمانين على رؤوس الخلائق، فيستوهب ربي المهاجرين منهم، فاستأمرك يا عائشة، فسمعت عائشة الكلام وهي في البيت فبكت ثم قالت: والذي بعثك بالحق نبياً، لَسُرُورُكَ أحب إليّ من سروري، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ضاحكاً وقال: إنها ابنة أبيها ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على الطعام ". تفسير : وأخرج الحاكم عن الزهري قال: "إن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على الطعام". وأخرج الحاكم عن الزهري قال: لو جمع علم الناس كلهم، ثم علم أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، لكانت عائشة أوسعهم علماً. وأخرج الحاكم عن عروة قال ما رأيت أحداً أعلم بالحلال والحرام والعلم والشعر والطب من عائشة رضي الله عنها. وأخرج الحاكم عن موسى بن طلحة قال: ما رأيت أحداً أفصح من عائشة رضي الله عنها. وأخرج أحمد في الزهد والحاكم عن الأحنف قال: سمعت خطبة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي والخطباء هلم جرا، فما سمعت الكلام من فم مخلوق أفخم ولا أحسن منه من عائشة رضي الله عنها. وأخرج سعيد بن منصور والحاكم عن مسروق أنه سئل أكانت عائشة تحسن الفرائض؟ فقال: لقد رأيت الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونها عن الفرائض. وأخرج الحاكم عن عطاء قال: كانت عائشة أفقه الناس، وأعلم الناس، وأحسن الناس رأياً في العامة. وأخرج ابن أبي شيبة عن مسلم البطين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : عائشة زوجتي في الجنة ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن عائشة قالت: خلال فيَّ سبع لم تكن في أحد من الناس إلا ما آتى الله مريم بنت عمران. والله ما أقول هذا لكي أفتخر على صواحبي قيل: وما هن؟ قالت: نزل الملك بصورتي، وتزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم لسبع سنين، وأهديت إليه وأنا بنت تسع سنين، وتزوجني بكراً لم يشركه فيَّ أحدٌ من الناس، وأتاه الوحي وأنا وإياه في لحاف واحد، وكنت من أحب الناس إليه، ونزل فيَّ آيات من القرآن كادت الأمة تهلك فيهن، ورأيت جبريل لم يره أحد من نسائه غيري، وقبض لم يله أحد غير الملك وأنا. وأخرج ابن أبي شيبة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: "حديث : إن جبريل يقرأ عليك السلام قالت عائشة: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته ". تفسير : وأخرج ابن النجار في تاريخ بغداد من طريق أبي بكر محمد بن عمر البغدادي الحنبلي عن أبيه، ثنا محمد بن الحسن الكاراني، حدثني إبراهيم الخرجي قال: ضاق بي شيء من أمور الدنيا، فدعوت بدعوات يقال لها دعاء الفرج فقلت: وما هي؟ فقال: حدثني أبو عبد الله أحمد ابن محمد بن حنبل، حدثني سفيان بن عيينة، ثنا محمد بن واصل الأنصاري، عن أبيه عن جده عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنت جالساً عند أم المؤمنين عائشة لأقر عينيها بالبراءة وهي تبكي فقالت: والله قد هجرني القريب والبعيد حتى هجرتني الهرة، وما عرض عليَّ طعام ولا شراب، فكنت أرقد وأنا جائعة ظامئة، فرأيت في منامي فتى فقال لي: ما لك فقلت: حزينة مما ذكر الناس فقال: ادعي بهذه يفرج عنك فقلت: وما هي؟ فقال: قولي يا سابغ النعم، ودافع النقم، ويا فارج الغمم، ويا كاشف الظلم، يا أعدل من حكم، يا حسيب من ظلم. يا ولي من ظلم، يا أول بلا بداية، ويا آخر بلا نهاية، يا من له اسم بلا كنية، اللهم اجعل لي من أمري فرجاً، ومخرجاً، قالت: فانتبهت وأنا ريانة شبعانة، وقد أنزل الله منه فرجي قال ابن النجار: خبر غريب.

ابو السعود

تفسير : قولُه تعالى: {ٱلْخَبِيثَـٰتُ} الخ، كلامٌ مستأنفٌ مسوقٌ على قاعدةِ السنَّةِ الإلٰهيةِ الجاريةِ فيما بـين الخلقِ على موجب أنَّ لله تعالى مَلَكاً يسوقُ الأهلَ إلى الأهلِ أي الخبـيثاتُ من النِّساءِ {لِلْخَبِيثِينَ} من الرِّجال أي مختصَّاتٌ بهم لا يكَدْنَ يتجاوزْنَهم إلى غيرِهم على أنَّ اللامَ للاختصاصِ {وَٱلْخَبِيثُونَ} أيضاً {لِلْخَبِيثَـٰتِ} لأنَّ المُجانسةَ من دَوَاعي الانضمامِ {وَٱلطَّيّبَـٰتُ} منهنَّ {لِلطَّيّبِينَ} منهم {وَٱلطَّيّبُونَ} أيضاً {لِلْطَّيّبَـٰتِ} منهنَّ بحيثُ لا يكادُون يجاوزوهنَّ إلى من عداهنَّ وحيثُ كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أطيبَ الأطيبـينِ وخيرةَ الأوَّلين والآخرين تبـين كونُ الصِّدِّيقةِ رضي الله عنها من أطيب الطَّيباتِ بالضَّرورةِ واتَّضح بطلانُ ما قيل في حقِّها من الخُرافاتِ حسبما نطقَ به قولُه تعالى: {أُوْلَـئِكَ مُبَرَّءونَ مِمَّا يَقُولُونَ} على أنَّ الإشارةَ إلى أهلِ البـيتِ المنتظِمين للصِّدِّيقةِ انتظاماً أوَّليًّا، وقيل: إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم والصِّدِّيقةِ وصفوانَ، وما في اسمِ الإشارةِ من معنى البُعد للإيذان بعلُّوِ رُتبة المشارِ إليهم وبُعد منزلتِهم في الفضلِ أي أولئك الموصُوفون بعلُّوِ الشَّأنِ مُبرَّءون ممَّا تقوَّله أهلُ الإفكِ في حقِّهم من الأكاذيبِ الباطلةِ. وقيل: الخبـيثاتُ من القولِ للخبـيثينَ من الرِّجالِ والنِّساءِ أي مختصَّة ولائقة بهم لا ينبغي أنْ تُقال في حقِّ غيرِهم وكذا الخبـيثون من الفريقين أحِقَّاءُ بأنْ يُقال في حقِّهم خبائثُ القول والطَّيباتُ من الكلم للطَّيبـين من الفريقينِ مختصَّةٌ وحقيقة بهم وهم أحِقَّاءُ بأنْ يُقال في شأنهم طيِّباتُ الكلمِ أولئك الطَّيبون مبرَّءون ممَّا يقول الخبـيثون في حقِّهم فمآلُه تنزيهُ الصِّدِّيقةِ أيضاً، وقيل: خبـيثاتُ القول مختصَّةٌ بالخبـيثين من فريقَيْ الرِّجالِ والنِّساءِ لا تصدرُ عن غيرِهم والخبـيثون من الفريقينِ مختصُّون بخبائث القولِ متعرِّضُون لها والطَّيباتُ من الكلام للطَّيبـين من الفريقينِ أي مختصَّةٌ بهم لا تصدرُ عن غيرِهم والطَّيبون من الفريقينِ مختصُّون بطيِّباتِ الكلامِ لا يصدرُ عنهم غيرُها أولئك الطَّيبون مبرَّءون ممَّا يقولُه الخبـيثون من الخبائثِ أي لا يصدرُ عنهم مثلُ ذلك فمآلُه تنزيهُ القائلينِ سبحانَك هذا بهتانٌ عظيمٌ {لَهُم مَّغْفِرَةٌ} عظيمةٌ لما لا يخلُو عنه البشرُ من الذُّنوب {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} هو الجنَّةُ.

التستري

تفسير : قوله: {ٱلْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ} [26] قال: الخبيثات القلوب من النساء للخبيثي القلوب من الرجال، والخبيثو القلوب من الرجال للخبيثات القلوب من النساء.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {ٱلْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ} [الآية: 26]. قال سهل: أى خبيثات القلوب للخبيثين من الرجال وخبيثو القلوب للخبيثات من النساء. وقال: الخبيث من لم يراع أوامر الله ونواهيه. وقال الحسين: الخبيث الناظر إلى الخبائث بعين الطهارة. وقال عبد العزيز المكى: الدنيا وخيانتها للمخبثين من الرجال المحبين لها، ولهم تصلح الدنيا، والمحبون الدنيا للخبيثات أى: للدنيا، ولها يصلحون. قوله تعالى: {وَٱلطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَٱلطَّيِّبُونَ لِلْطَّيِّبَاتِ} [الآية: 26]. قال عبد العزيز: الطيبات هى الآخرة، وكرامتها للطيبين المحبين لها، ولهم تصلح الآخرة، والطيبون للطيبات المحبون للآخرة، الطيبات والآخرة وكرامتها يصلحون.

القشيري

تفسير : قوله جل ذكره: {ٱلْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَٱلْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ}. {ٱلْخَبِيثَاتُ}: من الأعمال وهي المحظورات {لِلْخَبِيثِينَ}: من الرجال المُؤْثِرين لها طوعاً، والذين يجنحون إلى مثل تلك الأعمال فهم لها، كلٌّ مربوطٌ بما يليق به؛ فالفِعْلُ لائقٌ بفاعله، والفاعلُ بِفِعْلِهِ في الطهارة والقذارة، والنفاسة والخساسة، والشرفِ والسَّرَفِ. ويقال: {ٱلْخَبِيثَاتُ}: من الأحوال؛ وهي الحظوظُ والمُنَى والشهواتُ لأصحابها والساعين لها. والسارعون لمثلها لها، غيرَ ممنوعٍ أحَدُهما من صاحبه، فالصفةُ للموصوف مُلازِمة، والموصوفُ لِصِفَتِهِ ملازِمٌ. ويقال: {ٱلْخَبِيثَاتُ} من الأشياء للخبيثين من الأشخاص, وهم الراضون بالمنازل السحيقة... وإنَّ طعامَ الكلابِ الجِيَفُ. ويقال: {ٱلْخَبِيثَاتُ}: من الأموال - وهي التي ليست بحلال - لمن بها رتبته، وعليها تعتكف هِمَّتُه؛ فالخبيثون من الرجال لا يميلون إلاَّ لمثل تلك الأموال، وتلك الأموال لا تساعد إلا مثلَ أولئك الرجال. قوله جل ذكره: {وَٱلطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَٱلطَّيِّبُونَ لِلْطَّيِّبَاتِ}. {وَٱلطَّيِّبَاتُ}: من الأعمال هي الطاعات والقُرَبُ للطيبين, والطيبون هم المُؤْثِرُون لها والساعون في تحصيلها. {وَٱلطَّيِّبَاتُ}: من الأحوال - وهي تحقيق المواصلات بما هو حقُّ الحق، مُجَرَّداً عن الحظوظ {لِلطَّيِّبِينَ} من الرجال، وهم الذين سَمَتْ هِمَّتهم عن كلِّ مُبْتَذَلٍ خسيس، ولهم نفوسٌ تسموا إلى المعالي، وهي التجمُّلُ بالتذلل لِمَنْ له العِزَّةُ. ويقال الطيبات من الأموال - وهي التي لا نكيرَ للشرع عليها، ولا مِنَّةَ لمخلوقٍ فيها - للطيبين من الرجال، وهم الأحرار الذين تخلَّصوا من رِقِّ الكون. ويقال {وَٱلطَّيِّبَاتُ} من الأشخاص وهن المُبَرَّاتُ من وهج الخطر، المتنقيات عن سفساف أخلاق البشرية، وعن التعريج في أوطان الشهوات - {لِلطَّيِّبِينَ} من الرجال الذين هم قائمون بحقِّ الحقِّ؛ لا يصحبون الخلْقَ إلا للتعفُّفِ، دون استجلابِ الشهوات. {لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}. لهم مغفرةٌ في المآل، ورزقٌ كريم في الحال وهو ما ينالون من غير استشرافٍ، ولا تطلب طمعٍ، ولا ذلِّ مِنِّةِ ولا تقديم تعَبٍ.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {ٱلْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَٱلْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَٱلطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَٱلطَّيِّبُونَ لِلْطَّيِّبَاتِ} خبائث هو اجس النفوس ووساوس الشياطين ومزخرفاتها للبطالين من المرائين والمغالطين وهم لها وطيبات الهام الله بوسائط الملائكة لاصحاب القلوب والارواح والقول من العارفين وهم لها وايضا النزهات والطامات للسالوسين والحقائق والدقائق من المعارف وشرح الكواشف للعارفين والمحبين وايضا الاوصاف المذمومة النفوس والاخلاق المحمودة للارواح والقلوب وقال عبد العزيز المكى الدنيا وخبائثها للخبيثين من الرجال المحبين لها ولهم يصلح الدنيا والمحبون للدنيا للخبيثات اى للدينا ولها يصلحون وقال الطيبات هى الأخرة وكرامتها للطيبين لها ولهم يصلح الاخرة والطيبون للطيبات المحبون للاخرة واكر منها ولها يصلحون وقال الاستاذ الطيبات من الاعمال هى الطاعت والقرب المطيبين وهم الموثورون لها المسارعون فى تحصيلها والطيبات من الاحوال هى تحقيق الموصلات بما هو حق الحق مجردا عنه الحظوظ للطيبين من الرجال وهم الذين سمت همهم عن كل مبتدذل عسيس ولهم نفوس قسموا الى المعانى وهى التحمل بالتذلل لمن له العزة.

اسماعيل حقي

تفسير : {الخبيثات} من النساء اى الزوانى: وبالفارسية [زنان ناباك] {للخبيثين} من الرجال اى الزناة كابن ابىّ المنافق تكون له امرأة زانية اى مختصات بهم لا يكدن يتجاوزنهم الى غيرهم لان لله ملكا يسوق الاهل الى الاهل ويجمع الاشكال بعضا الى بعض على ان اللام للاختصاص {والخبيثون} ايضا: وبالفارسية [مردان ناباك] {للخبيثات} لان المجانسة من دواعى الانظمام {والطيبات} منهن اى العفائف {للطيبين} منهم اى العفيفين {والطيبون} ايضا {للطيبات} منهن بحث لا يكادون يجاوزونهن الى من عداهن وحيث كان رسول الله عليه السلام اطيب الاطيبين وخيرة الاولين والآخرين تبين كون الصديقة من اطيب الطيبات بالضرورة واتضح بطلان ما قيل فى حقها من الخرافات حسبما نطق به قوله تعالى {اولئك} الموصوفون بعلو الشان يعنى اهل البيت، وقال فى الاسئلة المقحمة آية الافك نزلت فى عائشة وصفوان فكيف ذكرها بلفظ الجمع والجواب لان الشين وعار الزنى والمعرة بسببه تتعدى الى الرسول لانه زوجها والى ابى بكر الصديق لانه ابوها والى عامة المسلمين لانها امهم فذكر الكل بلفظ الجمع {مبرءون} [بيزار كرده شدكان يعنى منزه ومعرا اند] {مما يقولون} اى مما يقوله اهل الافك فى حقهم من الاكاذيب الباطلة وفى جميع الاعصار والاطوار الى يوم القيامة {لهم مغفرة} عظيمة لما يخلوا عنه البشر من الذنب {ورزق كريم} فى الجنة اى كثير ويقال حسن، قال الكاشفى [يعنى ريح وبسيار وبايدار مراد نعيم بهشت است]، قال الراغب كل شىء يشرف فى بابه فانه يوصف بالكرم وقال بعضهم الرزق الكريم هو الكفاف الذى لامنة فيه لاحد فى الدنيا ولا تبعة له فى الآخرة، يقول الفقير الظاهر من سوق الآيات ولا سيما من قوله {ممايقولون} ان المعنى ان الخبيثات من القول: يعنى [سخنان ناشايسته وناباك] للخبيثين من الرجال والنساء واى مختصة ولائقة بهم لاينبغى ان تقاتل فى حق غيرهم وكذا الخبيثون من الفريقين احقاء بان يقال فى حقهم خبائث القول والطيبات من الكلم للطيبين من الفريقين اى مختصة وحقيقة بهم وكذا الطيبون من الفريقين احقاء بان يقال فى شأنهم طيبات الكم اولئك الطيبون مبرأون مما يقول الخبيثون فى حقهم فمآ له تنزيه الصديقة ايضا، وقال بعضهم خبيثات القول مختصة بالخبيثين من فريقى الرجال والنساء لا تصدر عن غيرهم والخبيثون من الفريقين مختصون بخبائث القول متعرضون لها كابن ابى المنافق ومن تابعه فى حديث الافك من المنافقين اذ كل اناء يترشح بما فيه والطيبات من الكلام للطيبين من الفريقين اى مختصة بهم لا تصدر عن غيرهم والطيبون من الفريقين مختصون بطيبات الكلام لايصدر عنهم غيرها اولئك الطيبون مبرأون مما يقول الخبيثون من الخبائث اى لا يصدر عنهم مثل ذلك فمآله تنزيه القائلين سبحانك هذا بهتان عظيم، وقد وقع ان الحسن بن زياد بن يزيد الساعى من اهل طبرستان وكان من العظماء وكان يلبس الصوف ويأمر بالمعروف وكان يرسل فى كل سنة الى بغداد عشرين الف دينار تفرق على اولاد الصحابة فحصل عنده رجل من اشياع العلويين فذكر عائشة رضى الله عنها بالقبيح فقال الحسن لغلامه يا غلام اضرب عنق هذا فنهض اليه العلويون وقالوا هذا رجل من شيعتنا فقال معاذ الله هذا طعن على رسول الله فان كانت عائشة خبيثة كان زوجها ايضا كذلك وحاشاه صلى الله عليه وسلم من ذلك بل هو الطيب الطاهر وهى الطيبة الطاهرة المبرأة من السماء يا غلام اضرب عنق هذا الكافر فضرب عنقه: وفى المثنوى شعر : ذره كاندر همه ارض وسماست جنس خودرا همجو كاه وكهرباست ناريان مر ناريانرا جازبند نوريان مر نوريانرا طالبند اهل باطل باطلانرا مى كشند اهل حق ازاهل حق هم سرخوشتند طيبات آمد زبهر طيبين الخبيثات للخبيثين است بين تفسير : وقال الراغب الخبيث ما يكره رداءة وخساسة محسوسا كان او معقولا وذلك يتناول الباطل فى الاعتقاد والكذب فى المقال والقبيح فى الفعال وقوله {الخبيثات للخبيثين} اى الاعمال الرديئة والاختيارات النبهرجة لامثالها واصل الطيب ما يستلذه الحواس وقوله {والطيبات للطيبين} تنبيه على ان الاعمال الطيبة تكون من الطيبين كما روى {المؤمن اطيب من عمله والكافر اخبت من عمله}. وفى التأويلات النجمية يشير الى خباثة الدنيا وشهواتها انها للخبيثين من ارباب النفوس المتمردة والخبيثون من اهل الدنيا المطمئنين بها للخبيثات من مستلذات النفس ومشتهيات هواها معناه انها لا تصلح الا لهم وانهم لا يصلحون الا لها، وايضا الخبيثات من الاخلاق الذميمة والاوصاف الرديئة للخبيثين من الموصوفين بها والطيبات من الاعمال الصالحة والاخلاق الكريمة للطيبين من الصالحين وارباب القلوب يعنى خلقت الطيبات للطيبين والطيبون للطيبات كقوله {أية : ولذلك خلقهم}تفسير : وقال عليه السلام "حديث : اعملوا فكل ميسر لما خلق له"تفسير : وقال عليه الصلاة والسلام "حديث : خلقت الجنة وخلق لها اهل وخلقت النار وخلق لها اهل"تفسير : وفى حقائق البقلى خبيثات هواجس النفس ووساوس الشيطان للبطالين من المرائين والمغالطين وهم لها وطيبات الهام الله بوساطة الملائكة لاصحاب القلوب والارواح والعقول من العارفين، وايضا الترهات والطامات للمرتابين والحقائق والدقائق من المعارف وشرح الكواشف للعارفين والمحبين انتهى، وكان مسروق اذا روى عن عائشة رضى الله عنها يقول حدثتنى الصديقة بنت الصديق حبيبة رسول الله المبرأة من السماء وجاء ان ابن عباس رضى الله عنهما دخل على عائشة فى موتها فوجدها وجلة من القدوم على الله فقال لها لا تخافى فانك لا تقدمين الا على مغفرة ورزق كريم فغشى عليها من الفرح بذلك لانها كانت تقول متحدثة بنعمة الله عليها لقد اعطيت خصالا ما اعطيتهن امرأة لقد نزل جبريل بصورتى فى راحته حتى امر رسول الله ان يتزوجنى ولقد تزوجنى بكرا وما تزوج بكرا غيرى ولقد توفى وان رأسه لفى حجرى ولقد قبر فى بيتى وان الوحى ينزل عليه فى اهله فيتفرقون منه وانه كان لينزل عليه وانا معه فى لحاف واحد وابى رضى الله عنه خليفته وصديقه ولقد نزلت براءتى من السماء ولقد خلقت طيبة عند طيب لقد وعدت مغفرة وزرقا كريما.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {الخبيثاتُ} من النساء {للخبيثين} من الرجال، {والخبيثون} من الرجال {للخبيثات} من النساء. وهذه قاعدة السنة الإلهية، أن الله تعالى يسوق الأهل للأهل، فمن كان خبيثاً فاسقاً يُزوجه الله للخبيثة الفاسقة مثله، ومن كان طيباً عفيفاً رزقه الله طيبة مثله. وهو معنى قوله تعالى: {والطيباتُ} من النساء {للطيبين} من الرجال {والطيبون} من الرجال، {للطيباتِ} من النساء، فهذا هو الغالب. وحيث كان - عليه الصلاة والسلام - أطيب الأطيبين، وخيرة الأولين والآخرين، تبين كون الصديقة - رضي الله عنها - من أطيب الطيبات، واتضح بطلان ما قيل فيها من الخرافات، حسبما نطق به قوله تعالى: {أولئك مبرؤون مما يقولون}، على أن الإشارة إلى أهل البيت، المنتظمين في سلك الصِّدِّيقِيَّةِ انتظاماً أولياً، وقيل: إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والصدِّيقة وصفوان، وما في اسم الإشارة من معنى البُعد، للإيذان بعلو رتبة المشار إليهم، وبُعْدِ منزلتهم في الفضل، أي: أولئك الموصوفون بعلو الشأن: مبرؤون مما يقوله أهله الإفك في حقهم من الأكاذيب الباطلة. وقيل: (الخبيثات) من القول تقال (للخبيثين) من الرجال والنساء، أي: لائقة بهم، لا ينبغي أن تقال إلا لهم. (والخبيثون) من الفريقين أَحِقَّاءُ بأن يُقَالَ في حقهم خبائث القول. (والطيبات) من الكلم (للطيبين) من الفريقين، مختصة بهم، وهم أحقاء بأن يقال في شأنهم طيبات الكلم. {أولئك} الطيبون {مبرؤون} مما يقول الخبيثون في حقهم. فمآله تنزيه الصديقة أيضاً. وقيل: الخبيثات من القول لا تصدر إلا من الخبيثين، والطيبات من الكلمات لا تصدر إلا من الطيبين، وهم مبرؤون مما يقوله أهل الخبث، لا يقع ذلك منهم أَلْبَتَّةَ، {لهم مغفرة} لما لا يخلو عنه البشر من الذنب، {ورزق كريم}؛ هو نعيم الجنان. دخل ابن عباس رضي الله عنه على عائشة - رضي الله عنها - في مرضها، وهي خائفة من القدوم على الله عز وجل، فقال: لا تخافي، فإنك لا تقدمين إلا على مغفرة ورزق كريم، وتلى الآية، فغشي عليها: فرحاً بما تلا. وقالت رضي الله عنها -: (قد أُعْطِيت تسعاً ما أُعْطِيَتْهُنَّ امرأة: نزل جبريل بصورتي في راحته، حين أمر- عليه الصلاة والسلام - أن يتزوجني، وتزوجني بكراً، وما تزوج بكراً غيري، وتوفي - عليه الصلاة والسلام - ورأسه في حِجْري، وقبره في بيتي، وينزل عليه الوحي وأنا في لحافه، وأنا ابنة خليفته وصديقه، ونزل عذري من السماء، وخُلقت طيبة عند طيب، ووُعدت مغفرةً ورزقاً كريماً). الإشارة: الأخلاق الخبيثة؛ مثل الكبر، والعجب، والرياء، والسمعة، والحقد، والحسد، وحب الجاه والمال، للخبيثين، والخبيثون للخبيثات، فهم متصفون بها، وهي لازمة لهم، إلا أن يَصْحُبوا أهل الصفاء والتطهير، فيتطهرون بإذن الله، والأخلاق الطيبات؛ كالتواضع، والإخلاص، وسلامة الصدور، والزهد، والورع، والسخاء، والكرم، وغير ذلك من الأخلاق الطيبة، للطيبين، والرجال الطيبون للأخلاق الطيبات. أولئك مبرؤون مما يقول أهل الإنكار فيهم، لهم مغفرة؛ ستر لعيوبهم، ورزق كريم لأرواحهم؛ من قوت اليقين، وشهود رب العالمين. وبالله التوفيق. ولمّا كان سبب الافك هو تهمة الخلوة، أمر بالاستئذان، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً...}

الطوسي

تفسير : قيل في معنى الآية أربعة اقوال: احدها - قال ابن عباس ومجاهد والحسن والضحاك: معناه {الخبيثات} من الكلم {للخبيثين} من الرجال أي صادرة منهم. الثاني - في رواية أخرى عن ابن عباس: أن {الخبيثات} من السيآت {للخبيثين} من الرجال، والطيبات من الحسنات للطيبين من الرجال. الثالث - قال ابن زيد: {الخبيثات} من النساء {للخبيثين} من الرجال، كأنه ذهب الى اجتماعها للمشاكلة بينهما. والرابع - قال الجبائي: {الخبيثات} من النساء الزواني {للخبيثين} من الرجال الزناة، على التعبد الأول ثم نسخ، وقيل الخبيثات من الكلم إنما تلزم الخبيثين من الرجال وتليق بهم. والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات عكس ذلك على السواء في الاقوال الأربعة. والخبيث الفاسد الذي يتزايد فى الفساد تزايد النامي فى النبات، ونقيضه الطيب. والحرام كله خبيث. والحلال كله طيب. وقوله {أولئك مبرؤن مما يقولون} قال مجاهد معناه: الطيبون من الرجال مبرؤن من خبيثات القول، يغفرها الله لهم. ومن كان طيباً، فهو مبرؤ من كل قبيح. ومن كان خبيثاً، فهو مبرؤ من كل طيب بأن الله يرده عليه. ولا يقبله منه. وقال الفراء وغيره: يرجع ذلك الى عائشة، وصفوان بن معطل كما قال {أية : فإن كان له أخوة} تفسير : والام تحجب بالاخوين، فجاء على تغليب لفظ الجمع الذي يجري مجرى الواحد فى الاعراب، وانما قال {مبرؤن....} الآية، لأنه ذكر صفة الجمع، والمبرأ المنزه عن صفة الذم، المنفي عنه صفة العيب، يقال: برّأه الله من كذا، إذا نفاه عنه. والله تعالى يبرئ المؤمنين من العيوب التي يضيفها اليهم أعداؤهم، ويفضح من يكذب عليهم. وقوله {لهم مغفرة ورزق كريم} أي لهؤلاء الطيبين من الرجال والنساء مغفرة من الله لذنوبهم، وعطية من الله كريمة، فالرزق الكريم هو الذي يعطي الخير على الادرار المهنأ، من غير تنغيص الامتنان، وهو رزق الله تعالى الذي يعم جميع العباد، ويخص من يشاء بالزيادة فى الافعال. وقال قتادة {لهم مغفرة من الله ورزق كريم} فى الجنة.

الجنابذي

تفسير : {ٱلْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَٱلْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَٱلطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَٱلطَّيِّبُونَ لِلْطَّيِّبَاتِ} المراد بالخبيثات والطّيّبات الاقوال الخبيثة والطّيّبة بقرينة ذكرها عقيب الافك، او الاعمال الخبيثة والطّيّبة سواء كانت من سنخ الافعال والاقوال، او العلوم والاخلاق والاحوال، او المراد بها النّساء الخبيثات والطّيّبات بقرينة ذكرها عقيب افك عائشة او مارية، او المراد مطلق ما تسمّى بالخبيثات والطّيّبات سواء كانت من سنخ الاقوال والاوصاف، او من سنخ الذّوات من المطعومات والمشروبات والملبوسات والمنظورات والمسكونات والمنكوحات، وعلى تعميم الخبيثات ينبغى تعميم الخبيثين للرّجال والنّساء بطريق التّغليب، وعن الحسن المجتبى (ع) انّه قال بعدما حاج معاوية واصحابه وقام من مجلسه: الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات هم والله يا معاوية انت وأصحابك هؤلآء وشيعتك، والطّيّبات للطّيّبين الى آخر الآية هم علىّ بن ابى طالبٍ واصحابه وشيعته {أُوْلَـٰئِكَ} يعنى صفوان وعائشة او جريح ومَارية وامثالهما او الطّيّبون والطّيّبات {مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ} فيهم من الافك او ممّا يقوله الخبيثون يعنى من ان يقولوا مثل قولهم {لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} لطيبوبتهم وطيبوبة هذين.

الهواري

تفسير : قوله: {الخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ} أي: الخبيثات من القول والعمل للخبيثين من الرجال والنساء، والخبيثون من الرجال والنساء للخبيثات من القول والعمل، والطيّبات من القول والعمل للطيِّبين من الرجال والنساء، والطيّبون من الرجال والنساء للطيّبات من القول والعمل. وهذا في قصة عائشة. قال: {أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ} أي: لذنوبهم {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} أي: في الجنة. قوله: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأنِسُوا} [سعيد عن قتادة قال: وهو الاستئذان]. {وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا}. ذكروا عن مجاهد قال: (حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا) أي: حتى تتنحنحوا أو تنخّموا. وقال بعضهم: حتى تسلّموا، وهي مقدمة ومؤخرة، أي: حتى تسلّموا وتستأذنوا. حديث : ذكروا أن رجلاً استأذن على النبي عليه السلام فقال لرجل عنده: قم فعلم هذا كيف يستأذن، فإنه لم يحسن يستأذن. فخرج إليه الرجل، فسلّم ثم استأذن . تفسير : ذكروا عن زيد بن أسلم قال: جئت ابن عمر في داره فقلت: أَلج، فأذن لي، فدخلت، فقال: يا ابن أخي، إذا استأذنت فلا تقل: ألج، وقل: السلام عليكم، فإذا قالوا: وعليك فقل: آدخل. فإذا قالوا: ادخل فادخل. ذكروا عن الحسن قال: استأذن الأشعري على باب عمر ثلاث مرات، فلم يؤذن له، فرجع. فأرسل إليه عمر فقال له: ما ردّك عن بابنا؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : من استأذن ثلاث مرات فلم يؤذن له فليرجع. فقال له: لَتأتيَنّي على ذلك بيّنة وإلا عاقبتك. تفسير : فجاء بطلحة فشهد له. وفي حديث عمرو عن الحسن في هذا الحديث: حديث : الأولى إذن، والثانية مؤامرة، والثالثة عزيمة إن شاءوا أذنوا وإن شاءوا ردّوا . تفسير : ذكر بعضهم قال: كنا ونحن نطلب الحديث إذا جئنا إلى باب الفقيه استأذن منا رجل مرّتين، فإن لم يؤذن له تقدّم آخر فاستأذن مرّتين، مخافة أن يستأذن الرجل منا ثلاثاً فلا يؤذن له، ثم يؤذن بعد، فلا يستطيع أن يدخل لأنه لم يؤذن له وقد أذن لغيره. ذكروا عن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : لا تأذن المرأة في بيت زوجها وهو شاهد إلا بإذنه . تفسير : ذكروا عن عطاء بن يسار قال: "حديث : إن رجلاً قال: يا رسول الله، استأذن على أمي؟ [قال: نعم، قال: إني أخدمها، فقال: استأذن عليها] فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أعادها عليه. فقال: أتحب أن تراها عريانة؟ قال الرجل: لا. قال: استأذن عليها ". تفسير : ذكروا عن عطاء قال: كان لي أخوات فسألت ابن عباس: أستأذن عليهن؟ فقال: نعم. وذكروا أن علياً قال: يستأذن الرجل على كل امرأة إلا على امرأته. ذكروا أن عمر استأذن على قوم فأُذن له، فقال: ومن معي؟ فقيل له: ومن معك، فدخلوا. ذكروا عن الحسن أنه قال: ليس في الدور إذن. يعني الدّور المشتركة. التي فيها حُجَر. وليس في الحوانيت إذن. قال بعضهم: إذا وضعوا أمتعتهم، وفتحوا أبوابها، وقالوا للناس هلمّوا. ذكروا عن ابن عمر أنه كان إذا استأذن ليدخل في بيوت التجار فقالوا: ادخل بسلام، لم يدخل، لقولهم ادخل بسلام. قوله: {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} أي: لكي تذّكّروا.

اطفيش

تفسير : {الخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ} اي الكلمات والافعال الخبيثات للرجال والنساء الخبيثين * {وَالخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ} كذلك وقيل الخبيثات الكلمات الخبيثات * {وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ} أي الكلمات والافعال الطيبات وقيل الكلمات الطيبات {وَالطَّيِّبُونَ للطَّيِّبَاتِ} كذلك والمراد ان الخبث من قول وفعل لا يليق ان يقال أو يفعل الا بالخبيث من الناس والخبث من الناس يليق به ذلك والطيب من الناس يليق بطيب القول والفعل ويليق به طيب القول والفعل كل مناسب للآخر. هذا تفسير الجمهور وذلك كلام جرى مجرى المثل لعائشة وصفوان ان ما رميا به لا يطابق حالهما وفي ذلك تعريض بمدح عائشة وصفوان وذم راميهما. وقيل: المعنى ان الكلمة الخبيثة انما تصدر من الخبيث والطيبة من الطيب فذلك تعريض بان من نفى عنهما ما رميا به طيب ومن رماهما خبيث ودخل في الخبيثين الرجال والنساء وكذا في الطيبين. وقيل: المعنى النساء الخبيثات يتزوجن الرجال الخبيثين وبالعكس ولو صدق الا فكون لما كانت عائشة زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم فالحاصل ان عبدالله بن ابيّ هو الخبيث وبه تليق الكلمة الخبيثة وقوعا منه وايقاعا عليه والزوجة الخبيثة وكذلك مثله بخلاف عائشة ومثلها فيليق بها الطيب من القول وزوجها طيب وكذا صفوان {أُولَئِكَ} الطيبون {مُبْرأَونَ} منزهون * {مِمَّا يَقُولُونَ} اي مما يقول الآفكون فيهم وذلك كله على العموم. وقيل: المراد أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: النبي صلى الله عليه وسلم وصفوان رضي الله عنهما. وقيل: عائشة وصفوان عبر عنهما بالجمع. وقيل: عائشة وجمع لها تعظيما ويجوز ان يكون المعنى اولئك مبرأون من ان يقولوا مثل ما قال الخبيثون الافكون. وممن فسر الخبيثات والطيبات بالاقوال والافعال ابن عباس وممن فسرها بالنساء ابن زيد. {لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ} بذنوبهم * {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} في الجنة. وكان مسروق إذا حدث عن عائشة قال حدثتني الصديقة بنت الصديق حبيبة رسول الله المبرأة من السماء وعن عائشة رضي الله عنها لقد (اعطيت تسعا ما اعطيتهن امرأة لقد نزل جبريل عليه السلام بصورتي في راحته حين امر رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يتزوجني وروى انه اوتي بصورتها في حريرة وقال هذه زوجتك ولقد تزوجني بكرا وما تزوج بكرا غيري ولقد توفي وان رأسه في حجري وفي يومي ولقد اقبر في بيتي ولقد حفته الملائكة في بيتي وان الوحي لينزل عليه في أهله فيتفرقون عنه وان كان لينزل عليه وانا معه في لحافه واني لابنة خليفته وصديقه ولقد نزل عذري من السماء ولقد خلفت طيبا عند طيب ولقد وعدت مغفرة ورزقا كريما).

اطفيش

تفسير : {الخبيثات} بالمعاصى وعدم العفة من النساء {للخبيثين} كذلك من الرجال على حد ما مر فى قوله: "أية : الزانى لا ينكح إلاَّ زانية"تفسير : [النور: 3] الخ. {والخبيثون للخبيثات} كذلك أو الكلمات الخبيثات تثبت للخبيثين من الرجال والنساء، يذمهم الله والمسلمون بها، كاللعنة والغضب من الله، أو الكلمات الخبيثات للخبيثين من الرجال والنساء، تصدر منهم على المؤمنين، وفى هذين الوجهين تغليب الذكور فى الخبيثين. {والطيبات} بالطاعة والعفة {للطيبين والطيبون للطيبات} ورسول الله أطيب الأطيبين فلا يجعل الله زوجه إلا طيبة، ومن قذفها ضل وخالف الصواب. شعر : إن الطيور على أشباهها تقع تفسير : أو الكلمات الطيبات للطيبين من الرجال والنساء مدحاً من الله، والمؤمنين لهم كرحمهم الله ورضى عنهم، أو الكلمات الطيبات للطيبين من الرجال والنساء، تصدر منهم للمؤمنين كالمدح والتبرئة من السوء والدعاء بالخير، وفى هذين الوجهين تغليب الذكور فى الطيبين {أولئك} الطيبون أهل البيت النبوى رجالاً ونساء، ودخلت عائشة أولاً والنبى صلى الله عليه وسلم وعائشة وصفوان رضى الله عنهما، وقال الفراء النبى صلى الله عليه وسلم وعائشة إطلاقاً للجمع على اثنين {مبرَّءون مما يقُولُون} مما يقول أهل الإفك أو يقول الخبيثون. {لهم مغفرةٌ} عظيمة لذنوبهم، ولا يخلو الانسان من ذنب {ورزقٌ كَريم} الجنة كما قال فى أزواجه: "أية : وأعتدنا لها رزقاً كريماً"تفسير : [الأحزاب: 31] وهو الجنة، وما غلظ فى القرآن لأحد ما غلظ لعائشة، وكانت تفتخر على ضراتها بذلك، وبنزول الآيات فى مدحها وبراءتها، وبنزول جبريل بصورتها فى حريرة بيضاء عليه صلى الله عليه وسلم حين آمر بتزويجها، وبأنه تزوجها بكراً، وبأنه أتاه الوحى وهو معها فى لحاف، وبأنها أحب نسائه إليه، وأنها رأت جبريل، أنه صلى الله عليه وسلم قبض فى بيتها، وأن رأسه فى حجرها، وأنه دفن فيه لم يله أحد غيرها وغير الملك، وحفته الملائكة فى بيتها، وأن أباها خليفته وصديقه، وأنها خلقت طيبة، ووعد لها رزق كريم، ومغفرة. ومن ذلك حديث "حديث : فضلها على النساء فضل الثريد على الطعام"تفسير : قالت: هجرنى القريب والبعيد، حتى الهرة، أنام جائعة وظامئة، ولا يعرض علىَّ طعام أو شراب، فرأيت فتى قال: مالك؟ قلت: حزينة لما يقال، قال قولى يفرج الله عنك: يا سابغ النعم، ويا دافع النقم، ويا فارج الغمم، ويا كاشف الظلم، يا أعدل من حكم، يا حَسْب من ظلم، يا ولى من ظُلم، يا أول بلا بداية، ويا آخر بلا نهاية، يا من له اسم بلا كنية، اللهم اجعل لى من أمرى فرجاً ومخرجاً، فانتبهت ريانة شبعانة، قد أنزل الله تعالى براءتى، وهو دعاء الفرج. ويناسب الاحصان فرض الاستئذان قالت امرأة: يا رسول الله يفاجئنى فى بيتى داخل على حال لا أحب أن يرانى فيها أحد، فنزل قوله تعالى: {يا أيها الَّذين آمنوا لا تدْخلوا بيوتاً غير بيُوتِكُم حتى تستأنسُوا} الخ من فيها ولو غير ملاكها، فسر ابن عباس رضى الله عنهما الاستئناس بالاستئذان، لأن الاستئناس طلب الايناس، وهو العلم أو الابصار، والابصار طريق الى العلم، فالاستئناس طلب العلم، والمستأذن يطلب أن يعلم، هل يؤذن له، أو الاستئناس طلب الأنس بضم الهمزة ضد الوحشة، ومريد الدخول كالمستوحش من خفاء الحال، هل يؤذن، فإن أذن له حصل له الأنس، أو الاستئناس طلب معرفة هل فى البيت إنس بكسر الهمزة أو من هو أى ناس أو واحد ليأذن له، وهو اشتقاق من اسم العين، كعانه أَبصره بعينه، وأنف مسرج اشتقاقا من السراج، وهو ضعيف لهذا الاشتقاق، ولأن ذلك أنه يدخل بلا إذن ولا تلوم الضعفين مناسبة، فإن لم تجدوا فيها أحداً أو حتى تطلبوا علم أهل البيت بأنكم تريدون الدخول فيأذنوا أو يتركوا، بأن تسبحوا أو تحمدوا أو تكبروا طلباً للإذن أو تؤنسوا أهل البيت بإعلامهم بالتسبيح ونحوه، كالتنحنح أو تؤنسوا أهل البيت من أنفسكم بالاستئذان ونحوه فيأذنوا أو يتركوا، كما جاء به الحديث، وتؤنسوا أنفسكم بأنه قد علم بكم وهو ضعيف. {وتُسلِّموا على أهْلِها} وكل من الاستئذان والتسليم واجب، وذكر ابن جزء الكلبى الأندلسى أن وجوب الاستئذان أعظم من وجوب السلام، وكلاهما واجب كما فسر كلامه محشية أو عبد الله الغرناطى، والاستئذان قبل التسليم، وقيل بعده لحديث: "حديث : السلام قبل الكلام"تفسير : قال عطاء: سمعت أبا هريرة يقول: إذا قال الرجل: ادخل فقل: لا حتى تجيئ بالمفتاح، فقلت المفتاح السلام عليكم؟ قال: نعم، وحمل بعضهم هذا الحديث على سلام الملاقاة، وعلى كل حال لا بد من وقوعه قبل الدخول، وأما قول أبى هريرة لا يؤذن لمن يستأذن حتى سلم بمعناه فرض السلام، وأنه لا يؤذن له إن لم يسلم، وممن يقدم السلام ابن عمر، وكان عمر يقول: السلام على رسول الله، أيدخل عمر، واختار بعض أنه إن رأيت أحداً أو قرب فقدم السلام، وإلا فالاستئذان. ولا يستأذن أكثر من ثلاث إلا أن تحقق أن من فى البيت لم يسمع، قال الطبرانى، عن أبى أمامة عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : من كان يؤمن أنى رسول الله فلا يدخل على أهل بيت حتى يستأذن ويسلم"تفسير : وإذا تفسح الباب أو لم يكن باب استأذن من جانب لئلا يرى وما فى داخله، ومن دخل بلا إذن أو نظر داخل البيت بعينه هلك، وإن فقأ عينه أحد من داخل البيت هدر دمه، كما قال صلى الله عليه وسلم للناظر فى بيته: "حديث : لو علمت أنك تنظرنى لطعنت فى عينك بهذه المدرى"تفسير : وهو على ظاهره لقول أبى هريرة عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن ففقأت عينه بحصاة لم يكن عليك حرج" تفسير : واختار بعض أن ذلك بمعنى أن يفعل به مالا يعود معه الى النظر فى البيوت، كما أمر بلالا بقطع لسان عباس بن مرداس حين مدحه وأراد إعطاءه. {ذلكم} المذكور من الاستئذان والتسليم، أو ذلك الدخول بهما {خير لكم} منفعة لكم ضد السوء، أو أفضل من الدخول بلا إذن، فقد يشاهد ما لا يرضى رب البيت، وبلا سلام كما تقول الجاهلية: حييتم صباحاً، أو حييتم مساء فيدخلون، ووجه التفضيل أن الجاهلية يعدون ما يفعلون حسناً، ويعدون الانتظار مذلة، أو اسم التفضيل خارج عن بابه {لعلَّكم} فرض ذلك لعلكم {تذكَّرون} أو لتذكروا فتعلموا بموجبه، وأجر المسلم سلام الدخول أو سلام اللاقاة أكثر من سلام الراد، لأنه ابتدأ فله فضل السبق، وكل من البدء والرد فرض عند الدخول. وأما سلام الملاقاة فسلام البادى أفضل عند بعض، لأنه بدء فله فضل السبق، وفضل أنه سبب الرد الواجب، وقيل الراد أفضل لوجوب الرد، والواجب أفضل ويجب السلام عند الدخول على الصبى فى البيت، ولو كان لا يجب على الصبى الرد، أما سلام الملاقاة على الصبيان، فزعم بعض أنه لا ينبغى، فقيل لأنه لا يجب عليه الرد وليس بشىء، والحق أنه يسلم عليهم استجاباً إن كانوا لا يعقلون، وعدم وجوب الرد عليهم لا يبطل السنة الواردة فى عموم السلام، وأيضاً فى السلام عليهم تعليم، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : بعثت معلماً ". تفسير : قال أنس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلم علينا ونحن صبيان، ويبعثنى خصوصاً فى حاجة، وكذا كان ابن عمر يسلم على الصبيان، وكذا قال عمر بن عنبسة يسلم علينا ابن عمر، ونحن صبيان، والصواب عنبسة بن عمار، لا عمر بن عنبسة، وعن ابن سيرين: أنه كان يسلم عليهم بلا إسماع لهم، وروى أن الحسن لا يسلم على الصبيان.

الالوسي

تفسير : وقوله تعالى: {ٱلْخَبِيثَـٰتُ} الخ كلام مستأنف مؤسس على السنة الجارية فيما بين الخلق على موجب أن لله تعالى ملكاً يسوق الأهل إلى الأهل، وقول القائل: شعر : إن الطيور على أشباهها تقع تفسير : أي الخبيثات من النساء {لِلْخَبِيثِينَ } من الرجال أي مختصات بهم لا يتجاوزنهم إلى غيرهم، على أن اللام للاختصاص {وَٱلْخَبِيثُونَ } أيضاً {لِلْخَبِيثَـٰتِ } لأن المجانسة من دواعي الانضمام {وَٱلطَّيّبَـٰتُ } منهن {لِلطَّيّبِينَ } منهم {وَٱلطَّيّبُونَ } أيضاً {لِلْطَّيّبَـٰتِ } منهن بحيث لا يتجاوزونهن إلى من عداهن وحيث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب الأطيبين وخيرة الأولين والآخرين تبين كون الصديقة رضي الله تعالى عنها من أطيب الطيبات بالضرورة واتضح بطلان ماقيل فيها من الخرافات حسبما نطق به قوله سبحانه: {أُوْلَـئِكَ مُبَرَّءونَ مِمَّا يَقُولُونَ } على أن الإشارة إلى أهل البيت النبوي رجالاً ونساءً ويدخل في ذلك الصديقة رضي الله تعالى عنها دخولاً أولياً، وقيل: إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والصديقة وصفوان، وقال الفراء: إشارة إلى الصديقة وصفوان والجمع يطلق على ما زاد على الواحد. وفي الآية على جميع الأقوال تغليب أي أولئك منزهون مما يقوله أهل الإفك في حقهم من الأكاذيب الباطلة. وجعل الموصوف للصفات المذكورة النساء والرجال حسبما سمعت رواه الطبراني عن ابن عباس ضمن خبر طويل، ورواه الإمامية عن أبـي جعفر وأبـي عبد الله رضي الله تعالى عنهما، واختاره أبو مسلم والجبائي وجماعة وهو الأظهر عندي. وجاء في رواية أخرى عن ابن عباس أخرجها الطبراني أيضاً وابن مردويه وغيرهما أن الخبيثات والطيبات صفتان للكلم والخبيثون والطيبون صفتان للخبيثين من الناس وروي ذلك عن الضحاك والحسن، و {ٱلْخَبِيثُونَ} عليه شامل للرجال والنساء على سبيل التغليب وكذا {ٱلطَّيّبُونَ} و {أُوْلَـٰئِكَ } إشارة إلى الطيبين وضمير {يَقُولُونَ } للخبيثين، وقيل للآفكين أي الخبيثات من الكلم للخبيثين من الرجال والنساء أي مختصة ولائقة بهم لا ينبغي أن تقال في حق غيرهم وكذا الخبيثون من الفريقين أحقاء بأن يقال في حقهم خبائث الكلم والطيبات من الكلم للطيبين من الفريقين مختصة وحقيقة بهم وهم أحقاء بأن يقال في شأنهم طيبات الكلم أولئك الطيبون مبرؤن عن الاتصاف مما يقول الخبيثون وقيل الآفكون في حقهم فمآله تنزيه الصديقة رضي الله تعالى عنها أيضاً. وقيل: المراد الخبيثات من القول مختصة بالخبيثين من فريقي الرجال والنساء لا تصدر عن غيرهم والخبيثون من الفريقين مختصون بالخبيثات من القول متعرضون لها والطيبات من القول للطيبين من الفريقين أي مختصة بهم لا تصدر عن غيرهم والطيبون من الفريقين مختصون بالطيبات من القول لا يصدر عنهم غيرها أولئك الطيبون مبرؤن مما يقول الخبيثون أي لا يصدر عنهم مثل ذلك، وروي ذلك عن مجاهد، والكلام عليه على حذف مضاف إلى ما؛ ومآله الحط على الآفكين وتنزيه القائلين سبحانك هذا بهتان عظيم. {لَهُم مَّغْفِرَةٌ } عظيمة لما لا يخلو البشر عنه من الذنب، وحسنات الأبرار سيئات المقربين {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } هو الجنة كما / قاله أكثر المفسرين، ويشهد له قوله تعالى في سورة الأحزاب [13] في أمهات المؤمنين {أية : وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً}تفسير : فإن المراد به ثمت الجنة بقرينة {أَعْتَدْنَا } والقرآن يفسر بعضه بعضاً. وفي هذه الآيات من الدلالة على فضل الصديقة ما فيها، ولو قلبت القرآن كله وفتشت عما أوعد به العصاة لم تر الله عز وجل قد غلظ في شيء تغليظه في الإفك وهو دال على فضلها أيضاً، وكانت رضي الله تعالى عنها تتحدث بنعمة الله تعالى عليها بنزول ذلك في شأنها. فقد أخرج ابن أبـي شيبة عنها أنها قالت: خلال فيَّ لم تكن في أحد من الناس إلا ما آتى الله تعالى مريم ابنة عمران والله ما أقول هذا إني أفتخر على صواحباتي قيل: وما هن؟ قالت: نزل الملك بصورتي وتزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم لسبع سنين وأهديت له لتسع سنين وتزوجني بكراً لم يشركه فيَّ أحد من الناس وأتاه الوحي وأنا وإياه في لحاف واحد وكنت من أحب الناس إليه ونزل فيَّ آيات من القرآن كادت الأمة تهلك فيهن ورأيت جبريل عليه السلام ولم يره أحد من نسائه غيري وقبض في بيتي لم يله أحد غير الملك وأنا. وأخرج ابن مردويه عنها أنها قالت: لقد نزل عذري من السماء ولقد خلقت طيبة عند طيب ولقد وعدت مغفرة وأجراً عظيماً. وفي قوله سبحانه: {لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } بناءً على شموله عائشة رضي الله تعالى عنها رد على الرافضة القائلين بكفرها وموتها على ذلك وحاشاها لقصة وقعة الجمل مع أشياء افتروها ونسبوها إليها، ومما يرد زعم ذلك أيضاً قول عمار بن ياسر في خطبته حين بعثه الأمير كرّم الله تعالى وجهه مع الحسن رضي الله تعالى عنه يستنفران أهل المدينة وأهل الكوفة: إني لأعلم أنها زوجة نبيكم عليه الصلاة والسلام في الدنيا والآخرة ولكن الله تعالى ابتلاكم ليعلم أتطيعونه أم تطيعونها، ومما يقضي منه العجب ما رأيته في بعض «كتب الشيعة» من أنها خرجت من أمهات المؤمنين بعد تلك الوقعة لأن النبـي صلى الله عليه وسلم قال للأمير كرم الله تعالى وجهه: قد أذنت لك أن تخرج بعد وفاتي من الزوجية من شئت من أزواجي فأخرجها كرم الله تعالى وجهه من ذلك لما صدر منها معه ما صدر، ولعمري إنّ هذا مما يكاد يضحك الثكلى، وفي حسن معاملة الأمير كرم الله تعالى وجهه إياها رضي الله تعالى عنها بعد استيلائه على العسكر الذي صحبها الثابت عند الفريقين ما يكذب ذلك، ونحن لا نشك في فضلها رضي الله تعالى عنها لهذه الآيات ولما جاء في مدحها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو لم يكن من ذلك سوى ما أخرجه ابن أبـي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: « حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على الطعام » تفسير : لكني مع هذا لا أقول بأنها أفضل من بضعته صلى الله عليه وسلم الكريمة فاطمة الزهراء رضي الله تعالى عنها والوجه لا يخفى، وفي هذا المقام أبحاث تطلب من محلها. ثم إن الذي أراه أن إنزال هذه الآيات في أمرها لمزيد الاعتناء بشأن الرسول عليه الصلاة والسلام ولجبر قلب صاحبه الصديق رضي الله تعالى عنه وكذا قلب زوجته أم رومان فقد اعتراهما من ذلك الإفك ما الله تعالى أعلم به ولمزيد انقطاع عائشة رضي الله تعالى عنها إليه عز وجل مع فضلها وطهارتها في نفسها. وقد جاء في خبر غريب ذكره ابن النجار في «تاريخ بغداد» بسنده عن أنس ابن مالك رضي الله تعالى قال: «كنت جالساً عند أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها لأقر عينها بالبراءة وهي تبكي فقالت: هجرني القريب والبعيد حتى هجرتني / الهرة وما عرض عليّ طعام ولا شراب فكنت أرقد وأنا جائعة ظامئة فرأيت في منامي فتى فقال لي: مالك؟ فقلت: حزينة مما ذكر الناس فقال: ادعي بهذه الدعوات يفرج الله تعالى عنك فقلت: وما هي؟ فقال قولي يا سابغ النعم ويا دافع النقم ويا فارج الغمم ويا كاشف الظلم يا أعدل من حكم يا حسيب من ظلم يا ولي من ظلم يا أول بلا بداية ويا آخر بلا نهاية يا من له اسم بلا كنية اللهم اجعل لي من أمري فرجاً ومخرجاً قالت: فانتبهت وأنا ريانة شبعانة وقد أنزل الله تعالى فرجي، ويسمى هذا الدعاء دعاء الفرج فليحفظ وليستعمل. ثم إنه عز وجل إثر ما فصل الزواجر عن الزنا وعن رمي العفائف عنه شرع في تفصيل الزواجر عما عسى يؤدي إلى أحدهما من مخالطة الرجال بالنساء ودخولهم عليهن في أوقات الخلوات وتعليم الآداب الجميلة والأفاعيل المرضية المستتبعة لسعادة الدارين فقال سبحانه: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ}

ابن عاشور

تفسير : بعد أن برأ الله عائشة رضي الله عنها مما قال عصبة الإفك ففضحهم بأنهم ما جاؤا إلا بسيء الظن واختلاق القذف وتوعدهم وهددهم ثم تاب على الذين تابوا أنحى عليهم ثانية ببراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن تكون له أزواج خبيثات لأن عصمته وكرامته على الله يأبى الله معها أن تكون أزواجه غير طيبات. فمكانة الرسول صلى الله عليه وسلم كافية في الدلالة على براءة زوجه وطهارة أزواجه كلهن. وهذا من الاستدلال على حال الشيء بحال مقارنه ومماثله. وفي هذا تعريض بالذين اختلقوا الإفك بأن ما أفكوه لا يليق مثله إلا بأزواجهم، فقوله: {الخبيثات للخبيثين} تعريض بالمنافقين المختلقين للإفك. والابتداء بذكر {الخبيثات} لأن غرض الكلام الاستدلال على براءة عائشة وبقية أمهات المؤمنين. واللام في قوله: {للخبيثين} لام الاستحقاق. والخبيثات والخبيثون والطيبات والطيبون أوصاف جرت على موصوفات محذوفة يدل عليها السياق. والتقدير في الجميع: الأزواج. وعطف {والخبيثون للخبيثات} إطناب لمزيد العناية بتقرير هذا الحكم ولتكون الجملة بمنزلة المثل مستقلة بدلالتها على الحكم وليكون الاستدلال على حال القرين بحال مقارنه حاصلاً من أي جانب ابتدأه السامع. وذكر {والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات} إطناب أيضاً للدلالة على أن المقارنة دليل على حال القرينين في الخير أيضاً. وعطف {والطيبون للطيبات} كعطف {والخبيثون للخبيثات}. وتقدم الكلام على الخبيث والطيب عند قوله تعالى: { أية : ليميز الله الخبيث من الطيب } تفسير : في سورة الأنفال (37) وقوله: { أية : قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة } تفسير : في سورة آل عمران (38) وقوله: { أية : ويحرّم عليهم الخبائث } تفسير : في سورة الأعراف (157). وغلب ضمير التذكير في قوله: {مبرءون} وهذه قضية كلية ولذلك حق لها أن تجري مجرى المثل وجعلت في آخر القصة كالتذييل. والمراد بالخبث: خبث الصفات الإنسانية كالفواحش. وكذلك المراد بالطيب: زكاء الصفات الإنسانية من الفضائل المعروفة في البشر فليس الكفر من الخبث ولكنه من متمماته. وكذلك الإيمان من مكملات الطيب فلذلك لم يكن كفر امرأة نوح وامرأة لوط ناقضاً لعموم قوله: {الخبيثات للخبيثين} فإن المراد بقوله تعالى: { أية : كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما } تفسير : [التحريم: 10] أنهما خانتا زوجيهما بإبطان الكفر. ويدل لذلك مقابلة حالهما بحال امرأة فرعون { أية : إذ قالت رب ابْننِ لي عندك بيتاً في الجنة } تفسير : إلى قوله: { أية : ونجني من القوم الظالمين } تفسير : [التحريم: 11]. والعدول عن التعبير عن الإفك باسمه إلى {ما يقولون} إلى أنه لا يعدو كونه قولاً، أي أنه غير مطابق للواقع كقوله تعالى: { أية : ونرثه ما يقول } تفسير : [مريم: 80] لأنه لا مال له ولا ولد في الآخرة. والرزق الكريم: نعيم الجنة. وتقدم أن الكريم هو النفيس في جنسه عند قوله: { أية : درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم } تفسير : في سورة الأنفال (4). وبهذه الآيات انتهت زواجر قصة الإفك.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 26- الخبيثات من النساء يَكُنَّ للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال يكونون للخبيثات من النساء، وكذلك الطيبات من النساء يكن للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال يكونون للطيبات من النساء، فكيف يُتصور السوء فى الطيبة المصونة زوج الطيب الأمين، والرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - وهؤلاء الطيبون مبرَّأون من التهم التى يصفهم بها الخبيثون، ولهم مغفرة من الله ما لا يخلو منه البشر من صغار الذنوب، وإكرام عظيم بنعيم الجنة، وطيباتها. 27- يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً ليست لكم إلا بعد أن تطلبوا الإذن من ساكنيها ويسمح لكم بالدخول، وبعد أن تلقوا تحية السلام على ساكنيها. ذلك الاستئذان والسلام خير لكم من الدخول بدونهما، وشرعه الله لكم لتتعظوا وتعملوا به. 28- فإن لم تجدوا فى هذه البيوت أحداً يأذن لكم، فلا تدخلوا حتى يجئ من يسمح لكم به. وإن لم يُسمح لكم وطُلب منكم الرجوع فارجعوا، ولا تلحوا فى طلب السماح بالدخول، فإن الرجوع أكرم بكم وأطهر لنفوسكم، والله مطلع على كل أحوالكم ومجازيكم عليها فلا تخالفوا إرشاداته. 29- وإذا أردتم دخول بيوت عامة غير مسكونة بقوم مخصوصين، ولكم فيها حاجة كالحوانيت والفنادق ودور العبادة فلا حرج عليكم إن دخلتم بدون استئذان، والله عالم أتم العلم بجميع أعمالكم الظاهرة والباطنة فاتقوا مخالفته. 30- قل - يا أيها النبى - للمؤمنين - محذراً لهم مما يوصل إلى الزنا ويعرض للتهم -: إنهم مأمورون ألا ينظروا إلى ما يحرم النظر إليه من عورات النساء ومواطن الزينة منهن، وأن يصونوا فروجهم بسترها وبعدم الاتصال غير المشروع، ذلك الأدب أكرم بهم وأطهر لهم وأبعد عن الوقوع فى المعصية والتهم. إن الله عالم أتم العلم بجميع ما يعملون ومجازيهم على ذلك.

القطان

تفسير : تستأنسوا: تستأذنوا، لأن الاستئذان يحصل به الأنس لأهل البيت. تذكرون: تتعظون. ازكى: اطهر. جُناح. حرج. المتاع: كل ما يُنتفع به من طعام وأثاث ومال. {ٱلْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ....} الآية. في هذه الآية تأكيدٌ على نفي الريبة عن السيدة عائشة بأجلى وضوح، فقد جرت سُنةُ الله في خلقه على مشاكلة الاخلاق والصفات بين الزوجين، فالطيّبات للطيبين والخبيثات للخبيثين... ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم من اطيب الطيبين، وكذلك الصدّيقة عائشة يجب ان تكون من اطيب الطيبات على مقتضى المنطق السليم. {أُوْلَـٰئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ... }. مبرؤن من التهم التي يلصقها بها المنافقون، وقد منَّ الله عليهم بالغفران ورزق كريم عند ربهم في جنات النعيم. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ....} الآيات. في هذه الآيات الثلاثة يبين الله تعالى حُكمَ دخولِ المرء بيتَ غيره، وانه لا يجوز لأي انسان ان يدخل بيت غيره الا بعد الاستئذان، فعلى المؤمنين ان لا يدخلوا بيوتَ غيرهم الا بعد ان يستأذنوا ويسلِّموا على أهلها. فإن لم يجدوا فيها أحداً فلا يجوز لهم ان يدخلوها، وان قيل لهم ارجعوا لأننا مشغولون لا نستطيع استقبالكم فعليهم ان يرجعوا، فان ذلك من فضائل الأخلاق، وحُسنِ المعاشرة، وهو أزكى لهم وأَطهر. ولا بأس ان يدخل المرء بيتاً وضع فيه حاجاتِه ومتاعه، ان كان غير مسكون، وله ان يدخله دون اذن، والله يعلم ما يُظهره الانسان وما يخفيه فليتّقِ الله وليراقبْ نفسه.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْخَبِيثَاتُ} {وَٱلطَّيِّبَاتُ} {أُوْلَـٰئِكَ} (26) - النِّسَاءُ الخَبِيثَاتُ يَكُنَّ للرِّجَالِ الخَبِيِثِينَ، والخَبِيثُونَ مِنَ الرِّجَالِ يَكُونُونُ لِلخَبِيثَاتِ مِنَ النِّسَاءِ، والطَّيِّبُونَ مِنَ الرِّجَالِ يَكُونُونَ للطَّيِّبَاتِ مِنَ النِّسَاءِ، والطَّيِّبَاتُ مِنَ النِّسَاءِ يَكُنَّ للطِّيِّبِينَ مِنَ الرِّجَالِ، لأَِنَّ المُجَانَسَةَ مِنْ دَوَاعِي الالْفَةِ، فَمَا كَانَ اللهُ تَعَالَى لِيَجْعَلَ عَائِشَةَ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهَا، إِلاَّ وَهِيَ طَيِّبَةٌ، لأَِنَّهُ صلى الله عليه وسلم أَطْيَبُ خَلْقِ اللهِ، وَلَوْ كَانَتْ خَبِيثَةً لمَا صَلَحَتْ لَهُ شَرْعاً وَلاَ قَدَراً. والطَّيِّبُونَ والطَّيِّبَاتُ بَعِيدُونَ عَمَّا يَقُولُه أَهْلُ الإِفْكِ، مُبَرَّؤونَ مِنَ التُّهَمِ التي يَصِفُهُمْ بِهَا الخَبِيثُونَ، وَلَهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ بِسَبَبِ مَا قِيلَ فِيهِمْ مِنَ الكَذِبِ، وَلَهُمْ عِنْدَ اللهِ جَنَّاتُ النَّعِيمِ، والرِّزْقُ الكَرِيمُ. (وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ الخَبِيثَاتِ مِنَ الكَلِمَاتِ والأَقْوَالِ لاَئِقَاتٌ بالخَبِيثينَ مِنَ الرِّجَالِ الذينَ يَتَفَوَّهُونَ بِهَا).

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قلنا في تفسير {ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَٱلزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَآ إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ..} [النور: 3] أن الزواج يقوم على التكافؤ، حتى لا يستعلي طرف على الآخر، ومن هذا التكافؤ قوله تعالى: {ٱلْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَٱلْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَٱلطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَٱلطَّيِّبُونَ لِلْطَّيِّبَاتِ ..} [النور: 26]. ثم يقول سبحانه: {أُوْلَـٰئِكَ ..} [النور: 26] أي: الذين دارتْ عليهم حادثة الإفك، وخاض الناس في حقهم، وهما عائشة وصفوان {مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ ..} [النور: 26] أي: مما يُقَال عنهم، بدليل هذا التكافؤ الذي ذكرتْه الآية، فمن أطيبُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وكما ذكرنا أن الله تعالى ما كان ليُدلِّس على رسوله صلى الله عليه وسلم ويجعل من زوجاته مَنْ تحوم حولها الشبهات. إذن: فلا بُدَّ أن تكون عائشة طَيّبةً طِيبةً تكافي وتناسب طِيبة رسول الله؛ لذلك برَّأها الله مما يقول المفترون. وقوله: {لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [النور: 26] مغفرة نزلتْ من السماء قبل القيامة، ورزق كريم، صحيح أن الرزق كله من الله بكرم، لكن هنا يراد الرزق المعنوي للكرامة وللمنزلة وللسمو، لا الرزق الحسيّ الذي يقيم قِوام البدن من أكل وشرب وخلافه. ثم يقول الحق تبارك وتعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {ٱلْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ} قال: القول السيء للخبيثين من الرجال والنساءِ: {أُوْلَـٰئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ} [الآية: 26]. ما قال الكافرون من كلمة حسنة فهي للمؤمنين، وما قال المؤمنون من كلمة خبيثة، فهي للكافرين كل بريء مما لا يحق له من الكلام. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ} [الآية: 27]. يعني: تتنحنحوا، تتنخموا.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن خبيثات المخبثات بقوله تعالى: {ٱلْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَٱلْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ} [النور: 26] يشير إلى خباثة الدنيا وشهواتها أنها للخبيثين من أرباب النفوس المتمردة والخبيثون من أهل الدنيا المطمئنون بها للخبيثات من مستلذات النفس ومشتهيات هواها معناه أنها لا تصلح غلا لهم وأنهم لا يصلحون إلا لها، وأيضاً الخبيثات من الحطام الفانية لذوي الهمم الدنية، وأيضاً الخبيثات من الخبث وهي الحظوظ والمنى لأصحابها والساعين لها والساعون لها غير ممنوعي أحدهما من صاحبه، فالصفة للموصوف ملازمة وأيضاً الخبيثات من النعمات الدنيوية للخبيثين من المنتمين من أهل الدنيا أيضاً الخبيثات من الأهواء والبدع للخبيثين من المبتدعين من أهل الأهواء وأيضاً الخبيثات من الأخلاق الذميمة والأوصاف الردية للخبيثين والموصوفين بها وأيضاً الخبيثات من الملوثات بلوث الحدوث للخبيثين الملوثين بلوث الحدوث. {وَٱلطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ} [النور: 26] الطيبات من الأعمال الصالحات للطيبين {وَٱلطَّيِّبُونَ لِلْطَّيِّبَاتِ} [النور: 26] كقوله تعالى: {أية : وَلِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ} تفسير : [هود: 119]. وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : اعملوا فكل ميسر لما خلق له ". تفسير : وقال: "حديث : خلقت الجنة وخلقت لها أهل وخلقت النار وخلقت لها أهل" تفسير : أيضاً الطيبات من الأحوال وهي تحقيق المواجيد بما هي حق والحق مجرداً عن الحظوظات النفسانية للطيبين من الرجال وهم الذين سَمَتْ هِمَّتهم عن كلِّ مُبْتَذَلٍ خسيس، ولهم نفوسٌ تسموا إلى المعالي، وهي التجمُّلُ بالتذلل لِمَنْ له العِزَّة، ويهيء الطيبات من الأخلاق الكريمة للطيبين من أرباب القلوب السليم وأيضاً الطيبات المطهرات من لوث الحدوث يتجلى صفات القدم للطيبين الفانين عن لوث الوجود الباقين بطيب الجود. كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله طيب لا يقبل إلا الطيب" تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ مُبَرَّءُونَ} من لَوث الحدوث {مِمَّا يَقُولُونَ} أهل الوجود في إثبات وجودهم بحسب سرهم {لَهُم مَّغْفِرَةٌ} يعني: وجودهم المجازي مستور بستر الوجود الحقيقي {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} ولهم هذا المقام ولهم رزقهم من كرم الكريم. وبقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ} [النور: 27] يشير إلى ترك الدخول والسكون في البيوت المجازية الفانية من الأجساد غير البيوت الحقيقية التي هي دار القرار {حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ} [النور: 27] إليها وتطمئنوا بها بل {وَتُسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَهْلِهَا} سلام الوداع للسلم والخلاص منهم {ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النور: 27] أي: تتعظون ولا تركنون إلى الدنيا الفانية وشهواتها، وترجعون إلى الوطن الحقيقي الذي حبه من الإيمان.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 721 : 15 : 16 - سفين عن بن أبي نجيح عن مجاهد في قوله {ٱلْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ} قال، هم مبرءون مما يقال لهم من الطيبات. {وَٱلطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ} قال، هم مبرءون مما يقال لهم من الخبيث. [الآية 26. 722 : 16 : 17 - سفين عن خصيف عن سعيد بن جبير مثله.

همام الصنعاني

تفسير : 2019- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عَنْ مجاهِد في قوله تعالى: {ٱلْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ}: [الآية: 26]، قال: الخبيثات مِنَ الكَلام للخبيثينَ من النَّاسِ، والخبيثون من الناس للخبيثات من الكلام، والطّيِّباتُ من الكلام، للطيبين مِنَ النَّاسِ والطيبون من الناس للطيبات مِنَ الكَلام {أُوْلَـٰئِكَ مُبَرَّءُونَ}: [الآية: 26]، فمن كان طيباً فهُوَ مبرأ من كُلِّ قَوْلٍ خبيث، يقوله يغفره الله له، ومَنْ كَانَ خبيثاً فهو مبرأ من كل قو صالِح قال: يرده الله عليه لا يقبله الله منه.